المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول.ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع - التحف الربانية في جواب الأسئلة اللمدانية

[يحيى الشاوي]

الفصل: ‌المطلب الأول.ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع

‌المطلب الأول.

ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلد بمعرفته من الخلاف الواقع

؟

أول الأسئلة بعد البداية والبسملة: ما هو الدليل الجملي الذي يخرج المقلّد بمعرفته من الخلاف الواقع؟ وهل هو حدوث العلم؟ وهل يؤخذ كونه حدوث العالم من قول السنوسي في شرح الصغرى فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد وكما أشار إلى النظر والفكر فيه مولانا في غير آية أم لا؟

وما هو التفصيلي؟ وما مثاله وما حقيقته؟ فهل هو المركب من ملزوم ولازم أم لا؟ هذا تمام السؤال الأول.

والجواب بحول الله من له المرجع والمناب: إن الجملي منسوب إلى الإجمال، وإجمال كل شيء معرفته إجمالا لا تفصيلا كمعرفتنا القوم دون تفاصيلهم من زيد وعمرو، وكذا معرفة الدليل إجمالا معناه: معرفته دون تدقيق في ذلك الدليل

ص: 39

بحيث لا يتوصل إلى خباياه، ولا يقدر على دفع ما يرد عليه من الشبه. وليس المعنى كونه جمليا إجمال الصفات في دليل واحد، فإن ذلك لا يساعده اللفظ ولا المعقول والمنقول.

وبيانه إن الجملي نعت للدليل. فالمعنى إن الدليل مجمل غير مبيّن الدقائق في ذاته فهو نعت حقيقي، ولذلك استكن ضميره لا سببي. ولو كان سببيا لقال الجملية مدلولاته، ويكون منسوبا إلى المحل اسم فاعل، أي بجميع الصفات. هذا بيانه لفظا.

وأما عقلا فلأن الدليل حيث علم على ما ينبغي، وتوصل إلى دقائقه، وربطت به الصفات جملة، يكون غاية قصوى، وما هو بأدنى من كون كل مسألة لها دليل مستقلّ، وقد رأينا أكابر العلماء يتفاوتون في رتب المعارف، ويتسابقون إلى أدراج الصفات تحت اللفظة أو الثلاث، كالإمام السنوسي (1) في الشهادة، وكالمقترح (2) في الأسرار العقلية في الكلمة النبوية، ويعدون

(1) السنوسي محمد بن يوسف (832 - 895هـ = 1428 - 1490م): عالم تلمسان في عصره. فقيه أصولي، من مصنفاته: أم البراهين. العقيدة الوسطى، شرح كلمتي الشهادة. انظر مخلوف، شجرة النور الزكية ص262. أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج ص563.

(2)

المقترح التقي مظفر بن عبد الله (560 - 612هـ = 1165 - 1215م): فقيه شافعي مصري، برع في الدين، من كتبه: شرح الإرشاد في أصول الفقه (خ). انظر السبكي، طبقات الشافعية ج 5/ 156. حاجي خليفة، كشف الظنون 1793.

ص: 40

ذلك من الإدراك بمكان، ولا تصل إليه إلا أقوى الأذهان.

وأما نقلا فقد قال ابن عرفة (1) في شامله الكلامي: التقليد اعتقاد جازم لقول غير معصوم صحيحه ما طابق برهانا إما بدليل إجمالي معجوز عن تقريره، وحل شبهه، أو تفصيلي مقدور عليهما فيه يعفي إيمان ذي التقليد فيهما، لا مع عصيانه بترك النظر إن قدر أو معه ثالثها هو كافر، ثم اشتغل بعزو الأقوال هذا محل الحاجة منه.

قال المنجور (2) في قوله معجوز عن تقديره وحل شبهه، هو نعت على سبيل الكشف، وكذا قوله مقدور عليهما فيه يعني التفصيلي هو نعت له أيضا على سبيل الكشف، فظهر من هذا كله إن الجملي معناه ما لم يتوصل المكلف إلى معرفته، بمعنى لا يقدر على تقريره، ولا يرد عليه من الشبه، مع كونه مطمئن القلب به، متمكنا منه، ولنحو هذا أشار السنوسي بقوله: ولا يشترط التعبير عما حصل في القلب، وتبين أن التفصيلي هو ما علمه المكلف قادرا على تقريره، وحلّ شبهه والتعبير عنه،

(1) ابن عرفة محمد بن محمد (716 - 803 هـ /1316 - 1400 م): فقيه مالكي تونسي. من كتبه: المختصر الكبير في فقه - ط. المختصر الشامل في التوحيد - خ. انظر أحمد بابا التنبكتي، نيل الابتهاج ص463. مخلوف، شجرة النور الزكية ص277.

(2)

المنجور أحمد بن علي (926 - 995 هـ = 1520 - 1587 م): فقيه مغربي، وله علم بالأدب. من كتبه:" نظم الفرائد ومبادئ الفوائد لمحصل المقاصد"، " الحاشية الكبرى على شرح كبرى السنوسي"

انظر ابن القاضي، لفظ الفرائد ص289. محمد الصغير الإفراني، صفوة من انتشر ص4.

ص: 41

وقادرا على ردّ ما يرد عليه مطمئن القلب به أيضا، أما المحصل له نقلا عن كتاب، أو عن شيخ يحسن الظن به كمن تراه يسرد الأدلة سرادا، وربما حفظها في لوح أو من كثرة ما يسمعها، ولا يعلم إلا أن الأول ملزم والثاني لازم، وبيان الملازمة قال الشيخ الفلاني كذا، فليس ممن عرف الدليل، ولا ممن حام حوله، بل هو مقلّد في الدليل جمليا وتفصيليَّا، وفي مثله يقول ابن عرفة (1): ففي إيمان ذي التقليد فيهما يعني المقلد في الدليل الجملي والتفصيلي إلخ ما سبق عنه.

فحكى فيه من الخلاف ما حكى غيره في المقلّد في الصفات دون دليل أصلا بالإيمان إفعال من الأمن، كأن حقيقة آمن به أمنّه التكذيب والمخالفة وهو يتعدى باللام تارة والباء أخرى {وما أنت بمؤمن لنا} (2). وفي الحديث:«الإيمان أن تؤمن بالله» (3).

فالإيمان الذي هو التصديق بالقلب إذعان للحكم وقبوله، كما أن التصديق مطلقا إيمانا وغيره الذي هو مقابل للتصور كذلك وليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب نسبة الصدق إلى الخبر والمخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم على ما صرح به الإمام القرافي (4)

(1) انظر ابن عرفة، المختصر الشامل.

(2)

يوسف: 17.

(3)

جزء من حديث طويل رواه مسلم في كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(4)

القرافي: أحمد بن إدريس (ت 684هـ = 1285م): فقيه مالكي. عالم بالأصول من مصنفاته: " أنوار البروق في أنواء الفروق "، " شرح تنقيح الفصول ومختصره ". انظر ابن فرحون، الديباج المذهب ص62 - 67. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية، ص188.

ص: 42

وهو في أوائل علم الميزان كذلك، على ما صرح به رئيسهم ابن سينا (1)، فلو حصل هذا المعنى لبعض الكفار، كان إطلاق اسم الكافر من حيث إنه عليه شيء من أمارات التكذيب والإنكار، كمثل إذا فرضنا أن أحدا صدق بجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وعمل، ومع ذلك شد الزنار، أو سجد للمسيح بالاختيار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ذلك علامة التكذيب والإنكار.

فالإيمان الذي هو التصديق من أقسام العلم. وهو من الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية. مثلا تصورنا النسبة بين شيئين وشككنا فيها، أهي بالإثبات أم بالنفي؟

ثم أقمنا البرهان على ثبوتها، فالذي يحصل لنا هو الإذعان والقبول لتلك النسبة وهو معنى الحكم والإيقاع والإثبات، وهذا هو الحق، لا ما ذهب إليه بعض المحققين وبعض المشايخ في مساق التفريق بين المعرفة والتصديق من حيث إن المعرفة لا

(1) ابن سينا الحسين بن عبد الله (370 - 428 هـ = 980 - 1037 م): الفيلسوف، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والطبيعيات. من كتبه:" القانون - في الطب"، " الشفا - في الحكمة"، "الإشارات"

انظر عباس محمود العقاد الشيخ الرئيس ابن سينا. حمودة عرابة، ابن سينا بين الدين والفلسفة

ص: 43

تكفي إلا على ما ذكره بعض القدرية، وأطبق علماؤنا على فساده.

فالفرق أن التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يثاب عليه، ويجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر.

فالتصديق إذًا هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار، لم يكن تصديقا وإن كان معرفة. هذا حاصل هذا المذهب، والتصديق عنده فعل، والحق أنه انفعال.

فإن قلت: إذا كان انفعالا فكيف يكلف به؟ والكيفية كالغريزة للنفس بعد الدليل، فكيف يكلف به؟ وكيف يثاب عليه؟ وكيف يجعل رأس العبادات؟

قلنا: لما كانت تلك الكيفية لا تحصل إلا بالاختيار في مباشرة الأسباب. وصرف النظر، ورفع الموانع، كان فيه ما ذكر. وهذا كله منحوت من السعد التفتازاني (1) في شرحه

(1) السعد التفتازاني مسعود بن عمر (712 - 793هـ = 1312 - 1390م): من أئمة العربية والبيان والمنطق. من كتبه: شرح المقاصد - ط. شرح العقائد النسفية - ط. حاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب. ط. في الأصول. انظر ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة ج4/ 350. طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة ج1/ 165.

ص: 44

للعقيدة النسفية، وقد أبطل المعرفة والاعتداد بها بما ذكر وبكونها تقع مع إنكار وعناد وجحد. قال:{وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} (1)، {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} (2)

نعم: إذا كانت المعرفة بالاختيار فهي التصديق، ولا بأس بذلك على أنا نمنع حصول ذلك للكفار المعاندين، ولئن سلم فكرهم لما عليهم من أمارات التكذيب كما سبق من شد الزنار والله أعلم (3).

فثبت من هذا أن الإيمان يحصل بأمور اختيارية، هي البرهان بشروطه سواء أوجب البرهان صفة أو أكثر، فليس الإجمالي بإجمال الصفات يكون، إنما يكون بضعفه من حيث ما ذكر قبل، فتأمله.

فقولكم: نفعكم الله هل هو حدوث العالم أردتم من حيث إنه يستلزم إثبات جميع الصفات واستلزامه لها ظاهرا، لكنه إن وصل به المكلف حق الوصول فليس بجملي لما مر.

وأما قولكم: هل يؤخذ من قول السنوسي؛ فلا بد لكل مكلف أن يعلم كل مسألة من مسائل الاعتقاد بدليل واحد، حيث ظهر لكم من قوله: إن كل مسألة بدليل معناه جمع المسائل يعني مسائل الاعتقاد في دليل واحد، وليس ذلك مدلول

(1) النمل، الآية: 14

(2)

البقرة، الآية: 146

(3)

انظر السعد التفتازاني، شرح النسفية ص121. بتصرف

ص: 45

قوله فإنه في التركيب نظير قولك كل رَجُل له رِجْل فإن كلا إذا دخل على نكرة أفادت عموم الأفراد. وقد قوبل بفرد، فيكون لكل واحد واحد.

ومحط كلام السنوسي أنه لا بد لكل مسألة من دليل، ولا يلزم أن يعرف كل مسألة بأزيد من دليل، هذا معنى الكلام. ونظرة في التركيب قولك مثلا لكل غاز سهم، فلا شك أن هذا الكلام موضوع لنفي الاشتراك في سهم، وللزيادة للواحد على سهم فكيف يكون قول السنوسي المذكور يفيد إجمال المسائل في دليل، بل هو موضوع لأعم من ذلك، ولنفي التكليف بالزيادة.

وأما قولكم: في بيان أن حدوث العالم هو الإجمالي، بأن الله أشار إلى النظر والتفكر في غير ما آية، فإرشاد مولانا إلى النظر فيه، لا يفيد جمع المسائل الاعتقادية فيه، بل يفيد أنه دليل لما وضع له كأخذ الوجود منه في قوله:{قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} (1). ولمن سلم أنه في القرآن جمع المسائل الاعتقادية كلها فيه، فلا يؤخذ منه أنه هو الدليل الإجمالي الذي هو أدنى رتبة من التفصيلي، كيف والقرآن محشو بالأدلة التفصيلية من حيث وصول الناظر إليها على ما ينبغي، والإجمالية من حيث عدم ذلك.

فالحاصل أن الدليل في نفسه لا يوصف بتفصيل ولا إجمال بل من حيث وصول المكلف. فإن وصل وصولا تاما، قادرا

(1) طه: 49 - 50.

ص: 46

على تقريره، وحل ما يرد عليه من الشبه، فهو الدليل التفصيلي. وإن وصل إليه وصولا ما، بحيث لو سئل لم يجب، وهو معنى العجز عن تقريره. وإن وردت عليه شبهة لم يحملها، فالدليل إجمالي فتسميته بأحد الأمرين حيث الناظر لا من حيث الدليل فاعرفه.

وأما قولكم: ما هو الدليل التفصيلي؟ فقد علمته من كلام ابن عرفة أنه ما وصل على المطلوب وصولا تاما ولا معنى لحقيقته إلا ذلك.

وأما قولكم: وما مثاله؟ فهو مبني على الخلاف فيه، هل يشترط فيه التركيب كما هو مذهب أهل علم الميزان حيث قالوا: وهو ما ركّب من مقدمات تستلزم قولا آخر، وذلك أعم من أن يركب، من صغرى وكبرى، أو من ملزوم ولازم. والقول الآخر الذي تستلزمه هو النتيجة.

ومذهب الأصوليين هو ما وصل للمطلوب ولم يركب كقولنا الدليل على وجود الله حدوث العالم. وعلى الأول هو مخصوص بقولك في الاستدلال على وجوده أيضا العالم حادث وكل حادث لا بد له من محدث. فهذا تركيب من صغرى وكبرى وهما المعنيان بالمقدمات.

وجمعت على أن التثنية جمع أو اعتبارا بما في التركيب أجمع، والنتيجة قولنا العالم لا بد له من محدث وهو المعني بقولنا إنه استلزمته المقدمات، يعني قوة لا فعل، أي لا حصولا، أو من ملزوم ولازم نحو قوله فيما ذكر أيضا له محدث إلخ

والله أعلم.

ص: 47

وقد ذكر القولين السعد التفتازاني. هذا تمام الكلام على السؤال الأول، وبما ذكر منه في الإيمان عن السعد تعلم صحة قول من قال: إنه لا يثاب على الإيمان، وصحة قول من قال: إنه يثاب عليه، يعني إن نظر إلى نفسه الذي هو انفعال على ما سبق أنه الحق فهو من كيفيات النفس وليس كسبيا؛ فلا يثاب عليه، يعنى يثاب عليه باعتبار مبادئه الموصلة إليه.

وأما على القول الذي نسب لبعض المحققين: إنه فعل من أفعال النفس فهو كسبي بلا شك، فالثواب عليه. لكن وجه بعض الأصوليين عدم الثواب عليه بأنه قربة، وكل قربة لا يثاب عليها إلا بشرطها الذي هو الإيمان. وليس قبل الإيمان إيمان فلم يحصل شرط الثواب، وهذا إن صحّ دليلا فلنا أن نقول به في أول جزء منه، أما استمراره فيثاب عليه؛ لأسبقية الإيمان عليه إذ هو عرض كسائر الأعراض، ومنه تعلم أنه حادث، إذ ليس فيه إلا قولان: فعل من أفعال النفس، أو انفعال وهما حادثان بالضرورة.

وما يوجد في بعض المقيدات منسوبا للتفتازاني على الرسالة، وجوابه لزروق (1) عليها، كما وقفت عليه من أن الإيمان من قال

(1) زروق أحمد بن أحمد (846 - 899 هـ = 1442 - 1493 م): فقيه محدث صوفي. من تصانيفه: " النصيحة الكافية لمن خصه الله بالعافية "، " القواعد"

انظر ابن القاضي، جذوة الاقتباس ص60. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص267

ص: 48

فيه: إنه حادث فقد كفر، ومن قال: إنه قديم فقد كفر، فلا يصح إلا على أحد الأمرين:

أولهما: إنه حادث يعني من حيث ذاته، إذ هو مخلوق لله قديم من حيث متعلقه الذي هو الأمر الكلامي الأزلي، لكنه بهذا غير صحيح؛ إذ لا يلزم من قدم المتعلق كالقدرة مثلا قدم المتعلق كالمقدور، وإلا لزم قدم العالم كله من حيث قدم ما تعلق به.

وهذا قول بمذهب الفلاسفة على أنهم ما أمكنهم دعوى قدمه في زعمهم، حتى نفوا الصفات وجعلوه يؤثر بالذات وهو معنى التعليل، وذلك لما ثبت بالعقل بإجماع منا، ومنهم أن المفعول بالقصد والاختيار حادث بالزمان بمعنى المسبوقية بالعدم، بخلاف المفعول بالذات فإنه حادث بالزمان، بمعنى المسبوقية بالعدم، فكيف يمكن من أثبت الصفات أن يقول بقدم شيء فعل بالقصد والاختيار. هذا بديهي بعد معرفة ما سبق، وقد اشتهر من القواعد العقلية: أنه لا يلزم من قدم المتعلق كما ذكره السعد وغيره.

الأمر الثاني: إنه لا يليق غيره لو قصده الإمام زروقا: إنه لا يقال الإيمان على معنى أنه لم يسبق بعدم بل لا بد من القول بحدوثه بهذا المعنى، إذا هو مسبوق بعدم، وطروّه ظاهر بالبديهة، إذ هو عرض يخلقه الله في قلب من هداه كالكافر يطرأ عليهم الإيمان، فهو حادث لا محالة. وأيضا هو صفة بعض الحوادث فلا يمكن القول بقدمه.

ص: 49

ومعنى أنه لا يقال بحدوثه على حيثية أخرى، أي يقال: إنه كان غير مطلوب في بعض الشرائع كالصلوات الخمس، ثم حدث أي صار واجبا بعد أن لم يكن واجبا.

فإن القول بهذا كفر؛ لأن الإيمان بالله من الخصال التي اتفقت عليها الملل في وجوبها.

وهذا في إيمان العبادات إيمان الله الذي هو تصديقه لمن صدقه فهو قديم إذ هو صفة، وهذا لا يزيد ولا ينقص بإجماع. وهذا من شجون المقال. فلنرجع لأصل السؤال.

ثانيها: قولهم إن وجودنا هل يقال فيه: إنه واجب، أو جائز مطلقا كما صرح به في برهان الثناء (كذا)؟

فأقول وبالله الفكر يجول: إن حقيقة الجائز ما لو وقع لم يلزم من فرض وقوعه محال لذاته. والعارض لا يدفع الجواز الأصلي الذاتي. قال التفتازاني (1) في تكليف ما لا يطاق: إنه جائز عقلا وهو غير واقع، بدليل قوله:{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (2). وذهبت المعتزلة إلى استحالته عقلا، بناءً على مذهبهم بالتحسين والتقبيح بالعقل. وأما وقوعه فهو محال، وذلك لا يدفع جوازه الأصلي.

فإن قلت: لا يصح جوازه؛ لأن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال، وهذا لو وقع لكان تكذيبا للخبر الصادق، وهو محال.

(1) انظر السعد التفتازاني شرح المقاصد ج 4/ 296 بتصرف.

(2)

البقرة الآية: 286

ص: 50

فالجواب: إن الجائز ما لا يلزم على فرض وقوعه محال لذاته. وهذا الواقع لم يلزمه منه محال لذاته، وإنما جاءه المحال من عارض، وذلك لا يدفع الجواز الأصلي، كما تقول في الموجود: إنه جائز الوجود والعدم، يعني من حيث ذاته. وإن كان عدمه محالا يعني لمشاهدة وجوده، فإن العارض لا يدفع الحكم الأصلي.

فمعناه موضحا، فقد جعل محل سؤالكم واستشكالكم استشهادا، فإذًا يقال: إنه جائز من حيث ذاته مطلقا قبل الوجود وبعده. فإن اعتبرت العارض ذكرته مقيدا، فقلت: واجب الوجود لفرض وجوده، بخلاف ما بالذات فإنه عند الإطلاق ينصرف الذهن إليه.

إيضاح آخر: أن لو لم نعتبر الذات لما بقي جائز، واللازم باطل، فالملزوم مثله بيان الملازمة أن علمه قد أحاط بالجائز على تفاصيله من كونه يقع أو لا يقع، فلو اعتبرنا العارض كالعلم العارض للجائز لما بقي جائزا، إذًا ما علم عدمه يكون واجب العدم، وما علم وجوده يكون واجب الوجود قبل أن يوجد. فكيف بعد الوجود؛ فثبت أن الجواز يثبت للجائز من حيث هو هو، وأن الوجوب يثبت له من حيث فرض الوقوع لأحد طرفيه بعارض الوجود المشاهد أو المعلوم، فتأمل ذلك حق التأمل، وكن من الشاكرين.

ثالثها: قولهم ما هو الحال في كونه قادرا؟ هل ما يفهم من القادرية بين كونه وقادرا، وكذا في كل صفة؟ وهل هنا كالحال

ص: 51

في قول النحاة جاء زيد راكبا؟ وهل الحال المعنوية الحادثة في حقنا مخلوقة تتعلق بها القدرة أم لا؟ هذا تمام ما لهم من سؤال.

فأقول بحول من به الفكر يجول: إن سؤالك في الحال سؤال عن عنقاء مغرب، وقد اختلف الناس قديما وحديثا في إثباتها وتقييمها.

والثابت المحقق لكل الأذهان لا يقدر على نفيه إنسان. وأدلّة نفاتها كثيرة، وأدلّة مثبتيها كذلك. وقد ألَّف كل في قصده، وألَّف بعض العلماء نصافة بينهما بعد اطلاعه على غاية ما وصل إليه عقول الفريقين، وذكر كلامهم، وكلام المصنف بينهم، يتلخص لك ما هي عند من أثبتها.

وإن علم أن أول من تكلم في الحال الجبائي، وأبو هاشم (1)، وما كانت مذكورة قبلهما أصلا، فأثبتها أبو هاشم، ونفاها أبوه الجبائي (2).

وأثبتها الباقلاني (3) بعد أن تردد فيها. ونفاها صاحب مذهبه

(1) الجبائي عبد السلام بن محمد عبد الوهاب (247 - 321 هـ = 861 - 933): عالم بالكلام من كبار المعتزلة، له آراء انفرد بها. وتبعته فرقة سميت " البهشمية". له مصنفات في الاعتزال كما لأبيه. انظر الإسفراييني، التبصير في الدين ص86. الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج11/ 55.

(2)

محمد بن عبد الوهاب الجبائي (253 - 303 هـ = 849 - 916 م): من أئمة المعتزلة. ورئيس الكلام في عصره، وإليه نسبة الطائفة الجبائية، له " تفسير " حافل مطول رد به على الأشعري. انظر ابن خلكان، وفيات الأعيان ج1/ 480. طاش كبرى زادة، مفتاح السعادة ج2/ 125.

(3)

الباقلاني محمد بن الطيب، أبو بكر (338 - 403 هـ = 950 - 1013 م): قاض، من كبار علماء الكلام. انتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة. من كتبه:" الإنصاف"، " الاستبصار"، " الملل والنحل"

انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ج5/ 379. ابن خلكان، وفيات الأعيان ج1/ 481.

ص: 52

الشيخ أبو الحسن الأشعري (1) وأصحابه. ولإمام الحرمين (2) قولان: والأولى أن يبيّن ما هو الحال التي توارد فيها النفي والإثبات؟ وما مذهب المثبتين فيها؟ وما مذهب النافين؟

أما بيانها ما هي؟ فليس للحال حدّ حقيقي يشمل جميع الأحوال " فإن الحد حال" فلو ثبت للحال حد لثبت الحال للحال، وذلك لا يصح.

فإذا وجب أن لها ضابطا وحاضرا فانحصر انقسامها إلى ما يعلل وما لا يعلل. وما يعلل فهي أحكام لمعان قائمة بذوات. وما لا يعلل فهي معان ليست أحكاما لمعاني.

أما الأول: فكل حكم لعلة قامت بذات، ككون الحي حيّا عالما سميعا بصيرا؛ لأن كونه حيّا يعلل بالحياء مثلا فتقوم الحياة بمحل، وتوجب كون المحل حيّا، وتسمى هذا الأحكام أحوالا وصفات زائدة على المعاني التي أوجبتها، لكن الجبائي إنما يثبت

(1) أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل (260 - 324هـ = 874 - 936 م): مؤسس مذهب الأشاعرة، ومن الأئمة المتكلمين المجتهدين. من مصنفاته:" الرد على المجسمة"، " الإبانة في أصول الديانة"، " مقالات الإسلاميين"

انظر ابن العماد، شذرات الذهب ج2/ 303 - 305. ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري.

(2)

إمام الحرمين الجويني عبد الملك بن عبد الله (419 - 478 هـ = 1028 - 1085 م): أعلم المتأخرين. من أصحاب الإمام الشافعي. له مصنفات كثيرة منها: "الإرشاد - ط في أصول الدين"" العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية". انظر السبكي، طبقات الشافعية ج3/ 249 - 283، ابن العماد، شذرات الذهب ج3/ 358 - 362

ص: 53

الحال لصفة من شرط الحياة ككون الحي حيّا وعالما. وعند القاضي أبي بكر الباقلاني مطلقا، فزاد كون المتحرك متحركا، والساكن ساكنا. وابن الجبائي عنده الحال وصف لجميع الذات؛ لأن البقية عنده شرط، فلا يثبت للقديم حالا.

ولما كانت البنية شرطا، كانت في أجزائها في حكم المحل الواحد فتوصف بالحال. وعند القاضي البنية ليست شرطا، فثبت للقديم والحادث وهي في الحادث وصف للجزء الذي قام به المعنى فقط.

وأما القسم الثاني: فهو كل صفة تثبت للذات من غير علّة زائدة على الذات كتحيز الجواهر. وكونه موجودا، وكون العرض عرضا، ولونا وسوادا، وكذا قال المديوني (1) في شرح السلالجي (2) أبي عمرو: إن الصفة النفسية كل صفة إثبات للذّات من غير معنى زائد على الذات، كالتحيز للجوهر، وقبوله الأعراض، وحدوثه وافتقاره للفاعل (3).

(1) المديوني أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن: به شرح برهانية السلالجي. انظر عبد العابد الفاسي، فهرس مخطوطات خزانة القرويين ج4/ 41 - 42 - 43.

(2)

السلالجي أبو عمرو عثمان بن عبد الله (ت 574 هـ = 1178 م): إمام أهل المغرب في الاعتقاد والتصوف، وكان أشعري المذهب. من مصنفاته: " البرهانية

أو العقيدة السلالجية". حققت مؤخرا. انظر محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص163. ابن القاضي، الجذوة ص289.

(3)

انظر إمام الحرمين الجويني، الإرشاد ص92 بتصرف.

ص: 54

وإنما نقلت كلامه وإن كان فيه ما في غيره؛ لتصريحه بأن الافتقار صفة نفسية، وذلك صريح في حدوثه عكس ما عليه أهل العصر، وقد أفردناه بورقات. وأما الضابط فهو أن كل موجود له خاصية يتميز بها عن غيره. وإنما يتميز بخاصية هي الحال، وما تماثل المماثلات به فهو حال، وهي التي تسمى صفة الأجناس فيما به التماثل، وصفة الأنواع فيما به التخالف. والحال عند المثبتين ليست موجودة، ولا أشياء، ولا يوصف بصفة. وعند الجبّائي ليست هي معلومة على حيالها، إنما تعلم مع الذّات.

وأما نفاة الأحوال فعندهم تتماثل وتتخالف بذواتها المعيّنة. وأما الأجناس والأنواع فيرجع عمومها إلى الألفاظ الدالة عليها فقط.

وكذلك خصوصها، وقد يعلم الشيء من وجه ويجهل من وجه. والوجوه اعتبارات عقلية لا ترجع إلى صفات هي أحوال تختص بالذوات. هذا تقرير المذهبين، أعني مذهب الفريقين في الحال.

استدل المثبتون أن العقل يقتضي ضرورة أن السواد والبياض يشتركان في قضية وهي اللونية والعرضية، ويفترقان في قضية وهي السوادية والبياضية، فما به الاشتراك عين ما به الافتراق أو غيره. الأول سفسطة، والثاني: تسليم للمسألة.

وبيانه: إن السواد لو لم يوجب للمحل حكما وصفة وهي السوادية والبياضية لم يفترقا ولم يشتركا. لكن عدم افتراقهما

ص: 55

واشتراكهما باطل ضرورة، وحيث الاشتراك والافتراق لم يخل، إما أن يفترقا بأمر أو يشتركا بأمر أم لا؟ وافتراقهما بلا أمر واشتراكهما لا في أمر باطل ضرورة، فثبت أنهما بأمر، ثم ذلك الأمر إما أن يكون واحدا أم لا؟

وكونه واحدا سفسطة؛ إذ هو بديهي، يعني البطلان؛ لعدم صحة كون الأمر الواحد مفرقا مشتركا بين شيئين. وحيث ثبت ذلك الأمر فذلك الأمر هو المعني بالحال. هذا دليل المثبتة.

قال النافون لأحوال السواد والبياض: المعين لا يشتركان قط في شيء هو كالصفة لهما، بل يشتركان في شيء هو اللفظ على الجزئية والنوعية والعموم، والاشتراك فيه ليس يرجع إلى صفة هي حال السواد والبياض، فإن حالتي الفرضين يشتركان في الحالية، ولا يقتضي ذلك ثبوت حال للحال؛ فإنه يؤدي إلى التسلسل، والعموم كالعموم، والخواص كالخواص، هذا كلامهم.

وبيانه: أن الاشتراك والافتراق إنما هو بلفظ عام أو خاص، فإن عبّرت عن البياض بلفظ لون عمه هذا اللفظ وعمّ السواد، وإن عبّرت عنه بلفظ البياض خصّه هذا اللفظ دون السواد.

والدليل على ذلك مرجعه اللّفظ لا لأمر وراء اللفظ، إن الحال أيضا يعبر عنه بما يعمّه ويخصّه فتعبر عن البياضية بأنها حال، وهذا أمر يعمها وسائر الأحوال.

وتعبر عنها بأمر يخصها هي البياضية مثلا، وهو أمر يخصها

ص: 56

دون السواد، فلو كان الذي به الاشتراك والافتراق وصفا وراء اللفظ وحالا لثبت للحال حال، وذلك يؤدي إلى التسلسل هذا على تقدير تسليم الاشتراك، وسيأتي كلام المصنف بين الفريقين.

وبه يتبين لك أن المثبتة ذهبوا إلى أن الحقائق لا يفيد تعينها كمطلق البياض مثلا، لا يفيد بياض زيد مثلا فهو لا يشارك سواد عمرو كما قالت النفاة.

قال المثبتون: الاشتراك والافتراق قضية عقلية وراء اللفظ، وإنما وضع اللفظ على وفق ذلك ومطابقته، ونحن إنما تمسكنا بألفاظنا العقلية دون الألفاظ الوصفية. ومن اعتقد أن العموم والخصوص يرجعان إلى اللفظ المجرد قد أنكر الحدود العقلية للأشياء، والأدلة القطعية على المدلولات، والأشياء لو كانت تتمايز بذواتها ووجودها لبطل القول بالقضايا العقلية، وانحسم الاستدلال بشيء حاصل على شيء مكتسب مستحصل، وما لم يندرج في الأدلة العقلية عموما عقليا لم يصل إلى العلم بالمدلول قط، وما لم يتحقق في الحد شمول لجميع المحدودات لم يصل إلى العلم بالمحدود.

قال النافون: الكلام على المذاهب ردا وقبولا إنما يصح بعد كون المذهب معقولا، ونحن نعلم بالبديهة ألا واسطة بين النفي والإثبات، ولا بين العدم والوجود، وأنتم اعتقدتم الحال لا موجودة وهو متناقض بالبديهة، ثم فرقتم بين الثبوت والوجود، فأطلقتم عليها لفظ الثبوت فنفس المذهب إذا لم يكن معقولا كيف يسوغ استماعه؟

ص: 57

ومن العجب قول ابن الجبّائي لا توصف بكونها معلومة ومجهولة. وغاية الاستدلال إثبات العلم بالمستدل عليه، وأنتم أنتج دليلكم أمرا لا يعلم. والدليل ينتج العلم، هذا تناقض في الكلام.

ثم ما المعني بقولكم الافتراق والاشتراك قضية عقلية وراء اللفظ؟ إن عنيتم به أن الشيء الواحد يعلم من وجه ويجهل من وجوه. فالوجوه العقلية اعتبارات ذهنية وتقديرات، ولا يعني ذلك بصفات ثابتة للذات كما في النسب والإضافات مثل القرب والبعد في الجوهرين.

وإن عنيتم بذلك أن الشيء الواحد يتحقق له صفات فيها الشركة والافتراق فهو نفس المتنازع فيه، فإن الشيء الواحد المعين لا شركة فيه بوجه، والشيء المشترك العام لا وجود له ألبتة، وإلزامكم إيانا حسم باب الاستدلال بكم أولى، فإن غاية أمر المستدل أن يأتي في نظره بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، فينفي أحدهما حتى يتعين الثاني، وأنتم قد أتبعتم الحال واسطة بين الوجود والعدم، فلم يفد التقسيم علما، ثم الحد والحقيقة على أصل نفاة الأحوال واحد.

فحد الشيء حقيقته، وحقيقته ما اختص به في ذاته عن سائر الأشياء، ولكل شيء خاصية يتميز بها عن غيره. وخاصيته تلزم ذاته ولا تفارقه، ولا يشارك فيها بوجه وإلا بطل الاختصاص.

وأما العموم والخصوص في الاستدلال فقد بينا أنه راجع إلى الأقوال الموضوعة له؛ ليربط شكل بشكل، ونظير بنظير. والذات لا تشتمل على عموم

ص: 58

وخصوص ألبتة، بل وجود الشيء وأخص وصفه واحد.

فالمتحصل من كلام هؤلاء النفاة في الحال النفسية والمعنوية أنها ليست بأمر زائد على الموصوف بها، بل ذات الشيء كالبياض، وأخص وصفه، أو أعمه كالبياضية واللونية حين عينه، وإنما نذكر تعبيرا عنه، ولحظا من حيثيَّاته، فإذا نظرت فيه من حيث كونه تابعا لتحيز غيره عبرت عنه بالعرض، فليست العرضية صفة للبياض، بل هي عينه.

وإذا نظرت فيه من حيث كونه مختصا بموصوف عبرت عنه بالوصف الشامل له، ولصفة الباري والمجرّدات كالنفوس البشرية عند مثبتها.

وإذا نظرت له من حيث إنه اللون المفرق للبصر عبّرت عنه بالبياض، وإن نظرت إليه من حيث كونه كاللباس للجرم عبّرت عنه بأنه لون.

فبهذا بان لك معنى قولهم مرة: إنها وجوه واعتبارات، ومرة: إنها أمور لفظية، وليس كل هذه الحيثيات صفات زائدة في المنظور فيه، هذا معنى نفي الحال، وأنها وجوه واعتبارات.

قال المثبتون: لم نثبت قط واسطة بين النفي والإثبات، بل بين الوجود والعدم، وأنتم معاشر النفاة وافقتمونا على أن الحركة علة لكون الجرم متحركا لاتفاق الجميع على ذلك، وكذا جميع المعاني والأعراض كالقدرة والعلم، والعلة توجب المعلول، وذلك المعلول ليس نفسها؛ لاستحالة كون الشيء الواحد من وجه واحد يوجب نفسه، فوجب أن يوجب أمرا آخر.

ثم لا يجوز أن يكون ذلك الأمر ذاتا على حيالها، كإيجاب القدرة مثلا

ص: 59

قدرة، فمن ذلك يؤدي إلى التسلسل فتعين أنه صفة لذلك، وذلك هو المعنى بالحال، فالقيمة العقلية حملتنا على إثباتها والضرورة ألجأتنا على ألا نسميها موجودة على حيالها، وقد يعلم الشيء مع غيره، ولا يعلم على حياله كالتأليف من الجوهرين، والممارسة، والقرب والبعد.

وأما قولكم: إنه راجع إلى وجوه واعتبارات عقلية، فنقول: إن هذه الوجوه والاعتبارات ليست مطلقة مرسلة، بل مختصة بذوات، فالوجوه العقلية لذات واحدة هي بعينها الأحوال، فإن تلك الوجوه ليست ألفاظا مجردة قائمة بالمتكلم، بل هي حقائق معلومة معقولة لا أنها موجودة على حيالها، ولا معلومة على انفرادها، وهي صفات توصف بها الذوات، فما عبرتم عنه بالوجود عبرنا عنه بالأحوال، فإن المعلومين قد يتمايزان، وإن كانت الذّات متحدة.

وتمايز المعلومين يدل على تعدد الوجهين الحالين وهما معلومان ومحققان تعلق بهما علمان متميزان، وليس ذلك كالنسب والإضافات، ولا أنها ترجع إلى ألفاظ مجردة، وليس فيها علم محقق متعلق بمعلوم محقق.

وقولهم: الشيء الواحد لا شركة فيه، والمشترك لا وجود له باطل؛ فإن الشيء المعين من حيث هو معين لا شركة فيه، وهذه الصفات التي أثبتناها ليست معينة مخصصة، بل هي صفات يقع بها التخصيص والتعيين، ويقع بها الشمول والعموم، وهي من القضايا الضرورية، كالوجوه عند كون ردّ التعميم والتخصيص إلى مجرد الألفاظ، فقد أبطل الوجوه والاعتبارات

ص: 60

العقلية، أليست العبارة تتبدل لغة بلغة، حالة بحالة؟

وهذه الوجوه العقلية لا تتبدل، بل الذوات ثابتة عليها قبل التعبير عنها بلفظ عام وخاص على السواء. ومن ردها إلى الاعتبارات فقد ناقض بردها إلى العبارات، فإن الاعتبارات لا تتبدل ولا تتغير بعقل وعقل، والعبارات تتبدل بلسان ولسان وزمان وزمان.

وقولكم معاشر النفاة: حدّ الشيء وحقيقته، وذاته، وعينه عبارة عن معتبر واحد، والأشياء إنما تتمايز ذواتها، ولا شركة في الخواص.

قال المثبتون: إن الأمر كذلك، لكن خاصية كل شيء معين غير، وخاصيّة كل نوع محقق غير، وأنتم لا تجدون جوهرا لعينه على الخصوص، بل تجدون الجوهر من حيث هو جوهر على الإطلاق، فقد أثبتم معنًى عاما يعم الجواهر وهو التحيز مثلا، وإلا كان كل وجوهر على حياله محتاجا إلى حد على حياله، ولا يجوز أن يجري حكم جوهر في جوهر من التحيز، وقبول العرض والقيام بالنفس.

فإذا لم تجد بُدا من إدراج أمر عام معقول في الحدود فذلك يبطل قولكم: إن الأشياء تتمايز بذواتها، وهو يصحح قولنا: إن الحدود لا تستغني من عمومات الألفاظ، وتدل على صفات عموم الذوات وصفات خصوص، وتلك أحوال لها وجوه واعتبارات عقلية، أو ما شئت فسمها بعد الاتفاق على المعاني والحقائق، وقد طال التراجع بين

ص: 61

الفريقين، وإنا نذكر لك الآن مقالة بعض الفريقين.

قال بعض المحققين ممنّ اطلع على نهاية اختلاف الفريقين: إن النفاة أخطئوا من ثلاثة أوجه، أما خطأ النفاة فمن ردهم إلى العموم والخصوص للألفاظ المجردة، وأن الأشياء المختلفة تختلف بذواتها ووجودها، وكلامكم هذا يناقض بعضه بعضا، ويدفع أوله آخره، وهذا إنكار لأخص أوصاف العقل، أليس هذا الرد حكما عاما على كل حال عام وخاص، فإنه راجع إلى اللفظ المجرد.

أليست الألفاظ المجردة لو رفعت فمن البيّن ألا ترفع القضايا العقلية حتى البهائم التي لا عقل لها ولا نطق، لم تقدم هذه الهداية فإنها تعلم بالفطرة ما ينفعها من العشب فتأكله، ثم إذا رأت مماثله ما اعتراها ريب في أنه مأكول، كالأول. فلولا أنها تخلية من الثاني عين حكم الأول، وهو كونه مأكولا وإلا لما أكلت، وتعرف جنسها فتألف به، وتعرف ضدّها فتهرب عنه.

ولقد صدق المثبتون عليكم أنكم حسمتم على أنفسكم باب الحد وشموله للمحدودات، وباب النظر وتضمنه للعلم.

قال المصنف: وأنا أقول بل حسمتم على العقول باب الإدراك، وعلى الألسن باب الكلام، وأن العقل يدرك الإنسانية كلية عامة للنوع الإنساني، وكذا العرضية، وهو مفهوم العبارات ومدلولها لأنفسها؛ لأن العبارة تدل على معنى في الذهن محقق، هو مدلول العبارة والمعبر عنه لو تبدلت العبارة عجمية، وعربية، ورومية لم يتبدل المدلول، ثم ما من كلام تام ويختص

ص: 62

معنى عاما فوق الأعيان المشار إليها بهذا.

وتلك المعاني العامة من أخصّ أوصاف النفوس الإنسانية، فمن أنكرها معقولة خرج عن حدود الإنسانية ودخل في حريم البهيمية {بل هم أضل سبيلا} (1).

وأما الخطأ الثاني: فهو رد التمييز بين الأنواع إلى الذوات المعينة، وذلك من أشنع المغالاة والشيء، وإن كان إنما يميز عن غيره بأخص وصفه، فأخص وصف نوع الشيء غير، وأخص وصف الذات المشار إليها غير، فإن الجوهر يتميز عن العرض بالتحيز مطلقا إطلاقا نوعيا لا معينا تعيينا شخصيا، فإن الجوهر إنما يتميز عن جوهر آخر معين يتميز مخصوص لا بتميز مطلقا، وقد لا يمتاز جوهر معين عن عرض متعين يتميز مخصوص، وليس بالأعم كالوجود بل بأخص أوصافها بشرط أن يكون كلية عامة، ولو كان التميز بالذوات لزم ألا يجري حكم مثل في مثل.

فلو أقمت دليلا على حدوث جوهر لزمك إقامة آخر على جوهر آخر، ولو حكم على الجوهر بأنه قابل العرض، ولم يسلب هذا الحكم عن العرض، إذ إجزاء الحكم ونفية بإثبات ما به التماثل والاختلاف، وحيث لم يثبت الحال لم يثبت تخالف ولا تماثل، وارتفع العقل والمعقول وتقدر الحس والمحسوس.

وأما وجه خطأ المثبتين للحال فإنهم أثبتوا للموجود المعين

(1) الفرقان: الآية: 44

ص: 63

المشار إليه صفات مخصوصة به، وصفات يشاركه فيها غيره من الموجودات، وهو من أمحل المحال، فإن المختص بالشيء المعين والذي يشاركه غيره فيه واحد بالنسبة إلى ذلك المعين المشار إليه. فإن الوجود إذا تخصص بالفرضية فهو بعينه عرض، والعرضية إذا تخصصت باللونية فهي بعينها لون، وكذلك اللونية بالسوادية. والسوادية بهذا السواد المشار إليه فليس من المعقول أن توجد صفة لشيء معين هي بعينها توجد لشيء آخر كسواد واحد في محلين، وجوهر واحد في مكانين، ثم لا يكون ذلك في الحقيقة عموما وخصوصا، فإن مثل هذا ليس يقبل التخصيص؛ إذ يكون خاصا في كل محل، ولا يكون ألبتة عاما. وإذا لم يكن عاما لم يكن خاصا أيضا فيتناقض الكلام.

والخطأ الثاني: أنهم قالوا: الحال لا توصف بالوجود ولا بالعدم، والوجود عندهم حال فكيف يصح أن يقال الوجود لا يوصف بالوجود ولا بالعدم؟

وهل هو إلا تناقض في اللفظ والمعنى جميعا؟ وما لا يوصف بالوجود ولا بالعدم كيف يصح أن يعم أصنافا وأنواعا؛ لأن العموم والشمول يستويان، أولا وجودا محققا وثبوتا حتى يشمل ويعم ويخص ويتعين، وأيضا أثبتوا العلّة والمعلول، ثم قالوا: العلّة توجب المعلول وما ليس بموجود كيف يوجب غيره، والعلمية والعالمية عندهم حال، والموجب حال، والموجَب حال، والحال لا توجب الحال للحال؛ لأن ما لا يتصف بالوجود الحقيقي لا يتصف بكونه موجبا.

ص: 64

والخطأ الثالث: أنا نقول معاشر المثبتين كلما أثبتّموه هو الحال عندكم فأرونا موجودا في الشاهد، والغائب، هو ليس بحال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم، فإن الوجود الذي هو الأعم الشامل، القديم والحادث عندكم حال والجوهرية والتحيز، وقبوله للأعراض والعرضية واللونية والسوادية.

وأخص وصف هذا السواد بعينه، كلها أحوال، فليس على ما يقتضي مذهبكم شيء ما في الوجود ليس بحال وإن ثبت ليس بحال، فذلك الشيء يشتمل على عموم وخصوص، والأخص والأعم عندكم حال فإذا لا شيء إلا شيء، ولا وجود إلا لا وجود، وهذا أمحل المحال.

فالحق إذًا في المسألة أن الإنسان يجد من نفسه ضرورة تصور أشياء كلية عامة مطلقة دون ملاحظة جانب الألفاظ جانب الأعيان، ويجد من نفسه اعتبارات عقلية لشيء واحد، وهي إما أن ترجع إلى الألفاظ المجردة، وقد أبطلناها. وإما أن ترجع إلى الأعيان الموجودة المشار إليها وقد زيفناها فلم يبق إلا أن يقال: هي معان موجودة محققة في ذهن الإنسان والعقل الإنساني هو المدرك لها من حيث هي كلية عامة، ولا وجود لها في الأعيان فلا موجود مطلقا، في الأعيان، ولا عرض مطلقا ولا لون مطلقا، بل هي في الأعيان بحيث يتصور العقل منها معنًى كليا عاما، فتصاغ له عبارة تطابقه، وتنص عليه، ويعتبر العقل فيها معنى ووجها، فتصاغ له فيها عبارة حتى لو طاحت العبارة، أو تبدلت لم يبطل المعنى المقدر في الذهن المتصور في العقل.

ص: 65

فنفاة الأحوال أخطئوا من حيث ردّوها إلى العبارات المجردة، وأصابوا حيث قالوا: ما ثبت وجوده معينا لا عموم فيه، ولا اعتبار. ومثبتو الأحوال أخطئوا من ردوها إلى صفات في الأعيان وأصابوا حيث قالوا: هي معان معقولة وراء العبارات، فكان من حقهم أن يقولوا: هي موجودة متصورة في الأذهان، معدومة في الأعيان، بدل قولهم لا موجودة ولا معدومة.

وهذه المعاني مما لا ينكرها عاقل من نفسه، غير أن بعضهم يعبر عنها بالتصور في الأذهان، وبعضهم يعبر عنها بالتقدير في العقل، وبعضهم يعبر عنها بالحقائق والمعاني التي هي مدلولات العبارات وإلا الألفاظ، وبعضهم يعبر عنها بصفات الأجناس والأنواع والمعاني إذا لاحت للعقول، واتضحت فيعبر المعبر عنها بما تيسر له.

والحقائق والمعاني إذًا ذات اعتبارات ثلاثة:

فاعتبارها في ذواتها وأنفسها، واعتبارها بالنسبة إلى الأعيان، واعتبارها بالنسبة إلى الأذهان.

وهي من حيث هي موجودة في الأعيان يعرض لها أن تتعين. من حيث هي متصورة في الأذهان يعرض لها أن تعم وتشمل. وهي باعتبارها في ذواتها وأنفسها حقائق محضة لا عموم فيها ولا خصوص.

ومن عرف هذه الاعتبارات الثلاثة زال إشكاله في مسألة الحال، وتبين الحق. هذا كلام المصنف بين الفريقين.

هذا

ص: 66

منتهى القدم في المسألة مما أدرك وعبّر عنه ترجمان اللسان والعلم. فإذا علمت هذا كله فالذي نفى الحال مطلقا، نفسية ومعنوية، حصل ما يعبر عنه بالقادرية، أو بكونه قادرا هي القدرة مثلا، أو قيامها بالمحل، ومن أثبتها جعل البياض والقدرة إذا قاما بالمحل موجبان له معنى آخر غير قيامه له، معقول في الذهن تعبر عنه بكونه أبيض، أو البياضية، أو كونه قادرا، وبالقادرية نزاع الناس فيما ذكر كما سطر.

لعل شيئا وراء هذه العبارة، وهي كونه أبيض أو البياضية أو ليس هناك إلا الذات في النفسية، وإلا الذات والصفة القائمة بها في الذات مع القدرة يعبر عن ذلك الاتصاف بإحدى العبارتين لا غير.

فعلى الأول: ثمّ معنى آخر وراء الاتصاف، وعلى الثاني: لا ثمّ التعبير يصح على قولي المثبتة والنفاة بكونه قادرا أو بالقادرية.

وممن عبر بالقادرية، والمريدية، والعالمية، والحبيبية، والسمعية، والبصرية، والكلامية ابن الحاجب (1) في عقيدته، وأبو بكر (2)، والمقترح (3).

وممن عبر بالكونية الإمام السنوسي، وممن عبر بالعبارتين كونه عالما مثله، والعالمية المديوني في شرحه للسلالجي، وربما

(1) ابن الحاجب عثمان بن عمر (570 - 646 هـ = 1174 - 1249 م): فقيه مالكي. من كبار العلماء بالعربية من مصنفاته: " منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل - ط "، " مختصر الفقه - خ " ....

(2)

وردت ترجمته فيما سبق، وانظر كتابه الإنصاف ص35 وما بعدها.

(3)

انظر المقترح، شرح الإرشاد ص327.

ص: 67

عبر بعالم على معنى العالمية، فتأمله. ثم التعبير بكونه قادرا .. وبالقادرية على لحظين. فإن اعتبرت الحال فقط بقطع النظر عن ذكر الموصوف بها، قلت: البياضية، واللونية، والسوادية، والقادرية، وإن اعتبرته مع النظر إلى إنصاف الموصوف به قلت: يجب للموصوف بالقدرة مثلا كونه قادرا.

والعبارة الكاشفة عن المسألة أن معنى القادرية صفة أوجبتها القدرة، فلذلك ذكرت بياء النسب، منسوبة لما أوجبها.

ومعنى كونه أي الموصوف قادرا هو اتّصافه بالقادرية المذكورة هذا عند من أثبتها، أما من نفاها فعنده كونه قادرا، أو القادرية ألفاظ وعبارات في قول أو وجوه واعتبارات، أي حيثيات في آخر ليس وراء اللفط شيء محقق، بل هي كالقبلية والبعدية من حيثيات لا من ذات الموصوف بها.

ولا وصف هناك أصلا. ومن ثمّ أجمع الناس على كفر من نفى قادرا. وإنما الخلاف في كونه قادرا أو القادرية بالنفي والإثبات وعليهما، فهو قادر بسبب اتصافه بالقادرية وبالقدرة على من نفى الحال.

فإن قلت: إن بنينا على مذهب من نفى المعاني كالقدرة ونفى الأحوال، فبأي وجه يسمى قادرا، بل اللازم عليه عدم التسمية وقد أطبق المعتزلة (1) على نفي المعاني، واختلفوا في

(1) المعتزلة: هي إحدى الفرق الكلامية الإسلامية، يقولون بنفي صفات الله تعالى ليس خالقا لأفعال العبد، وإن القرآن محدث ومخلوق. وكان التوحيد في رأيهم أن الله تعالى عالم بذاته، وسموا معتزلة؛ لأن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد كانا من تلاميذ الحسن البصري، ادعيا:" إن الفاسق ليس بمؤمن وليس بكافر "، وجلسا في ناحية خاصة من المسجد، فقيل عنهما: إنهما اعتزلا حلقة الحسن البصري؛ فسموا معتزلة. انظر أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين ج1/ 167.

ص: 68

المعنوية كما علمت، فكيف يجمع على تكفيرهم من حيث كان عند بعضهم نفي الحال مع موضع الاتفاق عندهم على نفي المعاني.

قلت: هم وإن نفوا جميع ذلك يجعلونه قادرا بالذات ولا ينفون أنه قادر، والفلاسفة قبل الإسلام قائلون بنفي المعاني والمعنوية، ومع ذلك يقولون: إنه قادر، إذ لو لم يكن قادرا لكان عاجزا، إذ لا معنى لنفي قادر إلا ذلك.

والإجماع على كفر من وسمه بالعجز. هذا ما تيسر في القول والكلام في هذه المسألة طويل الذيل، فخذ جهد المقل الفقير، والله على كل شيء قدير.

وأما قولكم هل الحال هنا كالحال عند النحاة؟

فأقول: لا، فإن الحال عند النحاة يقابل النعت، ولا بد من كون اللفظ الدال عليها نكرة، وهي لدفع وصف آخر على الذّات بخلاف النعت. فقولك: جاء زيد راكبا، أردت دفع أن زيدا الجائي إنما جاء ماشيا، ولذلك قالوا: إنها تبين ما انبهم من الهيئات.

وقولكم: جاء زيد الراكب في النعت مثلا إنما جئت به لندفع ذاتا مشاركة لهذا في الاسم لكن تتصف بالركوب.

ص: 69

والحال عند المتكلمين المثبتين له أمر يعقل في الذهن تعبر عنه منسوبا بالقادرية والجوهرية في النفسي من حيث ذلك الأمر، ويعبر عنه مضموما للمتصف به بكونه كذا، والحال والنعت عند النحاة هما قادرا، والقادر مثلا الذي لا يفي بكل وجه الجمع على كفر من نفاه في حق الباري، وإن أخذهما من الآخر. وأما قولكم: هل الحال الحادثة إلى آخره؟

فأقول: قد علمت مذهب أهل السنة أن قدرته تعالى عامة لجميع الممكنات، وقد أطبق أهل السنة على ألا خالق إلا الله.

واحتج أهل الحق على أنه لا خالق إلا الله، فإن العبد لو كان خالقا لكان عالما بتفاصيلها ضرورة أن إيجاد الشيء بالقدرة والاختيار لا يكون إلا كذلك، واللازم باطل.

فإن المشي من موضع إلى موضع قد يشتمل على سكنات متحالفة، وعلى حركات بعضها أسرع من بعض، وبعضها أبطأ من بعض، ولا شعور للماشي بذلك. وليس هذا ذهولا عن العلم، بل لو سئل لم يعلم، وهذا في أظهر أفعاله.

وأما إذا تأملت في حركات أعضائه في المشي والأخذ والبطش ونحو ذلك. وما يحتاج إليه من تحريك العضلات وتمديد الأعصاب ونحو ذلك، فالأمر أظهر.

هذا أقوى أدلة أهل السنة في ذلك، حتى صار كالمجمع عليه عندهم. وبهذا أثبتوا العلم بالأشياء، فإن القصد إلى إيجاد شيء لا يعلم محال.

ص: 70

فإذا علمت هذا الدليل تبيّن لك أن القادرية التي هي الحال قد تجبر أكابر العلماء في كونها ثابتة، أو ليست بثابتة.

وحيث لم تكن معلومة للأكابر بالأدلة فكيف تعلم لسائر الخلق. وحيث لم تكن مخلوقة لمن لا يعلمها لما سبق أن من لم يعلم شيئا يستحيل قصده إلى إيجاد. كيف وقد أطبق أهل السنة على نسبة الخلق إلى الله، ولا يصح نسبته للعبد فيما يعلمه للعبد كالضرب وغيره، فكيف يتوهم في أمر مستبعد لا شعور للعبد به.

هذا على مذهبنا مما لا يخطر بالبال ولا تعول عليه الرجال. هذا إن كان قصدكم هل هي مخلوقة لله وللعبد؟

أما إن كان قصدكم هل مخلوقة ولا يكون الخلق إلا لله، أم ليست مخلوقة أصلا لأحد فكلامكم حق كما سيأتي بيانه.

وقد سبق ما ينبني عليه، وهو من أدلّة أهل الحق النصوص، كقوله تعالى:{والله خلقكم وما تعملون} (1) أي وعملكم. والقادرية لا يشعر بها العبد، فليست من عمله فهي أجدر.

وما في قوله تعالى: {وما تعملون} مصدرية؛ لئلا يحتاج لحذف الضمير. فلو جعلت موصولا اسميا لكان المعنى أيضا صحيحا، والدليل واضح، أي والذي تعملونه، والذي يعملونه هو العمل.

فإن قلت: كيف ادّعى بعضهم عدم الاستدلال بها على أن ما موصول اسمي؟

(1) الصافات: الآية 96

ص: 71

قلت: مبنى تلك الدعوى على الوهم، أن ما إن جعلت اسمية بالتقدير، والذي تعملون فيه، فلا يكون فيه دليل لأهل السنة؛ لأن المعمول فيه لا نزاع في أنه خلق الله.

إن قلت: فيما تدفع تلك الدعوى المبنية على ذلك المبنى؟

قلت: تدفع بأنه لو كان على ما ذكرت لم يجد حذف الضمير المجرور الرابط في القول الصحيح، خلافا للأخفش (1) بنى على أن الحذف وهو بحاله، أو بتدريج يعني حذف الجار فانتصب الضمير توسعا فصار من قسم الرابط المنصوب الكثير الظاهر الحذف.

قال: والحذف عندهم كثير. فالجمهور لا يجعلون التدريج طريقا إلى الاطراد، بل ولا للتسويغ. فالمجرور بحاله لا يحذف دون شرطه الذي هو جر الموصول، ومانعه من الشروط المعتبرة عند أهل الفن، بخلاف ما قررنا به من المنصوب إحالة، والدليل عليه ظاهر، والله أعلم.

ثم النزاع بيننا وبين المعتزلة فيما ينشأ عن المصدر لا في المصدر.

(1) الأخفش سعيد بن مسعدة (ت 215 - 830 م) نحوي، عالم باللغة والأدب، صنف كتبا منها:" تفسير معاني القرآن "، " شرح أبيات المعاني "

انظر ابن خلكان: وفيات الأعيان ج1/ 208. مجلة المجمع العربي24/ 95.

ص: 72

قال السعد (1): إذا قلنا أفعال العباد مخلوقة لله، أو للعبد لم نرد بالفعل المعنى المصدري الذي هو الإيجاد والإيقاع، بل الحاصل بالمصدر الذي هو متعلق المصدر، أي متعلق الإيجاد والإيقاع، أعني ما نشاهده من الحركات والسكنات مثلا.

وكذا قال ابن أبي شريف (2): لكن زاد ما يثلج به الصدر، ويدفع الوهم على الكلام السعد المذكور، قال في حاشيته على المحلي (3) شارح ابن السبكي، (4).

(1) انظر السعد التفتازاني، شرح العقائد النسفية ص 94. طبعة مصر أواخر شهر ربيع الأول سنة 1321هـ.

(2)

ابن أبي شريف محمد بن محمد، أبو بكر (822 ـ 906هـ = 1419 ـ 1501 م): عالم بالأصول. من فقهاء الشافعية، من أهل بيت المقدس مولدًا ووفاة. انظر ابن العماد، شذرات الذهب ج8/ 29. حاجي خليفة، كشف الظنون 749.

(3)

المحلي محمد بن أحمد، جلال الدين (791 ـ 864 هـ/ 1327 ـ 1370 م): أصولي، مفسر: مولده ووفاته بالقاهرة. عرفه ابن العماد بتفتازاني العرب. من كتبه: " تفسير الجلالين"، " البدر الطالع في حل جمع الجوامع "

انظر ابن العماد، شذرات الذهب ج7/ 303. السخاوي، الضوء اللامع ج7/ 39

(4)

السبكي عبد الوهاب بن علي (727 ـ 771 هـ = 1327 ـ 1370 م): قاضي القضاة المؤرخ الباحث. ولد بالقاهرة وتوفي بدمشق. من تصانيفه: " جمع الجوامع ـ ط " في أصول الفقه. " منع الموانع ـ ط " تعليق على جمع الجوامع. انظر ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة ج2/ 425. السيوطي الجلال، حسن المحاضرة ج 1/ 182.

ص: 73

فائدة: يطلق لفظ الفعل على المعنى الذي هو وصف للفاعل موجود فيه، كالهيئة المسماة بالصلاة من القيام والقعود والقراءة والركوع والسجود ونحو ذلك. وكالهيئة المسماة بالصوم، وهي الإمساك عن المفطرات ببياض النهار.

وهذا يقال فيه الفعل بالمعنى الحاصل بالمصدر. وقد يطلق لفظ الفعل على نفس إيقاع الفاعل.

وهذا المعنى يقال فيه الفعل بالمعنى المصدري الذي هو أحد مدلولي الفعل النحوي. ومتعلق التكليف إنما هو الفعل بالمعنى الأول لا الثاني؛ لأن الفعل بالمعنى الثاني أمر اعتباري لا وجود له في الخارج، إذ لو كان موجودًا لكان له موقع فيكون له إيقاع. ولذلك الإيقاع الثاني أيضًا موقع وإيقاع؛ فيتسلسل وهو محال. انتهى.

وبه تعلم معنى إخراج السعد للمعنى المصدري عن نزاع أهل السنة وأهل الاعتزال، بأنه لا وجود له في الخارج عن الذهني، حتى يحتاج لموجد فهو كالأمور النسبية. مثلا سير الفرس بخلق الله أو العبد على الخلاف، وسرعته أو بطؤه.

لا يقال بخلق الله، ولا بخلق العبد؛ إذ لا شيء هناك يحتاج لفاعل، بل إن نظر الناظر إلى الطير علم أن سير الفرس بطيء بالنسبة إليه، وإن نظر إلى الجمل علم سرعة الفرس. فلو كانت السرعة وصفا حقيقيا، والبطء كذلك لاجتمع في سير الفرس الضدان؛ إذ الوصف الحقيقي ثابت لا يختلف بالحيثيات، فإذًا

ص: 74

السرعة والبطء أمر اعتباري، بمعنى أن الفعل يلحظه مرة بهذا فيسميه بكذا، ومرة بهذا فيسميه بكذا، وبهذه النكتة الحسنة تزول عنك كثير من الشكوك، كقيام المعنى فيما ذكر ونحوه.

فإذا علمت هذا علمت أنه لا يخرج عن قدرته كل ما يحتاج إلى الإيجاد، بخلاف ما هو أمر اعتباري فإنه لا شيء حتى يعين له فاعل.

وما نسب لأئمة أهل السنة من تأثير العبد في أخص وصف الفعل ونحوه فقد علمت تأويل السنوسي فيها أنها على المناظرة ودفع الخصوم جدلا وإلزاما، كأن يقول: أحوجكم معاشر المعتزلة لنسبة الفعل للعبد كونه مناط التكليف، فإن كان هذا أحوجكم فليس التكليف منوطا بمطلق الفعل، كالحركات مطلقا بقيد كونه طاعة أو فسقا مثلا، فهلا قلتم: إن كونه طاعة مثلا بخلق العبد لا مطلق الحركة، بأن يسوق السني المعتزلي سوق التدريج حتى ينقاد له لهذا، فيقول: هلا قلت: إنه مكلف من حيث ما يحس من نفسه الاختيار والقصد للفعل، وإن كان في الحقيقة لله.

وأقول: قد وقعت لإمام الحرمين في متنه لا في مناظرة على الجزم بما نسب إليه السنوسي محتجا - يعني إمام الحرمين - عليه قائلا به: رادّ بما سواه، وكذا الباقلاني، وكذا في الإرشاد (1)، والشامل (2) للإمام. وقال ابن أبي شريف: إن فعل العبد لله

(1) انظر إمام الحرمين، الإرشاد ص 182.

(2)

انظر كذلك كتابه الشامل ص 35 وما بعدها.

ص: 75

إيجادا واختراعا وللعبد كسبا. هذا مذهب الأشعري، بمعنى أن الله سبحانه أجرى عادته بأن يخلق في العبد قدرة واختيارا. فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا وإحداثا، ومنسوبا للعبد، بمعنى أنه مقارن لقدرته وإرادته من غير أن يكون منه تأثيرا، أو مدخلا في وجوده سوى أنه محل له. وخالف الأشعري محققو أتباعه.

فقال الأستاذ (1): فعل العبد واقع بمجموع القدرتين: قدرة الله، وقدرة العبد التي خلقها له بأن تتعلقا جميعا بالفعل نفسه، وجوزا اجتماع مؤثرين على أثر واحد.

وقال القاضي الباقلاني (2): هو واقع بمجموعهما، بمعنى: إن قدرة الله تتعلق بأصل الفعل، وقدرة العبد بصفته من كونه طاعة، ومعصية أو غيرهما، كما في لطم اليتيم؛ تأديبا أو إيذاء، فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله. وكونه في الأولى طاعة، وفي الثانية معصية بقدرة العبد وتأثيره.

وللحكماء هو واقع على سبيل الوجود، وامتناع التخلف بقدرة يخلقها الله تعالى في العبد إذا قارنت حصول الشرائط، وارتفاع الموانع.

(1) يعني أبو المظفر الإسفراييني، التبصير ص 67، وما بعدها.

(2)

انظر الباقلاني، الإنصاف ص 43.

ص: 76

ولإمام الحرمين على نقل الأرموي (1) ما للحكماء، وله في الإرشاد، ولمع الأدلة ما للأشعري.

وكذا أهل الجبر. وهذه المذاهب جارية في أفعال الحيوانات كلها، لكن لما كان بعض الأدلة لا تجري في غير المكلف خصوا المكلف بذلك. انتهى كلامه.

وقد توسط أهل السنة بين الجبر والاعتزال تقصيا عن المطبق الأكبر، وهو أنه لا خالق إلا الله، وذلك يقتضي بظاهره الجبر، والآيات القرآنية كذلك:{والله خلقكم وما تعملون} (2)، {أفمن يخلق كمن لا يخلق} (3) وغير ذلك، وإن التكليف بها ليس في وسع الإنسان غير واقع؛ لقوله:{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (4) فبذلك يقتضي الخلق للعبد.

فاحتاج أهل السنة للتقصي عن هذا المضيق بجعل الفعل تحت قدرتين على حيثيتين: فهو تحت قدرة الله من حيث الإيجاد، وتحت قدرة العبد كسبا، فلم يقع مؤثران على أثر،

(1) الأرموي محمود بن أبي بكر أحمد (594 - 682 هـ = 1198 - 1283 م): عالم بالأصول والمنطق، من الشافعية، كان قاضيا. أصله من أرمينية، سكن دمشق وتوفي بقونية، من تصانيفه: شرح الوجيز للغزالي في فروع الشافعية، تلخيص الأربعين في أصول الفقه

انظر السبكي طبقات الشافعية ج 5/ 155، رضا كحالة، معجم المؤلفين ج 10/ 155

(2)

الصافات الآية: 96

(3)

النحل الآية: 17

(4)

البقرة الآية: 286

ص: 77

والمعتزلة نسبوه للعبد إيجادا على سبيل الاستقلال.

قال السعد (1) فإن قلت فهم إذًا مشتركون. قلت: المشترك من اشترك مع الله في الألوهية كالمجوس، أو في العبادة له كما يعبد الله، وإن كان على سبيل التقرب إليه كعبدة الأوثان، والمعتزلة لم يقولوا بشيء من ذلك إلا أن علماء ما وراء النهر بالغوا في تضليلهم حتى جعلوهم أقبح حالا من المجوس؛ لأنهم أثبتوا آلهة لا تحصى، انتهى بمعناه.

فإذا علمت الجميع، وحصلته على ظاهر قلبك علمت أنه ليس تطويلا في غير محل السؤال، بل في عينه؛ لأن به يبيّن أنه لا يخرج عن قدرته تعالى مخلوق في المعتمد من مذاهب أهل الحق إلا ما سبق مما لا تعويل عليه.

فإن قلت: كيف تنكر خروج الحال عن قدرة الله، وقد ذكر بعضهم في التحيز للجرم أنه تابع لحدوث الجرم؟

قلت: قال الغزالي (2) في المعيار له: إن المعتزلة أثبتوا

(1) انظر السعد التفتازاني، شرح العقائد النسفية ص 94 بتصرف.

(2)

الغزالي محمد بن محمد الطوسي أبو حامد (450 - 505 هـ = 1058 - 1111 م): فيلسوف متصوف. له نحو مائتي مصنف، منها: إحياء علوم الدين، المستصفى، الاقتصاد في الاعتقاد

انظر ابن خلكان، وفيات الأعيان ج1/ 463، طبقات الشافعية ج4/ 101

من الكتب التي ألفت حوله: محمد رضا، أبو حامد الغزالي، حياته وتصانيفه. عبد الرحمن بدوي، مؤلفات الغزالي. سليمان دنيا، الحقيقة في نظر الغزالي.

ص: 78

صفات سموها توابع الحدوث، وجعلوا من ذلك التحيز للجرم، وكونه قابلا للأعراض. اهـ.

فأنت تراه نسبه لأهل الاعتزال، وخليق أن لا ينسب لغيرهم من أهل السنة، وذلك لما علمت من إطباقهم على تعميم قدرة الله لكل ممكن. وما تكرر على أذهانكم في برهان القدرة لو خرج ممكن لخرجت سائر الممكنات؛ إذ لا فرق بين ممكن وممكن.

فإن قلت: كيف تنكر خروج الحال المعنوية الحادثة عن قدرته تعالى، وقد قال المقترح في شرح الإرشاد (1) في سياق إثبات الأحوال المعنوية القديمة في حقه تعالى: حيث منع أهل الاعتزال ثبوتها مع المعاني، فصرحوا بنفي المعاني. قالوا: إذ لو ثبت لكانت علة في المعنوية، وذلك يقتضي حدوثها في حقه تعالى. أجاب أهل السنة: بأن معنى التعليل التلازم كما هو في علمكم.

قال المقترح: وقد اختلف أصحابنا في معنى تعليل هذه الأحوال، ولنذكر ما ذكروه في الشاهد أولا. وقد اختلفوا إذا خلق الله في ذات الجوهر علما، ولزم ذلك العلم ثبوت عالميته، هل الصانع تعالى فعل المعنى والحال اللازمة له، أو فعل المعنى وهو الذي أفاد ثبوت الحال؟

(1) انظر تقي الدين المقترح، شرح الإرشاد ص 66

ص: 79

فذهب بعضهم إلى أن المعنى والحال مفعولان، ومعنى التعليل عندهم ثبوت التلازم بينهما في طريقي النفي والإثبات فقط.

ومن المتكلمين من قال: الفاعل يفعل المعنى، والمعنى توجب الحال، ولم يفعل الفاعل الحال أصلا.

فأما من قال: إن معنى التعليل التلازم فلا إشكال عليه؛ لأن ثبوت التلازم وكون كل واحد منهما لا يفارق الآخر لا ينافي الوجوب إنما الوجوب عند القابل بمنع تعليله من حيث إن الواجب لا يصح أن يستفاد من غيره؛ لأن ما كان ثبوته من غيره فله العدم باعتبار ذاته، بمعنى أنه لو خلى ذاته لم يكن إلا معدوما وهو حقيقة الممكن، والإمكان ينافي الوجوب لا محالة.

فمن قال بأن التعليل معناه التلازم، فيقول: قد لا يتلازم الممكنان وقد يتلازم الواجبان ولا منافاة.

ومن قال بأن المعنى يوجب، قال: الحكم لا يوجب إلا باعتبار وجوب معناه.

فإذا قلنا: إنه لا يعقل متميزا إلا باعتباره فلا يثبت فيه اختلاف، ولا تماثل باعتبار معقوليته، وإنما يثبت ذلك باعتبار معناه الموجب فكيف ينفي ما باعتباره وجب. انتهى كلامه (1).

(1) انظر شرح الإرشاد للمقترح ص 66 - 67.

ص: 80

فأنت تراه في القول الثاني بظاهره أخرج الحال على قدرته تعالى حيث قال: إن الله لم يفعل الحال أصلا.

قلت: يتبين الحق في المسألة ببسط كلام المقترح شرحا على ما يقتضيه لفظه، وعلى ما يقتضيه العقل.

فأقول: محط هذا الكلام في النزاع مع المعتزلة في إثبات المعاني، وقد قال بنفي المعاني المعتزلة؛ لأنها لو ثبتت لعللت المعنوية بها.

والتعليل ينافي القدم. قال المقترح في ذلك حاكيا الخلاف في الأحوال المعنوية: هل الله خلق المعنى والحال جميعا؟ ومعنى ذلك هما متلازمان كملازمة العرض للجوهر.

فإن بينتم معاشر المعتزلة على هذا في الشاهد فما يمنعكم من إثبات المعاني في القديم؛ لأنها إن ثبتت تلازمها المعنوية من غير تأثير على أحد في الآخر، كما إنه لم يؤثر أحدهما في الآخر في الشاهد، فيكون التعليل غائبا وشاهدا معناه التلازم بينهما لا غير، إلا إن العلة في الشاهد حادثة، وكذا المعلول بإحداث الله لهما، بخلاف الغائب لثبوت القدم له ولصفاته.

وإلى هذا أشار المقترح في تنزيل الغائب على قول من القولين على الشاهد بقوله. فأما من قال: إن التعليل معناه التلازم فلا إشكال عليه، ثم أشار إلى أن التعليل بمعنى الثبوت بالغير هو المانع للوجوب، فقوله: إنما ينافي، يعني التعليل الوجوب، عند القائل بمنع تعليله من حيث الواجب لا يصح أن يستفاد من غيره. إلخ.

ص: 81

معنى هذا الكلام أن التعليل ينافي الوجوب عند القائل بمنع التعليل للقدم بالغير على معنى إثباته بالغير، أي استفاد الوجود بالغير وإن كان لم يسبقه عدم من حيث إن ما استفاد الوجود من الغير فهو من حيث ذاته ممكن، كما تقول الفلاسفة في العالم فإنهم وإن قالوا بقدمه على معنى أنه لم يسبقه عدم فهو لاستناده إلى العلة ممكن وحادث من حيث ذاته، وإن لم يسبقه عدم.

فلو قلنا بالتعليل بين الصفات بهذا المعنى للزمنا إمكانها وحدوثها، فمن منع التعليل بهذا الاعتبار بين الصفات فمنعه حق؛ لاقتضائه حدوثها، ونحن لا نقول، إذ ليس لنا في الشاهد إلا قولان:

أحدهما: ما سبق، وإليه أشار بإعادته.

ثانيا: بقوله فمن قال: التعليل معناه التلازم، فيقول قد يتلازم الممكنان وقد يتلازم الواجبان.

ثالثا: بالبناء على القول الثاني، وهو أن الله لم يخلق الحال، وإنما المعنى أفاد ثبوت الحال بقوله: ومن قال بأن المعنى يوجب، قال الحكم: لا يوجب إلا باعتبار وجوب معناه إلخ.

المعنى أنكم إن بنيتم على هذا القول، وهو أن المعنى أفاد إلخ. فذلك لا يقتضي منع التعليل في الغائب؛ لأن معنى إفادته الثبوت أنه لا يعقل على حياله، ولا يماثل، ولا يخالف إلا تبعا للمعنى فكيف منعتم ذلك في الغائب؟ بل البناء على هذا يقتضي ألا يصح ثبوت المعنوية بدون المعاني فكيف أثبتموها؟

ص: 82

وإلى هذا أشار بقوله: فكيف ينفي ما به وجب؟ والدليل على أن هذا معنى القولين وجهان:

أحدهما: جعلهما غير مانعين في الغائب بناء عليهما، فلو كان فيهما من يقول في الشاهد أن المعنى أوجد الحال لما صح البناء عليه في الغائب، ولذلك قال: أما فهم أن التعليل معناه الاستفادة من الغير، أي: وجوده بالغير، فيصح التعليل عليه في حق القدم، وكأنه يقول: أما على هذين القولين فلا شيء يمنع في الغائب.

ثانيهما: تقديره للقول الثاني بأنه أفاد الثبوت على معنى أنه لا يفعل إلا به، فإذًا ليس بمعناه أنه أوجده.

والدليل عليه ما للمقترح بعد بنحو الثلاثين ورقة في فصل الكسب في الرد على من قال: إن قدرة العبد تؤثر في حال أو وجه واعتبار الفعل.

قال ما حاصله: إن الحال إن كانت تعقل على حيالها، ويمكن أن تفعل وتخلق على حيالها فعموم قدرة الله وإرادته تشملها، وإن لم يفعل لم يصح أن تكون مقدورة للعبد فإخراجها عن قدرة الله يمنعه، وليس من خلقه الجميع، انتهى. (1).

ولا فرق بين هذه الحال التي للأفعال، وحال لزمت الصفة التي في العبد، فتلخص من مجموع كلامه في القولين: إن المعنى ليس هو الفاعل.

(1) انظر المقترح، شرح الإرشاد ص 146 - 147.

ص: 83

فإن قلت: أما على الأول فظاهر؛ لأنه بخلق الله، وأما على الثاني حيث فهمته على أن المعنى لم يخلقه، وقد صرح المقترح بأن الله لم يخلقه، أصلا. فمن الخالق؟ فإذا لا بد أن يكون المعنى خلقه، ويبطل ما قررت به كلامه.

قلت: لا يصح أن يكون المعنى خلقه؛ لأنه من جملة الممكنات، ولأنه لو خلقه للمعنى لكان معنى التعليل الإيجاد بالغير، فلا يصح البناء عليه في الغائب، ويكون إنكار المعتزلة المعاني لذلك حقا، ولما افترق من القول الذي قال فيه المقترح: أما من فهم أن التعليل معناه الاستفادة من الغير إلخ

حيث سلم عليه منع التعليل في الغائب بهذا المعنى، ولم يسلمه في القول الثاني، وماذا إلا لافتراقهما، ولا يصح أن يفهم منه إن الله خلق ذلك الحال؛ لتصريحه بأن الله يخلق الحال أصلا، فتعين بناء هذا القول على أن الحال أمر اعتباري ليس صفة محققة، حتى يعين لها الفاعل كما سبق من كلام ابن أبي شريف في المصدر، وهذا مثله إذ كل إنما هو اعتباري فالقولان في الشاهد إذا على أن الحال أمر محقق، فيخلقه الله، أم هو أمر اعتباري يعقله الذهن، فلا يخلقه الله.

ولكن المقترح لما علم ألا خالق إلا الله اكتفى بقوله لم يخلقه الله، أي لأنه اعتباري لم يحتج أن يقول ولا غيره، إذ خلق الغير تقرر عنده وعند غيره سابقا ولاحقا نفيه، وهذا هو الحق فعضوا عليه بالنواجذ.

ص: 84

وقد نسب المنجور في شرح ابن زكري (1) نسبة خلق الأحوال النفسية لمعتزلة البصرة كالجبائي وابنه، وكذا ابن التلمساني (2) في شرح المعالم الدينية (3).

ولا فرق بين حال وحال لكن ظاهر كلام المقترح في الأحوال المعنوية، حيث ألزم المعتزلة القول بالتعليل في قديم بناء على القولين أنهم قائلون بهما، لا أن المعنى أوجد الحال إلا على قول من يقول: إن التعليل معناه الاستفادة بالغير، وكأنه ضعيف عند المعتزلة فلذلك لم يمنع الإلزام، ولا يمكنهم -أعني المعتزلة- القول به حيث يصح منعهم التعليل في القديم بناء عليه، فقد بان بيانا لا خفاء معه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فتبين بجميع هذا ألا شيء للعبد إلا من حيث الكسب.

وقد قال ابن أبي شريف، وقد بحث شيخنا ابن الهمام (4) في المسايرة

(1) ابن زكري أحمد بن محمد (ت 899 هـ = 1492 م): فقيه أصولي بياني. من كتبه: " شرح عقيدة ابن الحاجب "، " منظومة في علم الكلام " 1500 بيت

انظر

مخلوف، شجرة النور الزكية ص 267.

(2)

ابن التلمساني عبد الله بن محمد الفهري (567 - 644 هـ = 1172 - 1246 م): فقيه أصولي. من مصنفاته: شرح معالم أصول الدين

انظر عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر ص 103 - 104.

(3)

انظر ابن التلمساني، شرح معالم أصول الدين ص 323.

(4)

ابن الهمام محمد بن عبد الواحد (790 - 861 هـ = 1388 - 1457 م): إمام، من علماء الحنفية. عارف بأصول الديانات، والتفسير، والفرائض، والفقه، والمنطق، واللغة

من مصنفاته: " التحرير - ط في أصول الفقه "، " المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة - ط ". انظر ابن العماد، شذرات الذهب ج 7/ 289. القرشي عبد القادر، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ج 2/ 86 في الحاشية.

ص: 85

أن ما ذكروه من قيام البرهان عقلا ونقلا: أنه لا خالق إلا الله ممنوع، وما ألزموا غير لازم كما تعلم بأدنى تأمل.

وأما النّقليات فإنما تلجئ لما قالوه لو لم يكن تقبل التخصيص. أما إن كانت تقبله ووجد المخصص فلا، لكن الأمر كذلك والمخصص للعمومات العقل، فإن إرادة العموم يستلزم الجبر المحض المستلزم لامتناع التكليف وبطلان الأمر والنهي.

قال: وأما قولكم: إن قدرة العبد تتعلق بالمقدور لا على وجه التأثير، وهو لمجرد ألفاظ لم يحصلوها معنى، ونحن إنما نفهم من الكسب التحصيل. وتحصيل الفعل المعدوم ليس إلا بإدخاله في الوجود وهو الجادة.

وفي قول شيخنا إنما يفهم من الكسب التحصيل بحيث ذكرناه في شرح المسايرة، وقد أطال شيخنا في هذه المسألة، ومال فيها إلى قريب مذهب القاضي (1).

قال آخر: كل ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات، وكذلك التروك التي هي من أفعال النفس كالميل، والداعية، والاختيار بخلق الله تعالى لا تأثير لقدرة العبد فيه، إنما محل

(1) هو أبو بكر الباقلاني.

ص: 86

قدرته عزمه عقب خلق الله هذه الأمور في باطنه عزما مصمما بلا تردد، بل بتوجه قاصدا للفعل طالبا إياه.

فإذا وجد للعبد ذلك خلق الله له الفعل، فالزنى مثلا منسوب إلى الله من حيث هو حركة، وإلى العبد من حيث هو زنا، وإنما يطلق الله سبحانه هذا في القلب؛ ليظهر من المكلف ما يبين علمه تعالى بظهوره منه من مخالفة وطاعة. وليس للعلم خاصية التأثير؛ ليكون مجبورا ولا خلق هذه الأشياء يوجب اضطراره إلى الفعل؛ لأنه أقدره فيما يختاره ويميل إليه عن داعي العزم إلى فعله وتركه، ومن المستمر ترك الإنسان لما يحبه، ويختاره، وفعل شيء وهو يكرهه لخوف أو حياء، وبعد ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوق فيه صح تكليفه، وثوابه وعقابه، ومدحه وذمه.

وانتفاء بطلان التكليف والجبر المحض، وكفى في تصحيح التكليف لهذا الأمر الواحد، أعني: العزم المعمم معه أنه مخلوق لله تعالى بواسطة خلق القدرة عليه، وما سواه من أفعال العباد والتروك كلها مخلوقة بقدرة الله بلا واسطة، ومع ذلك فحسن هذا العزم لا يقع إلا بتوفيق منه تفضلا، فإن الشياطين وهي النفس لا تغلب إلا بمعونة التوفيق، هذا كلام شيخنا (1).

وفي شرح العقائد للمولى سعد الدين التفتازاني (2) في تحقيق الفعل لله، والكسب للعبد ما يقرب من هذا، وهو أن صرف العبد

(1) انظر ابن الهمام، المسايرة في العقائد ص 98.

(2)

انظر السعد التفتازاني، شرح العقائد النسفية ص 99.

ص: 87

قدرته وإرادته إلى الفعل كسب وإيجاد الله الفعل عقب ذلك خلق والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين بجهتين: فَتَحْتَ قدرة الله بجهة الإيجاد، وتحت قدرة العبد بالكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري، ولم يقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله، وإيجاده مع ما للعبد فيه من القدرة والاختيار. اهـ. كلام السعد. اهـ. كلام ابن أبي شريف.

وأقول في السعد في مواضع ما هو صريح في هذا المعنى، وقد قال بقريب من هذا.

فإن قلت بعد تعميم قدرة الله وإرادته الجبر: لازم؛ لأنهما إما أن يتعلقا بوجود الفعل فيجب أو بعدمه فيمتنع، ولا اختيار مع الوجوب والامتناع.

قلنا: يعلم ويريد أن العبد يفعله، ويتركه باختياره فلا إشكال. اهـ. كلامه.

وإنما قلنا: إنه يفيد أن العدم وهو الاختيار مخلوق للعبد؛ لأنه لو كان الله لم يفد الجبر على مدعاه - أعني السعد وغيره ممن رأى رأيه - وتعدد ذلك من كلامه في أماكن.

وقال بعد هذا إذا قلنا: اعلم أنه يختار فعله أو تركه يكون الفعل واجبا أو ممتنعا، وهذا ينافي الاختيار.

قلنا: ممنوع؛ فإن الوجوب بالاختيار محقق للاختيار لا مناف، وأيضا منقوض بأفعال الباري. اهـ. يعني أن علم الله أن العبد

ص: 88

يختار كذا مؤكد لاختياره لا مناف، إذ منافي الشيء ما يرفعه. (1).

وقوله أيضا منقوض إلخ

يعني بتقدير الاستمرار على أنه جبر فعدم الإقناع. بهذا الجواب ينتقض ذلك عليك بأفعال الباري؛ لأنه على وفق علمه أيضًا والله أعلم، وإنما أطلت الكلام في هذه المسألة لما احتوى عليه من الدقائق المفيدة للقصد في هذا السؤال، وفي غيره من الأسئلة.

(1) انظر السعد التفتازاني شرح العقائد النسفية ص98.

ص: 89