المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌[مقدمة المؤلف] الحمد لله الذي ألهج خواطر الشعراء - قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان - جـ ١

[ابن الشعار]

الفصل: بسم الله الرحمن الرحيم   ‌ ‌[مقدمة المؤلف] الحمد لله الذي ألهج خواطر الشعراء

بسم الله الرحمن الرحيم

[مقدمة المؤلف]

الحمد لله الذي ألهج خواطر الشعراء [بالكلام] الموزون، وألهمهم الغوص على درِّه النفيس وجوهره المخزون، وذلَّل لهم زمامه بعد الجماع فانقاد، حتى تملكوا رقَّة بذكاء الفهم والذهن الوقاد؛ فتصرفوا في أنواعه وفنونه، وأظهروا ما كان بديعًا من مكنونه، ومروا الخالص من درره، واستنبطوا النادر من غرره.

فكم ابتكروا من المعاني البليغة التي جلت ودقت، وكسوها الألفاظ الرشيقة التي راقت ورقَّت؛ ما شهد لهم بكمال البراعة، والتبريز في إحكام الصناعة. فلو انتقدت هذه الألفاظ والمعاني، وتأملها الحاذق في صنعة المعاني؛ مع تلك البدائع التي اخترعوها، والمحاسن التي أتوا بها وابتدعوها، لقال مبادراً: هذا هو السحر الحلال، أو الراح الشَّمول شجَّت بالماء الزلال، ويواقيت رصعت في التيجان، وشذور ذهب فصِّلت باللؤلؤ والمرجان؛ ولا بل رياض أنيقة تبهج/2 أ/ الناظرين ناصع ألوانها، قد تضرجت وجنات شقيقها، وابتسمت ثغور أقحوانها. وزها نرجسها وعرارها، واستنار وردها وبهارها، وأشرق ياسمينها، ولاح نسرينها. ضاحكها الشمس غبَّ بكاء الغمام، فأصبح النَّور بأرجائها مفتَّح الأكمام؛ فإذا نشر النسيم خمائل زهرها وحياها، جاءت بالمسك السحيق من تربها وطيب تضوُّع ريَّاها. وكلما شدت أطيارها وترَّدت ألحانها، رقصت غصونها طربًا وصفَّقت غدرانها.

نحمده على ما أولانا من فرائده الأثيرة، وأجرانا فيه على عوائده الخطيرة، وصلى الله على رسوله الصادق الأمين، سيد الأنبياء الأكرمين؛ الذي أنزل عز وجل في حقّه في كتابه المبين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} .

ص: 59

ثم الصلاة على آله مصابيح الظلام، وصحابته نجوم الإسلام، ما نمّقت ثريحه وحبّرت، وأنشأت رويه وعبّرت.

وبعد؛ فإنَّني لمّا قاربت إنهاء كتابي الموسوم "تحفة الوزراء" /2 ب/ المذيل على كتاب "معجم الشعراء" الذي ألَّفه وجمعه الشيخ أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني الكاتب –رحمه الله تعالى- فجاء كامل الوصف في تنقيحه، بديع الصنعة في تحريره وترقيحه؛ أحسن زينة من العرائس، تجلى في الغلائل النفائس.

فأخلدت إلى أن أجمع من الشعراء الذين دخلوا في المائة السابعة وأدركوها، وانخرطوا في سلك فريقها وجاوزوها، ومن وطئ بساطها، وسلك سراطها، على حسب ما صار لدىَّ حصوله، واتفق إلىَّ وقوعه ووصله؛ من شعراء عصري، ومحاسن فضلاء دهري، وأفرد لذلك كتابًا بسيطًا، حاويًا لشوارد كلامهم محيطًا، يشتمل السمين والغيث، والقشيب والرث؛ ليكون أجمل في العيون وأبهى، وأحلى في النفوس وأشهر. لا يملّ من تصفحُّه قاريه، بل يروق له ما اشتملت عليه مطاويه.

فبادرت –بحمد الله وحوله- وفضله السابغ وطوله، ألتقطه من الشفاه، وأتلقفه من الأفواه، وأودعه ما يستحب ذكره، وأسطر في غضونه ما يجب سطره /3 أ/ من شعراء أهل العصر، إذ هم الجمّ الغفير الذين لا يأتي عليهم الحصر؛ فإن حصرهم بحر لا يدرك قعره، ومتاع لا يسبرّ على الحقيقة سعره.

ثم لا يشقّ هذا الغبار، ويجري في هذا المضمار، ويتمسك بهذه الأسباب،

ص: 60

ويتقمص هذا الجلباب؛ إلَاّ من يجهد نفسه فيه إجهادا، ويبذل لذيذ رقاده سهادًا. ولا يضيق به ذرعا، ويتخذ الصبر له جنّة ودرعا، ويشمّر في الطلب عن ساق جدّه، ويخلق جديد العمر بسعيه وكدّه.

وجعلته له كالذيل، وأجريته في ذلك السيل، [وكلته بذلك الكيل]؛ إذ هو قطرة من حياضه، وزهرة من رياضه.

ثم إنَّني أضيف إليه لمعًا من منثور يروق، وأوشحه بأنموذج من أخبار تشوق؛ مما نتيجته بنات أفكارهم، وضمنته ما يستحسن من نوادرهم واخبارهم، وأذكر من عرف بالكنية دون الاسم، واشتهر بها فصارت له تجري مجرى الاسم العلم، لا يعرف إلاّ بها وذلك كثر في الأسماء.

ثم سقته على حروف المعجم مرتبا؛ ليأتي غريبًا في شأنه مهذّبا، ويكون أسهل/3 ب/ على محاولة، وأقرب إلى يد متناوله؛ فإنه ترتيب لم أسبق إليه، وتأليف لم يزاحمني أحد عليه.

وتتبعت كل من هو داخل في الشرط الذي شرطته، ومعدود في القبيل الذي أثبتّه، مقتفيًا أثر من تقدّمني في هذا الأسلوب، ومقتديًا بمن هو بهذا الشأن مع العلماء محسوب؛ كالأستاذ السابق، والإمام الحاذق: أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النيسابوري في كتابه "يتمية الدهر في محاسن شعرء العصر"، وتلاه أبو الحسن على بن الحسن بن أبي الطيب الباخرزي الكاتب

ص: 61

فعمل كتاب "دمية القصر وعصارة أهل العصر" فتبعه أبو المعالي سعد بن علي بن القاسم الحظيري الكتبي فألَّف كتابه "زينة الدهر في لطائف شعراء العصر" فتبع بعده الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهاني، فأنشأ كتابه "خريدة القصر وجريدة العصر"، ثم كتاب "الملح العصرية" تأليف أبي القاسم علي بن جعفر بن علي السعديّ الصقليّ الأديب/4 أ/ النحوي المعروف بابن القطّاع، وكتاب "الأنموذج في شعراء القيروان" صنّفه

ص: 62

أبو علي الحسن بن رشيق الأزدي المهدوي، ثم كتاب "الحديقة" صنعه في شعراء العصر، الحكيم أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت المهدوي، ثم كتاب "أسر السرور" تأليف القاضي أبي العلاء محمد بن محمود بن أبي الحسن بن الحسين الغزنوي، في ذكر شعراء أوانه، وكتاب صنعه عمارة بن أبي الحسن علي بن زيدان اليمني في شعراء عصره، وكتاب

ص: 63

"المختار في النظم والنثر لأفاضل أهل العصر" تأليف ابن بشرون الصقلي، وكتاب "وشاح دمية القصر" تأليف القاضي الإمام الأديب أبي الحسن علي بن زيد بن محمد بن الحسين البيهقي. وإلى غير هؤلاء الفضلاء، المبرزين في الآداب النبلاء، ممن لم يقع إلى له تصنيف، ولم أعثر له على جمع وتأليف.

وقد سمت هذا الكتاب بـ:

"قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان"

أعني بذلك زماني، ومن أدركه من الشعراء عياني.

ثم إني أسأل الناظر فيه الصفح عن هفواتي، وأرغب إليه في الستر/4 ب/ على زلاتي وعثراتي؛ لأنني ألَّفته وأنا كليل الناظر، مشدوه الخاطر. قد أخذ مني الفقر بحقّه، وصيّرني أسيراً في قبضاع ورقّه. والدهر يجرّعني كاسات حتوفه، ويصميني بسهام صروفه.

فلا غرو من ذي قلب محزون، وصدر بالأفكار مشحون؛ أن يصفو أو يزل، أو يخطئ أو يضل. وها أنا لم أصح من بقايا سكره، ولم أزل غارقًا في تيار بحره؛ لا سيما والشيب قد كتب في فوديَّ سطورًا، وبدّل مسك العذار كافورًا. وإلى الله تعالى ألجأ من توارت الهموم، وتتابع الأحزان والغموم، ومنه أستمد المعونة وحسن التوفيق، بأن يهديني إلى أرشد مذهب وأوضح طريق. إنه سميع مجيب الدعاء، وليّ الإجابة جمّ العطاء، وبه المستعان، وعليه التكلان.

ص: 64