المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 173 إلى 175] - التحرير والتنوير - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 96 الى 97]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 104 إِلَى 105]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 108 إِلَى 109]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 113 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 123 إِلَى 125]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 126 إِلَى 128]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 130 إِلَى 132]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 133 إِلَى 134]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 140 الى 141]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 146 إِلَى 148]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 153]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 154]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 155]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 156]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 157 إِلَى 158]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 159]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 160]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 161]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 162 إِلَى 163]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 166 إِلَى 168]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 169 إِلَى 172]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 181 إِلَى 182]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 183 إِلَى 184]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 190 إِلَى 194]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 196 إِلَى 198]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 200]

- ‌4- سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 23]

الفصل: ‌[سورة آل عمران (3) : الآيات 173 إلى 175]

تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [آل عمرَان: 149] . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْقَرْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ [آل عمرَان: 140] . وَالظَّاهِرُ أنّه هُنَا للقرح الْمَجَازِيُّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ فَيُقَال القروح.

[173- 175]

[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِلَى آخِرِهِ، بَدَلًا مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [آل عمرَان: 172] ، أَوْ صِفَةً لَهُ، أَوْ صِفَةً ثَانِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمرَان: 171] عَلَى طَرِيقَةِ تَرْكِ الْعَطْفِ فِي الْأَخْبَارِ. وَإِنَّمَا جِيءَ بِإِعَادَةِ الْمَوْصُولِ، دُونَ أَنْ تُعْطَفَ الصِّلَةُ عَلَى الصِّلَةِ، اهْتِمَامًا بِشَأْنِ هَذِهِ الصِّلَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى لَا تَكُونَ كَجُزْءِ صِلَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ مُسْتَأْنَفٍ، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ:

إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ [آل عمرَان: 175] أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلُ، كَمَا سَيَأْتِي. وَهَذَا تَخَلُّصٌ بِذِكْرِ شَأْن من شؤون الْمُسْلِمِينَ كَفَاهُمُ اللَّهُ بِهِ بَأْسَ عَدُوِّهِمْ بَعْدَ يَوْمِ أُحُدٍ بِعَامٍ، إِنْجَازًا لِوَعْدِهِمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ إِذْ قَالَ: مَوْعِدُكُمْ بَدْرٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ كَرِهَ الْخُرُوجَ إِلَى لِقَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَكَادَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُظْهِرَ إِخْلَافَ الْوَعْدِ مِنْهُمْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الْإِرْجَافِ بَيْنَ الْعَرَبِ بِضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَاعَلَ رَكْبًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ مَارِّينَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ قُرْبَ مَكَّةَ قَاصِدِينَ الْمَدِينَةَ لِلْمِيرَةِ، أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَهُمْ جَيْشًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَ الرَّكْبِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، فَأَخْبَرَ نُعَيْمٌ وَمَنْ مَعَهُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ فَزَادَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِعْدَادًا وَحَمِيَّةً لِلدِّينِ، وَخَرَجُوا إِلَى الْمَوْعِدِ

ص: 168

وَهُوَ بَدْرٌ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمُشْرِكِينَ وانتظروهم هُنَالك، وَكَانَتْ هُنَالِكَ سُوقٌ فَاتَّجَرُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ غَيْرَ مَذْمُومِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أَيِ الرَّكْبُ الْعَبْدِيُّونَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ أَيْ إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. وَحَذَفَ مَفْعُولَ جَمَعُوا أَيْ جَمَعُوا أَنْفُسَهُمْ وَعَدَدَهُمْ وَأَحْلَافَهُمْ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ بَدْرٍ الْأَوَّلِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ: إِنَّ لَفْظَ النَّاسَ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سُفْيَانَ، وَجَعَلُوهُ شَاهِدًا عَلَى اسْتِعْمَالِ النَّاسِ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُهُ، وَإِطْلَاقُ لَفْظِ النَّاسَ مُرَادًا بِهِ وَاحِدٌ أَوْ نَحْوُهُ مُسْتَعْمَلٌ لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النِّسَاء: 54] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَعْنِي بِ (النَّاسَ) مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم.

وَقَوْلُهُ: فَزادَهُمْ إِيماناً أَيْ زَادَهُمْ قَوْلُ النَّاسِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ الْمُسْتَتِرِ فِي

فَزادَهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْقَوْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِ قالَ لَهُمُ النَّاسُ أَوْ عَائِدٌ إِلَى النَّاسُ، ولمّا كَانَ ذَاك الْقَوْلُ مُرَادًا بِهِ تَخْوِيفُ الْمُسْلِمِينَ وَرُجُوعِهِمْ عَنْ قَصْدِهِمْ. وَحَصَلَ مِنْهُ خِلَافُ مَا أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، جَعَلَ مَا حَصَلَ بِهِ زَائِدًا فِي إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِيمَانَ أُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْعَمَلِ، أَيِ الْعَزْمِ عَلَى النَّصْرِ وَالْجِهَادِ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَمَسْأَلَةُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ مَسْأَلَةٌ قَدِيمَةٌ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْإِيمَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [الْبَقَرَة: 143] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ. أَمَّا التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ وَهُوَ عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَبَعْثِهِ الرُّسُلَ وَصِدْقِ الرَّسُولِ، فَلَا يَقْبَلُ النَّقْصَ، وَلَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَلِذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى اللَّفْظِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأَخْلَاقِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ إِذَا تَكَرَّرَتْ أَدِلَّتُهُ، أَوْ طَالَ زَمَانُهُ، أَوْ قَارَنَتْهُ التَّجَارِبُ، يَزْدَادُ جَلَاءً وَانْكِشَافًا، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمَلَكَةِ، فَلَعَلَّ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يُرَادُ بِالزِّيَادَةِ، بِقَرِينَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُطْلِقْ وَصْفَ النَّقْصِ فِي الْإِيمَانِ بَلْ مَا ذَكَرَ إِلَّا الزِّيَادَةَ، وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [الْبَقَرَة: 260] .

ص: 169

وَقَوْلُهُمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ كَلِمَةٌ لَعَلَّهُمْ أُلْهَمُوهَا أَوْ تَلَقَّوْهَا عَنِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم.

وَحَسْبُ أَيْ كَافٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قَالُوا: وَمِنْهُ اسْمُهُ تَعَالَى الْحَسِيبُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. وَقِيلَ: الْإِحْسَابُ هُوَ الْإِكْفَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى كَفَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَامُوسِ. وَرَدَّهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَوْضِيحِهِ بِأَنَّ دُخُولَ الْعَوَامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وَقَوْلهمْ: بحسبك دِرْهَمٌ، يُنَافِي دَعْوَى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَفْعَالِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا الْعَوَامِلُ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ. وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنَى عَلَى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وَبَعْدُ، كَقَوْلِهِم:

أعْطه درهيمن فَحَسْبُ، وَيَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنَى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَا غَيْرَ. وَإِضَافَتُهُ لَا تفيده تعريفا لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْمُشْتَقِّ وَلِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وَهُوَ مُلَازِمُ الْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ لَجُمُودِهِ شَابَهَ الْمَصْدَرَ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهُوَ كَالْمَصْدَرِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَهُوَ شَأْنُ الْمَصَادِرِ، وَمَعْنَاهَا: إِنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ نَاصِرًا وَإِنْ كَانُوا فِي قِلَّةٍ وَضَعْفٍ.

وَجُمْلَةُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبُنَا اللَّهُ فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، فَالْوَاوُ مِنَ الْمَحْكِيِّ لَا مِنَ الْحِكَايَةِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي لَا تُطْلَبُ فِيهِ إِلَّا

الْمُنَاسَبَةُ. وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.

والْوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَوْكُولٍ إِلَيْهِ. يُقَالُ: وَكَلَ حَاجَتَهُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قَضَائِهَا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ تَحْصِيلَهَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْقيام بشؤونه بِنَفْسِهِ:

رَجُلٌ وَكَلٌ- بِفَتْحَتَيْنِ- أَيْ كَثِيرُ الِاعْتِمَادِ عَلَى غَيْرِهِ، فَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَائِمُ بِشَأْنِ مَنْ وَكَّلَهُ، وَهَذَا الْقِيَامُ بِشَأْنِ الْمُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، وَبِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ فِي دَفْعِ الْعَدَاءِ وَالْجَوْرِ فَالْوَكِيلُ النَّاصِرُ وَالْمُدَافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الْأَنْعَام: 66] ، وَمِنْهُ فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا

[النِّسَاء: 109] . وَمِنْهُ الْوَكِيلُ فِي الْخُصُومَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي شؤون الْحَيَاةِ فَالْوَكِيلُ الْكَافِلُ وَالْكَافِي مِنْهُ:

ص: 170

أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [الْإِسْرَاء: 2] كَمَا قَالَ: قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النَّحْل: 91] وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الْوَكِيلُ، وَقَوْلُهُ: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَمِنْهُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمَالِ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا اسْمُ الْكَفِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا. وَقَدْ حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْوَكِيلَ عَلَى مَا يَشْمَلُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [102]، فَقَالَ: وَهُوَ مَالِكٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ رَقِيبٌ عَلَى الْأَعْمَالِ. وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلرَّقِيبِ وَالْحَافِظِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُعْنَى النَّاسُ بِحِفْظِهَا وَرِقَابَتِهَا وَادِّخَارِهَا، وَلِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ وَيَتَعَمَّمُ بِحَسَبِ الْمَقَامَاتِ.

وَقَوْلُهُ: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعْقِيبٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ ثَبَاتِ إِيمَانِهِمْ وَقَوْلِهِمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَهُوَ تَعْقِيبٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ فَانْقَلَبُوا، لِأَنَّ الِانْقِلَابَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ خَرَجُوا لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ الَّذِي بَلَغَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَمَعُوا لَهُم وَلم يعبأوا بِتَخْوِيفِ الشَّيْطَانِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَخَرَجُوا فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ.

وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ مُلَابِسِينَ لِنِعْمَةٍ وَفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ. فَالنِّعْمَةُ هِيَ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْفَضْلُ فَضْلُ الْجِهَادِ. وَمَعْنَى لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لَمْ يُلَاقُوا حَرْبًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ.

وَجُمْلَةُ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ إِمَّا اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ إِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ:

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ بَدَلًا أَوْ صِفَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِمَّا خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ مُبْتَدَأً، وَالتَّقْدِيرُ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِلَى آخِرِهِ إِنَّمَا مَقَالُهُمْ يُخَوِّفُ الشَّيْطَانُ بِهِ. وَرَابِطُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ» عَلَى هَذَا التَّقْدِير، هُوَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ.

ثُمَّ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكُمُ إِمَّا عَائِدٌ إِلَى الْمَقَالِ فَلَفْظُ الشَّيْطَانِ عَلَى هَذَا مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَلَفْظُهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ذَلِك الْمقَال ناشىء

ص: 171