الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3-
الفصل الثالث: النقد الأدبي
لقد خطا البارودي بالشعر خطوة قوية عظيمة كما عرفت، أعاد للشعر ديباجته المشرقة، ومتانته الرائقة، ورجع به إلى عصر ازدهاره أيام العباسيين، وسار على نمطهم في موضوعه، وقالبه، ومعانيه، وحذا حذو البارودي الشعراء الذين أتوا بعده، وكان تأثيره فيهم جليلًا قويًّا؛ لأنه شاعر معاصر، ضرب لهم مثلًا صادقًا فيكيف يكونون شعراء بحفظهم من جيد الأدب القديم، ثم معارضته وتقليده، ثم الاستقلال عنه وظهور شخصيتهم؛ ولم يعد أحد منهم تساوره نفسه لتقليد شعراء الضعف أيام المماليك والعثمانيين، والاهتمام بالمحسنات والحلى والزخارف، إلا من باب رياضة القريحة، أو العجز عن التخلص من تقاليد الشعر البالي كما فعل إسماعيل صبري لأول عهده بقرض الشعر، فكان يجيد التاريخ الشعري، ويهتم بعض الاهتمام بالمحسنات، إلى أن استطاع الوقوف وحده، فهجر ذلك كله1.
وقد ظهرت طائفة من الأدباء والملمين بأصول اللغة العربية، وعلومها في أخريات القرن الماضي حاولوا تجديد النقد الأدبي كما عرفه القدماء، وتطبيق النظريات العربية في النقد كما عرفها نقاد العصر العباسي على الشعر الحديث.
وأول من خطا خطوة جدية في هذا الباب هو الشيخ حسين المرصفي صاحب "الوسيلة الأدبية"، وقد عرض علوم العربية عرضًا جديدًا بأسلوب جديد وبخاصة علوم البلاغة مبينًا منزلة كل منها في نقد الكلام.
ولم يكتف بهذا بل حاول التطبيق النقدي، وصح كثيرًا مما أخطأ فيه القدماء، وكان له ذوق مرهف لمعرفة مواطن الحسن في الكلام، ويبدأ نقده بتفسير الكلمات اللغوية حتى يتضح المعنى ولا يجعل من النحو والبلاغة غاية في النقد وإنما هي عنده وسيلة لمعرفة الصور وجلائها وإيضاح مكامن البلاغة في
1 راجع مقدمة ديوان صبري للدكتور طه حسين، والأستاذ أحمد أمين.
القول، ولذلك نراه ينتقد معاصريه، والسابقين عليه في طريقة دراستهم للبلاغة وفهمهم لمقصدها، فلا ينبغي لهم الاقتصار على قولهم:"كذا يشبه كذا كذا أو استعار كذا ولكذا"، وإنما يجب على الناقد. أن يقف القارئ على مواطن الحسن في العبارة.
ومن أمثلة نقده كلامه على قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم} ، الختم: الطبع، ويدل على تشبيه القلوب بصناديق مثلًا، ففي الكلام استعارة مكنية وقرينتها لفظ ختم، فيفيد الكلام أنه بمنزلة الجمادات بحيث أنها لو كان فيها شيء لم تكن منتفعة به، وقد جعلت بحيث لا يمكن أن يدخل فيها شيء، فلا يطمع طامع في إيمانهم.
وعنده أنه ليس كل كلام تحققت فيه أركان قسم من أقسام فنون البلاغة يعد بليغًا فيقول: ليس كل ما فيه الكاف أو كأن يعد في نظر أهل صناعة الكلام العارفين بها، الواقفين على أسرارها، والملتفتين إلى دقائقها -تشبيهًا، وإنما التشبيه ما جلت فائدته وحسن موقعه من عرضه. وإن أحسن التشبيه والاستعارة ما وقع موقعه من غرض تصوير حال المشبه أو المستعار له، والإبانة عنها بجزيل العبارة ولطف السياق بحيث لا يكون قصد المتكلم إلى مجرد التشبيه والاستعارة كما هو كثير من كلام المولدين1.
ويورد المرصفي نماذج عدة من الكلام البليغ، ويبين مواطن البلاغة فيها، ولم يقتصر في أمثلته على عصر، وإنما أورد نماذج تبين مختلف العصور والتطور البلاغي محللًا بعضها تحليلًا دقيقًا. وهو يعتمد في كثير من الأحيان على ذوقه، وتمرسه بأساليب العرب الأقدمين. وحفظه للجيد من كلامهم؛ ولذلك كان معجبًا بالبارودي لأنه لم يتلق علوم العربية على مدرس، وإنما اكتسب الملكة البيانية من حفظه للجيد من النثر والشعر في عصورهما الذهبية، ولكن اعتماد المرصفي على ذوقه لم ينسه القواعد والأصول لعلوم العربية، وإذا خرج الأديب
1 الوصيلة الأدبية ج2 ص17، 24.
على الأصول خرج من ميدان اللغة العربية أصلًا؛ لأن الوقوف على ما تعارف عليه العرب شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه ما دام المراد هو التكلم بلغتهم.
ولم يكتف المرصفي بالتجديد في النظرة إلى علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة، وبيان الغاية منها، ولكنه تكلم عن "كتابة الإنشاء أو صناعة الترسل"، وكذلك ما سماه "صناعة الشعر" واتبع في معالجتها ما أتبعه في معالجة البلاغة من الاعتماد على الذوق والمعرفة معًا.
ومقياس الجودة عنده: "صحة المعنى وشرفه، وتخير الألفاظ في أنفسها، ومن جهة تجاورها، وموافقتها للمقام، وإجادة التركيب على ما شرح في علم المعاني وغيره، بحيث تكون الألفاظ سلسلة في النطق خالية من التنافر وشدة الغرابة، يألف بعضها بعضًا: حتى تكون الكلمات المتوالية بمنزلة كلمة واحدة، وتكون الألفاظ التي توردها في مقام الحماسة ليست كالألفاظ التي توردها في مقام الغزل والتشبيب، فلكل فن من تلك الفنون ألفاظ توافقه من جهة شدتها ولينها تسمعهم يقولون: الجزل الرقيق1".
وجاء بعد المرصفي جماعة ساروا على نهجه في الإفادة من العلوم في فهم النص وشرحه ونقده على طريقة القدماء، منهم الشيخ حمزة فتح الله في "المواهب الفتحية" مع زيادة اهتمام بالنحو واللغة، ومنهم الشيخ المهدي وحفني ناصف في دروسهما بالجامعة المصرية القديمة مع اهتمام أولهما بتاريخ الأدب وثانيهما بدراسة النصوص الأدبية على الطريقة القديمة.
وقد اشتهر من النقاد الذين سلكوا مسلك السلف في النظرة إلى الشعر وطبقوا قواعد البلاغة القديمة في النقد: إبراهيم المويلحي، ولم يروجوا في نقدم لمذاهب جديدة في الأدب، أو ينموا على تأثر بتيارات الأدب الغربي وإنما ينظرون إلى اللفظ من حيث جودته وصحته وعدم تعاضل حروفه وانسجامه مع غيره وأدائه للمعنى، وينظرون إلى المعنى من حيث الإحالة والتعسف والخطأ والوهم
1 الوسيلة الأدبية ج2 ص463.
وما شاكل ذلك مما كان مألوفًا في النقد والمقاييس البلاغية المعروفة عند العرب.
ومن أمثلة هذا نقد محمد المويلحي لديوان شوقي ومنه نقده المشهور:
خدعوها بقولهم حسناء
…
والغواني يغرهن النثاء
"فقوله: خدعوها يفهم منه أن المشبب بها غير حسناء؛ لأن الخداع لا يكون بالحقيقة، وإذا أردت أن تخدع الشوهاء فقل لها حسناء وهو ينافي قوله في البيت الثاني:
ما تراها تناسب اسمي لما
…
كثر في غرامها الأسماء
وخدعوها بمعنى حتلوها وأرادوا بها المكروه من حيث لا تعلمه".
وقد جرى على هذا النهج كل النقاد حتى أولئك الذين نادوا بالتجديد في الأدب، ودعوا إلى بعض المذاهب الغربية، كانوا في النقد التطبيقي ينظرون إلى البيت الشعري في كثير من الأحيان بمقاييس البلاغة القديمة ترى ذلك عند الرافعي في نقده لشوقي، والعقاد وطه حسين في نقدهما لحافظ وشوقي، والعقاد في نقده للرافعي، والمازني في نقده لشكري، وإن كان للمجددين نظرات أخرى في القصيدة كلها من حيث بنائها ووحدتها وموضوعها وما بها من عاطفة وخيال كما سيأتي.
وكأني بهذه المدرسة المحافظة التقليدية الجديدة كانت تشعر بزحمة التيار الغربي وقوته، وأنه يحاول أن يعطي للشعر مفهومًا جديدًا ويحول مجراه القديم إلى مجرى آخر، فراح كل شاعر يقدم ديوانه بمقدمة يعرف فيها الشعر ويضع أسسه وأركانه وشروطه التي يصح بها، وهي تعاريف فيها شيء من الجدة والطرافة والخروج عن مفهوم الشعر في عصور الضعف والانحلال، ومحاولة الأخذ من الآراء الجديدة في الشعر كما عرفه الغربيون بالقدر الذي يتفق مع حقيقة الشعر ورسالته كما عرفه العرب وهم في عنفوان مجدهم.
وكأن أول من سن هذه السنة في العصر الحديث "البارودي"، وقد أتينا في الجزء الأول من هذا الكتاب على تعريفه للشعر وظهر لنا من مناقشته أنه لم يخرج به عن مفهوم العرب له.
وهاك بعضًا من هذه التعريفات التي ظهرت في هذه الحقبة القلقة، في أخريات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، قبل أن يشتد التيار الغربي، وتظهر المدارس الجديدة المتأثرة به.
من ذلك تعريف الأمير شكيب أرسلان للشعر، وشكيب أرسلان شاعر تقليدي على الرغم من إجادته الفرنسية وقراءته بها، وقد حاول أن يوائم بين القديم والنزعات التجديدية حيث يقول:
"إن الشعر قوة روحية يفيضها الله على من يشاء من عباده فتحلق بالشاعر تحليق الأجنحة بالطائر، فيرى الطبيعة في أفخم مشاهدها، وأشمخ شرفاتها، وأبقى مجاليها وأشجى أصواته، وأذكى أعرافها".
فهو يرى الشعر ابن الخيال، والطبيعة مصدر الإلهام، كما يرى أن الشعر الحق لا بد من أن يصدر عن انفعال نفسي يعتلج في صدر الشاعر ويدفعه إلى القول وتخير سنى الكلام للتعبير عن هذه المشاعر القوية.
"وإذا تغلغل الشاعر في أنحاء النفس وأنحاء القلب، وهام في أودية الانفعال أخذ يؤدي من هناك ما يلقيه إليه مضاعفًا: هوى ملح وشوق هاف وحب شاغف، وتمن واصب، وتوسل هالع، ورغبة ورهبة، وإيمان كإيمان العجائز، ثم آب من أودية إحساساته وأعطاف فراساته مفضيًا بذلك إلى سامعيه -أشجى وأصبى، وأرقص وأبكى".
وهو يقول بعد تأكيده منزلة العاطفة في الشعر حتى يأتي صادقًا طبيعيًّا لا وليد التكلف والصنعة بأن الشاعر في حل إذا بالغ وصور الطبيعة أبهى مما هي وأجمل مما هي. ويؤكد كذلك قيمة الفكرة في الشعر، وبذلك يستوفي أركانه وشروطه.
"فالشعر إذن مظهر المرء في أسمى خواطر فكره، وأقصى عواطف قلبه، وأبعد مرامي إدراكه، والشعر هو رؤية الإنسان الطبيعية بمرآة طبعه، فهو شعور عام، وحس مستغرق يأخذ المرء بكليته ويتناوله بجميع خصائصه. حتى يروح
نشوان خمرته وأسير رايته ويريه الأشياء أضعافًا مضاعفة، ويصورها بألوان ساطعة وحلى مؤثرة تفوق الحقائق، وربما أزرت بها، وصرفت النفس عن النظر إليها، فهو أحيانًا أحسن من الحسن وأجمل من الجمال، وأشجع من الشجاعة، وأعف من العفاف، وإن الظبي في قصيدة غير الظبي في فلاة، بل غير الظبي في ملاءة، وإن الأسد في منظومه غير الأسد في مفازة، وذلك حيث كان الشعر كلامًا يلقى بلسان الإحساس، ونطقًا ينزل عن وحي المخيلة، وأوصافًا يفضي بها الشوق، وإنما كانت المبالغة زيادة على الحقيقة لتمكن السامع من الوصول إلى مقدار الحق، والحرص على ألا ينقطع منه قسم على طريق الإلقاء، وفي أثناء الانتقال، فكأن هذه الزيادة جعلت لتملأ الفراغ الواقع بين المدرك والمدرك حتى لا يصل إلى الذهن إلا كاملًا بكل قوته، ولا يحل في العقل إلا بجميع حاشيته1.
ومع أن هذا التعريف وصل إلى درجة كبيرة في فهم حقيقة الشعر وشروطه التي تهيئ له الصحة والجودة، إلا أنه سار في الإطار الذي وضعه العرب للشعر الغنائي مع نظرة جديدة أطلت على الشعر الغربي من بعيد.
وهاك رأيًّا لأتديب ذواقة، اشتهر بالنثر والشعر معًا، وإن كان قد احتل في النثر الحديث منزلة الرائد إلى أسلوب جديد، وهو وإن لم ينل حظًا من الثقافات الأجنبية بيد أنه لسلامة طبعه وأصالة ذوقه، ورقة حسه، وكثرة إطلاعه على ما ترجم استطاع أن يقرب إلى حد كبير من التعريف الصحيح للشعر، ذلك هو المنفلوطي.
فهو يرى أولًا أن الشعر فمن من الفنون الجميلة يجب أن يأتي وليد الطبع والشعور2: "وهل الشعر إلا نثارة من الدر وينظمها الناظم إن شاء شعرًا. وينثرها الناثر إن شاء نثرًا أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، أو عالم من عوالم الخيال يطير بقادمتين من عروض وقافية، أو خافيتين من فقر وأسجاع".
ويجهر المنفلوطي برأي جديد في الوزن والقافية وأنهما لا يمتان إلى جوهر الشعر إلا بمقدار ما ينتمي الصبغ واللوم إلى النسيج، وأن الغناء والحداء هو الذي أوحى بهما أول الأمر ولكن:
1 مختارات المنفلوطي من ص121- 224.
2 المصدر السابق ص51.
"الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره، ولا علاقة بينهما وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول ويتغنى بما يردد ترويحًا عن نفسه، وتطريبًا لعاطفته ما نظم ناظم شعرًا، ولا روى عروضي بحرًا.
الشعر أمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلي في جيد الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغائية لا يحزنها عطل جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون".
وهذا رأي في غاية الجرأة من جهة محافظة لم يقل به حتى أولئك الذين ينادون اليوم بالشعر الحر، فإنهم يحرصون على وجود نوع من النغم ممثلًا في "التفعلية". ولعل المنفلوطي الكاتب العاطفي الذي اشتهر أول أمره بالشعر، ثم عدل عنه إلى النثر الفني حين وجده أضيق من أن يتسع لأفكاره وعواطفه، يريد أن يعد بنثره في زمرة الشعراء ولو لم يأت بالموزون المقفى. فالنغم شرط أساس في الشعر لا يسمى شعرًا إلا به، وهو صناعة دقيقة يظهر فيها الخلل اليسير، ولا يتحمل السخف والهذر.
ولعل المنفلوطي كذلك كان يظهر إلى هؤلاء النظامين الذين لا يعرفون ماهية الشعر وجوهره، ويأتون بالغث من الكلام، وهو وإن كان منظومًا إلا أنه خال من كل أركان الشعر، عار عن شروطه، وأصوله، فلا عاطفة ولا يخال ولا سمو تعبير، والصلة بين الشعر والوزن هي التي جعلت بعض الناس يدخلون في باب الشعر كل منظوم وإن خلا من سمات الشعر الأصيلة فيقول المنفلوطي: "تلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعًا رداء واحدًا لا يستطيع معه التمييز بينها إلا لقليل من الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتًا، ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر
على قصيدة"، ويجمل المنفلوطي بعد ذلك رأيه في الشعر وتعريفه محددًا شروطه ومعالمه بقوله: "وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن القاعدة المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله، ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرًا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه، ويطرب لطربه ويطير معه في الفضاء الواسع من الخيال فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها وشموسها وأقمارها ورياضتها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدمًا".
وهو بهذا قد فطن إلى أن الغاية من الأدب هي نقل الأثر الذي يحسه الأديب إلى السامع أو القارئ ومشاركته في أحاسيسه كأنه مع وعانى تجربته.
ولا شك أن هذه لمحات جيدة من هؤلاء الأدباء كان لها أثرها الفعال في القضاء على أدعياء الشعر، وفي دفعة نحو القوة والجزالة والصدق، ولكنهم لم يخرجوا عن دائرة الشعر العربي القديم في أغراضه وفي موضوعاته، ولم يأتوا بنظريات جديدة، وإن قاموا بعرض القديم عرضًا طريفًا يتناسب مع الثقافة المعاصرة لهم وانتشار التراجم العربية بين أيديهم.
ولا يخرج عن مثل هذه النظرة ما قاله إبراهيم المويلحي في تعريفه للشعر وبيان جوهر1، وسنعرض لرأي الرافعي في الشعر عند الكلام عنه في هذا الفصل إن شاء الله.
ولكن ثمة عوامل كثيرة دعت الشعراء الذين ساروا على نهج الشعر العربي القديم في أغراضه، وفي نظام القصيدة وفي المعاني، والأخيلة، أن يسلكوا بالشعر طريقًا جديدة. ولقد بينا فيما سبق بعض هذه العوامل، من تأثر بالثقافة الأجنبية ثم تأثر بالنهضة القومية.
1 مختارات المنفلوطي ص203.
ومن العوامل القوية ذات الأثر الفعال في توجيه الشعر: النقد الأدبي الحديث وإلحاج النقاد المتواصل في أن يعدل الشعراء عن المنهج القديم، ويجعلوا شعرهم مناسبًا لبيئتهم وزمانهم، وأن يجددوا فيه بما يناسب الحضارة التي ينعمون بها، ويرون آثارها في الأفكار والحياة المدنية، وقد قسوا أحيانًا في نقدهم الشعراء علهم يتفرون من طريقتهم الأولى، وإن لم يخل بعض نقدهم من أغراض خاصة، وحزازات شخصية وتحامل، ولكنه كان في جملته موجهًا للشعر الحديث توجيهًا جديدًا.
ومن بواكير ذلك النقد الأدبي ما سطره أحمد فارس الشدياق عن نفسه حينما مدح أحمد باشا وإلى تونس بقصيدة ابتداها بالنسيب على عادة العرب، وترجمها مسيو "دوكان"، ودهش الفرنسيون، من بدئها بذكر المرأة، واستطرد الشدياق في تبيان الفرق بين الشعر الغربي والشعر العربي على نحو ما فصلناه في الجزء الأول1. ولكن الشعراء لم يلتفتوا إلى هذا النقد وهذا التوجيه لأنه كان سابقًا لزمنه ولم تتهيأ العقول بعد لتعمل به، وظل كثير منهم في العقد الأخير من القرن التاسع عشر يوالي قرض الشعر بأغراضه القديم، ومعانيه المستقاة من الأدب العربي القديم، وبنفس الأسلوب الذي اختطه شعراء الجاهلية، وإن أثارت الأغراض القومية الشعراء، ونظموا في الشعر السياسي، وتبيان مآسي الشعب وآلامه، وآماله؛ بيد أنهم لم يقلعوا جملة عن المديح والرثاء في مختلف المناسبات.
ويوجه أحد رجالات السياسة، وزعماء الوطنية نقدًا لبعض الشعراء الذي كان يسمعه في ذلك الوقت، وذلك السياسي، وهو المرحوم محمد فريد "بك" في المقدمة التي كتبها لديوان "وطنيتي" الذي نظمه الأستاذ على القاياتي، وحبس من أجلها ستة أشهر، كما حبس الشيخ جاويش ثلاثة أشهر لأنه كتب مقدمة أخرى لهذا الديوان، وتلك المقدمة التي كتبها محمد فريد فيها توجيه سديد للشعر نحو
1 راجع في الأدب الحديث الجزء الأول 84- 85 طـ سابقة.
الأغراض القومية، وقد قال فيها: "الشعر من أفعل المؤثرات في إيقاظ الأمم من سباتها وبث روح الحياة فيها، كما أنه من المشجعات على القتال، وبث حب الإقدام والمخاطرة بالنفس في الحروب، ولذلك نجد الأشعار الحماسية من قديم الزمان شائعة لدى العرب وغيرهم من الأمم المجيدة كالرومان واليونان وغيرهم.
وليس من ينكر أن الأنشود الفرنسية التي أنشأها الضابط الفرنسي "روجيه دي ليل" وسميت المارسيليز كانت أقوى أسباب انتصار فرنسا على ملوك أوربا، الذين تألبوا عليها لإخماد روح الحرية في مبدأ ظهورها.
لذلك كتب الكثيرون منا كثيرًا في ضرورة وضع القصائد، والأغاني الوطنية ليحفظها الصغار، ويتغنوا بها في أوقات فراغهم، ولينشدوها في ساعات لعبهم، بدل هذه الأغاني والأناشيد التي يرددها الأطفال في الأزقة خصوصًا في ليالي رمضان المبارك، كما كتبوا في لزوم تغيير الأغاني التي تنشد في الأفراح، وكلها دائرة حول نقطة واحدة هي الغرام ووصف المحبوب بأوصاف ما أنزل الله بها من سلطان.
لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد سواء في الغرب أو في الشرق إماتة الشعر الحماسي، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح على وضع قصائد المدح البارد، والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء، وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس، ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال كما كان من نتائج هذا الاستبداد خول خطب المساجد من كل فائدة تعود على المستمع، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا، والحض على الكسل، وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل.
تنبهت لذلك الأمم المغلوبة على أمرها، فجعلت من أول مبادئها وضع القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية باللغة الفصحى للطبقة المتعلمة، وباللغة العامية لطبقات الزراع والصناع. وسواهم من العمال غير المتعلمين، فكان ذلك من أكبر العوامل على بث روح الوطنية بين جميع الطبقات، ويسرني أن هذه النهضة المباركة سرت في بلادنا فترك أغلب الشعراء نظم قصائد المديح للأمراء
والحكام، وصرفوا همهم، واستعملوا مواهبهم في وضع الأشعار الوطنية وإرسالها في وصف الشئون السياسية التي تشغل الرأي العام، وقد لاحت "وطنيتي" في طليعة هذه النهضة الميمونة.
ومما يزيد سروري أن شعراء الأرياف وضعوا عدة أناشيد وأغانٍ في مأساة "دنشواي" وما نشأ عنها. وفي المرحوم مصطفى باشا كامل، ومجهوداته الوطنية، وفي موضوع قناة السويس، وأخذوا ينشدونها في سمرهم وأفراحهم على آلاتهم الموسيقية البسيطة، وهي حركة مباركة إن شاء لله تدل على أن مجهودات الوطنيين قد أثمرت، ووصل تأثيرها إلى أعماق القلوب في جميع طبقات الأمة، وتبشر باقتراب زمن الاستقلال، والتخلص من سلطة الفرد بإذن الله.
فعلى حضرات الشعراء أن يقعلوا عن عادة وضع قصائد المديح في أيام معلومة، ومواسم معدودة، وأن يستعملوا هذه المواهب الربانية العالمية في خدمة الأمة وتربيتها بدل أن يصرفوها في خدمة الأغنياء، وتملق الأمراء، والتقرب من الوزراء، فالحكام زائلون، والأمة باقية1.
إن هذا النداء الذي يوجهه زعيم سياسي للأدباء لدليل قوي على مبلغ ما يشعر به من فائدة الأدب الحي، والشعر الحماسي، وما عساه أن يفعله في نفسية شعب أرهقها المحتل، وأذلها واعتصر منها ماء الحياة والعزة؛ وأنه يريد من الشعر أن يؤدي رسالة الوطنية والقومية، وأن يلهب بحرارته تلك النفوس الميتة، حتى تشتعل، وتحرق بحرارة إيمانها، وقوة يقينها بحقها في الحرية سطوة الغاصب، وتذيب حديده ومدافعه. وكم من أمة بليت بما ابتليت به مصر من محنة الاحتلال، وسامها أعداؤها الهوان والخسف، ولقنت صغارها تلك الأناشيد الوطنية، التي تنفث في قلوبهم كراهية هذا العدو الغشوم، فكبروا وكبر معهم مقتهم لهذا الذي حرمهم ألذ ما تطمح إليه الإنسانية وهو الحرية فحركهم شعور واحد هو الحقد والبغض، وويل للعدو -مهما أوتي من البطش والسيطرة- إذا
1 راجع محمد فريد لعبد الرحمن الرافعي ص188.
تجمعت عليه أمة تنبعث كل حركاتها عن كراهية له وحقد عليه، وتصمم في إرادة لا تفل، وعزيمة لا تكل، على طرده، وتحطيم أغلاله، فعلت هذا "أيرلندا" و"بولندا" وغيرهما من الشعوب التي نكبت في استقلالها حينًا من الدهر.
إنه كذلك يريد أن ينصرف الشعراء عن تمجيد الفرد إلى تمجيد الأمة، وإذا كان العرب قديمًا قد توجهوا بمديحهم للأفراد أمراء وخلفاء فلأن هؤلاء، وكانوا عنوان عزتهم، ومصدر فخارهم، وقادة لشعب حر مستقل لم يعرف العبودية والذلة؛ ولأنهم كانوا يمجدون فيهم صفات النبل والكرم والشجاعة ليكونوا مثلًا أعلى لشعوبهم1، ثم إنهم لم يكونوا في حاجة إلى تلك الأناشيد الحماسية، والشعر الوطني، وهم يتمتعون بالاستقلال والحرية ولكننا في أمس الحاجة إلى مثل هذا اللون من الشعر.
وقد كانت الحقبة التي ظهر فيها مصطفى كامل ومحمد فريد حقبة يقظة قومية، وقد لبى الشعراء نداء الوطن، ووصفوا آلامه وعبروا عن مشاعره وآماله، كما مر بك، ولكن الزعيم السياسي يرحب بديوان "وطنيتي" لأنه حوى شعرًا يعلي شأن الوطن في النفوس، ويوحي إليها بكراهية المحتل، والعمل على مقاومته وطرده، وهذا هو السبب في أنهم صادروا الديوان، وسجنوا فريدًا ستة أشهر وعبد العزيز جاويش ثلاثة أشهر.
كانت هذه الصيحة صيحة زعيم سياسي ربما لم يتح له أن يدرس الأدب الغربي دراسة عميقة أو أن يشغل به ولقد خاض في حديث الشعر والتجديد فيه عدد غير قليل من النقاد الذين تأثروا بالأدب الغربي. ودرسوه في مواطنه قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها، درسوا الأدب التي كان موجودًا قبل الحرب لا الذي جد في خلالها وعقب انتهائها؛ لأن هذا الأخير كان أدبًا تافهًا يرمي إلى الترويح عن تلك النفوس التي اصطلت بنار الحرب أربع سنين كاملة، والتي شاهدت
1 انظر ص68، 69 من هذا الكتاب.
المئات والألوف والملايين تحصد حصدًا، والمدن تدمر تدميرًا، فصارت لا تؤمن بالمثل العليا، والقيم الأخلاقية، ولا يبقى على شيء من الفضائل، إذ لا فائدة من هذا كله والحرب تحطم كل شيء فالأولى لهذه البشرية أن تقبل عن اللذات بنهم، وتتزود منها ما استطاعت قبل أن تذهب إلى جحيم الحرب، وأخذ الأدباء -للأسف- في أوربا يتملقون تلك النزعات، ويغذونها بأدب رخيص كله شهوة عارمة، ولذة تافهة.
تأثير بعض نقادنا بكبار الأباء الأوربيين الذين لم يشاهدوا تلك الحركات الهداية لمعنويات البشرية وحضارتها، ورجعوا يدعون قومهم إلى أن يجددوا في أدبهم، وأن يجعلوه ممثلًا لعصرهم وبيئتهم والحضارة التي يتقلبون في أحضانها. دعوا إلى الثورة في الأدب شعرًا ونثرًا، والذي يعنينا الآن هو الشعر، فلم تكن الثورة على الغرض وحده كما رأيت عند محمد فريد، ولكن الثورة كانت على لغته، وعلى أسلوبه، وعلى معانيه، وعلى أغراضه، وأن نقتفي في شعرنا آثار الشعر الغربي في كل هذا.
وقد حاول الشيخ نجيب الحداد1 أن يوازن بين الشعرالعربي والغرب في اللفظ، والقافية، والمعنى، وليضع أمام المجددين حقائق عن الشعر الغربي يسيرون على هديها وبين أن وزن الشعر عندنا يختلف عن وزنه عندهم، فالشعر العربي يعتمد على التفاعيل، والشعر الغربي يعتمد على "الأهجية اللفظية" وهي كل نبرة صوتية تعتمد على حرف من حروف المد، سواء كل ذلك الحرف وحده، أو مقترنًا بحرف صحيح، ويسمون هذه الأهجية "أقدامًا" وأطو لها ما تركب من اثني عشر هجاء، وأقصرها من هجاء واحد، ويجوز للشاعر أن ينظم القطعة بحيث يكون أول أبياتها اثني عشر هجاء واحد، وينزل بها تدريجًا إلى هجاء واحد، كالحال في بعض الموشحات، وثمة فرق آخر وهو أنهم يصلون بين البيتين في المعنى واللفظ، وقد كان هذا عيبًا عند العرب، ولقد عابوا النابغة الذبياني لقوله:
1 أديب سوري استوطن مصر منذ طفولته، ولد سنة 1867، وهاجر إلى مصر مع أهله سنة 1873، وتعلم في الفرير؛ ثم عاد إلى بيروت وتخرج على خاليه إبراهيم وخليل اليازجي واشتغل بالصحافة والأدب فكان محررًا بالأهرام، ثم تحولت أسبوعية واشتهر بالتعريب، وتأليف الروايات، وهو شاعر عصري مجدد ممتاز، ومن رواياته المترجمة "غصن البان"، ورواية "الفرسان الثلاثة" توفي سنة 1899، وقد طبع ديوانه مرتين.
وهم وردوا الجفار على تميم
…
وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدت لهم مواقف صادقات
…
أتيتهم بصدق الود مني
وقيام الوزن في الشعر الغربي على عدد الأهجية مما يسهل نظمه كثيرًا، ويبيح للشاعر أن يقدم ويؤخر في ألفاظ البيت ما شاء، ويضع في أثنائه اللفظة التي يريدها ولا يختل معه الوزن، وعلى العكس من ذلك الشعر العربي الذي يعتمد وزنه على التفاعيل من الأسباب والأوتاد، فإن تقديم الحرف الواحد أو تأخيره فيه قد يؤدي إلى اختلال الوزن بجملته، أو نقل البيت من بحر إلى بحر.
والقافية في الشعر الغربي لا تلزم في أكثر من بيتين، ولذلك كان شعرهم كالأراجيز عندنا، ولهم فيها قيد آخر هو تقسيم القافية إلى مذكرة ومؤنثة ويتطلبون أن تكون كل قوافي القصيدة مؤنثة فمذكرة على التوالي بحث لا يتوالى بيتان على قافية مذكرة أو مؤنثة ويريدون بالقافية المؤنثة ما كانت مختومة بحرف علة، وبالمذكرة ما كانت مختومة بحرف صحيح1 ومع أن القافية لا تلزم في أكثر من بيتين فقد برم بها كثير من شعرائهم، حتى تخلص بعضهم منها وأوجد ما يسمى بالشعر المرسل أو "الأبيض" لا يلتزمون فيه قافية، ولا يتقيدون بغير وزن، وهو شائع في الشعر الإنجليزي، ومنه معظم شعر شكسبير المسرحي، ينظمون المقطوعة الواحدة من الشعر على عدة أوزان مختلفة، ولا تنطبق في مجموعها على الذوق السماعي، كما يوجد عندنا في بعض الموشحات.
أما ما يميز شعرهم من جهة المعنى فهم يلتزمون الحقائق في نظمهم التزامًا شديدًا، ويبعدون عن المبالغة والإطراء بعدًا شاسعًا، فلا تكاد تجد لهم غلوًّا، ولا إغراقًا، ولا تشبيهًا بعيدًا، ولا استعارة خفية، ولا خروجًا عن الحد الجائز المقبول من المعاني الشعرية وهم في هذا أشبه ما يكونون بشعراء العصر
1 هذا في مثل اللغة الفرنسية التي تقسم كل الكلمات إلى مذكر ومؤنث، أما الإنجليزية فهناك مذكر ومؤنث. ومحايد وذلك في الأشياء كباب ونافذة.
الجاهلي، فأحسن الشعر عندهم أصدقه، وهم لا يقدمون بين يدي أغراضهم نسيبًا أو غيره، ولا يفتخرون في شعرهم إلا نادرًا.
ومما انفردوا به كذلك وضع الروايات التمثيلية شعرًا، وقد مكنهم هذا من التحليل والتطويل، وإظهار شخصيات عدة، وصور متباينة من العادات والأخلاق والأشخاص1" وهذا النقد، أو التعريض بخصائص الشعر الغربي جعل بعض الشعراء يحاولون الخروج على تقاليد الشعر القديم، بل إن بعضهم حاول النظم بالشعر المرسل، والذين تجرءوا على هذا أغلبهم من شعراء المهجر وقلة من أدباء مصر منهم عبد الرحمن شكري وقد نظم به قصيدته "كلمات العواطف" التي أنهى بها الجزء الأول من ديوانه "ضوء الفجر" وقد جاءت مفككة النسج، كل بيت منها لا يكاد يتصل بما قبله أو بعده، ولم يكن ثمة ضرورة لأن يهجر القافية إذ لم تكن قصة طويلة متلاحمة النسج قد تتعثر فيها القافية.
كما نجد له من هذا النوع أقصوصتين في الجزء الثاني إحداهما "واقعة أبي قير" والثانية "نابليون والساحر المصري" وقد وفينا الكلام عن شكري حقه في غير هذا الموضع2 ومنهم محمد فريد أبو حديد، وعلى باكثير في بعض مسرحياته محاولًا تقليد شكسبير، بيد أن محاولاتهم باءت بالإخفاق لأن طبيعة الشعر العربي تأبى هذا اللون الشعري الخالي في موسيقى القافية وإن سلم لمحمد فريد أبو حديد بعض من هذا الشعر في ديباجته وموسيقاه. ويجب هنا أن تفرق بين نوعين من الشعر أحدهما الشعر المرسل Blank verse والثاني الشعر الحر Verse Libre أم الأول فهو موزون ولكن لا يتقيد بقافية، والثاني لا يتقيد بقافية ولا وزن3.
ويقول الأب لويس شيخو عن هذا النوع من الشعر: "ومما سبق إليه أدباء عصرنا تدون مثال في لغتنا ما دعوه بالنثر الشعري، أو الشعر المنثور، كأنه جامع بين خواص النثر والنظم، أما النثر فلأنه على غير وزن من أوزان البحور، وأما
1 راجع مقال الشيخ نجيب حداد في مختارات المنفلوطي ص126- 145.
2 راجع دراسات أدبية للمؤلف ج1، وسيأتي الكلام عنه في هذا الفصل.
3 راجع عن هذه النوعين من الشعر encyclopedia brtanica v. 3.p. 575، 696 وكذلك v، 23 pp. 482- 9 وراجع كذلك dr. moultion، s world literature وكذلك dr. mo ka fj.w. long english literature وكذلك مقال للأستاذ حسين عفيف المحامي، الأهرام 20/ 9/ 1936.
النظم فلأنهم يقسمون مقاطعه ثلاث ورباع وخماس، وأزيد، دون مراعاة أعدادها، ويسبكونها سبكًا مموهًا بالمعاني الشعرية.
وهذه الطريقة استعارها على ظننا الكتبة المحدثون كأمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومن جرى مجراها من الكتبة الغربيين، ولا سيما الإنكليز في ما يدعونه بالشعر "الأبيض" غير المقفى، وفي بعض كتاباتهم الشعرية المعاني غير المقيدة بالأوزان ولسنا نفي هذه الطريقة الكتابية التي تخلو من مسحة الجمال في بعض الظروف، اللهم إلا إذا روعي فيها الذوق الصحيح، ولم يفرط في الاتساع فيها فتصبح لغطًا وثرثرة. على أننا كثيرًا ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزوقة ليس تحتها لباب، وربما قفز صاحبها من معنى لطيف إلى قول بذيء سخيف، أو كرر الألفاظ دون جدوى، بل بتعسف ظاهر ومن هذا الشكل كثير من المروحين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني، وجبران، وتبعتهما، فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئًا مما تصبو إليه النفس للشعر الموزون الحر، من رقة شعور وتأثير. خذ مثلًا وصف الريحاني للثورة:
ويومها القطيب العصيب
…
وليلها المنير العجيب
ونجمها الآفل يحدج بعينه الرقيب
وصوت فوضاها الرهيب، من هتاف ولجب ونحيب، وزئير، وعندلة، ونعيب
وطغاة الزمن تصير رمادًا
…
وأخياره يحملون الصليب
ويل يومئذ للظالمين
…
للمستكبرين والمفسدين
هو يوم من السنين
…
بل ساعة من يوم الدين
ويل يومئذ للظالمين
ومثلها من شعر جبران قوله:
تنبئق الأرض من الأرض كرهًا وقسرًا
ثم تسير الأرض فوق الأرض تيهًا وكبرًا
وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل
وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع
ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحرك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام. ثم يراود نعاس الأرض أجفان الأرض فتنام نومًا هادئًا عميقًا أبديًّا.
ثم تنادي الأرض قائلة للأرض
أنا الرحم، وأنا والقبر. رحمًا وقبرًا، حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد. فلعمري هذه ألغاز لا شيء فيها منظوم رائق ولا منثور شائق، وهي أقرب إلى الهذيان والسخف منها إلى الكلام المعقول1".
ومن هذا الضرب الذي سموه شعرًا منثورًا ما قاله أمين الريحاني يحيى مصر:
أكبر الشرقيات الباسمات للدهر
…
وأحدث الشرقيات الناهضات
هي أول من حل ميزان القسط
…
وأول من استرق العباد
لها الصولجان المرصع الماسات
…
والسوط الملطخ دما
هي أول من قال للموت لا
…
وأول من قال للحياة نعم
لها في الوت حياة وفي
…
الحياة المآثر الخالدات
مصر آية الزمان، ابنة فرعون
…
معجزة الدهر فتاة النيل
ومن كلام جبران في هذا النوع من النثر الذي سماه شعرًا منثورًا؛ لأنه غص بكثير من الاستعارات والكنايات والمجازات وأنواع الخيال، قوله يناجي الليل:
يا ليل العشاق والشعراء والمنشدين
…
يا ليل الأشباح والأرواح والأخيلة
1 الأب لويس شيخو: الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين ص1، 43.
يا ليل الشوق والصبابة والتذكار
أيها الجبار الواقف بين أقزام المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر المتشح بثوب السكوت، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف أذن إلى أنه الموت والعدم.
في ظلالك تدب عواطفك الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين.
أنا مثلك يا ليل، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب وليس لظلمتي بدء، ولا لأعماقي نهاية".
لعلك ترى في هذا الذي يسمونه شعرًا، أنه غير موزون مقفى، فهو من نوع ما يسمى بالشعر الحر وهي تسمية فيها كثير من التعسف؛ لأن من أهم أركان الشعر أن يكون موزونًا منغمًا، وقد ورد مثل هذا الكلام المليء بضروب الاستعارات والمجازات لدى الأقدمين ولا سيما مدرسة ابن العميد، ومع ذلك لم يجرؤ أحد على تسميته شعرًا؛ لأن للنغمة الموسيقية في الكلام روعة وأسرًا يجعلانه أنفذ إلى القلب وأسرع في التأثير وبدونها يصير نثرًا أدبيًّا، ويختلف عن الشعر في تأثيره وروعته.
وقد قال مصطفى صادق الرافعي عن هذا النوع من الشعر الذي خرج فيه الشعراء على تقاليد الشعر العربي القديم سواء كان شعرًا حرًّا مثل الذي قدمته آنفًا أو شعرًا مرسلًا كقصيدة "إيليا أبو ماضي" الشاعر والسلطان الجائر: "نشأ في أيامنا ما يسمونه: الشعر المنثور، وهي تسمية تدل على جهل واضعيها ومن يرضاها لنفسه فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب، ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الإخلال لأوهى علة، ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصل طبع، وأسلم ذوق، وأنصع بيان فمن أجل ذلك لا يحتمل شيئًا من سخف اللفظ، أو فساد العبارة، أو ضعف التأليف. غير أن النثر يحتمل كل أسلوب، وما من صورة فيه إلا ودونها صورة تنتهي إلى العامي الساقط،
والسوقي البارد، ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على شئت منه، وما يتفق فيه من الحسن الشعري، فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم، لا حين يتغنى، فمن قال: الشعر المنثور، فأعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية، وإدعاؤه من ناحية أخرى1".
لقد كان هؤلاء السوريون المهاجرون إلى مصر وإلى أمريكا ثائرين على الأدب العربي القديم ثورة جامحة، وحاولوا أن يجددوا على نمط الشعر الغربي، ويقولون:"لسوء حظنا أن آدابنا العربية قصرت عن مجاراة الحياة لأجيال كثيرة، فكان نصيبها الجمود والخمود، فقد مرت بنا قرون ونحن لا نجد نغمة نلحنها سوى نغمة القدماء، فإن تغزلنا فبلسان العيس، وإن ندينا فبلسان باكي الأطلال، والدمن، وإن هزتنا الحمامة طعنَّا بالهندوابي والأقني، وإن مدحنا أنزلنا الشمس عن عرشها، وكسفنا البدر ووطئنا هام الثريا، ولجمنا أمواج البحار. زد على ذلك أن غزلنا تكلف، وبكاءنا بلا حرقة، ولا دموع، وحماستنا بلا شعور، ومديحنا مغالاة واختلاق باختلاق فآدابنا ليست إلا جثة بلا روح؛ لأنها تحاول تقليد القدماء، وناسية أن روح مصر وسوريا اليوم ليست روح عدنان وقحطان واليمن أو بغداد أو غرناطة أو أشبيلة من ألف أو ألفي سنة2".
ولم يكتف شعراء المهجر بهذه الدعوة إلى التحرر من تقاليد الأدب العربي وزخارفه ومبالغاته. حول دعوا إلى أن الشعر يجب أن يمثل الحياة: فالحياة والأدب توأمان لا ينفصلان وإلى أن نظم الشعر "ممكن في غير الغزل والنسيب والمدح والهجاء، والوصف، والرثاء، والفخر والحماسة"3.
وثاروا على العروض والأوزان ثورة عنيفة كما رأيت في الأمثلة التي سقتها إليك4، وهذا هو جيران خليل في مقاله:"لكم لغتكم ولي لغتي" يثور على كل شيء يثور على اللغة، فلا يعترف بمعاجم، ويثور على "العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز" ويثور على الأغراض فيقول:
1 المقتطف يناير 1926، ص31.
2 مجلة الهلال -يولية 1931 ص427 من كلام الرابطة القلمية بنيويورك.
3 ميخائيل نعيمة في الغربال ص24 طـ ثانية.
4 راجع كذلك الغربال ص93 وما بعدها.
"لكم منها الرثاء والمديح والفخر والتهنئة ولي منها ما يتكبر عن رثاء من مات وهو في الرحم، ويأبى مديح من يستوجب الاستهزاء ويأنف من تهنئة من يستدعي الشفقة، ويترفع عن هجو من يستطيع الإعراض عنه، ويستنكف من الفخر، إذ ليس في الإنسان ما يفاخر به سوى إقراره بضعفه وجهله"1.
ويرى صاحب الغربال أن الكاتب أو الشاعر في حال من الخطأ اللغوي ما دام الغرض الذي يرمي إليه مفهومًا، واللفظ الذي يؤدي به معناه مفيدًا، ويرى أن التطور يقضي بإطلاق التصرف للأدباء في اشتقاق المفردات وارتجالها2.
لقد تأثر هؤلاء الأدباء المهاجرون بالأدب الإنجليز أيما تأثر، وقلدوه في بعض أنواعه وهو الشعر المرسل، والشعر الحر، وترسموا خطى "ولت ثمان" الأمريكي "Walt Witman" ب3 في ديوانه الذي أودعه شعره الحر، وسماه أوراق العشب Leaves of Grass وقلدوه4 كذلك في كثرة الحديث عن النفس، وتأملاتها، وفي الكلام عن الضمير والوحدة وفي نزعته الصوفية5.
لقد هاجر هؤلاء إلى أمريكا شماليها وجنوبيها تحت الضغط الاقتصادي في بلادهم، وهربًا بحريتهم من أن تعصف بها عوامل التعصب الديني الذي بلغ أشده في آخريات القرن التاسع عشر، وكذلك استبداد الولاة وطغيانهم، حيث كبتوا الحريات، وكمموا الأفواه، وساموا الأحرار الخسف وسوء العذاب، فآثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، وسوء العذاب، فأثروا الهجرة حتى لا يساموا الضيم والخسف، ويعانوا الفقر والذلة في بلادهم، وما أن هاجروا حتى شعروا بالحرية الواسعة ولا سيما حرية القول والعقيدة، فانطلقوا على سجيتهم، وفي ذلك يقول جورج صيد يصف هذا المهاجر:
كمت الأوطان فاه فاعتلى
…
منير المهجر يستوفي كلامه
واعتقد أن لهذه الحرية أثرًا كبيرًا في نزعتهم الثورية على كل القيم في
1 بلاغة العرب في القرن العشرين ص51 وما بعدها.
2 ميخائيل نعيمة في الغربال ص84.
3 شاعر أمريكي 1819 - 1883 راجع H. R. GIBB. B.O.S.O VOLL P. 2- 31
4 وقد وصف هذا الديوان "بأنه أعجب قطعة فنية في الفطانة، والحكمة أنتجتها أمريكا".
ENCYCLOPEDIA BRITANICA. VOL 23. P583.
5 LEADERAS IN CONTEMPORARY ARABIC ARABIC LITERATURE، BY TAHIR KHAMIRY AND ;AMPFFMEYER P. 18.
بلادهم ولا سيما هؤلاء الذين هاجروا إلى أمريكا الشمالية وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة؛ لقد كان ذلك أشبه برد فعل للكبت الشديد الذي عانوه في بلادهم، وللحرمان المزري الذي دفعهم إلى ترك الوطن الحبيب، ولقد عبر الشاعر القروي سليم الخوري عن الدوافع التي حفزته إلى الهجرة بقوله وهو يودع قريته بلبنان قبل الرحيل عنها:
أبيت جوارها أرضًا
…
بغير الذل لا ترضى
بلاد خسفها أمسى
…
على أبنائها فرضًا
أحس يد الرجاء فلا
…
أحس لقلبه نبضًا
إنه لم يهاجر حتى يئس ولم يجد بارقة من أمل أو رجاء تحبب إليه الإقامة. ولقد تفاوتوا في تحررهم وثورتهم على تقاليد الأدب العربي القديم وعلى اللغة فكان المهاجرون في أمريكا الشمالية أشد ثورة من سواهم ولا سيما أبناء الرابطة القلمية التي أسست في نيويورك سنة 1920 وعلى رأسهم جبران، ونعيمة، وعريضة، وأبو ماضي ورشيد أيوب ممن تأثروا إلى حد ما بالأدب الغربي ولا سيما بالأدب الرومانتيكي الذي يعزز النزعة الفردية، والتعبير عن الذات وخلجات النفس في يأسها ورجائها وحزنها وفرحها، وصحتها ومرضها، وفقرها وغناها، وآمالها وآلامها: فنزعوا إلى الشعر الوجداني الذاتي، وكرهوا الأدب التقليدي الذي لا يصدر عن شعور وإحساس، واشتدت حملتهم عليه كما رأيت في كلام جبران.
كما أن شعورهم بالعزلة في هذه المدن الصناعية الكبرى التي يتطاحن فيها البشر ويتصارعون على المادة، ولا يجد فيها الغريب إلا الوحشة والضيق جعلتهم يعكفون على أنفسهم ويكثرون من تأملاتهم.
استمع إلى إيليا أبي ماضي يصور هذه الحيرة التي يعانيها المغتربون في زحمة الحياة الأمريكية:
نحن في الأرض تائهون كأنا
…
قوم موسى في الليلة الظلماء
ضعفاء محقرون كأنا
…
من ظلام والناس من لألاء
واغتراب القوى عز وفخر
…
واغتراب الضعيف بدء الفناء
وقد أبدع الشاعر القروي حين قال في تصوير هذه الحالة وإن كان من المهاجرين إلى الجنوب:
في وحشة لا شيء يؤنسها
…
إلا أنا والعود والشعر
حوالي أعاجم يرطنون فما
…
للضاد عند لسانهم قدر
ناس ولكن لا أنيس لهم
…
ومدينة لكنها قفر
كما شعروا في غمرة هذه الحياة المادية بحاجتهم الماسة إلى روحانية الشرق التي افتقدوها في غربتهم، وزادهم شظف العيش، والجهاد المرهق في سبيله شعورًا بوطأة الحياة المادية المضطرمة حولهم، فنزع كثير منهم نزعة تصوفية، وقد صور جورج صيدح هذه الحالة النفسية بقوله:
عز من يفهم شكوى روحه
…
رب حشد فيه بالروح انفرد
وهذا هو مسعود سماحة يتجه إلى الله يشكو إليه حاله ويصور العقد التي تئود نفسه ويلجأ إلى خالق الكون ليفرج من كربته.
الملك ملكك والبهاء بهاكا
…
والأرض أرضك والسماء سماكا
الكون مغ ما فيه من متحرك
…
أو ساكن قد كونته يداكا
لا مسعف إلاك، لا متساهل
…
إلاك لا متسلط إلاكا
وقد أكثروا من الابتهالات والتضرعات إلى الله سبحانه ليخفوا عن نفوسهم ما يحزبها، ويذكرنا شعرهم بمتصوفة المشرق. استمع إلى نسيب عريضة وقد أضناه الجهاد في سبيل العيش، وحار في دروب الحياة يقول متوجهًا إلى الله جل وعلا:
أيا من سناه اختفى
…
وراء حدود البشر
نسيتك يوم الصفا
…
فلا تنسنى في الكدر
أيا غافرًا راحمًا
…
يرى ذل أمسى وغد
معاذك أن تنقما
…
وحلمك ملء الأبد
مراعيك خضر المنى
…
هي المشتهي سيدي
وجسمي دهاه العنا
…
حنانيك خذ بيدي
ولذلك كله كان إقبالهم على قراءة "ويتمان" وحبهم له وتأثرهم به والتقائهم معه في منازعة لظروفهم التي ذكرت طرفًا منهم مع تأثرهم بالنزعة الرومانتيكية بعامة.
كان مهاجرو الشمال أكثر ثورة على اللغة العربية وعلى تقاليد الأدب الموروث من شعراء الجنوب الذين حافظوا على "أصول اللغة بقوة وروعة؛ لأن بضاعتهم كانت كلها شعرًا، ومن الصنف الممتاز بجودة الصياغة وحرارة العاطفة ورخامة النغم؛ ولأن النزعة القومية كانت الغالبة عليهم، فالشعوب التي ترزح تحت الاحتلال أو الانتداب، المتعطشة إلى الانعتاق من نير الاستعمار لا يستهويها في محنتها مثل الشعر الوطني الحماسي الصادق النبرات الذي يعبر عن واقعها وعن شعورها وعن أمانيها1".
انهارت الرابطة القلمية بعد موت جبران في سنة 1931، ولكن الشعر المهجري وجد دعامته في العصبة الأندلسية التي أسست في سان باولوا سنة 1932، فكان هؤلاء أكثر حفاظًا على تقاليد الأدب العربي واللغة من سواهم، ومن أشهرهم الشاعر القروي سليم الخوري، وإلياس فرحات وآل المعلوف، وإن ظل إيليا أبو ماضي في الشمال يوالي نتاجه الرائع حتى توفي في 4 من نوفمبر 1957.
ويتسم الشعر المهجري -بعامة: شماليه وجنوبيه- بهذه الحرية في التعبير وبالتأمل في الكون وفي الإنسان فردًا وفي المجتمع وفي الطبيعة وفي حقيقة الوجود والبحث عنها، وفي النزعات التصوفية عند اشتداد الأزمات النفسية.
لقد كان الانطلاق، والانعزال عن دنيا الإقطاع الفكري، وعن الأوساط الرجعية في الوطن هي السبب في شعورهم الحاد بالحرية وبالذاتية، وقد بلور ميخائيل نعيمة رأيه في الشعر الذي يدعو إليه ووضع مقاييس حتى يؤدي الأدب مهمته الحقيقية في الحياة ويلبي رغبات النفس بقوله:"الغربال" مبينًا هذه الحاجات:
1 أدبنا وأدباؤنا ص15.
أولًا: حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية: من رجاء وبأس وفوز وفشل وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة، وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات.
ثانيًا: حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير نور الحقيقة، حقيقة ما في أنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، فنحن وإن اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أن في الحياة ما كان في عهد أدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم، وسيبقى حقيقة حتى آخر الدهر.
ثالثًا: حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال، كل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال، فإنا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه جميلًا وما نحسبه قبيحًا لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالًا مطلقًا لا يختلف فيه ذوقان.
رابعًا: حاجتنا إلى الموسيقى، ففي الروح ميل عجيب إلى الأصوات، والألحان لا ندرك كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، ولكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتأنس بما تآلف منها".
ولا ريب أن هذه الحاجات إنما تعبر عن حاجات النفس الفردية لا حاجات الجماعة، وليس تحقيق هذه الحاجات هو كل الشعر.
ولست أريد في هذه المرحلة من الكتاب أن أدرس أدبهم، وأحلل نزعاته وأغراضه، ولكني أقول: إنهم تركوا تقليد الأدب العربي ليقعوا في تقليد أدب غربي، وفي تقليد شاعر بعينه، ولقد حاولوا أن يوجدوا لهم أنصارًا في مصر، وقد التقوا مع المجددين في الشعر من المصريين أمثال العقاد والمازني، بيد أن هؤلاء وإن وافقوهم في أشياء، فإنهم أنكروا عليهم ركاكة أسلوبهم، وتساهلهم في اللغة وخطأهم1.
لم يسر في ركاب شعراء المهجر أحد من أدباء مصر إلا نفر قليل أمثال الكاتبة السورية "مي زيادة" حاولوا كتابة ما سموه بالشعر المنثور، ولكنهم ما
1 راجع العقاد والمازني في بلاغة العرب في القرن العشرين ص6 وص9 وراجع العقاد مقدمة الغربال ص8.
لبثوا أن أقلعوا عنه؛ لأنه لم يجد قبولًا من أذواق المصريين، كما لم تجد نظراتهم التشاؤمية، ونزعتهم المغرقة في التحليل النفسي والتصوف الحزين رغبة في الشرق بعامة بادئ الأمر حينما كان هناك شعراء أقوياء يشبعون أرواح المتأدبين ويعبرون عما يجيش في نفوسهم أمثال شوقي وحافظ ومطران وعلي محمود طه، فلما ضعف صوت هذا الشعر أو كاد تطلع العرب من المشرق إلى شعر المهجر ودرسوه ووجدوا في كثير منه صورًا جديدة ونغمًا جديدًا فأقبلوا عليه وظهرت فيه عدة دراسات في السنوات الأخيرة دليل الاهتمام والإعجاب، وكان لدعوتهم إلى هجر بعض أغراض الشعر العربي القديم ولا سيما المديح والفخر والهجاء صدى في أدبنا الحديث.
أما نقاد مصر فقد اختلفوا شيعًا، فهيكل يدعو إلى الأدب القومي1، ويلح في كثير من كتبه أن نتجه في أدبنا اتجاهًا قوميًّا، ويرى أن مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية، وعقد موازنات شتى بين ما تخلف عند المصريين المحدثين من عادات، وبين ما كان عند الفراعنة، كحفلات الزواج وحفلات الجنازة، وتعظيم الأولياء، ويدعو إلى أن نقتبس في أدبنا الحديث من تاريخ الفراعنة "وأن يعمل مؤرخونا وأدباؤنا ليتمثل ابن اليوم هذا الميراث المجيد فيجمع ذهنه وقلبه وفؤاده وتصوره وخياله ما كان لمصر في ميادين العقل والعلم والخيال من مجد وعظمة، تنقلت في تاريخ مصر على كاهل القرون" حتى وصلت إلينا، ويدعو إلى استجلاء عظمة تلك الآثار الباهرة التي خلفها قدماء الأدب القومي الذي ارتآه والذي يستلهم تاريخ مصر القديم، فأنشأ عدة قصص تدور حول الفراعنة مثل "إيزيس" و"راعية هاتور" و"أفروديت" وغيرها.
وهو يرى أن محاولاته في الأدب القومي لم تبلغ حد الكمال، ولا قاربته، وأنه يضع بها نماذج مقتفيًا آثار شكسبير، وأناتول فرانس، وبرناردشو في محاولاتهم الكتابة عن قدماء المصريين، وإن لم يدنهم في روعة أدبهم2.
1 ثورة الأدب ص140 وما بعدها "توفي الدكتور هيكل في 7 ديسمبر 1956".
2 حديث أبيس في أوقات الفراغ ص19.
ومن العجيب أن بعض أدبائنا في مستهل هذا القرن حاولوا أن يتنكروا لعروبة مصر وإسلاميتها، وأن يدفعوها إلى الوراء قرونًا حتى تتعلق بأذيال الفرعونية متلمسين أسبابًا واهية لذلك من مثل ما ضربه هيكل من عادات الزواج وحفلات الجنازة وتنظيم الأولياء، مع أن هذه أمور استقرت في مصر منذ العهد الإسلامي، وهي طبيعية في كل الأمم: فلطم الخدود وشق الجيوب، وصبغ الوجوه بالسواد، وخروج النساء وراء الميت، عادت عرفها عرب الجاهلية، ونهى عنها الإسلام وهي ظاهرة تلفت النظر لدى الشعوب البدائية، أما زف العروس، ودق الطبول، وإطلاق الزغاريد وراء العروس فمما يمارسه الناس في كل أمة ولسنا نجد فيه بدعًا. وأما تعظيم الأولياء فقد كان للفاطميين أثر عظيم في تمكينه بنفوس المصريين، ومعظم أولياء مصر من آل البيت، وكما يوجد كذلك في كل بلد اعتنقت المذهب الشيعي مثل هذه الأضرحة كبلاد إيران وبعض نواحي العراق والمغرب.
وإن من التكلف والتعسف أن نرجع بعادات المصريين وتقاليدهم إلى قدماء المصريين، وقد عفى البطالسة والرومان في سنوات طويلة على آثار هذه التقاليد الوثنية، ولا سيما بعد أن دخلت مصر المسيحية على يد الرومان، ولما جاء العرب لم يجدوا للغة الفرعونية ولا للتقاليد الفرعونية أثرًا في حياة المصريين، أجل! إن هناك بعض رواسب فرعونية ممثلة في قليل من الألعاب التي يمارسها أطفال المصريين في الريف ككرة اليد وكرة المضرب وغيرهما، ولكن هذا لا يجعل مصر الحديثة أقرب إلى مصر الفرعونية منها إلى مصر الإسلامية كما يدعي هيكل.
والأغرب من هذا أن يدعي الدكتور طه حسين في كتابه مستقبل التعليم في مصر أن مصر أقرب إلى اليونان منها إلى العرب والمسلمين، ولعل السبب في هذه النزعات هو حب التظاهر بالتجديد، والخروج على المألوف، أو التأثر بالحملات الاستعمارية على الإسلام وبحسبك أن هؤلاء الذين أنكروا يومًا عروبة مصر وإسلاميتها صاروا اليوم من أكبر الدعاة لهذه العروبة ومن أشد المدافعين عنها، وبحسبك كذلك أن هؤلاء الذين تهجموا على الدين الإسلامي في مستهل حياتهم الأدبية حتى تشتهر أسماؤهم ويلهج بها الناسلم ينالوا جوائز الدولة إلا
على كتبهم الإسلامية مثل: "على هامش السيرة" لطه حسين. و"أبو بكر الصديق" لهيكل؛ لأنها أحسن نتاجهم.
وليس تاريخ مصر القديم وحده هو مصدر الأدب القومي في رأي هيكل، بل عنده أن وصف الطبيعة المصرية، وما فيها من جمال فتان من صميم الشعر القومي، وقد عقد لذلك فصلًا كاملًا في كتابه ثورة الأدب، بين فيه ما يجب على الشعراء حيال هذا الجمال في الطبيعة المصرية. "لكن العجب هم أولئك الذين نسميهم شعراء مصر وكتابها ورجال الفن فيها. هؤلاء كذلك يشعر أكثرهم إزاء ما في بلادهم من جمال يمثل شعور هؤلاء الذين يسمونهم جماعة المتعلمين في مصر، فقل منهم من تهتز عاطفته لمشهد هذا الجمال إلى حد يهز شاعريته أو فنه اهتزازًا يخرج من نفوسهم صيحات صادقة كلها تأليه لهذا الجمال وعبادته وتقديسه، ويستثير من أوتار شاعريتهم أو خيالهم هذه الأناشيد التي تدفع بالفارس ليلقى بنفسه في غمار "التيبر"1 متغنيًا: "أيها التيبر! يا أبانا التيبر! يا من يسبح الرومان بحمده! إليك حياة روماني وعدة حربه، خذهما اليوم في رعايتك"؛ بل إن أحدهم ليحس أحيانًا بأن واجبًا عليه أن يتحدث عن بلاده وتاريخها وعن جمالها، فإذا قرأت حديثه وجدت فيه من جمال العبادة ما يخلبك، ولكنك وجدته خلوًا من الشعور الصادق، والإحساس العميق. وكل شعر وكل أدب، وكل فن ليس صادرًا عن شعور صادق، وإحساس عميق، لا حياة فيه ولا بقاء له، وسر هذا الجمود في تقدير جمال بلادنها ضعف الإيمان في نفوس شعرائنا وأدبائنا وكتابنا وذوي الفن فينا بالجمال2.
وأخذ هيكل يتغنى بجمال النيل، ويحاول أن يكشف عن مفاتنه لأدبائنا وشعرائنا، ويغريهم بالذهاب إليه والتملي من محاسنه، حتى يكون إحساسهم بالجمال عميقًا، وحتى يستلهموا هذا النهر الذي يفوق في جماله كل أنهار أوربا وما يحيط بها، بل "أين أنت يا أنهار أوربا، وأنهار العالم من نيلنا السعيد، المبارك الغدوات، الميمون الروحات؟ ".
يدعو هيكل الشعراء والأدباء إلى تمجيد الطبيعة المصرية حتى يحببوا فيها بني قومهم، ويكشفوا لهم بما أوتوا من حساسية مرهفة، وذوق صاف، وشعور
1 التيبر: نهر بإيطاليا، وهو الذي تقع عليه مدينة روما.
2 ثورة الأدب ص128.
فياض بالجمال، وقدرة فائقة على التعبير عن هذا الجمال، "لو أن رهطًا من الشعراء والكتاب، وأرباب الفن استلهموا هذا النيل ودونوا وحيه، لرأيت صاحبي الذي هز كتفيه حين ذكرت له إعجابي بالنيل وجماله أشد بنيل بلاده إعجابًا منه بجمال سويسرا، أو أية بقعة ساحرة من بقاع العالم، نعم! فالفن يسكب الجمال في النفوس الجامدة أمام الجمال، وهو بمال يصنع من هذا يدفع الناس إلى العمل للمزيد من هذا الجمال، وذلك بأنه يحبب إليهم الحياة، ويدعوهم إلى زيادة تجميلها، وإلى معاونة الطبيعة فظهار زينتها وبهجتها"1.
ولا شك أن دراسة هيكل للأدب الأجنبي القديم والحديث، ولا سيما أدباء المدرسة الإبداعية أمثال روسو، وهيجو، وأناتول فرانس، وشاتو بريان، ولا مارتين، وغيرهم هو الذي أوحى إليه بأن يهز أدباءنا تلك الهزة القوية لعلهم يستيقظون، ولكننا نقول تقريرًا للحقيقة: إن تلك النزعات القومية التي دعا إليها هيكل، وتغنى بها، وحث الشعراء عليها: من إحياء التاريخ القديم، وتغنيه بالطبيعة، وقد ظهرت في شاعر مصري قوية جذابة من أول نشأته الشعرية، وذلك هو شوقي، فقصيدته:"كبار الحوادث في وادي النيل" التي قالها في مؤتمر المستشرقين بجنيف عام 1894 والتي مطلعها:
همت الفلك واحتواها الماء
…
وحداها بمن تقل الرجاء
"رواية من الروايات الخالدة لتاريخ مصر منذ الفراعنة إلى عهد أبناء محمد علي، وقف فيها الشاعر وقفة مصري، صادق العاطفة تفيض عليه ربة الشعر تاريخ بلاده منذ عرفها التاريخ2 وليست هذه القصيدة اليتيمة التي قالها شوقي في مصر، بل إنه أحس بما أحس به هيكل، وسبقه في شعوره، وفي إبراز هذه الفكرة، واستجابته لجمال بلاده، ولإيمانه العميق بها، فقال عدة قصائد في تاريخ مصر قديمًا وحديثًا كقصائده على سفح الأهرام، وأبي الهول، وتوت عنخ أمون، وأنس الوجود، وأنت إذا تقرأ هذه القصائد يهزك الشعور بصورة هذا الماضي في
1 ثورة الأدب ص138.
2 مقدمة هيكل للشوقيات ص6.
قداستها ومهابتها، وتملك نفس المشاعر فترتفع بك عن مستوى الحياة الدنيا إلى سماوات الخلد. ذلك بأن شوقي يهديك المعنى الذي كانت تلتمسه نفسك فلا تقع عليه، ويرسم أمامك بوضوح وقوة وسمو خيال ونبل عاطفة كل ما ينبض به قلبك، ويهتز له فؤادك"1.
ولم يكتف شوقي بهذا بل هو كما قدمت لك في غير هذا الموضع قد إبداع الإبداع كله في وصف الطبيعة المصرية، وإظهار جمالها، وفتن بها إلى حد العبادة.
وطنى لو شغلت بالخلد عنه
…
نازعتني إليه في الخلد نفسي
واستعرض تاريخ بلاده في خلال الحكم الإسلامي بقصائد رائعة، ووضع روايات عدة في تاريخ مصر القديم والحديث، وأفرد جزءًا خاصًّا من شعره لمجد العرب والإسلام، فشوقي من هذه الوجهة هو شاعر القومية المصرية وهو أسبق من كل هؤلاء الأدباء إلى وضع النموذج الصحيح، في الأسلوب العالي الممتاز في الأدب القومي. إن هذه الصيحات التي جأر بها هيكل كان يقصد بها المزيد من شوقي، والاحتذاء حذو شوقي من هؤلاء الشعراء الذين لم يحركهم جمال بلادهم. ولا شك أن شوقي وهيكل قد تأثرا في هذه الدعوة بما رأيا وقرءوا في الأدب الأوربي، ولعل "تاييس" لأناتول فرانس، و"كليوباترا" لإميل مورو "moreau" - وقد مثلتها سارة برنارد في سنة 1890 وشوقي بعدُ طالب في باريس بعض ما أوحي إليه بهذا.
لقد كانت هذه النزعة على أشدها في فرنسا منذ أواسط القرن التاسع عشر، وظهرت عشرات الكتب: والروايات، والمسرحيات، والقصائد في تلك الحقبة تدعو إلى تمجيد الطبيعة وإلى استلهام التاريخ، وقد ظلت كذلك حتى الحرب العالمية الأولى، وقد عاصر شوقي وهيكل2 كثيرًا من هؤلاء الأدباء والشعراء الذين أولعوا بالطبيعة والتاريخ، وشاهدا مسرحياتهم3، فتأثرا بهم كل التأثر.
1 المصدر السابق.
2 أخذ هيكل البكالوريا سنة 1905 والحقوق سنة 1909، وسافر إلى بارس سنة 1909 ومكث بها حتى سنة 1913 حين نال شهادة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي.
3 إذا أردت ثبتًا بالكتب والمسرحيات والروايات الفرنسية التي تنزع هذه النزعة فارجع إلى mareel brau nschvig - notre في كتابه القيم. litterature etudee dans les textes t، 2 p. 773، 733 778.
وليست الدعوة إلى الأدب القومي هي كل ما عنى به هيكل، فقد رأى أن الأدب لا يقوم على الألفاظ والعبارات، بل بما يقدمه الأديب من الصور والمعاني، وما تبعثه هذه الصور والمعاني إلى النفس من لذائذ، وإلى المشاعر من اهتزازات، وإلى الخيال من الصور، وإلى الذهن من التفكير، وهذه النفوس القوية لا يمكنها أن تفيض بهذا الإلهام إلا إذا كانت تمثل بيئة خاصة أو عصرًا خاصًّا كما فعل هوميروس، وفيرجيل، وشكسبير، وفولتير، وجوتيه، حيث خلدوا على الرغم من تطور الحياة، وتقدم الحضارة في العالم؛ لأن نفوسهم مثَّلت أمة خاصة وعلمًا خاصًّا، فانطبعت فيها الصفات الخالدة لأممهم؛ والتي لا يأتي عليها تقدم أو تطور1.
وينادي بأن الأدب في مصر، وفي كل بلد عربي يجب أن يكون له طابع خاص يميزه عن الأدب العربي القديم، وإلى أن يكون أدبنا الحديث عنوانًا لحضارتنا، التي هي جزء من حضارة أوربا2. عنده أن أحسن وسيلة لوضوح شخصية الأديب في أدبه هي اتصال ما يكتب بقلبه، وعقله، وكل حياته. وليس ذلك بمستطاع إلا إذا وصف حياته وحياة قومه ووطنه وكل ما توحي به هذه الحياة للعقل والقلب والحس والشعور مما لا تستطيع حياة أخرى أن تلهمه أو توحي به وبذلك نصل حاضرنا بماضينا3.
ويعتقد أن جرثومة الأدب المصري المستقبل تكمن في أناشيد الشعب الساذجة التي ينشدها في حفلات الأعراس والمآتم، من ذكريات الحب، والحنان والتضحية والتفجع، وما يرويه الرواة المحليون عن أبطال القرون الغابرة، وما يحكونه من القصص التي يعبر عن خلق الشعب وصبره، وقوة احتماله، وما تحدث به عن عبقريته الفطرية وعن آماله وأحلامه4.
وهو في هذا متأثر كل التأثر بثقافته الأجنبية فقد ابتدأ يقرأ وهو بعد طالب بمدرسة الحقوق في مصر شيئًا في الأدب الإنجليزي ولفلاسفة الإنجليز
1 أوقات الفراغ هيكل ص354- 355.
2 نفس المصدر ص363- 364.
3 ثورة الأدب ص132.
4 السياسة الأسبوعية 2 فبراير 1929.
ومفكريهم؛ قرأ كتاب الأبطال لكارليل، والحرية لجون ستيورات مل، والعدل لسبنسر.
ولما ذهب إلى فرنسا استهواه الأدب الفرنسي وآثره على غيره، ورأى فيه من السمو الأدبي ما لا يراه في غيره من الآداب العربية والإنجليزية معًا، وذلك لما فيه من سلاسة وسهولة وقصد ودقة في التعبير والوصف، وبساطة في العبارة وعناية بالمعنى أكثر من العناية باللفظ1. ولم يكن قد اتصل بالثقافة العربية ولا بالدين الإسلامي عن قرب، ولقد عدل من أفكاره فيما بعد واستوحى التاريخ العربي الإسلامي في بعض آثاره حين وجد فيها الروعة والعمق والجلال والمثل الأعلى الذي يرنو إليه.
فهيكل بجانب دعوته إلى الأدب القومي يطالب الأدباء بأن يتجنبوا العناية بالزخرف، والاهتمام بالألفاظ، وأن يحفلوا بالصور والمعاني، ولن يتأتى لهم هذا إلا إذا وصفوا بيئتهم ونفوسهم وحياتهم، ومثلوا عصرهم أتم تمثيل، لا أن يعيشوا في لغة عرب البادية وخيالهم وصورهم ومعانيهم، وأمالهم، وطريقة نظمهم، وأن يهيموا في أودية الشعر بعيدين عن مجتمعاتهم.
ويدعو كذلك إلى ظهور شخصية الأدباء، وذلك بأن يصدر أدبهم عن إحساس وصدق عاطفة، كما يدعو إلى تخليد الأدب الشعبي، وهو لا يقصد بدعوته ذلك الجيل من الشعراء الذي ألف الجمود، واختط لنفسه طريقًا خاصة في الشعر يعسر أن يحيد عنها، وإنما يخاطب جيلًا جديدًا يستطيع أن ينهج بالشعر نهجًا يحقق الغرض منه2. وكثير مما أراده هيكل قد تحقق عند بعض الشعراء الذين تثقفوا ثقافة عالية، وكان عندهم مرونة عقلية ليتشكلوا حسب زمانهم أمثال شوقي ومطران. اللهم إلا دعوته إلى الأدب الشعبي فإنها لم تتحقق.
كان هيكل من الذين تأثروا بالأدب الفرنسي ونهج طريقة المدرسة الطبيعية الفرنسية، ولم تكن دعوته إلى التجديد هي الأولى في مصر، بل سبقه إلى الثورة
1 ثورة الأدب ص112، ومقدمة قصة زينب ص11.
2 ثورة الأدب ص74.
على الأدب القديم وبخاصة على الشعر العربي المعاصر لهم ثلاثة من شباب الأدباء ظهروا في أخريات العقد الأول من القرن العشرين، بعد أن تشبعوا بدراسة الأدب الإنجليزي وهو عبد الرحمن شكري، وعباس العقاد، والمازني.
وكان شكري رائد هذه المدرسة، وكان متمكنًا في اللغة الإنجليزية بحكم دراسته منذ السنة الأولى الابتدائية حتى تخرج في المعلمين العليا سنة 1909 وهي السنة التي صدر فيها ديوانه الأول "ضوء الفجر"1 وأعجب شكري كل الإعجاب بشعراء الرومانسية الإنجليزية، وردسورث وكولردج وشيلي وبيرون وكيتس وسكوت، وأخذ يلتهم كل ما أنتجوه في نهم وشراهة، وهو في هذه السن التي تتفتح فيها المواهب وتوجه الملكات، فتأثر بهم في الروح والمنهج، وفهم فهمًا جديدًا لمهمة الشعر غير ما كان يفهمه شعراء العربية قبله.
كان طابع هذه المدرسة الإنجليزية البساطة في التعبير وعدم التقييد بما كان يسمى "المعجم الشعري" the poetic diction.
بل كانوا يؤثرون الكلمات المألوفة الشائعة الاستعمال، ثم الاهتمام بالنفس الإنسانية في أبسط صورها، فلم يحفلوا بالملوك والأمراء ورجال الحاشية والأبطال، كما كانت تحتفي المدرسة الاتباعية "الكلاسيكية"، وإنما فتشوا عن النفس الساذجة البسيطة التي لم يلوثها النفاق الاجتماعي والرياء والزيف، وراحوا يسبرون أغوار نفوسهم ونفوس العامة من الشعب، ويفحصون عما تكنه هذه النفوس في دقة ووضوح، كما أغرموا بالطبيعة غرامًا شديدًا.
كان شعرهم وجدانيًّا ذاتيًّا ينبع من قرارة نفوسهم، ويستوحي مشاعرهم وحدها، ولكنهم لم يكونوا متشائمين، ولم يفعل بهم الأسى ما فعل بإخوانهم شعراء الرومانسية الفرنسية، الذين صبغوا شعرهم صبغة حزينة سوداء؛ نتيجة للكبت وخيبة الآمال في الإمبراطورية التي شيدها نابليون ثم قوضتها رياح الأحداث العاصفة، والخراب الذي حل بفرنسا على أثر تلك الحروب الطويلة التي أثمرت اليتم والترمل والفقر والفراغ القتال.
1 راجع ترجمتنا عبد الرحمن شكري في "دراسات أدبية ج1 ص231".
بيد أن المدرسة الإنجليزية التي أتت بعد زعماء المدرسة الرومانسية الأوائل جنحت إلى الواقعية، وتكتشف لها الطبيعة البشرية في أبشع صورها وتمثل لها ذلك الصراع الدامي في المجتمع الغربي بين الننزعات والرغبات المتباينة، وعبرت عنها تعبيرًا مباشرًا، فجاء أدبها حزينًا كئيبًا متشائمًا، يمثله بروننج، وبو، وويتمان، وتوماس هاردي وأضرابهم.
وقد قرأ لهم شكري كما قرأ لأسلافهم، ومن ثم أصيب بعدوى الحزن والكآبة التي صارت طابع شعره كله، وقد أتيح له أن يذهب إلى إنجلترا عقب تخرجه في مدرسة المعلمين العليا، ومكث ثمة بضع سنوات زادت فيها ثقافته الأدبية واتسعت آفاقها. وقرأ كثيرًا بالإنجليزية عن الآداب الأوربية الأخرى ثم عاد إلى مصر، وزادت صلته وثاقة بالمازني والعقاد، وأخذ يوالي إصدار دواوينه الشعرية حتى بلغت سبعًا في بضع سنين آخرها سنة 1919 وقد قدم العقاد لديوانه الثاني، كما كتب هو مقدمة الجزء الخامس من ديوانه، وتعتبر هذه المقدمة دراسة طيبة لرأيه في الشعر والطريقة التي يجب أن يسلكها الشعراء، وقد وضع فيها أسس هذا المذهب الجديد في الشعر، ذلك المذهب الذي سلكه صاحباه المازني والعقاد على اختلاف بينهم في الاهتمام بالعاطفة والفكر حيث زاوج شكري بينهما، وأثر المازني العاطفة، وانفرد العقاد بالفكرة.
ويقر المازني بأن شكري هو الذي هداه إلى الطريق السوي في الشعر حيث قال1: "ولقد غبر زمن كان فيه شكري محور النزاع بين القديم والجديد -ذلك أنه كان في طليعة المجددين إذا لم يكن هو الطليعة والسابق إلى هذا الفضل، فقد ظهر الجزء الأول من ديوانه، وكنا يومئذ طالبين في مدرسة المعلمين العليا وكانت صلتي به وثيقة، وكان كل منا يخلط صاحبه بنفسه، ولكني لم أكن يومئذ إلا مبتدئًا، على حين كان هو قد انتهى إلى مذهب معين في الأدب، ورأي حاسم فيما ينبغي أن يكون عليه. ومن اللؤم الذي أتجافى بنفسي عنه أن أنكر أنه أول
1 جريدة السياسية عدد 5 من إبريل 1930 بعنوان التجديد في الأدب.
من أخذ بيدي وسدد خطاي"، ودلني على المحجة الواضحة، وأنني لولا عونه المستمر لكان الأرجح أن أظل أتخبط أعوامًا أخرى، ولكان من المحتمل جدًّا أن أضل طريق الهدى".
قال المازني هذا، بعد أن جحد فضل شكري، وأساء إساءة بالغة في "الديوان" حيث سماه صنم الألاعيب، وجحد كل ماله فضل، ورماه بالجنون، وجرده من كل صفات الشعراء. مما ألم شكري أشد الألم. وزاده زهدًا في الناس والحياة وتشاؤمًا، فآثر العزلة والانصراف عن قول الشعر إلا لمامًا في أوقات متباعدة، كما قضت هذه المعركة على المازني وصرفته عن قول الشعر.
حدد شكري مهمة الشاعر بقوله1: "ينبغي للشاعر أن يتذكر -كي يجيء شعره عظيمًا- أنه لا يكتب للعامة، ولا لقرية، ولا لأمة. وإنما يكتب للعقل البشري ونفس لإنسان أين كان، وهو لا يكتب لليوم الذي يعيش فيه، وإنما يكتب لكل يوم وكل دهر، وهذا ليس معناه أنه لا يكتب أولًا لأمته المتأثرة بحالتها المتهيئ ببيئتها.
ولا نقول إن كل شاعر قادر على أن يرقى إلى هذه المنزلة، ولكنه باعث من البواعث التي تجعل شعره أشبه بالمحيط -إن لم يكن محيطًا- منه بالبركة العطنة في المستنقع الموبي".
ومعنى هذا أن الشاعر يجب أن يستوحي نفسه ويعبر عنها غير ملتفت إلى العامة أو القرية أو الأمة، وأن تكون نظرته شاملة للإنسانية جمعاء وليست محلية خاصة -وهو مطلب عسير كما أقر بذلك.
ويفهم من هذا أيضًا نفوره من شعر المناسبات والأحداث اليومية التي تحيط بالشاعر، وقد صرح بذلك في مقدمة الجزء الرابع حيث قال:"وبعض القراء يهذي بذكر الشعر الاجتماعي، ويعني شعر الحوادث اليومية مثل افتتاح خزان أو بناء مدرسة أو حملة جراد أو حريق، فإذا ترفع الشاعر عن هذه الحوادث اليومية، قالوا: ما له؟ هل نضب ذهنه؟ أو جفت عاطفته؟ ".
1 مقدمة الجزء الخامس.
ولم يكن الشعر عند شكري كلامًا مزوقًا مرصوفًا، عذب الجرس والنغم فحسب ولكنه معنى وفكرة وعاطفة قبل كل شيء، والمعاني البكر تتولد من سواها، وهذا لا يتأتى إلا بإدمان القراءة في نهم وشراهة، فكثرة الاطلاع خير زاد للشاعر، تثير خياله، وتحشد أمامه المعاني يختار جيادها، وتبعثه على التأمل.
وكان شكري من المولعين بالقراءة في الأدبين العربي والغربي على السواء وفيه يقول العقاد1: "لم أعرف قبله ولا بعده من شعرائنا، وكتابنا أوسع منه اطلاعًا على أدب اللغة العربية وأدب اللغة الإنجليزية وما يترجم إليها من اللغات الأخرى، ولا أذكر أنني حدثته عن كتاب قرأته وجدت عنده علمًا به وإحاطة بخير ما فيه، وكان يحدثنا أحيانًا عن كتب لم نقرأها، ولم نلتفت إليها، ولا سيما كتب القصة والتاريخ" وفي جدوى القراءة وأثرها في الشعر يقول شكري:
"الاطلاع شراب روح الشاعر، وفيه ما يوقظ ملكاته ويحركها ويلقح ذهنه، ونفس الشاعر ينبوع، والاطلاع هو الآلة التي يرفع بها ماء ذلك الينبوع إلى الأماكن العالية، والشاعر في حاجة إلى محركات، وبواعث، والاطلاع فيه كثير من هذه المحركات والبواعث، والأديب الذي لا يقوم بالاطلاع كالماء الآسن العطن الذي لا يحركه محرك".
"وكلما كان الشاعر أبعد مرمى، وأسمى روحًا كان أغزر اطلاعًا فلا يقصر همه على درس شيء قليل من شعر أمة من الأمم، فإن الشاعر يحاول أن يعبر عن العقل البشري، والنفس البشرية، وأن يكون خلاصة زمنه، وأن يكون شعره تاريخًا للنفوس ومظهر ما بلغته النفوس في عصره".
وإذا كان شكري قد استطاع أن يفيد شعره من كثرة اطلاعه فتغزر معانيه، ويطرق أبوابًا جديدة في الشعر لا عهد للعربية بها ولا سيما في الشعر الوجداني الذاتي، فإن المازني قد استساع أن يترجم شعر غيره وينسبه لنفسه، وقد صدر
1 مجلة الهلال عدد فبراير 1959.
الجزء الأول من ديوانه سنة 1914 وفيه بعض الشعر المنقول عن الإنجليزية مدعيًا أن له مثل قصيدة: "رقية حسناء" وهي "لشلي" والجزء الأخير من قصيدة "أماني وذكر" وهي "لبيرنز" وأول هذا الجزء "ياليت حبي وردة"، و"فتى في سباق الموت" وهي "لهود" وغيرها مما جعل شكري يفزع من هذه السرقات؛ إذ ليس معنى سعة الاطلاع وكثرة القراءة والتجديد في الشعر أن نسطو على آثار سوانا دون التنويه بهم وبفضلهم، فنعى على المازني هذه السرقات وإذاعها في الناس، وهو العليم بمواطنها في الشعر الإنجليزي، ولم يغتفر المازني لأستاذه وصديقه صراحته في تهجمه في إفشاء سره، فشن عليه حملة شعواء في "الديوان"، ذكرناها آنفًا، وقد قضت عليهما معًا في ميدان الشعر.
ومن يتملى كلام شكري في فائدة القراءة وأثرها في تزويد الشعر بالمعاني وغثارة الخيال، يدرك أن شكري ممن يؤثرون المعنى على اللفظ والصياغة وكان هذا طابع مدرسته وجرى على سنته زميلاه، وقد أضر ذلك بشعرهم؛ لأن المعاني في الشعر لا تقصد لذاتها، ولكنها تقصد حين تلبس الفن الرفيع، مصحوبة بالموسيقى الشعرية الخلابة، فإن اكتفى الشاعر بالمعنى ولم يعط أركان الشعر الأخرى حقها هبط شعره إلى مستوى النثر.
ولم يكن شكري ممن يهتمون باختيار الألفاظ ذات الجرس والرنين بل كلف بالبساطة في التعبير وباستعمال الكلمات المألوفة، وهو بهذا يقتفي أثر المدرسة الرومانسية الإنجليزية التي نفرت من المعجم الشعري ويقول:"وجدت بعض الأدباء يقسم الكلمات إلى شريفة ووضيعة، وبحسب أن كل كلمة كثر استعمالها صارت وضيعة، وكل كلمة قل استعمالها صارت شريفة، وهذا يؤدي إلى ضيق الذوق وفوضى الآراء في الأدب، والعيب في استعمال الكلمة في غير مواضعها".
وعبر شكري عن سخطه على طريقة الشعر الموروثة، وثار عليها ثورة عملية ونقدية، وقد راعه اهتمام الشعراء بالتشابيه والاستعارات والمبالغات ممن غير أن يكون لها أثرها في القارئ أو السامع وذلك حين يقول: "وقد فسد ذوق
المتأخرين في الحكم على الشعر حتى صار الشعر كله عبثًا لا طائل تحته. فإذا تغزلوا جعلوا حبيبهم مصنوعًا من قمر وغصن وتل وعين من عيون البقر ولؤلؤ وبرد وعنب ونرجس
…
إلخ، ومثل ذلك قول الوأواء الدمشقي:
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت
…
وردًا وعضت على العناب بالبرد
ويقول كذلك مفصلًا الكلام على التشبيهات التي ولع بها المتأخرون: "ومثل الشاعرالذي يرمى بالتشبيهات على صحيفته من غير حساب، مثل الرسام الذي تغره مظاهر الألوان فيملأ بها رسمه من غير حساب"، التشبيه عنده لا يقصد لذاته، وليس هو عقد صلة بين محسوس أو بين معنوي ومحسوس"، فوصف الأشياء ليس بشعر إذا لم يقترن بعواطف الإنسان وخواطره وذكرياته وأمانيه وصلات نفسه، والتشبيه لا يراد لذاته، وإنما يراد لشرح عاطفة أو توضيح حالة أو بيان حقيقة، وأجل الشعر عنده ما خلا من التشبيهات البعيدة والمغالطات المنطقية.
وهو بهذا يريد أن يجعل التشبيه وسيلة لحمل أثر المشبه في نفسه أو الإيحاء بهذا الأثر فالتشبيه إذا لم يقرن بالعاطفة أو لم يكن وسيلة لنقلها فلا فائدة منه ولا جدوى فيه.
وقد ضرب مثلين على الشعر الجيد الذي وصف حالة مشبعة بالعاطفة فكان أثره في النفس رائعًا أولهما في الرثاء قول مويلك يرثي امرأته وقد خلفت له بنتًا صغيرة فوصف حالة هذه البنية بعد وفاة أمها:
فلقد تركت صغيرة مرحومة
…
لم تدر ما جزعًا عليك فتجزع
فقدت شمائل من لزامك حلوة
…
فتبيت تسهر أهلها وتفجع
وإذا سمعت أنينها في ليلها
…
طفقت عليك شئون عيني تدمع
فهو لم يعلمك شيئًا جديدًا لم تكن تعرفه، ولم يبهر خيالك بالتشبيهات الفاسدة والمغالطات المعنوية، ولكنه ذكر حقيقة، ومهارته في تخيل هذه الحالة ووصفها بدقة ومن أمثال هذا في الغزل قول ابن الدمينة في وصف حياء الحبيب.
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له
…
ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل
…
به سكتة حتى يقال مريب
مثل هذا الشعر يصل إلى أعماق النفس ويهزها هزًّا والشعر هو ما أشعرك وجعلك تحس عواطف النفس إحساسًا شديدًا.
وقد بين شكري الفرق بين الخيال imagination والوهم fancy؛ لأن كثيرًا من الشعراء يخلطون بينهما، فيفسد شعرهم وذلك حين يقول: "إن التخيل هو أن يظهر الشاعر الصلات التي بين الأشياء والحقائق، ويشترط في هذا النوع أن يعبر عن حق والتوهم هون أن يتوهم الشاعر بين شيئين صلة ليس لها وجود، وهذا النوع يغري به الشعراء الكبار ومثله قول أبي العلاء المعري:
وأهجم على جنح الدجى ولوانه
…
أسد يصول من الهلال بمخلب
والصلة التي بين المشبه والمشبه به صلة توهم ليس لها وجود، وكذلك قول أبي العلاء في سهيل النجوم:
ضرجته دمًا سيوف الأعادي
…
فبكت رحمة له الشعريان
أي أعادٍ، وأي السيوف؟ في مثل هذا البيت ترى الفرق واضحًا بين التخيل والوهم، وأما أمثلة الخيال الصحيح، فهو أن يقول قائل إن ضياء الأمل يظهر في ظلمة الشقاء، كما يقول البحتري:
كالكوكب الدري أخلص ضوءه
…
حلك الدجى حتى تألق وانجلى
فهذا تفسير للحقيقة وإيضاح لها، وكذلك قول الشريف الرضي:
ما للزمان رمى قومي فزعزعهم
…
تطاير القعب لما صكه الحجر
والقعب القدح، فهو يشبه تفرق قومه، بتطاير أجزاء الإناء المكسور وهذا أيضًا توضيح لصورة حقيقة من الحقائق وهي تفرق قومه، وفي الحق إن هذه التفرقة بين الخيال والوهم تدل على رهافة حس ورقة ذوق وحسن تفهم للشعر؛ وقد عد العقادُ شكري رائد هذا التفرقة، ووضحها في كثير من مقالاته النقدية كما ستأتي بعد.
والمعاني الشعرية عند شكري هي: خواطر المرء، وآراؤه وتجاربه وأحوال نفسه عبارات عواطفه.
ومن الأمور النقدية التي نادى بها شكري وحده القصيدة وقال في ذلك: "قيمة البيت في الصلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة؛ لأن البيت جزء مكمل، ولا يصح أن يكون البيت شاذًّا خارجًا عن مكانه من القصيدة بعيدًا عن موضوعها، وينبغي أن ينظر إلى القصيدة من حيث هي شيء فرد كامل لا من حيث هي أبيات مستقلة".
وقد قلنا في غير هذا الكتاب1 تعليقًا على رأي شكري هذا: "وهذه الدعوة إلى وحدة القصيدة ثورة على نظام الشعر العربي الذي كان البيت فيه وحدة مستقلة، ولكننا نلاحظ أن شكري لم يتطرف في دعوته مثلما تطرف العقاد من بعد، حين دعا إلى الوحدة العضوية وإلى أن القصيدة بنية حية؛ وكل الذي أراده شكري ألا يكون البيت خارجًا في معناه عن موضوع القصيدة، أي أن القصيدة تكون كلها ذات موضوع واحد، لا عددًا من الموضوعات، كما كانت القصيدة العربية التي وضع أسسها الجاهليون.
إن وحدة القصيدة كما أرادها شكري قد تحققت لديه، فكل قصيدة من شعره غالبًا ذات موضوع واحد، مرتبطة أبياتها بعضها ببعض ولكن ليس بالقدر الذي إذا قدمت فيه بيتًا على آخر، أو أخرت بيتًا أو حذفته اختل نظام القصيدة وبتر المعنى. كما أراد الأستاذ العقاد وتهكم بشوقي في قصيدته التي رثى بها مصطفى كامل.
إن طبيعة الشعر الوجداني أن يكون انفعالات يتلو بعضها بعضًا وليس انفعالًا واحدًا متصلًا، وذلك لتعدد الانفعالات وتباينها نوعًا وضعفًا، ولم تتحقق الوحدة العضوية أبدًا في الشعر الوجداني لدى أي شاعر من شعراء العالم، اللهم إلا إذا نظمها على طريقة القصة، فهنا فقط يجوز أن تتحقق، وفي شعرنا القديم حتى الجاهلي منه أمثلة عدة لوحدة القصيدة إذا جاءت قصة".
وقد حاول شكري أن يخرج على القافية العربية في القصيدة فنظم الشعر المرسل وهو الموزون غير المقفى، وقد أنهى ديوانه الأول:"ضوء الفجر" بقصيدة طويلة من الشعر المرسل تحت عنوان "كلمات العواطف"، ويجد له في الجزء الثاني قصيدة من هذا النوع بعنوان "واقعة أبي قير" وأخرى "نابليون والساحر المصري".
وقصيدته "كلمات العواطف" أفكار متناثرة، وأبيات مستقلة بعضها عن بعض، ولم يكن ثمة ضرورة لأن تأتي بالشعر المرسل إذ لم تأت مرتبطة ارتباطًا تامًا، وطويلة طولًا مفرطًا، فتكون القافية الموحدة مجهدة للشاعر أو تكلفة.
وربما ساقها إلى وحدة القصيدة وترابط أبياتها في المعنى والموضوع -وقد كان الموضوع وجدانيًّا لذلك نفرت منها الآذان فعدل عنها إلى الأقصوصة الشعرية في "واقعة أبي قير" وفي "نابليون والساحر المصري".
والمتأمل في شعر شكري ممثلًا في دواوينه السبعة، وفي نظرته النقدية التي أوردها في بعض مقدمات هذه الدواوين يدرك أن شكري لم يهتم من ضروب الأدب إلا بالشعر، ولم يعن من فنون الشعر إلا بالشعر الوجداني الذاتي الذي يصدر نتيجة تجربة خاصة، ولم يلتفت لشئون الحياة حوله، وبذلك ضاق مفهوم تقدم الشعر لديه غرضًا وأداء، فلم يكثر من الأقصوصة الشعرية ولم ينظم المسرحيات التي تتيح للشاعر الفرصة لخلق الشخصيات المتباينة ودراسة المجتمع، ولم يهتم بالشعر الموضوعي، الذي يعد جديدًا في الأدب العربي، وكأنما الدنيا كلها تركزت في نفسه.
ومهما يكن من أمر فقد خلا شعره من المديح والرثاء "إلا النادر" وهو رثاء جديد، ليس فيه العويل والصراخ والنحيب، وإنما فيه تأملات ذهنية وحديث عن الموت وسطوته.
وكان الشعر عنده "رحلة إلى عالم أجمل وأكمل وأصدق من هذا العالم،
رحلة إلى عالم يحس المرء فيه لذات التفكير أكثر مما يحسها في هذا العالم الأرض".
ومع أنه عنى بالشعر الوجداني الذاتي، فقد عرج على بعض آفاتنا الاجتماعية ولم يخض في السياسة بالجزء الأول ولا مرة واحدة حين اشتد النزاع بين المسلمين والأقباط.
لقد كان شكري واسع الثقافة جدًّا، وكان شاعرًا مرهف الذوق والحس، يعرف طريقة في الشعر، وكان له مذهب كونه بعد دراسة، وكنا ننتظر منه أن يروج لهذا المذهب ويدعو إليه ويبسط قضاياه ويدافع عنه، ولكن حياته الأدبية كانت قصيرة، وجنى عليه فرط حساسيته وطموحه الشديد، وتوهمه تنكر الناس له فآثر العزلة وحرم النقد الأدبي، والشعر ثمرات هذه العقلية الفذة المجددة.
وإن جهد زميله العقاد أن يسد الثغرة بكتاباته المستفيضة في النقد والدعوة إلى هذا المذهب الجديد في الشعر.
كان العقاد كزميله شكري ممن تأثر بالأدب الإنجليز في مذهبه الشعري، وفي نظرته النقدية، وقد بين هذا في قوله:"وأما الروح فالجليل الناشئ بعد شوقي كان وليد مدرسة لا شبه بينها وبين من سبقها في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهي مدرسة أوغلت في القراءة الإنجليزية، ولم تقصر قراءتها على أطراف من الأدب الفرنسي، كما كان يغلب على أدباء الشرق الناشئين في أواخر القرن الغابر، وهي على إبغالها في قراءة الأدباء والشعراء الإنجليز، لم تنس الألمان والطليان والروس والأسبان، واليونان واللاتين الأقدمين، ولعلها استفادت من النقد الإنجليزي فوق فائدتها من الشعر فنون الكتابة الأخرى، ولا أخطئ إذا قلت: إن "هازلت" هو إمام هذه المدرسة كلها في النقد؛ لأنه هو الذي هداها إلى معاني الشعر والفنون، وأغراض الكتابة، ومواضع المقارنة والاستشهاد.
وقد كان الأدباء المصريون الذين ظهروا أوائل القرن العشرين يعجبون "بهازلت" ويشيدون بذكره ويقرءونه، ويعيدون قراءته يوم كان هازلت مهملًا في وطنه، مكروهًا من عامة قومه؛ لأنه كان يدعو في الأدب والفن والسياسة والوطنية إلى غير ما يدعون إليه، فكان الأدباء المصريون مبتدعين في الإعجاب به لا مقلدين ولا مسوقين. ولقد كانت المدرسة الغالبة على الفكر الإنجليزي الأمريكي بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر هي المدرسة التي كانت معروفة عندهم بمدرسة "النبوءة والمجاز"، أو هي المدرسة التي تتألق بين نجومها أسماء كارليل، وجون ستيوارت مل، وشيلي، وبيرون، ووردزورث1 ثم خلفتها مدرسة قريبة منها تجمع بين الواقعية والمجازية، وهي كمدرسة بروننج، وتنيسون، وإمرسون، ولو نجفلو، وبو، وهاردي، وغيرهم ممن هم دونهم في الدرجة والشهرة2 وقد سرى من روح هؤلاء الشيء الكثير إلى الشعراء المصريين الذين نشئوا بعد شوقي وزملائه3.
وهازلت كان عنيفًا في نقده لأكثر ما كتب معاصروه، وقد قال عن نفسه:"أنا لا شيء إذا أكن نقادة" وكان يقول ما في نفسه بصراحة تامة ولم يكن يستطيع الكتابة من غير صراحة، ولو أطلق لأهوائه العنان حينما كان يتكلم عن الأباء الأقدمين ما جعل من أديب معاصر له مثلًا يحتذي، وقد قال في تعليق له على نفسه في حواء تخيلي:"إني أصدقك حينما تمدح لا حينما تذم" وكان يصور معاصريه كما يراهم، ويجعل من أخطائهم وهفواتهم جزءًا في الصورة، ولا يحابي ولا يجامل، ولا يتأول، أو يقبل معذرة4.
1 وهي المدرسة الإبداعية وقد فصلنا خصائصها في كتابنا "المسرحية" فأرجع إليه.
2 راجع خصائص المدرسة الواقعية في كتابنا "المسرحية" وسترى ثمة الأسباب التي أدت بهذه المدرسة إلى التشاؤم.
3 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي ص191- 193.
4 راجع TJE OMTRPDICTOPM TP WPRDS WPTRTH POETRY WITH ESSAYS BY COLERIDGE، HAZLITT AND DE QUINECEY. OXFORD PRESS
ويقول عنه "دي كونسي": لقد وضع هازلت نفسه في معارضة قوية مع كل ما هو نافع تحت الشمس في هذا العالم، ومع كل الشخصيات القوية ذات السيطرة في إنجلتر1 وهذا هو السبب في أنه كان مكروهًا.
كان كثير التفكير، والعزلة، عاش عزبًا، عازفًا عن الشهرة ومظاهر الحياة، وكلما أكثر من التفكير إزدادت نظراته إلى الحياة سواءًا وتشاؤمًا2، "ولم يكن هازلت فقيرًا في المشاعر العميقة، أو أسمى أنواع الإلهام وراء المثل الأعلى في الخير، ولكن ليس لذوقه الأدبي أصول رئيسية يعطي بها أي إشارة أو دليل نحو أهدافه، وليس ثمة نقط مركزية في ذهنه، تدور حولها مشاعره، أو تتبلور خيالاته وليس ثمة فارق واضح بين مواهبه التخيلية وذكائه. أما في نقده فبدلًا من أن يقودنا نحو هدف معين، نراه يفتح أمامنا طرقًا جانبيه عديدة، نعاني النظر إليها الشيء الكثير، حتى ننسى الغاية في رحلتنا3".
هذه هي الصفات البارزة العامة في نقد هازلت التي أعجب به العقاد كثيرًا، ونهج منهجه في النقد، أما المدرسة الأدبية التي أعجب بها العقاد، وهي مدرسة بيرون ووردسورث فهي المدرسة التي عنيت بالحياة الإنسانية في أبسط مظاهرها، تاركة كل ما يتألق في صفحات التاريخ وهي التي أغرمت بالطبيعة، وتذوقها بحدة وحرارة، ووقفت طويلًا أمام أقل نتاج للطبعية تتأمل جماله وتتملى محاسنه، وتستوحيه وتستلهمه، ودعت إلى البساطة متجنبة الزخرف، والألفاظ الضخمة الطنانة، وفي ذلك يقول ورد سورث في مقدمة Lyrical Ballads أو الحكايات الشعبية الشعرية: إن هؤلاء الذين تعودوا من كثير من الكتاب المحدثين العبارات المزخرفة الطنانة، إذا أصروا على قراءة هذا الكتاب عن آخره فإنهم سوف يعانون إحساسات غريبة متغيرة، غير رشيقة. وسوف يبحثون عن الشعر، ويضطرون للسؤال عن أي نوع من المجالات سمع لهذا النوع من الكلام أن يسمى شعرًا"4؛ وذلك لبساطته، ولأنه تناول الحياة المألوفة التي لم يتعود الشعراء أن يأبهوا لها أو يعنوا بالتحدث فيها.
1 راجع. 214. WILIAM HAZLITT BY. AUGUATIN GIRREILL.P
2 المصدر السابق 215.
3 راجع. EDINBURGH REVEW. VOL. XXXL. V
4 راجع مقدمة LYICAL BALLADS
وأما هؤلاء الذين أتوا على أعقاب تلك المدرسة من أمثال هاردي، وويتمان، وبو، فهي المدرسة المتشائمة المتصوفة، المغرقة في تصوير أبشع ما في الإنسانية، وهي في نفس الوقت تجنح إلى الواقعية، والواقع مليء بالمآسي والأوصاب الاجتماعية؛ ولقد أورثهم تغلغلهم في الواقع اشمئزازًا من المجتمع الإنساني وزهدًا فيه ونفورًا منه وتشاؤمًا في الحياة، ولقد دافع العقاد عن تشاؤم هاردي كثيرًا، بل نراه يحذو حذوه في ديوان "أعاصير مغرب"، حين اختار اسم الديوان، وحين نظم في الحب وهو في الشيخوخة كما نظم هاردي ودافع عن رأيه هذا بمنطقه المعهود، وتراه تشاءم كما تشاءهم هاردي فيتعجل غروب الحياة، ولما سئل في هذا اقتبس رأي "بيرون" وهو في السادسة والثلاثين من عمره: "أن لهذا القلب أن يسكن، من عز عليه أن يحرك سواه، ولكني، وقد حرمت من يهوى إلى حسبي نصيبًا من الحب أن أهوى. إن أيامي المكتوبة على الورقة الذاوية، إن زهرات الحب وثماره ذهبت إلى غير رجعة، إنما السوس والديدان وحسرة الأسى، هي لي
…
لي وحدها تحيا"1.
ولست أريد في هذا المقام أن أسهب في تبيان خصائص نص هذه المدارس التي تأثر بها العقاد والمازني وشكري، ومن تتلمذ لهم بالتفصيل، فلذلك موضعه من الكتاب عند الكلام عن المدرسة المجددة في الشعر العربي الحديث. ولكن حسبنا في هذه المرحلة أن نبين أثرها في نقدهم للشعر، وتوجيههم للأدباء، ولا سيما أثرها في الأستاذ العقاد، وهو أكثر من تكلم من النقاد عن الشعر، وعن مذهبه، فيه.
يقول العقاد:
"وقد استطاعت هذه المدرسة المصرية أن تقاوم فكرتين كلتاهما خاطئة ناقصة، وإن جاءت إحداهما من الماضي، وجاءت الأخرى من أحدث الأطوار في الاجتماع، وتعني بالفكرة الأولى تلك التي يفهم أصحابها أن "الأدب القومي" هو الأدب الذي تذكر فيه الظواهر والمعالم القومية بالأسماء والتواريخ والحوادث،
1 مقدمة أعصاير مغرب ص15.
وهكذا كان جيل شوقي وحافظ يفهم "القومية" التي ينبغي للشعراء المصريين، فليس من الأدب القومي عندهم أن يصف الشاعر عواطفه الإنسانية، أو يصف المحيط الأطلسي، أو نهر دجلة، أو مناظر لندن وباريس؛ لأن هذه الأشياء لا تحمل اسم النيل ومصر والهرم، وأخبار الصحف المحلية والحوادث الداخلية، وفي فكرة خاطئة ناقصة تنفيها أمثلة من العظماء في كل زمن وكل أمة.
وأما الفكرة الثانية التي قاومتها مدرسة الشعراء المصريين في الجيل الحديث فهي الفكرة الاشتراكية العقيمة، التي تحرم على الأديب أن يكتب حرفًا لا ينتهي إلى "لقمة خبز" أو إلى تسجيل حرب الطبقات ونظم الاجتماع1. إلى أن يقول:"فمدرسة الشعر المصري بعد شوقي تعنى بالإنسانية ولا تفهم "القومية" في الشعر إلا على أنها إنسانية مصبوغة بصبغة وطن من الأوطان، وهي تلقي بالها كله إلى شعور الإنسان في جميع الطبقات، وهي على هذا مدرسة الطبيعة والإنسانية". ولقد قال الأستاذ العقاد في مقدمته للجزء الثاني من ديوان عبد الرحمن شكري سنة 1913.
"إن الشعر قد يسلي ويرفه عن الخواطر، ولكنه فوق ذلك يهذب الأخلاق ويلطف الشعور، ويعين الأمة في حياتها المادية والسياسية والاجتماعية" وقال في موطن آخر2: "إن الأدب الصحيح السامي الذي ينبغي أن يتخذ مقياسًا تقاس إليه الآداب هو الأدب الذي تمليه بواعث الحياة القومية، وتخاطب به الفطرة الإنسانية عامة، أما إن أملته بواعث التسلية والبطالة، وخاطب الأهواء العارضة، فهو أدب غث مرذول مكشوف ينبغي نبذه ومحاربته".
فهو في هذين النصين يعدل من فكرته في محاربة الشعر القومي كما فهمه شوقي وحافظ ومن سار على نهجهما، فقد كان هذا الشعر يعين الأمة في حياتها المادية والسياسية والاجتماعية، وتمليه بواعث الحياة القومية ولا ريب.
وتراه في مواطن آخر يفسر الشعر الاجتماعي تفسيرًا جديدًا فيقول:
1 وهو بهذا ينعي على حافظ وشوقي وعبد المطلب ومحرم وإخوانهم شعرهم الاجتماعي وحثهم أولي الأمر على العناية بالفقير ومحاربة الجهل والمرضى في مصر.
2 مطالعات في الكتب والحياة ص4.
"إن الشعر الصادق يعبر عن كل نفس، وهو بذلك يعبر عن المجتمع بأسره ويؤثر فيه، ولذا نعده شعرًا اجتماعيًّا وإن لم يدون حادثًا قوميًّا أو نحوه"1، ولا شك أن الجمال والجلال ليسا وقفًا على مصر وحدها، والشاعر المرهف الحس، الذواقة للجمال والجلال يراهما في مواطن كثيرة من العالم، وهو حين يصفهما، وينقل إلينا عواطفه إزاء ما يرى سواء كان ذلك في لندن أو باريس أو غيرهما من بلاد العالم إنما ينقل إلينا إحساسه الذاتي ومشاعره الخاصة ومن التعسف أن نسمي شعره هذا شعرًا قوميًّا؛ لأن المراد بالشعر القومي ذلك الذي يحفز المشاعر ويحث الهمم على إعلاء شأن الوطن أو تمجيد تاريخه. أو وصف روائع آثاره وجمال طبيعته مما يبعث في النفوس الإعجاب به والحب له والفناء في سبيله.
ولعل الأستاذ العقاد أراد ألا يقف الشعراء على هذا الضرب من الشعر القومي الذي يحمل اسم النيل الهرم ومصر، وأن تتسع آفاقهم فتشمل الإنسانية جمعاء.
ولكن عذر هؤلاء الشعراء في تلك الحقبة أن مصر كانت في صراع مرير مع قوى الاستعمار الغاشم الذي جهد كل الجهد في أن يمكن لأقدامه في هذه الديار واصطنع كثيرًا من ذوي النفوس الضعيفة، وفرض علينا لغته وثقافته، وعمل على مسخ الروح القومية والتشكيك في القيم التي كنا نقدسها ونحتفي بها، فكان الشعراء يحسون بآلام هذه الأمة المكافحة ويدركون عنف هذا الصراع فترجموا عن أحاسيس مواطنيهم وشجعوهم وثبتوهم بهذا الشعر القومي، وعملوا على غرس محبة هذا الوطن وإعزازه في قلوب مواطنيهم.
ومع هذا فإن شوقي بخاصة لم يقف عند حد النيل وبالهرم ومصر وآثارها فله عشرات القصائد الرائعة التي قالها في غير مصر فإن في: دمشق وبيروت ولبنان وعاب بولون وقبر نابليون والبسفور والأندلس وطوكيو وسواها.
1 الفصول ص19.
وأما فكرة الاشتراكية العقيمة التي عابها الأستاذ العقاد على شوقي وزملائه، وسماها حرب الطبقات، فلم يكن يقصد سوى الشعر الاجتماعي الذي يحارب الجهل والفقر والمرض، ويعمل على رفع مستوى الحياة في مصر وبحث على بعث روح الإسلام والنخوة الوطنية حتى يهتم ذوو الثراء بمواطنيهم الذين قتر عليهم في رزقهم.
إن هذه مآس وطنية قومية، وكنا في مستهل النهضة، وهذه قوى معنوية معطلة، ويجب على الشاعر ألا يعيش في عزلة عن قومه، لا يفرح لأفراحهم ولا يأسى لمآسيهم، ويكتفي باستبطان ذاته وسبر أغوار نفسه، وترجمة عواطفه الخاصة كما فعل شكري.
إن هذا الشعر القومي، والشعر الاجتماعي شعر إنساني ما في ذلك شك ما دام مصحوبًا بالعاطفة المعبرة، وما دام هدفه الخير والجمال والحق.
واهتمام العقاد وزملائه بالإنسان ترديد لمذهب ورد سورث الذي ذكره في أكثر من موضع مع رواياته وقائده، وعرفه عنه مواطنه ومعاصروه، من ذلك قوله في التوطئة The Prelude ليس موضوعي إلا قلب الإنسان وحده.
My Theme، no other than the very heart of man.
ويقول في "ميخائيل" Micheal: إنه قيد للتفكير في الإنسان، وفي قلب الإنسان، وفي الحياة الإنسانية.
.On Man، the heart of man، and human life
وقد اهتم وردسورث فوق هذا بالقوانين الفطرية للطبيعة البشرية، وهو يرى أن هذه القوانين يمكن دراستها أحسن دراسة في الظروف العادية، لشخص عادي، أما من جدت أقلام المؤرخين جذلة لتشهرهم فإنه يراهم لا يستحقون كل هذا1.
1 راجع. Werdworth poerty and prose. Introduction by، D، N. Smith P. Xll
وقد قال العقاد في كتابه "الديوان" وهو ينقد شوقي ويوجه الخطاب إليه: "اعلم أيها الشاعر العظيم، أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعددها، ويحصي أشكالها وألوانها، وأن ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما مزية الشاعر أن يقول ما هو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به"1. وقد فسر هذا مبينًا أثر التشبيه والاستعارات في الشعر وأن الغرض منها ليس تعداد الأشكال والألوان بقوله: "وإذا كان وكذلك من التشبيه أن تذكر شيئًا أحمر، ثم شيئين أو أشياء مثله في الاحمرار، فما زدت على أن ذكرت أربعة أو خمسة أشياء حمرة بدل شيء واحد؛ ولكن التشبيه أن تطبع في وجدان سامعه وفكره صورة مما انطبع في ذات نفسك، وما ابتدع الشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعًا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها، وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس، وبقوة الشعور وتيقظه، وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه، ولهذا لا لغيره كان كلامه مطربًا مؤثرًا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه، لأنه يزيد الحياة حياة، كما تزيد المرآة النور نورًا، فالمرآة تعكس على البصر ما يضيء عليها من الشعاع فتضاعف سطوعه، والشعر يعكس على الوجدان ما يصفه فيزيد الموصوف وجودًا إن صح هذا التعبير، ويزيد الوجدان إحساسًا بوجوده.
وصفوة القول أن المحك الذي لا يخطئ في نقد الشعر هو إرجاعه إلى مصدره، فإن كان لا يرجع إلى مصدر أعمق من الحواس فذلك شعر القشور والطلاء، وإن كنت تلمح وراء الحواس شعورًا حيًّا ووجدانًا تعود إليه المحسوسات، كما تعود الأغذية إلى الدم، ونفحات الزهر إلى عنصر العطر فذلك شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية، وهناك ما هو أحقر من شعر القشور والطلاء وهو شعر الحواس الضالة والمدارك الزائفة، وكما إخال غيره كلامًا أشرف منه إلا بَكُمَ الحيوان الأعجم".
1 الديوان ص16 ج1.
وهو بهذا يشرح تلك النظرية التي قال بها شكري وحدد فيها مهمة التشبيه، وقرر الفرق بين التخيل والوهم.
وفي الحق إن هذا فهم طيب لوظيفة الشعر وهو أن ينقل الأثر الذي انطبع في نفس الشاعر إلى سامعه فيزيد الموصوف قوة وجلاء. فالشعر هو التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وإن كان الكشف عن حقائق الأشياء ولبابها لم يهتد إليه أحد بعد، وبحسب الشاعر أن يبين لنا في صيغة عذبة أثر الأشياء في نفسه وعاطفته إزاءها.
ونرى العقاد أكثر وضوحًا في نقده حين يقول: "إن القصيدة ينبغي أن تكون عملًا فنيًّا تامًّا، يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة، كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث إذا اختلف الوضع، أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها. فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته"1.
ولقد قال بعض النقاد القدماء بوحدة القصيدة كالحاتمي وهو من علماء القرن الرابع الهجري: "مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب، غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه، وتعفى معالمه، وقد وجدت حذاق المتقدمين، وأرباب الصناعة من المحدثين يحترسون في مثل هذه الحال احتراسًا يجنبهم شوائب النقصان، ويقف بهم على محجة الإحسان، حتى يقع الاتصال ويؤمن الانفصال، وتؤتي القصيدة في تناسب صدورها وأعجازها وانتظام نسيبها. بمديحها كالرسالة البليغة، والخطبة الموجزة لا ينفصل جزء منها عن جزء"2، وإن كان هذا الكلام يخالف بعض الشيء ما قال به العقاد فهو لم يكتف بأن تكون القصيدة ذات موضوع واحد، بل تطلب أن تكون كائنًا حيًّا: وبهذا نادى بالوحدة العضوية، ونكرر هنا ما قلناه آنفًا من أن الشعر الغنائي الوجداني لا يمكن أن تتحق فيه هذه الوحدة العضوية إلا إذا كان أقصوصة غنائية؛ لأن الوجدان يأتي على دفعات وموجات ولا يكون شعورًا دائمًا متصلًا وفكرة متماسكة مترابطة.
1الديوان ص46 ج4.
2 زهرة الآداب للحصري ج2 ص17، وابن الرومي للعقاد ص46.
إن النداء بوحدة القصيدة ثورة موجهة إلى نظام القصيدة العربية التي كانت تحتوي على عدة أغراض، ويكون البيت فيها وحدة مستقلة، بل عد من عيوب الشعر أن يكون له اتصال إعرابي بما يعده أو يتوقف معناه على غيره من الأبيات.
وقد نادى بوحدة القصيدة قبل العقاد وشكرى خليل مطران كما سيأتي بعد، وقد أفادت هذه الحملة فتغير نظام القصيدة وبطل النسيب التقليدي الذي كان يتصدرها، ولكن لم يستطع أي شاعر أن يحقق في القصيدة الغنائية وفي الشعر الوجداني الذاتي الوحدة العضوية كما نادى بها العقاد إلا في القصة الغنائية؛ وهذه كانت معروفة قديمًا في الشعر العربي.
ويرى ألا يكون في الشعر إحالة ويعني بها فساد المعنى، وهو ضروب فمنها: الاعتساف، والشطط، ومنها المبالغة ومخالفة الحقائق، ومنها الخروج بالفكر عن المعقول، أو قلة جدواه وخلو مغزاه1.وينعي على الشعر إذا كان فيه تقليد، وهو تكرار المألوف من القوالب اللفظية والمعاني، وأيسره على المقلد الاقتباس المقيد والسرقة2. ويقول عن المبالغة بصفة خاصة إنها علامة من علامات انحطاط الفكرة فهي خليقة بأن تقل إذا ما انتشرت المعرفة وعنيت الأمة بالوقوف على الحقائق والاهتمام بالجواهر دون الأعراض"3، ولكن العقاد يحاول بعد ذلك أن يدافع عن المبالغة في الشعر فيقول: "لقد ظنوا في حيرتهم أن الشعر العصري هو اجتناب المبالغة، وأن اجتناب المبالغة هو التزام الصحة العلمية، وعندي أن الذي يقول لحبيبه إنه أبهى من الشمس صادق في قوله؛ لأن الشمس لا تسره كما يسره حبيبه، ولا تغمر نفسه بالضياء كما تغمرها طلعة الحبيب"، ويوجه النصيحة للأدباء بقوله: "بالغوا، والتزموا الحقيقة الفنية، تكونوا عصريين كأحدث العصريين"4.
1 الديوان ص54.
2 نفس المصدر ص59.
3 خلاصة اليومية ص15.
4 البلاغ الأسبوعي 22 من مايو سنة 1927 ص13.
ولعلك تحس بالتناقض في قوله، فهو بعد المبالغة من عيوب الشعر، ثم هو يدعو إلى المبالغة مع التزام الحقيقة الفنية، والمبالغة زيادة في الحقيقة سواء كانت فنية أو غير فنية.
ويقول العقاد منتقدًا هؤلاء الذين يدعون الشعراء لكي يمثلوا عصرهم وأحداثه، وينفعلوا لها:"أطلب من الشعر أن يكون عنوانًا للنفس الصحيحة، ثم لا يعنيك بعدها موضوعه، ولا منفعته، ولا تتهمه بالتهاون إذا لم يحدثك عن الاجتماعيات والحماسيات، والحوادث التي تلهج بها الألسنة، والصيحات التي تهتف بها الجماهير"1، ولا يرى العقاد من الضرورة أن يمثل الشاعر بيئته" فتمثيل البيئة ليس من الشرائط الشاعرية، لأن البيئة الجاهلة المقلدة يمثلها الشعراء الجاهلون المقلدون؛ ولأن الشاعر المتفوق قد يخالف بيئته، وينقطع ما بينه وبينها فلا تشبهه ولا يشبهها إلا في معارض لا يصح بها الاستدلال"2.
وقد أخرج ديوانه "عابر سبيل" جاعلًا فيه أغراض الشعر هي الأمور العادية التي لم يكن ينظم فيها الشعراء من قبل "فليست الرياض وحدها، ولا البحار ولا الكواكب، هي موضوعات الشعر الصالحة لتنبيه القريحة، واستجاشة الخيال، وإنما النفس التي لا تستخرج الشعر إلا من هذه الموضوعات كالجسم الذي لا يستخرج الغذاء إلا من الطعام المتخير المستحضر، أو كالمعدم الذي يظن أن المترفين لا يأكلون إلا العسل والباقلاء".
كل ما تخلع عليه من إحساسنا، ونقيض عليه من خيالنا، ونتخلله بوعينا، ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر، وموضوع للشعر؛ لأنه حياة وموضوع للحياة
…
وعلى هذا الوجه يرى "عابر سبيل" شعرًا في كل مكان إذا أراد. يراه في البيت الذي يسكنه وفي الطريق الذي يعبره كل يوم، وفي الدكاكين المعروضة، وفي السيارة التي تحسب من أدوات المعيشة اليومية، ولا تحسب من دواعي الفن والتخيل؛ لأنها كلها تمتزج بالحياة الإنسانية وكل ما
1البلاغ الأسبوعي 27 من مايو سنة 1927 ص13.
2 نفس المصدر السابق.
يمتزج بالحياة الإنسانية فهو ممتزج بالشعور، صالح للتعبير، واجد عند التعبير عنه صدى مجيبًا في خواطر الناس"1.
ولعلك ترى العقاد لا يركز في نقطة واحدة يدور حولها نقده، ولا يتمسك برأي في هذا النقد، وليس لذوقه أصول يرتكز عليها نقده، شأن أستاذه "هازلت"، وليس من همي الآن أن أناقشه مستحسنًا أو معارضًا وإنما أحاول أن أبين أثر نقده في الشعر المعاصر، فالعقاد كما رأيت يدعو إلى وحدة القصيدة، ويدعو إلى عدم الإحالة والتعسف والمبالغة ثم يفسر المبالغة بأنها التي لا تتنافى والحقيقة الفنية، ويرى أن موضوع القصيدة يشمل كل شيء في الحياة، وأن الشعر ليس من الضروري أن يكون ذا فائدة، وأنه ليس من شروطه أن يمثل البيئة أو المجتمع، ثم بعد ذلك يرى أن كل ما يمتزج بالحياة الإنسانية فهو ممتزج بالشعور جدير بأن يكون موضوعًا شعريًّا، صالح للتعبير، وأجد عند التعبير عنه صدى مجيبًا في خواطر الناس. أو ليس ذلك هو ما يشغل أذهان الناس في زمن ما وفي بيئة ما، فما باله يعيب على شعرائنا أن يقولوا في الحوادث السياسية، وأن يصفوا طبيعة مصر، ويصوروا المجتمع المصري بما فيه من أدواء تستحق العلاج ويتحسروا على إهمال الطبقات الفقيرة، أو ليس ذلك اهتمامًا بالطبقة العاملة في الأمة واهتمامًا بالإنسانية التي حرص العقاد على أنه يكون شعره وقفًا عليها؟ ولكنه يعارض فكرة القومية كما فهمها هيكل، وكما طبقها شوقي وحافظ وغيرهما.
ومهما يكن من أمر، فإن مدرسة العقاد وشكري والمازني عنيت بالمعنى عناية فائقة، وعنيت بالفكرة، وإخراجها واضحة، ولو لم تكن في أسلوب رائق، ولفظ مونق، وإن حاولوا مرارًا أن يدافعوا عن بلاغة العبارة، وفي ذلك يقول المازني في انتقاده لشكري:"وأنت أيها القارئ قد تعلم أن سر النجاح في الأدب هو علو اللسان، وحسن البلاغ، وقوة الأداء، وأن على من يريد أن يشرح دينًا جديدًا "لأطفال" هذا العالم أن يحثهم بما أحب أسلافهم في سالف الزمن، أو بما
1 مقدمة عابر سبيل ص 7-8.
يلذهم أن يحبوه لو عرفوه. وأنه لكي يغربهم به ينبغي له أن يتوخى القوة في العبارة عما يريد، فإن الناس خليقون ألا يؤمنوا إلا بمن عمر صدره بالإيمان.
وقلما ظهر كاتب أو شاعر بالأداء، وكثيرًا ما يمتاز بعض الكتاب، وتخلد آثارهم لما أتوه من المقدرة على إجادة العبارة عن آراء غيرهم. ولعل هذا أكبر الأسباب التي أفضت إلى خمول شكري وفشله في كل ما عالجه من فنون الأدب؛ لأنه لا أسلوب له، إذ كان يقلد كل شاعر ويقتاس بكل كاتب"1.
وترى العقاد كذلك يدافع عن جودة العبارة، وإن لم يستطع كل شعراء المدرسة الحديثة إلا علي محمود طه المهندس أن يجمعوا بين جدة المعنى، ورشاقة اللفظ وحلاوة موسيقاه؛ إذ أن حرصهم على أن يغص شعرهم بالأفكار والحقائق، جعلهم يؤدون هذه الحقائق بأي لفظ تهيأ لهم؛ لأنه مقصورة لذاتها ولذلك لا تستسيغه الآذان، ولا يقبل عليه أهل الغناء، ومع كل هذا لا يرى العقاد بدأ من الدفاع عن بلاغة الأسلوب وقوته وجماله. إذ يقول ناقضًا رأي ميخائيل نعيمة في الغربال. "الكتابة الأدبية فن، والفن لا يكتفي فيه بالإفادة ولا يغني فيه مجرد الإفهام، وعندي أن الأديب في حل من الخطأ في بعض الأحيان؛ ولكن على شرط أن يكون الخطأ خيرًا، وأجمل وأوفى من الصواب. إن مجاراة التطور فريضة وفضيلة، ولكن يجب أن نذكر أن اللغة لم تخلق اليوم فتخلق قواعدها وأصولها في طريقنا وإن التطور إنما يكون في اللغات التي ليس لها ماضٍ، وقواعد، وأصول، ومتى وجدت القواعد والأصول فلماذا نهملها أو نخالفها إلا لضرورة لا مناص منها؟ "2.
وكان العقاد في مستهل حياته النقدية يشجع النظم بالشعر المرسل كما جاء في مقدمته التي كتبها لديوان المازني الجزء الأول ولكن عدل عن رأيه هذا لأنه آمن بأن سليقة العربي تنفر من إلغاء القافية كل الإلغاء3.
1 الديوان ج1 ص49.
2 مقدمة الغربال ص8.
3 يسألونك ص64.
وقد لخص العقاد رأيه في مقاييس الشعر، وماذا يجب أن يكون بعد أن نيف على الستين وتركزت فكرته بقوله؛ "أما هذه المقاييس فهي في جملتها ثلاثة ألخصها فيما يلي.
"أولها": أن الشعر قيمة إنسانية، وليس بقيمة لسانية؛ لأنه وجد عند كل قبيل، وبين الناطقين بكل لسان، فإذا جادت القصيدة من الشعر فهي جيدة في كل لغة، وإذا ترجمت القصيدة المطبوعة لم تفقد مزاياها الشعرية بالترجمة إلا على فرض واحد، وهو أن المترجم لا يساوي الناظم في نفسه وموسيقاه، ولكنه إذا ساواه في هذه القدرة لم تفقد القصيدة مزية من مزاياها المطبوعة أو المصنوعة، كما نرى في ترجمة "فتزجيرالد" لرباعيات الخيام.
"وثانيها": أن القصيدة بنية حية، وليست قطعًا متناثرة يجمعها إطار واحد، فليس من الشعر الرفيع شعر تغير أوضاع الأبيات فيه، ولا تحس منه ثم تغييرًا في قصد الشاعر ومعناه.
"ثالثها": أن الشعر تعبير، وأن الشاعر الذي لا يعبر عن نفسه صانع، وليس بذي سليقة إنسانية، فإذا قرأت ديوان شاعر، ولم تعرفه منه، ولم تتمثل لك شخصية صادقة لصاحبه، فهو إلى التنسيق أقرب منه إلى التعبير"1.
ونكرر هنا ما سلف أن لاحظناه على النقد لدى شكري من أن هذه المدرسة وقفت عند باب الشعر الوجداني الذاتي، منصرفة عن سواه من ضروب الشعر الأخرى، ومناداتهم بالنظر إلى من قال لا إلى ما قيل، واهتمامهم بظهور شخصية الشاعر في شعره جب للشاعر الموضوعي كله وهو من أنواع الشعر التي نادى بها الغربيون، وأحلوها منزلة عالية وتتجلى في الملحمة المسرحية، ولذلك لا تجد لهم في هذا الميدان كثيرًا أو قليلًا، وإنما عكفوا على ذواتهم يسيرون أغوارها؛ ويتأملون ما حولهم ويعبرون عن أحاسيسهم بعد هذا التأمل، وهنا تضييق للشعر وحد من آفاقه.
1 معراج الشعر: مقال للأستاذ العقاد بمجلة الكتاب أكتوبر سنة 1948.
ومهما يكن من أمر فقد أفادت حملات العقاد والمازني على الشعر التقليدي، فحاول الشعراء الذين كانوا ينهجون في مستهل حياتهم الأدبية منهج الأقدمين أن يجددوا في شعرهم، وإن لم يتيسر لمعظمهم أن يأتي بجديد يعتد به، ولا سيما في المعاني والقوالب؛ لأن القرائح كانت في نضوب، والطباع في شبه جمود. بيد أن فريقًا من الشعراء الشبان الذين اطلعوا على الآداب الغربية وتأثروا بتوجيهات النقاد. وحملاتهم الصارمة على الشعر التقليدي جدوا في الإتيان بشعر جديد، ولكنهم وللأسف لم يكن عند أكثرهم تلك القوة الخالقة المبتكرة، ولا هذا الأسلوب المتين، ولا تلك الينابيع الغزيرة من المعاني التي كانت للجيل السابق لهم، فلم يرتفعوا بالشعر إلى المستوى الذي كنا نرجوه.
ومن نقاد هذه المدرسة التي حذفت الإنجليزية وأوغلت في قراءتها وتأثرت بنقادها، وحاولت جاهدة أن تعطي مفهومًا جديدًا للأدب بعامة والشعر بخاصة؛ المازني، وهو أحد الفرسان الثلاثة الذين كونوا المدرسة الأدبية النقدية.
ولكن المازني لم يكثر من تقرير النظريات المجلوبة، بل حاول أن يمزج في نقده بين القديم والجديد، وكانت له شخصية في النقد التطبيقي، ويغلب عليه طبع الفنان الأديب أكثر مما تغلب عليه سمات الناقد؛ فهو يغالي في مدحه كما يغالي في سخطه، نراه مثلًا يتحامل على شكري حتى يجرده من كل صفات، الشعراء، ويتحامل على حافظ إبراهيم في رسالته "شعر حافظ" التي يقول في ختامها:"ولو كان له حسنات لاغتفرنا له ما في شعره من السيئات، فإن للمتنبي سرقات كثيرة ولكن حسناته أكثر".
ونحن لا نبرئ المازني من الهوى في هذا التحامل، وقد ذكرنا آنفًا ما أفسد ما بينه، وبين شكري من مودة، ثم ندمه على ما فرط منه في هذا النقد الجارح. أما حافظ فكان الوشاة يبلغون المازني أن يكيد له في "نظارة المعارف" فأوغروا صدره عليه حتى جرده من كل نعت جميل، ثم أسف فيما بعد على هذا الشطط، وتمنى على الله أن ينسى ما كتبه على حافظ، أو ما سماه "الهراء القديم"1.
1 حصاد الهشيم ص284.
أما إذا أعجب بشخص فهو يتجاوز عن سيئاته، بل يلتمس له المعازير ويبالغ في تصوير حسناته كما فعل مع ابن الرومي، فدافع عن تشاؤمه وسخريته، عازيًا نقمته على العصر وأبنائه إلى ذكاء الشاعر وفرط حساسيته، حتى لكأنه يحس الحياة بأعصابه، يحس ما فيها من الظلم والغبن والخلط والفساد والتناقص، وإحساسه هذا بثقل القيود المحيطة به أبرز "أنا" في شعره وفي حياته إلى المكان الأول من الواعية، فحفل شعره بذكر نفسه. واكتظ بالمقابلة بين الرغبة والإمكان، وبين الأمل والواقع، والذاتية إنما يبرزها إدراك حدودها والتصادم بما هو خارج عنها.
ولعل سر إعجاب المازني بابن الرومي طبيعة المازني الساخرة، وأن المذهب الذي دعت إليه هذه المدرسة يؤكد ذاتية الشاعر ويعنى بإبرازها ويكشف عن أعماقها، فلا بدع إذا صرح بأن ابن الرومي أحب الشعراء إليه1. ويزعم أن ابن الرومي أعظم شاعر في العربية ويعلل لذلك بنسبة إلى الروم فهو آرى الأصل، ولذلك سلم من عيوب العرب في أدبهم من فساد الذوق وشطط الذهن، فتجد عندهم الحدة والطغيان والغلو ونحوها مما يجعل شعرهم جافيًا جامحًا، ومما يجعلهم ليسوا أشعر الأمم كما يظن بعضهم، وإن كانت لهم محاسنهم كمصدق النظر وذكاء المشاعر، وصفاء السريرة وعلو النفس، ولكن الشعوب الآرية أفطن منهم لمفانن الطبيعة وجلالة النفس الإنسانية وجمال الحق والفضيلة -على أن أنبغ العرب هم أولئك الذين ينتهي نسبهم إلى غير العرب كابن الرومي مثلًا فهو آري الأصل فارسي يوناني- وقد ورث كثيرًا من صفات قومه، فهو أقرب إلى شعراء الغرب في أسلوب الشعر2. ولا نريد أن نصف المازني بالشعوبية، وتعبده لمقاييس الأدب الغربية وبخاصة تلك المدرسة الإنجليزية، وبهذا التحامل الذي يزري بالشعر العربي القديم كله ويجرده من سمات الشاعرية، وما في كلامه من تناقض، ولكنا إذا التمسنا له العذر أرجعنا هذا الآراء إلى إعجاب المازني بالأدب الغربي نتيجة قراءته الكثيرة فيه وبخاصة في الإنجليزية، وتأثره بهازلت
1 المرجع السابق ص232.
2 راجع حصاد الهشيم عن ابن الرومي من صفحة 232- 422.
في طريقة نقده، ومحاولته تفويض الفكرة الشائعة عن الشعر والتي ورثها شعراء العصر الحديث، وساروا على نهجها منذ البارودي، فكان يضرب بمعوله من غير رحمة، ثم إلى طبيعته الجامحة وانفعالاته في غضبه ورضاه، فيشتد في سخطه كما يبالغ في ثنائه.
ولسنا بصدد نقد ابن الرومي وتبيان طريقته وما فيها من عيوب وحسنات ولكنا بصدد المازني وطريقته في النقد، وإن كان لا يفوتنا هنا التنويه بما كان للعرب من نظرة صادقة إلى الحياة، ومن إكبارهم النفس الإنسانية وسبر أغوارها كما تجلى في حكمهم الكثيرة التي نعدها قوانين مركزة تشف عن النفس الإنسانية في كل زمان ومكان.
أما الحق والفضيلة فلا أظن أمة من الأمم عنيت بهما مثلما عنيت الأمة العربية في أدبها وسلوكها وقانونها، ولولا خشية الاستطراد والخروج عن البحث لوفيت هذا الموضوع حقه، وبحسبي أن أحيل القارئ على كتابنا "الفتوة عند العرب" في الفصل الذي عقدته للموازنة بين العرب وسواهم من الأمم وبخاصة الغربية منها. ونستطيع أن نضيف هذا الجموح والشطط في نقد المازني للشعر العربي إلى نقده لشكري وحافظ ذلك النقد الذي تبرأ منه فيما بعد وندم عليه.
ويفسر لنا المازني مذهبه في النقد فقال: "مذهبي في النقد أن أنظر ما في الكتاب من الإحسان مقيسة إلى جملة ما فيه من العيب، فإذا أربى الإحسان على الإساءة تقبلته، وتجاوزت عما فيه من نقص أو مأخذ وإلا رفضته، فهو ميزان ينصب، وأي كفتيه رجحت أخذت بها، وهذا في مذهبي هو العدل الميسور في وزن الآراء والأعمال والحكم عليها"، ويعلل لرأيه هذا بأن كتابًا ما لا يخلو من نقص ولو خلا -وتلك مرتبة لا تنال- لما كان إنسانيًّا "بل أنا أذهب إلى أن من البواعث الخفية على الإعجاب أن يفطن القارئ إلى مواضع النقص ومواطن الضعف، وأن يحس ولو إحساسًا غامضًا أن الكتاب من الكتب على جلالة قدره وعظم شأنه وندرة مثله، وعجز الأكثرين عن الإتيان بما يقاربه لا يخلو من زلات
وعثرات، ووهن هنا وسقوط هنا، أو إسفاف أو خمولة أو قصور أو تقصير أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى ويلحق به"1.
ولعله في نقده لحافظ إبراهيم يبين لنا بعض اتجاهاته النقدية ورأيه في الشعر فهو يدعو إلا الإقلاع عن التقليد في الأدب فإن ذلك يفقده فضيلة الصدق، ومزية النظر، وهما عماد الأديب وقوام الشعر والكتابة، ولكن على الأديب أن يستفيد من آثار القدماء في أدبهم ويدرس في فهم الأصول الأدبية العامة التي لا ينبغي لأديب أن يحيد عنها أو يغفلها بحال من الأحوال -كالصدق والإخلاص في العبارة عن الرأي أو الإحساس، وهنا وحده كفيل بالقضاء على فكرة التقليد، والتقليد على كل حال دليل على ضعف الخيال، وعدم القدرة على الابتداع، وفقدان الشخصية.
ويرى إباحة التصرف في اللغة تصرف الوارث في إرثه، فلا يجمد أمامها بل ينبغي أن يجعلها تساير التطور والحاجة، ولكنه كان لا ينادي بالعامية والتساهل في معجم اللغة كما رأينا من قبل.
والأدب الحق عنده هو الذي يصور الوجدان والأحاسيس في صدق ويعطي صورة صادقة للناس وللحياة، ولا يقيم وزنًا للزخرف اللفظي إنما يوجه كل عنايته للمعنى، وكل معنى صادق مهما كان موضوعه أو هدفه وغايته فهو خليق بأن يكون موضوعًا للأدب.
ولعلك ترى من هذا أنه يلتقي مع شكري والعقاد وأنهم جميعًا يصدرون عن فكرة واحدة في قضية اللفظ والمعنى، وموضوع الأدب.
ويرى أن الناقد يجب أن ينظر إلى غرض الشاعر الذي يهدف إليه في القصيدة جملة حتى ندرك ما يرمى إليه كاملًا، وعليه في ذلك النظر إلى جزء منها دون سواها"2.
1 مجلة الكتاب عدد نوفمبر 1945 ص79- 90.
2 راجع شعر حافظ ص2 وما بعدها.
وقد رأى أن حافظًا وشكري على طرفي نقيض في شعرهما في الغرض والأسلوب والمنهج، وغالى كعادته في الحكم وزعم أن بيتًا واحدًا من ديوان شكري يفضل كل ما قاله حافظ وأضرابه1، مع أنه هدم شكري فيما بعده وجرده من كل ما يمت إلى الشعر بصلة.
ويرى أن الشعر لا بد من أن يكون مطبوعًا ليس فيه أثر ومن آثار الصنعة والتكلف أو الإجهاد، وأن يستلهم الخيال الواسع، ويعمد إلى الابتكار والتجديد، وأن يعبر تعبيرًا صادقًا عن نفس صاحبه، مصورًا لآمال النفس البشرية وآلامها، ومعبرًا خير تعبير عن معاني الطبيعة والعقل التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة وبالنفس فيكون بحق وحي الطبيعة ورسالة النفس، ثم لا يهمه بعد ذلك أي ثوب ألبس هذه المعاني ما دامت صحيحة صادقة.
ونرى المازني في نقده التطبيقي لشعر حافظ يسلك مسلك القدماء ويتكلم على النحو واللغة والإحالة والتعسف، والسرقة، ويعيب عليه ثقل الروح وبرود الفكاهة وجمود الخيال والسخف، وفساد الذوق وفساد المعنى، والخطأ العلمي والحشو والتكرار2.
ومن أمثلة نقده لحافظ مؤاخذته على استعماله المفعول المطلق في قوله:
غالها قبلك الزمان اغتيالًا
"فلفظة اغتيال لا ضرورة لها بعد غالبها"، وكان المازني يضيق ذرعًا بالمفعول المطلق، وقد رأينا هذا الضيق على أشده في نقده للمنفلوطي حيث أخذ يحصي ما ورد للمنفلوطي في العبارت من هذا المفعول3.
والمازني في نقده هذا يتعسف فينقده، وكأني به يريد أن يحذف المفعول المطلق من اللغة، ولكنا نراه في "قبض الريح" يدافع عن هذا المفعول المطلق ويقول "الواقع أن هذا المفعول يمثل في تاريخ النشوء اللغوي خطوة انتقال اتسع
1 شعر حافظ ص12.
2 نفس المصدر ص2.
3 الديوان ج2 ص25.
بعدها الأفق ورحب على أثرها المجال، وتفتحت أبواب التعبير المغلقة، ومن شاء أن يقدر فضل المفعول المطلق على اللغة وعلى العقل الإنساني أيضًا فليتصورها مجردة منه ولينظر إليها كيف تعود أو إلى أي حد تضيق"1.
والشعر في رأي المازني ذاتي شخصي مثله في ذلك مثل شكري والعقاد فهو عنده خاطر لا يزال يجيش بالصدر حتى يجد مخرجًا ويصيب متنفسًا، وهو غنائي خالص ليست له وظيفة سوى التنفيس الشخصي عن قائله2.
ويرى المازني أن الشعر ابن الخيال، إذ لم يكن للخيال فيه مجال فهو غث لا خير فيه ويستشهد برأي سانت بيف:"ليس الأصل في الشعر الاستقصاء في الشرح والإحاطة في التبيين، ولكن الأصل فيه أن نترك كل شيء للخيال"3.
وهذا يخالف ما دعت إليه هذه المدرسة من الاهتمام بالمعاني، وما اشتهرت به من إعجابها بابن الرومي الذي كان يستقصيها في شعره حتى يستنفدها، والمازني في هذا يتمشى مع مذهب العرب في الشعر الذي أشار إليه البحتري:
والشعر لمح تكفي إشارته
…
وليس بالهذر طولت خطبه
ويتفق المازني مع مذهب العرب في شيء آخر حين يقول: "والشعر في حقيقته لغة العواطف لا العقل، وإن كان لا يستغني عن العقل فيما يخدم هذه العواطف، وليس هو بشعر ما لم يعبر عن عاطفة أو يثيرها.... وبما أن العاطفة تحتاج إلى لغة حارة تعبر عنها، فقد استخدمت المحسنات البديعية، والعاطفة إذ هي الأصل في هذه المحسنات، ولكن هذه المحسنات صارت مرذولة بالصنعة والتكلف أما عند شعراء الطبع فتأتي عفوًا، ولا تكاد تحس، فهي جميلة الوقع، معبرة تعبيرًا صادقًا عن العاطفة".
ويدافع المازني دفاعًا قويًّا عن ضرورة الوزن في الشعر، فكما أنه لا تصوير بغير ألوان كذلك لا شعر إلا بالوزن، وقد يكون النثر شبيهًا بالشعر في تأثيره،
1 راجع قبض الريح ص156.
2 راجع مقدمة الجزء الثاني لديوان المازني 1912.
3 الشعر غايته ووسائطه ص3- 20.
وتعبيره عن العاطفة، أو يغلب عليه روح الخيال، ولكنه مع ذلك ليس بشعر، إذ يعوزه الجسم الموسيقي، ومثل الوزن في ذلك القافية، فلا شعر إلا بهما أو بالوزن على الأقل".
ولعلنا نتذكر محاولة شكري صديقه التخلص يومًا ما من القافية في ديوانه الأول أضواء الفجر حين نظم قصيدته "كلمات العواطف" من الشعر المرسل الموزون غير المقفى، وقد أطرى المازني شكري على جرأته هذه أول الأمر، ثم عاد فعابه عليها حين ساءت العلاقة بينهما.
ومن آراء المازني التي وافق فيها زميليه قوله: "إن الجيد في لغة جيد في سواها؛ لأنه لا يختص بلغة أو زمان أو مكان، فمرده إلى أصول الحياة العامة لا إلى المظاهر والأحوال الخاصة والعارضة، وكذلك الغث غث في غيرها؛ على أن محك القدرة في الأدب بوجه عام هو تصوير حركات الحياة والعاطفة المعقدة ورسم الانفعالات واعتلاج الخوالج الذهنية ونحوها، وليست غاية الأدب تصوير قشور الأشياء وظواهرها"1.
وهذا يذكرنا بكلام الأستاذ العقاد ولكنه يرى: "أن الأدب لا بد أن تكون له غاية سامية فيدفع الأمة إلى أن تطلب الحياة العالية الكريمة"2، فالأدب يجب أن يخدم المجتمع، فليس الفن للفن وحده3. ولذا ينبغي أن تكون هذه الدمامة وسيلة لغيرها لا غاية، وأن تكون أداة يستهان بها على تحريك إحساسات متزاوجة أو مركبة غير التي ينبهها منظر الدمامة، وقل أن تجد من الإحساسات البغيضة ما لا يكون مختلطًا بغيره أو نقيضه4.
ومن الآراء التي نادى بها المازني أن تكون القصيدة عملًا فنيًّا تامًّا على فكرة معينة، ليس الشاعر فيها مسبوقًا بباعث مستقل عن النفس5.
1 الديوان الجزء الثاني.
2 نفس المصدر ص2.
3 حصاد الهشيم ص106 وما بعدها.
4 نفس المصدر ص120 وما بعدها.
5 حصاد الهشيم ص35 وما بعدها.
ويعتبر المازني الشطط في الخيال ومخالفته للواقع ليس دليلًا على النبوغ والبراعة، ولكن أية النبوغ والبراعة في صدقه وعدم تجافيه للحقائق، وفي قدرته على اختيار التفاصيل المميزة حتى ولو كان الشيء من المألوف الذي يقع عليه كل عين فليس في تناوله إسفاف. كما يتوهم بعضهم، والبراعة في كيفية تناوله حتى يبدو كأنه غير ذلك المألوف القديم1.
ويرى المازني أن الأديب الأصيل هو الذي يكون له أسلوبه الخاص؛ لأن الأسلوب صورة من النفس، ولكل ذهن التفاتاته الخاصة، وطريقة في تناول المسائل وعرضها، وكلما كانت هذه الخصوصيات أوكد وأعمق، كانت المحاكاة أشق والإخفاق فيها أقرب، فهي لا تسهل إلا حيث يكون الأسلوب خاليًا من الخصائص التي ترجع في مرد أمرها إلى النفس وما ركبت عليه وانفردت به": ولذلك رأى المازني أن أسلوب طه حسين خال من الخصائص المميزة له، وأن كثيرًا من الكتاب يستطيعون تقليده.
وهناك ظاهرة في المازني الناقد تسترعي النظر، تلك هي كثرة استطرادته وتهربه أحيانًا من النقد كما فعل في نقد كتاب:"النثر الفني" لزكي مبارك وكما فعل في نقده لكتابي الآنسة من "الصحائف، وظلمات وأشعة" وقد كان يتعمد ذلك تخابثًا منه، وهربًا من مجابهة المنقود برأيه الجارح.
نقد المازني عددًا من الشعراء والكتاب، وهو في نقده يمزج بين النقد اللغوي والنظريات النقدية الحديثة كما فعل المنفلوطي وشكري وابن الرومي، وهو متأثر في نقده غالبًا بعلاقاته الشخصية، وحبه وسخطه، وكثيرًا ما عدل عن آرائه وتجريحه وندم عليها. ولكنه في جملة آرائه يمثل هذه المدرسة المحدودة في الأدب مثل شكري والعقاد، وهو أقرب إلى العقاد من سواه.
1 نفس المصدر ص195.
ولقد سبق العقاد والمازني وشكري الشاعر خليل مطران في توجيه الشعر المصري الحديث وجهة جديدة، وكان من واجبنا أن نقدمه في الكلام، ولكننا لا نعتبره ناقدًا، ونحن بصدد الكلام على النقاد وأثرهم، وإنما هو شاعر، ثم إن مطران تأثر بالمدرسة الفرنسية في الشعر أكثر من تأثره بالمدرسة الإنجليزية التي حذا حذوها العقاد وزملاؤه وبالإضافة إلى كل هذا فمطران -وإن كان مجددًا في الشعر- قد حاول في فترات أن يجمع بين القديم والجديد ولا سيما في الأغراض ولم يكن ثائرًا ثورة هؤلاء.
لقد أخرج مطران ديوانه "الخليل" في سنة 1908، وإن كانت أول قطعة إبداعية في ديوانه ترجع إلى سنة "1893"1، وقد ابتدأ مطران ثورته على الشعر التقليدي، والدعوة إلى التجديد بقوله:"اللغة غير التصور والرأي، إن خطة العرب في الشعر لا يجب حتمًا أن تكون خطتنا، بل للعرب عصرهم ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعلومهم ولنا آدابنا، وأخلاقنا، وحاجاتنا وعلومنا، ولهذا وجب أن يكون شعرنا ممثلًا لتصورنا وشعورنا لا تصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغًا في قوالبهم محتذيًا مذاهبهم اللفظية"2.
وأول تجديد دعا إليه مطران هو وحدة القصيدة، وتماسك أبياتها بعضها ببعض لأنه لم يجد في الشعر العربي "ارتباطًا بين المعاني التي تتضمنها القصيدة الواحدة، ولا تلاحمًا بين أجزائها، ولا مقاصد عامة تقام عليها في أبنيتها، وتوطد أركانها، وربما اجتمع في القصيدة الواحدة من الشعر ما يجتمع في أحد المتاحف من النفائس، ولكن بلا صلة ولا تسلسل، وناهيك عما في الغزل العربي من الأغراض الاتباعية التي لا تجمع إلا لتتنافر، وتتناكب في ذهن القارئ"3.
1 راجع الدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص32
2 خليل مطران في المجلة المصرية السنة الأولى ج3 "يوليو سنة 1900" ص85.
3 خليل مطران في المجلة المصرية -السنة الأولى ج2 "يونية 1900" ص22- 44.
أما من حيث الأغراض فهو يرى الشعر فنًّا منبهًا للتصوير والحس عن طريق النظر، وهمًا يفترقان عن الموسيقى في أنها تنبه التصوير والحس عن طريق السمع1 "وقد نقل مطران أغراض الشعر العربي إلى أغراض أوربية، وإن سبق إليها "سليم عنحوري"2في ديوانه "مرآة العصر"، ولعله كان قدوة ونموذجًا لمطران في حركته الجديدة3. ولكن لم يرزق ديباجة مطران ولم يكن عصره مهيأ لتقبل دعوته التجديدية.
ولما نشر مطران ديوانه في سنة 1908 قدم إليه بمقدمة وضع فيها مذهبه الشعري الجديد الذي دعا إليه، وبين أنه ابتدأ مقلدًا، ولكنه وجد في الشعر المألوف جمودًا أنكره فترك الشعر فترة ثم قال:"عدت إليه وقد نضج الفكر، واستقلت لي طريقه في كيف ينبغي أن يكون الشعر، فشرعت أنظمه لترضية نفسي حيث أتخلى، أو لتربية قومي عند الحوادث الجلى، متابعًا عرب الجاهلية في مجاراة الضمير على هواه ومراعاة الوجدان على مشتهاه وموافقًا زماني فيما يقتضيه من الجرأة على الألفاظ، والتراكيب، لا أخشى استخدامها أحيانًا على غير المألوف من الاستعارات، والمطروق من الأساليب، وذلك مع الاحتفاظ جهدي بأصول اللغة، وعدم التفريط في شيء منها إلا ما فاتني علمه" وقال كذلك: "هذا شعر ليس ناظمه يعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن والقافية على غير قصده، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد، ولو أنكر جاره وشاتم أخاه ودابر المطلع وقاطع المقطع، وخالف الختام، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضوعه وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها، وفي تناسق معانيها وتوافقها، مع ندور التصور، وغرابة الموضوع، ومطابقة كل ذلك للحقيقة، وشفوفه عن الشعور الحر، وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر"4.
1 خليل مطران - المجلة المصرية- السنة الثانية ج1 يونيو سنة 1900 ص12.
2 الدكتور أحمد ضيف المقتطف المجلد 68 ج6 "يونية 1926" ص632- 639.
3 الدكتور إسماعيل أدهم ص32.
4 مقدمة خليل مطران الجزء الأول من الديوان ص8- 9.
وفي الحق أن شعر مطران، وما فيه من القصائد الجديدة في مادتها، وطريقة عرضها ولا سيما تلك القصائد القصصية، "العصفور" و"الجنين الشهيد" و"فتاة الجبل الأسود" و"نيرون" و"حكاية عاشقين" الذي ظل ينظمها سنوات متتبعًا حوادث العاشقين، إذ ابتدأ فيها سنة 1907، وانتهى منها سنة 1913. أقول: إن شعر مطران قد أثر في شعراء مصر حين سمعوه إما مباشرة أو غير مباشرة، ولقد حاول بعض النقاد أن ينسبوا إلى مطران كل تجديد في الشعر المصري ويقولون: إن إبراهيم رمزي لم ينظم قصة "يوسف الصديق" شعرًا في اثنتي عشرة قصيدة سنة 1900 وإن نقولا رزق الله لم ينظم كليوباترا سنة 1900 إلا بوحي من شعر مطران الذي دأب على نشره في المجلات قبل أن يجمعه في ديوان، بل إن عبد الرحمن شكري الذي أخرج أول ديوان له سنة 1909 وهو بعد في العشرين من عمره وفيه قال حافظ:
أفي العشرين تعجز كل طوق
…
وترقصنا بأحكام القوافي
والعقاد والمازني، وأحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي، وخليل شيبوب وعلي محمود طه المهندس، والصيرفي وكثير غيرهم من تلامذة مطران، ومن الذين تأثروا بطريقته الجديدة، وإن اختلفوا عنه بعد ذلك، واستقل كل بمذهب خاص به1 فعكف شكري على دراسة الأدب الإنجليزي الواقعي الذي كان سائدًا في إنجلترا في أخريات القرن الماضي وأوائل هذا القرن، وساد شعره التشاؤم والانقباض والخوف من الحياة، وترديد ذكر الموت، ووصف ما يعانيه الأموات، كأنما شاهد ذلك بنفسه، وتبعه العقاد والمازني رزحًا من الزمن وإن لم نجد في شعرهما هذا النزوع العجيب إلى التحرك وإلى التحرر المطلق كما في قصيدة شكري "كلمات العواطف" التي نظمهما من الشعر المرسل، وقد أولع بهذا النوع فنجد له في الجزء الثاني قصيدة منه عنوانها "واقعة أبي قير" وأخرى "نابليون والساحر المصري" وبذلك كان أول من أدخل هذا النوع من الشعر في العربية،
1إسماعيل أدهم ص33- 34.
كما لم نجد في شعرهما هذا الإفراط في التشاؤم إلى حد الهوس والجنون، بل إن المازني نفسه يحمل على شكري، حملة قاسية ويرميه بالجنون، وهو متأثر به وتتلمذ له وإن أنكر هذا1 وفي الديوان ثم عاد فاعترف بأستاذيته بعد أن صمت شكري2 طويلًا كما ذكرنا ذلك من قبل.
ولكننا نرى العقاد ينكر أن يكون مطران هو الذي هداه إلى هذا الشعر الجديد أو هدى زميله فهو "لم يؤثر بعبارته أو بروحه فيمن أتى بعده من المصريين؛ لأن هؤلاء كانوا يطلعون على الأدب العربي القديم من مصدره، ويطلعون على الأدب الأوربي من مصادره الكثيرة، ولا سيما الإنجليزية، فهم أولى أن يستفيدوا نوازع التجديد من آداب الأوربيين وليس للأستاذ مطران مكان الوساطة في الأمرين ولا سيما عند من يقرءون الإنجليزية ولا يرجعون في النقد إلى موازين الأدب الفرنسي، أو إلى الاقتداء بموسييه ولا مرتين من وغيرهما من أمراء البلاغة في إبان نشأة مطران"3.
أما أبو شادي فقد اعترف بتأثره بمطران في أسلوبه الجديد4، وإن اختلف عنه بعد ذلك؛ لأنه من قراء الأدب الإنجليزي، كما اختلف عن شكري في أن نزعته تفاؤلية وقد أقام مدرسة شعرية جديدة عرفت بمدرسة "أبولو" ولكنها لم تكن ذات منهج معين في الشعر بل جمعت أنماطًا مختلفة من الشعراء بين مفرق في التقليد وجانح إلى التجديد أو مفرط فيه وإذا كان لها من أثر فهو في نهوضها بالشعراء الشادين والأخذ بيدهم والعناية بدراسة الشعر العربي الحديث ونقده، ونقل بعض الشعر الغربي، إلا أن أبا شادي قد انصرف عن الشعر العربي، وأثر النظم باللغة الإنجليزية، فانقطع تيار تأثيره5 ثم هاجر إلى أمريكا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وظل هناك حتى توفي.
1 راجع الديوان في النقد والأدب والجزء الأول مقال: "صنم الألاعيب" ص48 والجزء الثاني ص89.
2 جريدة البلاغ أو سبتمبر سنة 1934.
3 شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي للعقاد 199- 200.
4 راجع أبو شادي في أنداء الفجر ص128 وفي قطرة من يراع في الأدب والاجتماع ج2 ص3 ومجلة أبولو أكتوبر 1934 ص264، مختار الوكيل في رواد الشعر الحديث عن مطران وأبي شادي وشكري والعقاد، ومحاضرات الدكتور إبراهيم ناجي "اتجاهات الشعر الحديث" الأهرام 20/6/ 1936.
5 راجع leonard harker في كتابه blazing the trail ص129، وراجع الدكتور إسماعيل أدهم عن مطران ص34.
وقد أعجب الدكتور طه حسين بمطران، وأشاد بشعره، وبمقدمته التي كتبها لديوانه1 وذكر في المثل الأعلى للشعر بأنه:"الكلام الموسيقي الذي يحقق الجمال الخالد في شكل يلائم ذوق العصر الذي يقال فيه ويتصل بنفوس الناس الذين ينشد بينهم، ويمكنهم من أن يذوقوا هذا الجمال حقًّا فيأخذوا بنصيبهم النفسي من الخلود2" ويعجب بشعراء فرنسا. وينتقل قطعًا من "بودلير" وغير بودلير، ويردد أن الشعر الجيد يمتاز قبل كل شيء بأنه مرآة لما في نفس الشاعر من عاطفة، مرآة تمثل هذه العاطفة تمثيلًا فطريًّا بريئًا من التكلف والمحاولة، فإذا خلت نفس الشاعر من عاطفة، أو عجزت هذه العاطفة عن أن تنطق لسان الشاعر بما يمثلها فليس هناك شعر، وإنما هناك نظم لا غناء فيه3، ويرى أن الشعر الخالد هو الذي يلائم كل العواطف في كل الأزمان والبيئات وهو الذي يخاطب العواطف الإنسانية العامة4، ويعلل جمود شعرائنا بأنهم "مرضى بشيء من الكسل العقلي، بعيد الأثر في حياتهم الأدبية فهم يزدرون العلم والعلماء ولا يكبرون إلا أنفسهم، ولا يحفلون إلا بها، وهم لذلك أشد الناس انصرافًا عن القراءة والدرس والبحث والتفكير، وكيف يقرءون أو يبحثون أو يفكرون وهم أصحاب خيال، ومن شأن الخيال أن يسعد إلى السماء بجناحيه في غير تفكير ولا بحث، فأما البحث والتفكير فشأن العقل، والعقل عدو الخيال، وهو عدو الشعر، وليس من الحق في شيء أن الشعر خيال صرف، وليس من الحق في شيء أن الملكات الإنسانية تستطيع أن تتمايز وتتنافر فيمضي العقل في ناحية لينتج العلم والفلسفة، ويمضي الخيال في ناحية لينتج الشعر، وإنما حياة الملكات الإنسانية الفردية كحياة الجماعة وهينة بالتعاون، ومضطرة إلى الفشل والإخفاق إذا لم يؤيد بعضها بعضًا"5 ويرى أن يشترك العقل والقلب في النظم معًا6. ولكن الواقع يظهر لنا أن الشعراء الذين تأثروا كثيرًا بالحقائق العلمية وحاولوا
1 حافظ وشوقي الدكتور طه حسين ص17.
2 المصدر السابق ص27.
3 المصدر السابق ص109.
4 حديث الأربعاء ج2 ص83 وما بعدها.
5 حافظ وشوقي ص141.
6 تجديد ذكرى أبي العلاء ص213.
الموازنة بين العقل والخيال أحيانًا أو تغليب الفكرة على العاطفة والخيال قد جاء شعرهم رديئًا بل هو إلى النظم أقرب منه إلى الشعر، ولا بدع فالشعر لا يحتمل كثيرًا من حشد الحقائق وقضايا المنطق والبراهين العلمية، وليس معنى هذا أن يصدف الشعراء عن القراءة والدرس والإفادة من تجارب سواهم وسبر أغوار النفوس الإنسانية وتحليلها بل إن هذا واجبهم في عصرنا هذا بشرط أن يأتي شعرهم انعكاسًا للانفعالات النفسية التي استحوذت عليهم حين قراءتهم أو إفاداتهم تجارب جديدة لا أن يكون كتابًا علميًّا.
ويتهكم طه حسين بشعر المناسبات، وينعى عليه ويشبه بالكراسي الجميلة المزخرفة التي تتخذ في الحفلات والمآتم1. وهو في هذا محق بعض الحق، وقد كان لحملته وحملات غيره أثرها في إقلاع الشعراء عن هذا الضرب من الشعر إلا بقية متخلفة.
والدكتور طه ممن عنى بدراسة الأدب القديم بجانب دراسته للأدب الحديث بل قد اهتم بالقديم اهتمامًا كبيرًا ورأى فيه جمالًا فنيًّا، وأن العرب أحدثوا هذا الجمال فيه وفهموه وقدروه، وليس الأمر كما يزعم بعضهم من أنه خلو من هذا الجمال الشعري الذي يكسو الآداب الأفرنجية في زعمهم، وليس هناك ما يرد هذا الجحود، ويدفع هذا الزعم مثل ما نجده من جمال في شعر ابن ذريح وجميل بن معمر وأضرابهما من شعراء الغزل، ومن ذلك قصيدة قيس بن ذريح التي يقول فيها:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
…
ويجمعني والهم بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
…
لي الليل هزتني إليك المضاجع
لقد رسخت في القلب منك محبة
…
كما رسخت في الراحتين الأصابع2
ومن دفاعه عن الشعر القديم قوله: "لا بد أن تنفذه بذوق عصره لا بذوق العصر الذي يعيش فيه الناقد وإلا لما أنصفناه3".
1 حافظ وشوقي ص150.
2 نفس المصدر ص15.
3 حديث الأربعاء ج1 ص223 وما بعدها.
وهو ممن قال بأن القصيدة العربية القديمة فيها وحدة معنوية1، واستنكر ما رمى به الشعر القديم من خلوه من هذه الوحدة، وعلل هذا الزعم بأن أصحابه لم يطلعوا على الشعر القديم كاملًا، وضرب مثلًا بمعلقة "لبيد"؛ وأخذ يبين ما فيها من وحدة معنوية2، وتنسيقها وملاءمتها الشديدة للموسيقى التي تجمع بين جمال اللفظ والمعنى والوزن والقافية، ووضح أن هذه النغمة المتصلة هي التي كونت وحدة القصيدة المعنوية.
وأثر الدكتور طه حسين في الشعر يرجع إلى ما تناوله من قصائده بالنقد كما فعل في قصيدة شوقي التي قالها في مصطفى كمال والتي مطلعها:
الله أكبر كم في الفتح من عجب
…
يا خالد الترك جدد خالد العرب
ووازن بينها وبين قصيدة أبي تمام في فتح عمورية:
السيف أصدق أنباء من الكتب
…
في حده الحد بين الجد واللعب
وكما فعل في قصيدة شوقي:
قفى يا أخت يوشع خبرينا
…
أحاديث القرون الغابرينا
وبتأريخه للأدب على طريقة جديدة تأثر فيها بأستاذه "نللينور" وطبق فيها طريقة الغربيين في البحث الأدبي، وكانت باكورة هذه الأبحاث "ذكرى أبي العلاء" الذي نال عليه شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية القديمة وصار نموذجًا لمن أتى بعده من مؤرخي الأدب، وكذلك بما ترجمه من الأدب الفرنسي شعرًا ونثرًا، ليضربه نماذج وأمثلة لشعرائنا كي يحتذوه.
والدكتور طه لا يقيس الأدب بمقياس جمالي أو سيكلوجي أو لغوي معين، وإن كان ينتفع في نقده بنتائج هذه الدراسات انتفاعًا واضحًا كما رأيت في الشمول الذي يريده لمنهجه، وليست له نظرية واضحة المعالم في فلسفة الفن والجمال. ولكنه يصدر في نقده عن ذوق ومعرفة3. ونقده في مجمله ذاتي،
1 حديث الأربعاء ج2 ص83.
2 الأدب الجاهلي ص358 ووحديث الأربعاء ج1 ص30.
3 من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده لمحمد خلف الله ص135 وما بعدها.
وكثيرًا ما يعمم الأحكام كقوله: "إن عمر بن أبي ربيعة زعيم الغزليين الأموريين جميعًا لا نستثني منهم أحدًا، ولا نفرق فيهم بين أهل البادية وأهل الحاضرة، بل نحن نذهب إلى أبعد من هذا فنزعم أن عمر زعيم الغزليين في الأدب العربي كله على اختلاف ظروفه وتباين أطواره منذ كان الشعر العربي إلا الآن1".
وكثيرًا ما كان يصدر أحكامه بدون تعليل، وقد تكون هذه الأحكام قاسية ولكنه لا يعللها دائمًا حتى يبرئ نفسه من تهمة التحكم والتحامل2، ومن أمثلة هذه الأحكام غير المعللة رغبته إلى علي محمود طه أن يلغي قصيدته "ميلاد شاعر" عند طبع ديوانه الملاح التائه3، وقوله: إنه لم يجد في قصيدة ناجي "قلب راقصة" جديدًا4 إلى غير ذلك من عشرات الأحكام التي يصدر فيها عن ذوقه الخاص دون الرجوع إلى مقاييس معينة أو التعليل لها.
ولعلك ترى أن ثمة مدرستين في النقد الأدبي إحداهما فرنسية ومن زعمائها، هيكل وطه حسين، ومن شعرائها شوقي ومطران وصبري، والأخرى إنجليزية ومن زعمائها العقاد وشكري والمازني وأبو شادي وهم أنفسهم شعراء ونقاد. وبين المدرسة الإنجليزية والمدرسة الفرنسية في الشعر تباين يرجع إلى أن المدرسة أقوى من الفرنسية والمدرسة الفرنسية في الشعر تباين يرجع إلى أن المدرسة الإنجليزية الشعرية أقوى من الفرنسية والمدرسة الفرنسية في النثر أقوى من الإنجليزية وذلك لأسباب.
منها: أن البيئة الإنجليزية معتمة تدعو الفرد إلى الانطواء على نفسه وعلى الكآبة والحزن، فيكثر التفكير في الطبيعة ولو من وراء جدار، وفي الله وكمال صنعه، وعلى العكس من ذلك البيئة الفرنسية فهي أكثر إشراقًا، وأضحى شَمسًا والشعر لا يعمق عادة في مثل هذه البيئة؛ لأنها بوضوحها أورثت الفرنسي
1 حديث الأربعاء ج1 ص287.
2 خليل سكاكيني - ومطالعات في اللغة والآدب ص73.
3 حديث الأربعاء ج3 ص73.
4 نفس المصدر ص172.
المنطق ونصاعة الحجة، والصراحة في التعبير، والتفكير نوعًا ما. إن الفرنسي يعيش في عالم الشعور، ويطمئن للطبيعة المحيطة به؛ لأنها ليست طبيعة صاخبة عاصفة مدمرة، سوداء معتمة، كما هو الحال في الطبيعة التي تكتنف بلاد الإنجليز.
لا يرى الإنجليز الشمس في أغلب أيام السنة إلا لحظات، وجو بلاده ملبد دائمًا بالغمام، والضباب يجتاحها في فصل الشتاء حتى يتعذر على الإنسان أن يرى يده في أثناء النهار، وهي جزيرة تحيط بها بحار صاخبة، وتهب عليها أعاصير مريعة، وكثيرًا ما تغطي أرضها بالثلوج، وقد أدى هذا إلى كآبته، وانقباضه، وإلى كبت وحرمان، فنما عقله الباطن، وتساقطت فيه رغبات كثيرة لم تحقق له، ولذلك كثرت أحلامه وخيالاته وآماله.
كما أن هذه البيئة حببت إليه العمل حتى صار طبعًا محبوبًا لذاته، ينزل من نفسه منزلة الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والطعام الذي يغذيه، كما أورثته البطء في التفكير، فليس له ذلك الذكاء اللماح الذي تراه عند الفرنسي، حتى أصبح الإنجليزي يكره التفكير النظري المنطقي. إنهم يعملون ولا يجهدون أنفسهم في التفكير في عاقبة أعمالهم ومن أمثالهم المشهورة "انتظر وترقب ما يحدث".
وهذه البيئة الصارمة أورثتهم المحافظة على التقاليد والتدين، ولا شك أن الوحدة والانفراد -وهما آثر من آثار الكآبة والانقباض- جعلتهم يكثرون من نجوى أنفسهم ومن التأمل في الحياة وخلقها وخالقها، وربما رجعل هذا الميل إلى التدين والتمسك الشديد بالتقاليد إلى أصلهم السكسوني؛ وبينا ترى الفرنسي يعيش في عالم الواقع ويبحث دائمًا في تصرفات الإنسان ويحللها، وترى الألماني السكسوني يتجه دومًا نحو الله، ونحو أسرار هذا العالم الخفي وقد صبغت الرومانتيكية الألمانية في القرن الثامن عشر بالبحث فيما وراء الطبيعة، واشتهرت بقصص الجن، والشياطين، والمفزعات من كل نوع، وأخذ الإنجليز عنهم هذا النوع من القصص وأحبوه وفتنوا به1، وقد ورث عنهم الإنجليز هذا الميل وزاده
1 راجع:.c.m. bowra، the romantic imagintion p. 51
تثبيتًا طبيعة بلادهم المقبضة. وتدينهم أورثهم التزمت والجد في الحياة، والخجل المفرط من كل ما يشين، وقد يخطئون ويخالفون القانون، ولكنهم يتسترون، ويخشون العار والفضيحة، ولذلك ساد بينهم نوع من النفاق الاجتماعي، يسيطر على كثير من تصرفاتهم. كما اشتهروا بضبط النفس وقلة الانفعال؛ لأنهم تعودوا الكبت، ومغالبة الرغبات.
وإذا درست المجتمع الفرنسي وجدته مجتمعًا يحب المرح، والصخب، ولذلك يفضل حياة "الصالون" والمقهى، وفي الصالون يسود الذكاء، والنكتة وحسن التعبير، والتفكير الفلسفي، ولا يحوي المنزل الفرنسي أشخاصًا "انفراديين"، يغلب عليهم الجد والكآبة، ولكنه منزل تنطلق فيه الألسنة بحرية وصراحة، ومجتمعهم تسود فيه اليقظة، وعدم الخجل مع مراعاة الآخرين والالتفات إلى أذواقهم، ورغباتهم.
وفي الصالون تكون الرئاسة لسيدة، وفي حضرة السيدات تحسن المجاملة، والرقة، والبساطة، والوضوح، والذكاء، والنكتة، ومثل هذا المجتمع لا يجد وسيلة للتعبير أحسن من النثر؛ لأن النثر يمتاز بالسلاسة، والبسط والإيضاح، والسهولة. وذلك لأن شاعر الصالون مشغول دائمًا بسواه وقلما يفزع قلبه، وبهذا نستطيع أن نقرر: أن الإنجليز فاقوا الفرنسيين في الشعر، وفاقهم الفرنسيون في النثر. فلق الإنجليز في الشعر لأنهم مكبوتو العواطف، والشعر ينفس عنهم؛ لأن العنصر الغالب فيه لا شعوري، ومهما يبلغ الخجل بنفس إنسان، فإنها تستطيع أن تقف عارية مكشوفة أمام اللاشعور، دون أن تحس بأدنى خجل. ولأنهم انفراديون، يؤثرون العزلة، أكثروا من التأمل في الطبيعة، والطبيعة منبع الشعر، ومصدر إلهامه، ولأنهم منقبضون، جاء أدبهم مشوبًا بالكآبة حتى في أغانيهم، ولذلك نبغوا في المآسي العنيفة، وقد لاحظ ذلك "رابين" Rapin الفرنسي فقال:"يمتاز الإنجليز بعبقرية في "المآسي - الترجيديا" تساعدهم على ذلك طبيعتهم التي تعجب لفظائع الأمور، وامتياز بالتعبيرات الفخمة".
أما الشاعر الفرنسي فهو في يقظة عقلية، وبيئة واضحة، يجب الاجتماع والحديث، ولذلك لا يعرف الرهبة ولا الأحلام الشاردة، ولا الخيال الشاذ، وتعجبه حياة الصالون فيعبر عن آرائه برفق وهوادة، مراعيًا أن يفهمه سامعوه ليعجبوا به.
وليس معنى هذا أن فرنسا لم ينبغ فيها الشعراء، وإن إنجلترا لم يتفوق فيها كتاب، ولكن هذه هي الصفة العامة للأدبين، وقد عبر أناتول فرانس عن نظرة الفرنسيين للشعر بقوله:"من المحقق أننا نحب الشعر، ولكننا نحب فيه طابعًا خاصًّا، فنحن نريد شعرًا فصيحًا، ولكن ليس الغرض من الفصاحة مجرد الإعراب في الخيال".
استطاع النثر الإنجليزي في القرن الثامن عشر أن ينافس النثر الفرنسي، وظهر في إنجلترا من الكتاب العظام أمثال يوب، وسوفت، وإديسون، وصومويل جونسون، ووليام كوبر وغيرهم، كما أن الشعر الفرنسي قد بلغ القمة على يد راسين، ولامارتين، وبودلير وغيرهم، ومن هذا نرى أن ما سقناه من الموازنة بين الأدبين إنما هو القواعد العامة والصفات الغالبة1.
ولست أريد التوسع في هذه الدراسة، فإنها لا تعنينا إلا بهذا القدر الذي يوضح لنا بالفرق بين الخصائص العامة للمدرستين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن ثقافة أدبائنا المحدثين أخذت عنهما، أو اكتفت بواحدة منهما، وقد كان لها أثرها في الأدب وفي جمهرة القراء المثقفين الذين يحبون الأدب الرفيع؛ لأن الثقافتين كما علمت في الفترة الأولى كانتا في صراع طويل على السيادة على مصر.
تأثر بعض أدبائنا بالثقافة الفرنسية، وبمذاهب الأدب الفرنسي الذي ساد
1 راجع في هذا البحث:
"1" Studies French and English. by F. L: Lucas.
"2" A Comparison of Literatures، English، French، German and American. by R. D. Jamesen.
"3" A Citical Survey of French and English Literary Ideas in the Eighteenth Centurym، By F. Green.
"4" World Literature of Lierary Criticis، By Winchester.
"6" the Romantic Agony by Maria Praz Transalted from Italian by A. Davidson.
"7" رسالة الأستاذ الطيب حسن عن أثر الثقافة الغربية في الأدب المصري الحديث "مخطوط".
في القرن التاسع عشر، وظهر ذلك في أسلوبهم الشعري وفي معانيهم، وفي خيالاتهم، ومن هؤلاء إسماعيل صبري، وشوقي، ومطران، وعلي محمود طه، وشيبوب، ومن الذين تأثروا بطابع المدرسة الإنجليزية العام: شكري، والعقاد، والمازني، وأبو شادي. والصيرفي، وسنرى عند الكلام عن كل شاعر إلى أي حد أفاد من إطلاعه على هذه الثقافة أو تلك. وقد يتوهم بعضهم أن مطران مترجم شكسبير يعرف الإنجليزية ويجيدها إلى حد ترجمة روائع الأدب فيها، والحق أن مطران نقل روايات شكسبير عن الفرنسية1 أو برناردشو، وعندي أنها من آثار المسرح الفرنسي كما أشرنا إلى ذلك آنفًا، وكما سنرى فيما بعد.
لقد بلغ هذا التأثر ببعض شعرائنا إلى حد السطو على الشعر الغربي، ونقل القصيدة موضوعًا، وعنوانًا، وأبياتًا، أو على الأقل معظم الأبيات2.
وقد أحصى إسماعيل أدهم مئات الصور الشعرية والمعاني التي أخذها مطران من الأدب الفرنسي3.
ومهما يكن من أمر فإن هؤلاء الشعراء والنقاد المجددين قد وجهوا الشعر العربي الحديث وجهة جديدة، وحسبنا أن نقول مع الدكتور طه حسين: ومهما قيل من القدح في شعر هؤلاء الشعراء المجددين الذين تثقفوا ثقافة غربية، فإنه يكفيهم شرفًا أنهم ابتعدوا بالشعر عن الأغراض المادية، وأننا حين نقرأ أشعارهم نرى فيها شخصية لها وزن وقيمة، وعقلية تفكر، وتعرف كيف تعلن عن تفكيرها للناس4.
لقد كان بجانب هؤلاء جميعًا أنصار المدرسة القديمة في النقد، يعنون بالنقد اللغوي، وصحة الألفاظ والتراكيب، ومقاييس البلاغة العربية، وأوجه الاستعارة والمجاز والتشبيه، كما كان يفعل نقاد العرب قديمًا، ويحملون على هذه المذاهب الجديدة، وعلى الشعر الضعيف الذي توحي به، أو على الشعر التقليدي، والسرقات التي أخذت من الشعراء الأقدمين.
1 ميخائيل نعيمة في الغربال ص171.
2 راجع مقدمة الجزء الثاني من ديوان المازني، وراجع رسائل النقد لرمزي مفتاح، ومقدمة رسائل النقد لرمزي مفتاح، ومقدمة رسائل النقد لجبران سليم ص - د. ومقدمة الجزء الخامس من ديوان عبد الرحمن شكري "ص6- 7" وقد أثبتت القصائد المسروقة، وما يقابلها.
3 راجع إسماعيل أدهم عن مطران ص147- 148.
4 حافظ وشوقي ص145.
فمن النقاد اللغويين الذين اشتهروا إبراهيم اليازجي في نقده لشعر شوقي1. وإبراهيم المويلحي في نقده لشعر شوقي2، والعقاد في نقده لشعر شكري3، وطه حسين في نقده لشعر حافظ وشوقي4. على أننا نظلم الرافعي إذا أدرجناه ضمن أنصار المدرسة القديمة في النقد، تلك التي عنيت بالنقد اللغوي دون سواه، فالحق أن للرافعي أراء جديدة كل الجدة في نقد الشعر، وهو لا ينتسب في نقده لمدرسة من المدارس إنجليزية أو فرنسية، وإنما كان نقده وليد بصيرته النفاذة، وطبعه الصافي، وتأثره بالحركة التجديدية المعاصرة له بعض التأثر.
فتجده مثلًا يعيب الشعر العربي القديم بعدم تماسك قصائده بحيث لا تكون وحدة تامة البناء، وبعدم النظرة الشاملة للكون لدى الشعراء، بل نراهم يعنون بالجزئيات دون الكليات، وبقلة التفكير والعمق فيه بوجه عام، استمع إليه حيث يقول:
"حتى الطبيعة تظهر في الشعر العربي كأنها قطع مبتورة من الكون داخلة في الحدود لابسة الثياب، ومن ذلك ينبغ الشاعر وليس فيه من الإحساس إلا قدر نفسه لا قدر جمهوره، وإلا ملء حاجاته لا ملء الطبيعة؛ فلا جرم يقع بعيدًا عن المعنى الشامل المتصل بالمجهول ويسقط بشدة على صور فردية ضيقة الحدود، فلا تجد قوة الإحاطة والتبسط والشمول والتوفيق، ولا تؤاتيه طبيعته أن تستوعب كل صورة شعرية بخصائها فإذا هو على الخاطر المعارض يأخذ من عفوه ولا يحسن أن يوغل فيه، وإذا هو على نزوات ضعيفة من التفكير لا يطول لها بحثه، ولا يتقدم فيها نظره، وإذا نفسه تمر على الكون مرًّا سريعًا، وإذا شعره مقطع قطعًا، وإذا آلامه وأفراحه أوصاف لا شعور وكلمات لا حقائق وظل طامس ملقى على الأرض إذا قابلته بتفاصيل الجسم الحي السائر على الأرض"5 وهذا
1 راجع مختارات، المنفلوطي، وشوقي للأمير شكيب أرسلان.
2 راجع على السفور، ووحي القلم الجزء الثالث.
3 الديوان في النقد والأدب للمازني والعقاد ج1، 2.
4 حافظ وشوقي.
5 وحي القلم الجزء الثالث ص350.
ولا ريب حكم قاس كل القسوة يصدره الرافعي ضد الشعر العربي وهو من هو في دفاعه عن العروبة، ولقد ناقشنا هذا الرأي في كتابنا النابغة الذبياني فلا نرى داعيًا لتكرار ما قلناه ثمة، ولعلك رأيت أن الرافعي لا يقل ثورة عن هؤلاء النقاد الثائرين، ولقد عنى في أول حياته بالشعر، وطمع في أن يكون أمير الشعراء، وهو من شعراء المعاني الذين اهتموا بها كل الاهتمام يؤدونها بأي لفظ تهيأ لهم ولذلك جاء في شعره كثير من السقط، المهلهل النسج.
ويرى الرافعي أن العلم والتجربة وكثرة الأسفار ضرورة للشاعر تغذي فكره وتجدد نشاط خياله وعقله وتلهمه الصور وذلك حيث يقول: "إنما قوة الشعر في مساقط الجو ففي كل جو جديد روح للشاعر جديدة، والطبيعة كالناس. هي في مكان بيضاء وفي مكان سوداء؛ وهي في موضع نائمة تحلم، وفي موضع قائمة تعمل، وفي بلد هي كالأنثى الجميلة، وفي بلد هي كالرجل المصارع، ولن يجتمع لك روح الجهاز العصبي على أقواه وأشد إلا إذا أطعمته مع صنوب الأطعمة اللذيذة المفيدة ألوان الهواء اللذيذ المفيد"1.
وإذا كان الرافعي قد عنى بالعبارة وبالألفاظ حتى نسب إليه أنه من نقاد المدرسة القديمة فإن له نظرات نقدية جديدة في وقت مبكر من حياته الأدبية، وأظهر ما ترى ذلك في كتابه تاريخ آداب العرب، ومن ذلك قوله: "إن جودة الكلام ترجع إلى ما فيه من أسرار الوضع اللغوي الذي تعتمد على إبانة المعنى في تركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة2.
ولكن هذه الملاءمة لا تعتبر في اللغة ومتعلقاتها بقدر اعتبارها في التوفيق بين أجزاء الشعور وأجزاء العقل على أتمها في الجهتين فيلتقي حينئذ البيان والعقل والشعور3.
1 وحي القلم الجزء الثالث.
2 تاريخ آداب العرب ج7 ص157.
3 نفس المصدر ص285.
وجودة الكلام تكون بتخير حر اللفظ وأنسبه، ويتخير نادر المعنى وتمكنه وتكون بخلوه من الإحاطة والاستكراه والحشو والسفساف، والضعيف والقلق، وبتميزه بالوضوح، وبتوكيد معناه بالترادف ودنو المأخذ، وإصابة السر، وعدم تكلف الصنعة إلا ما جاء عفو البديهة، ثم تمييزه بالسهولة والابتكار بالتناسب الموسيقي في حروفه وكلماته1.
ومن اللمحات النقدية الطريفة منافاته بأن يمثل الشعر المعاني النفسية الخاصة والعامة، وهذه متأثرة بالحياة، وإذن فالشعر تمثيل حقيقي وفي هذا التمثيل خلوده2 وكذلك فهو تمثيل حقيقي للشاعر ولذا فإن دراسة أخلاق الشاعر وحياته عامة مهمة لتفسير شعره.
ورأى أن الشعر لا يتسع لبسط المعاني، فإذا بسطت فيه وشرحت سقطت مرتبته من الشعر وأصبح نظامًا كنظم المتون3 ودعا الرافعي4 إلى الاهتمام بجوهر الشعر وروحه لا إلى قشوره وظواهره، وأن تكون نظرة الشعراء شاملة لا جزئية. وذم التكلف الذي يفرض فيه الفكر على الإرادة، والإرادة على العاطفة، فلا تصدق العاطفة، ولا تخلو من الغلو، وذم كذلك التكلف الذي يأتي من عبادة الأوزان، وتقليد القدماء في صورهم ومعانيهم.
ورأى أن المعاني في الشعر لا تضيء إلا بشعاع من الخيال، ويريد من الشعر أن يكون تصويرًا للطبيعة ملونًا بالعاطفة حتى تؤثر في نفس السامع والقارئ. إلى غير ذلك من الآراء النقدية التي لا تقل تحررًا عن المدارس الجديدة في النقد.
وقد وضح الرافعي طريقه في نقد الشعر وكيف ينظر إليه بقوله: "أنا حين أكتب عن شاعر لا يكون همي إلا البحث في طريقة ابتداعه لمعانيه، وكيف ألم وكيف لحظ، وكيف كان المعنى مَنْبَهَةً له، وهل ابتدع أم قلد، وهل هو شعر بالمعنى شعورًا فخالد نفسه وجاء منها أم نقلًا فجاء من الكتب، وهل يتسع في
1 نفس المصدر ص214، وص224.
2 تاريخ آداب العرب ج3 ص72.
3 رسائل الرافعي ص67.
4 مقدمة ديوان الجزء الثالث الصادر سنة 1908.
الفكرة الفلسفية لمعانيه، ويدقق النظرة في أسرار الأشياء، ويحسن أن يستشف هذه الغيوم التي يسبح فيها المجهول الشعري، ويتصل بها ويستصحب للناس من وحيها، أم فكرة استرسال وترجيم في الخيال وأخذ للوجود كما هو موجود في الواقع؟ وبالجملة هل هو ذاتية تمر فيها مخلوقات معانيه لتخلق فتكون لها مع الحياة نفسها حياة من نفسه أم هو تبعية كالمسمار بين طرفين يكون بينهما وليس منهما ولا من أحدهما"1 وأنت ترى من هذا أن الرافعي يطلب من الشاعر أن يستشف أسرار الحياة وأن يبتكر المعاني ويجدد فيها ويشعر بالوجود شعورًا عميقًا يخالط نفسه، وتراه لا يستحسن الأدب الواقعي الذي ينقل الحياة كما هي دون أن يتأثر بها، ويرى الرافعي أن حركة التجديد في الشعر قد أفادته على الرغم مما بها من سوءات، ومما جرته على الشعر. واستمع إليه يقول: "وعلى ما نزل بالشعر العصري فقد استقلت طريقته وظهر فيه أثر التحول العلمي والانقلاب الفكري وعدل به أهله إلى صورة الحياة بعد أن كان أكثر صورًا من اللغة، وأضافوا به مادة حسنة إلى مجموعة الأفكار العربية؛ ونوعوا منه أنواعًا بعد أن كان كالشيء الواحد، واتسعت فيه دائرة الخيال بما نقلوا إليه من المعاني المترجمة من لغات مختلفة"2.
وللرافعي غير ذلك آراء كثيرة في نقد الشعر تحتاج إلى فصل خاص فحسبناه ما ذكرناه.
وظلت الصياغة وجودتها تجد من يدافع عنها، وعن طريق الموسيقى في الشعر من أمثال الزيات3 والرافعي، والمنفلوطي وأساتذة دار العلوم والأزهر.
وكانت الثمرة الطبيعية لكل هذه الآراء في النقد وفي توجيه الشعر أن تعددت مدارسه: فمدرسة أثرت الشعر التقليدي العربي في روحه ومعانيه، وتشبيهاته وأخيلته، وموضوعاته وصياغته، وإن لم تنج من التأثير بمظاهر الحضارة، والنهضة القومية، وتوجيه النقاد، ومن هؤلاء عبد المطلب، توفيق
1 وحي القلم ج3 ص350.
2 وحي القلم ج3 ص379.
3 راجع دفاع عن البلاغة ووحي الرسالة ج1، 2.
البكري، والجارم، وإسماعيل صبري، وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم ومدرسة جمعت بين القديم والجديد، أخذت من الأول حسن الصياغة، وطريقة القصيدة، وتأثرت بالشعراء القدامى في موسيقاهم ومعانيهم، وعارضتهم، وأخذت من الجديد بطرف في الموضوعات، والتشبيهات، وأحيانًا في القالب، وانفعلت بحوادث عصرها من مثل شوقي وعلي محمود طه المهندس، ومدرسة قلدت، ثم جددت باعتدال دون خروج في الجملة على قواعد اللغة من أمثال مطران، وشكري والعقاد والمازني وأبي شادي، والصيرفي، وشيبوب؛ ومدرسة آثرت أن تنحو النحو الغربي وتهجر كل ما يمت إلى الشعر العربي بصلة، ومن هذه المدرسة بعض شعراء المهجر.
أما شعراء الشباب ففيهم نزعات كثيرة لم تتركز بعد، وهم يقلدون عدة مدارس غربية تقليدًا لم يصدروا فيه عن حاجة طبيعية، أو ضرورة اجتماعية، أو سياسية كما فعل شعراء أوربا بل أمعنوا في التجديد والتقليد فصار منهم الرمزيون والرياليون، والواقعيون، والصوريون إلى غير ذلك من المذاهب التي ما أنزل الله بها من سلطان في مصر.
وجدت منذ سنوات معدودة بدعة النظم بالشعر الحر المبني على التفعيلة ففيه ضرب من الموسيقى ولكنه متحرر من القافية والبحور، وأغلب الذين أقبلوا عليه من شعراء الشباب والشادين في الأدب، ولا يزال في موضع التجربة، ولم يأت بعد الشاعر القوي الذي يلفت الأنظار إليه ويجذب الأسماع نحوه ويضع هذا الضرب من الشعر في منزلة الأدب الرفيع، ولنا إلى كل هذه المذاهب عودة عند الكلام على مدارس الشعر في الأجزاء التالية إن شاء الله.
ورأى بعض العلماء حين تعددت مذاهب النقد، ومدارس الأدب، وتناول النقد الأدبي من لا يستطيعه، ومن لا يحكم فيه إلا ذوقه، الذي قد يكون مصقولًا يغذيه علم وسعة اطلاع، وقد لا يكون مصقولًا، ولا يعرف شيئًا من الأدب العربي القديم أو الحديث، رأى هؤلاء العلماء أن الحاجة ماسة إلى وضع كتب في النقد الأدبي وتبيان أصوله، فترجم الدكتور محمد عوض "النقد الأدبي" لأبر كرومبي،
ووضع الأستاذ أحمد الشايب كتاب أصول النقد الأدبي متأثرًا بكتاب Winchester في أصول النقد، وظهر في السنوات الأخيرة "في الأدب والنقد" و"الميزان الجديد" للدكتور محمد مندور، و"من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده" لمحمد خلف الله، و"دراسات في علم النفس الأدبي" لحامد عبد القادر، و"الأصول الفنية للأدب" لعبد الحميد حسن، والمدخل إلى النقد الحديث للدكتور غنيمي هلال.