المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة آل عمران (3) : آية 144] - التحرير والتنوير - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 96 الى 97]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 104 إِلَى 105]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 108 إِلَى 109]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 113 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 123 إِلَى 125]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 126 إِلَى 128]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 130 إِلَى 132]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 133 إِلَى 134]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 140 الى 141]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 146 إِلَى 148]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 153]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 154]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 155]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 156]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 157 إِلَى 158]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 159]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 160]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 161]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 162 إِلَى 163]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 166 إِلَى 168]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 169 إِلَى 172]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 181 إِلَى 182]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 183 إِلَى 184]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 190 إِلَى 194]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 196 إِلَى 198]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 200]

- ‌4- سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 23]

الفصل: ‌[سورة آل عمران (3) : آية 144]

مَبْهُوتُونَ. وَمَحَلُّ الْمَوْعِظَةِ مِنَ الْآيَةِ: أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَطْلُبُ أَمْرًا حَتَّى يُفَكِّرَ فِي عَوَاقِبِهِ، وَيَسْبُرَ مِقْدَارَ تَحَمُّلِهِ لِمَصَائِبِهِ. وَمَحَلُّ الْمَعْذِرَةِ فِي قَوْلِهِ: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وَقَوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وَقَوْلِهِ: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَمَحَلُّ الْمُلَامِ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ بِمَعْنَى تَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ مُشَارَفَةَ الْمَوْتِ إِيَّاكُمْ، وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ مَنْ مَاتَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ، أَيْ فَكَيْفَ وَجَدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُ الْمَوْتَ، وَكَأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَقَامِ مَنْ يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ. إِذْ قَدْ جَبُنُوا وَقْتَ الْحَاجَةِ، وَخَفُّوا إِلَى الْغَنِيمَةِ، فَالْكَلَامُ مَلَامٌ مَحْضٌ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ بِمَلُومٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ اللَّوْمَ على تمنّي مَا لَا يَسْتَطِيعُ كَمَا قيل:(إِذْ لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ) . كَيْفَ وَقَدْ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ»

. وَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ» وَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ:

لكنّني أسأَل الرّحمان مَغْفِرَةً

وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا

حَتَّى يَقُولُوا إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي

أَرْشَدَكَ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا

وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَوْتِ، بِمَعْنَى أَسْبَابِهِ، تَنْزِيلًا لِرُؤْيَةِ أَسْبَابِهِ مَنْزِلَةَ رُؤْيَتِهِ، وَهُوَ كَالِاسْتِخْدَامِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ لِأَنَّهُ عَادَ إِلَى أَسْبَابِ الْمَوْتِ بِاعْتِبَارِ تَنْزِيلِهَا منزلَة الْمَوْت.

[144]

[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

وَما مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)

عُطِفَ الْإِنْكَارُ عَلَى الْمَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [آل عمرَان: 142] وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ [آل عمرَان: 143] وَكُلُّ هَاتِهِ

ص: 109

الْجُمَلِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِتَابِ وَالتَّقْرِيعِ عَلَى أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ، كَانَتْ سَبَبَ الْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَيَأْخُذُ كُلُّ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ مِنْ هَذَا الْمَلَامِ بِنَصِيبِهِ الْمُنَاسِبِ لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ حَالِهِ ظَاهِرًا كَانَ أَمْ بَاطِنًا.

وَالْآيَةُ تُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الِاضْطِرَابِ حِينَ أُرْجِفَ بِمَوْتِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا قُتِلَ، فَارْجِعُوا إِلَى دِينِكُمُ الْقَدِيمِ وَإِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَنُكَلِّمُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَأْخُذُ لَنَا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ، فَهَمُّوا بِتَرْكِ الْقِتَالِ وَالِانْضِمَامِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَثَبَتَ فَرِيقٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَإِنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ، فَقَاتِلُوا عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ.

وَمُحَمّد اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ صلى الله عليه وسلم سَمَّاهُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَهُ مُحَمَّدًا وَلَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ آبَائِكَ؟ فَقَالَ: رَجَوْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ. وَقَدْ قِيلَ: لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مُحَمَّدًا قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ. ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي «الرَّوْضِ» أَنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ وِلَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ، جَدُّ جَدِّ الْفَرَزْدَقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ الْأَوْسِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ حِمْرَانَ مِنْ رَبِيعَةَ.

وَهَذَا الِاسْم مَنْقُول مِنِ اسْمِ مَفْعُولِ حَمَّدَهُ تَحْمِيدًا إِذَا أَكْثَرَ مِنْ حَمْدِهِ، وَالرَّسُولُ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: حَلُوبٌ وَرَكُوبٌ وَجَزُورٌ.

وَمَعْنَى خَلَتْ مَضَتْ وَانْقَرَضَتْ كَقَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [آل عمرَان: 137]

وَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: (مَنْ كَانَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِي) وَقَصَرَ مُحَمَّدًا عَلَى وَصْفِ الرِّسَالَةِ قَصْرَ مَوْصُوفٍ عَلَى الصِّفَةِ. قَصْرًا إِضَافِيًّا، لِرَدِّ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ رَدَّ إِنْكَارٍ، سَوَاءٌ كَانَ قَصْرَ قَلْبٍ أَوْ قَصْرَ إِفْرَادٍ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ جُمْلَةَ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ صِفَةٌ «لِرَسُولٍ» ، فَتَكُونُ هِيَ مَحَطَّ الْقَصْرِ: أَيْ مَا هُوَ إِلَّا رَسُولٌ مَوْصُوفٌ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ أَيِ انْقِرَاضِهِمْ.

ص: 110

وَهَذَا الْكَلَامُ مَسُوقٌ لِرَدِّ اعْتِقَادِ مَنْ يَعْتَقِدُ انْتِفَاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ، وَهَذَا الِاعْتِقَادُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا صَدَرَ عَنْهُمْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ أَثَرًا لِهَذَا الِاعْتِقَادِ، وَهُوَ عَزْمُهُمْ عَلَى تَرْكِ نُصْرَةِ الدِّينِ وَالِاسْتِسْلَامِ لِلْعَدُوِّ كَانُوا أَحْرِيَاءَ بِأَنْ يُنَزَّلُوا مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ انْتِفَاءَ خُلُوِّ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ، حَيْثُ يَجِدُونَ أَتْبَاعَهُمْ ثَابِتِينَ عَلَى مِلَلِهِمْ حَتَّى الْآنَ فَكَانَ حَالُ الْمُخَاطَبِينَ حَالَ مَنْ يَتَوَهَّمُ التَّلَازُمَ بَيْنَ بَقَاءِ الْمِلَّةِ وَبَقَاءِ رَسُولِهَا، فَيَسْتَدِلُّ بِدَوَامِ الْمِلَّةِ عَلَى دَوَامِ رَسُولِهَا، فَإِذَا هَلَكَ رَسُولُ مِلَّةٍ ظَنُّوا انْتِهَاءَ شَرْعِهِ وَإِبْطَالَ اتِّبَاعِهِ.

فَالْقَصْرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَصْرُ قَلْبٍ، وَهُوَ قَلْبُ اعْتِقَادِهِمْ لَوَازِمَ ضِدَّ الصِّفَةِ الْمَقْصُورِ عَلَيْهَا، وَهِيَ خُلُوُّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ، وَتِلْكَ اللَّوَازِمُ هِيَ الْوَهَنُ وَالتَّرَدُّدُ فِي الِاسْتِمْرَارِ عَلَى نَشْرِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، وَبِهَذَا يُشْعِرُ كَلَامُ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» .

وَجَعَلَ السَّكَّاكِيُّ الْمَقْصُورَ عَلَيْهِ هُوَ وَصْفُ الرِّسَالَةِ فَيَكُونُ مَحَطُّ الْقَصْرِ هُوَ قَوْلُهُ:

«رَسُولٌ» دُونَ قَوْلِهِ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَيَكُونُ الْقَصْرُ قَصْرَ إِفْرَادٍ بِتَنْزِيلِ الْمُخَاطَبِينَ مَنْزِلَةَ مَنِ اعْتَقَدَ وَصْفَهُ بِالرِّسَالَةِ مَعَ التَّنَزُّهِ عَنِ الْهَلَاكِ، حِينَ رَتَّبُوا عَلَى ظَنِّ مَوْتِهِ ظُنُونًا لَا يَفْرِضُهَا إِلَّا مَنْ يَعْتَقِدُ عِصْمَتَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ اسْتِئْنَافًا لَا صِفَةً، وَهُوَ بَعِيدٌ، لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي اسْتِبْعَادَ خَبَرِ مَوْتِهِ، بَلْ هُمْ ظَنُّوهُ صِدْقًا.

وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَقَدْ نُزِّلَ الْمُخَاطَبُونَ مَنْزِلَةَ مَنْ يَجْهَلُ قَصْرَ الْمَوْصُوفِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَيُنْكِرُهُ، فَلِذَلِكَ خُوطِبُوا بِطَرِيقِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، الَّذِي كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي خِطَابِ مَنْ يَجْهَلُ الْحُكْمَ الْمَقْصُورَ عَلَيْهِ وَيُنْكِرُهُ دُونَ طَرِيقٍ، إِنَّمَا كَمَا بَيَّنَهُ صَاحِبُ «الْمِفْتَاحِ» .

وَقَوْلُهُ: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إِلَخْ

وَالْفَاءُ لِتَعْقِيبِ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ، وَلَمَّا كَانَ مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ إِنْشَاءَ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ عَلَى مَضْمُونِهَا، وَهُوَ الشَّرْطُ وَجَزَاؤُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلتَّعْقِيبِ الْمُفَادِ مِنْ فَاءِ الْعَطْفِ

ص: 111

مَعْنًى إِلَّا ترتّب مَضْمُون

المعطوفة عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهَا، تَرَتُّبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَالْفَاءُ حِينَئِذٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، كَشَأْنِهَا مَعَ حُرُوفِ الْعَطْفِ، وَالْمَعْنَى تَرَتُّبُ إِنْكَار أَن ينقبلوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ عَلَى تَحَقَّقَ مَضْمُونُ جملَة الْقصر: لأنّه إِذا تحقّق مَضْمُون جُمْلَةِ الْقَصْرِ، وَهُوَ قَلْبُ الِاعْتِقَادِ أَوْ إِفْرَادُ أَحَدِ الِاعْتِقَادَيْنِ، تَسَبَّبَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ انْقِلَابُهُمْ عَلَى الْأَعْقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ أَمْرًا مُنْكَرًا جَدِيرًا بِعَدَمِ الْحُصُولِ، فَكَيْفَ يَحْصُلُ مِنْهُمْ، وَهَذَا الْحُكْمُ يُؤَكِّدُ مَا اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ الْقَصْرِ، مِنَ التَّعْرِيضِ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ فِي اعْتِقَادِهِمْ خِلَافَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ الْقَصْرِ، فَقَدْ حَصَلَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا بِالتَّعْرِيضِ الْمُسْتَفَادِ، مِنْ جُمْلَةِ الْقَصْرِ، وَالْأُخْرَى بِالتَّصْرِيحِ الْوَاقِعِ فِي هَاتِهِ الْجُمْلَةِ.

وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الْهَمْزَةُ لِإِنْكَارِ تَسَبُّبِ الِانْقِلَابِ عَلَى خُلُوِّ الرَّسُولِ، وَهُوَ التَّسَبُّبُ الْمُفَادُ مِنَ الْفَاءِ أَيْ إِنْكَارُ مَجْمُوعِ مَدْلُولِ الْفَاءِ وَمَدْلُولِ مَدْخُولِهَا مثل إِنْكَار الترتّب وَالْمُهْلَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [يُونُس: 51] وَقَوْلِ النَّابِغَةِ:

أَثُمَّ تَعَذَّرَانِ إِلَيَّ مِنْهَا

فَإِنِّي قَدْ سَمِعْتُ وَقَدْ رَأَيْتُ

بِأَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَعْلَهُمْ خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِارْتِدَادِهِمْ عِنْدَ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالْهَمْزَةُ غَيْرُ مُقَدَّمَةٍ مِنْ تَأْخِيرٍ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى فَاءِ السَّبَبِيَّةِ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ عِلْمُهُمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ- مَعَ بَقَاءِ أَتْبَاعِهِمْ مُتَمَسِّكِينَ- سَبَبًا لِانْقِلَابِ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا خُلُوَّ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ مَعَ بَقَاءِ مِلَلِهِمْ، وَلَمْ يَجْرُوا عَلَى مُوجَبِ عِلْمِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ جعلُوا علمهمْ بذلك سَبَبًا فِي تَحْصِيلِ نَقِيضِ أَثَرِهِ، عَلَى نَحْوِ مَا يَعْرِضُ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْجَدَلِيِّ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ تَكَلُّفٌ وَتَدْقِيقٌ كَثِيرٌ.

وَذَهَبَ جمَاعَة إِلَى أنّ الْفَاء لمجرّد التّعقيب الذِّكْرِيِّ، أَوِ الِاسْتِئْنَافِ، وَأَنَّهُ عَطْفُ إِنْكَارٍ تَصْرِيحِيٍّ عَلَى إِنْكَارٍ تَعْرِيضِيٍّ، وَهَذَا الْوَجْهُ وَإِنْ كَانَ سَهْلًا غير أنّه يفيت خُصُوصِيَّةَ الْعَطْفِ بِالْفَاءِ دُونَ غَيْرِهَا، عَلَى أَنَّ شَأْنَ الْفَاءِ الْمُفِيدَةِ

ص: 112