المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السيد التوفيق البكري - في الأدب الحديث - جـ ٢

[عمر الدسوقي]

الفصل: ‌السيد التوفيق البكري

‌السيد التوفيق البكري

السيد توفيق البكري:

وهاكم نموذج آخر لشعراء المدرسة القديمة، الذين طغى حب المحاكاة للقديم على ما لهم من ثقافة حديثة، ومعرفة باللغات الأجنبية وآدابها، ومشاهدة لحضارة أوربا عن كثب بالزيارة والاختلاط، وتجدون هذا النموذج ممثلًا في السيد توفيق البكري.

وهو أبو النجم محمد بن علي بن محمد الملقب بتوفيق البكري الصديق العمري التميمي الهاشمي القرشي، وسبط آل الحسين، ونقيب الأشراف بمصر، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية.

ولد البكري1 بقصر والده المطل على النيل بجزيرة الروضة في يوم الجمعه السابع والعشرين من جمادي الآخرة عام 1287هـ - 1870م.

قرأ القرآن، وتعلم مبادئ اللغة العربية في بيته، ثم دخل المدرسة العلية التي أنشأها الخديو توفيق لأنجاله، وكان يلتحق بها أبناء السادة والعظماء من المصريين، فقرأ ثمة طائفة من العلوم العقلية والنقلية، وأظهر من التفوق والنجابة ما جعله أول التلاميذ.

وألغيت هذه المدرسة في سنة 1885، وسافر أنجال الخديو إلى أوربا ليتموا تعليمهم بها فأحضر له ذووه مهرة المدرسين في البيت ليتم ما بدأ من صنوف العلم، وفي سنة 1889 تقدم لامتحان "البكالوريا" بنظارة المعارف فجاز الامتحان، ونال الشهادة وكان الأول بين جميع الناجحين. ثم أبت عليه نفسه الطموح أن يقنع بهذا الحظ من التعليم، فتقدم للشيخ الإنبابي شيخ الأزهر حينذاك ليختبره بنفسه فيما يدرس الأزهر من علوم وليمنحه الإجازة فامتحنه ومنحه الإجازة وقال فيها. "ممن اعتنى بعد ما اقتنى، وقطع المفازة فطلب الإجازة

1 ترجم البكري لنفسه في صحيفة أو دعها عند خلفه وابن أخيه السيد عبد الحميد البكري قبل مرضه ومنها استقينا هذه المعلومات عنه؛ وقد ضنت الكتب عليه بترجمة وافية.

ص: 446

ولدنا النبيل العالم النجيب الجليل، فخر السلالة الهاشمية، وطراز العصابة الصديقية، السيد محمد توفيق، نخبة نسل الرسول، وصاحب رسول الله أبي بكر الصديق بعد أن قرأ على رسالة الأوائل للشيخ عبد الله بن سالم البصري، ونبذة من الأصول والفقه، والحديث والتفسير، وطرفًا من العلوم العربية كالنحو والصرف والمعاني والبيان البديع -مع جودة الألفاظ، وحسن التوضيح والتقرير، فلما لاح كوكب صلاحه، وفاح لي نشر مسك فلاحه ورأيته أهلًا لتلك الصناعة، جدير بتعاطي هاتيك البضاعة، حيث أفاد وأجاد وأجاب، وكشف عن المعاني النقاب، وأخذ من الفنون بأقوى طرف، وأراد الافتداء في أخذ الأسانيد عن السلف بادرت لطلبه بإعطائه بلوغ أربه".

وفي سنة 1893 توفي أخوه السيد عبد الباقي البكري بعد وفاة خديو مصر توفيق باثني عشر يومًا، فولاه الخديو عباس الثاني وظائف بيتهم جميعًا: المشيخة البكرية، ومشيخة المشايخ الصوفية، ونقابة الأشراف.

وفي شوال 1309هـ الموافق مايو 1893 عين عضوًا دائمًا في مجلس شورى القوانين وفي الجمعية العمومية، وأنعم عليه بكسوة التشريفة من الدرجة الأولى وبالنيشان المجيدي الثاني. وفي أواخر تلك السنة رحل إلى أوربا فقابل كثيرًا من وزرائها وعلمائها وأدبائها ثم قصد القسطنطينية فأكرمه السلطان عبد الحميد واحتفى به وقابله مرارًا، وقلده بيده "النيشان" العثماني الأول، ومنحه رتبة الوزارة العلمية، وهي قضاء عسكر الأناضول.

وفي 25 من رجب 1312 الموافق 1895 طلب أن يعفى من نقابة الأشراف، فأجابه عباس إلى طلبه، وقد قال السيد توفيق في سبب تخليه عن هذه الوظيفة "والسبب في ذلك أنني حين كنت رئيسًا لجلسة الميزانية في مجلس شورى القوانين طلبت أن يرتب للأزهر مبلغ من المال، ثم سعيت حتى رتب له ألف جنيه ولم يكن له غرض في ذلك إلا مساعدة العلماء، فوشى بعض أعدائي بي إلى جناب الخديو، وزعم أن لي في ذلك مقصدًا سياسيًّا، فتغير خاطره الكريم مني فرأيت من الواجب المبادرة بالاستعفاء، وقد أظهرت الأيام كذب الواشين،

ص: 447

وإخلاصي له فرجع سموه إلى جميل رعايته وعنايته، وأهداني صورته موقعًا عليها بخطه الكريم إظهارًا لثقته ورضاه".

وفي سنة 1897 أنعم عليه السلطان عبد الحميد بمداليتي الامتياز الذهبية والفضية. وفي سنة 1900 أنعم عليه بمدالية اللياقة الذهبية، وعلى والدته بنيشان الشفقة المرصع من الدرجة الأولى. وفي سنة 1903 أعاد له الخديو عباس نقابة الأشراف. ومكث مدة يتولى هذا المنصب حتى مرض، ثم بعد ذلك يسكت البكري فلا يحدثنا عما انتابه، ولا يظهر السبب في مرضه1، ولكن يظهر أنه لما وفد البكري على السلطان عبد الحميد ومنحه تلك الأوسمة نَمَّ إلى الخديو عباس أن البكري قال:"لن يظفر سمو الخديو بالإنعام على رتبة الوزارة العلمية على مصر غيري" فغضب الخديو، وأنعم بالنيشان العثماني الأول على الشيخ الإنبابي شيخ الأزهر، وعلى المفتي، وعلى الشيخ محمد العباسي المهدي، وعلى قاضي القضاة جمال الدين أفندي، ثم أرسل إلى السلطان ملتمسًا الإنعام على شيخ الأزهر والمفتي برتبة الوزارة العلمية وهي قضاء عسكر الأناضول، وعلى القاضي برتبة قضاء عسكر الرومللي، فلم يصادف طلبه قبولًا.

وكان إخفاق الخديوي مضاعفًا لغضبه، فتوعد البكري، وبلغ البكري هذا الوعيد فأزعجه، واستولى عليه الهم حتى خيل إليه أن أعوان الخديو يطاردونه لقتله، فلجأ إلى إحدى حجرات بيته، ولزمها، وامتنع عن الزوار، حتى لم يعد أحد يطرق بابه إلا لماما. وكان البكري يبعث في أثناء ذلك برسائله إلى المحافظة، وإلى النائب العام، وإلى رئيس النظار يستنجدهم ويطلب حمايتهم ولما لم يجده ذلك نفعًا، ذهب الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد -وكان من خلصاء البكري- إلى الخديو عباس يتوسل إليه أن يصفح عن البكري، ثم أطلعه على ما صار إليه أمره من سوء.

وأمر عباس رئيس ديوانه أحمد شفيق باشا أن يذهب إلى البكري ويبث في روعه الأمن، ولكن الداء كان قد استحكم، والمرض قد استعصى على العلاج. وبعد سنوات ثلاث قضاها في آلام حتى لا يكاد يرشد، نقل إلى مصحة العصفورية

1 يظهر أن هذه المحنة لم تشتد إلا في سنة 1909 لأنه ظل في قواه العقلية الكاملة حتى سنة 1906 حين كتب الرسالة المفتوحة لولي عهد إنجلترا لما زار مصر، وذكر في تاريخ مرضه أنه مكث سنوات حتى أرسل إلى العصفورية سنة 1912.

ص: 448

بلبنان سنة 1912 وظل ثمة حتى سنة 1928، ثم نقل إلى مصر لم يزايله المرض، وعاش ما بقي من عمره في ظلام خياله وأوهامه حتى يوم السبت 31 من أغسطس سنة 1932.

وقد حدثنا عن دراسته وما قدمه من خدمات لوطنه بقوله: أما العلم، فقد اختصصت منه بعلم الأدب، والاختصاص سر النجاح؛ لأن العلم يعطيك من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسك

وقد تم لي من مؤلفات:

صهاريج اللؤلؤ1، وأراجيز العرب2، وفحول البلاغة3، وبيت الصديق4، وبيت السادات الوفائية5؛ وأما العمل فإما عمل في بيت، أو وظيفة، أو أمة، فما يتعلق بالبيت، فقد ثبت عقده، وضاعفت مجده6، وما يتعلق بالوظائف فقد توليت مشيخة المشايخ وأمرها فوضى، فاستصدرت لها لائحة رسمية سنة 1312هـ "1894"، فأصبحت بها أشبه بحكومة منظمة، وإدارة مقومة، ثم رسمت بوضع كتاب "التعليم والإرشاد" ليستنير به المشايخ الصوفية وخلفاؤهم في تربية المريدين، وإرشاد السالكين، وطبعته ووقفته لله.

1 سنتكلم عنه بعد قليل.

2 مختارات من أراجيز العرب، وشرحها، وقد قرظه علي باشا رفاعة الطهطاوي بقوله:

منها خذوا أوفى نصيب وفر

قد شرحت ما كان شبه الجفر

نورًا كزهر وشذا كزهر

وقال عنه الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر: فكان أول دليل، وأعظم برهان على فضل مؤلفه علامة الزمان.

3 مختارات من شعراء العصر العباسي الفحول. وقال في مقدمته: "إنه كان كالنقطة الصغيرة من العطر، نحصل جملة كبيرة من الزهر".

4 يشتمل على أخبار البيت البكري بمصر، وعلى تراجم رجاله، وينتسب البيت البكري إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أول خلفاء المسلمين، ويرجع تاريخ إنشائه إلى أيام الفتح الإسلامي على ما كتب في التاريخ، فهو قائم منذ أكثر من ألف وثلثمائة سنة، وقد ظهر منه رجال من أهل الطبقة العليا والطراز الأول في كل عصر "راجع بيت الصديق للبكري".

5 وأما بيت السادة الوفائية فينسبون إلى وفاء الإمام المشهور المتصل بالأدارسة، ملوك العرب من آل الحسين بن أبي طالب، وأنشئ بمصر من أوائل القرن الثامن حتى انتقل إليه ملوك المغرب وكان رجاله يتمتعون بمنازل رفيعة ومقامات سامية بمصر منذ ذلك الوقت "راجع بيت السادة الوفائية للبكري".

6 يشير إلى مصاهرته السيد عبد الخالق السادات، وإلى مصاهرة ابن أخيه السيد عبد الحميد له وحين توفي السيد توفيق عين السيد عبد الحميد في مشيخة السادة الوفائية، وأصبح بذلك هذان البيتان بيتًا واحدًا.

ص: 449

وما يتعلق بالأمة، فقد نشأت في بلاد ترسف في الأغلال. ضائعة الاستقلال، فرأيت أن أول ما يندب على المرء أن يسعى فيه هو إرجاع استقلالها الإداري، ثم استقلالها السياسي، فرفعت صوتي بطلب الأول، كنت أول مصري نادى به في زمن الاحتلال وذلك في رسالة كتبتها لجريدة التيمس في مايو سنة 1893 "وفيها يقول: وقد أنشئ في مصر مجلس نواب بعد أن ساد فيها الاستبداد والظلم أربعة آلاف سنة، فألغاه الاحتلال واستبدله بمجلس شورى القوانين، وهو مجلس ليس له إلا إبداء رأيه كما يبديه محرر جريدة فقط، فإلغاء مجلس نوابنا هذا نقطة من أشد النقط سوادًا في تاريخ الاحتلال"، ويواصل حديثه عن عمله فيقول: ثم لم أفتأ أعمل لهذا الغرض بما يؤدي إليه، ويبعث الهمم للحصول عليه وسأثابر إن شاء الله على ذلك.

ولما جاء ولي عهد الدولة الإنجليزية إلى مصر في سنة 1906 كتبت له الكتاب المفتوح الذي قالت عنه جريدة المؤيد: "إنه فعل بمصر في النفوس والعقل ما تفعله شعلة النار ألقيت في بحر من البترول".

ولقد كان البكري ذا مكانة، ومنزلة رفيعة، وكانت داره ندوة العلماء والأدباء والحكام، ومقصد ذوي الحاجات، وكان في بحبوبة من العيش. أنيق الملبس، حسن البزوة راجح العقل، تدل على ذلك حكمه الكثيرة المنثورة في ثنايا كتابه صهاريج اللؤلؤ:

ولعلك رأيت من تاريخه هذا أنه نشأ في بيت دين وحسب على قوله:

وإني من البيت الذي تعلمينه

أقام عمود الدين لما تأودا

وأول هذا الأمر نحن أساته

وآخره حتى يكون كما بدا

وقد جاءه التزمت، والتمسك بتقاليد العرب في الأدب من جهتين: من جهة حسبه ودينه، ومن جهة دراسته الأدبية العميقة لآثار العرب إنه له فطرة شاعر وإحساس فنان، وذوقًا مصقولًا مهذبًا، وعقلًا حكيمًا مجربًا، ولكنك تتخيل كأنه في صراع بين حاسته الفنانة وبين حنينه للقديم. لقد حفظ كثير من أمثال

ص: 450

العرب وحكمهم، وشعرهم، وأحاط بغريب اللغة إحاطة عالم، وقد حشد ذلك كله حشدًا في كتابه صهاريج اللؤلؤ.

وصهاريج اللؤلؤ هو ذلك الكتاب الذي أودعه السيد توفيق البكري ما قاله من شعر ونثر أدبي، وتكلف فيه تكلفًا كثيرًا، وحرص على أن يظهر فيه أديبًا غزير المحفوظ واسع الاطلاع على ما خلف العرب من كتب أدبية ودواوين شعرية، وأمثال وحكم وحكايات، ولغويًّا كثير المحصول من غريب اللغة على نمط ما كان يفعل كتاب المقامات مع فارق بينه وبينهم، وهو أنه كان يمثل عصره، وآراءه وحضارته، وأنه لم يكن يحكي قصة تنقصها الحبكة الفنية، وإنما كان يكتب مقالة مسجوعة في موضوع أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، وأنه كان يوفق في بعض أجزائه حتى ليحلق في سموات الخيال البديع، ويقدم باقة منمقة من الشعر المنثور. والذي يعنينا في كتابنا هذا من صهاريج اللؤلؤ هو شعر البكري، بيد أنه في نثره كان شاعرًا كذلك. ولولا أنه أراد أن يحاكي أدباء العصر العباسي في لغتهم وأسلوبهم حتى جنت عليه هذه المحاكاة، فلم ينطلق على سجيته، وصار يتصيد الألفاظ الغريبة، والأمثال والإشارات التاريخية، لولا هذا كله لاحتل بين أدباء عصره منزلة سامية.

ولقد صدقت فيه نظرة الشاعر خليل مطران حيث قال: "أما نظمه فمتين، وله فيه نظرات إلى زمانه، ولكنه أشبه شيء بنظرات موجهة من عهد عهيد إلى عهد جديد ليس له فكر عام ثابت يتجه إليه، ولو التفاتًا في أكثر ما ينظمه، كما يلتفت حافظ إلى اجتماعياته وشوقي إلى خلقياته، فهو يقول إجابة لدعوات الطوارئ ويلبس لكل حالة لبوسها.

على أننا إنما أشرنا إلى انتفاء الجامعة التي تجمع، ولو بصلة ضعيفة، بين أقسام شعره لأسباب منها: أن السيد شاعر مباه بالشاعرية عن حق، وكان من وسعة أن يحل في الرتبة الأولى من شعراء زمانه، ولو أنه أراد أن يكون من زمانه، ولكنه انتهى إلى عصر آخر، فلم يبلغ ولن يبلغ هو ولا سواه أدباء ذلك العصر؛ لأنهم كانوا يأخذون اللغة رضاعًا وفطامًا وعادة يقظة ومنام، وعشرة ومعاش،

ص: 451

ومنها أن السيد طالع شعر الإفرنج، وعلم منه المهمة العليا التي ينتدب لها الشاعر لا بين أمته منفردة بل بين الأمم جمعاء أحيانًا، ومنها أن سماحته أدري بأن الشعر في بلد محتاج إلى التربية والتأديب كمصر، إذا لم يكن إلا طوائف أسطر الشعر في بلد محتاج إلى التربية والتأديب كمصر، إذا لم يكن إلا طوائف أسطر ترسم مقسومة إلى أشتر ففضل الشاعر رب المقاصد والمعاني على الوزان مقطع عروض الكلام ليس بالكبير وهو إذا بما يقتضيه من المنازلة والتجلة غير جدير.

هذا وللسيد من المقاطيع الشعرية ما لا يدع في معناه مقالًا لقائل، ولا مجالًا لجائل فلو جارى في كثيره قليله لأصبح قطبًا من أقطاب الزمان في الجمع بين البلاغة والبيان، أما طريقته العامة ما وصفناه، فالكلمة التي تغلب في وصف شعره أنه في القرن الرابع عشر المحمدي شعر البعثة الجاهلية"1.

وهذا النقد المركز الذي صور به مطران أن شعر البكري صادق في جملته، ويحتاج إلى شيء من التوضيح؛ فالبكري جنت عليه محاكاته للقديم، ووعى من كتب الأدب الشيء الكثير، وقد يمكن أن يفيد الأديب مما قرأ في كتب الأدب من غير أن يفقد شخصيته، ومن غير أن يستغلق على القارئ، ومن غير أن يتكلف الوعورة والفخامة، واقتناص الأمثال الشاردة، والألفاظ الغريبة ولكن البكري لم يفعل ذلك بل استمد صوره وخيالاته وتعبيراته من بطون الكتب القديمة التي كان يعيش فيها بعقله وفكره ووجدانه.

وإذا تصفحت صهاريج اللؤلؤ وجدت أن البكري مغرم بحشد الأمثال، والإشارات التاريخية والألفاظ الغريبة، كأنه يباهي بكثرة ما وعت ذاكرته من ذلك، خذ مثلًا قوله في وصف "غابة بولونيا" الذي أثر أن يعبر عنه نثرًا مع أنه موضوع شعري جذاب "وكأنما كل بستان شعب بوان2 وكل حائط سد ذو

1 مختارات المنفلوطي ص76 ط ثانية.

2 شعب بوان: بأرض فارس بين أرجان. والنوبندجان، وقد اشتهر بجماله، لكثرة أشجاره وأغاريد أطياره، وتدفق عيونه وطيب فاكهته، وقيل فيه:

إذا أشرف المحزون من رأس قلعة

على شعب بوان استراح من الكرب

والهاء بطن كالحريرة مسه

ومضطرب يجري من البارد العذب

وطيب ثمار في رياض أريصة

على قرب أغصان جناها على قرب

وفيه يقول المتنبي:

مغاني الشعب طيبًا في المغاني

بمنزلة الربيع من الزمان

ص: 452

القرنين، وكل طريق واد بين الصدفين، وكل قنطرة قنطرة خرازاذ1، أو قنطرة البردان2 ببغداد، وكل قصر قصر المشتهي3، وكل كنيسة كنيسة الراها4.

وهاك مثلًا آخر يريك ولوعه بضرب الأمثال والإشارات التاريخية والأدبية، وإن لم تفد فائدة جديدة في إيضاح المعنى، وإنما ساقها للتعالم، وعلى طريقة المقامات "وإذا هو أجود من حاتم5، وأبا أي من حنيف الحناتم6 وأحزم من سنان7، وأعدل من الميزان وأحمى من مجير الظعن8، وأعقل من ابن تقن وأحيا من كعاب9، وأحلم من فرخ عقاب10 وأجمل من ذي العمامه11، وأثر من كعب بن مامة12، وأجسر من قاتل عقبة13، وأحكم من هرم بن قطبة14، وأبطش من دوسر15 وأجرأ من قسور16.

1 قنطرة خرازاذ: منسوبة إلى خرازاذ أم أرادشير، وهي بسمرقند بين "إيدج والرباط" وكانوا يعدونها قديمًا من عجائب الدنيا؛ لأن طولها ألف ذراع وعلوها مائة وخمسون، وأكرها مبنى بالرصاص والحديد.

2 قنطرة البردان: نسبة إلى قرية قريبة من بغداد على سبعة فراسخ، وفيها يقول جحظة:

في رقة البردان بين مزارع

مجنوفة ببنفسج وبهار

بلد يشبه صيفه بخريفه

رطب الأصائل بارد الأسحار

3 وقصر المشتهي: أحد القصور التي أعدها الفاطميون للنزهة بمصر.

4 كنيسةالرها: نسبة إلى مدينة الرها -بالجزيرة بين الموصل والشام.

5 هو حاتم الطائي الجواد المشهور، وقد ذكرنا قصص جوده في كتابنا "الفتوة عند العرب" ووضعنا له صورة تاريخية واضحة بعنوان "فتى كريم" ص382 ط ثالثة.

6 أباى: من البأى وهو الفخر، وقد بلغ من فخر حنيف وزهوه أنه لم يكن يكلم أحدًا حتى يبدأه بالكلام.

7 سنان: هو سنان بن أبي حارثة، وقيل لم يجتمع الحزم والحلم في رجل فسار بهما المثل إلا في سنان.

8 مجير الظعن: والظعن جمع ظعينة وهي المرأة في هودجها ومجير الظعن هو ربيعة بن مكدم وقد وضعنا له صورة كاملة زاهية في كتابنا "الفتوة عند العرب"بعنوان "حامي الظعينة" ص342 ط ثالثة.

9 ابن تقن: يقال إنه من قوم "عاد"، وقد أراد لقمان أن يشتري إبلا له أعجبته، فامتنع ابن تقن عن البيع، فاحتال لقمان لسرقتها، فلم يتمكن لفرط حذره وفيه قال الشاعر:

تجمع إن كنت ابن تقن فطانة

وتغبن أحيانًا هنات دواهيًا

فضرب بعقله المثل.

الكتاب: الفتاة الناهد، وتكون عادة أشد حياء من غيرها من النساء الكبيرات.

10 أحلم من فراخ عقاب. ذكر الأصمعي أنه سمع أعرابيًّا يقول: "سنان بن حارثة أحلم من فرخ عقاب" فقال له وما حلمه: قال. يخرج من بيضة على رأس تبق، فلا يتحرك حتى يقر ريشه، ولو تحرك سقط، فضرب به المثل.

11 ذو العمامة: هو سعيد بن العاص بن أمية، وكان في الجاهلية إذا لبس العمامة لا يلبس قرشي عمامة على لونها، وإذا خرج لم تبق امرأة إلا برزت للنظر إليه من جماله ولما أقضت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان خطب بنت سعيد إلى أخيها عمرو بن سعيد الأشدق فأجابه عمرو بقوله:

فتاة أبوها ذو العمامة وابنه

أخوها فما أكفاؤها بكثير

ويصح أن يكون هذا اللقب لرياسته لا لجماله، وكان يلقب كذلك بذي العصابة.

12 كعب بن مامة الإيادي: جواد مشهور ذكرنا قصة إيثارة، حتى ضحى بنفسه في سبيل غيره في كتابنا:"الفتوة عند العرب" في باب الكرم ص184 ط ثالثة.

13 عقبة: هو عقبة بن سلم من بني هناءة من أهل اليمن وكان أبو جعفر المنصور، قد وجهه إلى البحرين، وأهلها من ربيعة، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وانضم إلى خدمته رجل من عبد قيس لازمه سنتين فلما عزل عقبة ورجع إلى بغداد رحل معه العبدي، وبينما عقبة واقف بباب المهدي، بعد موت أبي جعفر وجأه العبدي بسكين في بطنه فقتله أخذًا بثأرقومه. فضرب بجسارته المثل؛ لأن عقبة كان مهيبًا جدًّا.

14 هرم بن قطبة: هو الذي تحاكم إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة الجعفر بأن، فقال لهما: أنتما كركبتي البعير تقعان معًا، ولم يفضل أحدهما على الآخر فضرب به المثل.

15 الدوسر: الجمع الضخم أو الأسد الصلب والدوسر كان يطلق على كتيبة النعمان بن المنذر وبها يضرب المثل.

16 القسور والقسورة: الأسد وجرأته معروفة.

ص: 453

فهذه مجموعة من الأمثال العربية؛ لأنه قصد بها وصف شخص من الأشخاص، وأنه قد اجتمعت فيه كل تلك الصفات المجيدة التي بلغت في هؤلاء الأشخاص الذين ضرب بهم المثل الغاية التي ليس وراءها مزير حتى تميزوا بها عن سواهم؛ لأن مثل هذا الشخص من نسيج الخيال ولا سيما وهذا الذي يصفه مولود لم يعرف من الدنيا شيئًا، فأي مبالغة وأي تكلف! وما قصد توفيق البكري إلا أن يسوق هذه الأمثلة للإفادة على طريقة المقامات أو لإظهار علمه، وكثرة إطلاعه ومعرفته بأمثال العرب.

وحسبي هذان المثلان للتدليل على غرامه بحشد الأمثال والإشارات التاريخية، وفي صهاريج اللؤلؤ مجموعة من هذه الأمثال يصح أن يؤلف في شرحها كتاب خاص، أما عن توخيه شدة الأسر في عبارته، واصطياد غريب الألفاظ، فقد أشرنا إلى أنه اهتم بجمع مختارات من أراجيز العرب وشرحها، وكلنا يعلم أن الرجازين الذين اشتهروا في العصر الأموي كانوا مثالًا في معرفة اللغة، وأن أراجيزهم كانت منبعًا يستقي منه الأدباء والشعراء، فلا بدع إذا حين نرى البكري ملمًا بكثير من غريب اللغة، مجيدًا لاستعماله.

هذا وقد اختار لفحول الشعراء في العصر العباسي مثل أبي نواس ومسلم بن الوليد، وأبي تمام، والبحتري، وابن الرومي، وابن المعتز، والمتنبي، وأبي العلاء، وشرح مختاراته هذه، فاجتمع له من الأراجيز، ومن الشعر العباسي المنخل المختار مدد من الفصاحة والبيان أعانه على أن يظهر في صهاريج اللؤلؤ بمظهر المتبحر في آداب اللغة المطلع على أسرارها.

على أنك تجد البكري في شعره لا يعمد إلى الغريب إلا في النادر، على حين يهتم في نثره بهذا كل الاهتمام، ولعله رأى الشعر لا يحتمل مثل هذه الألفاظ الوعرة المطمورة في ثنايا المعاجم، وأنه مقيد بالوزن والقافية، أما النثر فأمامه متسع لأن يغير ويبدل، ويضع الكلمة التي يريدها، وقد يعينه هذا الغريب على طريقته التي آثرها في الكتابة، وهي طريقة السجع ولذلك لا تجد له شعرًا مثل شعر عبد المطلب في طول القصيدة، وكثرة ما بها من ألفاظ غريبة.

استمع إليه يصف متنزه "البندلر" في القسطنطينية: "وقد حف الشجر

ص: 454

الدواح1 بتلك البطاح، فمن شوع2 ودر ماء3، وخلاف4، وطحماء5، وريحان نضر، وعيدانة6 مرجحنة7 من سدر، وقد تلاحقت غصونها، وتعرشت خيطانها وفتونها، وخضب بينها العرفج8، وأزهر الياسمين والبنفسج، فكأن تحت كل عرش إيوانًا، وفوق كل فرش ديوانًا، وفي كل ترب جونة9 عطار، أو مسك بين أفهار10.

ولا ريب أن البكري لم يكن يعرف أسماء الأشجار التي رآها في هذا المتنزة، ولو عرفها بالتركية لعجز عن أن يجد لها نظيرًا بالعربية، فأين ما ينبت في الجزيرة الحارة من شجر ونبات يحتمل الحر الشديد، مما ينبت في بيئة باردة غزيرة الأمطار؟ ولكنه استعار أسماء يعرفها في العربية معرفة قراءة لأشجار أخرى لا تنطبق عليها هذه الأسماء.

وهاك مثل آخر يصف فيه معركة "أسترليتز"11: "كأني أنظر إيه يوم "استرليتز" وقد خرج لقتاله القيصران، في يوم أرونان12 "فصابت بقر"13 و"ما يوم حليمة بسر"14 فاصطف حيالة الروس، كالسطور في الطروس، وثبتوا في الأخاديد كالجلاميد وابذعروا15، في السهول كالوعول، وأقبل النمساوي في كتيبة جأواه16 وململمة17 شلاء، وينزل أولادها، وليس بنازل ويرحل أخراها براحل، فقابلهم الفرنسيس بالدهياء الدردبيس18.... إلخ.

1 الدواح: الشجر العظيم.

2 الشوع: شجر البان وينبت في السهل والجبل، ويقال لثمره حب البنان، ولزيته دهن البان.

3 الدرماء: نبت أحمر الورق.

4 الخلاف: نوع من الصفصاف.

5 والطحماء: النجيل.

6 العيدانة: أطول ما يكون من الشجر.

7 المرجحنة: المائلة المهتزة.

8 العرفج: شجر ينبت في السهول واحدته بهاء.

9 جونة عطار: الجونة. سلة صغيرة مغشاة بالجلد تكون مع العطار.

10 الأفهار: جمع فهر وهو حجر يدق به.

11 استرليتز: اسم الموقعة التي هزم فيها نابليون جيوش الروس والنمسا معًا في 2 ديسمبر سنة 1805، وقد شهد الموقعة قيصرًا الروس والنمسا.

12 يوم أرونان: صعب شديد.

13 صابت: من الصوب وهو النزول، والقر: القرار، وصابت بقر أي استقرت في مقرها، ويقال هذا المثل عند شدة المصيبة أي أن الشدة صارت في قرارها متمكنة.

14 حليمة: هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني، ويوم حليمة كان بينه وبين المنذر بن ماء السماء وفيه قتل المنذر. واشتهر هذا اليوم لأن حليمة حببت فيه جند أبيها في قصة معروفة.

15 ابذعروا: تفرقوا وانتشروا.

16 جأواء: كدراء اللون في حمرة من صدأ الحديد.

17 الململمة: المخيفة، والشملاء: الشعلة المتفرقة.

18 الدردبيس: الداهية العظيمة.

ص: 455

ولعلك رأيت من هذه الأمثلة أن البكري كان يعدل عن الكلمة المعروفة إلى الكلمة غير المألوفة ولو كانت مما يغفر منه السمع مثل "ابذعروا" أو "جأواء"، و "دردبيس"، وأنه كان يجمع بين المثل الشارد واللفظ الغريب أحيانًا.

وإذا نظرنا إلى شعر البكري وجدناه كما قال مطران، لا تنتظمه فكرة. أو يصدر فيه عن مذهب خاص معين، بل كان الشعر عنده وسيلة من وسائل التعبير، وحسبه أن يظهر بأنه يملك هذه الوسيلة، حتى لا يكون أدنى من سواه ممن يتصدورن في موكب الأدب، ولما كان البكري من رجال الدين وشيخ الطرق الصوفية كان من الطبيعي ألا ينطلق على سجيته في الشعر، ويخوض في كل أغراضه، ويعبر بحرية عما يجيش في نفسه.

الشعر فيض الوجدان يظهر في صورة موسيقية جذابة، والوجدان ينفعل بمؤثرات عديدة فإذا كان الشاعر غير متزمت، أو متحرج مما يصدر عنه جاء شعره صادق العاطفة، معبرًا عن حقيقة نفسه، ولكنه إذا كان مثل البكري رجل دين، وسيدًا من الأشراف الذين يحتلون في المجتمع منزلة رفيعة كان من الطبيعي ألا يستجيب في شعره لكل ما ينفعل له وجدانه. ولهذا لا نرى للبكري غزلًا عاطفيًّا قويًّا وإنما هو نسيب يأتي به في أوائل القصائد محاكاة للأقدمين في طريقتهم وتشبيهاتهم، ووقوفهم على الأطلال من غير أن تكون ثمة أطلال، واستمع إليه يقول من قصيدته ذات القوافي:

سقى دور مية بالأمرع

مسف من الدجن لم يقلع1

ولو ترك الشوق دمعًا بجفني

سقيت المنازل من أدمعي

شجى يحن لألافه

ويصبو إلى دهره الغابر

فهل عائد لي زمان مضى

بعنف الغوير إلى الحاجر2

1 الأمرع: المكان فيه سهول ورمل، وهو هنا مكان بعينه.

2 النعف: المكان الرتفع، والغوير تصغير غور، وهو ما تداخل وهبط، والأغوار في جزيرة العرب كثيرة والحاجر: منزل للحاج في البادية.

ص: 456

ولا ريب أن البكري لم يكن خبًّا لمية وديارها بالأجزع، وإنما هو محاكاة لطريقة الأقدمين في نظم الشعر، ولم يكن البكري ممن يصبو إلى زمن الغابر ويتمنى عودته إلى نعف الغوير والحاجر إلا على التأويل أنه قرأ عن هذه الأماكن كثيرًا ويود لو أتيحت له الفرصة ليراها رأي العين، فليس البكري كعبد المطلب في حنينه إلى البادية؛ لأن عبد المطلب كان يحن إليها عن عاطفة وإخلاص، لنشأته في بيئة قريبة منها، ولاعتزازه بانتسابه إلى البدو، أما البكري فقد نشأ في بيت ترف ومجد في أحضان القاهرة، ورأى من معالم الحضارة الأوربية الشيء الكثير، ولم يكن على الرغم من شرف محتده وعلو نسبه ممن يشتهي الرجوع إلى البادية أو يعتز بها، ولكنه حنين أتى إليه من الكتب ومن المحاكاة. والأبيات ليست فيها أي عاطفة أو سمات تصح عن شخصية الشاعر.

وكثيرًا ما يلجأ إلى هذا النوع في ابتداء القصائد التي يحتفي بها كقصائد المديح متبعًا في ذلك خطة كبار الشعراء الذين يعارضهم أو يعجب بهم، فأبو نواس على الرغم من ثورته على هذه الطريقة ظل يتبعها حين يمدح أمير المؤمنين أو أحد الولاة.

ونرى هذا لدى البكري عن مدحه للخديوي عباس

ألا جمعى شمل الدموع المبددا

وردى لجفنيك المنام المشردا

وإن تجزعي للبين لست بجازع

ولا تارك رأي الصواب المسددا

والجزع وسح الدموع ساعة الفراق مما ردده كثير من شعراء العربية؛ وهذا هو المتنبي يقول:

ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم

بعثن إلينا القتل من كل مشفق

عشية يعدونا عن النظر البكا

وعن لذة التوديع خوف التفرق

نرى هذا كذلك في أول قصيدته مصر التي أشرنا إليها فيما سلف عند الكلام على التغني بالطبيعة المصرية في الشعر الحديث:

أديار مي تنظر

فدموع عينك تمطر

ص: 457

أم أبرق العلمين أم

سفح اللوى تتذكر1

أم تام قلبك جؤذر

أحوى المدامع أحور2

فما زال ينظر إلى ديار مية، وأبرق العلمين، وسفح اللوى، ولا زالت المرأة عنده جؤذرًا.

وفيما عدا هذه الابتداءات لا ترى للبكري غزلًا أو تشبيهًا في المرأة، وتزمتًا منه، وحرصًا على مكانته في المجتمع، وهو الحسيب النسيب، وشيخ مشايخ الطرق الصوفية.

وإذا انتقلنا إلى غرض آخر من أغراض الشعر وهو المديح، وجدنا أن البكري ربا بنفسه أن يمدح إلا الملوك على حد قول النابغة:

وكنت امرءًا لا أمدح الدهر سوقة

فلست على خير أتاك بحاسد

وقد انحصر مديحه في أمير المؤمنين "عبد الحميد" وقد علمت كيف احتفى به، وأغدق عليه من الأوسمة والرتب ما ألهج لسانة بالثناء المستطاب، وفي عباس وهو أمير البلاد، وهو الذي ولاه مشيخة الطرق الصوفية، وإن كان قد نفس عليه مكانته من الخليفة، وجفاه، بل اشترك في المؤامرة التي حيكت لاتهامه بالجنون.

وله في عبد الحميد قصيدة واحدة أثنى فيها على بلاء جيوشه في محاربة أعداء الدين، وعرج على وصف بعض الملوك، وأثنى فيها على كرمه وجوده حتى انطلق الشعراء بمدحه، وهو في وصف المعارك يخلط الجديد بالقديم، فيصف عدة السلاح التي عرفها العرب من السيف والرمح والدرع، ويصف المدفع وقصفه وحصده للنفوس. وهو يتوخى غريب اللفظ كعادته ويلجأ إلى محفوظه من التشبيهات العربية القديمة، وهاك بعض ما قاله في تلك القصيدة:

أما ويمين الله حلفة مقسم

لقد قمت بالإسلام عن كل مسلم

فلولاك بعد الله أمست دياره

بأيدي الأعادي مثل نهب مقسم

1 الأبرق: ج برق وهو المكان الذي اجتمعت فيه الحجارة والرمل والطين، والعلمان: مثنى علم وهو الجبل: أبرق العلمين: مكان بعينه. واللوى: ما استرق من الرمل، وسفح اللوى: مكان بعينه.

2 الجؤذر: ولد البقرة الوحشية وتشبه به الحسان لجمال عينيه؛ والأحوى: من به لون الحوة وهي سواد إلى الخضرة، والأحور: من اشتد بياض عينيه وسواد سوادهما.

ص: 458

لقد سر هذا النصر قبرًا بطيبة

وبيتًا ثوى عند الحطيم وزمزم

وهذا مدح ينكره الواقع فلم يقم عبد الحميد عن كل مسلم بالإسلام، بل هو الذي طوح بالإسلام حتى عرفت تركيا في عهده بالرجل المريض، ونهب الأعداء ولايات عديدة من تركيا مثل طرابلس وتراقيا وغيرهما، وإذا كان عبد الحميد وجنده قد انتصروا في بعض المواقع، فإن العاقبة كانت وخيمة، ويقول في مدح عبد الحميد كذلك:

له في الأعادي حملة يعرفونها

وأكبر منها حملة في التكرم

عطايا تظناها لإعظام قدرها

أماني نفس أو رؤى من مهوم

أياديه أبدت خافي الشعر للورى

وكان مجنًا مثل سر مكتم

كذلك زهر الروض يبدو من الثرى

إذا ما سقاه مسجم بعد مسجم

والمدح بالشجاعة والكرم -وهما أعظم خلتين لدى العرب- قديم جدًّا في الشعر العربي، وقد أفتن الشعراء في توليد المعاني منهما، ولم يدعوا مجالًا لقائل، ومن قوله يصف جيوش عبد الحميد:

أسأل جفاج الأرض بالجند يلتوي

كأغدرة الوديان في كل مخرم

وقد نظر في هذا البيت إلى قول الشاعر: "وسألت بأعناق المطي الأباطح"

يموج بها الماذي في رونق الضحى

كما ماج لج بين أرجاء عيلم

فمن كل مغوار ترى الروم دونه

طرائد وحش بين أظفار قشعم

ومن كل ذيال كأن هويه

هوى شهاب أو عقاقب محوم

ومن كل حصداء دلاص كأنها

على عاتق الأجناد بردة أرقم

فهو يشبه الجيش في الضحى بالأمواج المتدفقة في بحر كبير، ويشبه التركي الشجاع بالنسر الذي يطارد وحشًا، ويصف الفرسان بأن هويها كالشهاب أو العقاب، ويصف الدروع الواسعة السابغة بأنها على أكتاف الجنود كأثواب الثعابين في نمنمتها ونقشها، وهذا كلها أسلحة قديمة، وأوصاف مطروقة من قبل، ويطول بنا الحديث لو تعقبناه عرفنا مآخذه، ومن وصفه للمدفع قوله:

ص: 459

ومن منجنيق يستطير شواظه

بفوهة فيه كباب جهنم

عليه دخان يقطر الجمر بينه

كأسود دجن بالصواعق يرتمي

وقد سمى المدفع منجنيقًا لأن العرب كانت تعرفه، ولم تعرف المدفع، وشتان بينهما، وفي مدحه لعباس تراه يبتدي بذلك النسيب الذي أشرنا إليه ثم يعرج على وصف السفينة التي أقلته إلى مصر، وقد عدل عن وصف الناقة التي كانت توصل الشاعر إلى الممدوح وتشق به الصحارى إلى السفينة التي أوصلته إلى مصر وشقت به عباب البحر، وقد وصف عباسًا بالحلم في حزم، وإنجاز الوعد، والكرم، وبأنه حسام في يد الإسلام وبأنه كالنجم الثاقب في الرأي، ثم انتقل إلى مدح الأسرة العلوية مشيدًا بفتوحهم وبلائهم في خدمة مصر، ومن قوله يصف السفينة والبحر:

أخوض عبابًا فوق فلك تظنها

على سروات الماء قصرًا مشيدًا1

تهادي به مثل العقاب، وتارة

ترقى من الأمواج صرحًا ممردا

وترزم حينًا فيه حتى كأنها

تجوز على العلات حزنًا وقرددًا2

خضارة مرآة السماء فلم تزل

ترى وجهها فيها وإن بعد المدى3

فإن أشرفت فيه الغزالة خلتها كعين

بجوف البحر تقذف عسجدا

وإن لاح تحت الماء بدر رأيته

كماوية يعلو على متنها الصدا

وربما خلت النجوم عشية

لآلئ في قاعيه مثنى ومفردا

كأنا وقد جزنا لمصر فرنجه حنيف

تخطى من ضلال إلى هدى

تؤم بها العباس في دست ملكه

كما أم سفار على الجهد موردا

وهنا ترى البكري يلجأ إلى القديم تارة، ويجدد في صوفه أخرى، فإرزام السفينة من إرزام الناقة وهذا قديم، كما أن تشبيه هويها بهوى العقاب قديم

1 السروات: جمع سراة وهي من الطريق أعلاه ومتنه.

2 إرزام الناقة: صوتها حين التعب، ويريد هنا أن السفينة تتعثر في الموج، والعلات: الحالات المختلفة وجرى على علاته أي على كل حال، والحزن: ما غلظ من الأرض، والقرددا: الأرض الغليظة المرتفعة.

3 خضار: علم البحر.

ص: 460

كذلك، وتشبيه البحر بأنه مرآة للسماء ترى فيه وجهها على الرغم من بعد الشقة، وتصوير الشمس المشرقة في البحر بأنها عين تقذف عسجدًا، وتشبيه البدر بأنه مرآة صدئة وصف جديد حقًّا. وطريقته في التخلص من وصف السفينة إلى المدح هي طريقة القدامى في التخلص من وصف الرحلة والناقة إلى المدح تمامًا:

ومن قوله يمدح عباس:

حليم يزيد الحلم منه حفاظه

كما خشن اللين الجراز المهندا1

أجل أمير قام بأسًا ونائلا

وأنجزهم طرًا وعيدًا وموعدًا

تراه بمصر بعد والده الرضى

كمثل الربيع الجون خلفه الجدا

يذود عن الإسلام حتى كأنه

حسام به الإسلام أضحى مقلدًا

له شيمة فيها ثوى الفضل كله

كما قد ثورى كل الكلام بأبجدا

ورأى إذا ما أظلم الخطب خلته

كنجم في ظلمة الخطب يهتدي

وفكر كمرأة المنجم في الورى

يرى اليوم فيها ما يبين لهم غدا

ولعلك تلحظ ظاهرة واضحة في شعر البكري، بل وستجدها في كل آثاره الأدبية وهي فرط غرامه بالتشبيهات، فكل صفة مهما بلغت من الوضوح لا بد لها عنده من تشبيه يؤكدها، وقد يوفق في بعض هذه التشبيهات ويبتكر، وقد يخفق في التجديد، ويحاكي الأقدمين، وكأن التشبيه لديه مقصود لذاته، وربما أتى هذا لاعتقاده أنه مظهر الخيال، وهو يريد أن يباهي بخياله الأدبي، ويظهر للملأ أنه يحتل منزلة لا تداني في هذا المديان.

فوصف الأمير بالحلم مع الحفاظ والذود عن المكارم وصف قديم وأشهر ما قيل في هذا قولهم "لين في غير ضعف"، ووصفه بالشجاعة والكرم وبإنجاز الوعد والوعيد ليس فيه جديد، أما عن تشبهه بالربيع الذي خلفه المطر فقديم كذلك، ومن أحسن ما قيل في هذا قول الشاعر:

1 الجراز المهند، هو السيف، والحفاظ: الشدة والبأس، والحرص على الكرامة والذب عن المحارم.

ص: 461

وما روضة حل الربيع نطاقها

وجرت بها الأنواء احاشية البرد

إذا حدرت فيه النعامى لثامها

تثني عطفه الحوذان والتف بالرند

بأطيب نشرًا من خلائقه التي

تنم برياها عن العنبر الورد

ثم ألا ترى معي أن أضعف الوصف حين شبهه بحسام تقلده الإسلام بقوله: "حتى كأنه حسان" وتشبيه الأمراء والقواد والممدوحين بالسيف معرق في القد: وما أردأ قوله: "كمال قد ثوى كل الكلام بأبجدا" فليس فيه أي رائحة من الشعر، وكان في غنى عن الالتجاء إلى التشبيه إذا أعوزته المقدرة على الابتكار. وتشبيه الرأي بالنجم الثاقب من التشبيهات المتداولة المعروفة منذ أن نظر شاعر عربي في صفحة السماء في ليلة بالنجوم ويخيل إليك أنه جدد في وصف فكر الأمير بأنه كمرآة المنجم يرى فيها اليوم ما سيأتي به الغد، ولكن ألا ترى أن هذا المعنى قد أتى في قول البحتري:

تشف أقاصي الرأي في بدأته

لعيني، وستر غير رقيق

ولم يتورط بذكر المنجم الذي يوفق حينًا، ويضل في أغلب الأحيان؟؟ ومرأة المنجم هذه ليست مما يؤمن به العصر الحاضر وقد كانت شائعة في القديم وهي معرفته بحساب الجمل والحصر الذي أدعى الناس أن أهل البيت هم الذين ألفوا فيه، قال أبو العلاء المعري:

تعد عجبوا لأهل البيت لما

أتاهم علمهم من مسك جفر

ومرآة المنجم وهي صغرى

أرته كل عامرة وقفر

ولعل مرآة المنجم اليوم هو ما يسمى بالمندل، وهذا كله رجم بالغيب وقد تفرد الله بعلمه. وبعد أن انتهى الشاعر من مدح عباس والثناء على خلاله وسجاياه، ومدح آباه وأثنى على شجاعتهم وقيادتهم الجيوش يدافعون عن الخلافة، وعن البيت الحرام1:

ففسل جموع الخارجين ببأسهم

وأتهم فيهم بالفتوح وأنجدا

وحامي عن القبر الذي عند طيبة

وذاد عن البيت الذي عنده كذا

1 يشير إلى معاوية الجيوش المصرية للخليفة في غزوة كريت، وتهدئة الثورة في اليونان، ومحاربة الوهابيين.

ص: 462

ولم يمدح البكري كما ذكرنا غير الخليفة والخديو، وليس له في منهما سوى قصيدة واحدة وإن مدح عباسًا في خلال قصيدته التي يصف بها مصر بما لا يخرج عما قاله في هذه القصيدة، ومن ذلك قوله:

ملك بضوء جبينه

تسقي البلاد وتمطر

السيد المحض العلا

والجوهر المتخير

العدل مما ينشر

والمجد مما يذخر

خلق حوى كل الفضا

ئل فهي عنه تؤثر

جود وباس في الورى

بهما يخص ويشهر

وهذا الوصف ليس فيه جديد يضيفه إلى قصيدته السابقة، وقد خلا مديحه من الاستجداء، ولم يطل فيه ضنًا بكرامته وشرفه، ولعله أتى من قبيل أداء الواجب وهو الشاعر المباهي بشاعريته، والذي ينتظر منه أن يقدم ولاءه لخليفته وأميره، ولو قصر لليم على تقصيره ولعلك رأيت أنه وصف عباسًا بكثير من الصفات التي لم يتحل بها على عادة الشعراء القدامى في المدح.

ومن الأغراض التي أجاد فيها الوصف، ولكنه قليل من شعره، بل إن شعره كله قليل، وقد وصف مصر في قصيدة عامرة له فيها لفتات شعرية سامية، ومن هذه القصيدة التي أشرنا إليها في غير هذا الموضع1 قوله يصف جمال مصر:

والنيل في لباتها

عقد يلوح مجوهر

والجو صحو مشرق

وكأنما هو ممطر

والظل من خلل الشمو

س مدرهم ومدنر

وعصونها لد

ن تميد بما تقل وتثمر

فكأنهن ولائد

في حليها تتكسر

هي نسج وشى

نيلها فيه الطراز الأحمر

ص: 463

هي مثل لوح صور الـ

ـفردوس فيه مصور

يا جنة يجني الجنى

فيها ويجري الكوثر

أنا شاعر في وصفها

لكنها هي أشعر

وفي بعض هذا الوصف جدة، فتشبيه النيل بأنه عقد جوهر يجلي جيد مصر، وتشبيه الأغصان المحملة بالثمار المختلفة الألوان بالولائد اللاتي يتكسرن في مشيتهن وهن حاليات، وتشبيه مصر بأنها لوح صورت فيه الجنة، قوله: إنها بجمالها أشعر منه في شعره الذي يمدحها به من الجديد في الوصف. ويدل على حبه لبلاده وعلى خيال سام في تصويرها.

وتراه في بعض أبيات هذه القصيدة يقتفي أثر البحتري في وصف إيوان كسرى، استمع إليه يصف قصر "عابدين" والصور التي تزين جدرانه وقد مثلت عليها وقائع حربية:

فترى الوقائع منظرًا

وكأنما هي مخبر

والجند تخطر في الـ

ـحديد فدارعون وحسر

والخيل بين عجاجها

تخفي وحينًا تظهر

وتظن أحياء بها

فتمس كيما تخبر

ففي هذه الأبيات شبه كبير وتأثر واضح بتلك الأبيات التي وصف فيها البحتري معركة أنطاكية.

والمنايا مواثل أنو شروان

يزجي الصفوف تحت الدرفس

وعراك الرجال بين يديه

في خفوت منهم وإماض جرس

من مشيح يهوى بعامل رمح

ومليح من السنان بترس

تصف العين أنهم جد أحيـ

ـاء لهم بينهم إشارة خرس

يغتلي فيهم ارتيابي

حتى تتقراهم يداي بلمس

ص: 464

وقد وصف البكري في هذه القصيدة الجزيرة وخروج النساء للنزهة بين أرجائها من مركباتهن وقد أبدع في الوصف حين قال:

عجلاتها فلك

بأشباه النجوم يدور

من كل خركاة

بحسناء تضيء وتقمر

فكأنها المشكاة

والمصباح فيها يزهر

والخركاة مركبة النساء في المواكب، وتصويره المركبة بأنها كالمشكاة والحسناء فيها كالمصباح تصوير طريف، وتراه بعد ذلك يصف حديقة الحيوان:

فيها النعامة والحبا

رى والمها والقسور

كسفين نوح أظهرت

ما كان فيها يضمر

وترى الغصون على الأرا

ئك تلتوي فتشجر

وجداول كسبائك

بسنا الأصيل تعصفر

وقد نظر في البيت الأخير إلى قول الشاعر: "ذهب الأصيل على لجين الماء"

ماء كبلور يذو

ب وأدمع تتقطر

يروي القطا الكدري منه

وينتحيه الجؤذر

في حافتيه الورد والنـ

ـسرين والنيلوفر

وعليه من نسج الصبا

درع هناك ومغفر

وفي هذا المعنى قال ابن المعتز يصف روضًا:

فكأن الروض وشى

بالغت فيه التجار

نقشه آس ونسر

ين وورد وبهار

وقال في وصف غدير:

غدير ترجرج أمواجه

هبوب الرياح ومر الصبا

ص: 465

إذا الشمس من فوقه أشرقت

توهمته جوشنا مذهبًا1

وقال الطغرائي في وصف غدير كذلك:

حصباؤه در ورضراضه

سحالة العسجد حول الدرر2

وقد كسته الريح من نسجها

درعًا بها يلقى نبال المطر

وألبسته الشمس من صبغها

نور به يخطب نور البصر

كأنه المرأة المجلوة على

بساط أخضر قد نشر

ولم يزد ما قاله البكري عما أتى به ابن المعتز والطغرائي شيئًا:

ومن الجدير في هذه القصيدة قوله في وصف المتحف. وقد حشدت فيه أجساد الفراعنة:

نشرت به أمواتهم

فكأنما هو محشر

رمسيس أين مطارف الد

يباج أين الجوهر؟

أين السرير وأين تا

ج الملك أين العسكر؟

نم في رقاد ليس في

أحلامه ما يذعر

فالموت نوم أكبر

والنوم موت أصغر

دنيا تشابه ملعبًا

والليل ستر يستر

والفصل يضحك والثر

يا الشمس فيه تنور

جند هناك وسوقة

ومتوج ومسخر

فإذا طرحت ثيابهم

ساوى الأعز الأحقر

1 الجوش، الدرع.

2 الرضراض: صغار الحصى والعسجد الذهب، وسحالته: برادته.

ص: 466

وتشبيه الدنيا بأنها ملعب تمثل فيه رواية الحياة، والليل هو الأستار التي تسدل على المسرح قبل الرواية، والشمس هي الثريا التي تضيء المسرح، والناس هم الممثلون، وهذا يمثل جنديًّا، وهذا سوقة، وهذا ملك، وهذا خادم، ولكنك إذا طرحت هذه الثياب وجدتهم جميعًا سواء في التركيب الجسماني -لعمري لفتة شعرية بديعة من البكري، ومن الجديد في تلك القصيدة التفاته إلى خلق المصريين ووداعتهم، وقلما التفت من وصفوا مصر من الشعراء إلى خلق أهلها:

وطن الغريب وداره

وقبيله والمعشر

وقد تكلم عن مجد مصر القديم وأنه كلما ازداد قدمًا ازداد حسنًا وروعة:

والمجد مثل الخمر يكـ

ـرم ما توالي الأعصر

كانت سلاطين الورى

فيه تشيد وتعمر

والغرب من أعماله

والقبلتان وتدمر1

والخيل خيل الله تر

كب والطوائف تنصر

وفرنجة ومليكها

تغري بمصر وتؤسر

هذي مناقب مصر تر

وي في الأنام وتسطر

ولم يكتف بذكر الماضي، ولكنه نظر إلى المستقبل، وكان متفائلًا في نظرته، محبًّا لبلاده:

ولسوف يرجع ما مضى

ويعود ذلك المفخر

وكذا الزمان يدور والـ

ـقدر المغيب محور

والبدر إن وافى السر

ار فبعد ذلك يبدر

والعود يبس برهة

فإذاه عود أخضر

1 يشير إلى امتلاك المصريين لبلاد المغرب أيام الفاطميين ولبيت المقدس والحجاز. وقلعة تدمر.

ص: 467

ومن روائع وصفه "النيازج" في إحدى حفلات القصر الليلية، وقد خرجت منها مناظر عدة، فمن ثعابين، وطيور، وأزهار ونخيل، في ألوان وأصباغ مختلفة.

فمن شهب تمتد في الجو مصعدًا

وتلوي على جنبيه مثل الأراقم

وتمطر فيه لؤلؤا وزبرجدا

شآبيب منها ساجم بعد ساجم

فطور نرى أن السماء حديقة

تفتح فيها النور بين الكمائم

وحينًا نرى أن الحديقة في الدجى

سماء تهاوي بالنجوم الرواجم

ولكنك لا تجد له شعرًا كثيرًا في الوصف، فهو مقل جدًّا، ولو أنه عنى بالشعر واحتفل به، ولم يأنف من أن يصير شاعرًا مكتمل الشاعرية يخوض في كل أغراض الشعر ويستجيب لانفعالات قلبه ووجدانه، لكان في طليعة شعراء مصر.

وله قصيدة في الفخر والرثاء معًا بعنوان: "أبي" عارض فيها المتنبي حين رثى جدته حين قال:

ألا لا أرى الأحداث مدحًا ولا ذمًا

فما بطشها جهلًا ولا كفها حلمًا

أحن إلى الكأس التي شربت بها

وأهوى لمتواها التراب وما ضما

وإن لم تكوني بنت أكرم والد

فإن إباك الضخم كونك لي أما

وقد قال البكري من نفس البحر والقافية:

سقت رحمة الله الضريح وما ضما

وروت به هامًا وروت به عظمًا

يغز على العلياء أن يسكن الندى

ترابًا وأن نلقى به الحسب الضخما

وفيها يقول واصفًا خلال والده:

ص: 468

وكفان كانا كالفرات ودجلة

يريشان من خصا بجود ومن عما

وعلم هو اليم الذي قد تنورت

أواذيه الوراد فاستصغروا اليما

وبطش لمن عاداه تحسب أنه

شهاب هوى في إثر عفرية رجما

وصدر هو الدهناء في الأزم فسحة

وليلة سر عند إسرافه كتما

وقول عريق في الفصاحة لوغدت

تساجله عرب إذا أصبحوا عجمًا

وعدل هو العدل الذي قد قضى به

أبو حفص الفاروق في طيبة حكما

فهذا أبي من بيت تيم بن مرة

إلى نضد من هاشم يفرع النجما

وما ذاك في مديحه شعر

وإنما خلائقة در أجدت له نظمًا

هذا يقف وقفة على قبور آل الصديق يتذكر فيه أمجادهم، فتأسى نفسه لما أصابهم.

وإما تراءت هيلت النفس عندها

قشعريرة للهيب أو وجمت وجما

أهيل على مثل العوالي ترابها

ووارت لدى إطباقها الدين والعلما

على أن البكري أشعر ما تراه في مقطوعاته الصغيرة، وقد ضمنها بعض الحكم والأفكار الجديدة، والخطرات العارضة، فمن ذلك قوله في ظلم السادة للرعية، وفي هيبة الناس الملوك وخشيتهم إياهم مع أنهم هم الذين ملكوهم.

لا تتعجبوا للظلم يغشى أمة

فتنوء منه بفادح الأثقال

ظلم الرعية كالعقاب لجهلها

ألم المريض عقوبة الإهمال

وقوله في هذا الغرض كذلك:

والناس يخشون من بطش المليك به

وما له دونهم بأس ولا جاه

كصانع صنمًا يومًا على يده

وبعد ذلك يرجوه ويخشاه

فهو وإن نظر إلى قول المعري:

ص: 469

من المقام فلا أجاور أمة

أمرت بغير صلاحها أمراؤها

ظلموا الرعية واستباحوا كيدها

وعدوا مصالحها وهم جراؤها

إلا أنه جدد وابتكر وما أبدع قوله: "كصانع" في وصف علامة الرعية بمليكها ومن هذه الحكم قوله:

وفي وسعة المرء نيل العلا

وقد يمنع المرء ما يمنع

صغير من الأمر يلهيه

عن بلوغ العظائم أو يقطع

كعين تحيط بهذا الوجود

جميعًا ويحجبها إصبع

وفي هذا التشبيه براعة وتجديد، ومن قبيل هذا قوله في وصف شقيين:

شقيان في خلق واحد

تؤلف بينكما الزندقة

كشقي مقص تجمعتما

على غير شيء سوى التفرقة

وله في قصيدته التي سماها "ذات القوافي" خطرات بارعة مثل هذا الذي ذكرناه، حى يصل فيها إلى القمة فمن ذلك قوله متغزلًا:

نحلت فلو ذدتها ما خشيـ

ـت رقيبًا يراني فيمن يرى

ولو زرت مية في يقظة

لظنت بأني خيال سرى

يمر ولم أدر شهر فشهر

كأني في فلك لم يدر

وأتراح إما تمنيتها

ويا رب أمنية كالظفر

أسير ولا ارتضى بالعتاق

ومضنى وأجزع أن أبرأ

وإن سلمت خلتها ودعت

وأحسب مقتربي منتأى

ص: 470

إذا كنت وحدي أكون وإيا

ك أو خاليًا فاشتغالي بك

وأطلب المجد والمكرما

ت لتحسن لي شيمة عندك

ليحنو قلبك رفقًا علي

فالصخر بالماء تقد ينبجس

وصوني الوداد وفيه الذماء

فلن يورق العود إما يبس

وما أجمل قوله في ختام هذه القصيدة:

زمان إذا ما تذكرته

تخيلته حلمًا في الكرى

وعهد الشباب كرؤيا إذا

مضت أدركتها نفوس الورى

ومن هذه المقطوعات الصغيرة قوله في الشيب:

أشعرة بيضاء

أم أول خيط الكفن

أم تلك سهم مرسل

لا يتقي بالجبن

والزرع إن هاج فقد

حان الحصاد وأني

وقد قال ابن الرومي في هذا المعنى:

لم أخضب الشيب للغواني

لأبتغي عندها ودادًا

لكن خضابي على شبابي

لبست من بعده حدادًا

وقد علق الأستاذ العقاد على قول الشاعرين في الشيب بقوله: "كذلك الفرق بين خضاب الحداد، وأول خيط الكفن، فكلاهما مغالطة لا تعبر عن الواقع، ولكن وصف الخضاب بالحداد تهكم جائر من حيث لا يجوز أن يخطر ببال أن شعره الشيب الأولى خيط من خيوط الكفن لا على سبيل الجد، ولا على سبيل التهكم".

ولكن يخطر على البال أن الكفن أبيض اللون، وكذلك الشيب، وأن الشعرة الأولى إذا انضمت إليها شعرة أخرى، وأخذ شعر المرء في البياض دل ذلك عادة على شيخوخة وضعف، فإذا تم الشيب فكأنما تم نسج الكفن في انتظار المنية.

ص: 471

ومن قبيل هذا قوله:

وما أذن النوم لما أقاموا

صلاة الجنازة يوم الوفاة

وأذن للطفل يوم الولاد

فهذا الأذان لتلك الصلاة

وقد اقتفى فيهما أثر ابن الرومي عن قوله:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولد

وإلا فما يبكيه منها وإنها

لأرحب مما كان فيه وأرغد

وقد علق الأستاذ العقاد على هذه المعارضة بقوله: "إنه يعتسف أحيانًا ويهتدون، ومن أمثلة ذلك فيما تقدم قوله في أذان الولادة وصلاة الجنازة، وقول ابن الرومي في بكاء الوليد عند استهلاله، فإن بكاء الطفل وهو يخرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا مثل صادق من تصاريف الحياة، ومثل شائع بين جميع الناس، وأما النسبة بين أذان الولادة وصلاة الجنازة فهي مناسبة "موضوعة طارئة" لا توافق هذا المعنى المتصل بالمولد والممات، وهما أعم شيء وأعمقه في وجود الإنسان، وقد كان جائزًا أن يختلف الأمر فنصلي شكرًا للولادة تؤذن إعلانًا للوفاة، وقد جاز عند ملايين من الأحياء ألا تقام الشعيرتان، فالفرق بين معنى ابن الرومي ومعنى البكري هو الفرق بين المناسبة الموضوعة والمناسبة الصادقة التي لا يؤثر فيها اختلاف الشعائر والعادات والأقوام والأزمان"1.

هذا هو كل ما قاله البكري من الشعر، لا يزيد عن أربع قصائد وبعض مقطوعات وشذرات ضمنها آراءه العارضة وخطراته، وبهذا يصدق عليه قول مطران: بأنه لم تكن له جامعة تربط بين أجزاء شعره، وأنه كان مقلًا في هذا الشعرن وقد علل الأستاذ العقاد لهذه القلة بأن البكري كان يكتب كثيرًا، ولا ينظلم إلا عرضًا في أثناء الكتابة، أو في خاطره عابرة قلما يسترسل معها إلى الإطالة، فاتسعت له في النثر مجالات السليقة الشاعرة، ظهرت فيه لفتات الشاعر وأغراضه وخصائص ذوقه وفكره، ولعله لو أطال النظم كما أطال النثر لكثرت موضوعاته، وتساوت في هذه المزية قصائده ومقاماته، وربما كان البكري ممن يرون كما كان يرى الأقدمون "أن الشعر أسرى مروءة الدنى، وأدنى مروءة السرى"، وأن الانقطاع له والإكثار منه لا يجملان بصاحب المقام الديني والحسب

1 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص57- 58.

ص: 472

العريق، وليست الكتابة كذلك عند أصحاب هذا الرأي، ولا سيما الكتابة التي صاغ في قالب الرسائل بين الأكفاء ولا يطلع عليها القراء إلا إذا طالعهم بها أديب من محترفي الصناعة، ليتولى هو شرحها وتقديمها إلى الناس، كما جرى في كتاب صهاريج اللؤلؤ ديوان البكري الجامع لنخبة نثره وشعره1.

وفي الحق إن نثر البكري شعرًا لا ينقصه إلا الوزن، فكثير من موضوعاته التي يدبجها نثرًا، لا تصلح إلا للشعر، وقد استطاع -على الرغم من أنه قيد نفسه بالفخامة والجزالة، وتصيد الغريب، وإيراد الأمثال العربية القديمة، وبالعبارة المسجوعة- أن يقبس من سموات الخيال الشعري قبسات مشعة، وأن يمثل عصره أتم تمثيل في فكرته لا في عبارتهن وفي خياله لا في صياغته.

دعنا نستعرض نثر البكري لنتبين هذه الحقيقة فأول موضوعات صهاريج اللؤلؤ عن رحلته إلى القسطنطينية، وفيها وصف للسفينة والبحر والليل والقطار والبسفور، ونساء الأتراك ومتنزهات المدينة وهي كلها من الموضوعات التي يصح أن ينظم فيها شاعر حساس ذو خيال ووجدان، ولم يتعرض البكري لوصفها نثرًا إلا لأنه يملك هذه الحاسة الفنية، ويملك الخيال الذي يصور به مشاعره. ولعله لم يجد القدرة في الشعر حتى يؤثره بتسجيل خواطره، ولم يكن أمامه إلا البارودي وكان لا يزال في منفاه، ولم يضرب في كل ميادينه ولم يجمع شعره إلا بعد عودته من المنفى، ولعله برم بالشعر لتقيده بالوزن والقافية، فأثر العبارة المنثورة لتحمل خياله المجنح، وتتسع لوصفه البديع.

ولا يسعنا أن نأتي على كل موصوفاته، ولنتخير من وصفه للقسطنطينية قوله في وصف البحر "والبحر أونة كالزجاج الندى أو السيف الصدى، يلوح كالصفيحة المدحوة2 أو المرآة المجلوة، وحينا يضرب زخاره، ويموج مواره، فكأنما سيرت الجبال، وكأنما ترى قبابًا فوق أفيال، وكأن قبورًا في الين تحفر، وألوبة عليه تنشر، وكأن العد3 يمخض عن زبد، وكأن الدوى من جرجرة الأذى زئير الأسد وهزيم الرعد.

1 المصدر السابق ص7.

2 الدحوة: المبسوطة.

3 العد بالكسر: البحر، ويمخض: يحرك.

ص: 473

يكب الخلية ذات القلاع

وقد كاد جؤجؤها ينحطم1

فإذا كان الأصيل، وسرى النسيم العليل رأيت البحر كأنه مبرد، أو درع مسرد2 أو أنه ماوية3 تنظر السماء فيها وجهها بكرة وعشية، وكأنما كسر فيه الحلى، أو مزج بالرحيق القطريلي4 وكأنما هو قلائد العقيان، أو زجاجة المصور يؤلف عليها وصفًا دقيقًا جميلًا.

واستمع له كذلك يصف الليل وهو على ظهر السفينة، وماذا عسى أن يرى الناظر بالليل، والبحر أمامه ساكن أسود وستر الليل يحجب عنه الدنيا، والسفينة ماضية في طريقها، ولا تخشى ضيرًا، ولا تلوي على شيء، ولا تسمع إلا جرجرتها وهدير الأمواج من حول كأنها تتألم من وقع خطاها، ولكن الشاعر يرى ما لا يراه الناس، ويحس ما لا يحسنون، ويسبح خياله في عالم قل أن يدركوه إلا أن يحققه لهم في نثره الشعري، أو شعره القوي، قال البكري:

"حتى إذا أخضل5 الليل. وأرخى الذيل، بدا الهلال كأنه حنجر من ضياء يشق الظلماء، أو قلادة، أو سوار غادة، أو سوار لواه الضراب، والليل فيل وهو ناب، أو عرجون قديم، أو نون من خط ابن العديم6، أو برثن ضيغم، أو مخلب

1جؤجؤ السفينة: صدرها ومقدمتها، والخلية العظيمة.

2 المبرد: المثقب.

3 الماوية: المرآة.

4 القطريلى: منسوب إلى قطريل بلد بالعراق اشتهر بالخمر في القديم.

5 أخضل: أظلم، وأقبل طيب برده.

6 ابن العديم: هو كمال الدين عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي حرارة ولد في سنة 586هـ وكان محدثًا حافظًا مؤرخًا صادقًا، وفقيها مفتيًا، منشئًا بليغًا؛ وكان رأسًا في الخطب المنسوب ولا سيما النسخ والحواشي وله من المصنفات: تاريخ حلب، وكتاب الداري في ذكرى الدراري، وكتاب في الخط وعلومه وضروبه توفي سنة 666هـ.

ص: 474

قشعم1 أو ماء في أنبوب في روض، أو ثمد2، في أسفل حوض، أو وشى مرقوم أو دملج من فضة مفصوم، أو قلامة ظفر، أو صنار في شبك في بحر.

أيا ضوء الهلال لطفت جدًّا

كأنك في فم الدنيا ابتسام

يحبب لي سناك العشق حتى

يصاحبني وأصحبه الغرام

ثم إذا غاب الهلال، وتوارى في الحجال ألفيت الكون من السواد في لبوس حداد، وكأنما الماء سماء، وكأن السماء ماء، وكأن النجوم در تموج في بحر، أو ثقوب في قبة الديجور، يلوح منها النور، أو سكاك دلاص3، أو فلق رصاص، أو عيون جراد، أو جمر في رماد، أو الماء صفائح فضة بيضاء سمرن بمسامير صغار من نضار، فلا تفتأ السفينة تكابد الويل من البحر والليل، حتى يلوح من الأفق الضياء كابتسام الشفة اللمياء، فإذا السفينة كأنها سر كتمه الظلام وكشفه الضرام".

لقد أفتن البكري أيما افتتان في وصف الهلال في ظلمة الليل، ولم يدع تشبيهًا يخطر على البال، وقد لا يخطر على بال أحد إلا أتى به، وكذلك فعل في وصف النجوم، وقد أبدع في وصف النجوم حين عكس الماء صورتها بأن الماء صفيحة فضة سمرت بمسامير من ذهب، وهذا الوصف قيل لذاته لا يحمل إلا فكرة شعرية.

وللبكري غير هذا النوع من الوصف الذيب تردد في غير ما موضع من صهاريج اللؤلؤ موضوع اجتماعي جذاب هو "العزلة" وصف فيه مجتمعة ولم آثر العزلة؟ أبناء العزلة: وصف فيه الحاكم وغطرسته وجهله، واستعباده للمرءوسين، ووصف فيه أبناء الخاصة وزهوهم، وتبديدهم للمال الذي يجمعوه بالكد والكدح ولم يعرفوا مقداره، وصف أبناء العامة، وشقاءهم، وله فيه خطرات اشتراكية تدل على سعة أفق، وعلى نفس حساسة تتألم للبشر وللفقر الذي

1 القشعم: النسر الكبير.

2 الثمد: الماء القليل لا مادة له.

3 الدلاص: الدرع الملساء اللينة.

ص: 475

يرزح تحتهما الشعب المصري المسكين، وعلى ثورة نفسية على الوضاع السيئة في المجتمع المصري، ومالي أتكلم عن البكري وقد أبدع أيما إبداع فلأدعك وإياه. قال:"كتابي إلى السيد أيده الله وكلأه ورعاه، وأنال على بقري السواد، وريف البلاد، بعيد عن المدينة، وما فيها من الشينة والزينة، في عزلة عن الناس، بين سقى وغراس، سليم الجسم من السقم، والنفس من الألم، والحمية من الأنام كالحمية من الطعام، شفاء من كل داء، وخليق بمن أرطم، في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب".

وهذا لعمر الحق قول سديد، ورأى رشيد في العزلة، يدل على تبرم بالمجتمع، وهو فلسفة من يريد العافية بالعزلة.

ويقول واصفًا الريف: "ياما أحيلي الوحدة والريف، وذلك المشتى والمصيف، والجو السجسج1 والظل الوريف. فجر يلوح في الأفق، كالنور في الأعين الزرق، وضياء، ينبثق في الفضاء كما ينبثق الماء، وشمس تبدو للإشراق في الآفاق كبودقة فيها ذهب، أو قنبلة ترمى باللهب، فيرتفع جرس كل حيوان كممنون في الأوثان2"، ويقول في وصف النواعير:"ونواعير كأنها عشاق بعد فراق، لم يبق فيها غير ضلوع، وأنين ودموع، قد أوشم3 النبت حولها وطر، واستدار الحدج واخضر" وبعد أن وصف الريف وما فيه من ماشية وزروع، وأنهار وغدران، وما فيه من حر لافح في الصيف، وبرد قارس في الشتاء وما فيه من طعام مليء بالخيرات والدسم، إلخ ذكر أنه في عزلته هذه لا يصحب إلا العلماء والأدباء ذوي الألباب والأفهام منهم: أبو تمام، والحارث بن همام، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد، والمعري، ويقول:

ذريني وكتبي والرياض ووحدتي

أظل كوحشي بإحدى الأمالس4

يسوف أزهار الربيع تعلة

ويأمن من البيداء شر المجالس5

1 السجسج: الوقت الذي لا حر فيها ولا قر، وهو بين طلوع الشمس وطلوع الفجر، والوريف: المتسع الممتد.

2 ممنون: تمثال لبعض آلهة المصريين القدماء بجوار مدينة طيبة، وكان إذا أشرقت الشمس صاح صيحة واحدة، وربما كان ذلك حيلة من الكهنة.

3 أوشم: أبتدأ يلون. وطر: ظهر.

4 الأمالس: جمع أملس وهي الفلاة ليس بها نبات.

5 يسوف: يشتم.

ص: 476

يسأل صاحبه: لماذا يدعوه إلى هجر الريف. والحضور إلى المدينة: "أأفعل ذلك، وأقطع تلك المسالك رغبة في جوار حاكم ديوان، أو جوار صحبان وخلان، أو لمنافسة أبناء السامة، أو ملابسة هذه العامة".

ويأخذ بعد ذلك في الحديث عن كل واحد من هؤلاء: عن الحاكم وعن الأصحاب وعن أبناء الخاصة، وعن عامة الشعب.

"أما الحاكم فأكثر ما لقيت امرؤ إن أونس تكبَّر، وإن أوحش تكدضر، وإن قصد تخلف وإن ترك تكلف، إمع1، لا يضر، ولا ينفع، على شخص في مرسح التمثيل، فإن طرحت الألقاب، ونزعت هاتيك الثياب، ألفيت تحتها العجب العجاب.

أبا الأسماء والألقاب فيكم

ينال لا مجد والشرف اليفاع

لا عدة ولا عدد، ملك أقامه الله بلا رجال، كما رفع السماء بغير عمد:

ويقضي الأمر حين تغيب تيم

ولا يستأذنون وهم شهود

إلى تيه وخيلاء، وعنجهية وكبرياه، كأنه جاء برأس خاقان2، أو أدال دولة بني مروان".

وهذا وصف صادق للرؤساء والوزراء الحقيقيين، والمصريون دمى تحرك من وراء ستار؛ ولقد أدى إخفاق الثورة العرابية إلى فقدان المصريين الثقة بأنفسهم، وخضعوا لأوامر المحتل الغاصب، الذي نازع حاكم البلاد وأميرها سلطانه في شخص ممثلة بمصر اللورد كرومر، وكثير من هؤلاء الذين تولوا إدارة البلاد على عهد الإنجليز يصدق عليهم هذا الوصف، يظهرون هذا الصلف والكبرياء لمواطنيهم، تعويضًا عن الذلة

1 الإمع والإمعة: الرجل الذي يتبع كل أحد على رأيه ولا يثبت على شيء.

2 خاقان أحد رؤساء الترك خرج على الخلافة من ناحية باب الأبواب، وظهر على أرمينية وقتل الجراح بن عبد الله عامل هشام بن عبد الملك فبعث إليه هشام سعيد بن عمرو الحرشي، فأوقع سعيد بخاقان ففض جمعه وأخذ رأيه وبعث به إلى هشام فعظم أثره. وضرب به المثل.

ص: 477

والضراعة التي يظهرونها أمام المحتلين وعميدهم بمصر، ولم يدركوا التبعة الملقاة على عاتقهم، حتى أتى مصطفى كامل وزار زأرته، وصال صولته، وبرهن على أن هذا المحتل أدنى من أن يهابه الوطني الحر الجريء، وظل أمر هؤلاء الذين طبعهم الإنجليز بطابعهم على ما هو عليه إلى أن ماتوا، ولا تزال منهم بقية في دواوين الحكومة حتى اليوم تضرب المثل على صدق هذا الوصف الذي سطره توفيق البكري.

ويقول عن أبناء الخاصة في مصر، وهم الطبقة التي تقتني العقار والضياع وتبدد الأموال ذات اليمين وذات اليسار من غير أن تؤدي للدولة عملًا، ويعيثون في البلاد فسادًا.

"وأما أبناء السامة1. فإن أحدهم غادة ينقصها الحجاب، وينظر في مرآة ولا ينظر في كتاب، وإنما هو لباس على غير ناس، كما تضع الباعة مبهرج الثياب على الأخشاب.

وهل ينفع الوشى الشحيب مضللًا

وإن ذكرت في القوم قيمته خزي2

رماد تخلف عن نار، وحوض شرب أوله، ولم يبق منه غير أكدار، آباه وأحساب وحال كشجر الشلجم3 أحسن ما فيه ما كان تحت التراب "ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل" إلى رطانة بالعجمة بين الأعراب "أبرد من استعمال النحو في الحساب""لو كان ذا حيلة لتحول"، "وهل عند رسم دارس من معول".

وقح تواصوا بترك البر بينهم

تقول: ذا شرهم بل ذاك بل هذا

ميسر يلعب، ومال يسلب، وخدن يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفح: وفرس يضبح4.

1 السامة: الخاصة من الناس.

2 السحيب: المسحوب.

3 الشلجم: اللفت ويريد أن آباءهم الذين وأراهم التراب أحسن منهم.

4 الضبح: صوت أنفاس الخيل عند عدوها.

ص: 478

أبا جعفر ليس فضل الفتى

إذا راح في فضل إعجابه

ولا في فراهة بِرْذَوْنه

ولا في نظافة أثوابه1

أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، إن المال وسيلة لا غاية، فإن أصبت منه الكفاية، فقد بلغت النهاية".

وهذا لعمري وصف خالد لهؤلاء الفتيان الذين ورثوا المال الجم عن آبائهم، فلم يعرفوا في جمعه عناء ولا رهقًا، ولم يأبهوا للمجد يشيدونه أو للفخر يحرزونه، وإنما همهم التطري والزينة وعقولهم هواء، وأفئدتهم خاوية إلا من الشر، فهم رماد تخلف عن نار ومثلهم كشجر الشلجم أحسن ما فيه ما كان تحب التراب، وكثيرًا ما نراهم حتى اليوم يباهون برطانة أعجمية، ويتنكرون للغتهم القومية، ولكنهم والحق يقال عاجزون عن الإفصاح وعن العمل، وليس في مقدورهم أن يغيروا من حالهم، يجتمعون للفساد، ويفترقون على ميعاد لا تعرف أيهم أسوأ نفسًا، يقتلون الوقت في لعب الميسر، وفي سلب أموال الفلاحين الكادحين، ولقد صورهم أحسن صورة في قوله:"خدع يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفح، وفرس يضبح" هذا هو كل ما يشغلهم في الحياة، فقد ظل عالة على المجتمع، ومن الأسف أنه على الرغم من تقدم الأمة خطوات واسعة في سبيل المساواة الاجتماعية بانتشار التعليم، وبتغير الأفكار، ووجود الأنظمة الديمقراطية، فقد ظل نفر كبير من أبناء الخاصة لا يدركون خطورة حالهم، وأنهم يفتنون الفقراء باستهتارهم، يستمطرون على أنفسهم اللعنات بتبذلهم وقحتهم وتبذيرهم المال في غير ما شرع له إلى أن قضت عليهم الثورة.

ثم أرأيت هذه النظرة السامية "المال وسيلة لا غاية فإن أصبت منه الكفاية فقد بلغت النهاية"، ولكن أنى لهؤلاء أن يدركوا هذه الحقيقة، إنهم ينعمون، ويدعون سواهم من أفراد الشعب يتصورون من الجوع، ويموتون من الألم والمرض.

1 البرذون: البغل.

ص: 479

إن البكري في هذا تأثر على أوضاع شاذة في مصر، مع أنه من أبناء الخاصة الذين شبوا في حضن النعيم، ولكنه كان ذا نظرة ثاقبة وفكر رشيد، وقلب رحيم، وعقل حكيم، ولعله رأي في رحلاته إلى أوربا مبلغ ما وصل إليه الناس من المساواة، وأن أبناء الخاصة يعملون لنفع أمتهم كما يعمل أبناء العامة، وربما كانت آراؤه هذه هي التي تأذى منها "عباس" فنظرته إلى الحكام، وإلى أبناء الخاصة، وآراؤه الاشتراكية لم يكن يرضى عنها عباس، وهو الذي اشتهر بحبه لجمع المال، وبعداوته للنظم الديمقراطية وحرم الأمة مجلسًا نيابيًّا صحيحًا.

ثم استمع إليه كيف يصور أبناء العامة، ويصف شقاءهم وتعاستهم، والتفاوت العظيم بينهم وبين أبناء الخاصة الذين وصفهم من قبل.

"وأما العامة أيدك الله فهم عظم على وضم، وصيد في غير حرم، سيد مأسور، والإخشيد في يد كافور، ويتيم غني في يد وصي.

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا

ولكنه غيظ الأسير على القد1

وأرى رجالًا لا تحوط رعية

فعلام تؤخذ جزية ومكوس

ظلموا الرعية واستجازوا كيدها

وعدوا مصالحها وهم أجراؤها

فبينما ترى قصورًا وثراء، وحبورًا، وسراء وعربات تترى، يعدو أمامها السليك الشنفري2. ويقودها داحس والغبراء3 على بساط الغبراء، وخراج قرية أو قريتين يذهب في لهو ليلة أو ليلتين، تجد أرملة صناعًا، وأيتامًا جياعًا، وشيخًا يعمل وهو في أرذل العمر، يقعده العجز، ويقيمه الفقر، أو عذراء كانت تبيع عرضها للاحتياج، أو مريضًا عاجزًا عن العلاج، وبينما ترى وذاحًا4 في جيدها عقد، كأنه فرود حضار5، وفي أخمصها نعل في نضار، ترى بائسة في عنقها عقد من دموع، وفي بيتها فقر وجوع، حال تطرف العيون وتثير الشجون".

إن هذه آراء متقدمة على زمانة ولا سيما في مصر، وإذا كان جمال الدين قد نبه المصريين إلى المطالبة بالشورى، فإنه لم يعن العناية الكافية بالإصلاح الاجتماعي على الرغم من صيحته المدوية للمصريين بأنهم نشئوا في الاستعباد،

1 الفد: السير من جلد مدبوغ.

2 السليك والشنفري: من العرب العدائين.

3 داحس والغبراء: جوادان قامن بسبب سباقهما حربي طويلة بين عبس وذبيان في الجاهلية.

4 الوذاح: الفاجرة.

5 فرود حضار: كواكب، وحضار اسم كوكب يشبه بسهيل قال الشاعر:

أرى نار ليلى بالعقيق كأنها

حضار إذا ما أعرضت وقودها

ص: 480

وربوا في حجر الاستبداد، وعلى الرغم من تحريضه لهم على الثورة1؛ لأن غايته كانت سياسية، وإن كان بعض تلاميذه قد تأثر بدعوته إلى الإصلاح الاجتماعي، مثل عبد الله نديم، ونادى في جرتدته "التنكيت والتبكيت" بإصلاح المفاسد الاجتماعية، ولكن آراءه لم تبلغ في جرأتها، وتقدمها نحو المساواة الحقيقية بين طبقات الأمة مثل آراء توفيق البكري، وإن لم يكن لها الصدى الذي تستحقه؛ لأن الأسلوب الذي صيغت فيه يعلو على مستوى أبناء الخاصة وجمهور العامة في ذياك الوقت.

لقد ابتدأ حديثه عن العامة بتقريره أنهم أصحاب السلطان الحقيقي وأنهم أشبه بسيد مأسور والإخشيد في يد كافور، فالإخشيد هو الملك الشرعي وكافور هو الملك الفعلي، وأنهم أشبه بيتيم غني في يد وصي يستبيح ماله وينهب حقوقه من غير أن يراعي في هذه الحقوق إلا أو ذمة، ويصور هذا الغيظ الذي يضطرم في نفوس العامة من الشعب، ولكنه أشبه بغيظ الأسير المغلول اليد، لا يستطيع إلا أن يغتاظ من غير أن يحطم قيده، ثم يبدى رأيًّا جريئًا، تنادى بها الشعوب الحية اليوم: إذا كان حكام الأمة لا يولونها عناية أو رعاية فعلام يدفع الناس الجزية والضرائب؟ إنه تمرد على الظلم، وحث على الإصلاح، ثم يقتبس بيت أبي العلاء المعري الذي يقرر فيه أن الحكام هم أجراء لدى الأمة، ومع ذلك يظلمونها وهذا أعجب العجب.

ويعقد موازنة بين هذه الفئة القليلة من الأغنياء التي تبعثر على موائد الفساد ما جمع هؤلاء المساكين في حمارة القيظ وصبارة الشتاء، وهم يبيتون على الطوى، وأبناؤهم يتضاغون من المسغبة والفاقة، ويتضورون من الجوع والعري، ويتلوون من السقام والأوصاب وله في غير هذا الموضع بيتان صور فيهما العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر:

حمق الألى يحكمون الناس يضحكني

وسوء فعلهم في الناس يبكيني

ما الذئب قد عاث بين الضأن أفتك من

هذي الولاة بهاتيك المساكين

1 انظر الأدب الحديث ج1 ص243 ط سابعة.

ص: 481

إنه صور الآفات الاجتماعية التي تفتك بهذه الأمة المسكينة وهي الفقر والجهل والمرض، وعرض في إيجاز أدبي مشكلة التشرد والبؤس، ووازن بين الفقيرة الكادحة في سبيل العيش والفاجر التي تتحلى بالدر، وتنتعل الذهب، وذكر أن هذه حال تطرف العيون وتثير الشجون.

ويطول بنا المقام لو تتبعنا البكري في كل موضوعاته الطلية، وأوصافه المبتكرة، ولكنا نرى أنه حقًّا شاعر في نثره، لولا أنه كان متزمتًا، مؤثرًا للغريب وإيراد الأمثلة القديمة، والإشارات التاريخية والأدبية، ولو لم يتكلف السجع، ويتنكر للطبع لكان البكري في مقدمة أدباء جيله، وقد علق الأستاذ العقاد على نثر البكري بقوله:"وفي هذه الفقرات وفي أمثالها من نثره المجود موضوعات شعر، ولفتات شاعر، ولكن الصدمة أفسدت الطبيعة، والمحفوظ جنى على الملحوظ، أَوْلَكَ أن تقول إنك تلمح هنا مجس شاعر يضرب مواضع الماء في الأرض، ولكنه يقف عند حجارة من التقليد، ولا ينفذ بعدها إلى النبع المخبوء على مدى أصبعين من مجسه":

ويقول عن أدبه شعره ونثره: "وأحسب أن القارئ قد تبين أن الشعر عن البكري كان مسألة إحساس مرهف وشاعرية مطبوعة، وقد تقصر هذه الشاعرية فلا توفى على الغاية، أو تطفو فلا تتغلغل إلى الأعماق بيد أنها من معدن الفن ولبابه. إن القديم كان يستولي من البكري على جانب التعليم والقصد والتكلف والصناعة فيه، وإن الحديث كان يستولي منه على الإحساس والسجية وما يصدر عن النفس بلا كلفة ولا إرادة"1.

1 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص15.

ص: 482