الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سُوءَ السُّمْعَةِ فتبذل للزَّوْج مَا لَا فِدَاءً ليطلّقها، حكى ذَاك فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ، فَصَارَ أَخْذُ الْمَالِ مِنَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ الطَّلَاقِ مَظِنَّةٌ بِأَنَّهَا أَتَتْ مَا لَا يُرْضِي الزَّوْجَ، فَقَدْ يَصُدُّ ذَلِكَ الرَّاغِبِينَ فِي التَّزَوُّجِ عَنْ خِطْبَتِهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِلْأَزْوَاجِ بِأَخْذِ الْمَالِ إِذَا أَتَتْ أَزْوَاجُهُمْ بِفَاحِشَةٍ، صَارَ
أَخْذُ الْمَالِ مِنْهُنَّ بِدُونِ ذَلِكَ يُوهِمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ فِي مَحَلِّ الْإِذْنِ بِأَخْذِهِ، هَذَا أَظْهَرُ الْوُجُوهِ فِي جعل هَذَا الْأَخْذِ بُهْتَانًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ إِثْمًا مُبِينًا فَقَدْ جُعِلَ هُنَا حَالًا بَعْدَ الْإِنْكَارِ، وَشَأْنُ مِثْلِ هَذَا الْحَالِ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسَابِ إِلَى صَاحِبِهَا حَتَّى يُصْبِحَ الْإِنْكَارُ بِاعْتِبَارِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَوْنَهَا إِثْمًا مُبِينًا قَدْ صَارَ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطَبِينَ مِنْ قَوْلِهِ: فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً، أَوْ مِنْ آيَةِ الْبَقَرَةِ [229] وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ أَوْ مِمَّا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ فِي الْأَمْوَالِ أَنْ لَا تَحِلَّ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.
وَقَوْلُهُ: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ اسْتِفْهَام تعجيبي بَعْدَ الْإِنْكَارِ، أَيْ لَيْسَ مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ تَطْمَعُوا فِي أَخْذِ عِوَضٍ عَنِ الْفِرَاقِ بَعْدَ مُعَاشَرَةِ امْتِزَاجٍ وَعَهْدٍ مَتِينٍ. وَالْإِفْضَاءُ الْوُصُولُ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْفَضَاءِ، لِأَنَّ فِي الْوُصُولِ قَطْعَ الْفَضَاءِ بَيْنَ الْمُتَوَاصِلِينَ وَالْمِيثَاقُ الْغَلِيظُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عَلَى نِيَّةِ إِخْلَاصِ النِّيَّةِ وَدَوَامِ الْأُلْفَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ كُنْتُمْ عَلَى حَالِ مَوَدَّةٍ وَمُوَالَاةٍ، فَهِيَ فِي الْمَعْنَى كَالْمِيثَاقِ عَلَى حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ.
وَالْغَلِيظُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ غَلُظَ- بِضَمِّ اللَّامِ- إِذَا صَلُبَ، وَالْغِلْظَةُ فِي الْحَقِيقَةِ صَلَابَةُ الذَّوَاتِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ إِلَى صُعُوبَةِ الْمَعَانِي وَشِدَّتِهَا فِي أَنْوَاعِهَا، قَالَ تَعَالَى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التَّوْبَة: 123] . وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَنَاطَ التَّحْرِيم هُوَ كَون أَخْذُ الْمَالِ عِنْدَ طَلَبِ اسْتِبْدَالِ الزَّوْجَةِ بِأُخْرَى، فَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْبَقَرَةِ خِلَافًا لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ إِذْ لَا إبِْطَال لمدلول هَذِه الْآيَة.
[22]
[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]
وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً [النِّسَاء: 19] ، وَالْمُنَاسَبَةُ
أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَحْوَالِ إِرْثِهِمُ النِّسَاءَ كَرْهًا، أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى بِزَوْجَةِ أَبِيهِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ نَهْيًا خَاصًّا مُغَلَّظًا، وَتُخُلِّصَ مِنْهُ إِلَى إِحْصَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَمَا نَكَحَ بِمَعْنَى الَّذِي نَكَحَ مُرَادٌ بِهِ الْجِنْسُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ وَقْعُ مَا عِوَضَ (مَنْ) لأنّ (من) تَكْثِير فِي الْمَوْصُولِ الْمَعْلُومِ، عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ بِقَوْلِهِ: مِنَ النِّساءِ سَوَّى بَيْنَ (مَا- وَمن) فَرُجِّحَتْ (مَا) لِخِفَّتِهَا، وَالْبَيَانُ أَيْضًا يُعَيِّنُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَوْصُولَةً. وَعَدَلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: لَا تَنْكِحُوا نِسَاءَ آبَائِكُمْ لِيَدُلَّ بِلَفْظِ نَكَحَ عَلَى أَنَّ عَقْدَ الْأَبِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَافٍ
فِي حُرْمَةِ تَزَوُّجِ ابْنِهِ إِيَّاهَا. وَذِكْرُ مِنَ النِّساءِ بَيَانٌ لِكَوْنِ (مَا) مَوْصُولَةً.
وَالنَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ، وَالْفِعْلُ الْمُضَارِعُ مَعَ النَّهْيِ مَدْلُولُهُ إِيجَادُ الْحَدَثِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى نِكَاحِهِنَّ إِذَا كَانَ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. وَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ شَرْعًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الْمُعَاشَرَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِالْمَعْنَى الصَّحِيحِ شَرْعًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى دُونَ الْوَطْءِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [230] ، فَحَرَامٌ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً عَقَدَ أَبُوهُ عَلَيْهَا عَقْدَ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَأَمَّا إِطْلَاقُ النِّكَاحِ عَلَى الْوَطْءِ بِعَقْدٍ فَقَدْ حَمَلَ لَفْظَ النِّكَاحِ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَزَعَمُوا أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أَطْلَقَ فِيهِ النِّكَاحَ عَلَى الْوَطْءِ لِأَنَّهَا لَا يُحِلُّهَا لِمُطَلِّقِهَا ثَلَاثًا مُجَرَّدُ الْعَقْدِ أَيْ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ قَوْلِهِ: تَنْكِحَ وَقَدْ بَيَّنْتُ رَدَّ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.
وَأما الْوَطْءُ الْحَرَامُ مِنْ زِنًى فَكَوْنُهُ مِنْ مَعَانِيَ النِّكَاحِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ دَعْوَى وَاهِيَةٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ هَلْ تَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ أَوْ عَلَى أَبِيهِ. فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» ، وَالشَّافِعِيُّ: أَنَّ الزِّنَى لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَهَذَا
الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي «الرِّسَالَةِ» ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ الْمَاجِشُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: الزِّنَى يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونَ: مَاتَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: هُوَ مَكْرُوهٌ، وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ (يُفَارِقُهَا) فَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَرَتْ فِيهَا مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَشَارَ إِلَيْهَا الْجَصَّاصُ فِي أَحْكَامِهِ، وَالْفَخْرُ فِي مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
وَمَا قَدْ سَلَفَ هُوَ مَا سَبَقَ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ أَيْ إِلَّا نِكَاحًا قَدْ سَلَفَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ هَذَا النِّكَاحَ صَارَ مُحَرَّمًا. وَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ مُؤَوَّلًا إِذْ مَا قَدْ سَلَفَ كَيْفَ يُسْتَثْنَى مِنَ النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ وَهُوَ قَدْ حَصَلَ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ النَّهْيُ مِنَ الْإِثْمِ، أَيْ لَا إِثْمَ عَلَيْكُمْ فِيمَا قَدْ سَلَفَ. ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّظَرُ إِلَى أَنَّهُ هَلْ يُقَرَّرُ عَلَيْهِ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ تَزَوَّجَا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا نَقَلَهُ الْفَخْرُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى أَثَرٍ يُثْبِتُ قَضِيَّةً مُعَيَّنَةً فَرَّقَ فِيهَا النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم
بَيْنَ رَجُلٍ وَزَوْجِ أَبِيهِ مِمَّا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَلَا عَلَى تَعْيِينِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ، وَلَعَلَّ النَّاسَ قَدْ بَادَرُوا إِلَى فِرَاقِ أَزْوَاجِ الْآبَاءِ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَقَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَثِيرٌ أَزْوَاجَ آبَائِهِمْ: مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، خَلَفَ عَلَى زَوْجِ أَبِيهِ أُمَيَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ فَاخِتَةَ بِنْتَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْظُورُ بْنُ رَيَّانَ بْنِ سَيَّارٍ، تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مُلْكِيَّةَ بِنْتَ خَارِجَةَ، وَمِنْهُمْ حِصْنُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أَبِي قَيْسٍ زَوْجَهُ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ أَسَلْمَ وَقُرِّرَ عَلَى نِكَاحِ زَوْجِ أَبِيهِ.
وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ لَازِمِ النَّهْيِ وَهُوَ الْعُقُوبَةُ أَيْ لَا عُقُوبَةَ عَلَى مَا قَدْ سَلَفَ. وَعِنْدِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا ظَاهِرٌ لِلنَّاسِ فَلَا يَحْتَاجُ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَمَتَى يَظُنُّ أَحَدٌ الْمُؤَاخَذَةَ عَنْ أَعْمَالٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الدِّينِ وَنُزُولِ النَّهْيِ.