المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النساء (4) : آية 1] - التحرير والتنوير - جـ ٤

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 92]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 96 الى 97]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 98 إِلَى 99]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 100 إِلَى 101]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 102 إِلَى 103]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 104 إِلَى 105]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 106 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 108 إِلَى 109]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 110]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 111]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 112]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 113 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 118]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 119]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 120]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 121 إِلَى 122]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 123 إِلَى 125]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 126 إِلَى 128]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 129]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 130 إِلَى 132]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 133 إِلَى 134]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 135]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 136]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 137]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 138]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 139]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 140 الى 141]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 146 إِلَى 148]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 153]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 154]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 155]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 156]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 157 إِلَى 158]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 159]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 160]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 161]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 162 إِلَى 163]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 166 إِلَى 168]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 169 إِلَى 172]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 173 إِلَى 175]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 181 إِلَى 182]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 183 إِلَى 184]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 190 إِلَى 194]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : الْآيَات 196 إِلَى 198]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة آل عمرَان (3) : آيَة 200]

- ‌4- سُورَةُ النِّسَاءِ

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 7]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 13 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : الْآيَات 20 إِلَى 21]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 23]

الفصل: ‌[سورة النساء (4) : آية 1]

وَطَائِفَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَالطَّهَارَةِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ. ثُمَّ أَحْوَالُ الْيَهُودِ، لِكَثْرَتِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، وَأَحْوَالُ الْمُنَافِقِينَ وَفَضَائِحُهُمْ، وَأَحْكَامُ الْجِهَادِ لِدَفْعِ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَحْكَامُ مُعَامَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمَسَاوِيهِمْ، وَوُجُوبُ هِجْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَكَّةَ، وَإِبْطَالُ مَآثِرِ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَقَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ مَوَاعِظُ، وَتَرْغِيبٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْحَسَدِ، وَعَنْ تَمَنِّي مَا لِلْغَيْرِ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِي حُرِمَ مِنْهَا مَنْ حُرِمَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، أَوْ بِحُكْمِ الْفِطْرَةِ. وَالتَّرْغِيبُ فِي التَّوَسُّطِ فِي الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ. وَبَثُّ الْمَحَبَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

[1]

[سُورَة النِّسَاء (4) : آيَة 1]

بسم الله الرحمن الرحيم

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً.

جَاءَ الْخطاب بيا أَيُّهَا النَّاسُ: لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ يَوْمَئِذٍ وَفِيمَا يَأْتِي مِنَ الزَّمَانِ. فَضَمِيرُ الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: خَلَقَكُمْ عَائِدٌ إِلَى النَّاسِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ، أَيْ لِئَلَّا يَخْتَصَّ بِالْمُؤْمِنِينَ،- إِذْ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ هُمْ كُفَّارُ الْعَرَبِ- وَهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ جَمِيعِ الْبَشَرِ لِأَنَّ الْخِطَابَ جَاءَ بِلُغَتِهِمْ، وَهُمُ الْمَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ لِبَقِيَّةِ الْأُمَمِ، وَقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم كُتُبَهُ لِلرُّومِ وَفَارِسَ وَمِصْرَ بِالْعَرَبِيَّةِ لِتُتَرْجَمَ لَهُمْ بِلُغَاتِهِمْ.

فَلَمَّا كَانَ مَا بَعْدُ هَذَا النِّدَاءِ جَامِعًا لِمَا يُؤْمَرُ بِهِ النَّاسُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ، نُودِيَ جَمِيعُ النَّاسِ، فَدَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَى التَّذَكُّرِ بِأَنَّ أَصْلَهُمْ وَاحِدٌ، إِذْ قَالَ: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ دَعْوَةً تَظْهَرُ فِيهَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ وَحْدَةِ النَّوْعِ وَوَحْدَةِ الِاعْتِقَادِ، فَالْمَقْصُودُ مِنَ التَّقْوَى فِي اتَّقُوا رَبَّكُمُ اتِّقَاءُ غَضَبِهِ، وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِهِ، وَذَلِكَ حَقُّ تَوْحِيدِهِ وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الشُّرَكَاءِ فِي الْوُجُودِ وَالْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ.

وَفِي هَذِهِ الصِّلَةِ بَرَاعَةُ اسْتِهْلَالٍ مُنَاسِبَةٌ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْأَصْلِيَّةِ، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الدِّيبَاجَةِ.

وَعَبَّرَ بِ (رَبَّكُمْ) ، دُونَ الِاسْمِ الْعَلَمِ، لِأَنَّ فِي مَعْنَى الرَّبِّ مَا يَبْعَثُ الْعِبَادَ عَلَى

ص: 214

الْحِرْصِ فِي الْإِيمَانِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، إِذِ الرَّبُّ هُوَ الْمَالِكُ الَّذِي يَرُبُّ مَمْلُوكَهُ أَي، يدبّر شؤونه، وَلِيَتَأَتَّى بِذِكْرِ لَفْظِ (الرَّبِّ) طَرِيقُ الْإِضَافَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ مَحْقُوقُونَ بِتَقْوَاهُ حَقَّ التَّقْوَى، وَالدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمُخَاطَبِينَ صِلَةً تُعَدُّ إِضَاعَتُهَا حَمَاقَةً وَضَلَالًا. وَأَمَّا التَّقْوَى فِي قَوْلِهِ:

وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ فَالْمَقْصِدُ الْأَهَمُّ مِنْهَا: تقوى الْمُؤمنِينَ بِالْحَذَرِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي حُقُوقِ الْأَرْحَامِ وَالْيَتَامَى مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. ثُمَّ جَاءَ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ الَّذِي خَلَقَكُمْ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْخَبَرِ لِأَنَّ الَّذِي خَلَقَ الْإِنْسَانَ حَقِيقٌ بِأَنْ يُتَّقَى.

وَوَصْلُ خَلَقَكُمْ بِصِلَةِ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إِدْمَاجٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عَجِيبِ هَذَا الْخَلْقِ وَحَقِّهِ بِالِاعْتِبَارِ. وَفِي الْآيَةِ تَلْوِيحٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَحَقِّيَّةِ اتِّبَاعِهِمْ دَعْوَةَ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ النَّاسَ أَبْنَاءُ أَبٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الدِّينُ يَدْعُو النَّاسَ كُلَّهُمْ إِلَى مُتَابَعَتِهِ وَلَمْ يَخُصَّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَوْ نَسَبًا مِنَ الْأَنْسَابِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ دِينُ جَمِيعِ الْبَشَرِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ فَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِأُمَمٍ مُعَيَّنَةٍ. وَفِي الْآيَةِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِأَنْ يَتَّبِعُوهُ هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِمْ. وَفِي الْآيَةِ تَمْهِيدٌ لِمَا سَيُبَيَّنُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى النَّسَبِ وَالْقَرَابَةِ.

وَالنَّفْسُ الْوَاحِدَةُ: هِيَ آدَمُ. وَالزَّوْجُ: حَوَّاءُ، فَإِنَّ حَوَّاءَ أُخْرِجَتْ مِنْ آدَمَ. مِنْ ضِلْعِهِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: مِنْها.

وَ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ. وَمَعْنَى التَّبْعِيضِ أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ جُزْءٍ مِنْ آدَمَ. قِيلَ: مِنْ بَقِيَّةِ الطِّينَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا آدَمُ. وَقِيلَ: فُصِلَتْ قِطْعَةٌ مِنْ ضِلْعِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» .

وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَعْنَى وَخَلَقَ زَوْجَهَا مِنْ نَوْعِهَا لَمْ يَأْتِ بِطَائِلٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ أُنْثَى كُلِّ نَوْعٍ هِيَ مِنْ نَوْعِهِ.

وَعُطِفَ قَوْلُهُ: وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها عَلَى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَهُوَ صِلَةٌ ثَانِيَةٌ. وَقَوْلُهُ: وَبَثَّ مِنْهُما صِلَةٌ ثَالِثَةٌ لِأَنَّ الَّذِي يَخْلُقُ هَذَا الْخَلْقَ الْعَجِيبَ جَدِيرٌ بِأَنْ

ص: 215

يُتَّقَى، وَلِأَنَّ فِي مَعَانِي هَذِهِ الصِّلَاتِ زِيَادَةَ تَحْقِيقِ اتِّصَالِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، إِذِ الْكُلُّ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ خَلْقُهُمْ مَا حَصَلَ إِلَّا مِنْ زَوْجَيْنِ فَكُلُّ أَصْلٍ مِنْ أُصُولِهِمْ يَنْتَمِي إِلَى أَصْلٍ فَوْقَهُ.

وَقَدْ حَصَلَ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلَاتِ تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ النَّاسَ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ.

وَجَاءَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا النَّظْمِ تَوْفِيَةً بِمُقْتَضَى الْحَالِ الدَّاعِي لِلْإِتْيَانِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ، وَمُقْتَضَى الْحَالِ الدَّاعِي لِتَفْصِيلِ حَالَةِ الْخَلْقِ الْعَجِيبِ. وَلَوْ غُيِّرَ هَذَا الْأُسْلُوبُ فَجِيءَ بِالصُّورَةِ الْمُفَصَّلَةِ دُونَ سَبْقِ إِجْمَالٍ، فَقِيلَ: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَبَثَّ مِنْهَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً لَفَاتَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ. وَقَدْ

وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ

، فَلِذَلِكَ يَكُونُ حَرْفُ (مِنْ) فِي قَوْلِهِ: وَخَلَقَ مِنْها لِلِابْتِدَاءِ، أَيْ أَخْرَجَ خَلْقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلَعِ آدَمَ. وَالزَّوْجُ هُنَا أُرِيدَ بِهِ الْأُنْثَى الْأُولَى الَّتِي تَنَاسَلَ مِنْهَا الْبَشَرُ، وَهِيَ حَوَّاءُ. وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا اسْمُ الزَّوْجِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُنْفَرِدًا فَإِذَا اتَّخَذَ امْرَأَةً فَقَدْ صَارَا زَوْجًا

فِي بَيْتٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجٌ لِلْآخَرِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ لَفْظِ الزَّوْجِ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى مَجْمُوعِ الْفَرْدَيْنِ، فَإِطْلَاقُ الزَّوْجِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ تَسَامُحٌ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وَلِذَلِكَ اسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَصْفِ بِالْجَامِدِ، فَلَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ (زَوْجَةٌ) ، وَلَمْ يُسْمَعْ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَلِذَلِكَ عَدَّهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ لَحْنًا. وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يُنْكِرُهُ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ قيل لَهُ: فقد قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:

أَذُو زَوْجَةٍ بِالْمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ

أَرَاكَ لَهَا بِالْبَصْرَةِ الْعَامَ ثَاوِيَا

فَقَالَ: إِنَّ ذَا الرُّمَّةِ طَالَمَا أَكَلَ الْمَالِحَ وَالْبَقْلَ فِي حَوَانِيتِ الْبَقَّالِينَ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُوَلَّدٌ.

وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:

وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي

كَسَاعٍ إِلَى أَسَدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا

وَشَاعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، قَصَدُوا بِهِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَحْكَامِ، وَهِيَ تَفْرِقَةٌ حَسَنَةٌ. وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُلْنا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ

ص: 216

وَقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ (وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها) الْعِبْرَةَ بِهَذَا الْخَلْقِ الْعَجِيبِ الَّذِي أَصْلُهُ وَاحِدٌ، وَيَخْرُجُ هُوَ مُخْتَلِفَ الشَّكْلِ وَالْخَصَائِصِ، وَالْمِنَّةُ عَلَى الذُّكْرَانِ بِخَلْقِ النِّسَاءِ لَهُمْ، وَالْمِنَّةُ عَلَى النِّسَاءِ بِخَلْقِ الرِّجَالِ لَهُنَّ، ثُمَّ مَنَّ عَلَى النَّوْعِ بِنِعْمَةِ النَّسْلِ فِي قَوْلِهِ: وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبَارِ بِهَذَا التَّكْوِينِ الْعَجِيبِ.

وَالْبَثُّ: النَّشْرُ وَالتَّفْرِيقُ لِلْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة: 4] .

وَوَصَفَ الرِّجَالَ، وَهُوَ جَمْعٌ، بِكَثِيرٍ، وَهُوَ مُفْرد، لأنّ كثير يَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [146] . وَاسْتَغْنَى عَنْ وَصْفِ النِّسَاءِ بِكَثِيرٍ لدلَالَة وصف الرجل بِهِ مَا يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الْبَثِّ مِنَ الْكَثْرَةِ.

وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.

شُرُوعٌ فِي التَّشْرِيعِ الْمَقْصُودِ مِنَ السُّورَةِ، وَأُعِيدَ فِعْلُ اتَّقُوا: لِأَنَّ هَذِهِ التَّقْوَى مَأْمُورٌ بِهَا الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً، فَإِنَّهُمْ قَدْ بَقِيَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ مِنْ عَوَائِدِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَشْعُرُونَ بِهَا،

وَهِيَ التَّسَاهُلُ فِي حُقُوقِ الْأَرْحَامِ وَالْأَيْتَامِ.

وَاسْتَحْضَرَ اسْمَ اللَّهِ الْعَلَمَ هُنَا دُونَ ضَمِيرٍ يَعُودُ إِلَى رَبِّكُمْ لِإِدْخَالِ الرَّوْعِ فِي ضَمَائِرِ السَّامِعِينَ. لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَشْرِيعٍ يُنَاسِبُهُ إِيثَارُ الْمَهَابَةِ بِخِلَافِ مَقَامِ قَوْلِهِ: اتَّقُوا رَبَّكُمُ فَهُوَ مَقَامُ ترغيب. وَمعنى تَسائَلُونَ بِهِ يَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهِ فِي الْقَسَمِ فَالْمُسَايَلَةُ بِهِ تُؤْذِنُ بِمُنْتَهَى الْعَظَمَةِ، فَكَيْفَ لَا تَتَّقُونَهُ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُور تسائلون- بِتَشْدِيدِ السِّينِ- لِإِدْغَامِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ تَاءُ التَّفَاعُلِ فِي السِّينِ، لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ وَاتِّحَادِ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْهَمْسُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَعَاصِمٌ، وَالْكِسَائِيُّ، وَخَلَفٌ: تَسَاءَلُونَ- بِتَخْفِيفِ السِّينِ- عَلَى أَنَّ تَاءَ الِافْتِعَالِ حُذِفَتْ تَخْفِيفًا.

وَالْأَرْحامَ قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ- بِالنَّصْبِ- عَطْفًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ- بِالْجَرِّ- عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ. فَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ يَكُونُ الْأَرْحَامَ مَأْمُورًا بِتَقْوَاهَا عَلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ أَيِ اتِّقَائِهَا، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيِ اتِّقَاءِ حُقُوقِهَا، فَهُوَ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرِكِ

ص: 217