المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الإيمان باليوم الآخر - التحفة السنية شرح منظومة ابن أبي داود الحائية

[عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر]

الفصل: ‌الإيمان باليوم الآخر

‌الإيمان باليوم الآخر

22 (ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً

ولا الحوض والميزان إنك تنصح)

23 (وقل يخرج الله العظيم بفضله

من النار أجساداً من الفحم تطرح)

24 (على النهر في الفردوس تحيا بمائه

كحب حميل السيل إذ جاء يطفح)

25 (وإن رسول الله للخلق شافعٌ

وقل في عذاب القبر حقٌ موضح)

هذه الأبيات يتحدث فيها الناظم عن الإيمان باليوم الآخر الذي هو أحد أركان الإيمان الستة، وقد مر في الأبيات السابقة بعض هذه الأركان وهذه الأركان الستة مترابطة لا ينفك بعضها عن بعض والإيمان ببعضها يوجب الإيمان ببعضها الآخر والكفر ببعضها كفر بباقيها.

وقد جمع بين هذه الأركان في نصوص كثيرة من القرآن قال الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة:177)، وقال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ

ص: 78

كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: من الآية285)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} (النساء:136) .

فالإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الدين، ومن لا يؤمن باليوم الآخر لا يؤمن بالله. والناظم يتحدث هنا عن هذا الركن العظيم. ولأن المنظومة مختصرة لا مجال فيها للبسط والإطناب فإنه أشار إلى بعض الأمور الكائنة في اليوم الآخر منبهاً بذلك إلى الأمور الأخرى التي لم يتمكن من ذكرها مراعاة للاختصار. وقد ذكر في هذه الأبيات الأربعة جملة من أمور يوم القيامة فذكر منكراً ونكيراً، والحوض، والميزان، وإخراج عصاة الموحدين من النار والشفاعة، وعذاب القبر.

والإيمان باليوم الآخر ضابطه: الإيمان بكل ما أخبر الله به وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. وهذا من أجمع ما يكون في تعريف الإيمان باليوم الآخر؛ لشموله لكل ما يكون بدايةً من دخول القبر إلى افتراق الناس إلى فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير.

ويدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بأشراط الساعة لأنها أمارات وعلامات على دنوها وقرب مجيئها. قال تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} (محمد: من الآية18)

ص: 79

وفي حديث جبريل قال: "أخبرني عن الساعة، قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال أخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان". 1 فالساعة لها علامات كبرى تكون عند قرب قيامها، وعلامات صغرى تكون قبل ذلك. فالإيمان بهذه العلامات من الإيمان باليوم الآخر.

ثم الإيمان بالقبر وفتنته وعذابه ونعيمه، وأن الناس يفتنون في القبور. قال صلى الله عليه وسلم:"عذاب القبر حق"،2 وقد كان يتعوذ منه دبر كل صلاة.

(ولا تنكرن)(لا) ناهية، و (تنكرن) من الإنكار وهو الجحد وعدم الإثبات.

(جهلاً) مفعول لأجله، أي لا تنكر وجودهما لأجل جهلك وبسبب قلة علمك.

(نكيراً ومنكراً) هذان ملكان من ملائكة الله زرق العيون سود الوجوه كما في الترمذي من حديث أبي هريرة: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر، وللآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين ثم ينور له

1 تقدم (ص 69) .

2 أخرجه البخاري برقم (1372) ، ومسلم برقم (584) .

ص: 80

فيه، ثم يقال له نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كتومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك"1 ،

وسبب هذه التسمية لأنهما يأتيان على صورة منكره لم يعهدها الإنسان وليس فيها أنس للناظرين، ويسميان الفتانان؛ لأنهما يفتنان الناس في قبورهم. فالإيمان بالمنكر والنكير من الإيمان باليوم الآخر. وقد سأل رجل الإمام أحمد: هل نقول المنكر والنكير أم الملكين؟ قال: "المنكر والنكير هكذا هو".

فالحديث صح في ذكر هذين الاسمين فيجب الإيمان بهذين الاسمين والمعتزلة الذين يحكمون عقولهم في الشرع يردون هذا ولا يؤمنون به ويقولون: لا يصح أن يقال عن بعض ملائكة الله أنه منكر ونكير فأنكروا هذا بالعقل وهذا من غلبة الجهل وقلة العلم من هؤلاء بالشرع ولذا قال الناظم: (جهلاً) أي لا تنكرن يا صاحب السنة بسبب الجهل هذا الأمر. وهذا إشارة منه إلى أنه لا ينكر منكرا ونكير إلا الجاهل، أما العالم بالكتاب والسنة فأنه يؤمن به.

والمعتزلة وإن كانوا أهل كلام فإنهم ليسوا أهل علم. ولذا قال أبو يوسف: "العلم بالكلام جهل والجهل بالكلام علم". فالعلم: قال الله قال

1 الترمذي برقم (1071) ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (1071) .

ص: 81

رسوله صلى الله عليه وسلم قال الصحابة. فالمتكلم وإن كان صاحب فصاحة وبيان ومنطق وجدل فإنه جاهل لا علم له.

ثم إن هذين الملكين يأتيان العبد في قبره ويجلسانه ويسألانه من ربك وما دينك ومن نبيك. ولذا من الأمور المهمة نشر هذه الأصول الثلاثة بين الناس وتعليمهم إياها لأنها أول ما يسأل عنه الإنسان في قبره. ولذا كان من نصيحة الإمام محمد بن عبد الوهاب للأمة تأليفه لرسالته الجليلة الأصول الثلاثة وأدلتها. وعلى ضوء جواب الإنسان على هذه الأسئلة وتثبيت الله له من عدم تثبيته يكون الناس على قسمين قسم يعذبون في قبورهم وقسم ينعمون. وعذاب القبر حق، قال الله في حق آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر:46) فهم الآن يعذبون في القبر يومياً إلى قيام الساعة وهذا حال كل كافر بالله، أما أهل التوحيد ممن هم عصاة وأهل كبائر ليس تعذيبهم في القبر كتعذيب الكافر وإنما يعذبون على قدر كبائرهم. وأما المؤمن فإنه منعم في قبره. ولا يجوز إنكار عذاب القبر ونعيمه بالعقل والمنطق والتجارب، خاصة تجارب الملاحدة حيث قالوا: حفرنا القبور فلم نجد جنة ولا ناراً ولم نر عذاباً ولا نعيماً، وليكن فإن الله يقول في صفة المتقين:{ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة:2-3) أي: يؤمنون بكل ما غاب عنهم مما أخبرتهم به رسل الله عليهم السلام.

ص: 82

ثم إن الناظم قد بدأ كلامه عن الإيمان باليوم الآخر بالكلام عن الملكين منكر ونكير إشارة إلى أن القبر وما فيه هو أول منازل الآخرة وأن من مات قامت قيامته، والمؤمن يؤمن بهذا وبكل ما يكون بعده؛ فنؤمن بالنفخ بالصور وهو قرن ينفخ فيه والموكول به إسرافيل. والنفخات ثلاث، نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام، وبعض العلماء جعلها نفختين، والصحيح أنها ثلاث، وكلها ذكرت في القرآن:{وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} (النمل:87)، {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} (الزمر:68) .

فينفخ في الصور النفخة الأولى فيفزع الناس ثم ينفخ فيه فيصعقون ثم ينفخ فيقومون لرب العالمين وفي الحديث أن بينهما أربعين. ولا يدرى أربعين ماذا؟ وجاء في وصف قيامهم بأنهم: "يقومون حفاة عراة غرلاً"1.

وكذلك الإيمان بالحشر أي حشر الناس في عرصات يوم القيامة لله، ويحشرون كلهم من أولهم إلى آخرهم يجمعون على صعيد واحد {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً} (الكهف:47) .

وكذلك الإيمان بدنو الشمس من الخلائق وتفاوت الناس في العرق ومن يظلهم الله ومن لا يظلهم.

1 أخرجه مسلم برقم (2859) .

ص: 83

وكذلك الإيمان بالدواوين ومجيء الرب لفصل القضاء والإيمان بالصراط وكل ما جاء بالكتاب والسنة.

وفي ذكر الناظم للمنكر والنكير وتحذيره من إنكار وجودهما وإنكار ما يقومان به من مهام الله عز وجل وهما ملكان من الملائكة إشارة إلى وجوب الإيمان بالملائكة عموماً وبأسمائهم ووظائفهم وأوصافهم وأعدادهم الواردة في الكتاب والسنة إجمالاً وتفصيلا فيما فصل، بل الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصوله العظام.

(ولا الحوض والميزان إنك تنصح) أي ولا تنكرن جهلاً الحوض المورود والذي أعده الله لنبيه ولأمته. وجاء وصف هذا الحوض أن: "طوله شهر وعرضه شهر، ومائه أحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، وعدد كيزانه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبداً". 1

وأحاديث الحوض متواترة كما ذكر ذلك السيوطي وغيره وذكر أنه مروي عن خمسين صحابياً. وجاء في الحديث: "لكل نبي حوض".2 وفي بعض الأحاديث ذكر صلى الله عليه وسلم "أن بعض الناس يذاد عن هذا الحوض فيقول النبي أصحابي أصحابي فيقال له إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"،3 وهو محمول على من ارتد عن الإسلام ومات مرتداً، ومن العجب أن يحمل

1 أخرجه البخاري برقم (6579) ، ومسلم برقم (2292) .

2 أخرجه الترمذي برقم (2443) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (1589) .

3 أخرجه البخاري برقم (6582) ، ومسلم برقم (2304) .

ص: 84

الروافض هذا الحديث على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم ومن على شاكلتهم هم المعنيون بهذا الحديث؛ لأن الصحابة لم يغيروا ولم يحدثوا بعده كما قال تعالى:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} (الأحزاب:23) . وأما الذين بدلوا وحرفوا هم الروافض حتى إنهم حرفوا القرآن وزادوا فيه وأنقصوا. فهم رموا الصحابة بما هم أهله. والشاهد أن الإيمان بالحوض المورود واجب ولا ينكره إلا جاهل بالحديث.

(والميزان) ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالميزان الذي ينصب يوم القيامة {و َنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الأنبياء:47)، فتوزن الأعمال والدواوين والأشخاص. وهو ميزان حقيقي وهو كفتان يوضع على كفة الحسنات ويوضع على كفة السيئات. ومن ذلك حديث البطاقة. والشاهد فيه ذكر الكفتين وهو قوله (فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة) . وجاء فس بعض الآثار:"له لسان وكفتان"، وهو مروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ذكره أبو الشيخ من طريق الكلبي، ويروي أيضاً عن الحسن، ولم يأتي ذكر اللسان في حديث مرفوع. وأحاديث الميزان متواترة، والقرآن مليء بالآيات عن الميزان، وهي موازين تزن بمثاقيل الذر {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ.وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} (الزلزلة:8،7) . ويدخل تحت هذا الإيمان بالدواوين

ص: 85

وأخذ الكتاب باليمين أو بالشمال من وراء الظهر، وما يتبع ذلك من نعيم أو عذاب، ومن انقسام إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير.

(وقل يخرج الله العظيم بفضله

من النار أجساداً من الفحم تطرح)

(على النهر في الفردوس تحيا بمائه

كحب حميل السيل إذ جاء يطفح)

هذان البيتان يذكر الناظم رحمه الله فيهما أهل الكبائر من عصاة الموحدين الذين أدخلوا النار بسبب كبائرهم وذنوبهم، وأنهم يخرجون على هذه الهيئة التي ذكر وأنهم يطرحون على أنهار الجنة فيحيون بمائه وتعود لهم صحتهم وتزدان هيأتهم.

وقد أخذ هذا رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتتهم إماتةً حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل" فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان في البادية. رواه مسلم،1 وقوله:(ضبائر) أي الجماعات.

وفي الصحيحين عنه ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من

1 مسلم برقم (185) .

ص: 86

كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا فيلقون في نهر الحياء أو الحياة-شك مالك- فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية".1

(وقل يخرج الله العظيم بفضله) أي يخرجهم من النار وإنما هو فضل من الله وحتى إذنه للشافع فضل من الله وتشريف له أي للشافع.

(من النار أجساداً من الفحم) لأن النار أهلكتهم وأماتتهم وأحرقتهم حتى صاروا فحماً، والفحم هو الجمر الطافي وهو أسود اللون.

(تطرح) أي يلقون على النهر فالجار والمجرور في قوله (على النهر) متعلق بالفعل المضارع (تطرح) .

(الفردوس) اسم من أسماء الجنة، ويطلق أيضاً على أعلى الجنة وفي الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة ووسط الجنة وفوقه عرش الرحمن". 2

(كحب حميل السيل) وفي بعض النسخ (كحبة حمل السيل) وهما بمعنى واحد، و (الحب) بالكسر هو بروز الصحراء مما ليس بقوت، وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، وأما (الحبة) بفتح الحاء فهي ما يزرعه الناس، وحميل السيل أي: الذي يحمله السيل؛ لأن السيل إذا جاء حمل معه البذور ثم يلقيها على جنبتيه ثم تحيى هذه البذور وتنبت بماء السيل، وهكذا الشأن يكون في هؤلاء المخرجين.

1 البخاري برقم (22) ، ومسلم برقم (184) .

2 تقدم (ص 60) .

ص: 87

(إذ جاء يطفح) أي: إذ جاء ذلك السيل يعني وقت مجيئه (يطفح) أي فيض، يقال طفح الإناء أي: امتلأ وارتفع الماء فيه.

وهؤلاء الذين ضرب لهم هذا المثل هم من أهل الكبائر والعظائم فيما دون الشرك، وأما المشركين الكفار فهم مخلدون في النار أبد الآبدين، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يخرجون منها أبداً كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} (فاطر:36،37) .

فهذا شأن الكفار ومآلهم، وأما مرتكبو الكبائر وعصاة الموحدين فحكمهم عند أهل السنة أنهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم وإن شاء غفر لهم وإن أدخلهم النار فلا يخلدون فيها بل يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين.

والبيتان يتضمنان الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار.

وفي البيتين أيضاً إشارة إلى الجنة ونعيمها والنار وعذابها، والإيمان بذلك وبكافة التفاصيل الواردة في الكتاب والسنة المتعلقة بالجنة والنار هو من الإيمان باليوم الآخر.

ص: 88

وإن رسول الله للخلق شافعٌ

وقل في عذاب القبر حقٌ موضح

(وإن رسول الله) فيه الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبجميع خصائصه، والرسول: هو من بعثه الله بوحيه الكريم وذكره الحكيم مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

والمراد برسول الله هنا، أي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، صاحب المقام المحمود والحوض المورود الشافع المشفع صلوات الله وسلامه عليه.

(للخلق) إشارة إلى الشفاعة العظمى التي تكون في عرصات يوم القيامة والتي يغبطه عليها الأولون والآخرون، وهذه الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم تكون لجميع الخلائق بأن يبدأ في حسابهم، وحديث الشفاعة حديث متواتر قد ورد من عدة أوجه عن الجماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأنس وحذيفة وغيرهم رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، ومن هذه الأحاديث ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ملا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم

ص: 89

فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول آدم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول لهم إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات فذكرهن أبو حيان في الحديث نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري ذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس بالمهد صبيا اشفع لنا ألا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله قط ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري

ص: 90

اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي عز وجل ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى".1

ويدخل في عموم قول الناظم: (للخلق شافع) الإيمان بجميع أنواع الشفاعات الواردة المختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم مثل شفاعته لأهل الجنة بدخول الجنة وشفاعته لعمه أبي طالب بأن يخفف عنه العذاب، وشفاعته لأهل الكبائر ممن استحقوا دخول النار بأن لا يدخلوها، ومن دخلها منهم بأن يخرج منها، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء والصالحون والملائكة.

(وقل في عذاب القبر حق موضح) أي آمن وصدق بعذاب القبر. (والقبر) مفرد جمعه قبور وأقبر، وهو من نعم الله ومنته على بني آدم أن هداهم لهذا الأمر تكريماً وإحساناً، قال الله تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} (عبس:21) أي: جعل له قبراً يوارى فيه بدنه إكراماً له وتفضلاً عليه، ولم

1 البخاري برقم (4712) ، ومسلم برقم (194) .

ص: 91

يجعله ممن يلقى على وجه الأرض فيتعفن ويتأذى منه الناس أو تأكله الوحوش والطيور والسباع.

(موضح) أي موضح في الكتاب والسنة، ولذا يجب على كل مسلم أن يقول عذاب القبر حق، والأدلة على أن عذاب القبر حقٌ من الكتاب والسنة كثيرة، قال الله تعالى عن آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر:46) .

وعن عائشة رضي الله عنها أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فقالت لها أعاذك الله من عذاب القبر فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال: "نعم عذاب القبر حق" قالت عائشة رضي الله عنها: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر. رواه البخاري.1 وفي رواية لأحمد "أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق". 2

وعن أبي هريرة –رضي الله تعالى عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه مسلم.3

1 تقدم (ص 61) .

2 أحمد في المسند برقم (25025) .

3 مسلم برقم (588) .

ص: 92