المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 102 إلى 103] - التحرير والتنوير - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 96 الى 97]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 104 إِلَى 105]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 108 إِلَى 109]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 113 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 123 إِلَى 125]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 126 إِلَى 128]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 130 إِلَى 132]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 133 إِلَى 134]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 140 الى 141]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 146 إِلَى 148]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 153]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 154]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 155]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 156]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 157 إِلَى 158]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 159]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 160]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 161]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 162 إِلَى 163]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 166 إِلَى 168]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 169 إِلَى 172]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 181 إِلَى 182]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 183 إِلَى 184]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 190 إِلَى 194]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 196 إِلَى 198]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 200]

- ‌4- سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 23]

الفصل: ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 102 إلى 103]

وَجُمْلَةُ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ حَالِيَّةٌ، وَهِيَ مَحَطُّ الِاسْتِبْعَادِ وَالنَّفْيِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ تِلَاوَةِ آيَاتِ اللَّهِ وَإِقَامَةِ الرَّسُولِ- عليه الصلاة والسلام فِيهِمْ وَازِعٌ لَهُمْ عَنِ الْكُفْرِ، وَأَيُّ وَازِعٍ، فَالْآيَاتُ هُنَا هِيَ الْقُرْآنُ وَمَوَاعِظُهُ.

وَالظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: وَفِيكُمْ رَسُولُهُ حَقِيقِيَّةٌ وَمُؤْذِنَةٌ بِمَنْقَبَةٍ عَظِيمَةٍ، وَمِنَّةٍ جَلِيلَةٍ، وَهِيَ وُجُودُ هَذَا الرَّسُولِ الْعَظِيمِ بَيْنَهُمْ، تِلْكَ الْمَزِيَّةُ الَّتِي فَازَ بِهَا أَصْحَابُهُ الْمُخَاطَبُونَ. وَبِهَا- يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «لَا تسبّوا أَصْحَابِي فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»

النَّصِيفُ نِصْفُ مُدٍّ.

وَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّ لَهُمْ وَازِعَيْنِ عَنْ مُوَاقَعَةِ الضَّلَالِ: سَمَاعُ الْقُرْآنِ، وَمُشَاهَدَةُ أَنْوَارِ الرَّسُولِ- عليه السلام فَإِنَّ وُجُودَهُ عِصْمَةٌ مِنْ ضَلَالِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ:

أَمَّا الرَّسُولُ فَقَدْ مَضَى إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْكِتَابُ فَبَاقٍ عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ.

وَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ مَنْ يَتَمَسَّكُ بالدّين فَلَا يخْش عَلَيْهِ الضَّلَالُ. فَالِاعْتِصَامُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلتَّمَسُّكِ.

وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى التَّمَسُّكِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَدِينِهِ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا حَيَاةَ

رَسُول الله صلى الله عليه وسلم.

[102، 103]

[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

ص: 29

(103)

انْتَقَلَ مِنْ تَحْذِيرِ الْمُخَاطَبِينَ مِنَ الِانْخِدَاعِ لِوَسَاوِسِ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلَى تَحْرِيضِهِمْ عَلَى تَمَامِ التَّقْوَى، لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ صَلَاحٍ لَهُمْ وَرُسُوخًا لِإِيمَانِهِمْ، وَهُوَ خِطَابٌ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَيَسْرِي إِلَى جَمِيعِ مَنْ يَكُونُ بَعْدَهُمْ.

وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَالتَّقْوَى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وحاصلها امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فِي الْأَعْمَالِ الظّاهرة، والنّوايا الْبَاطِنَة. وَحَقُّ التَّقْوَى هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا تَقْصِيرٌ، وَتَظَاهُرٌ بِمَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الْقُدْرَة، والتّقوى مقدورة لِلنَّاسِ. وَبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَعَارُضٌ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَلَا نَسْخٌ، وَقِيلَ: هَاتِهِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لِأَنَّ هَاتِهِ دَلَّتْ عَلَى تَقْوَى كَامِلَةٍ كَمَا فَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَرَوَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا:«يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يقوى لهَذَا» فَنزلت قَوْلُهُ تَعَالَى:

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَنَسَخَ هَذِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَتَيْنِ للْوُجُوب، وَعَلَى اخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لَا نَسْخٌ، كَمَا حَقَّقَهُ المحقّقون، وَلَكِن شا عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِطْلَاقُ النَّسْخِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْبَيَانَ.

وَالتُّقَاةُ اسْمُ مَصْدَرِ. اتَّقَى وَأَصْلُهُ وُقَيَةٌ ثُمَّ وُقَاةٌ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الْوَاوُ تَاءً تَبَعًا لِإِبْدَالِهَا فِي الِافْتِعَالِ إِبْدَالًا قَصَدُوا مِنْهُ الْإِدْغَامَ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمرَان: 28] .

وَقَوْلُهُ: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى حَالَةٍ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هُوَ الْقَيْدُ: أَعْنِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَحْذُوفَ وَالْمُسْتَثْنَى وَهُوَ جُمْلَةُ الْحَالِ، لِأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ، وَهَذَا الْمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مُفَارَقَةِ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ

ص: 30

مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَهُوَ مَجَازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِمَا

شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ سَاعَةَ الْمَوْتِ أَمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ

وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

فَالنَّهْيُ عَنِ الْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفَارَقَةِ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ أَحْيَانِ الْحَيَاةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ، لَكَانَ تَرْخِيصًا فِي مُفَارَقَةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، وَهُوَ مَعْنًى فَاسِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

وَقَوْلُهُ: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ثَنَّى أَمْرَهُمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ أَنْفُسِهِمْ لَأُخْرَاهُمْ، بِأَمْرِهِمْ بِمَا فِيهِ صَلَاحُ حَالِهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَذَلِكَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى هَذَا الدِّينِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ لِيَكْتَسِبُوا بِاتِّحَادِهِمْ قُوَّةً وَنَمَاءً. وَالِاعْتِصَامُ افْتِعَالٌ مِنْ عَصَمَ وَهُوَ طَلَبُ مَا يَعْصِمُ أَيْ يَمْنَعُ.

وَالْحَبْلُ: مَا يُشَدُّ بِهِ لِلِارْتِقَاءِ، أَوِ التَّدَلِّي، أَوْ لِلنَّجَاةِ مِنْ غَرَقٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَالْكَلَامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ اجْتِمَاعِهِمْ وَالْتِفَافِهِمْ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَوَصَايَاهُ وَعُهُودِهِ بِهَيْئَةِ اسْتِمْسَاكِ جَمَاعَةٍ بِحَبْلٍ أُلْقِيَ إِلَيْهِم من مُنْقِذٍ لَهُمْ مِنْ غَرَقٍ أَوْ سُقُوطٍ، وَإِضَافَةُ الْحَبْلِ إِلَى اللَّهِ قَرِينَةُ هَذَا التَّمْثِيلِ.

وَقَوْلُهُ: جَمِيعاً حَالٌ وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَ إِرَادَةَ التَّمْثِيلِ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ الْأَمْرَ بِاعْتِصَامِ كُلِّ مُسْلِمٍ فِي حَالِ انْفِرَادِهِ اعْتِصَامًا بِهَذَا الدِّينِ، بَلِ الْمَقْصُودُ الْأَمْرُ بِاعْتِصَامِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا، وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ أَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذَا الدّين، فَالْكَلَام أَمر لَهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا عَلَى هَاتِهِ الْهَيْئَةِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الْمُنَاسِبُ لِتَمَامِ الْبَلَاغَةِ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعَانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الِاعْتِصَامُ لِلتَّوْثِيقِ بِالدِّينِ وَعُهُودِهِ، وَعَدَمِ الِانْفِصَالِ عَنْهُ، وَيُسْتَعَارُ الْحَبْلُ لِلدِّينِ وَالْعُهُودِ كَقَوْلِهِ: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمرَان: 112] وَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِعَارَتَيْنِ تَرْشِيحًا لِلْأُخْرَى، لِأَنَّ مَبْنَى التَّرْشِيحِ عَلَى اعْتِبَارِ تَقْوِيَةِ التَّشْبِيهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ لَفْظِ مَا هُوَ مِنْ مُلَائِمَاتِ الْمُسْتَعَارِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُلَائِمِ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ أُخْرَى، إِذْ

ص: 31

لَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ الِاعْتِبَارُ إِلَّا قُوَّةً. وَلَيْسَت الِاسْتِعَارَةُ بِوَضْعِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى جَدِيدٍ حَتَّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ الْجَدِيدَةَ، الْحَاصِلَةَ فِي الِاسْتِعَارَةِ الثَّانِيَةِ، صَارَتْ غَيْرَ مُلَائِمَةٍ لِمَعْنَى الْمُسْتَعَارِ فِي الِاسْتِعَارَةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا هِيَ اعْتِبَارَاتٌ لَطِيفَةٌ تَزِيدُ كَثْرَتُهَا الْكَلَامَ حُسْنًا. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا التَّوْرِيَةُ، فَإِنَّ فِيهَا حُسْنًا بِإِيهَامِ أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ مَعَ إِرَادَةِ غَيْرِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ عِنْدَ إِرَادَةِ غَيْرِهِ لَا يَكُونُ الْمَعْنَى الْآخَرُ مَقْصُودًا، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ صَرِيحًا فِي الْأَمْرِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الدِّينِ

بَلْ ظَاهِرُهُ أنّه أَمر للْمُؤْمِنين بالتمسّك بالدّين فيؤول إِلَى أَمْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَى مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَيَصِيرُ قَوْلُهُ: جَمِيعاً مُحْتَمِلًا لِتَأْكِيدِ الْعُمُومِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ وَاوِ الْجَمَاعَةِ.

وَقَوْلُهُ: وَلا تَفَرَّقُوا تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ اعتصموا جَمِيعًا كَقَوْلِهِم: ذَمَمْتُ وَلَمْ تُحْمَدْ.

عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي تَفْسِيرِ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً. وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلا تَفَرَّقُوا أَمْرًا ثَانِيًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى طَلَبِ الِاتِّحَادِ فِي الدِّينِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [140] وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.

وَقَوله: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ تَصْوِير لِحَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا لِيَحْصُلَ مِنِ اسْتِفْظَاعِهَا انْكِشَافُ فَائِدَةِ الْحَالَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِأَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا وَهِيَ الِاعْتِصَامُ جَمِيعًا بِجَامِعَةِ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ سَبَبَ نَجَاتِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، الَّذِي اخْتَارَ لَهُمْ هَذَا الدِّينَ، وَفِي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلَى إِجَابَةِ أَمْرِهِ تَعَالَى إِيَّاهُمْ بِالِاتِّفَاقِ.

وَالتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ مَوَاعِظِ الرُّسُلِ. قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ هُودٍ:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ [الْأَعْرَاف: 69] وَقَالَ عَنْ شُعَيْبٍ: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الْأَعْرَاف: 86] وَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إِبْرَاهِيم: 5] . وَهَذَا التَّذْكِيرُ خَاصٌّ بِمن أسلم من الْمُسلمين بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، لِأَنَّ الْآيَةَ خِطَابٌ

ص: 32

لِلصَّحَابَةِ وَلَكِنَّ الْمِنَّةَ بِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ كُلَّ جِيلٍ يُقَدِّرُ أَنْ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ إِسْلَامُ الْجِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانُوا هُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ.

وَالظَّرْفِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً مُعْتَبَرٌ فِيهَا التَّعْقِيبُ مِنْ قَوْلِهِ: فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ إِذِ النِّعْمَةُ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ الْعَدَاوَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَ حُصُولِ التَّأْلِيفِ عَقِبَ تِلْكَ الْعَدَاوَةِ.

وَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَفْرَادٌ قَلِيلُونَ مِنْ بَعْضِ الْقَبَائِلِ الْقَرِيبَةِ، وَكَانَ جَمِيعُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فِي عَدَاوَةٍ وَحُرُوبٍ، فَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ دَامَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَمِنْهَا كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ، وَالْعَرَبُ كَانُوا فِي حُرُوبٍ وَغَارَاتٍ (1) بَلْ وَسَائِرُ الْأُمَمِ الَّتِي دَعَاهَا الْإِسْلَامُ كَانُوا فِي تَفَرُّقٍ وَتَخَاذُلٍ فَصَارَ

الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِخْوَانًا وَأَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، لَا يَصُدُّهُمْ عَنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَنْسَابٍ، وَلَا تَبَاعُدُ مَوَاطِنَ، وَلَقَدْ حَاوَلَتْ حُكَمَاؤُهُمْ وَأُولُو الرَّأْيِ مِنْهُمُ التَّأْلِيفَ بَيْنَهُمْ، وَإِصْلَاحَ ذَاتِ بَيْنِهِمْ، بِأَفَانِينِ الدَّعَايَةِ مِنْ خَطَابَةٍ وَجَاهٍ وَشِعْرٍ (2) فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى مَا ابْتَغَوْا حَتَّى أَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالْإِسْلَامِ فَصَارُوا بِذَلِكَ التَّأْلِيفِ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْوَانِ.

(1) كَانَت قبائل الْعَرَب أَعدَاء بَعضهم لبَعض فَمَا وجدت قَبيلَة غرّة من الْأُخْرَى إِلَّا شنّت عَلَيْهَا الْغَارة.

وَمَا وجدت الْأُخْرَى فرْصَة إِلَّا نادت بالثارة. وَكَذَلِكَ تَجِد بطُون الْقَبِيلَة الْوَاحِدَة وَكَذَلِكَ تَجِد بني الْعم من بطن وَاحِد أَعدَاء متغالبين على الْمَوَارِيث والسؤدد، قَالَ أَرْطَأَة بن سهية الذبياني من شعراء الأموية:

وَنحن بَنو عَم على ذَات بَيْننَا

زرابي فِيهَا بغضة وتنافس

(2)

مثل خطاب شُيُوخ بني أَسد لامرى الْقَيْس حِين عزم على قِتَالهمْ أخذا بثأره.

وَمثل توَسط هرم بن سِنَان والْحَارث بن عَوْف.

وَقَالَ زُهَيْر:

وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتم

الأبيات.

وَقَالَ النَّابِغَة:

أَلا يَا لَيْتَني والمرء ميت

الأبيات

ص: 33

وَالْإِخْوَانُ جَمْعُ الْأَخِ، مِثْلُ الْإِخْوَةِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْإِخْوَانُ بِالْأَخِ الْمَجَازِيِّ وَالْإِخْوَةُ بِالْأَخِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ تَعَالَى: أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ [النُّور: 61] وَقَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] وَلَيْسَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ صِيغَةٌ خَاصَّةٌ فِي الْجَمْعِ أَوِ الْمُفْرَدِ وَإِلَّا لَبَطَلَ كَوْنُ اللَّفْظِ مَجَازًا وَصَارَ مُشْتَرَكًا، لَكِنْ لِلِاسْتِعْمَالِ أَنْ يُغَلِّبَ إِطْلَاقُ إِحْدَى الصِّيغَتَيْنِ الْمَوْضُوعَتَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيُغَلِّبُهَا فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَالْأُخْرَى فِي الْحَقِيقِيِّ.

وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ أَحْوَالِهِمْ مِنْ أَشْنَعِ حَالَةٍ إِلَى أَحْسَنِهَا: فَحَالَةٌ كَانُوا عَلَيْهَا هِيَ حَالَةُ الْعَدَاوَةِ وَالتَّفَانِي وَالتَّقَاتُلِ، وَحَالَةٌ أَصْبَحُوا عَلَيْهَا وَهِيَ حَالَةُ الْأُخُوَّةِ وَلَا يُدْرِكُ الْفرق بَين الْحَالَتَيْنِ إِلَّا مَنْ كَانُوا فِي السُّوأَى فَأَصْبَحُوا فِي الْحُسْنَى، وَالنَّاسُ إِذَا كَانُوا فِي حَالَةِ بُؤْسٍ وَضَنْكٍ وَاعْتَادُوهَا صَارَ الشَّقَاءُ دَأْبَهَمْ، وَذَلَّتْ لَهُ نُفُوسُهُمْ فَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَا هُمْ فِيهِ، وَلَا يتفظّنوا لِوَخِيمِ عَوَاقِبِهِ، حتّى إِذا هيّىء لَهُمُ الصَّلَاحُ، وَأَخَذَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمُ اسْتَفَاقُوا مِنْ شَقْوَتِهِمْ، وَعَلِمُوا سُوءَ حَالَتِهِمْ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى جَمَعَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الِامْتِنَانِ بَيْنَ ذِكْرِ الْحَالَتَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَقَالَتْ: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً

وَقَوْلُهُ: بِنِعْمَتِهِ الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُلَابَسَةِ بِمَعْنَى (مَعَ) أَيْ أَصْبَحْتُمْ إِخْوَانًا مصاحبين نعْمَة من اللَّهِ وَهِيَ نِعْمَةُ الْأُخُوَّةِ، كَقَوْلِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ اللِّهْبِيِّ:

كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ فِي بُغْضِ صَاحِبِهِ

بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكُمْ وَتَقْلُونَا

وَقَوْلُهُ: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها عَطْفٌ عَلَى كُنْتُمْ أَعْداءً فَهُوَ نِعْمَةٌ أُخْرَى وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِنْقَاذِ مِنْ حَالَةٍ أُخْرَى بَئِيسَةٍ وَهِيَ حَالَةُ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمُهْلِكَاتِ.

وَالشَّفَا مِثْلُ الشَّفَةِ هُوَ حَرْفُ الْقَلِيبِ وَطَرَفِهِ، وَأَلِفُهُ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ. وَأَمَّا وَاوُ شَفَةٍ فَقَدْ حُذِفَتْ وَعُوِّضَتْ عَنْهَا الْهَاءُ مِثْلُ سَنَةٍ وَعِزَةٍ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَجْمَعُوهُ عَلَى شَفَوَاتٍ وَلَا على شفين بَلْ قَالُوا شِفَاهٌ كَأَنَّهُمُ اعْتَدُّوا بِالْهَاءِ كَالْأَصْلِ.

ص: 34

فَأَرَى أَنَّ شَفَا حُفْرَةِ النَّارِ هُنَا تَمْثِيلٌ لِحَالِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ كَانُوا عَلَى وَشْكِ الْهَلَاكِ وَالتَّفَانِي الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ زُهَيْرٌ بِقَوْلِهِ:

تَفَانَوْا وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشَمِ بِحَالِ قَوْمٍ بَلَغَ بِهِمُ الْمَشْيُ إِلَى شَفَا حَفِيرٍ مِنَ النَّارِ كَالْأُخْدُودِ فَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْهَلَاكِ السَّرِيعِ التَّامِّ إِلَّا خُطْوَةٌ قَصِيرَةٌ، وَاخْتِيَارُ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا هُنَا لِأَنَّ النَّارَ أَشَدُّ الْمُهْلِكَاتِ إِهْلَاكًا، وَأَسْرَعُهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ فِي حَمْلِ الْآيَةِ لِيَكُونَ الِامْتِنَانُ بِنِعْمَتَيْنِ مَحْسُوسَتَيْنِ هُمَا: نِعْمَةُ الْأُخُوَّةِ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ، وَنِعْمَةُ السَّلَامَةِ بَعْدَ الْخَطَرِ، كَمَا قَالَ أَبُو الطَّيِّبِ:

نَجَاةً مِنَ الْبَأْسَاءِ بَعْدَ وُقُوعِ وَالْإِنْقَاذُ مِنْ حَالَتَيْنِ شَنِيعَتَيْنِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ: أَرَادَ نَارَ جَهَنَّمَ. وَعَلَى قَوْلِهِمْ هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: شَفا حُفْرَةٍ مُسْتَعَارًا لِلِاقْتِرَابِ اسْتِعَارَةَ الْمَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. وَالنَّارُ حَقِيقَةٌ، وَيُبْعِدُ هَذَا الْمَحْمَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: حُفْرَةٍ إِذْ لَيْسَتْ جَهَنَّمُ حُفْرَةً بل هِيَ عَالَمٌ عَظِيمٌ لِلْعَذَابِ.

وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ»

لَكِن ذَلِكَ رُؤْيَا جَاءَتْ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ وَإِلَّا فَهِيَ لَا يُحِيطُ بِهَا النَّظَرُ. وَيَكُونُ الِامْتِنَانُ عَلَى هَذَا امْتِنَانًا عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بَعْدَ الْكُفْرِ وَهُمْ لِيَقِينِهِمْ بِدُخُولِ الْكَفَرَةِ النَّارَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى شَفَاهَا.

وَقِيلَ: أَرَادَ نَارَ الْحَرْبِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ نَارَ الْحَرْبِ لَا تُوقَدُ فِي حُفْرَةٍ بَلْ تُوقَدُ فِي الْعَلْيَاءِ لِيَرَاهَا مَنْ كَانَ بَعِيدًا كَمَا قَالَ الْحَارِثُ:

وَبِعَيْنَيْكَ أَوْقَدَتْ هِنْدُ النَّارَ

عِشَاءً تُلْوِي بِهَا الْعَلْيَاءُ

فَتَنَوَّرَتْ نَارُهَا مِنْ بَعِيدٍ

بِخَزَازَى أَيَّانَ مِنْكَ الصِّلَاءُ

وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا مُلَابِسِينَ لَهَا وَلَمْ يَكُونُوا عَلَى مُقَارَبَتِهَا.

وَالضَّمِيرُ فِي مِنْها لِلنَّارِ عَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ. وَيَجُوزُ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ لِشَفَا حُفْرَةٍ وَعَادَ عَلَيْهِ بالتأنيث لاكتسابه التّأنيث مِنَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَقَوْلِ الْأَعْشَى:

ص: 35