المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر من اسمه أحمد - قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان - جـ ١

[ابن الشعار]

الفصل: ‌ذكر من اسمه أحمد

‌ذكر من اسمه أحمد

[42]

أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن خلف بن المسلم اللَّخميُّ القطرسيُّ.

كان من أهل الديار /76 أ/ المصرية. وبها نشأ خاملاً، وكفله شخص من مصر يقال له "القطرس" ورّباه فلا يعرف إلاّ به. وفتح مكتبًا يعلّم فيه الصبيان، وبقي زمانًا طويلاً يؤدّب الصبيان ويعلمهم الخط. هكذا حكى لي من أثق به.

وكان فاضلاً نبيلاً شاعراً جليلاً فقيهاً على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وعنده معرفة حسنة بالأصولين والفلسفة، وحصل من ذلك على الأمد الأقصة.

ثم ترك ذلك وخدم في الأشغال الديوانية وفي ديار مصر؛ وله شعر كثير لطيف الغزل رقيقه. وتوفي بقوص في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وستمائة.

وساق ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فصاحته ومعرفته.

قال العماد أبو حامد محمد بن محمد الكاتب الأصفهاني في خريدته: النفسي بن القطرس شاب مصري فقيه في المدرسة المالكية بمصر له خاطر حسن ودراية، ولسن ويد في علوم الأوائل قوية وروية من منابع الأدب ومشارعه روية.

أنشدت له: [من البسيط]

/76 ب/ يسرُّ بالعيد أقوام لهم سعة

من الثَّراء وأمَّا المقترون فلا

هل سرَّني وثيابي فيه قوم سبا

أو راقني وعلى رأسي به أبن جلا

ص: 155

عيد عداني الغنى فيه إلى ....... لا تعرف العرف أيديهم ولا القبلا

ظللت أنحر فيهم مهجتي أسفًا

وهم به ينحرون الشَّاء والإبلا

..................... لكان أرفع ........ الَّذي سفلا

قال المبارك بن أبي بكر ........... ، أنشدني أبو الفضل زهير بن محمد بن علي الكاتب، أنشدني الفقيه النفسي أبو العباس أحمد بن عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن المسلم اللخمي القطرسي لنفسه بقوص:[من الوافر]

وأهيف كالقضيب إذا تثنَّى

وكالقمر المنير إذا تبدَّا

سبى قلبي هواه وكنت حرّاً

وأضرعني هواه وكنت جلدا

فديتك من يمان كاليماني

إذا ما أهتَّز الحاظًا وقدَّا

رآني الحسن أهوى الثَّغر المى

فألبسه اللمَّى المعسول بردت

/77 أ/ لئن لانت معاطفه دلالاً

فإنَّ السَّيف يقتل وهو يندى

وإن عذبت مرأشفه فممَّا

يذيب حديثه فيهم شهدا

وأنشدني بالإسناد له: [من المنسرح]

وقامة كالقضيب مائسة

تحمل جسمًا كأنه الذَّهب

شمائلً الحسن فيه شاهدة

بأنَّه حيث ينتهي الطَّلب

.. تفته والدلال يجذبه

والقلب منه إليه ينجذب

وذقت ريقًا مزاجه عجب

الخمر والمسك فيه والضَّرب

ولم أزل في أنتهابه شرهًا

فاعجب لملكي وكيف أنتهب

أنشدني زهير بن محمد بن علي الكاتب، قال: أنشدني أحمد بن عبد الغني لنفسه: [من الطويل]

وذي هيأة يزهى بحال مهندس

أموت به في كلِّ يوم وأبعث

محيط بأشكال الملاحة وجهه

كأن به أقليدسًا يتحدَّث

فعارضه خطُّ أستواء وخاله

به نقطة والخدُّ شكل مثلَّث

/77 ب/ وقال: [من مجزوء الكامل]

نفسي الفداء لبابليِّ اللَّحظ فضِّيِّ الثَّنايا

ص: 156

ساجي الجفون على عرامة لحظه دمث السَّجايا

المى كأنَّ المسك قبَّله فأدوعه بقايا

وقوله: [من الكامل]

وأغن أغنى وجهه عن روضة

غنَّى وإن كان القضيب المائدا

وإذا رأيت جماله وسمعته

أبصرت بدراً وأستمعت عطاردا

عطارد: مغن مشهور من القدماء.

وقال أيضًا: [من الرمل]

علق القلب غزالاً أحورا

أهيفًا أسمر يحكي الأسمرا

بابليَّ اللَّحظ شهديَّ اللَّمى

لؤلؤيَّ الثَّغر بدريَّ السُّرى

يوسفيَّ الحسن إلَاّ أنَّه

ما له بالثَّمن البخس شرا

لو رأى إبليس في صورته

آدمًا يأمره ما استكبرا

أرسل الطُّرَّة كاللَّيل على

غرَّة كالبدر لمَّا بدرا

وأراني الورد والنَّرجس من

مقلًة حورا وخدِّ أحمرا

/78 أ/ وحباني أقحوانًا أشنبًا

فضلً الخمر وفاق العنبرا

وقوله أيضًا: [من الوافر]

وأخضر مثل غصن البان لدن

وأحسن ما يكون الغصن أخضر

كأنَّ عذاره وافاه عذراً

ليظهر فيه حسنًا كان مضمر

جرى ماء الصِّبا فيه فأزهى

وأشرف نوره فيه وأزهر

وأثمر بالدَّراري والدَّياجي

وهل غصن بذلك قطُّ أثمر

وقالوا: ريقه خمر ومسك

وقد جهلوا بأنَّ الطَّعم سكَّر

نعمت بوصله في جنح ليل

تظاهر من ذوائبه بمغفر

إلى أن جرَّد الإصباح سيفًا

مضارب حدِّه الله أكبر!

وقال أيضًا: [من الطويل]

وأهيف مثل الرُّمح لينًا ودقَّة

وكالسَّيف قدّاً واهتزازاً ورونقا

يضيء الصِّبا في وجهه فجماله

يجدَّد فيه كلَّما قيل أخلقا

ص: 157

سبت مهجتي منه جفون كحيله

وما كحلت بالسِّحر إلَاّ لتعشقا

وقدم حلب أيام الملك الظاهر وامتدحه ومن شعره قوله: [من الكامل]

/78 ب/ هلَاّ عطفت على المحبِّ المدنف

فشفيت غلَّة قلبه المتلهِّف

يا محرقًا قلبي بناء صدوده

لو شئت كان ببرد ريقك ينطفي

أتلفتني بهواك ثمَّ تركتني

حيران أسكب دمعتي يا متلفي

أو ما علمت بإنَّني رهن الضًّنى

وقف الهوى لعذارك المتوقِّف

لا شيء أحسن من محبٍّ مغرم

وجد السَّبيل إلى حبيب منصف

من لي وقد سمح الزَّمان بخلسة

لولا تذكُّر طيبها لمً تعرف

إذ بتُّ معتنق القضيب على النَّقا

ونعمت مغتبق السُّلاف القرقف

ومن شعره أيضًا: [من الكامل]

يا من تعوِّذه محاسنه

من عين عاشقه إذأ شكُّوا

فبوجهه ياسين طرَّته

وعلى لماه ختامه مسك

وله يرثي صديقًا: [من البسيط]

يا راحلاً وجميل الصَّبر يتبعه

هل من سبيل إلى لقياك تتَّفق

ما أنصفتك جفوني وهي دامية

ولا وفي لك قلبي وهو يحترق

[43]

أحمد بن أسعد بن أحمد /79 أ/ بن عبد الرزاق بن بكران، أبو الفضل المزدقانيُّ الوزير.

استوزره عز الدين أبو سعيد فرخشاه بن شهنشاه بن أيوب بن شاذي –صاحب بعلبك- وكان متقنًا في كل نوع من العلوم؛ كعلم الفقه والحساب والكلام والنحو اللغة

ص: 158

والأدب والشعر، وقرضه ومعانيه. وتوفي يوم الجمعة ثامن المحرم سنة خمس عشرة وستمائة.

أنشدني أبو محمد عبد الله بن عبد الوهاب بن عبد الكافي الدمشقي الأنصاري المعروف بابن الحنبليّ، قال: أنشدني الوزير أبو الفضل المزدقاني لنفسه:

[من البسيط]

ردُّوا زمان الصِّبا واللَّهو والكاس

وعلِّلوني بندماني وجلَاّسي

وأسنيقنوا أن أقصى ما أؤمِّله

وأشتهي شربه من ماء بلناس

وإن تحقَّقتم أن ليس يمكنكم

هذا فحسبي صباباتي ووسواسي

من ليس يقدر أن يقضي لصاحبه

خقًّا يعدُّ من الأحياء في النَّاس

وأنشدني، قال: أنشدني أبو الفضل شعره: [من مجزوء الكامل]

واضيعتا إن لم تجد

لي خالقي بالعفو عنِّي

/79 ب/ أذهبت عمري في الهذاء

وبالتَّرجَّي والتَّمنِّي

وأتيت أطلب عفوه

فالذَّنب والتَّقصير منِّي

وأنشدني المفضل بن أحمد، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من السريع]

قبِّل بساط الملك الشَّاغر

عن عبد قنٍّ لنداه شاكر

الملك الأمجد دام ملكه

سيف أمير المؤمنين النَّاصر

ذي الماثرات الباهرات في الورى

ربِّ النَّوال الجمِّ والماثر

وقف أمام دسته إذا أحتبى

لوفده كبدر تمٍّ سافر

وأتل لديه سورة الفتح تقل

لك الجواد السَّمح لفظ العاثر

وقل له: يا ملكًا فاق الورى

من أوَّل في عصره وآخر

عزَّ بك الإسلام يا ناصره

وذلَّ منً خوفك كلُّ كافر

وفتَّ أرباب الفخار والعلا

بما تدرَّعت من المفاخر

لو كنت قسَّ زمني فصاحة

قصَّر عن وصف علاك خاطري

لأن أبناء الزَّمان وشل

وأنت كالبحر الخضم الزَّاخر

حجَّ إليك أملي من دونهم

فعاد بالأخر الكثير الوافر

ص: 159

/80 أ/ فكيف لا أشكر مولًى منعمًا

ملأت من نائله غرائري

قد كملا صفاته في ذاته

وفاق بالأصل الشَّريف الطَّاهر

دم ملكًا على الزَّمان حاكمًا

بقدرة الملك القديم القادر

ما لاحا النُّجوم في جنح الدُّجى

وما بدا الصُّبح لعين النَّاظر

[44]

أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن الحجاج، أبو العباس بن أبي محمد الواسطيُّ، المعروف بابن الدُّبيثيِّ.

وهو ابن عمِّ أبي عبد الله محمد بن سعيد الدُّبيثيِّ الواسطيِّ "صاحب المذيّل" الذي ذيّله على أبي سعد السمعانيِّ.

كانت ولادة أبي العباس سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وتوفي مستهل جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وستمائة. وكان ضامن البيع بواسط، والناس يسيئون الثناء عليه؛ لأنه كان غير محمود السيرة في ولايته.

سمع الحديث من أبي طالب محمد بن علي الكتانيّ، وكتب عنه جماعة. وكان عارفًا بالأدب شاعراً فاضلاً /80 ب/ حسن الشعر، وديوان شعره كبير يحتوي على أصناف المدح والهجاء والغزل والنسيب وشرح رسالة أبي العلاء المعري المعروفة بالأغرضية.

أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الدّبيثي الواسطي، قال: أنشدني ابن عمي أحمد بن جعفر لنفسه –وهو مما عمله بدمشق-: [من البسيط]

يا بين روّعت بالبعاد وكم

قد بات قلبي والأسى يروِّعه

يا دهر كم لك من جمع تبدَّده

للعاشقين ومن شعب تصدِّعه

ص: 160

وأنت يا بين قلبي كم تجرعه

مرَّ الأسى وفؤادي لم تقطِّعه

يا خالي القلب قلبي حشوه حرق

وهاجع اللَّيل ليلي لست أهجعه

إن خنت عهدي فإنِّي أخنه وإن

ضيَّعت ودِّي فإنِّي لا أضيِّعه

هذا مقام ذليل عزَّ ناصره

يشكو إليك فهل شكواه ينفعه

يلومه في الهوى قوم وما علموا

أنَّ الملامة تغريه وتولعه

من لا يكابد فيه ما أكابده

فيه ويوجعني ما ليس يوجعه

من لي بمن قلبه فأسمعه

بثِّي فيبسط من عذري ويوسعه

قلَّ الوفاء فما اشكو إلى أحد

إلَاّ أكبَّ على قلبي يقطِّعه

/81 أ/ من منقذي من يدي من ليس يرحمني

يقتادني للهوى المردي فأتبعه

آتيه بالصِّدق من حالي فيجحده

ظلمًا ويكذبه الواشي فيسمعه

وليلة زارني فيها على عجل

الشَّوق يحضره والوجد يفزعه

وبات مستنطقًا أوتار مزهره الفصاح يتبعها طبعًا وتتبعه

إذا بدت نغمة المثنى سمعت لها

وقعًا يلذُّ على الأسماع موقعه

فبت أنظره بدراً وأرشفه

خمراً وأقطفه ورداً وأسمعه

وقام والوجد يبطيه ويعجله

ضوء الصَّباح وأنفاسي تشيِّعه

وأنشدني الشريف أبو العباس أحمد بن الحسين ابن نقيب العباسيين الوايطي ببغداد، قال: أنشدني جدّي لأمي لنفسه يصف الشمعة: [من الكامل]

ونديمة زارت لها بعد الكرى

وجه إذا كلح الظَّلام صبيح

يقضي البقاء لها بلا روح كما

يقضى الفناء لها وفيها الرُّوح

ممشوقة مثل القضيب قضيفة

لم يضوها همُّ ولا تبريح

ومن العجائب أنَّ من جليت له

ضحكت إليه ودمعها مسفوح

/81 ب/ وقال أيضًا وقد حبس في ديوان واسط حبسًا طويلاً: [من الخفيف]

من كفي طارق الخطوب فأكفا

أم عفي من صروفهنَّ فأعفا

الدهري حقد عليَّ وعهدي

زمني وهو بي أبرُّ وأحفى

ص: 161

أم لهذا الزَّمان عندي ترات

تقتضيه لشدَّة البطش عنفا

كلَّ يوم يروعني منه خطب

والَّذي راع قبله ما تقفى

مغرم بي إما حبيب أورايه ثرى الأرض أو أفارق إلفا

خصَّني منه بالنَّوائب حتَّى

صرت رهنًا على الحوادث وقفا

أتفدَّى الرَّدى وأحتمل الخطب

جسيمًا وأشرب الهمَّ صرفا

وفؤادي عليه وقدة جمر

يشفع القلب جمرها ليس يطفا

قد طعمت الزَّمان حلواً ومراً

وحملت الأنأم ثقلا وخفَّا

وتبدًّلت بعد أهلي عتاة

يتمشَّون في الأساود عسفا

كلَّ عأن يئنُّ في ظلمة اللَّيل

إذا أعتنَّ بأسه قال: لهفا

بوجوه أرقَّ من نطف المزن

وأندى من السحائب كفَّا

نفس صبراً على الملمَّات صبراً

وترجَّى لها من الله لطفا

/82 أ/ كم رأينا من كان أشفى على

الموت فتقضى له الحياة فيشفى

فأجابه شخص من الواسطيين ينقض عليه: [من الخفيف]

قل لمن ظلَّ يعتب الدَّهر عنفا

لو كفيت الورى لقد كنت تكفى

أيَّ خير عملت بل أيَّ يوم

لا ترى أرض واسط منك خسفا

أتظنُّ الرَّقيب يخفى عليه

منك حال على الورى ليس يخفى

أتذمُّ الزُّمان من أجل ما أولادك

صرفًا وكم لقي منك صرفا

طالما قد شربت نغمأه صرفًا

وشربنا في وقتك البؤس صرفا

أترى قد نسيت أخذك للكتب وتقرا السُّطور حرفًا فحرفا

وضجيج النِّساء إذ هنَّ يبكين

لضرب الرِّجال حزنًا ولهفا

كم ألوف قد أقترضت من النَّاس ولم تقضهأ وفرَّقت إلفا

وأناس من خوف ظلمك ضلُّوا

في الفيافي ورسمه قد تعفَّى

إن أسرَّ المتاع منك أخذت

الضِّعف عمَّا تريده منه ضعفا

أو أذاعوا لديك ما كتموه

حزت ما تشتهيه منه مكفَّا

ثمَّ لمَّا عوقبت تنشد جهلاً:

من كفى طارق الخطوب فأكفا

ص: 162

[45]

/82 ب/ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر بن هشام بن أحمد بن محمد ابن المظفر، أبو طاهر بن أبي الفضل الخطيب الطوسيُّ، الموصليُّ المولد والمنشأ.

من بيت الخطابة والعلم الغزير، والرواية والنسك والتصاون. له رواية بالحديث أخذه عن والده وجدّه وعمه أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد، وأبي البركات محمد بن محمد بن خميس [الموصلي، وسمع ببغداد في سنة أربع وخمسمائة من أبي الفرج عبد الخالق أحمد بن يوسف] وغيرهم من المشايخ.

خطب على منبر الجامع العتيق بعد والده بالموصل- وكان ربما يرتجل الخطبة من وقته. وكان قارئًا للقرآن، محدّثًا شاعراً متأدّبًا جميل الأخلاق حسن الدعابة.

سمع عليه الحديث شيخنا أبو الخير التبريزي، والصاحب أبو البركات المبارك بن أحمد المستوفي وغيرهما.

وكان مقعداً من فالج عرض له في آخر عمره لا يقدر على النهوض، ولم يزل يقرأ عليه الحديث، إلى أن توفي يوم الأحد تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وستمائة. /83 أ/ بالموصل. وكانت ولادته سادس رجب من سنة سبع عشرة وخمسمائة.

أنشدني أبو الثناء محمود بن أحمد بن الأنجب الإربلي، قال: أنشدني الخطيب أبو طاهر لنفسه: [من الوافر]

بدمع في الملاحة ما يمارى

إذا ما العقل فكَّر فيه حارا

لنا من وجهه قمر منير

ومن خدَّيه نجني الجلَّنارا

ومن ألحاظه نفحات سحر

يثير شواظها في القلب نارا

ص: 163

وأنشدني، قال: أنشدني الخطيب قوله وقد سئل ذلك: [من الطويل]

خليلي مرَّابي على أجرع الحمى

وعوجا على أثلاث يبين والهضب

بين سلع وحاجر

وقولا لهم ما بال قلبي من الحبِّ

عساهم يرقُّوا للَّذي ملَّك الهوى

لهم رقّه حتَّى غدا موثق القلب

أجيروه من نار الصُّدود فإنَّه

له أضلع في الحبِّ موصدة اللَّهب

إذا قيل هذي دار ميٍّ برامة

تزايد شوقي واستطار به لبِّي

يقولون لي عنها تسلَّ يغيرها

فقلت لهم: كفُّوا فما بيدي قلبي

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]

إن تناسيتم الوداد وحلتم

لي قلب إلى التَّواصل صابي

/83 ب/ لست أبغي عن الحبيب سلوّاً

فأطيلوا وأقصروا في عتابي

ليس أذني تصغي للوم وقلبي

ليس ممَّن يسلو عن الأحباب

إنَّ لوم العشَّاق لوم وعذل الصَّب ما فيه منهج للصواب

وقال أيضًا، رواها عنه محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي:

[من الطويل]

دعيه ففي تذكاره ما يشيبه

ولا تعذليه فالغرام حسيبه

ورقِّي له ممَّا يلاقي من الأسى

لقد ذلَّ من قسم الصُّدود نصيبه

فكم بين أكناف العقيق وحاجر

محاجر يصمي نبلها من يصيبه

وكم بربى تلك الرُّسوم مدلَّه

قتيل بداء الحبِّ باد شحوبه

إذا مرَّ بالأعلام هيَّجن .... وأغراه من ذاك النَّسيم دبيبه

وفي عذبات الرَّمل من جانب الحمى

مواقف للمشتاق فيها يجيبه

بها كلُّ نضو الهمِّ طاو على الحشا

مروَّع مفقود الفؤاد سليبه

خليليَّ بالزًّوراء عوجًا فإنَّ لي

بها قمراً في أفق قلبي غروبه

وفي نهر عيسى والصَّراة مرابع

ونهر معلَّى دوره ودروبه

/84 أ/ وله: [من السريع]

قد أبدت الأرض كلَّما خزنت

من كلِّ نوع مدَّبج بهج

ص: 164

ترفل في بردها القشيب وقد

ضمِّخ طيبًا من عرفها الأرج

تبسم بالبشر كلَّما سفرت

سماؤها عن أديمها السَّمج

ألقت قناع الحياء مذ رشفت

كأس حميَّا الحيأ بلا حرج

أنهارها بالغناء مفصحة

غرائب اللَّحن من يد الدُّعج

خريرها زيرها ويبتعه

من موجها البمُّ وهي في هزج

فانظر إلى مجلس قد أجتمعت

فيه تحايا العقول والمهج

عجائبًا للربيع أبدعها

بواعثًا للنُّفوس في الفرج

[46]

أحمد بن عليِّ بن الحسن بن أبي زنبور، أبو الرّضا النّيليُّ.

الساكن بالموصل.

قرأ بها النحو والأدب على أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي، وقرأ القرآن العظيم على أبي بكر يحيى بن سعدون بن تمام القؤطبي المقرئ الأزدي.

/84 ب/ وكان عارفًا باللغة العربية والقراءات السبع والعشر وغير ذلك من الشواذ. وكان يختلف إليه جماعة يقرؤون عليه، وبلغ سنًا عالية، ونظم أرجوزة مزدوجة سمّاها "وسيلة الإنسان" تتضمن مدح الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب صاحب بلاد الشام –رضي الله عنه وشرحها في نحو أربع مجلدات فأحسن صلته.

وكان أعلم الناس في زمانه بنعوت الخيل وأوصافها –وكان يتدين بمذهب

ص: 165

الشيعة الإمامية، ويقول الأشعار ويمدح بها، وتوفي بالموصل سنة ثلاث عشرة وستمائة.

أنشدني العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنبأني أبو الرضا لنفسه يمدح بني أيوب سلاطين الشام: [من الرمل]

وصلكم يستنجح الفكر العقيم

وهواكم كالصِّراط المستقيم

فإذا ما هدي العبد له

كان عين العالم الحرِّ الحكيم

أصل من والى أصيل ناصع

والمعادي ناصل الأصل زنيم

يا بني أيُّوب ما أشرفكم

من صناديد كرام لكريم

عرَّفت أخلاقكم أعراقكم

إنَّكم إرث صميم عن صميم

/85 أ/ جمع الله بكم شمل العلا

في ذرى ملك أخي فضل عظيم

ماجد قرم جواد باسل

عارف عاف عن الجرم حليم

كلُّكم متبَّع سيرته

يستفيد العلم من طبًّ عليم

رحم الله أمرءاً خلَّفكم

ورعاكم فهو رحمان رحيم

هل رأيتم قطُّ عبداً هكذا

إثر فتح في جهاد ونعيم

يحمل المجروح منَّا رُّبه

وهو ذو جهد من الجرح أليم

وترى الأبطال كلُّ منهم

يغبط المستلب النَّفس السَّليم

من يمت منَّا يبت في جنَّة

وملاقونا يقيلون الجحيم

فأهنأوا طرّاً به وليهنه

أنَّكم فيه ذوو عرف عميم

واكتبوا أعداء ما عشتم

بمراعاة وليٍّ وحميم

يا بناة المجد قد عاملتكم

بالَّذي نعضي بإكرام الغريم

بمديح وولاء مخلص

من يلمني فيهما فهو المليم

وأرى الحال أقتضتني رحلةً

نحو قوم شوقهم عندي مقيم

كلُّهم يرجو إيابي سالمًا

غانمًا من نائل غير ذميم

من مليك كاد يحيا في الثَّرى

من ندى راحته العظم الرَّميم

/85 ب/ جوده للمرتجي إنعامه

بالغنى عن كلِّ مرجو زعيم

ضاعف الله عليه فضله

وتولَاّه بنصر لا يريم

ص: 166

وأسلموا في دولة محروسة

بمواضيكم وجبَّار قديم

ولأنتم ..... الدَّهر لناً

وغياث للهيف وعديم

ما شرى ركب وغنَّى راكب

وبدا نجم .... لئيم

[من السريع]

الحمد لله على أنَّن

قضيت خمسًا وثمانينا

بلَّغنيها مجزل مفضل

فازددت فيها العلم والدِّينا

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه:

[من السريع]

ما لي أرى الرَّغبة قد أصبحت

تطلب منِّي عوض الظَّرف

قد ذدتها عنِّي بسوط المنى

وكفَّ عنها اليأس عن كفِّي

[47]

أحمد بن محمد، أبو نصر الآمدي.

فقيه عالم شافعي المذهب؛ وهو يتولى بماردين إعادة الفقه /86 أ/ بالمدرسة العزيزية. وله أشعار في المقطعات.

أنشدني الأمير شرف الدين أبو حفص عمر بن أسعد بن عمار الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن محمد الموصلي الآمدي لنفسه: [من الوافر]

ينمُّ بها وجنح اللَّيل داج

ثلاث عن زيارتها تعوق

وساوس حليها عند التَّثنِّي

ومبسمها وريَّاها الفتيق

ولو خلعت حلاها واستكنَّت

بفاضله لما تمَّ العبيق

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه إلى صديق له مسافر: [من الطويل]

ص: 167

رحلتم ولا والله ما قرَّ في الحشا

فؤادي ولا والله ما قرَّ لي جنب

وجفني على ما كنت تعهد دائم الدُّموع وقلبي في الهوى ذلك القلب

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه وكتب ذلك إلى ضياء الدين بن شيخ السلامية:

[من الطويل]

وما كنت إلَاّ في المحافل ناشراً

علاك بأفواه الثَّنا باذلاً جهدي

محبٌّ على بعد الدِّيار وقلَّما

أقام الهوى في قلب صبٍّ على البعد

/86 ب/ فما عند ليلى لي سقى الله دارها

وحيَّا مغانيها فهذا لها عندي

[48]

أحمد بن سليمان بن حميد بن إبراهيم بن أحمد بن عليِّ بن إبراهيم المخزوميُّ الكسائيُّ، أبو العباس البلبيسيُّ المعروف بابن كساء.

من شعراء ديار مصر-وبلبيس إحدى قرى مصر-.

شاعر يرحل إلى الملوك وسلاطين الأنام فيسترفدهم بأشعاره واشتهر أمره بالشعر.

أدركت زمانه وكان رجلاً شديد سمرة اللون، يرد كل عام الموصل مادحًا مالكها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أدام الله اقتدراه- وكان متجملاً ذا هيأة وثروة وحال حسنة وغلمان ظراف، ومات بالقاهرة في صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ بعد أن دوَّخ قطعة من البلاد، وامتدح أكابرها.

وكان قبل ذلك قد تفقه على مذهب الإمام الشافعي –رضي الله عنه وفهم طرفًا صالحًا منه، وتأدّب وقال الشعر ومدح الملوك /87 أ/ والوزراء، واشتهر بقول الشعر،

ص: 168

وسافر إلى بلاد الجزيرة وغيرها، وكتب الناس شيئًا من أشعارة.

وجدت له قصيدة مدح بها الملك الرحيم بدر الدين –ضاعف الله معاليه-:

[من الكامل]

وركبت ظهر توصُّلي في أوبتي

وحلفت أنِّي لا أنام عن السُّرى

حتًّى رأيت الأفق أنَّ بدوره

تخفى وبدر الدِّين متَّقداً يرى

ليث إذا ما الحرب شبَّت نارها

عاينت تحت النَّقع منها قسورا

وإذا انتضى البيض الصِّفاح أعادها

يومًا وقد خضبت نجيعًا أحمراً

ومتى يصول على الفوارس تلقهم

صرعى كأن شربوا شرابًا مسكرا

ألقت له الحدباء فضل زمامها

إذ عاينته للغوامض مبصرا

وإليه ألقى القأهر الملك الَّذي

قد جلَّ لمَّا أن رآه مدٍّبرا

فأنار منهاج المكارم وارتدى

برد الفخار وحلَّ في أسنى الذُّرى

واستعبد الأحرار منه بأنعم

سبقت سوابقها السَّحاب الممطرا

وغدا ينادي جوده يا للنَّدى

كرمًا وتدعو ناره يا للقرى!

شهدت له شمُّ الملوك بأنَّه

قد طاب خبراً في العلاء ومخبرا

أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات /87 ب/ المستوفي بإربل –رضي الله عنه قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن سليمان بن كساء الشاعر لنفسه: [من الرجز]

سل عن دمي غير السُّيوف والأسل

ولا تحد عن الخدود والمقل

ويلاه ما أضيع مطلول دم

لم تحتكم فيه دمى ولا طلل

وبي غزال كلَّما غازلني

طاب نسيبي في هواه والغزل

ومنها:

أغنُّ أغنى طرفه عمَّا أرتدى

لقتلتي وعطفه عمَّا أعتقل

أعرب عن حالي وواو صدغه

لا تعرف العطف ولا عنه بدل

ذو حاجب ينسيك قوس حاجب

بحيث يرمي منه طرف من ثعل

قد أجمع النًّاس على تفضيله

من بعد ما أفنوا زمانًا في الجدل

دعني قد أذَّنت في حبِّي له

مهاجراً حيَّ على خير العمل

ص: 169

منها:

مذاهب تجمع أشتات المنى

وأنعم تضحك في وجه الأمل

[49]

أحمد بن عبد السيّد بن شعبان /88 أ/ بن محمد بن بزوان بن جابر بن قحطان، أبو العباس الإربليُّ.

خدم جنديًا للملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكبين بإربل –رضي الله عنه وحاجبًا بين يديه.

ثم أبعده مخدومه وصار إلى الأمير شهاب الدين أبي الوفاء قراطايا، ورحل في صحبته عن إربل إلى الديار الشامية سنة أربع وستمائة واتصل بملوكها بني أيوب، وانحاز في جملة الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فأقام عنده وأنعم عليه إنعامًا سنيًا، ورزق ثروة من خدمته، وصار أحد ندمائه والمقربين إليه.

وكان شاعراً متأدبًا مغنيًا، اجتمعت فيه أسباب المنادمة. بلغني أنه توفي بالرها أواخر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات –رحمه الله قال: أنشدني أحمد بن عبد السيد لنفسه، وأوائل هذه الأبيات إذا اجتمعت كانت بيت شعر، وهو:

قاض به صحَّ يسري

ومات ضرِّي وعسري

/88 ب/ كتبها إلى القاضي أبي محمد جعفر بن محمد الكفر عّزيّ الحاكم بإربل:

[من المجتث]

قل للَّذي لام تدري

بأنَّ لومك يغري

الله ينصفني منك

إذ ولعت بهجري

ص: 170

ضرِّي قصدت فهلَاّ

قصدت إصلاح أمري

يا منيتي في حياتي

وبغيتي يوم حشري

بمن أباحك قتلي

صلني فقد عيل صبري

ها قد أتيتك أشكو

حالى لتكشف ضرِّي

صل مدنفًأ صار نضواً

ما بين نهي وأمر

حرَّمت في العشق وصلي

هتكت بالصَّد سرِّي

يا قاتل الصَّب مهلاً

عرفَّتني فيك قدري

سلني عن العشق يومًا

فمنه تعرف عذري

رميت قلبي بسهم

أمسى يراش بسحر

يا من بمن نالني منه قد تقسَّم فكري

والله مازلت شوقًا

أعدُّ يومي بشهر

من لي سواك حبيب أفضي إليه بسرَّي

/89 أ/ إحتجت في العشق لمَّا

أنفقت بيضي وصفري

ترجو سلامة روحي

وخدُّ هجرك يغري

ضاقت عليَّ حياتي

إذ وسَّع الشَّوق سكري

روحي سلبت وبدَّلت اسم خيري بشري

يحلُّ قتلي إذا قلت أنت في النَّاس بدري

وامحنتي كم أقاسي

ملام زيد وعمرو

عدني فالبوعد أحيا

وفيه طيِّى ونشري

سألت عن وصف حالي

وما به جاش صدري

رتِّب حروف المعاني

أوائل الشَّعر تدري

يا تاج دين المعالي

أصبحت فخري وذخري

وقال أيضًا في الساعات التي عملت بقلعة القاهرة المعزِّية: [من الخفيف]

قل لي أيُّ حكمة في سماع الطَّبل ظهراً وعند وقت الأصيل

قلت ساعاتنا تخبِّر أنَّا

نحن سفر والطَّبل طبل الرَّحيل

وأنشدني أبو الثناء محمد بن محمد الإربليّ، قال: أنشدني /89 ب/ أبو العباس

ص: 171

أحمد بن عبد السيد لنفسه جواب أبيات كتبها إليه جلال الدين أبو الحسن علي بن شماس الوزير بإربل: [من الطويل]

ألبِّي جلال الدِّين عند دعائه

بتلبية شكري بها يتسلسل

وأحمد درهاً خصَّني منه بالرِّضا

ولست بما قد قلته أتقوَّل

ولي شاهد من قلبه غير أنَّني

مجدِّد ذكر ليس فيه تأوُّل

وأحمل عنه النَّائبات إذا عرت

وجملة سعدي أنَّني عنه أحمل

شكا رجلاً لا خير فيه وإنَّه

بحنكته كلُّ امرئ يتمثل

وسمَّاه مقداراً ومقداره الَّذي

عليه من القدر الحقير وأرذل

[50]

أحمد بن عبد الرحيم بن عليِّ بن الحسن بن الحسن بن أحمد، القاضي الأشرف، أبو العباس ابن القاضي الفاضل أبي عليٍّ اللخميّ البيسانيّ.

كان والده ممن يضرب به المثل في البلاغة والإنشاء وحسن العبارة؛ وابنه هذا من أماثل أهل زمانه، وأوفاهم قدراً، كثير الاعتناء بالحديث وسماعه.

قد بغداد رسولاً /90 أ/ وسمع من أصحاب أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، وأبي بكر بن الزاغوني وفيه فضائل وآداب.

أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نقطة البغدادي، قال: أنشدني القاضي

ص: 172

أبو العباس لنفسه: [من الطويل]

وقائله لا تلزم البيت دائمًا

فإنَّك قبل القبر مستعجل القبر

فقلت: دعي تحت الخمول عزائمي

لعلِّي أن أخفى على نظر الدَّهر

تعادلت الأحوال عندي كلُّها

فما خفَّ ميزاني لأنس ولا ذعر

وأستترت عيني صباحًا على دجلى

ولا أسترحبت نفسي مطاراً على وكر

وأنشدني، قال: أنشدني من شعره: [من الكامل]

من شاكر عنِّي نداك فإنَّني

من عظم ما أوليت ضاق نطاقي

منن تخفُّ على يديك وربما

ثقلت مؤونتها على الأعناق

[51]

أحمد بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن جامع العقرّي، أبو العباس الفقيه الشافعيُّ.

اشتغل بالفقه بمدينة السلام على أبي الحرم أحمد بن إسماعيل /90 ب/ القزويني، ويحيى بن فضلان البغدادي. وتولّى إعادة درسه.

ثم سافر إلى الموصل وسكنها إلى أن توفي بها في أوائل المحرم سنة إثنتين وعشرين وستمائة، ودفن جوار فتح الكاري الزاهد، وتولّى تدريس المدرسة الفخرية المطلّة على دجلة. وكان قد قرأ الخلاف والفرائض وقال أشعاراً.

أنشدني الخطيب أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد العقري، قال: أنشدني أخي أحمد بن عبد الله لنفسه: [من الكامل]

يا ساكيني أهل الجبال ومن

في الكهف والحدباء والعقر

ما كنت أعرف قدر وصلكم

حتَّى بليت بفارط الهجر

لو تعلمون تألُّمي بكم

يوم الفراق لساءكم أمري

قد كان لي صبر أعيش به

قدمًا فوا أسفا على صبري

ص: 173

من طيب أيَّام الوصال وما

قضيته في سالف الدَّهر

وسقت ليالينا بخيف منى

فالمأزمين سواكب القطر

[52]

أحمد بن عمر بن عليٍّ، المعروف /91 أ/ بابن قرّة العين، أبو عبد الله الحلبيُّ.

نزل إلبيرة من أعمال حلب، وانحاز في جملة أصحاب مليكها الملك الزاهر أبي سليمان داود بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، وصار أحد شعرائه والمنقطعين إليه.

وهو شاعر مقصّد ينظم الشعر طبعًا، ناقص الخط من العربية وعلم الأدب وآلة القريض.

توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وكان جنديًا يلبس الشربوس ويقول شعراً متوسطًا يمدح به الصدور والسادات من الناس.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر الدبندار الشاعر الواسطي، قال: أنشدنا ابن قرّة العين لنفسه يمدح فلك الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي بن المسيري: [من البسيط]

لو ساءه قبح هذا الغدر ما غدرا

ولو درى كيف طعم الهجر ما هجرا

مهفهف رقدت عيناه مذ سهرت

عيني وقد طال ليلي بعده قصر

ومائس العطف لا أمسي على خطر

في الحبِّ إلَاّ إذا ما ماس أو خطرا

كالرِّيم لم يرم سهمًا من لواحظه

إلَاّ وصاد بذاك السَّهم ليث شرى

/91 ب/ ظبي من التُّرك وحشي سجيته

ينفِّر النَّوم عن عيني إذا نفرا

أفديه من رشأ في ليل طرَّته

يبدو لنا قمر للقلب قد قمرا

وليلة بات ندماني فأسكرني

بالسِّحر من غنج عينيه وما سكرا

ص: 174

لكن صحوت لما حبِّرت عن فلك الدِّين الَّذي خبره قد صغَّر الخبرا

عود إذا عاد ما أبداه من همم

لم نلق من عوده ضعفًا ولا خورا

سل الأعادي بيوم الرَّوع هل نظرواً

بكفِّه قلمًا أو صار ما ذكرا

ماضي المضارب ما هزَّت خشينته

في هامة قطُّ إلَاّ قطَّ أو بترا

لا يخذل الدَّهر من أمسى بعزم يد المولى أبي القاسم المنصور منتصرا

لو لامست كفُّه يوم النَّدى حجراً

صلداً أسال بماء ذلك الحجرا

هو السَّماح الَّذي تعمي بوادره

على العفاة وإن لم يسألوا البدرا

لو لم يكن للورى في دسته فلكًا

ما كان في كلِّ يوم يطلع القمرا

فربعنا لم يزل من جوده خضراً

ووردنا لم يزل من حوضه خضرا

فقد أمنَّا به ممَّا نحاذره

فلو يسالمنا لم نعرف الحذرا

فراية الملك ما أهتزت ظفيرتها

إلَاّ به وتلقَّت ذلك الظَّفرا

وراحة الملك لا نلقى بها شللاً

عند اللِّقاء ولا في باعها قصرا

/92 أ/ يعطي فلم يلق في إكثار نائله

قلاً ولا في صفا إحسانه كدرا

ومنها قوله:

فربعنا بعد دثر مربع زهرا

وعودنا بعد يبس مطلع ثمرا

يبدو فنلقاه في الإقناط مبتسما

يعطي فنلقاه في الإفراد معتذار

إذا تيَّممه سفر رأوا رجلاً

في وجهه الشَّمس تبدو كلَّما سفرا

جاد الزَّمان لأبناء البريَّة من

ابن المسيري بغيث ناب أو خضرا

[53]

أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي نصر، ابو حامد الساويُّ خطيب همذان.

قال القطيعي: قدم حاجًا سنة ثلاث عشرة وستمائة، وروى عن شيخنا أبي

ص: 175

الوقت. وسألته عن مولده، فقال: في سنة ست وأربعين وخمسمائة.

ثم أنشدني لنفسه: [من الوافر]

أتيتك مستجيراً مستعيذاً

بعفوك من عذابك يا إلهي

فقد أوقرت ظهري بالخطايا

وقد أكثرت غشيان الملاهي

فإن لم تعف ربِّي عن ذنوبي

رجائي حبله ياربِّ واهي

/92 ب/ فكم عاص عفوت الذَّنب عنه

وقلت له عصاني وهو ساهي

[54]

أحمد بن الحسن الدمشقيُّ الواعظ

كان يرتفق بالوعظ، وينتقل في البلدان طلبًا للجدوى. رأيت له هذه الأبيات أنفذها

إلى كامل الدين عمار بن سعد بن عمار الوزير بماردين: [من الطويل]

وعار على ذي المكرمات وذي الحجى

تغافله عن لائذ بجنابه

وليس له عون سواه فيرتجى

ولا مفزع إلَاّ الوفوق ببابه

إلى كامل الدِّين بن سعد مدائحي

تزفُّ وتهدى رغبة في اقترابه

وكتب إليه أيضًا لنفسه وهو مقيم بماردين: [من الطويل]

أرى الدَّين شين الدِّين حقًّا كما روي

فجد بوفاه وأغتنم منِّي الشُّكرا

فلست أرى في ماردين مساعداً

سواك أبن عمَّار فجد وأكسب الأجرا

وعدَّ الَّذي توليه منك تفضُّلاً

كما لم تزل يا عدَّتي تكشف الضُّرَّا

[55]

أحمد بن إسحاق بن هبة الله /93 أ/ ابن صديق بن محمود بن صالح، أبو العباس بن أبي البشائر الخلاطيُّ، المعروف بابن قاضيً خلاط:

لأنّ أباه كان يتولى القضاء بها.

ص: 176

وكان أحمد شابًا له فطنة في الشعر لطيفًا دمثًا سهل الأخلاق. رحل إلى مدينة السلام وصار صوفيًا متزهِّداً، ولزم طريقة أهل الدين والتصوُّف، وأقام بها إلى أن مات يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة سنة سبع عشرة وستمائة ولم يبلغ الثلاثين. وكانت ولادته بخلاط في سنة تسعين وخمسمائة؛ روى لي من شعره عنه جماعة.

أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أحمد بن قاضي خلاط لنفسه يمدح الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب –رحمه الله: [من الطويل]

دعيه فقد أودى الغران بقلبه

لقد لمت لواجدى الملام بصبِّه

إليك فمن يصغي إليك وللهوى

لدى اللَّوم وقر سدَّ سمع محبِّه

أرى جلدي قد قل عمَّا عهدته

على أنَّه ما زال مغلوب حبِّه

فشدوة حاد بين جنبيَّ والجوى

ولمعة برق بين دمعي وسكبه

/93 ب/ أزاجرهًا قف حيث تدنهو من اللِّوى

بربع ملول لا أنقضاء بعجبه

وناد ألا هل من مجير على النَّوى

لصبٍّ بسكب الدَّمع مغرى وصبِّه

ولي غلَّة في القلب ليس يبلُّها

سوى ثغر ألمى بارد الرِّيق عذبه

ولي نحو رضوى زفرة تملأ الحشا

جوًى تاركًا قلبي دمًا ملء خلبه

ولو لم أكن أصبو إلى العلم الَّذي

ضراغمه صرعى جاذر سربه

لما ضاقت الدُّنيا علي بأسرها

إذا ذكرت عندي مضائق شعبه

سقى الله نجداً ملعبي زمن الصِّبا

وليُّ حيًا يولي حياةً لتربه

فتمسي أراضيه رياضًا وتجتلي

على وهدة وشي الرَّبيع وهضبه

وتطرب ورق الأيك فيه عشيَّةً

على عفَّة الأرواح من بين عشبه

فيا غيث بخلاً بالحيا حيث يغتدي

فإن جئت نجداً جد به قبل جدبه

أحبُّ سيوف الهند حيث حكت ظبا

لواحظ ظبي وصله لم أفز به

رجوت كرى يدني بعيد مزاره

ويبرد قلبًا ذابً من حرِّ كربه

وأنَّى يذوق الغمض جفن مسهَّد

جو فرشت شوك القتاد بجنبه

بعادي من الأهلين أدنى أنقلابه

ونأيي عن الأوطان أيسر خطبه

إلى م أقضِّي العمر للدَّهر عاتبًا

وليس يفيد الدَّهر تكرار عتبه

ص: 177

/94 أ/ يجور على ربِّ العلا متعمِّداً

كأنَّ العلا للمرء أعزم ذنبه

لقد فرَّق الأيَّام شملي ولا أرى

سوى الملك موسى من يرجَّى لشعبه

فتى سخطه إن يذك في البحر جذوةً

مجاوره لم يلق ماءً لشربه

ولو هطلت يمناه في البرِّ بالنَّدى

لأصبح مثوى الحوت مسكن ضبِّه

همام هو الحامي حمى الدِّين حيث لا

مردَّ له عمَّن تصدَّى لنهبه

بأملد خطَّي يريد أعوجاجه

لتنساب ريم الرِّمل من بين كثبه

كأنَّ ظلام اللّيل حذَّر خصمه

فأخبر عن طغيانه لمع شهبه

وأبيض ماض للفرند بمتنه

كمثل تسامي النَّمل فوق مدَّبه

كأنَّ أشتقاق الصُّبح ينذر قرنه

فيبدي له في الشَّرق آثار غربه

وعوجاء مرنان إذا طاش سهمها

يخاف السُّها من مكثه عند قطبه

كأنَّ لموع البرق منه أرتعاده

يخاف فيخفى في ستائر سحبه

ينظِّم نظم الدُّرِّ بالرُّمح للعدا

وينثرهم نثر الجمان بعضبه

فسبحان ربٍّ ليس يخلق ضدَّه

كما خلقت طعناته ضدَّ ضربه

له الفخر فليسحب مدى الدَّهر ذيله

فقد ظلَّ في الدُّنيا مليًا بسحبه

أبا الفتح حزم العزم في طلب العدا

يرفع لوا .... عند نصبه

/94 ب/ فبادر إلى إسراعه تملك الدُّنى

فأنت منى عجم الأنام وعربه

ملأت فضاء الأرض من فيض نائل

به شرقه يثني عليك كغربه

حوت منه أرجاء الرَّجاء مناهلاً

يفوز لديها كلُّ ظام بشربه

كما فازت الأيَّام منه بماجد

حميد السُّجايا واسع الصَّدر رحبه

أتتك مليك العصر أفكار خاطري

كأزهار روض في تنعُّم خصبه

فأقبل عليها بالقبول فإنَّها

ثناء فتًى حر أخي الفضل تربه

وخذها عروسًا ما ترى ضرَّة لها

خذا من صبا نجد أمانًا لقلبه

مديح بأنواع البيأن مدَّبج

يدوم دوام العصر من غير مشبه

أراد أمتزاجًا بالهواء لطافة

عن الذِّهن لو لم أدركته بكتبه

بقيت لعاف يرتجيك وآمل

ودمت لإحصاء الثَّناء وكسبه

وعشت على مرِّ الزَّمان مخلَّداً

لإطلاق عانيه وإسهال صعبه

ص: 178

ولا زلت فيه وارف الظِّلِّ وافر النَّدى والأيادي بالنَّبيِّ وصحبه

وأنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي زيدي التبريزي، قال: أنشدنا أحمد بن إسحاق لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات /95 أ/ المستوفى –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]

أساكني خطَّة الغرَّاء ما لكم

لا الفضل راقكم يومًا ولا الأدب

شعري هو الورد ريَّا المسك نفحته

والورد النُّهى سلساله الخصب

وعندكم جعل الملقى سدًى هملاً

أأنتم جعل أم عظلم كلب

أقول جهراً وصدق النُّطق من شيمي

قول أمرئ ليس فيما قاله كذب

لو لم يكن شرف الدِّين المبارك لم

يكن إليهًا لندب منكم طرب

خصَّ النَّدى بابن موهوب بذي كرم

يظنُّ أن ليس يبقىً غير ما يهب

سوى أبي البركات السَّمح من بركت .. لكلِّ من يجتدي في ربعه نجب

يودُّ للمال أن يودي الذَّهاب به

فداه كلُّ لئيم ربه الذَّهب

صدر حوى صدره الرَّحب العراض

بحار الفضل فهي إذا يطمو ويضطرب

ويقذشف الدُّر أمواجًا لها كلمًا

درّاً كأنَّ لديه الدُّرُّ مخشلب

من كلِّ عذراء بكر العقول لها

كفعل صهباء بكر أمها العنب

لو كان ذو الرُّمًّة المفقود يسمعها

وهو الَّذي فخرت قولاً به العرب

جرت مدامعه فقداً فقيل له

(ما بال عينيك منها الماء ينسكب)

أو كان مهيار حيًّا كان قائدها

بالنَّفس حبًّا وقلَّ المال والنَّشب

/95 ب/ وكان هام بها وجداً وقال لها:

لك الغرأم وللواشي بك التَّعب

عجبت من قلم ضمَّت عليه أنامل شأنها بين الورى عجب

تكاد من لمسها تندى الصُّخور ندًى

فكيف لا من نداها يورق القصب

تروق طرفًا رآها سود أسطره

فلم يكن حيث يرنو عنه تحتجب

كأنَّما حكل الحسناء حال لها

نفسًا ومن ثغرها طرسًا لها الشًّنب

غرُّ السَّجايا لديه تجتلي كرمًا

وكلُّ مجد إليه اليوم ينتسب

ص: 179

والفضل كان يتيمًا قد أهين ومنه صار دون الورى يحنو عليه أب

طالت مع الدَّهر في رحب وفي رغد .................. العلا سبب

ما يعذب الماء للظامي وما خطرتً

فمال للغصن أنفاس الصَّبا عذب

وأنشدني أبو الحسن علي بن مجد الكاتب التبريزي، قال: أنشدني أحمد بن إسحاق لنفسه في غلام خرج من الحمام: [من البسيط]

رأيته مائلاً كالغصن في حلل

خمر تحاكيه عين الشَّمس بالشَّفق

ووجنتاه من الحمَّام قد جمعتً

لونيّن من أحمر في أبيض يقق

والماء عن شعره يحكي تساقطه

تساقط الشُّهب عن جنح من الغسق

/96 أ/ وأنشدني الحسن بن علي بن شماس، قال: أنشد أحمد له في صفة عوَّاد: [من الكامل]

ومهفهف غنَّى فغاب لطيبه

رشدي وطاب كأن أتاني غائب

لعبت يداه بعوده فكأنَّما

يمناه تكتب واليسار تحاسب

وأنشدني محمد بن أبي الخير النيسابوري –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن قاضي خلاط من شعره: [من الطويل]

ولست بناس ليلةً كنت باللِّوى

وقد جمع الدَّهر المشتُّ

فلانت لمًا قاسيت قسوة قلبه

من الوجد والتَّذكار والزَّفرات

وبات لما ألفاه منِّي سائلاً

بلفظ أراني السِّحر في الكلمات

وقال: [من الطويل]

ولمَّا أتاني ما كتبت معطَّراً

بما قد حوى من فكرك الطَّيِّب النَّشر

نشرت على ما بي من النَّاس طيبه

فنلت المنى من ذلك الطَّيِّ بالنَّشر

وقوله: [من الطويل]

أقول لقلبي والنوى مطمئنَّة

إذا نأب الأحباب لم تتأسف

/96 ب/ فقال مجيبًا: إنَّني تابع لهم

فقل ذا لقلب عنهم يتخلف

وله: [من البسيط]

لله كم ليلة لي بالحمى سلفت

بوصل ظبي رشيق القدِّ معتدل

ص: 180

أذبتها وجفوني غير راقدة

أروي غليل أشتياقي منه بالقبل

يا طيبها من ليال لو رجعن وإن

لم تدر فيهنَّ ما طيب الكرى مقلي

وقال: [من السريع]

لمَّا تولَّى سكني راحلا

يا ليت صبري لم يكن زائلا

لا تسألا عن خلدي إنَّه

قد كان إذ كان النَّقا آهلا

تيَّمة حبُّ ظباء النَّقا

فليس إلَاّ للهوى قابلا

أطاع قلبي الحبَّ من بعده

لا غرو إن لم يطع العاذلا

ما كان فيهم لائم لامني

لو لم يكن من كلفي غافلا

وقال: [من الطويل]

رأيت الَّذي قد شف جسمي غرامه

أسير هوى من ليس في الحبِّ ينصف

فقلت له: ذقت المرارة في الهوى

وقاسيت بلوى ما يقول المعنِّف

فرقَّ لما بي ثم قال: دع الهوى

فما فيه إلَاّ زفرة وتلهُّف

/97 أ/ وصف ما ترى حتَّى أرى كيف حالتي

فقلت وقلبي قد براه التأسف

كأنَّك يا من حبُّه قد أذابني

من الحزن يعقوب وفي الحسن يوسف

وقوله: [من الكامل]

ومههفهف يحكي القضيب قوامه

من لين أعطاف وحسن تمايل

عاطيته راحًا يريح فلم يطب

ومرُّ الشَّمول بغيًر حلو شمائل

وله: [من الكامل]

كم ليلة بالجزع لي سلفت

إذ كان فيها مشبه الشَّمس

عذب اللَّمى أرج يسامرني

وضَّاح ثغر ناعم اللَّمس

فلهذه الأوصاف علقته

ملكت قياد حواسي الخمس

وقال: [من الكامل]

هيهات سرُّ هواك كيف يكتَّم

والدَّمع عمَّا في الضَّمير يترجم

يا قاسيًا أشكو إليه فلم يزل

يتأمَّل الشَّكوى ولا يتألَّم

كيف السَّبيل إلى الوصال وحولك الرُّقباء قد كثرت وحولي اللُّوَّم

ص: 181

لا تظلمَّني في هواك فربما

تعطى الهوى فأخاف أنَّك تظلم

وحذار من سفك الدِّماء فقلَّ من

سفك الدِّماء ولا يراق له دم

/97 ب/ لي في الجنان جنان وجهك صورة

والنَّار فيه من الهوى تتضرَّم

إنِّي عجبت له ومن عجب الهوى

قلبي وفيه جنَّة وجهنَّم

وله من قصيدة: [من الكامل]

فرش النَّوى شوك القتاد بمضجعي

فالطَّيف كيف يزور من لم يهجع

لله ما فعلت عشيَّة ........ بالقلب منِّي حين قأل مودِّعي:

نجد عشيته تزول سريعة

فاطلب شميم عراره وتمتَّع

وله: [من الطويل]

وما رقدت عيناي إلَاّ خياله

أتاني على طول النَّوى طالبًا عذري

أحبُّ الكرى شوقًا إليه لأنُّه

يريني يوم الوصل في ليلة الهجر

وقوله: [من الطويل]

بلوت بني الدُّنيا فلم أر فيهم

صديقًا يوافي أو شقيقًا يوافق

وما زال منهم كلُّ شخص رأيته

حقوداً ينافي أو حسوداً ينافق

وقال: [من السريع]

هبَّت عليلاً نسمات الصَّبا

بمنحنى الجزع قبيل الصَّباح

فذَّكرتني طيب عهد الصِّبا

إذا كنت مغرًى بالحسان الصِّباح

/98 أ/ وقال في الخمر: [من الطويل]

وصفراء مثل التِّبر عاطيت كأسها

من التُّرك طيبًا والدُّجى مسبل الذيل

أضاءت نواحيها فكاد شعاعها

يريني طروق الجنِّ في ظلم اللَّيل

وله: [من الكامل]

هاجت مطاياهم غداه رحيلهم

لمَّا بدت آثارهنَّ زفيري

لاحت بدراً تجتلى وأهلًّة

فذكرت قرب أهلَّتي وبدوري

ص: 182

وقال يرثي أخاه محموداً. وكان أصغر أخوته وتوفي ولم يستكمل سبع سنين:

[من مجزوء الرمل]

يا هلالاً سارع الموت إليه بالأفول

كيف غطَّى التُّوت مرآى

ذلك الوجه الجميل

لك فيها اليوم يا

غابة آمالي وسولي

مقلة نجلاء قد

سالت على الخدِّ الأسيل

وقوام كالقضيب الرَّطب ملقًى للذبول

كلُّ شيء ينتهب إلاّ بكائي وعويلي

/98 ب/ ولكلِّ غاية إلَاّ

لوجدي وغليلي

بعد أن قدمت لامتِّعت بالعمر الطَّويل

فعسى ألقاك إن نلت المنى عمَّا قليل

وقال: [من الكامل]

ومنعَّم خصر المراشف خصره

أعطى الضنَّى جسدي فرضَّ عظَّامي

لو لم يكن ........ يخالف حبَّه لا ............................

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقال: [من البسيط]

حتَّى ترتاح يا ذا الوجد والوصب

إلى ديار عفت من حادث النُّوب

وكم تعالى الجوى من سجع هاتفة

باحت بسرِّك إذ ناحت على القضب

بادر إلى الرَّاح وأشربها معتَّقةً

تصفي من العيش ما قد شيب بالكرب

ودع حديث طلول باللِّوى درست

ومربع قد خلا في الحزن بالعذب

وهأت يا طيِّب الأخلاق صافيةً

بدونها العيش لا يصفو ولم يطب

تحيى بشربي لها نفسي وقد تلفت

وليس إحياؤها نفسي من العجب

فإنَّها شابهت ماء الحياة بأن

قد جيء قدمًا بها من ظلمة العنب

/99 أ/ مشبوبة بزلال الماء جمرتها

والنَّهار من قبلها بالماء لم تشب

ص: 183

كأنَّها حين تجلى في زجاجتها

ودٌّ صفا في فؤاد رقَّ من طرب

إنِّي عجبت لماء جامد أبداً

عليه ذائب نار وهو لم يذب

وما رأيت سوى صفراء مذهبةً

ناراً متى شبتهًا بالماء تلتهب

وقد سقاني وذيل اللَّيل منسدل

جذلان يسحب ذيل اللَّهو واللَّعب

ذو غرَّة بسواد الصُّدغ قد سترت

كالصُّبح من كلل الظَّلماء في حجب

ظبي من التُّرك أعيا خصره هيفًا

حمل النِّطاق بردف ماج في كثب

حسبته إذ سعى نحوي وفي يده

كأس مرصَّعة من جوهر الحبب

بدراً تمنطق بالجوزاء قاربه

شمس عليها بواقي السَّبعة الشُّهب

رعى الإله زمانًا فيه واصلني

من عن تمنِّيه قلبي غير منقلب

إذ كنت في دعة لو تذُّكرها

رأسي علي عنفوان العمر لم يشب

ولم أكن شائقًا أصبو إلى وطن

قد غيرته صروف الدَّهر والحقب

حيَّا خلاط حيًا يحيى الثَّرى فبهًا

مثوى خليط ثوى في قلبي الوصب

لم يخل ذكراه عن فكري وأين خلا

عن فكر ظمان ذكر السَّلسل الخصب

ولا عداها سحاب مرزم هطل

لتجتلي الأرض في أبراده القشب

/99 ب/ والورد يبدو كخدٍّ حليه خجل

والأقحوان كثغر زين بالشَّنب

وإنَّ قلبي لا تصفو مشاربه

حتَّى لدى أرضها مملوءة القلب

وإن جفا جوده مغنًى بها فلها

موسى الَّذي جوده مغن عن السُّحب

المالك الأشرف السَّمح الَّذي أبداً

إن ضنَّ بالماء غيث جاد بالذَّهب

لله درُّ فتى نال العلا بيد

منها ينال المنى ذو الفضل والأدب

فيها إذا ما شكا عاف بها ظميء

ماءً متى يأته ظمان ينسكب

ما حلَّ موكبه أرضًا وقد جدبت

إلَاّ لوطأه تختص بالعشب

[56]

أحمد بن عثمان بن خطلخ بن عبد الله الموصليُّ، المعروف بابن الشهرستانيِّ:

من بيت مشتهر بالموصل.

ص: 184

وكان جنديًا في خدمة الملك الرحيم بدر الدين أبي الفضائل –أعز الله نصره- وكان يحفظ من الحكايات والأشعار جملة. وتوفي سنة تسع عشرة وستمائة.

أنشدني إبراهيم بن مسعود الشهرستاني، قال: أنشدني أحمد بن عثمان لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل]

ألا هل مجيري من غرام أكابد

وهل يقصرنَّ اللَّوم خبٌّ معاند

/100 أ/ وكيف أعي للعذل في حبِّ أغيد

يحلُّ أصطباري وهو للبند عاقد

ورأيت له قصيدة يمدح بها الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضائل –أعز الله أنصاره-[من الكامل]

لام العواذل في هواك المغرما

أو كيف لا أصبو إلى ذاك اللَّمى

دنف يبيت بكم حليف صبابة

لا يستفيق من الغرام تألُّما

تعتاده زفرات وجد أعربتً

عن سرِّ حبٍّ لا يزال مكتَّما

نامي الصَّبابة لا يصيخ لعاذل

فيكم ويعصي في الغرام اللُّوما

قلق المضاجع لم يذق طيب الكرى

يصبو إلى وصل الحبيب تتيُّما

صبٌّ يحنُّ إذا تألَّق بارق

من نحو رامة أو أضاء تبسُّما

ويهزُّه طربًا إلى أرض اللِّوى

ذكرة تعاوده وشوق خيَّما

فلعلَّ أيَّامًا مضت وتصرَّمت

يومًا تعود له بسكَّان الحمى

ولئن تعذَّرت المطالب أو غدا

باب المسالك دون قصدي مردما

فرجاء بدر الدِّين يكفل ضامنًا

ويجير ملهوفًا ويغني معدما

ملك يثيب السَّائلين فحاتم

من دونه والحلم أحنف قد سما

مولًى يجود على العفاة بما حوى .... أبداً ويبدأ بالنَّوال تكرُّما

/100 ب/ فتراه يوم الرَّوع ليثًا باسلاً

شرسًا وفي يوم النَّدى بحراً طما

مغني الكماة بصارم من عزمه

قبل النِّزال وبالنَّضال إذا رمى

ومجدِّل الأبطال في يوم الوغى

كلمى وجاعل وردهم علق الدِّما

شرفت به الحدباء إذا أضحى بها

ملكًا فعاد لكل أمر مبرما

وترنَّحت طربًا وقالت صبوةً

وزهت على كلِّ البلاًد به فما

ص: 185

بلد يضاهيها فقد أضحت به

في فخرها كالشَّمس في أفق السَّما

لازال في عزٍّ وسابغ نعمة

ما حنَّ حاد في الفلا وترنَّما

[57]

أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن غازي بن خولة السلميُّ الشريديُّ، أبو جعفر الخفافيُّ،

من ولد خفاف بن ندبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كانت وردته بغرناطة –إحدى بلاد الأندلس- في شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة. وخبرت أنه توفي بهراة سنة سبع عشرة وستمائة.

وكان محدثًا حافظًا طاف الآفاق، وجال البلدان في طلب الحديث /101 أ/ وسماعه. ثم مال إلى الشعر، فامتدح به الملوك وسادات الناس؛ فحسنت حاله وأثرى بعد الإملاق.

أنشدني أبو عبد الله الدُّبيثي، قال: أنشدني أبو جعفر لنفسه: [من الوافر]

إذا ما الدَّهر بيَّتني بجيش

طليعته اهتمام واكتئاب

سننت عليه من جلديً

أمراه الذبالة والكتاب

وبتُّ أنصُّ من شيم اللَّيالي

عجائب في حقائقها أرتياب

أريع بها التّسلِّي مستريحًا

وليس على الزَّمان بها عتاب

وقال يلغز باسم: [من مجزوء البسيط]

نعتُّ من ملكت قيادي

وهام في حبِّها فؤادي

تأثير مقلوبه عظيم

في عالم لكون والفساد

لو صيّر العين فافعل

كان شقائي من الجواد

وقال أيضًا ملغزاً: [من البسيط]

إسم الَّذي بي إن أسقطت أوَّله

إحدى المقولات فاصدع عنه أو فحد

وإن نطقت بموضوع أسمه خبراً

ولا تحاش من الأقوام من أحد

ص: 186

وقال أيضًا: [من البسيط]

/101 ب/ للحبِّ في أنفس العشَّاق منزلة

طرف الخلييِّن منها جدُّ مطروف

وللهوى حالة تخفى لطافتها

إلاّ على غزل بالظَّرف موصوف

لم يدر ما لذَّة الدُّنيا سوى كلف

قد سيم في الحبِّ أنواع التَّكاليف

لا والهوى ورجال بالهوى عرفوا

وليس غيرهم عندي بمعروف

لولا مرارة طعم الهجر ما تركت

حلاوة الوصل قلبًت غير مشعوف

وقال أيضًا: [من الكامل]

يا راحلين ومارثوا لمتيَّم

ضعفت حشاشته عن التَّوديع

بنتم وعاق الصَّبَّ عن تشييعكم

أمران فرط ضنًى وفرط مشيع

قسمًا بما فعلت تباريح الجوى

يوم الرَّحيل بمقلتي وضلوعي

لولا حرارة زفرتي يوم النَّوى

ضرقت ركائبكم بفيض دموعي

وقال يرثي البخاري محمد بن إسماعيل المحدث: [من الطويل]

سقى جدثًا فيه البخاريُّ ثاويًا

عهاد الغوادي صيِّف وربيع

فقد نضبت أحجاره فوق رمًّة

لها منصب سام أشمُّ رفيع

ضريح بأدنى الصِّين عاطر نشره

بأقصى بلاد المشرقين يضوع

/102 أ/ ففي كلِّ نجد في البلاد وغائر

حنين إلى أرجائه ونزوع

[58]

[أحمد بن محمد بن عمر الأزجيُّ:

من أهل بغداد.

ص: 187

أنشدني أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي بها، قال: أنشدني أحمد بن محمد لنفسه: [من الطويل]

أحبَّة قلبي طال شوقي إليكم

وعزَّ دوائي ثمَّ لم يبق لي صبر

أحنُّ إليكم والحنين يذيبني

وأشتاقكم عمري وينصرم العمر

فوالله ما أخترت البعاد ملالة

ولا عن قلى يا سادتي فلي العذر

ولكن قضة رِّبي بتشتيت شملنا

له الحمد فيما قد قضة وله الشُّكر

فصبر العلَّ الله يجمع بيننا

نعود كما كنَّا ويصفو لنا الدَّهر [

[59]

أحمد بن هبة الله بن العلاء بن منصور النحويُّ المخزوميُّ، أبو العباس بن أبي المعالي البغداديُّ، المعروف بابن الزاهد، ينعت بالصَّدر:

من أهل قطيعة العجم، وسكن آخر عمره باب العامة.

أخذ علم النحو والأعراب عن جماعة من كبراء النحويين كأبي محمد عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي، وبعده على أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري وغيرهما.

وروى الحديث عن أبي البركات الأنماطي، وأبي العباس المندائي؛ وقرأ عليه جماعة واستفادوا منه. وكان أديبًا حاذقًا فاضلاً له شعر حسن.

وتوفي ببغداد يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة إحدى عشرة وستمائة. وقد نيَّف على الثمانين، وقيل يوم الثلاثاء؛ وترك ستمائة دينار وزيادة يسيرة. وكان يسأل الناس إلى أن مات وورثه زوجته وبيت المال ودفن بقرب مشهد. /102 ب/ عبيد الله،

ص: 188

وتعرف بمقبرة دفين النذور.

فمن الشعر المنسوب إليه، قوله:[من الطويل]

فما رفع الهنديُّ وهو حديدة

على التِّبر إلَاّ ضربه بالمفارق

ولو رمت ما راموه بالعلم لم يكن

وجيههم في حلبة المجد لاحقي

وقال أيضًا: [من البسيط]

فعربدت منه الحاظ معوَّدة

بالفتك تخجل بيض الهند والأسلا

مرحًا تهزَّأ بالآرام لو عرضت

لأشهب كسبت الحاظه كحلا

وكتب إلى الحيص بيص، وقد توفيت زوجته يعّزيه: سيدي شهاب الدين أيده الله بقرين من الأناة، ومصاحب من صليب العزيمة خبراً لا دعاء متحصن بشكَّتي بسالة وسداد يقيانه سهام الجزع، ويحميًانه وخز أسنة الأسف لنازحة فرطت إلى الورد الرَّوي بجًوار ذي الطَّول عَّز وعلا.

[60]

أحمد بن خالد بن محمد، أبو العباس البغدادي المحوّلي.

من باب المحوّل.

ص: 189

كان شيخًا ماجنًا فيه ظرف وكياسة، له أشعار يظهر فيها تخالعًا، ويخلطها بالهزل. وكان متوليًا في أيام الناصر /103 ب/ لدين الله –رضي الله عنه المصالح.

أنشدني أبو الفضل هبة الله بن أبي بكر محمد بن شنيف الكتبيُّ البغداديُّ، قال: أنشدني أبو العباس أحمد بن خالد المحوَّلي لنفسه: [من الكامل]

لمَّا رأت شيبي وعّزه ولَّى وقد

أودى وما يرجى لديه قيام

من بعد ما قد كان يفتق طعنه

رتق الكساس ودأبه الإقدام

طفقت تلمَّس شلوه وترنَّمت

(يا دار ما صنعت بك الأيَّام؟ )

أصبحت ملقًى فوق بيضك ميِّتا

لم تبق فيك بشاشبة تستام

ثم أنثنت مقروحة فأجبتها

منِّي عليك إلى المعاد سلام

[61]

أحمد بن عبد الواحد بن أبي الأصبغ الكاتب، أبو العباس المراكشيُّ اللخميُّ، المعروف بابن الشريشيِّ.

عالم متقن بارع، أخذ في كل جنس من العلوم كالفقه والحديث والأدب والتفسير والطب والمنطق والنجوم والهندسة والأصولين والخلاف، ولم ير مثله في تفننه وكمال /102 أ/ فضائله.

خرج عن وطنه، ونزل الديار المصرية، وهو بها مقيم يقرئ العلوم.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن يحيى المغربي الفقيه القسطنطيني، قال: أنشدني أبو العباس بن الشريشي لنفسه، وزعم أنه عملها بديهة:[من الطويل]

يكلِّفني كتمان أمر صبابتي

وفي مقلتي عنوانها ودليلها

ويخشى عليها إن شهرت بحبِّها

مقالة أهل الحيِّ أنِّي خليلخا

فتهجرني والهجر لا شكَّ قاتلي

وإن متُّ قالوا: إنَّ هذا قتليها

وقالوا: أمأ يشفى فؤادك من جوى

وروحك من بلوى يذيب غليلها

وأنت قد قيل في الطِّب أوحد

تباشر أدواء الورى وتزيلها

فقلت لهم: إنَّ الصَّبابة حكمها

مع السُّقم أن لا يستفيق عليلها

ص: 190

وعندي إذا حدَّثت نفسي سلوةً

غرام ينافيها وشوق يحيلها

وبايعتها طوعًا فلست أقيلها

ولو أنَّها جارت ولا أستقيلها

وقال: [من الكامل]

يا ناسيًا يسعى بذاك تمنُّعًا

هيهات شخصط في الفؤاد مقيم

سر حيث شئت تكفَّلت بك لوعة

طير الفؤاد بها عليك تحوم

/104 ب/ وقوله من أبيات: [من مخلّع البسيط]

عمرك يا ذا النُّهى قصير

فاعلم وإن طال إذ تمادى

يزيد نقصًا إن زدت يومًا

وأنت تفنى بأن تزادا

[62]

أحمد بن مسعود بن محمد، أبو العباس القرطبيُّ الخزرجيُّ.

كان إمامًا فقيهًا شافعيًا مدرسًا متفننًا في علوم كثيرة؛ وله اليد البيضاء في علم الحساب والفرائض والحديث وتفسري القرآن والقراءات والكلام والأصول مع معرفته باللغة والنحو والعروض وضروب الأدب.

وضع أرجوزة في الطب نحو ثمانمائة بيت، وصنف كتابًا آخر في الأصول نحو ثماني مجلَّدات سمّاه "تقريب المطالب والقوانين في أصول الدين"، وله كتاب في النحو، وكتاب سمّاه "الاختيار في علم الأخبار".

نزل دنيسر وسكنها وانتفع بها أهله واستفادوا منه، إلى أن توفي بها سنة إحدى وستمائة.

أنشدني أبو العباس لنفسه من أبيات: [من الكامل]

ص: 191

/105 أ/ وقع الملام مواقع الأشواق

فأصاب فيك مقاتل العشَّاق

ذِّكر فديتك يا عذول معاتبًا

إنَّ التَّكُّكر راحة المشتاق

ومنها:

جارت عليه الرَّاح وهو محادثي

فكبا وأطراف الحديث بواقي

ومن مديحها:

ما جاد حرصًا أن يقال: هو الجوأد ولا توقَّف خشية الإملاق

لكنه يعطي ويمنع عالمًا

بمواقع الإمساك والإطلاق

وقال أيضًا: [من الطويل]

أرى نفحات الرَّوض جاءت بريَّاكم

لعلَّ نسيم الرِّيح مرَّ بمغناكم

إذا ما شممناهأ طربنا كأنَّنا

نشاوى فعلَّلنا القلوب بذكراكم

يذِّكرني عرف الصَّبا زمن الصِّبا

فأرتاح للذكرى أرتياحي للقياكم

ألا ضوِّعوا ذيل النَّسيم بنشركم

وحيُّوا لتحيوا في الهوى بعض قتلاكم

وإلا أئذنوا لي في الكرى علَّ طيفكم

يزور فحقّ أن تعينوا معنَّاكم

تمثَّلتم في كلِّ شيء لناظري

فحيث التفتنا أو نظرنا رأيناكم

وكنت أمنِّي النَّفس قبل فراقكم

تصبُّرها عنكم إلى حين لقياكم

/105 ب/ ولم أدر أنَّ الصَّبر عنكم يخونني

وأنَّ منى الآمال أن أتمنَّاكم

قال أبو الفتح مسعود النقاش أنشدني أحمد بن مسعود لنفسه في يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الآخر سنة ستمائة بظاهر حلب: [من الطويل]

أعانقه غصنًا والثمه بدراً

وأرشف وهنًا من لمى فمه خمرا

وأهصر منه حين تثتيه نشوة

تهادت به تيهًا وماست به سكرا

بتمثال نور في ظلام ذوائب

إذا ما توارت شمسه أطلع البدرا

ومنها:

ونمَّت بنا في اللَّيل أنوار وجهه

فمدَّ علينا من ذوائبه سترا

وقال من أبيات: [من مجزوء الكامل]

راض بحكم هواك واجد

فعلام أنت عليَّ واجد

ص: 192

ما كان لي ذنب سوى

أنِّي سهرت وأنت راقد

أنشدني أبو الحسن علي بن يوسف /106 أ/ بن محمد بن الصفار المارديني الشاعر، قال: أنشدني أبو العباس الخزرجي لنفسه: [من الوافر]

وفي الوجنات ما في الرَّوض لكن

لرونق زهرها معنًى عجيب

وأعجب ما التعجُّب منه أنِّي

أرى البستان يحمله قضيب

وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه: [من الرجز]

يا ظبي سنجار أما ترثي لمن

قد صار من أجلك في كفِّ الأجل

قد كان مشغولاً بدرس علمه

فاليوم لا علم بقي ولا عمل

[63]

أحمد بن محمد بن المظفر المختار، أبو العباس الرازيّ.

كان من أهل الفقه والعمل فاضلاً شاعراً. وكان بعد الستمائة.

وجدت له أشعاراً في مدح الأئمة الراشدين والخلفاء المهديين –رضي الله عنهم فأثبتها ونقلتها من خط يده، من ذلك قوله في أبي بكر الصديق –رضي الله عنه:[من الوافر]

/106 ب/ أبو بكر قد ابتكر العروبه

وعن غير الهدى أختار العزوبه

مواليه عزيز في البرايا

وفي العقبى له خير المثوبه

ومنهله لأهل الحقِّ ورد

فشت فيه الفروقة والعذوبه

وشانئه ذليل كلَّ حين

وفي الدَّارين يبلى بالعقوبة

وقال أيضًا في عمر بن الخطاب –رضي اللع عنه-: [من الوافر]

لقد عمر الهدى عمر التَّقيُّ

وعند العالمين هو الرَّضيُّ

لروض الحقِّ منطقه وليٌّ

ولله العليِّ هو الوليُّ

بكى من خشية الرَّحمان دهراً

وما يده لدى النُّعمى بكيُّ

ص: 193

خفى في الدِّين بارقه وضوحًا

وما في الحقِّ حجَّته خفيُّ

وقال أيضًا في عثمان بن عفان – رضي الله عنه: [من البسيط]

عفا الإله بعثمان بن عفَّانا

ذنوبنا وعن النِّيران أعفانا

منه الملائكة أستحيت معظِّمةً

فاستحي با جاهلاً عن بغض عثمانا

هذا الَّذي جمع القرآن أجمعه

واستشهدوه لدى القرآ، عدوانا

قد فرَّق المال في الخيرات قاطبةً

فحاز من رَّبه بالجود رضوانا

وقال في علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه-: [من الوافر]

/107 أ/ عليٌّ سيِّد الأبرار طراّ

عليٌّ في العلا قد كان بحرا

عليٌّ أشجع الشُّجعان حقًّا

عليٌّ أوسع الأحرار صدرا

به جبر الكسير فلا كسير

كما كسرت به الأصنام كسرا

تمسَّك وأعتصم بهوى عليٍّ

تصر يا عبد في الدَّارين حرّا

وهذا أحمد بن المختار أبو العباس الفقيه الحنفي الرازي الصوفي المفسر قدم دمشق. وكان يفسر القرآن على المنبر بجامعها.

ثم رحل عنها متوجهًا إلى بلاد الروم، وتولّى بها القضاء والتدريس، وسمع الحديث الكثير بنفسه من أبي المعالي عبد المنعم بن عبد الله بن محمد بن الفضل العرادي، وبدمشق من أبي اليمن الكندي، وأبي المعالي محمد بن موهوب بن البنا.

أنشدني الشيخ الحافظ العالم نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العربي أبي طالب الشيباني الصفار الشافعي، بحضرة شيخ الشيوخ صدر الدين بن برناطة، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه: [من السريع]

تفقُّد السَّادات خدَّامهم

مكرمة لا تنقص السُّؤددا

هذا سليمان على ملكه

قد قال: "ما لي لا أرى الهدهدا"

ص: 194

[64]

/107 ب/ أحمد بن عليّ بن باختيار بن عبد الله، أبو القاسم البغداديُّ.

كان من أهل الفضل والمعرفة؛ شاعراً متأدّبًا أشعاره فيها ضعف، ومعظمها في الألغاز.

لقيته بمدينة السلام –شيخًا كبيراً- برباط أبيه بدرب المقبرة؛ وهو رجل خير صالح ذو دين وعفاف، فاستنشدته هذه الأبيات [فأنشدها، وسألته عن ولادته، فقال: ولدت في سنة خمس وخمسين وخمسمائة] كتبها إلى الشيخ أبي عبد الله بن الدُّبيثي: [من البسيط]

ماذا يقول جمال الدَّين لا برحت

آراؤه في ليالي دهره شهبا

في مسلم شافعيٍّ ظلّ مكتئبًا

بغادة تحجل الأغصان والكثبا

ما زال يلطف في الأيَّام مجتهداً

حتَّى رأى خلوةً يقضي بها إربا

هل أن يرى ما رأى داود معتمداً

يرجو النَّجاة به أو يحذر العطبا

ورأي داود أنَّ العقد منفرد

يقضي بصحَّته فاسلم ودم حقبا

فأجابه أبو عبد الله:

بزيارة ممَّن حوى الأدبا

والعلم والفضل والإفضال والرُّتبا

لا زال في نعمة تصفو مشاربها

مبلَّغًا سؤله مستنفداً حقبا

/108 أ/ وقفت منها على درًّ شدهت له

وحكمة أعجزت سحبان إذ خطبا

وقلت لا عرو إن بحر طما فلكم

من مثلها لصفيِّ الدِّين إن طلبا

والحكم منِّي أنَّ العقد مفتقر

إلى وليٍّ وإشهأد لمن رغبا

فإن ترخَّص هذا الشَّخص معتمداً

خلاف مذهبه فالحدُّ لن يجبا

لسنَّة قالها داود منفرداً

إنَّ النَّكأح بلا إشهاد قد ذهبا

خذ الجواب ودم في العزِّ مرتقبًا

ما لاح نجم وحنَّ الصَّب أو طربا

ص: 195

[65]

أحمد بن محمد بن عليِّ، أبو الفضل القاشانيُّ:

نزيل همدان.

كان من الفقهاء الحنفية أصوليًا عارفًا بالمسائل الخلافية حافظًا من الأشعار جملة؛ شاعراً باللسانين، منشئًا للرسائل، ويكتب خطًا في نهاية الحسن والملاحة ما يعجز عن نظيره أبناء زمانه. وكان صاحب سخاء ومروءة. ومات بهمذان سلخ ذي القعدة سنة تسع عشرة وستمائة.

أنشدني من شعره ابنه أبو بكر إسحاق –رحمه الله تعالى- بمدينة السلام بالمدرسة /108 ب/ التتشية في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، هذه القصيدة عن أبيه؛ ثم نقلتها من خطّ ناظمها يمدح بها بعض رؤساء همذان:[من الوافر]

بحمد الله حصِّلت المارب

ونلت من العلا أسنى المراتب

هنيئًا للمعالي منك مجد

تلاشى عند منصبه المناصب

ترفَّع في مراقي العزِّ حتَّى

تسنَّم هامة الشثّهب الثَّواقب

أفضت على الورى عدلاً وبذلاً

فيالك من فتىً حاوي المناقب

بعارفة لها فوح كمسك

حوى ريًّاه أجنحة الجنائب

يجاليك الغمام إذا تراخت

عزاليه بأنواء سواكب

وظنَّ ......... أنَّهم حقيق

بحفظ الملك أو كشف الحوازب

تمكَّن في دماغهم التَّمنِّي

وفيما يعشقون لهم مذاهب

فلمَّا طالعوك أقرَّ كلٌّ

بسبق علاك في نيل المطالب

سبقت العالمين ولا عجيب

فما لك في المعالي من مناسب

لدولتك الَّتي طابت ودامت

على الله الرِّعاية في المصاعب

شأوت النَّاس مكمةً وفضلاً

وعدت مبرَّاً من قدح عائب

هو الصَّدر الَّذي يرجى لديه

إغاثة صارخ عند النَّوائب

/109 أ/ تلوذ بظلِّه زمر الرَّعايا

وتمشي تحت موكبه المواكب

وفيك فضائل يكفيك

بلى يغنى العيان عن التَّجارب

ص: 196

له لفظ وأين الشَّهد منه

فيغرق في احجى له منه صاحب

يكشِّف بشره جنح اللَّيالي

متى يبدو لبدر في الغياهب

سحاب نواله من غير مطل

يفيض على الأقارب والأجانب

بنى العلياء عالية ذراها

وهل للمكرمات سواه كاسب

يفرِّج فكره إن عنَّ خطب

برأي في أمور الملك صائب

له قلم وأين السَّيف منه

فقد يغني الكتاب عن الكتائب

لذي القرنين في ظلمات نفس

يخوِّض تارة كالشَّمس غارب

فمشرب مائه كدر ولكن

يصفِّي بالعطيَّات المشارب

سطور سواده كاللَّيل أمَّا

معانيه المضيئة كالكواكب

حباك الله من نعماه جاهًا

تمنَّته الأعاجم والأعارب

محلُّك شامخ والقدر عال

وفضلك باهر والجدُّ غالب

[66]

أحمد بن ظفر بن محمد /109 ب/ بن هبيرة بن سعيد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن الجهم بن عمر بن هبيرة ابن عمران بن الحوفزان –وهو الحارث بن شريك بن عمرو بن قيس بن شرحبيل ابن مرّة بن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن الحصن بن عكابة بن صعب بن عليِّ بن بكر بن وائل قاسط هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة ابن أسد نزار بن معد بن عدنان، أبو الفتح بن أبي المنذر الغداديُّ.

كان جدُّه الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.

وأبو العباس كان أمثل أسرته أدبًا وفضلاً وفصاحة ونبلاً، شاعراً له حظ من علم النحو والعربية. وانتدب لإنشاء مقامات فصنع مقامات حذا فيها حذو مقامات

ص: 197

الحريري؛ وهي تسع عشرة مقامة. وخبرت أنه أنشأها في مدّة تسعة عشر يومًا.

وكان حاجب الباب في أيام الناصر لدين الله –رضي الله عنه وأمور القضاء عائدة إليه. وكذلك أمور المناثر وغيرها. وخدم المستنجد بالله والمستضيء بأمر الله.

/110 أ/ ولم يزل منتدبًا في هذه المدد إلى الرتب الجسيمة والمقامات النبيلة، مع احترام الجانب ووفور المنزلة. وتوفي في أيام الناصر لدين الله – رضي الله عنه.

قال أبو عبد الله الدبيثي في مذيَّله: من بيت مشهور بالتقدم والولاية. وكان فيه فضل وتميّز، وله معرفة بالأدب. تولى حجابة النوبى في أواخر المحرم سنة ثمانين وخمسمائة، إلى أن عزل يوم الاثينين ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.

ثم تولّى الإشراف ببعض البلاد المزيدية، وخرج إليها وأقام بها، وقد سمع الحديث من أبي الوقت لمّا قرئ عليه بمجلس جدِّه، وأبي الفضل فاخر وغيرهما.

سمع منه أبو عبد الله الدبيثي، وسأله عن ولادته، فقال: ولدت يوم الاثنين خامس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة الثامن والعشرين من المحرم سنة عشرين وستمائة. ودفن يوم الجمعة بباب البصرة عند جدّه الوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة غربي بغداد.

أنشدني أبو الفضل عمر بن علي /110 ب/ ابن محمد بن الوزير يحيى بن هبيرة، قال: أنشدني ابن عمي أحمد بن ظفر لنفسه: [من المنسرح] لا ضمَّني اللَّيل في غياهبه

ولا أستقلَّت بي السَّلاهيب

ولا أثرت الثَّرى بمصطدم

حتَّى يرى الصَّبح وهو غريب

ولا تركت العدوَّ مرتفقًا

يأوي إليه الضِّباع والذِّيب

إن كان يعرى لرسمها طلل

إلَاّ ودمعي له جلابيب

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه مما ضمَّنه في كتاب المقامات من إنشائه:

[من الكامل]

دع ما تؤمِّل من زمان فاسد

وصن الشِّكاية عن صديق عائد

ص: 198

واصبر فللأيام جولة باطل

تغري بسفك دم الوليِّ العابد

غير البديع إذا رمى بمقاصد

موفورة الأقسام أو بمكائد

حرب لذي الخطر الكبير ومتجر

رغد الأماني للجهول الهامد

تبًا له ما حلَّ يومًا عقدةً

منه ففاتتها يد من عاقد

يعطيك وهو إلى سلابك مسرع

ويريك صفحًا وهو كلُّ القاصد

وبنيل صفو مشارب من دونها

كفّ الهمام .......

/111 أ/ فهباته كهباتً أحلام الكرى

ملأت يديك وأنت عين الفاقد

وبروقة ما إن ترى في غيِّها

إلَاّ سرابًأ لا معاً للرائد

وتراه معتذراً إليك وربما

شاب المقال بمحكمات أوابد

والنَّاس أبناء الزَّمان وغلطة

أن لا ترى ولداً شبيه الوالد

[67]

أحمد بن عبد اللطيف بن بدل، أبو الفضل القاضي التبريزيُّ.

كان يتولّى قضاء أهر من بلاد أذربيجان. وكان من الفقهاء الأدباء العلماء الفطناء؛ له معرفة بالتفسير والحديث وعلم الكلام والأدب والشعر.

أنشدني الفقيه أبو بكر بن الخطيب جبرئيل بن عبد الجليل الأهري، قال: أنشدني القاضي أحمد بن عبد اللطيف لنفسه ما كتبه إلى شمس الديت الدهسّان يلتمس منه شرح "عيون الحكمة" فلم يجبه إلى ما سأل. وكان لشمس الدين هذا ولد اسمه المرتضى: [من المتقارب]

أيا قرَّة العين للمرتضى

لك المرتضى قرَّة للعيون

/111 ب/ ويا من بفضلك قرَّت عيون

أقَّرنَّ عيني بشرح العيون

وأنشدني، قال: أنشدني أيضًا لنفسه من قصيدة كتبها إلى مسعود المراغي:

[من الطويل]

ص: 199

لو ما سواد اللَّيل جاز تحوزه

يداه لأفنى في بياض نهار

فيا دهر لا تنكر مقالي ولا تقل

يمين وساعد كفه بيسار

وقال: [من الوافر]

تبدَّى وجههها تحت اللِّثام

كما يبدو الهلال من الغمام

فحيَّت إذ تبدَّت بالسَّلام

وأحيت إذ أشارت بالسَّىم

وهبَّ نسيم ريَّاها فهبَّت

عيون ناعسات من منام

وراقت وأشرقت ثم رقَّت

لما بين الضُّلوع من الضَّرام

وخصَّتني بعطف بعد عطف

فزادت في الغرام على الغرام

وقال: [من الطويل]

خليليَّ إنِّي قد شعفت بغادة

تبدَّت لنا تختال بين عواني

بفاترة الأجفان فاتنة الصِّبا

صقيله مرآة العذار حصان

خفيفة ما دون الوشاحين بضَّة

ثقيلة ما تحت الإزار ردان

/112 أ/ أعدَّت سنان اللَّحظ للقتل عدَّةً

ليوم ظعان لا ليوم طعان

تسابق قرناها إلى حدَّ ساقها

فصارا على الخلخال بلتويان

عفوت لها حين أبتليت بحبِّها

وكم للهوى كالعاملايّ عراني

وفي القلب أن أفدي بروحي مبسمًا

عن الدُّرِّ معتّزاً كما ترياني

ويا جبلي نعمام واصلت فيكما

لدى الدوحة الخضراء أمَّ أبان

وعندما غازلتها فسقيتما

حيا ديمة يا أيُّها الجبلان

وقال: [من الطويل]

حمائم ورق قد هتفن سحيرة

فهيَّجن لي شوقًا إلى ساكني نجد

سلبن سلوِّي وأجتلبن مدامعي

وذَّكرنني ما قد نسيت من الوجد

تذَّكرت من شدو الحمائم بالنَّقا

نقا ردفها يرتجُّ في حلَّة البرد

ومن ضوء بدر التَّمِّ في حندس الدُّجى

سنى وجهها الوضاح في كلَّة المهد

تمايل غصن البان شبه أختيالها

لو أنشقَّ غصن البان عن لمَّة الورد

على نقوي وادي الأراك بذي الغضا

تقضَّت لي الأيَّام في عيشة رغد

ص: 200

تغازلني سعدى سعدت بوصلها ............. الأسنان مصقولة الخدِّ

سقتني شفاهل من نمير شفاهها

ألذَّ من السَّلسال في .... الشَّهد

/112 ب/ عهدت بها عهداً نعمت بوصلها

سقى الله ذاك العهد من صيِّب العهد

أأنسى بطول العهد [عهد] أحبَّتي

ولست يناسي العهد طال به عهدي

وقال: [من الطويل]

لها الله من خود تميس كأنَّه

قد أعتورتها شمال وجنوب

طوت كشحها عنِّي لتعرض فانطوت

على النَّار منِّي أضلع وجنوب

وقال معرّضًا ببعض تلامذته: [من الطويل]

ولست وإن أ‘رضت عنِّي مضيِّعًا

حقوقي إضلال الأنام عن الحقِّ

بأوَّل ثان عطفه ليضلَّ عن

مناد سبيل الله قاطبة الخلق

وكتب من صدر كتاب إلى حلال الدين الخواري: [من الكامل]

ريح الصَّباهبِّهي على صوب الحمى

تشفي لقلبي بالهبوب غليلا

..... لطفًا برقَّة دمعة

وجدت على الخدِّ الأسيل مسيلا

وتحمَّلي منِّي تحيَّة مدنف

قد ظلَّ مثلك في المسير عليلا

وإذا أسترحت من الهبوب فقبل مًا

تجدين فيه للقرار مقيلا

خصِّي جلال الدِّين أفضل من غدا

بجلاله الدِّين القويم جليلا

من ذهنه أضحى لكلَّ دقيقة ...... ناديه البيان دليلا

/113 أ/ غرر اللَّطائف تحت ظلِّ بنانه

صادفن ظلاً لا يزال ظليلا

لو صافحت حدَّ الحسام يمينه

بيراعها عاد الحسام كليلا

صبّ لم تجد لشفائه .... نحو الوصول إلى الوصال سبيلا

[68]

أحمد بن شاه ملك الواسطيُّ.

نزل البصرة وتولّى بها النيابة في ديوان الأشراف؛ وله عناية بالأدب وقرض الشعر، وله فيه طبع.

ص: 201

أنشدني أبو الحسن علي بن أبي الفرج بن محمود الجراحي الواسطي، قال: أنشدني أحمد بن شاه ملك الواسطي لنفسه من قصيدة يمدح بها الأمير أبا الفضائل باتكين بن عبد الله المستنصري –وكان يومئذ أمير البصرة: [من الطويل]

أقول لصحبي والرَّكاب ملاحة

طلائح يحدوهن بين يزايله

إلى باتكين القيل عجُّوار كابنا

لتبلغ من أيَّامنا ما نحاوله

ومنها:

أمولاي شمس الدِّين تاهت بك العلا

فلا مفخر إلَاّ عليك غلائله

/113 ب/ مضى رمضان وهو يثنى على أمرئ

فرائضه مقبولة ونوافله

فلا زلت في ظلِّ الإمام مملَّكًا

سعيداً تحاماك الرَّدى وغوائله

إمام هدى عمَّ الأنام سماحةً

وجوداً إذا ما أضمر الخير فاعله

ومنها:

وأبيض فياض لديه غمامة

على معتفيه ما تغبُّ نوافله

فلا زلت شمس الدِّين في كنف العلا

تبلِّغك الأيَّام ما أنت آمله

[69]

أحمد بن رستم بن المبارك بن الحسن بن الحسين، أبو العباس الموصليُّ.

كان يكتب على الحيطان تشبيهًا بعلي بن أبي بكر الهروي السائح. وكان يميل إلى زيّ المتصوفة، وفيه فطنة، ويقول شعراً حسنًا، ويعرف بالنعًال. وتوفي قريبًا من سنة عشرين وستمائة بالموصل.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن ميكائيل بن أحمد الموصلي، قال: أنشدني أحمد بن رستم لنفسه ملغزاً في الدفّ والشبابة: [من الطويل]

/114 أ/ ومقروحة الأحشاء مثلي نحيلة

تناءت عن الأهلين وأنتابها البعد

تزوَّجها عشر وذاك محرَّم

فلا حرج كلَاّ ولا وجب الحدُّ

ص: 202

إذا وطئوها القوم تصرخ صرخةً

يرقُّ لديها القلب لو أنَّه صلد

فيا عجبًا تزني ويجلد آخر

إلى جنبها حدّاً ويلزمه الجلد

ففي أيِّ شرع أم بأيِّ قضيَّة

يحدُّ عفيف والَّذي ساؤ ما حدُّوا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ملغزاً في اللسان: [من المتقارب]

وما أسد حلَّ في قلَّة

لها شرف دون أبوابها

يخاف ويرجى ولكنَّه

بعكس الأسود لأصحابها

وأنشدني، قال: أنشدني له يلغز في السروال: [من الوافر]

وصندوق يروق العين حسنًا

بمنظره ويعطي اللَّمس لينه

زكيِّ الأصل ذي نسب منيف

بعرق نابت في قعر طينه

له رجلان لم تحمله حتَّى

يرى ملآن بالسِّلع الثَّمينة

بقفل واحد سهل ضعيف

بعشر مفاتح عدد مكينه

/114 ب/ وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]

لا تطمعنَّ بشيء أنت طالبه

بغير شيء فتحظى منه بالتَّعب

من لم تنل منك بالبرطيل راحته

أخطتك راحته عمداً ولم تصب

لو لم تروِّ نخيلاً أنت غارسها

من المياه لما جاءتك بالرُّطب

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة: [من البسيط]

ألا بهايا أصيحابي إذا أخذت

منِّي فروُّوا بها روحي وجثماني

حتَّى أقول على صحوي بها شعفًا

أماتني كأسها والدَّن أحياني

[70]

أحمد بن عليِّ، [بن أبي الفتح] المعروف بابن الشمّاع بن الرقيق، أبو العباس الواسطيُّ.

من أهل حلَّة واسط وجملة من ينظم بها الشعر.

ص: 203

وقيل عنه: إنَّه ينتحل الأشعار ويسرقها ويمدح بها الناس.

أنشدني الرئيس الأجل كمال الدين أحمد بن إبراهيم بن أحمد الموصلي، قال: أنشدني أحمد ابن الشماع لنفسه: [من البسيط]

يشتاق عرف الصَّبا من نحوكم قرم

إلى لقاكم به البلبال يقلقه

/115 أ/ ما إن تنفَّس إلَاّ ظلَّ من كمد

أنفاسه لزفير الشَّوق تحرقه

ولا أستنار هلال في دجى غسقً

إلَاّ وأزعجه بين يؤرِّقه

ولا أضاء سنى برق بكاظمةً

إلَاّ وتيَّمة بالجزع أبرقه

ولا تألق ثغر البدر مبتسمًا

إلَاّ وأذكى صباباتي تألُّقه

شوقًا إلى قمر كالآس عارضه

يذيب قلبي هجرانًا ويحرقه

ما غاب عن لحظً عيني قطُّ محتجبًا

إلَاّ وأصبح وسط القلب مشرقه

ولا أراش بنا لا قوس حاجبه

إلَاّ وأصمى فؤادي حين يرشقه

أغار من لحظ قلبي إذ تصوَّره

ألف فكري لقلبي حين يرمقه

فكيف لي إن تبدَّى كالهلال وأبصار الخلائق بالرُّؤيا تحقِّقه

[71]

أحمد بن أبي بكر بن أبي محمد الخابرانيُّ، أبو الفضل الخلاطيُّ:

وخابران قرية من قرايا خلاط الأديب النحويُّ.

نزل تبريز وسكن بها، إلى أن مات تقديراً بعيد سنة عشرين وستمائة، واتصل بوزيرها ربيب الدين علي بن أبي القاسم دنقان، ومدحه

/115 ب/ بشعر كثير.

وكان فاضلاً لم يكن له نظير في زمانه في علم الأدب والعربيّة والتصريف واللغة. وكان يميل إلى علوم الحكمة إلَاّ أنَّ الغالب عليه معرفة العلوم الأدبية والتبحّر فيها.

ص: 204

وكان شابًا ذكيًا.

أنشدت له ابتداء قصيدة أولها: [من الكامل]

هيهات ليس يفيق من سكر الصِّبا

من لا يزال تشوقه ريح الصَّبا

ساروا ودمعي قائل من خلفهم:

مهلاً فإنَّ السَّيل قد بلغ الزُّبى

[72]

أحمد بن أبي السعود بن حسّان، أبو الفضل الرُّصافيُّ.

من شرقيِّ مدينة السلام.

كان شيخًا خطاطًا يؤدّب الصبيان بالخط ويكتِّبهم. وكتب خطا قريبًا؛ إلَاّ أنه كان عنده دعاوى في الخط، ويتبجح به كثيراً. وينزل نفسه في الخط منزلة ابن البوّاب، ولا يثبت لأحد من كتّاب زمانه شيئَا.

كان جاهلاً بالأدب لم أسمع له من الشعر إلاّ هذه الأبيات /116 أ/ أخبرنا بها إجازة أبو محمد عبد العزيز بن دلف بن أبي طالب الخازن البغدادي الناسخ، قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن أبي السعود الرصافي لنفسه: [من البسيط]

يا ربّ إن كنت قد أسرفت في عمري

من أرتكاب الخطايا غير مشدي

أو كنت عمَّ يقوم الصَّالحون به

مجانبًا واعتدى غيِّي على رشدي

فلي لذلك حسن الظَّن يطمعني

في جنب عفوك يا ذخري ويا سندي

وأنبأني أيضًا، قال: أنشدني أحمد لنفسه: [من الطويل]

سأغضي على وخز القذى من معاشر

أداريهم إنَّ الكرين يداري

وأصبر للأيَّام علَّ صروفهاً

سوق من أستقرارها بدياري

فإن بلَّغتني همَّتي غاية العلا

فذاك وإلَاّ فالخمول شعاري

ص: 205

[73]

[أحمد بن سعد، الشريف العلوي

أخبرني الصاحب أبو البركات المستوفي –رضي الله عنه قال: أنشدني هذا الشريف لنفسه من آخر رسالة أنفذها إلى الملك المعظم مظفر الدين كوكبوري بن علي بن بكتكين صاحب إربل: [من الطويل]

إلأى م أرى النُّعمى أليف ذوي الجهل

وأبصر ..... حليف ذوي العقل

فيا حسرات لي لو أن ثقلها

على جبل لا نهدَّ من فادح الحمل

وأرحها كوني على رغم معطبي

مقيمًا بأرض لا يقيم بها مثلي

حليف ذوي جهل وشرُّ ثلاثة

مقام الفتى ذي الفضل بين ذوي الجهل

أيا دهر رفقًا با ....... فإنَّها

........................ ]

[74]

أحمد بن عليِّ بن أحمد بن عبد المنعم بن هبل، أبو العباس بن أبي الحسن الحكيم المتطبب البغداديُّ، المعروف بابن الخلاطيِّ:

وسيأتي ذكر والده وشعره.

اشتغل بعلم الطب ببغداد وتميّز فيه /116 ب/ حتى صار فرد عصره. وكان مع [ذلك] له يد في قرض الأشعار، وطبع في نظمها صحيح. وينشئ الرسائل العربية والفارسية. أقام بالموصل مدّة، ثم سافر إلى بلاد الروم فسكنها إلى أن توفي بملطية في ذي القعدة سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وكانت ولادته ببغداد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.

ص: 206

أنشدني ولده أبو الفتح يوسف، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من الطويل]

أخلَاّي هل خنتم عهودي بعد ما

رماني زماني بالتَّفرُّق منكم

وهل قد وعت أسماعكم من عدوِّنا

أحاديث إفك بالنِّفاق تنظَّم

أم العهد باق والمودَّة بيننا

كعهدي بها والعيش غضٌّ منعَّم

أحبَّة قلبي إن هجرتم وخنتم

فإنِّي على عهدي لكم لم أخنكم

ولم أتبدَّل غيركم غير ذكركم

أنيسًا إذا جنًّ الظَّلام ونمتم

أكابد شوقًا لست أقدر وصفه

وهل يصف الإنسان ما ليس يفهم

إذا ذكرت نفسي مقامي بقربكم

وعيشًا يقضَّى والحوادث نوَّم

وأسباب عيشي مذ نأيتم تصرَّمت

فللَّه قلب بينهمَّ مقسَّم

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه [من البسيط]

/117 أ/ أمسي وأصبح والآمال تلعب بي

والعمر منصرم والدَّهر ذو عجب

أمسي وأصبح في لهو وفي طرب

والموت يضحك من لهوي ومن طربي

كأنَّني قد أمنت الدَّهر ......... أو إنَّني لست أخشى حأدي النُّوب

كأنَّني لست من ..... قدر

يسوقه بغتة نومًا إلى القطب

دنيًا تغرُّ بآمال مزخرفة

كما يشاب مذاق السُّم بالضَّرب

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الوافر]

أقول لرفقة زمُّوا المطايا

ألا هل مبلغ عنِّي التَّحايا

إلى أرض العراق وساكنيه

إلى قوم هم خير البرايا

كرام سادة من تلق منهم

تقل: لاقيت أحسنهم سجايا

نشوا في المكرمات وفي المعالي

فلم تعلق بخيمهم الدَّنايا

كريمهم لدى الإضفال هشٌّ

طليق الوجه مبتسم الثَّنايا

وفارسهم لدى الهيجاء ليث

قطوب الوجه مقتحم المنايا

بذكر جميلهم سرُّ القوافي

بطيب حديثهم تخدي المطايا

ص: 207

لئن أخنى عليهم صرف دهر

فقد أبقى لنا منهم بقايا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]

/117 ب/ بنيَّ لقد جربت دهري وصرفه

ومارست أهليه على العسر واليسر

فلم أر مثل الصِّدق أنفع للفتى

ولا مثل فعل الخير أبقى على الدَّهر

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من البسيط]

والله ما نظرت عيني إلى حسن

إلَاّ تمثَّلت في إنسان عينيَّا

ولا ذكرتك في غمٍّ ولا فرح

إلَاّ تغلغل قلبي بين جنبيَّا

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]

إذا لم أجد لي في الزَّمان مؤانسًا

جعلت كتابي مؤنسي وجليسي

وأغلقت بابي دون من كان ذا غنى

وأفعمت من مال القناعة كيسي

وأنشدني، قال: أنشدني قوله: [من الطويل]

إذا لم أجد من صاحبي ما أريده

طويت فيافي دونه وقفارا

هي الهمَّة العليا فسام بها العلا

ولا ترمين دون السِّماك مطارا

فليس الفتى من نال وفراً مجمَّعًا

من الحمد ما يضحي عليه شعارا

وأنشدني، قال: كتب إلى والدي وهو مقيم برأس عين: [من الوافر]

سطرت إليكم من رأس عين

كتابًا مودعًا قلبي وعيني

/118 أ/ فعين الرَّأس تجري من دماًء

كما تجري المياه برأس عين

[75]

أحمد بن أسعد بن حيدر بن عبد الباقي بن المؤمل بن حلوان، المعروف بابن المنفاح، أبو العباس بن أبي الفضل المعرى السّليحيُّ، الطبيب الدمشقيُّ.

أخبرني أنه ولد بدمشق في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة أربع وتسعين

ص: 208

وخمسمائة. وقرأ علم الطبّ على الحكيم صدقة بن السامري الدمشقي.

وبرع في الذي قرأ عليه، وتميَّز على أهل زمانه، وصنَّف في ذلك مصنَّفات شتى، ورحل إلى آمد فاستخدمه صاحبها الملك المسعود ركن الدين مودود بن محمود بن محمد بن قرا ارسلان بن داود بن سكمان بن أرتق الأرتقي، وحظي لديه ونال منه منزلة رفيعة.

ثم استوزره بعد ذلك، وفوض إليه أموره، فحين أخذت آمد من الملك المسعود فارق خدمته واتصل بخدمة الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالي محمد /118 ب/ ابن أبي بكر –رحمه الله تعالى- فمكث عنده مديدة.

ثم شخص إلى الديار المصرية وعاد إلى خدمة الملك المسعود ركن الدين مودود فلم يحظ منه. ثم كر راجعًا إلى بلاد الشام، ثم إلى الموصل؛ فلقيته بها أواخر المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة؛ وهو على عزم التوجه إلى مدينة السلام.

من تنيفاته كتاب "تدقيق التحقيق في الجمع والتفريق"، وكتاب "الإشارات المرشدة في الأدوية المفردة"، وكتاب في "علم أصول الطب" مختصر، وكتاب "منتهى الأغراض في العلل والأمراض"، وكتاب "حل شكوك ابن الخطيب الرازي على كليات القانون"، وكتاب "الموجز في أصول الطب"، وكتاب "شكوك على مسائل حنين"، وكتاب "شكوك على فصول بقراط" وكتاب "المسائل المهمات في كتاب الكليات" وغير ذلك.

أنشدني لنفسه: [من البسيط]

يا شقيَّ الجسد الفاني بعنصره

وطبعه في عنا الدُّنيا أترك الطَّلبا

لقد أضعت نفيسًا في طلابك ما

لا تستطيع له يا صاح مكتسبا

/119 أ/ إحفظ عنك لا تعطيه أمنية

فما تزال إذا طارحتها تعبا

إنَّ الأماني أوهام تؤثِّر في

نفس الموف على تحركيه سببا

والعالم النَّدب تغشاه فيدفعها

فيأمنَّ ولو من أمرها النَّصبا

ص: 209

أو كان يسعى لما تمَّ القضاء به

فمتعب النفس لم يسع لما وجبا

أو كان يطلب ما لم يجر في قدر

أو سابق قد مضى كالمستحيل أبا

فاسكن فما الحرص مجد ما تؤمِّله

ولا ينيلك من أغراضك الأربا

وأعلم بأنك محبور تعش رغدًا

لا تندمن على ما فات أو ذهبا

خذها إشادة ذي نصح وتجربة

مهذَّب قد رأى من دهره العجبا

ما ظنَّ ذا الدَّاء حتى راح معظم ما

أعطى من ..... .....

كم سار في الأرض في كسب العلا قمنًا

برأيه وبعزم يمتطي الشُّهبا

فخانه أمل يقوى الرَّجاء به

وجاءه حيث لا يرجوه مقتربا

فوالَّذي أوجد الأشياء من عدم

من كذب القدر المحتوم قد كذبا

وبعد حسبك فاعمل للنجاة به

فالبعث لابدُّ منه وأمن العطبا

[76]

أحمد بن عبد الله بن أحمد /119 ب/ بن عليِّ بن محمد بن أحمد بن عليِّ بن حماد بن محمود بن محمد بن يوسف بن إبراهيم بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، أبو العباس بن أبي محمد العلويُّ الحسنيُّ.

أصله من مدينة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فحدث لهم حدث وهاجروا إلى الموصل، وسكنوا قرية من قراها تدعى الشرفية شماليها.

ثم انتقلوا إلى لزيو مجاورة خربا، فولد بها أبو العباس؛ وهو شاب صالح متدين جميل الطريق، متفقه يقول الشعر. سافر إلى حلب، وهو بها مقيم إلى الآن.

أنشدني من شعره بحلب يوم الجمعة خامس عشري رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة: [من الطويل]

إذا قلَّ توفيق الفتى قلَّ خيره

وإن كثر التَّوفيق فالخير يكثر

ص: 210

وما لامريء في ذاك مدخل حيلة

ولكنما الحالات أمر مقدَّر

فيا ربِّ إن سامحت عبدك فالَّذي

يروم وإن واخذت فهو المقصِّر

جديرًا أراه بالجحيم اصطلاؤه

وأنت بعفو عنه يا ربِّ أجدر

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]

نزِّه شهودك عن وجودك ترشد

فمتى فقدت شهور .....

/120 أ/ ما في الوجود سوى الإله وأنت

أنت الفرق وهو الجمع في المتبدِّد

فإذا عدمتك فيه كنت موحِّدًا

وإذا وجدتك كنت غير موحِّد

[77]

أحمد بن فلان بن جعفر بن النفيس بن محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن علي بن عبيد الله بن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو العباس الكوفي.

هو ابن أخي الشريف أبي طاهر عبد الله بن جعفر.

قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى – ورد هذا الشريف غير مرة إربل. وكان يصله إيجاب من سلطانها الملك المعظم أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين – رحمه الله تعالى – وكان عامي اللفظ والعبارة ليس عنده شيء من علم.

كتب إليّ من شعره: [من مجزوء الكامل]

مولاي يا شرف الخليقة

في الطَّريقة والحقيقية

يا من سما بمكارم

صن ماء وجهي أن أريقه

/120 ب/ لسواك إنِّي لا أذُّل

وأنت أسبابي الوثيقه

ص: 211

[78]

أحمد بن محمد بن صدقة بن إبراهيم بن ظبية الضرير الموصلي.

حدثني الصاحب أبو البركات المستوفي في تاريخ إربل – من تصنيفه – قال: ورد أبو العباس بن ظبية إربل قديمًا؛ وهو أمرد. نزل بعينيه ماء وكان أحسن الناس صورة، وعنده طيش وخفّة. وكان يعظ الناس إذ ذاك ويحفظ الكثير سريعًا.

ثم ورد إربل في سنة خمس عشرة وستمائة شيخًا قد تغيرت أوصافه لا يكاد يعرف، يستجدي بأشعاره، ويعرف نفسه بأحمد الواعظ الضرير؛ وحدثت أنه توفي سنة ثماني عشرة وستمائة.

وأنشدني لنفسه: [من المجتث]

يا من له ربع جود

أضحى لدينا نضيرا

فلن ترى في البرايا

كمثل ذاك نظيرا

أصبحت تهوى عليًّا

فصرت فينا ظهيرا

/121 أ/ وقِّع على ظهر طرسي

فالعبد يهوى الظُّهورا

لمن أحلت عليه

فلا برحت كبيرا

[79]

أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن الطَّيِّب بن أبي محمد، أبو عليٍّ الواعظ البطائحيُّ.

كان شيخًا في علمي الطريقة والحقيقة، يتكلم في الوعظ، ويورد فيه فصولًا أحسن كلام. رأى المشايخ وصحبهم وسمع الحديث النبوي.

وكان قطب زمانه في الورع والمعرفة والقرآن وتفسيره والوعظ. وسكن سنجار

ص: 212

وصار شيخ الشيوخ بها؛ وله مريدون وتلامذة ينتمون إليه، ويلبس خرق التصوف، وصادف من الملك الصالح نجم الدين أيوب بن محمد بن أبي بكر – صاحب مصر – قبولًا؛ فمال إليه وأكرمه وأقبل عليه، ووعظ بين يديه فولّاه سنجار شيخ الشيوخ، وأسند إليه أمر الخانقاهات، وتلمذ له. وكان يجتمع به ويعظه.

وله تصانيف كثيرة منها "تفسير القرآن"، وكتاب سمّاه "الدرّ المكنون الحاوي لكثير من الفنون" يتضمن .... .... والأحاديث النبوية وشرحها /121 ب/ وفقهها، والحكايات عن المشايخ الثقات، وأبيات في المعاني مطابق وحقائق. وبوبه أربعين بابًا عن أربعين شيخًا يشتمل على أربعة كتب، والمجلدة الأخيرة أفردها في أهل البيت فقط – صلوات الله عليهم وسلامه – وكتاب "الطريق المسلوك في نصيحة الملوك" وهو أربعون حديثًا عن أربعين شيخًا سمعها في أربعين بلدًا في معنى واحد، وكتاب "التاريخ" ابتدأ فيه من الحس والبسّ إلى زمانه.

وروى الحديث عن عدَّة شيوخ منهم؛ أبو القوقت السجزي، وروى سند البخاري بطريق آخر؛ وهو عن جده أحمد بن محمد بن الطيب. وعاش مائة وأربع سنين. وكان عمر أبي علي أحمد بن عبيد الله يومئذ تسع سنين، وجدّه يروي عن الكشمبهيني عن الغربري عن البخاري.

وكان ولادته في ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بقرية منسوبة إليه يقال لها "الشيخية" وفيها تربة والده الشيخ عبيد الله ابن أحمد بن محمد من أعمال واسط.

وكان له أشعار يقولها لغلبه، ويرتاح بها في خلواته؛ أنشدني منه /122 أ/ ولده أبو الحسن علي بحلب المحروسة، قال: أنشدني والدي لنفسه وهو مما قاله في صباه:

[من الرجز]

حنِّي إلى أرض الغوير حنِّي

إن كنت حقَّقت رواح الظَّعن

ورجِّعني إذا ذكرت رامة

شوقًا إلى ساكنها وإنِّي

ولا تزالي يا رياح دائمًا

مبلغات للسَّلام عنِّي

قصِّي على ذاك الحمى وأهله

تفجُّعي وما علمت منِّي

ص: 213

وأنشدني، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من البسيط]

أذكى الغرام بهذا الرَّكب حاديه

واذكر الصَّبَّ عهدًا غير ناسيه

شدا قبيل الضُّحى بالمنحنى فبكت

حمامه وتثنَّى بان واديه

ناشدتك الله يا حادي الرَّكائب إن

جئت المصلَّى ولاحت نار أهليه

إلا طلبت لكربي من يفرِّجه

من الهموم ودائي من يداويه

ويا رفيقيَّ عونًا والرَّفيق منة استعنته فيعاني ما تعانيه

سألتماني التَّسلِّي يوم كاظمة

فهل تعيرانني قلبًا أسلِّيه

/122 ب/ وأنشدني، قال: أنشدني والدي من شعره: [من البسيط]

أحوى أغنُّ عضيض الطَّرف وسنان

ألحاظه البيض والأجفان أجفان

مورِّد الخدِّ لدن القدِّ شمس ضحى

في وجهه لمجال الحسن بستان

فالغصن من قدِّه الميَّاس معتدل

والبدر من حسنه الفتَّان خجلان

هذا الَّذي شعره ليل وغرَّته

صبح ووجنته ورد وريحان

بدر يدير علينا فوق راحته

شمسًا لها تلك ذاك الدجن أزمان

محجوبة في دنان الغيب ما عرفت

قسّا ولا حازها في الدَّير مطران

رقَّت فراقت لقلبي في تقلُّبها

روحًا تنقَّل في الكاسات أبدان

[80]

/123 أ/ أحمد بن عقيل بن نصر، أبو العباس الزَّرعيُّ العامريُّ.

وزرع التي ينسب إليها قرية على باب دمشق.

أخبرني الشيخ العالم الفاضل نجيب الدين أبو الفتح نصر الله بن أبي العز بن أبي طالب الشيباني، قال: كان شابًا ذكيًا له طبع سليم في الشعر، يقوله ارتجالًا. خدم

ص: 214

الملك المعظم عيسى بن أبي بكر، وجعل له عليه رزقًا يتناوله كل شهر؛ وله فيه مدائح كثيرة. وكان ملازمًا حضرته سفرًا وحضرًا، ومات شابًا في شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين وستمائة.

وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه في سنة إحدى عشرة وستمائة:

[من الزجر]

إن سلَّ سيف الهجر من غمد الجفا

فادرع الصَّبر الجميل والوفا

وقاتل الهجران بالوصل وما

كدِّر من ورد التصابي بالصَّفا

/123 ب/ وإن خذلت بالسُّلوِّ فانتصر

بالمدمع المنهلِّ حتَّى يكتفى

ولا تطع أمرًا سوى أمر الهوى

وعاص في شرعته من عنَّفا

وبالدُّنوِّ فاستعذ خوف النَّوى

من نزغ شيطان عزول سوَّفا

أحلى الهوى شهد الرُّضاب سيَّما

إذا اجتناه الصبُّ من صاب الجفا

حسب الَّذي أجعله من ذلَّتي

وسيلة إلى الجيب وكفى

من منقذي من يد هجر ظالم

يأبى إذا أنصفته أن ينصفا

يهزُّ من قامته مثقَّفًا

وينتضي من الجفون مرهفا

لو عنَّ للشَّمس استحت ولو بدا

للبدر ضوء وجهه لانكسفا

يريك بالغرَّة صبحا نيِّرًا

منه وبالطُّرَّة ليلًا مسدفا

يجذب خوط قدِّه من ردفه

دعص فلولا لينه لانقصفا

مضعف ورد الخدِّ كم قلب به

بعد القوى في حبِّه قد أضعفا

أقام من أصداغه عقاربًا

تحرسه من لحظنا أن يقطفا

ما أنكرت أجفانه سفك دمي

إلا أتاني خدُّه معترفا

خدٌّ به جمر من الحسن جرى

من حوله ماء الحيا وما انطفا

. كل مشرق ورائق

بعد اختلاف عنده تألَّفا

/124 أ/ كأنَّ في فيه لدى ابتسامه

برقا أضا أو درًّ عقد قد صفا

تحسب في نكهته وطعمه

مسكًا وشهدًا وسلافًا قرقفا

أضاء بدرًا ورنا ظبي نقًا

وفاح مسكًا وانثنى مثقَّفا

وصدَّتيهًا وتجنَّى مللًا

وصال كبرًا وتولَّى صلفا

ص: 215

فهمت وجدًا ونحلت كمدًا

وذبت شوقًا وقضيت أسفا

لم أر من قبل أراه شادنًا

مسوَّرًا مخلخلًا مشنَّفا

لا رأيت صنمًا من قبله .. يضلُّ رشد المسلمين الحنفا

يصلي بنيران الصدود من ثوى

عليه في دين الهوى معتكفا

آليت لا أبرح مغرى مغرمًا

به مغنًّى في الهوى معنًّفا

[81]

أحمد بن عبد العزيز بن محمد الواسطيُّ الطحّان.

قال الصاحب أبو البركات: كان من غلمان الطحن توجه عليه دين، وبقي مدة محبوسًا، وأطلق فخرج فسكن بعض نواحي البلد، ولم يكن عنده شيء من العلم.

وذكر هو أنه كان طحانًا، وأنه أخذ لمّا أخذ /124 ب/ بنو أمسينا، ولم يبق له شيء مما كان، فورد إربل.

ومن شعره: [من الكامل]

لوت الصَّبابة والغرام عناني

وأذابني شوق الحمى وبراني

وتزايدت زفرات وجدي للهوى

فأنا الحريق بجذوة الهجران

يا للرجال أفيكم من آخذ

بدم القتيل بأعين الغزلان

بأبي الحمول سرت بكلِّ غريرة

بهرَّت بقامتها قضيب البان

[82]

أحمد بن الحسن بن كمار، أبو نصر الأرمويُّ، المعروف بابن إمام الجامع.

كان فقيهًا شافعي المذهب خطيبًا فاضلًا عالمًا، سمع الحديث كثيرًا. وكانت وفاته يوم الأحد ضاحي نهاره الرابع من شوال، ودفن بكرة يوم الإثنين بأرمية سنة ست وعشرين وستمائة.

وسئل عن سنه في مرضه الذي توفي فيه، فقال: عمري سبع وخمسون سنة تخمينًا. وكان مولده في رجب سادس عشريه.

ص: 216

أنشدني أبو بكر محمد ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه: [من الكامل]

/125 أ/ لمَّا فقدت أكابرًا كانوا هم

من فضلهم متفقَّدي إيَّاهم

مالي سواهم لا أرى من بعدهم

متأسِّيًا بقعودهم وقيامهم

قد صحَّ ما قد قاله متمِّثلًا

أما الخيام فإنَّها كخيامهم

[83]

أحمد بن بهرام، أبو العباس الإربليُّ:

ابن بنت أخي الأمير مجاهد الدين أبي منصور قايماز بن عبد الله الزينيُّ.

قال الصاحب أبو البركات المستوفي: جندي لطيف المعاشرة، ظريف المحاورة، قيم بوظائف الصلوات، صائم في أكثر الأوقات، ظاهر الدين، عفيف مستور، ربما عبث في بعض الأوقات بشيء من الشعر تأدبًا.

بلغتني وفاته بطريق الشام في شعبان من سنة ثماني عشرة وستمائة.

اجتمعت به والمغني يغنّي بإربل:

دع ملامي بالحمى أو رح ودعني

واقفًا أنشد قلبًا ضاع منِّي

فقال بديهًا: [من الرمل]

/125 ب/ يا حبيبي صل محبًّا هائمًا

قد براه في الهوى طول التَّمنِّي

ثم قال: تمم، فقلت:

لم يقل إذ باعكم مهجته

بهواكم يا لها صفقة غبن

فأفكر ساعة، وقال:

فانضحوا ماء وصال منكم

فوق عودي فعسى يورق غصني

أيها المعرض عنِّي ظالمًا

لا تدعني ندمًا أقرع سنِّي

وحدثني الصاحب أبو البركات – رحمه الله – قال: جمعني وأحمد بن بهرام في منزله بالموصل ليلة من الليالي مجلس مؤانسة في سنة ست وتسعين وخمسمائة، فغنى صدقة بن محمد المغني الإربلي أبياتًا من شعره في لحن صنعه، وهو:[من المجتث]

ص: 217

إذا تمنَّع صبري

وضاق بالهجر صبري

ناديت واللَّيل داج

وقد خلوت بفكري

يا ربِّ هب لي منه

وصال يوم بعمري

وأتم عليه صدقة، فقال:

لأجتني ورد خدٍّ

زاه على كلِّ زهر

واجتلي غصن بان

يميس من .... بدر

/126 أ/ إن صحَّ لي ذاك منه

يومًا وفيت بنذري

وسئلت أن أقول، فقتل:

إذا بدا يتثنَّى

نشوان من غير خمر

عجبت من صبح وجه

يلوح من ليل ثغر

فالشَّمس تلعب ما بيننا بدارة بدر

وقال أحمد بن بهرام:

أقول من فرط وجدي

به وقلَّة صبري

يا من تملَّك رقِّي

إرحم فديتك ضرِّي

وقلت:

عذار خدَّيك فيه

يقوم للنَّاس عذري

وفيك طاب جنوني

ولذَّلي هتك سرِّي

وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أحمد بن بهرام وكتبها إليّ أوّل كتاب: [من الكامل]

يا راحلين وفي حشاي لبينهم

نار تسعَّر حرُّها في أضلعي

والله ما ألفت جفوني بعدكم

طيب الرُّقاد ولا هناني مضجعي

ولقد بليتكم جوى وصبابة

حتى تزوَّد ركبكم من أدمعي

وأنشدني أيضًا، قال: نقلت من خط أبي العباس أحمد بن بهرام ما كتبه إلى بعض أصدقائه: [من الكامل]

/126 ب/ ورد الكتاب من الأجل العالم

فقرأته ولثمت ثغر القادم

ص: 218

وذكرت أيامًا مضت ولياليًا

قضيتها فرحًا وكان منادمي

وكان حمل الكتاب إليه صبيٌّ جميل الصورة، ظاهر الملاحة.

وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أحمد بن بهرام لنفسه: [من الوافر]

أما وهواك ما ملكت شؤوني

مدامعها ولا برد الغليل

وما برح اصطباري عنك واه

وجسمي بعد بعدكم نحيل

لقد أودعتني حسرات شوق

عشَّية قوِّض الرَّكب الحمول

وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]

سل اللَّيل عنِّي كيف أرعى نجومه

لعظم غرامي فيك والنَّاس نوَّم

وإنِّي لمشتاق إليك وناظري

طموح إلى لقياكم متألمِّ

أيأ قمرًا قد تاه عجبًا بحسنه

لقد نال مني الشَّوق ما أنت تعلم

فإن يسعد المشتاق منك بنظرة

تبرِّد نارًا بين جنبيه تضرم

أما فيكما يا صاحبيَّ مساعد

يعاتب .... يترحَّم

[84]

/127 أ/ أحمد بن الخضر بن أبي بكر بن حسكويه، أبو العباس.

ابن أخي الشيخ عليِّ بن أبي بكر.

وكان هذا علي بن أبي بكر معلمًا بإربل، واتصل بالحاجب سرفتكين بن عبد الله الزيني – والي إربل من قبل زين الدين أبي الحسن علي بن بكتكين رضي الله عنه – فحسنت حاله عنده، وارتفع قدره بصحبته، وحصل له مال كثير من خدمته؛ ولما توفي سرفتكين استؤصل ما كان عنده من مال، وبقي فقيرًا إلى أن مات – رحمه الله – هكذا ذكر ذلك الصاحب أبو البركات في تاريخه.

وأما ابن أخيه أحمد هذا؛ فإنه قال: إربلي المولد والمنشأ، ويعرف بحميدان.

ص: 219

أوّل ما اشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – بالمدرسة المجدّدة بدرب السهرية. وكان ذكيًا وقحًا.

وأخذ شيئًا من الخلاف، وسمع معنا الحديث على الشيخ أبي المظفر المبارك ابن طاهر بن المبارك البغدادي الخزاعي المقرئ، وختم عليه الكتاب /127 ب/ العزيز.

وتوفي في يوم الأربعاء ثاني عشر شهر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة بإربل، ودفن بها بظاهر البلد.

أنشدني لنفسه، ونقلته من خطّه، وكتبها إلى أبي الثناء محمود بن محمد بن الأنجب الإربلي:[من مجزوء الرجز]

قل للَّذي فاق الورى

بالفضل والتَّفضُّل

ومن أياديه لنا

مثل السَّحاب الهطل

إنِّي وإن كنت كما

يزعم مولاي علي

عن الحساب والخلاف والتُّقى بمعزل

لكنَّني بذلت مجهودي حيث عنِّ لي

أن أجمع الجذور من

كتاب الجمَّل

ما في الحروف كلِّها

جذر لجذر الأوَّل

فكتب إليه محمود بن محمد بن الأنجب – رحمه الله تعالى -:

[من مجزوء الرجز]

يا علم الدِّين الَّذي

يوضح كل مشكل

إسم الَّذي تيَّمني

ثانيه جذر الأوَّل

وثالث الأحرف جذر ثاني المستعمل

/128 أ/ ورابع الأحرف ضعف الثَّالث المكمّل

لكنَّما خامسه

إن جئته بالجمَّل

تلقاه جذر جذر رابع

الأوَّل المفصَّل

فالإسم إن صحَّفته

تلقاه غير الأوَّل

ص: 220

[85]

أحمد بن محمد بن رافع بن خليفة بن أحمد بن محمد القريحيُّ بن عمر الودّاك أبو العباس الباجسريُّ.

قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى – كذا أملى علي نسبه، وسألته عن معنى القريحي، فقال: كان ذا قريحة جيدة فسمي بذلك – هذا لفظه -.

وسألته عن مولده، فقال: مولدي يوم الجمعة مستهل شهر رمضان من سنة ستٍّ وستين وخمسمائة بالدور، وأقمت بباجسرى.

وكان أولًا يقول القارحي فغيّره، ومن أهله بإربل قوم يدعون بني القارح؛ وله أشعار سلك في طريقها مذاهب العرب؛ استعمال ألفاظ ومعان. وكان كثير اللحن في إنشاده.

/128 ب/ ورد معه نسخة من شعره إلى إربل في المحرم من سنة أربع عشرة وستمائة، وعليها خطوط جماعة من البغداديين بالثناء على شعره المودع فيها، وأرادني أن أكتب له مثل ذلك عليها فلم أفعل.

ورد إربل مرّة أخرى قبلها، وأنشدني كثيرًا من أشعاره في المرتين؛ وله بإربل أقرباء يدعون بني القارح لا القريحي.

وقد كتب إلى علي بن موسى الضرير أبياتًا نسبه فيها إلى القارحي لا إلى القريحي، فمما أنشدنيه قوله، ونقلته من خطّه:[من الطويل]

سما لك مجد باذخ متطاول

وجدُّ على أعلى المجرَّة نازل

منيف يراه النَّجم كالنَّجم ساميًا

يقصِّر عن إدراكه المتناول

وأبدت لك الأيَّام ما في غيومها

من السَّعد حتَّى حام عنك المماثل

ومتَّعك الله المهيمن ما دعا

على البان ورق أو تفوَّه قائل

ص: 221

ومالي أن أهدي إليك فصاحة

وقسُّ الأيادي في فنونك باقل

وليس لنا عن سيب جودك معدل

وقد نضبت فيمن سواه المناهل

وما كلُّ مثر يرتجى منه نيله

ولا كلُّ ذي مال لديه فواضل

/129 أ/ ولا كلُّ جدلاء الغصون حبيكة

تقمَّصها يوم الكريهة باسل

فيا خير من ضمَّ اليراعة كفُّه

وأكرم من شدَّت إليه الرَّواحل

وأشجع من أحنى على قائم يدًا

وأحلم غضبان إذا طاش جاهل

وأنشدني، قال: أنشدني أبو العباس لنفسه في سنة أربع وستمائة: [من الكامل]

طرقتك بعد صدودها أسماء

والحبُّ فيه سجاحة وإباء

بيضاء لو ترك الخمار جيبها

لا شكَّ يقرأ أثرها الرُّقباء

وتدير خوفًا لحظها فكضأنَّها

بين اللِّدات غريرة أدماء

فمضت لنا عن عفَّة وصيانة

إلَّا ارتشافًا ليلة غرَّاء

[86]

أحمد بن محمد بن عليِّ، أبو العبّاس الهيتيُّ:

من أولاد السنبسيِّ الشاعر.

قال الصاحب أبو البركات – رحمه الله تعالى -: ورد إربل غير مرّة رسولًا من سنجار.

وحدثني أبو القاسم /129 ب/ ابن أبي الحسن بن علي بن السنبسي، قال: توفي أحمد بن السنبسي في سابع وعشرين من شعبان من سنة خمس عشرة وستمائة، ودفن بالموصل، قال: ثم أنشدني له: [من الرمل]

من لعاني القلب صبٍّ مستهام

حرمت مقلته طيب المنام

وجفا أجفانه طيب الكرى

يذرف الدَّمع سجامًا كالغمام

لي بهيت ضيعة قد ضيَّعت

كلَّ ما استكسبت من آل الكرام

تر ..... بدين موبق

وخراج رضَّ جسمي من عظامي

ص: 222

[87]

أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الشيبانيُّ.

ابن أخي قاضي مكة من ولد القاضي المحامليِّ.

ساق ذكره القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الفقيه الحنفي – أدام الله أيامه – فيمن قدم حلب من تصنيفه، وقال: رجل فاضل شاعر مجيد من أهل مكة – حرسها الله تعالى – قدم علينا حلب في شهور سنة

وستمائة، ممتدحًا للملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف، وللأكابر /130 أ/ من أهلها. وكان حسن السَّمت جيد الإيراد.

سمعته بين يدي السلطان الملك الظاهر ينشده قصيدتين رثى بهما أخاه الملك الأشرف محمد بن يوسف وقد جلس للعزاء يومين بعد موته، فأنشده في اليوم الأول مرثية استجادها السلطان والحاضرون، فعمل أخرى وأنشدها في اليوم الثاني. وسمعت القصيدتين من لفظه حالة إنشاده إحداهما.

قال المبارك – مؤلف هذا الكتاب – وأنشدنيها القاضي بمنزله المعمور يوم السبت ثاني عشر ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وستمائة: [من الطويل]

إلى كم ترى يا دهر ترمي بصائب

إلى أن دهتني منك أمُّ المصائب

بموت مليك كنت مهما دعوته

لسلبك لي إلَّا استعدت سلائبي

بموت مليك كان عطفك قد كسي

جمالًا به حتَّى نأيت بجانب

سددت فم الناعي بكفِّي تطيُّرًا

وألويت وجهي عنه ليَّ مغاضب

وقلت: تبيَّن ما تقول لعلَّها

تكون كتلك الحادثات الكواذب

فلما بدا لي الكره في كرِّ قوله

ربطت نوازي أضلعي بالرَّواجب

/130 ب/ فلا تحسبنِّي أتَّقي بعد هذه

شبا طاعن من مصمياتك ضارب

ولا باسطًا للخطب كفَّ مدافع

ولا فاتحًا من بعدها فم عاتب

أبعد أبي عبد الإله محمَّد المليك الفتى آسي على إثر ذاهب

أبعد المليك الأشرف النَّدب أرسل الرثا رائدًا أبغي انتجاع المطالب

ونطمع من بعد المليك بن يوسف

ببقيا وتخليد العصور الذَّواهب

ص: 223

فكم قدم أماط الضيم عمَّن هوت به

المذلُّة في عمياء ذات غياهب

وكم قد هفا الحزن الغريب بفقده

فمر هباءً في الدُّموع الغرائب

وكم نفثت جمر الغضا نادباته

كأنَّ فؤادي في حلوق النوادب

عزاءً عليه أجمعين فإنَّني

أراه عزيزًا ليس بالمتقارب

أيا شرف الدِّين الَّذي كنت آملًا

..... ...... نداه حقائبي

.. ..... .....

بأصناف التَّجمُّل كاذب

فوالله لا أنفكُّ أبكيك دائمًا

وأندب مجدًا منك مرخى الذَّوائب

ذخيرة أنسي لست أنساك مارسا

ثبير وما حطَّت بأرض نجائبي

طوى منك هذا الموت بردًا مسهَّمًا

مصانًا لديه ..... .....

وسدَّ طريق الجود من كلِّ وجهة

وأورد ذا الآمال مرَّ المشارب

/131 أ/ فما إن أزال الدَّهر بعدك ناظمًا

عقود ثنائي خاطبًا بالمناقب

أريح سوامًا للمراثي لترتعي

لديك أزاهير المعاني العجائب

فلا زلت ممنوحًا بأرسال مزنة

تروح وتغدو دانيات المآدب

وإن كنت يمًا قد غنى في ضريحه

بأمواجه عن هامرات السحائب

وأخبرني القاضي الإمام أبو القاسم - أيده الله تعالى – قال: حدثني أبو علي الحسن بن محمد بن إسماعيل القيلوبي، قال: حدثني بعض رفقاء أحمد بن أخي قاضي مكة، قال: كان له رفيق فتوفي بدمشق قرأى أحمد بعد وفاته بأيام، كأنه جاء فقيل له: إلى أين؟ قال: جئت آخذ فلانًا يعني نفسه وأمضي؛ فلما استيقظ، قال لأصحابه: إني ميت لا محالة، فلم يبق إلا أيامًا يسيرة ومات بدمشق.

[88]

أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن عليِّ بن محمد بن عليِّ بن العباس بن محاسن بن عليّ بن عيسى بن موسى بن عيسى /131 ب/ بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن العباس،

ص: 224

أبو هاشم بن أبي حامد الهاشميُّ الصالحيُّ الحلبيُّ.

هو وأبوه من أهل حلب ما زالوا بها من زمن عيسى بن صالح وعليهم بها وقف من زمنه.

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – ضاعف الله إقباله – قال: كان أبو هاشم شاعرًا مجيدًا عارفًا بالتواريخ. سمع الحديث على جماعة من شيوخنا مثل الشريف أبي هاشم بن ..... الهاشمي، وقاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن رافع بن تميم، وأبي البقاء يعيش بن علي بن يعيش النحوي الحلبي، وجماعة غيرهم.

وأخبرني أنَّ مولده بحلب في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وتوفي بها يوم السبت الحادي عشر من شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وستمائة. ودفن خارج باب أنطاكية في تربة لأخواله بني عبد الرحيم.

ثم قال: أنشدني أبو هاشم لنفسه: [من البسيط]

رأيت في النَّوم أحبابي قد ارتحلوا

فأوجس القلب من ترحالهم حذرا

فجئت عند انشقاق الفجر أطلبهم

فلم أجد منهم عينًا ولا أثرا

/132 أ/ فأقسم الجفن إذ كان الرُّقاد له

ناعي الأحبَّة أن لا ذاق طعم كرى

وأنشدني القاضي أبو القاسم – أدام الله أيامه – قال: أنشدني أبو هاشم الصالحي لنفسه: [من الطويل]

تأمَّل لسعدى بالأبيرق منزلا

كسته الرِّياح الهوج ثوبًا من البلى

عفت رسمه الأرواح حتى كأنَّه

بقيَّة وشم في نبات تمثَّلا

عهدناه بالبيض الأوانس معلمًا

فأصبح بالسُّود الطَّوامس مجهلا

تحمَّلت أعباء الصَّبابة والأسى

غداة نوى عنه الخليط تحمُّلا

ص: 225

وإنَّ محالًا صبر قلبي وإن بدا

لعيني ربع المالكيَّة محملا

وأنشدني، قال: أنشدني أبو هاشم الحلبي قوله. وكان الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب قد اقترح هذا الوزن واستخفه، فعمل جماعة من الشعراء بحلب عليه، فعمل هو قصيدة منها:[من الطويل]

نعم ذاك ربع العامريَّة قد أقوى

فيا لك من قلب على البين ما أقوى

/132 ب/ سروا فسروا بالعيش يتبع عيسهم

وولَّوا فقد ولوا على جسدي البلوى

وكم خدعتني أعين العين عنهم

فما عزَّ يا قلب عليها ولا ألوى

هم أخذوا طرفي وسمعي زميلهم

فما أملك الرُّؤيا ولا أسمع النَّجوى

وبالهودج المحجوب بالسُّمر غادة

عدت وحديث الحسن عن وجهها يروى

منعَّمة لا من هبيد طعامها

ولا قومها كعب ولا دارها حزوى

إذا أسفرت واللَّيل مرخ سدوله

لنا عن محيَّاها تشعشعت الأضوا

ولو أن بدر التمِّ يشبه وجهها

لما أحدث الرَّحمان في وجهه محوا

[89]

أحمد بن رستم بن كيلان شاه، الديلميُّ الأصل، الدمشقيُّ المولد، أبو العباس الشافعيُّ.

كان أبوه يعرف بأسباسلار.

حدَّثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – حرس الله مدَّته – في شهر ربيع الآخر بحلب في منزله المعمور سنة أربع وثلاثين وستمائة، قال: قدم أبو العباس بن أسباسلار حلب وأقام بها مدّة في صحبة أبي محمد ظاهر بن جميل، إلى أن انتقل ابن /133 أ/ جميل إلى البيت المقدس فانتقل في صحبته وأقام بالبيت المقدس بعد وفاته، وكان من المعدّلين، وكان شيخًا حسنًا مستورًا له شعر حسن وكلام منثور.

اجتمعت به بالبيت المقدس سنة تسع وستمائة وكتبت عنه جزءًا من الحديث،

ص: 226

سمعه بدمشق من أبي الفهم عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أبي العجائز الأزدي، آخر سمعه من أبي علي الحسن بن هبة الله بن يحيى المعروف بابن البوقي الواسطي، وكتبت منه جزءًا من شعرا.

ولما هدم البيت المقدس في سنة ..... وستمائة خرج منها وسكن دمشق إلى أن مات بها على ما أخبرني أبو عبد الله محمد بن البخاري البغدادي يوم الجمعة الرابع عشر من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وستمائة، ودفن بجبل قاسيون.

وأخبرني إبراهيم بن الأزهر الصريفتي: أنَّ مولد شيخنا أحمد بن أسباسلار في سنة ثماني وأربعين وخمسمائة بدمشق.

ثم قال: وأنشدني أبو العباس أحمد بن رستم الديملي لنفسه في الغزل:

[من الرمل]

شهرت من لحظها لي مرهفين

يوم زمَّت عيسها بالمأزمين

/133 ب/ عرَّفت في عرفات وانثنت

بشعار النُّسك نحو المشعرين

وأفاضت فأفاضت عبرتي

..... الأعمال العلمين

لمنى ثمَّ رمت حاذقة

جمرة أذكت بقلبي جمرتين

ثمَّ طابت نفسها في طيبة

إذا ألبَّت سحرًا باللَّابتين

حرمت عيني الكرى وادعة

حين ولَّت من وداع الحرمين

ليتها إذ عذَّبتني بالقلى

سمحت مالكتي بالأعذبين

كلَّما استحدثت فيها عزمة

لسلوٍّ فترت بالفاترين

كيف أسلو والهوى لمحة عين

أودعتني عارضًا من عارضين

من مجيري من هواها فلقد

حجب النَّوم قسيُّ الحاجبين

أعرضا عنِّي فما ينفعني

طبُّ بقراط ولا رأي حنين

ليس يرجى لي شفاء عنده

بل شفائي من برود الشَّفتين

قد رآني قاضيًا حق الصِّبا

لحقاق حمِّلت عنبرتين

ص: 227

عجبًا منِّي ومن معجبة

بنت تسع وثلاث واثنتين

وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم – أيده الله تعالى – قال: أنشدني /134 أ/ أبو العباس من شعره: [من الخفيف]

ربَّ كأس عار من الآداب

همُّه ما يشيده للخراب

يتباهى بثوبه وثرا المال

وجسم يبلى وعيش لباب

مهملًا أمر دينه ليس يدري

أنَّ هذا جميعه للذهاب

وأنشدني أدام الله أيامه – قال أنشدني أحمد بن كيلان شاه لنفسه يمدح قاضي القضاة محيي الدين أبا المعالي محمد بن الحسن بن محمد بن يحيى القرشي الدمشقي: [من المتدارك]

إشتدِّي أزمة تنفرجي

فالضِّيق منوط بالفرج

والعسر يؤول إلى يسر

والرَُّّوح تراح من الحرج

مذلاح بياض في لمم

من بعد سواد كالسبج

فاسمع يا صأح وصيَّة من

في زور الباطل لم يلج

إعلم واعمل بالعلم لكي

تسمو في الخلد ذوي الدَّرج

ما أنت وأغيد ذو هيف

بمعقرب صدغ منعرج

من نسل التُّرك إذا نسلوا

سلبوا وسبوا أسد الخلج

/134 ب/ بعيون ظباء سانحة

وفتور لحاظ في دعج

ترمي الأبطال فما تنفكُّ

سهام اللحظ من الودج

وبغالية من غالية

فتنتك على خدٍّ ضرج

وبلعس شفاه ظامئة

ما فيه شفاء للمهج

وببرد رضاب من برد

كالقرقف منية كلِّ شجي

وبناصع سالفة نجمت

كعمود صباح منبلج

لا ترض أخاك وتوسعه

مكرًا فالبهرج لم يرج

ص: 228

لا ترم النَّاس بمعضله

يرموك بقاصمة الشَّبج

إيَّاك فلا تك معتذرًا

للَّائم من أمر مرج

إيَّاك وعيب سواك وكن

ما عشت بعيبك ذا لهج

والخلَّ فواس بما ملكت

كفاك ..... خلق سمج

جد بالأموال لخاطبها

حثيًا حثيًا لا بالصَّبج

فبطون أكفِّك من أنامل كفٍّ منقبض شنج

كالنِّيل ونائل محيي الدِّين

مميت الباطل بالحجج

.. ..... شرس

في الخلق ولا بالمنزعج

/135 أ/ وقال أيضًا يمدح الملك الأفضل نور الدين علي بن يوسف بن أيوب: [من الكامل]

سل همومك بالرضاب البلبل

من طفلة مثل المهاة المطفل

لا دارها بالرَّقمتين فبارق

كلَاّ ولا طلل بدارة جلجل

نزلت بأعلى النَّيربين منازلًا

لم يعفها مرُّ الصَّبا والشَّمأل

تتفيأ الرَّوض الأريض وجاورت

هارون لا سقط الدَّخول فحومل

بظلال كلِّ خميلة عنيت بها

في وشيها كفُّ الرَّبيع المقبل

فتبسَّمت أرجاؤها لما بكت

عين السَّحاب بكلِّ دمع مسبل

حلت فحلَّت كلَّ روض عاطل

منها بأنواع الملابس والحلي

فالدَّوح بين منوَّر ومثمَّر

ومسيطر ومشمَّر ومذيَّل

والرَّوض بين معنبر ومزعفر

ومعطَّر ومكفَّر ومصندل

والنَّهر بين تدفُّق وترفُّق

وترقرق وتخرق وتسلسل

والرَّاح في راح السقاة تضوَّعت

أرج القرنفل في مذاق الفلفل

والكأس ما بين الكياس مذالة

فمحرَّم في شربها كمحلَّل

/135 ب/ والنَّاي والمزمار يخفت صوته

والعود بين تسكُّن وتقلقل

والعيش غضٌّ والزمان كأنَّه

في طيبه زمن المليك الأفضل

ص: 229

وقال وهو بمصر، وقد اشتد شوقه إلى دمشق وذكر أيامًا له قد تقضت بالنيربين، ويمدح الوزير نجم الدين يوسف بن الحسين بن المجاور:[من الرمل]

علِّلاني بالمنى صدقًا ومين

فحديث النَّفس إحدى اللذَّتين

ضاع والهفي زماني ودنا

هرمي من صحَّتي بالهرمين

فإلى كم ذا التَّمادي ولقد

أودت النَّفس بشوق الواديين

لست أسلو بسواها إنَّما

راحة الرُّوح بنور النَّيربين

لا ولا أنسى رقيِّي دوحة

أجتني منها جنيَّ الجنَّتين

ومبيتي جار جاريها وقد

سحرتنا ورقها بالسَّحرين

قمرت ألبابنا أقمارها

مشرفات من أعالي المشرقين

ظلَّ يرعى ناظري في ظلِّها

ظبيات لا ظباء الحلمتين

مذ بكتها كلُّ عين .....

أضحكت للرَّوض منها كلَّ عين

/136 أ/ رقم المزن بها ديباجة

خجلت منها رقوم الرَّقمتين

وبدا بارقها مغلولسا

فخبت منه بروق الأبرقين

باكرت ما راع في ريعانه

من ضريب الشَّوك ضرب الشَّوكتين

زمن قضَّيته في ظلِّها

لا زمان بالنَّقا والأجرعين

إن تقضَّى فلقد عوِّضت من

ظلِّه ظلًّ الوزيرا بن الحسين

مقول قيل وزير وزر

إفتخار الملك صدر الدَّولتين

وقال يمدح الإمام الحافظ ثقة الدين أبا القاسم علي بن الحسن بن عساكر الدمشقي: [من الرجز]

قد اغتدي بكلِّ لدن أملد

وكلِّ مرهوب الشَّبا المحدَّد

ص: 230

لا بالكهام لا ولا بالمعضد

مهنَّد ناهيك من مهنَّد

في جنح ليل مسدف كالإثمد

قد طلعت نجومه بالأسعد

والأرض مشن ألطاف صنع الأحد

مذ جادها جود الملثِّ المرعد

كأنَّها بسط من الزَّبرجد

قد طرِّزت بأصفر كالعسجد

/136 ب/ وفصِّلت بأحمر كالبسد

ورصِّعت بأبيض كالبرد

وسوسن منمنم بأسود

كأنَّه عذار الأمرد

ومن شقيق كعيون الأمد

ومن أقاح كثغور الخرَّد

والأيك والأغصان في تأوُّد

يعلو ذراها كلُّ شاد منشد

من بلبل وعندليب غرد

مناديًا جلَّ جلال الصَّمد

ومنهل لم يك بالمصرَّد

ولا بقايا ثمد مثهمد

وردته بعنتريس أجد

تهوا الماوي جلدة بالجلد

ماردة كالغدن الممرَّد

متينة بقدمين القردد

تجوز جوز الهرجل البعمرَّد

محفدة تفلي الفلا بمحفد

بمثلها أجدُّ عرض الجدد

أجول في آجالها كالصَّرد

ما بين سيدان الفلا والأسد

والهقل والرَّال والحفيدد

يجهدها سوقي وشوقي مجهدي

حتَّى بدت من السُّرى والسُّهد

كالوقف في رقَّة ذات المرود

أزجرها بأن تجدِّي تجدي

وتحمدي رأي أبي محمَّد

القاسم السَّامق فوق الفرقد

/137 أ/ وقال وهو في مصر في الوزير بن المجاور: [من الكامل]

حيِّ الدِّيار بشاطئ مقياسها

فالقاسم الفيّاح بين دهاسها

فالرَّوضتين وقد تضوَّع عرفها

أرج البنفسج في غضارة آسها

فمنازل العِّز المنيفة أصبحت

بغنى سناها عن سنى نبراسها

فخليجها لذَّاته مخلوجة

تسمو محاسنه على أناسها

ص: 231

حافاته محفوفة بمنازل

نزلت بها الآرام دون كناسها

والفلك فيه سوانح وبوارح

ما بين حاكتها إلى دكَّاسها

واشفع بباب فتوحها فبنصرها

فمنازل السُّعداء طبن لناسها

فالتُّرك أمثال الشُّموس شوامس

ومساسها يحوي صلابة فاسها

أبراجها صهوات قبٍّ شزَّب

مثل الصُّقور شموسها كشماسها

أطرارها تزهو على أقمارها

وكذلك الألباس فوق لباسها

فكأنَّها سردت لهم وكأنَّها

فرسانها حلفوا على أفراسها

واعطف على قليوبها فقليبها

فسبح ثمَّ مليح من سبطاسها

فدميرتيها فالمحلَّة بعدها

فمذينتيها في جوار شباسها

فالمنتسين فحارها تقدوسها

فرشيدها وخدًا إلى سقاسها

/137 ب/ فمنوفها ممَّا يلي شطنوفها

إن كنت مجتازًا على أبناسها

فصعيدها فعروستنيه فقوصها

فغرابها فالنَّخل عند كياسها

فاسيوط من دهيوط إن تك قافلًا

من منفلوط إلى دروط فواسها

ثمَّ الثُّغور فخصَّها بتحيَّة

منِّي على مخضلِّها وطساسها

هذي ديار الملك ليس بلعلع

وزود الوعساء من أوطاسها

أبدت زخارفها وزينة زيِّها

وبهاء بسطتها دمع غراسها

لجلال مولانا الوزير ومن له

خضعت رقاب الأسد في أخياسها

بهجا ببهجته ويمن يمينه

ويسار يسراه على إفلاسها

وقال أيضًا: [من مجزوء الرجز]

يا عاذلي برَّح بي

منظّم كالحبب

مؤشَّر معطَّر

من الزُّلال الشَّنب

ومقلة فاترة

فاتنة من ربرب

وحاجب مقوَّس

يرمي بسهم الهدب

من طفلة إذا بدت

عاينت كلَّ العجب

تزهو على أنزابها

كالبدر بين الشُّهب

إن أقبلت أو أدبرت

كانت فتاة أو صبي

ص: 232

يا قوم يا قوم فلم

أموت بالتَّجنُّب

ولا أذيع لاعجا

ولا أبثُّ وصبي

وما بلغت أملًا

وما قضيت أربي

وقد عزمت هتك ما

أستره في الحجب

إلى الذي تيَّمني

وخصَّني بالنَّصب

/138 أ/ إن كان لي كنت له

وإن أبى واحربي

وقال في خيل الحلبة: [من الرجز]

يا من يروم عدد السَّوابق

في أمد الحلبة واللَّواحق

أصخ لما أودعه من شعري

وكن فدتك النَّفس ممن يدري

لكي تنال لذَّة الفضيلة

وهي لديك أعظم الوسيله

فاحفظ مقالي واتَّبع ما أوصي

وكن على العلم شديد الحرص

فللعليم تطرق الرُّؤوس

والجهل لا يرضى به الرَّئيس

أوَّلها السَّابق والمجلِّي

ثمَّ المصلِّي بعده المسلِّي

والخامس التَّالي والمرتاح

سادسها جاء له ضباح

والعاطف السَّابع والمؤمِّل

ثمَّ اللَّطيم قد تلاه القسكل

وهو السُّكيت زعموا والغابر

يا صاح والقاشور وهو العاشر

وما يوافي بعده لا يحسب

ولا يعدُّوه وعنه يضرب

فهذه جملة خيل الحلبه

قربتها لمن أطاع ربَّه

وقال أيضًا في ترتيب سهام القداح: [من الرجز]

/138 أ/ يا سائلي عن عدد القداح

خذها من الشِّعر ولا تلاحي

جاءتك منِّي أيُّها الحريص

على العلوم زانها التَّلخيص

نظمتها للفطن المهذَّب

وطالب للعلم خير مطلب

أوجزتها وما أطلت فيها

سهَّلتها لكلِّ من يرويها

قد جعلوها واحدًا وعشره

أحوالها عندهم مشتهره

ص: 233

حظوظها في السَّبعة العوالي

تتبع بالأربعة الأغفال

جاءت على ما يقتضي الترتيب:

الفذُّ والتَّوأم والضَّريب

والحلس والنَّافس وهو الخامس

منهنَّ والمسبل وهو السَّادس

ثمَّ المعلَّى سابع السِّهام

يفوز بالمياسر العظام

والأربع الأغفال هنَّ بعد

أوَّلها رقيبها والوغد

وأبدلوا الرَّقيب بالمصدَّر

والوغد بالمضعَّف المؤخَّر

ثمَّ المنيح بعده السَّفيح

وذاك عندي نسق صحيح

وهذه خطبة من إنشائه أوردها بالمقر الأشرف الملكي العادلي:

/139 أ/ "الحمد لله الذي يسبِّح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، والسحاب الهواطل، ويسجد لعَّزته ما اخترع من بريته ..... بالغدوِّ والآصال، جامع كلمة الموحدين، ومؤيدها بلوامع البراهين والدلائل وقاطع حجة الملحدين ..... ، وقامع أهل البدع والباطل. باعث النبي الأمي من أفضل المنازل، وأشرف القبائل، الذي نسخ بكتابه ورسالته ما تقدمه من الكتب والرسائل – صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه – ما وخد في بيداء بازل، وأمتع الإسلام والمسلمين بطول بقاء السيد الأجل، الملك العادل، السميدع الباسل، الحليم الحلاحل، المفضل الفاضل، الواصل الصائل، ذي العزم القاصل، والرأي الفاصل، الذي طهر الله به وبصنوه الأرض المقدسة والساحل، واستنفذ بسيفهما ما استحوذ عليه الكفرة من البلاد والمعاقل، حين غزوهم بليوث الجحافل، على متون الصواهل، فظهر دين الله بعد أن كان من الدين ..... ، وتحلى بالتوحيد على منبر كان منه عاطل.

فالحمد لله منير الحق بعد خبوه /139 ب/ ومبير الباطل. جلّت ذاته، وتقدَّست صفاته، عن المشابه والمماثل، وتنَّزه عن الحلول والحين والجهة وأن يكون له العرش حامل. لا يقال: متى كان؟ ولا أين كان؟ ولا كيف كان؟ وكل ذلك سؤال الأراذل، كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان ليس بمنتقل عنه ولا زائل. يجلُّ الربُّ عن

ص: 234

سمات الحدث وعن زعم المشبِّه الجاهل، وتعالى الخالق عن مشابهة المخلوق وأن يوصف بأنه صاعد أو نازل، كما وصفه المبتدع في عقيدته التي عقد بها لبّ كل غافل. جعلها ذريعة للتحريف، ووسيلة للتكليف من أعظم الوسائل، ولو اقتصر على ما قال الأوائل. أو كان عاقلًا، لكان للسانه عاقل، بل قصد ..... والإشارة إليه بالأنامل، في تكفير من خالفه من الشافعية والحنفية والمالكية وموحدي الحنابل، فانتصر الله ولينصرن الله من ينصره إن الله لا يضيع عمل عامل، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل حامل. فأنت المفزع وإليك /140 أ/ المرجع إن نزل بالمسلمين نازل، أعانك الله على ما ولاك ورعاك، فيما استرعاك، وأراك الحق حقًا. ووفقك لإتباعه، وأراك الباطل باطلًا وأحسن عنك دفاعه. وبلغك في الدارين سؤلك وأملك، وتقبل صالح الدعاء فيك ولك. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وسلم تسليمًا كثيرًا".

[90]

أحمد بن عليِّ بن أبي معقل بن أبي العلاء المحسن بن أحمد بن الحسين بن محمد بن معقل، أبو الحسين الأزديُّ ثم المهلبيُّ.

من أولاد المهلب بن أبي صفرة من أهل حمص.

حدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الفقيه الحنفي المدرس بحلب

ص: 235

- أيده الله تعالى – في تاريخه الذي صنفه لحلب المحروسة، قال: أبو الحسين أحمد ابن علي الأزدي، شاعر أديب فاضل؛ له معرفة جيدة باللغة العربية، وهو من بيت الأدب والشعر بحمص.

ورد علينا حلب في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وذكر لي أنه: نظم "الإيضاح"، و"التكملة" لأبي علي الفارسي، /140 ب/ أرجوزة، وأملى علي مقاطيع من شعره بحلب.

ثم اجتمعت به بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة ونقلت عنه شيئًا آخر من شعره، وهو ممن يصدّر لإفادة العلوم العربية واشتغل بها عليه.

قال: وأنشدني لنفسه: [من الوافر]

أنى لي أن أفيق من التَّصابي

وسكرته وقد جاء النَّذير

وينزع عن غوايته فؤادي

وفي فودي قد لاح القتير

فما هذي الحياة سوى عناء

ولا لذَّاتها إلا غرور

وما الدُّنيا الدَّنيَّة غير ظلٍّ

يزول وطيف أحلام يزور

وليس سعيدها إلا شقيٌّ

وليس غنيُّها إلا فقير

يروح المرء ذا أمل طويل

فيخلف ظنَّ هـ أجل قصير

ويحرص أن يقيم بدار ظعن

يسير ومكثه فيها يسير

وأنشدني القاضي الإمام – أيده الله تعالى – قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه: [من الخفيف]

يا نديمي من سرِّ أذد عمان

أشرف النَّاس محتدًا ونجارا

إحبس الكأس عن أخيك فقد مال إلى صحوة وملَّ العقارا

/141 أ/ وطوى الأربعين لا بل طوته

وأرته المجون واللَّهو عارا

وجلى الشَّيب وانجلى لون فوديه فعادا من بعد ليل نهارا

ص: 236

أأرى خاسر الشَّبيبة والرُّشد

جلَّ ذان عندي خسارا

ما اعتذاري بعد أبيضاض عذاري

في ارتكابي الآثام الأنام والأوزارا

أعذر الدَّهر حين أنذر بالشَّيب

بنيه وأسمع الإنذارا

وأرى بعضهم مصدِّع بعض

وكفى ذلك اللَّبيب اعتبارا

وأنشدني، قال: أنشدني أبو الحسين قوله: [من مجزوء الكامل]

يا هند فلَّ الدَّهر حدَّ عزيمتي وتعلمينا

وأمرَّ طعم العيش بعد حلاوة مرُّ السِّنينا

ونضوب ثوب الدَّهر لمَّا أن نضوت الأربعينا

وأنشدني، قال: وسألته بعد أن أنشدني القطع الثلاث، أن ينشدني شيئًا من الغزل، فأنشدني لنفسه:[من الكامل]

سفحت دموعك يوم سفح الحاجر

آرامه بسوالف ومحاجر

بيض شهرن من العيون خناجرًا

للفتك تغمد في طلى وحناجر

/141 ب/ لو كان صبرك صادقًا يوم النَّوى

ما بتَّ مرتقب الخيال الزَّائر

ولما غدوت لذكر أيَّام الحمى

وكأنَّ قلبك في مخالب طائر

عرَّضت قلبك للهوى فإذا به

إعراض ريم من ذؤابة عامر

سلَّت عليك سيوفه وعيونه

فوقفت بين بواتر وفواتر

كم ليلة قد بات نومك نافرًا

فيها لذيَّاك الغزال النَّافر

يا صاح من عليا تنوخ أناظر

ماذا جناه على فؤادي ناظري

وأنشدني، قال: أنشدني أحمد بن علي لنفسه بجامع دمشق: [من البسيط]

مالي أزوِّر شيبي بالخضاب وما

من شأني الزُّور في قولي وفي كلمي

إذا بدا سرُّ شيبي في عذار فتى

فليس يكتم بالحنَّاء والكتم

وأنشدني، قال: وأنشدني أبو الحسين من شعره: [من المتقارب]

رأتني سعاد حليف الهموم

وكنت قديمًا حليف السُّرور

ص: 237

فغضَّت عن الشَّيب لمَّا بدا

برأسي طرفًا شديد الفتور

فقلت لها: أقذى في الجفون

فقالت نعم وشجى في الصُّدور

[91]

أحمد بن هبة الله بن سعد الله /142 أ/ بن سعيد بن سعد بن مقلّد بن أحمد بن صالح بن مقلد بن عامر بن عليِّ ابن أحمد بن يحيى بن عبيد، أبو القاسم بن أبي منصور البحتريُّ الطائيُّ الحلبيُّ، المعروف بابن الجبراني القارئ النحويُّ اللغويُّ.

من أهل حلب.

قال القاضي الإمام أبو القاسم بن أبي الحسن بن أبي الفضل الحلبي الحنفيُّ – حرس الله مدّته – كان رجلًا فاضلًا، مقرئًا مجودًا، عارفًا بعلوم القرآن العزيز واللغة والنحو معرفة جيدة.

وذكره القفطي في كتاب النحاة – من تصنيف – قال: كان شديد الكلب للدنيا، يدخل في دنَّيات الأمور، ويعامل المعاملات المخالفة للشريعة، ويحتمل من ضيق العيش في المأكل والمشرب ما لا يوجد من مثله، إلى أن حصل له جملة من الدنيا ما انتفع بها وخلفها لولده.

ولقد شاهدته في الأيام الشديدة البرد؛ وهو رقيق الملبوس، يقاسي من ألم القرّ ما يظهر أثره عليه، وعدته في مرضه؛ فرأيت منزله على جودة بنائه وهو في غاية من الزراية في المفرش والملبس.

ورأيته في أول مرة؛ وهو /142 ب/ على خلاف في كل هذا، فإنني شاهدته عند ورودي حلب في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وهو حسن البزة والمخدوم والمركوب. ثم نسخ الله ذلك بما ذكرته بعد مدّة ليست بالطويلة.

ص: 238

وتصدّر بجامع حلب برزق قرر له من وقف الجامع لإقراء القرآن والعربية. وكان بخيلًا بما عنده من ذلك يصادف فيما يذكره في أوقات حضوره فما استفاد منه أحد، ولا ظهر له تلميذ معروف.

ولم يزل على جده في الكد وتعرّضه للطلب من أكابر بلده من الجند بغير حاجة إلى أن ذهب لسبيله بالوفاة.

وكان له شعر رديء من شعر النحاة، فيه تكلّف ..... وتصنع، يذهب رونق النظم يمدح به لطلب الازدياد. وكان إذا تلا القرآن تلاه بصوت غير شج، ويتصنع الحروف من مخارجها فيزيد في ذلك على الواجب، يرفع به صوته ..... المسامع؛ غير أنه كان شديد الاجتهاد في طلب الفوائد من صفحات الصحف يلازم المطالعة ليلًا ونهارًا، ويلزم الحفظ لبعض ما يمر به في أثناء ذلك.

ولقد حكى لي الشريف أبو هاشم /143 أ/ ابن أبي حامد الحلبي صديقي – رحمه الله – قال: أخبرني جار له، قال: رأيت ابن الحبراني في زمن الصيف يقوم في ثلث الليل الأخير في سطحه، ويوقد سراجًا في موضع ..... من ..... ، ويقعد للمطالعة وقتًا طويلًا دائمًا في كل ليلة لا يشغله الحر ولا القر عن المطالعة والاستفادة. وكان إذا لوحح في السؤال تضجر وسط لضيق عطنه، وربما سئل عن المسلة فسارع إلى الجواب ويخطئ فإذا ردد عليه الخطأ عز عليه واستوحش وانقطع عن ذلك المجلس.

قال الإمام القاضي أبو القاسم بن أبي الحسن الحنفي الحلبي: قرأ على شيخنا أبي القاسم بن علي بن قاسم بن الزقاق الأشبيلي المقرئ وغيره، وقرأ اللغة على شيخنا أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي، والنحو على أبي الرجاء محمد بن حرب النحوي الحلبي، وسمع أبا الفرج يحيى بن أبي الرجاء بن سعد الثقفي، وأباه أبا منصور هبة الله بن سعد؛ وله شعر حسن.

تصدّر بالمسجد الجامع لإفادة علوم القرآن العظيم واللغة والنحو إلى أن مات بحلب يوم الاثنين سابع عشر شهر رجب من سنة ثماني وعشرين وستمائة /143 ب/ ودفن في سفح جبل جوشن.

ص: 239

وسألته عن نسبته ابن الجبرانيُّ، فقال: من أجداده من هو منسوب إلى جبرين قورسطايا قرية من ناحية عزاز؛ قال: وهو من شواذ النسب.

وكتبت عنه شيئًا من الحديث، وشيئًا من شعره، وفوائد من شيوخه، وسألته عن مولده، فقال: في سنة إحدى وستين وخمسمائة.

أنشدني القاضي الإمام أبو القاسم العقيلي – أبقاه الله تعالى – قال: أنشدني أبو القاسم أحمد بن هبة الله الحلبيّ لنفسه: [من الطويل]

لقد سمت ما لا أستطيع من الأمر

رويدك إنَّ اللَّوم لي بالهوى يغري

فلو ذقت ما قد ذقت من لذَّة الهوى

تيقَّنت أنَّ العذل ضرب من الهجر

سقاني الصِّبا كأس الهوى ثمَّ علَّني

وجرَّعني من حلوه ومن المرِّ

بنفسي الَّتي أودى هواها بمهجتي

وأصبح قلبي عندها موثق الأسر

إذا سمتها تعجيل حلو وصالها

تكلِّفني صبرًا أمرَّ من الصبر

وترنو بطرف كلَّما طرفت به

تقلَّب قلبي في ذكيٍّ من الجمر

فتحسب هاروتًا وماروت إذ رنت

لدى الرَّأي في البابنا نافثي سحر

لقد منعت يقظى لذيذ وصالها

وفي النَّوم حتَّى صدَّت الطَّيف أن يسري

/144 أ/ ولو أنَّها تستطيع بخلًا بذكرها

لصدَّته أن يجري ويخطر في فكري

عليه وصالًا منك بشقيه أنَّه

أضرَّ به الهجران يا ضرَّة البدر

جوانحه تأتجُّ نارًا من الأسى

وأجفانه قرحى وأدمعه تجري

لك الله من قدٍّ رشيق وطلعة

لقد أزريا بالبدر والغصن النَّضر

تعطِّر نادي الحيِّ إذ خطرت به

ولم تمس الأردان شيئًا من العطر

ولم أنسها يوم الوداع وقد سبت

فؤادي وغالت ما ادَّخرت من الصَّبر

بدرَّين منثورين لفظ وأدمع

ودرَّين منظومين في الفم والنَّحر

لأزمع لمَّا إن رحلت ترحُّلًا

رقادي عن عيني وقلبي عن صدري

قفي زوِّديني نظرة منك علَّني

أعيش بها يا عزُّ واغتنمي أجري

ص: 240

ولا تجمعني هجرًا وبينًا فلم أكن

لأقوى على بين الأحبَّة والهجر

رأت شيب رأسي الغانيات فعفنني

وكنت أرى ما بين سحر إلى نجر

مضت لي أيام الشَّباب حميدةً

ولم يبق من عصر الشَّباب سوى الذكر

وأقبل عصر الشَّيب بالكره مؤذنًا

بتصريم أيام بقين من العمر

كأنَّ شبابي كان ليلة وصلها

تدج حتَّى روِّعت بسنى الفجر

كأنَّ سواد الشَّعر سود مطالبي

يبيِّضها غاز بأفعاله الغرِّ

/144 ب/ وأنشدني، قال: أنشدنا أبو القاسم بن الجبرانيّ لنفسه من قصيدة: [من الكامل]

ملك إذا ما السِّلم شتَّت ماله

ردَّ الهياج عليه ما قد فرَّقا

وأكفُّه تكف النَّدى فبنانه

لو لامس الصَّخر الأصمَّ لأورقا

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم – أيده الله تعالى – قال لي أبو القاسم أحمد بن هبة الله النحوي: عمل أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري في لزوم ما لا يلزم؛ وهي النون الساكنة مع الباء والذال وواو الرِّدف:

[من السريع]

كل واشرب النَّاس على خبرة

فهم يمرُّون ولا يعذبون

ولا تصدِّقهم إذا حدَّثوا

فإننَّي أعهدهم يكذبون

وإن أروك الودَّ عن حاجة

ففي حبال لهم يجذبون

وقيل لا رابع لهذه اللفظة، قال: فزاد فيها أبو الحسين ابن منير بيتًا وهو:

/145 أ/ قزم إذا سيلوا وإن أطمعوا

رأيتهم من طمع يهذبون

قال: فزدت أنا بيتًا آخر، وهو قولي:

ليس يرجِّي خيرهم آمل

يومًا ولا عن لاجئ يشذبون

قال، وقال، أبو القاسم عملت بيتًا ثالثًا لبيتي أبي محمد الحريري اللذين ذكرهما

ص: 241

في المقامات، وقيل لا ثالث لهما، وهما:[من المنسرح]

لا تسأل المرء من أبوه ورز

خلاله ثمَّ صله أو فاصرم

فما يشين السُّلاف حين حلا

مذاقه كونها ابنة الحصرم

قال: فقلت: [من المنسرح]

وإن غدا راقيًا مراتب ذي

أصل عريق فلا تقل حص رم

[92]

أحمد بن يرنقش بن عبد الله العماديُّ، الأمير أبو العباس السنجاريُّ.

كان أبوه من مماليك عماد الدين زنكي بن مدود بن آق سنقر – صاحب سنجار -. وكان أحمد أميرًا مكملًا فاضلًا شاعرًا حسن الأخلاق طيب المعاشرة /145 ب/ متمولًا، وله أملاك كثيرة بسنجار، ووجاهة عظيمة.

تغيّر عليه قطب الدين بن عماد الدين – صاحب سنجار – وقبض عليه، وأخذ جميع ماله وحبسه حتى مات بسنجار سنة خمس عشرة وستمائة في حبس قطب الدين ممنوعًا من الطعام والشراب.

وحدثني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة الحلبي – أيده الله تعالى – قال: قدم علينا أحمد بن يرنقش حلب، وأقام بها مدة وسكن درب العادل؛ ثم عاد إلى سنجار.

قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى: روى لنا عنه شيئًا من شعره أبو الحسن علي بن الحسين الحنفي السنجاري، وأخبرني أنه كان في صدر عمره مسرفًا على نفسه، وأنه أقلع وتاب توبة حسنة، قال: وكان يصوم الهواجر، ويقوم الليل.

ص: 242

ثم أنشدني أبو الحسن، قال: أنشدني أحمد بن يرنقش العمادي لنفسه:

[من مجزوء الوافر]

مشيب الرَّأس حين بدا

يقول دنا الَّذي بعدا

فقم بادر إلى عمل

يسرُّك أن تراه غدا

فيومك ذا إذا ما فات ليس بعائد أبدا

/146 أ/ وأنشدني أبو الحسن السنجاري، أنشدي أحمد بن يرنقش لنفسه:

[من الطويل]

تقول وقد ودَّعتها ودموعها

على نحرها من خشية البين تلتقي

مضى أكثر العمر الذي كان نافعًا

رويدك فاعمل صالحًا في الَّذي بقي

وحدثني القاضي أبو القاسم – أسعده الله تعالى – قال: أخبرني جماعة بسنجار أن أحمد بن يرنقش مات في حبس قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي – صاحب سنجار – بعد أن قبض على جميع ماله ومنعه من الطعام والشراب، فبلغ من أمره أن أكل قلنسوته وأكمامه لشدة الجوع.

ودخل إليه بعض من كان يشرف على حاله من أصحاب قطب الدين، فقال له: قل لقطب الدين يطعمني ويسقيني، وأعطيه ألف دينار ولم يبق لي غيرها؛ فلما ذكر ذلك لقطب الدين ما ذكره، سير إليه طعامًا وماء بثلج، وقال للرسول: أدخله إليه ولا تمكنه حتى يعطيك الدنانير؛ فلما دخل إليه نظر إليه، فقال: لا سبيل لك إليه! إلا بعد إداء ما ذكرت، فقال: والله ما بقي لي شيء، والذي لي قد قبض جميعه، وإنما قلت ما قلت لتطعموني وتسقوني؛ فردوا الطعام والماء، ولم يتناول منه شيئًا /146 ب/ وخرجوا من عنده، فنام فرأى النبي – عليه السلام – في المنام فناوله شيئًا فأكله فزال عنه الجوع والعطس، فدخلوا عليه فوجدوه قائمًا يصلي؛ فلما فرغ من صلاته أخبرهم بما رأى، فلما بلغ قطب الدين اتهم والدته – أم قطب الدين – بأنها أنفذت إليه مأكولًا ومشروبًا. ولم يزل على ذلك إلى أن مات.

وبلغني أن قطب الدين – صاحب سنجار – لما احتضر ودنت منه وفاته جعل يشكو العطش ويسقى فلا يروى، وذكر أحمد بن يرنقش ويردد اسمه على لسانه

ص: 243

إلى أن مات.

وقال لي علي بن الحسين بن دبابا: بلغني أن أحمد بن برنقش أتي بماء ليشرب فرده، وقال: لا حاجة لي فيه فإني رأيت النبي – صلى الله عليه وسلم – فشكوت العطش فناولني خاتمه فمصصته فزال عني العطش.

[93]

أحمد بن يوسف بن عبد الرَّحمن بن مروان بن عبد الجبار، أبو العباس اللخميُّ الفرِّياني

ينسب إلى فرِّيانة موضع من نواحي القيروان.

أنشدني أبو محمد /147 أ/ عبد الله ولده، قال: أنشدني والدي لنفسه:

[من البسيط]

أما رجاء فإسم لا يباح به

فأقسم الناس بالآيات والصُّحف

فنقطة الجيم من فوق أحقُّ بها

والرَّا تنقَّل بين الخاء والألف

[94]

[أحمد بن يوسف بن محمد بن عبد الوهاب القيسيُّ، أبو محمد الجيانيُّ.

كان فيه فضل وأدب؛ وله شعر حسن.

أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي – رضي الله عنه – قال: أنشدني محمد بن أحمد بن يوسف، أنشدني والدي لنفسه:[من الطويل]

أحبه قلبي والمزار بعيد

لمن يشتكي ممَّا يجنُّ عميد

كفى حزنًا أنِّي على النأَّي منكم

فريد على كثر الجليس وحيد

وقلتم بأنِّي قد تسلَّيت عنكم

وكيف وودِّي لا يزال يزيد

ص: 244

أيألف قلبي غيركم وهواكم

عليه رقيب لا يزال عتيد

فمازلتم مذ شطَّت الدَّار بيننا

يمثِّلكم شوق لديَّ شهيد

نأيتم فبان الصَّبر منذ نأيتم

وعندي على ما أدَّعيه شهود

سقام بجسيمي لا يزال يشفُّه

وعين كما شاء السُّهاد تجود

عميت ..... .....

عليل ولكن لا يباح ورود]

[95]

أحمد بن محمد بن عبد الله بن عمر القرشيُّ المصريًُّ، يكنّى أبا المكارم، يعرف بابن نقّاش السِّكَّة.

من أهل الديار المصرية.

كانت ولادته ليلة حادي عشري شهر رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة.

أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبيّ بحلب، قال: أنشدني أبو المكارم لنفسه: [من السريع]

يا غيث لو لم تك من أدمعي

لما هفا برقك في أضلعي

أراك أقلعت وقد أزمعوا

كلُّ سحاب الدَّمع لم يقلع

أجاب قلبي: إن قلبي مضى

يوم النَّوى معكم فلم يرجع

ويا حمام الأيك هل أنت إذ

تبكي على الأحباب تبكي معي

لو كنت مثلي فاقدًا إلفه

ما كنت تبكيه بلا أدمع

/147 ب/ ويا نسيم الرَّوض حدِّث لقد

ناب انتشاقي لك عن مسعي

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه فيمن اسمه غبراهيم: [من السريع]

إن قيل إبراهيم ذو عجمة

تمنعه الصرف فلا عذل

لم لا يجوز الصَّرف فيه ولا

معرفة فيه ولا عدل

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه في بعض المغاربة: [من الطويل]

يقولون: أهل الغرب أهل فضيلة

وكلُّهم ينبيك لفظ مقاله

ص: 245

وما يطلع الغرب الَّذي غير ناقص

ومن شكَّ فلينظر طلوع هلاله

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من المتقارب]

وقالوا لنا: الشَّهم عيسى قضى

وكثِّر في الموت معنى الحديث

وعوَّض عن ماله نفسه

فقلت الخبيث فداء الخبيث

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يخاطب الملك الكامل، وقد جذب الريح بعض المراكب على ثغر دمياط، فأخذها المسلمون وأحرقوها، وطلعت ومطرت السماء، وكسرت الفرنج /148 أ/ في ذلك الوقت:[من الطويل]

ليهنك نصر الله يا كامل العلا

لقد حزت ما لا رامه قطُّ إنسان

الم تر ملك الرِّيح للسُّفن غاصبًا

وعمَّهم يا مالك الأرض نيران

نصرت بجند الرُّعب، قلنا: محمَّد

ووافاك جند الرِّيح أنت سليمان

وطمَّ على أعدائك البحر والحيا

فهل أنت نوح في زمانك طوفان

فلا زلت منصورًا وجيشك غالبًا

نعم وعلى الأعداء ذلُّ وخزلان

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه ما كتبه له على حربه: [من السريع]

برسم لبَّات أعاديك يا

مصطنع الإسلام والكفر

سلطاننا الكامل ملك الورى

محمد بن أبي بكر

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]

أيا ملك الإسلام خذها بشارة

من الله تنطيق لفكري بإلهام

إذا ما علا دمياط بالكفر ظلمه

وكان عليه نور الدين وإسلام

فلا تيأسن ما ذاك باق وإنَّه

يزول بأمر الله عنها وإرغام

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه لما مات العماد بن الشكوي: [من البسيط]

/148 ب/ تعجَّب النَّاس من قسم القضاة على الأحكام بعد العماد الكوكب السَّاري

فقلت: لم يجدوا كفرًا لمنصبه

عدلًا وقد قسموا في بعض أخبار

قاض منازل عز الخلد مسكنه

والقاضيان كما قد قيل في النار

ص: 246

[96]

أحمد بن المبارك بن عبد الرحمن بن الحسن بن نفاذة، أبو الفضل السُّلميُّ الكاتب.

من أهل دمشق، يلقب نشو الدولة.

توفي في سنة إحدى وستمائة. كان أحد الكتَّاب بين يدي الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي – رحمه الله – وممن كان بصحبته حضرًا وسفرًا.

ذكره الإمام أبو حامد الكاتب في خريدته، وأثنى على فضله ومعرفته، وقال: شاب محبّ للفضل، حريص على تحصيله، بجملته وتفصيله، وهو متولّي الإشراف على الهري بالقلعة بدمشق، وقد كتب ديواني شعري ورسائلي.

أنشدني القاضي شهاب الدين أبو المحامد إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن الأنصاري القوصي /149 أ/ بدمشق سنة أربعين وستمائة، قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن نفاذة لنفسه: [من السريع]

إن أعوز الحاذق فاستبدلوا

مكانه أخرق لم يحذق

فلاعب الشِّطرنج من شأنه .. وضع حصاة موضع البيذق

وحكى أبو حامد الكاتب في خريدته، قال: أنشدنا أبو الفضل هذين البيتين؛ قلت مجاوبًا له – البيذق أصغر ما في الشطرنج تقوم الحصاة عوضه – فارتجل في المعنى ما كتبه إليّ: [من الكامل]

ص: 247

ما سدَّ موضعه بمشبه فضله

ولقد سما فضلًا عن الأشباه

وضعوا حصاة وهي يصغر قدرها

عن بيذق غلطًا مكان الشَّاه

وأنشدني القاضي أبو المحامد أيضًا، قال: أنشدني لنفسه:

[من مجزوء الكامل]

يا من غدا شكري له

كفريضة بين العباد

قد كدت أنسخ شكره

لولاه في جاه الوداد

[97]

أحمد بن خليل بن سعادة، أبو العباس الخويِّيّ النحوي.

قاضي قضاة دمشق.

كان فقيهًا شافعي المذهب نظّارًا إمامًا في الخلاف والأصولين والجدل، ذكيًا مفرط الذكاء والفطنة.

سمع من المؤيد الطوسي؛ وله يد في التفسير. صنّف كتبًا شتى في العلوم الشرعية وغيرها.

ومات شابًا ولم يبلغ الخمسين. وكان وفاته في سنة سبع وثلاثين وستمائة بدمشق، ودفن بجبل قاسيون.

ص: 248

قال أبو عبد الله محمد بن نصر بن أبي النيان ما كتبه إلى الخويي القاضي بدمشق: [من المتقارب]

فديتك يا أحمد بن الخليل

ويا حكمًا شكره قد وجب

ولا تعدمنَّ علاك الشِّام

وبلَّغك الله أسمى الرُّتب

فكم حجج لك عند الجدال تثني الخصوم وتجلي الكرب

وكم مشكلات حكين الدُّجى

فأوضحها علمك المنتخب

وأضحت دمشق بأحكامه

تطول إذا فاخرتها حلب

/150 أ/ ولولا النَّبيُّ – عليه السلام –

ذكرنا الأعاجم قبل العرب

فكتب إليه الخويّي جوابًا لنفسه: [من المتقارب]

أيا شرف الدِّين يا ابن الكرام

ويا فاضلًا قرشيَّ النَّسب

لقد بمديحك شرَّفتني

وجمَّلتني عند أهل الرُّتب

رفعت مناري نحو السَّماء

ولا زلت ترفع أهل الأدب

فكان مديحك من لؤلؤ

ومدحي فالخرز

فلا تعتبن فإنِّي فقيه

وشغلي في الدَّرس أو في الطَّلب

فجوزيت عني يا سيِّدي

وشكرك عندي إذن قد وجب

[98]

أحمد بن محمد بن عليِّ بن أحمد بن الناقد الوزير، أبو الأزهر بن أبي السعادات البغداديُّ.

أحد الأعيان الفضلاء، والسادة النبلاء، من البيت المعروف بالتقدّم والمكانة

ص: 249

والتجارة والأمانة.

كان أبوه من التجار المعروفين، والأمناء المشهورين. سافر إلى الشام وخراسان، وعاد إلى بغداد، وتولى وكالة الجهة /150 ب/ الشريفة والدة الناصر لدين الله، وتقلّد أعمالًا جليلة منها النظر في المظالم والوكالة، وغير ذلك. وكان له خمس بنين كلهم فاضل جميل.

فلما مات قام مقامه أكبر من أولاده؛ وهو أبو الأزهر، فنظر فيما كان ينظر فيه أبوه من الأوقاف التي شرطت الواقفة لهم، والنظر فيها مدّة.

ثم عزله الناصر لدين الله فلازم داره مواظبًا على تلاوة القرآن المجيد؛ إلى أن عين له على نيابة بعض الأمراء والنظر في حال جنده وإقطاعه؛ فكان على ذلك مدة.

ثم انفصل عنه وانقطع إلى منزله منعكفًا على قراءة كتاب الله تعالى على أحسن قاعدة، وأجمل طريقة؛ إلى أن مات الناصر لدين الله – رضي الله عنه – وبويع ولده الظاهر بأمر الله – رضوان الله عليه – فاستدعاه لمبايعته.

ثم فوّض إليه وكالة السادة الأمراء من أولاده، فبقي على ذلك إلى أن توفي الظاهر – رضي الله عنه – وبويع ولده الإمام المستنصر بالله – أعز الله أنصار دولته – فقربه وأدناه، وفضله على من سواه، وأحضره في يوم /151 أ/ المبايعة، وأحضر قاضي القضاة أبا صالح نصر بن عبد الرزاق، وقال له أستاذ الدار العزيزة أبو نصر المبارك بن الضحاك. وكانا قائمين بين يدي الشباك الشريف، وهو الذي قام بأمر البيعة لشيخوخته

لأشغال الدار العزيزة، فقال له: إن أمير المؤمنين قد وكل أبا الأزهر أحمد بن محمد بن الناقد في كل ما يتجدد من بيع وإقرار وعتق وابتياع، فقال قاضي القضاة: أهكذا يا أمير المؤمنين! قال: نعم، فقال له: وليتني ما ولاني والدك – رضوان الله عليه؟ - فقال: نعم قد وليتك ما ولاك والدي فنزل وأثبت الوكالة الشريفة بالعلم، وأشهد عليه بثبوتها عنده سائر المعدلين.

ثم ردّ أمر الوكلاء بالأبواب الشريفة إليه مضافًا إلى الوكالة، وخلع عليه في ذلك اليوم؛ ولم يزل يرتقي ..... وجاهة في كل يوم؛ إلى أن عزل الوزير أبو الحسن محمد بن محمد بن برز القمي عن نيابة الوزارة وذلك في يوم السبت سابع عشر شوال

ص: 250

من سنة سبع وعشرين وستمائة. استدعي أبو الأزهر إلى دار الخلافة، وخلع عليه في موضع البستان خلعة جميلة. /151 ب/ سنية لنيابة الوزارة، وقلّد سيفًا محلى بالذهب.

وكان قد حاز من الأوصاف الحميدة في نفسه من: الفضل الشائع، والدين الذائع، وغزارة الأدب، وتوفر الحياء والعقل الرصين مع معرفته بالعلوم الأدبية، وإتقانه من الصناعتين؛ الكتابية، والشعرية، وتفننه في الإنشاء، وتصرفه في ذلك على حسب ما شاء. وما يحفظه من عيون الأشعار، ونكت السير، مع إحكامه للقرآن المجيد، وتحصيله لفنون الأدب دراسةً وبحثًا؛ فإنه نشأ عفيفًا صينًا عالي الهمة، شريف النفس، لم يطلع له على ريبة قط.

لا جرم حصل له ما لم يحصل لغيره، وخدمته السعادة، وامتطى غارب السيادة، وانقاد لطاعته قلوب الأنام، وامتثل أمره الخاص والعام، ومدحه الشعراء، واعترف بفضله الفضلاء، وأثنى عليه العلماء، ودعا له الصلحاء.

وله نظم صحيح المعاني، جيد المباني؛ ومن شعره ما قاله وكتبه على بعض القصور الشريفة:[من الكامل]

لله من قصر الخلافة منزل

من دونه ستر النُّبوة مسبل

/152 أ/ وروقا ملك فيه أشرف بقعة

ظلَّت تحار له العقول وتذهل

تغضي لغرَّته النَّواظر هيبةً

ويردُّ عنه طرفه المتأمِّل

حسدت مكانته النُّجوم فودَّ لو

أمسى يجاوره السِّماك الأعزل

وسما علوًّا أن يقبِّل تربه

شفة فأضحى بالجباه يقبَّل

وله: [من الكامل]

أبدًا لشمس سعودك الإشراق

يا موطنًا شرفت به الآفاق

بل يأمن الجاني ويقترب المدى

للراغبين وتبسط الأرزاق

وله في مثله: [من السريع]

ومنزل تخفر القصور به

لا زال يجري بسعده القدر

إنَّ القصور الَّتي تحفُّ به

كواكب وهو بينها قمر

ص: 251

[99]

أحمد بن عليِّ بن أبي محمد، أبو العباس الصفَّار الشيبانيُّ، من أهل دمشق المعروف بابن شقشقة.

كان له عناية بالنحو واللغة، جامعًا فضيلتي النظم والنثر. وتوفي في سنة تسع وعشرين وستمائة.

أخبرني نجيب الدين أبو الفتح نصر الله /152 ب/ ابن أبي العّز بن أبي طالب الصفّار الشيباني الدمشقي بها – في المحرم سنة أربعين وستمائة. قال: خالي أبو العباس حبر مجيد، وإمام مفيد، جمع الفضائل والمروءات، وحاز الغايات والنهايات، إن تكلم أضرب، وإن أغرب أعرب، يفوق برقة نظمه شدو الحمام، ويخرج من بساتين فضله ثمرًا يزري بذروات الأكمام، ساد بما لديه أبناء جنسه، فنمق بيراع علمه طرسه بنفسه. أخذ من كل فن غايته، وبلغ من كل أمد نهايته، شهاب قبسه موري ولا يواري، وطرف طرفه في بيداء بدايته لا يجاري، فاق الأدباء في مضماره، فصار الشعر من بعض شعاره، ففنونه لا تدخل في العد، ولا يحيط بها حصر الحد.

وأنشدني، قال: أنشدني خالي لنفسه من أبيات: [من البسيط]

من لي بصبر غداة البين إذ بانوا

وكيف بعد وفائي في الهوى خانوا

حفظتهم ثمَّ خانوني وما حفظوا

عهدًا لنا فيه إيمان وأيمان

أقسمت بالرُّكن والبيت العتيق ومن

لبَّاه خوفًا له حاف وعريان

/153 أ/ ما إن سلوت ولالي عنهم عوض

وإن تناءت بنادار وأوطان

وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه من أبيات في مدح دمشق: [من الطويل]

وبلِّغ سلامي قاسيون وبرزة

وجوير والميطور والشَّرفين

وحيِّ ربوع النَّيربين ومزًّة

وسكان داريَّا وما العلمين

فأكرم بها يا صاحبيَّ منازلًا

حكت جنة الفردوس بالضفتين

ص: 252

[100]

أحمد بن الحسين بن أحمد بن أبي المعالي بن منصور بن عليٍّ النحويُّ الضرير اللغويُّ الفرضيُّ الحاسب الأديب الشاعر، المعروف بابن الخباز، أبو العباس.

كان أبوه من أهل إربل عاميًا يبيع الخبز، وأصل آبائه من بعض قرايا العراق. ونزل الموصل وتأهل بها وتديَّرها إلى حين وفاته؛ ولد [له] عدة أولاد من الذكور والإناث.

وولد له أبو العباس هذا ونشأ، وصرف همته إلى الاشتغال بالعلم وأحبه وأقبل عليه /153 ب/ بكليته فحفظ أولًا الكتاب العزيز، وقرأ التنبيه لأبي إسحاق الشيرازي حفظًا جيدًا.

ثم ترقى إلى العلوم الأدبية، وتردد إلى جماعة من أدباء الموصل، ولازم الشيخ أبا حفص ودرس عليه كتبًا كثيرة من علم الأدب والنحو واللغة والعروض والقوافي حتى برز على أقرانه، وفاق أبناء زمانه، وبرع في ذلك، وتمهر تمهر المجتهدين. فلما مات أبو حفص شيخه جلس مكانه، وتصدر لإفادة علم الأدب والعربية والقرآن والفرائض والحساب ومعاني الشعر وغير ذلك؛ فانثالوا عليه من كل فج. وهو اليوم شيخ وقته، وحبر مصره، ولم ير في زماننا أسرع حفظًا منه ولا أكثر استحضارًا للأشعار والنوادر والحكايات واللطائف، وهو غاية في الكاء والفهم، سريع الخاطر في نظم الشعر، قوي الروح وقت القراءة عليه. يشغل الناس من بكرة إلى عشاء الآخرة في مسجد بسكة

ص: 253

أبي غنج أنشأه الصاحب أبو الكرم محمد بن علي ابن مهاجر الموصلي. وأقام له فيه جاريًا يدّر عليه، وجامكية تصل إليه تقوم بأوده وتفضل عنه؛ إلّ أنَّه /154 أ/ لم يزل متألمًا من الزمان، كثير التعب من صروفه، شاكيًا من أبناء دهره، قليل الحظ منهم.

ثم انتقل إلى المدرسة البدرية، فلم يزل مقيمًا بها إلى أن توفي. كان رجلًا أسمر اللون، عبل البدن، مدور اللحية. وذكر لي أنَّه كان في بدو أمره له بصر يسير، ويعرف الألوان، ويفرق بينها. ثم ذهب بصره بالمرّة. وكان إذا مشى لم يحتج إلى قائد يقوده. وكان له لحية سوداء حسنة مدوّرة.

وحدثني، قال: لما شرعت في الاشتغال بكتاب "الفخري في الحسنات" واجتهدت في دراسته وحفظه على الشيخ أبي المعالي ثارت على السوداء، وبقيت مدة مريضًا بها؛ فلما أبللت من ذلك انثرت لحيتي جميعها ولم تعد إلى ما كانت عليه. وكان خفيف العارضين جدًا خالطه الشيب قليلًا.

أخبرني أنه ولد في اليوم الثاني عشر من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وتوفي في العشر الأول من شهر رجب سنة تسع وثلاثين وستمائة – رحمه الله تعالى -.

وحفظ عدّة من الكتب المجردة في النحو /154 ب/ والأدب واللغة والأشعار العربية منها كتاب "الإيضاح" لأبي علي الفارسي، وكتاب "المفصل" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب "الكافي في علم العروض والقوافي" لأبي زكريا التبريزي، وكتاب "مجمل اللغة" لأبي الحسين [أحمد] بن فارس الرازي، وكتاب "الفخري في الحساب".

ثم إنه تحفظ من أشعار العرب الجاهلية والإسلام والمولدين والمحدثين ما لا يحصى، وصنف كتبًا مفيدة في النحو والعروض منها: كتاب "الجوهرة في مخارج الحروف" وهي قصيدة مزدوجة رجز، وكتاب "الإلماع في شرح لمع ابن جني"، وكتاب "التوحيد" في شرحه أيضًا، وكتاب "تحرير المقياس في تفسير القسطاس"

ص: 254

عروض، وكتاب "قواعد العربية" وكتاب "كفاية الأعراب عن علم الإعراب"، وكتاب "نظم الفريد في شرح التقييد" شرح المقدمة الجزولية، وكتاب "الغرة .... /155 أ/ في المسائل الألفية" من علوم شتّى، وكتاب "الإفصاح في الجمع بين المفصل والإيضاح" لم يتمّمه، وكتاب "النهاية في شرح الكفاية" وهو كتاب طويل الذيل جدًا، قل أن يؤتى على مثل مسائله، وقد أملى كثيرًا منه، وكتاب "الفريدة في شرح القصيدة" وهي قصيدة سعيد بن المبارك بن الدهان؛ وهي تشتمل على مسائل معوصة من النحو، وشرع في شرح المفصل مرتين، وعاقت عن ذلك عوائق.

أنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المبارك بن أحمد بن المبارك المستوفي – رحمه الله – وأنفذ إليه من الموصل إلى مدينة إربل من غير انتظام معرفة بينهما ولا مشاهدة، ولا اجتماع به إلّا لما شاع من معروفه وأفضاله بين الأنام، خصوصًا أهل الأدب والفضل، وإجماع الخلق على شكره، وجلالته في العلم والرئاسة؛ فآثر أن يمتدحه ويثني على حاله حبًا وتقرّبًا، ولم يطلب بذلك أجرًا ..... لكنه رآه أهلًا للمدح والثناء. [من الكامل]

/155 ب/ سترن الغصون الرَّاح من حركاتها

وتعلَّم الملكان من لحظاتها

ونضَّت عن الوجه النِّقاب فأشرقت

شمس الضُّحى والبدر من قسماتها

سمراء تحمي بالملاحة طرفها

كسنانها وقوامها كقناتها

حسناء لو أنضفتها في وصفها

لحكمت أنَّ الحسن بعض صفاتها

وعدت فمات المستهام بخلفها

وحياته إنجازها وحياتها

وكفاه ضرًّا أنَّه في بعدها

لم يخل من رقبائها ووشاتها

فأسرَّ شكوى حاله من خوفه

منهم وأخفت نفسه خطراتها

يا من غرست لها المودَّة في الحشا

وسقيتها من أدمعي لبناتها

ثمر المودَّة أينعت من سقيها

فإلى متى لا أجتني ثمراتها؟ !

لا تحسبي طول النَّوى ينسي الهوى

حتى يردُّ النَّفس من صبواتها

حكم السَّقام وقد هجرت فجار في

أحكامه ورضاك في إثباتها

قل للبخيلة بالوفاء نفوسنا

من غدرها قد حان حين وفاتها

إن لم يكن وصل فحسبي .....

بعد البلى يحيي الرَّميم رفاتها

ص: 255

وتعلَّمي جدون ابن موهوب أبي البركات فالثَّقلان في بركاتها

وتشبَّهي بفتى إذا ما صاب في

..... بردِّ الرُّوح في أمواتها

/156 أ/ جمع الفضائل والفواضل بعد ما

دان اللِّئام بتركها وشتاتها

وبنى من الشَّرف الرَّفيع محلَّةً

جعل الطَّباق السَّبع من شرفاتها

يا والي الشُّعراء حلمًا إنَّما

يجني رعايا الناس حلم ولاتها

لك بيت عزلٍّا لا يقوم بوصفه

أضعاف ما حبَّرت من أبياتها

ومنها يقول في ذمّ أهل الزمان:

فحمدت ربَّ العالمين على العمى

فيه فقدت شخوصها وشياتها

وذممت سامعتيَّ لمَّا كانتا

سببًا تقربني إلى أصواتها

مغناك جنَّات النَّعيم فليتني

أرعى ثمار الأنس من روضاتها

وتغور من ..... من سكَّانه

روحي ..... زهوقها بنجاتها

وأنشدني أيضًا من شعره يتغزل: [من المجتث]

علقِّته غصن بان

فيه جميع المعاني

ريق كخمر وثغر

يفترُّ كالأقحوان

تشتقُّ من وجنتيه

شقائق النُّعمان

بنفسجيُّ عذار

عيناه نرجستان

تملي على عاشقيه

مقاتل الفرسان

/156 ب/ كل عاذل فيه جهلًا

بما يجنُّ جناني

لسان حالي مجيب

عن عذله لا لساني

فراقه والرَّدى عند عبده سيَّان

ووصله وحياة النُّفوس مؤتلفان

لا يرتجى أحد وصله ولا سلواني

يا نائي الوصل شوقي

إلى لقائك داني

يا باقي الهجر صبري

عن حسن وجهك فاني

لم يكف عينيك سقمي

وبعضه قد كفاني

نسيت ليلًا جنينا

فيه ثمار الأماني

ص: 256

ونحن من كلِّ واش

وحاسد في أمان

وفي الكؤوس رحيق

منطَّق بالجمان

يخال قبل مزاج

نارًا بغير دخان

أبدت لنا لونه قبل شربك الوجنتان

وفي ثناياك ريق

من الرَّحيق ثناني

/157 أ/ وطيب لفظك يغني

عن استماع الأغاني

يا من حرمت رقادي

بطرفه الوسنان

ومن قضى فتعدَّى

في الحكم بالهجران

ومن إذا قلت: حان الوصال، قلت: جفاني

لولاك ما لمت حظِّي

ولا ذممت زماني

وأنشدني أيضًا لنفسه من قطعة يذم بها أهل الزمان: [من البسيط]

فلا تثق بالليَّالي طالما غدرت

بذي الوفاء ولو أعطته ميثاقا

ذم الورى ..... زمانهم

لوما فأحدق بالأيام إحداقا

أعراضهم لم تزل مسودَّة فإذا

قدحت فيهم أصاب القدح حرَّاقا

بلوتهم فطعمت السُّمَّ في عسل

فما وجدت سوى الهجران درياقا

وأنشدني أيضًا من قصيدة: [من الطويل]

أجد له شوقًا إلى ساكني الغضا

سنا بارق منهم على البعد أو مضا

فبات وفي أحشائه فرط لاعج

إذا هاج بالذِّكرى أقضَّ وأغمضا

فيا برق هل ..... الحبيب لعاشق

..... في الوصل يخلف ما مضى

/157 ب/ يسرُّبه المحزون من قبل موته

ويشفي سقيمًا بالحمام معرَّضا

تمنَّى وصالًا والأماني منيَّة

إذا لم يكن يقضيه ود لو قضى

وما زال حتف العاشقين محبَّبا

إليهم إذا ما العيش صار مبغَّضا

رعى الله إلفًا قرَّب القلب شخصه

وإن كان عن عيني بعيدًا معرّضا

تعوَّضت عمَّا فاتني بنظيره

سواه فإنِّي لم أجد متعوَّضا

حبيبًا إلى قلبي وإن كان قاتلي

..... إلى نفسي وإن كان معرضا

وأنفقت صبري بعد يوم فراقه

فلم أر في أيَّام عسري مقرضا

ص: 257

ولم أنس يوم البين موقفنا وقد

رأت زفرتي بين الجوانح تركضا

وأجريت دمعًا لو جرى فوق صفصف

لأخصب منه كلُّ محل وروَّضا

وكم حاولت بسطًا لتوديعه يدي

فواحرَّ وجدي أن تكفَّ وتقبضا

ومن شقوتي أنِّي حرمت وداعه

لأن النَّوى قد صار حتمًا بها القضا

ولمَّا رأيت الهجر كالدَّهر باقيًا

تخيَّلته واش عليه محرِّضا

لعمرك إنَّ العيش من بعد حمده

ذميم وكم سخط يولِّده الرِّضا

صفا لي بالإقبال والإلف مقبل

وأعرض عني صفوه حين أعرضا

ولم أتجنَّب قصد مغناه سلوة

ولكنه لمَّا نأى ضيَّق الفضا

/158 أ/ قضى الدَّهر بالهجران بيني وبينه

ولي دين وصل عنده ليس يقتضي

قنعت ببرق الشام يبدو مذهَّبًا

فيترك خدِّي بالدُّموع مفضَّضا

وأنشدني لنفسه في مشترك اللغة: [من الكامل]

ودجاجة صارت لثور مركبًا

والفيل فوق الثُّور يقتل أخرسا

الدجاجة: الكبَّة من الغزل، والثَّور: القطعة من الأقط، والفيل: الرجل الضعيف الرأي، ويقتل: يمزح، ولبن أخرس: لا صوت له في الإناء.

ناولته قوسًا بلا وتر لها

سهم إذا ما صاب أحيا الأنفسا

القوس: ما بقي في القوصرَّة من التمر، والسهم: النصيب، وقد خيل به التشابه. وصاب وأصاب لغتان، وقوله: أحيا الأنفسا؛ لأن التمر قوت، وهذا موضع الإلغاز.

وشربت من كعب لديه مسمّن

فأثرت من عسل ترابًا أغبسا

الكعب: بقية السمن في العكَّة /158 ب/ ومنه قول الحجاج للطّباخ في سمكة سمنها. والعسل: العدو، والأغبس: من الغبسة كلون الذئب.

وفد المسيح له فزرنا مريمًا

ربُّ المسيح إذا رآها أفلسا

وفد: أي جاء، والمسيح: العرق، وقوله: به: أي بالعسل لأنه شيرة، والمريم

ص: 258

من النساء كالِّزير من الرجال، قال رؤبة:

لزير لم تصله مريمه

والمسيح: الدِّرهم الأطلس، والضمير في رآها يعود إلى مريم، وقوله: أفلس؛ لأنه يبذله لها.

وقال يرثي أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الكريم الحنفي البغدادي – رحمه الله تعالى -: [من الكامل]

جاد الغمأم كأدمع الأحداق

قبرًا ثوى فيه أبو إسحاق

فلقد ثوب فيه الفضائل والعلا

بثوائه ومكارم الأخلاق

/159 أ/ قبر بعين الشَّمس فضل جماله

بعد الشُّروق كبهجة الإشراق

قبر مقيم في الثَّرى وعلاؤه

سام على سبع رفعن طباق

قبر أحاط ببحر جود مفعم

عذب المذاقة ماؤه دفَّاق

لم يستفد حرٌّ جزيل هباته

إلا تقلَّد ربقة الإرقاق

ما بعد يومك للصديق سوى الأسى

ولهيب شوق دائم الإحراق

وسهاد عين لو تزوَّجها الكرى

نشزت فبت حبالها بطلاق

وسقام جسم لو ألمَّ جديده

بالصَّخر الجأه إلى الإخلاق

أبقيت في كبدي صدوعًا لا ترى

شعبًا ولسعًا لا يفوز براقي

ليت الحمام وقد غزاك بجيشه

آلت غنيمته إلى الإخفاق

سخنت عيون الشَّام ..... رأت

شيئًا سوى العبرات والإبراق

يا غصن ريح الموت ..... عاصفًا

فذويت بعد الرِّي والإيراق

يا بدر فاجأك المحاق ومن رأى

بدرًا يفاجأ ..... بمحاق

يا شمس عاجلك الكسوف فقطَّبت

لذهاب نورك أوجه الآفاق

يا ليث ..... المنيَّة ظفرها

ذا لبدتين وماله من واقي

.. من سحابة حادث

هطلت عليك فعدن بالإغراق

/159 ب/ أثريت من صبري وفقدك ردَّني

من بعد إثرائي إلى إملاق

ص: 259

غيِّبت في لحد وذكرك حاضر

وفنيت والخيرات منك بواقي

إن قيَّدتك يد الزَّمان فطالما

جادت يداك عليه بالإطلاق

ومن العجائب أنَّه يدري ولم

يستحي حين دهاك بالإرهاق

ساقيت إخوان الصَّفاء شموله

دهرًا وأنت اليوم غير مساقي

لا تغضبن عليهم فجميعهم

صافي المودَّة محكم الميثاق

أسرتني الأحزان بعدك عنوةً

فاعطف عليَّ وحلَّ عقد وثاقي

ولقد شفيت عداك من أدوائهم

لما مرضت ولست ذا إفراق

وأعدت فقداني ففقدك عارض

ما كان وابله سوى الإصعاق

لما بلغت حمى ..... فقدته

..... ..... بفراق

لا تقدر الأيَّام بعدكما على

تقليل أحزاني ولا أشواقي

ولقد أمنت الخوف من حدثانها

أمنًا يسهِّل حزن ما أنا لاقي

يوم الحسين شبيه يوم سميِّه

في الحزن والتَّبريح والإشفاق

وإذا ذكرتكما تحنُّ إلى الرَّدى

نفسي حنين الواله المشتاق

ومتى أراد الصَّبر قلبي عنكما

سفهًا فإنَّ الصَّبر غير مطاق

/160 أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه يرثيه – رضي الله عنه: [من الكامل]

جرت الدُّموع فسحبها لا تقلع

ومضا العزاء فلا أراه يرجع

أعجبت من جزعي لرزء هدَّني

لا تعجبنَّ فذو الرَّزيَّة يجزع

أبكي ولا أرجو إعادة ما مضى

ومتى أعادت ما تقضَّي الأدمع

في كلِّ يوم فقد خلٍّ مؤلم

ومحلُّ إيناس خلاء بلقع

فإلى م أحمل ما يصدِّع حمله

صمَّ الصُّخور وكاهلي يتضعضع

كنت الضَّنين بوالدي فسخا [به]

دهر يفرِّق صرفه ما أجمع

حفظتني الأيَّام قبل وفاته

فمضى فها أنا بينهنَّ مضيَّع

ومصاب إبراهيم إجهاز على

علمي فما في قوس صبري منزع

يا يوم إبراهيم إلَّا .....

شمس الفضائل بعده لا تطلع

يوم به وجه الزَّمان مقطِّب

داج وانف الفضل فيه أجدع

اللَّيل محزون عليه لأنَّه

مازال يسجد في دجاه ويركع

ص: 260

وعلى كواكبه كآبة عاشق

فقد الحبيب فطرفه لا يهجع

ذهبت محاسنها وأبطأ عيرها

وجدًا فهن به قباح طلَّع

ونهاره يثني عليه بصومه

وقت الهجير وليس ريق ينقع

/160 ب/ وإذا أتى صاد إلى إحسانه

فله من المعروف بحر مترع

يهوى البداءة بالعطاء ودينه

صمت وإغضاء به وتخشُّع

ويغضُّ عن نظر الفواحش مقلة

تقذى إذا رأت العيون وتدمع

وإذا تحدَّث من يجالسه بما

فيه ذهاب مروءة لا يسمع

وإذا جرى يوم السِّباق إلى العلا

وقفت عن الجري الرِّياح الأربع

وإذا أمال ذوي الغواية مطمع

فيما يدنِّس لم يمله مطمع

ويفلُّ حدَّ النَّائبات بحدِّه

ويذبهنَّ عن الصَّديق ويدفع

ويذُّل من عادى ويخفض صيته

ويعزُّ بالنَّصر الوليَّ ويرفع

يا موت كم أشقيت مسعودًا به

ما زال في روض التَّنعُّم يرتع

فنضا بكره عنه ثوب نعيمه

فسروره يوم المصاب مودَّع

قل للسَّحاب إذا مرته يد الصَّبا

وذكت بأعلاه البروق اللمَّع

وأصمَّت الأسماع شدَّة رعده

فبكلِّ أذن حين يرعد إصبع

واسودَّت الآفاق من إظلامه

فعلى النَّهار من الحنادس برقع

احلل عراك على ضريح حلَّه

من لم يزل يروي نداه ويشبع

وتعلَّم المعروف من معروفه

حتى تنيل فكلُّ علم ينفع

/161 أ/ واستحي لا تفخر عليه فإنِّه

وله المفاخر بالحياء ملفَّع

وحياك نائله وبرقك نشره

فرحًا ورعدك بأسه إذ يوقع

يعفو عن الجاني بغير مذلَّة

ويكفُّ غرب المعتدين ويردع

يبغي رضا الله الكريم ووجهه

فيما يلامسه وما يتوقَّع

وإذا طريق القول ضاق على امرئ

من عيِّه فله طريق مهيع

كم مشهد للعلم يعجز حيرة

عن أن يفوه به الخطيب المصقع

أمضيت فيه من لسانك صارمًا

تفرى الأكفُّ بحدِّه والأذرع

كم جائع أشبعته متيِّقن

من بعد موتك أنَّه لا يشبع

ص: 261

كم ليلة أحييتها بعبادة

لله تسهر والخلائق هجَّع

سعدت قبور جاورتك وأهلها

بخلود جنَّات النَّعيم تمتَّع

جزعي لفقدك في الفؤاد مخيِّم

ومن العجائب أننَّي لا أجزع

أرضاك رُّبك بالنَّعيم مضاعفًا

ووصلت بالخير الَّذي لا يقطع

وضفا عليك من الخلود لباسه

وصفا لديك من الجنان المكرع

وسكنت جارًا للنبيِّ بمنزل

في كلِّ وقت بالكرامة يشفع

وأنشدني أيضًا يرثي أبا إسحاق إبراهيم /161 ب/ ابن محمد الرُّقي المعيد بالمدرسة النوريّة: [من الطويل]

تمنَّى بنو الدُّنيا بها أن يعمَّروا

وإنَّ المنايا من مناهم لتسخر

تدور كؤوس الموت في كلِّ ليلة

ويوم وتسقاها برغم فتسكر

ونعرف أنَّا صائرون إلى الرَّدى

ولكنَّنا نهوى الحياة فننكر

نريد على مرِّ اللَّيالي تغيُّرًا

وتأميلنا للعيش لا يتغيَّر

أما في ذهاب الأهل عنَّا إلى البلى

لمن كان ينسى حتفه ما يذكِّر

أما في فناء الأصدقاء وفقدهم

موارد أحزان لها الفكر مصدر

فحتَّى م شيطان الغرور مسلَّط

وكيف انتعاش المرء والجدُّ يعثر

وكم يستغرُّ النَّفس في الغيِّ مطمع

ويغدر بالنَّاس الزَّمان فيعذر

وكم ينظم العيش الرَّخيُّ عصائبًا

فيغتالهم صرف الحمام فينثر

ومن يتَّقي بالمال سهم منيَّة

يصاب به منَّا مقلٌّ ومكثر

وما نحن إلَاّ مثل سفر مشيَّع

فمنَّا الذي يغدو ومنَّا المهجِّر

ولو غشي الألباب نور رشادها

لكان لها في كل وقت يذكِّر

ومن أبن الموتى بذكر محاسن

فتأبين إبراهيم أولى وأجدر

كريم إذا رجَّيته فزت بالغنى

وحبر لأنواع العلوم يحبِّر

/162 أ/ شجاع إذا ما الخصم صعَّر خدَّه

أقمنا به من خدَّه ما يصعَّر

ولو كان ملكًا أو خطيبًا سما به

على كلِّ ما يسمو سرير ومنبر

يروقك ألفاظًا حلت ومعانيا

ومن سرعة الإدراك لا يتفكَّر

وكم وشي شعر حاكه ببديهة

إذا وشت استحيت من الوشي عبقر

ص: 262

بنى لأبيه بيت مجد مشيِّدًا

إذا طاولته الأنجم الزُّهر تقصر

وكان عصاميَّ السِّيادة نفسه

تعلِّمه أفعالها وتبصِّر

يذكِّرني أخلاقه بهبوبه

نسيم الصَّبا والرَّوض ريّان أخضر

فتزداد أشواقي إليه وبينه

وبيني منهال من التُّرب أغبر

شكوت خطوب الدَّهر من قبل فقده

ومن بعده البلوى تزيد وتكثر

شرين خيار النَّاس من بشرهم

فبعت على كره لأنِّي أخسر

خليليَّ هلَاّ تسعداني فإنِّني

ذخرتكما وألخلُّ للخطب يذخر

أعيراني الصَّبر الجميل فإنِّني

جزعت ومن لي أنَّني عنه أصبر

قفا بي على قبر الغريب وإنَّما

وقوفي عليه عبرة وتحسُّر

ولو أننَّي أنصفته فاض مدمعي

دمًا فكأنِّي في شؤوني أنحر

وقولًا له مغناك بعدك مظلم

تجنَّبه السُّكَّان والتِّبر نيِّر

/162 ب/ وقولا له إن حالت الأرض بيننا

تساوى له عندي مغيب ومحضر

وقولا له عظَّمت قبرًا سكنته

فليسُّ يمس القبر إلا المطهَّر

فقدناك فقد الرَّوض سقيا سحابة

وفقد الضحى شمسًا بها كان .....

ولو كانت الأنواء عالمة بما

وهانا لما زالت من الحزن تمطر

ولو عرفت شمس الضُّحى ستر وجهه

بهيل تراب لم تزل تتستَّر

طوته المنايا في اللُّحود وحمده

إلى يوم إنشار الخلائق ينشر

ويحيا الفتى بالذِّكر بعد وفاته

وما مات من آثاره الغرُّ تذكر

وأنشدني من شعره لغزًا في اللحية: [من الطويل]

وصاحبة مصحوبها لا يملُّها

إلى الموت يكسي جسمها ثوبي الدَّهر

يخاف إذا ما صارمته وأنَّه

يرى هجر بعض إن أحبَّ أبا بكر

تصاب بغسل إن أصيب ولم تكن

لتغشى ويحيا الطُّهر إن كان ذا طهر

وأنشدني أيضًا في الديك والدجاجة: [من الخفيف]

جارتي أمُّ حفصة وأبو المنذر زوجان يرضيان الفجورا

حرَّما الغسل دائمًا عن جماع

واستباحت دم ابنها المحضورا

فصحيح إذا ناها وإن يدن ترى العين صلبه مكسورا

ص: 263

/163 أ/ وهو عاج أبو لجين وتبر

سخيًا لابسين فيه حريرا

وأنشدني أيضًا لنفسه يلغز: [من الطويل]

رأيت أبا بكر يصلِّي وقد زنى

بأنثى ولم ينكر عليه محمَّد

ولولا ابنه أو عرسه لم يكن أتى

إلى عمر في الدَّهر يومًا موحِّد

وعثمان لم يظلمه قاتله وما

لحيدرة إذ جار إلَاّ المهنَّد

وقال: [من الكامل]

وقب الظَّلام بخدِّه فأعاذني

من لامني من شرِّ ليل غاسق

ما زال يظلمني البياض ويعتدي

فاسودَّ من ظلمات ظلم العاشق

وله: [من مجزوء الكامل]

كم خاب ذو العقل الصَّحيح

وفاز ذو العقل السَّقيم

فالله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

وقوله: [من الكامل]

يا من تراه الشَّمس وقت شروقها

فتصير حمراء المحيَّا والحيا

وأقبِّل التُّفاح وهو مذكِّري

خدَّيه مكتفيًا بآل عن حيا

لما عصيت اللَاّئمين تقوَّلوا

زورًا وأخرجهم إلى السَّفه العيا

/163 ب/ وأنشدني قوله في غلام قبّل المرآة: [من الكامل]

أمقبِّل المرآة حين رأى بها

وجهًا يردُّ الطرف عنه كليلا

لا أحسد المرآة حين منحتها

قبلًا لأن لثغرك التَّقبيلا

وأنشدني لنفسه ابتداء قصيدة: [من الكامل]

ظفرت يد المشتاق يوم فراقه

أهل النَّقا من طيبهم بعناقه

وأراد منه قبلة يحيا بها

فاستعجل الحادي بحثِّ نياقه

ومنها:

لم أنس ليلة زارني ونسيمه

عبق يفوح المسك من أطرافه

فلثمت من فيه أقاحي روضة

حل الغمام بها عقود نطاقه

ص: 264

فسألته إخلاصه لو كاده

والحسن يأمره بقبح مذاقه

هو كالزَّمان إذا أذاقك حلوه

أسقاك مرًا منه بعد مذاقه

ومنها:

فالعلم محروم بقبح كساده

والجهل مرزوق بحسن نفاقه

يا ليتني أبصرت قبل منيَّتي

من نال حظًّا منه باستحقاقه

[101]

أحمد بن المبارك بن نوفل /164 أ/ ابن ناش بن المهيا، أبو العباس الضرير النحويُّ النصيبيُّ.

أخبرني أنَّه ولد بقرية من نواحي الموصل – تدعى خرفة – غربيها، وانتقل إلى نصيبين وعمره اثنتا [عشرة] سنة، فأقام بها مدّة فنسب إليها.

ثم قدم الموصل وصحب الشيخ أبا حفص عمر بن أحمد العسفنيّ النحويّ، فأخذ عنه علم العربية، وقرأ عليه أشعار العرب واللغة والعروض، وسائر فنون الأدب.

وكان أولًا قد درس فقه الشافعي والفرائض والأصول والحساب وغير ذلك، وذكر لي أنه حفظ القرآن العزيز في سبعة أشهر.

سألته عن ولادته، فقال: ما أتحققها إلا [أن] لي الآن أربعون سنة. وكان سؤالي له في شوال بالموصل سنة إحدى وثلاثين وستمائة.

وهو رجل فاضل عالم حافظ لأخبار الناس وحكاياتهم ونوادرهم يغشى مجلسه جماعة من المستفيدين، يقرأون عليه. وصنف كتبًا في النحو والعروض، منها كتاب سماه "إيضاح العلل الخوافي في معرفة العروض والقوافي"، وكتاب في النحو /164 ب/ سماه "بيان المنهج وشرح الأنموذج" لأبي القاسم الزمخشري، وكتاب

ص: 265

"الرجحان في شرح الميزان" لأبي البركات الأنباري، وكتاب "الإفصاح في شرح الإيضاح" لأبي علي الفارسي.

وهو مقل من عمر الشعر، يقول منه يسيرًا في غرض يقع. أنشدني لنفسه، وكان في سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في جمادى الأولى بعد رجوع التتار الملاعين – خذلهم الله تعالى – عن الموصل، وأمر أميرها بدر الدين لؤلؤ ابن عبد الله بتعطيل المدارس وصرف الفقهاء والمدسين، وأن لا يقيم أحد بها غير بوَّاب وفرَّاش وإمام ومؤذن، يستعين بذلك على العدو وقمعه.

ثم أقطعها الأجناد والأمراء فلم يبق يومئذ بالموصل مدرسة يدرس فيها الفقه، فعند ذلك سافر المتفقهة وتبدد شملهم، وتفرقوا في البلاد، ودثرت معالم الدين، وعظمت البلوى لنزول هذه الحادثة الشنيعة، وحلول هذا الخطب الجسيم، فقال في ذلك أبو العباس متوجعًا نادبًا لرسوم الفقه باكيًا أهله:[من الخفيف]

/165 أ/ يا لخطب دها وشأن شنيع

وبلاء فاجا وآمر فظيع

ورزايا أصابت الدِّين حتَّى

هدمت منه كلَّ حصن منيع

ومصاب ذلَّت به ملَّة الإسلام

من بعد عزِّها المجموع

وانتهاك لحرمة الشَّرع بالمنكر

من خفض قدره المرفوع

حين أضحت معالم العلم قفرا

آفلات الأقمار بعد الطُّلوع

خاليات من لذة الأنس فيها

موحشات الأرجاء بعد الجموع

لهف نفسي على المدارس إذ تندب سكَّانها بفيض الدُّموع

سلبت بهجة الدُّروس فأضحت

في دروس من بعدها وخشوع

طالما كان ليلها كسنى الفجر بتكرار كلِّ فنٍّ بديع

إذ بسكانها يؤسّس للدين مباني أصوله والفروع

فابك يا صاح بعدها منصب الشَّرع بحزن وعبرة وخشوع

ثم منَّ الله بعد ذلك على الفقهاء وأهل العلم، وتداركهم بلطفه وأنزل في قلب الأمير بدر الدين بأن أمر بردّ الفقهاء إلى المدارس، وإعادة جراياتهم، وذلك في أوائل

ص: 266

شهر صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة. /165 ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه يصف الربيع: [من المنسرح]

لله درُّ الرَّبيع من زمن

في طيب آنائه وأوقاته

فهو نبيُّ الزَّمان والزَّهر الزَّاهر في الحسن بعض آياته

من كلِّ لون يتسأسر اللَّحظ إذ

يرنو ويحبوه فوق مرضاته

بكى على ..... طربًا

فضاحكت أرضه سماواته

وانتثرت أدمع السحاب به

فنظَّم الدُّرَّ حسن إنباته

. في الرُّبى برود بأيدي

المزن فيها جميل صنعاته

يا حبَّذا نفحة الرِّياض إذا

باشرها الطَّلُّ وقت خطراته

كأنَّها نشر من تحبُّ وقد

واصل من بعد طول غيباته

وحبَّذا ذلك النسيم الَّذي

يحيى بغدواته وروحاته

يهدي إلى كلِّ ذي حياة إذا مرَّ عليه جميع لذَّاته

وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف]

همَّتي همُّها بلوغ الثُّريَّا

لكن الحظُّ نجمه في الحضيض

فمتى ما نهضت أبغي المعالي

ردَّني الدهر ذا جناح مهيض

وإذا قالت السَّعادة لي اقرض

قلت: حال الجريض دون القريض

/166 أ/ كيف أسمو وطالع الحظِّ يقضي

بأمور صحيحها كمريض

[102]

أحمد بن قرطايا بن عبد الله، أبو الثناء بن أبي الوفاء الإربليُّ الأصل.

الكامل، والأروع، الفاضل، والشهم الذكي، والفطن اللوذعي، ذو الكرم

ص: 267

والسخاء، و ..... والرواء، والصبح المحيا، الذي ..... والنفس الأبية، والمروة والأريحية، إن استغاثه مستجر حماه، ..... له النظم المطرب في النثر المغرب، والبلاغة الإنشائية، والعبارة الكتابية، أربى بإجادتها على الكتاب المترسلين، وفاق بإنشائها على البلغاء المبرزين].

كان والده من عتقاء الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين صاحب إربل – رضي الله عنه – وكان أعظم أمير في دولته، ناب عنه في مملكته، رفيع المنزلة لديه، فاعتقله مخدومه بقلعة كرخين، ومات محسوبًا – رحمه الله تعالى – وكان يميل إلى أهل العلم، ويقرّبهم لأجل ولده هذا؛ لأنه كان يبالغ في تأديبه، ويجتهد في تعليمه، وسمع الحديث النبوي وجالس فضلاء ذلك الوقت .. فنبغ – بحمد الله – أميرًا كبيرًا نبيلً متأدبًا جليلًا مقبولًا عند ملوك زمانه، وافر الحرمة لدى سلاطين أوانه.

وابنه هذا أمير جليل ذو منظر حسن، وفيه بشر وحياء ومحاضرة مليح الخط، جيد القول نظمًا ونثرًا، ويعرف علم النجوم والإصطرلاب.

أخبرني أنه ولد يوم الإثنين التاسع والعشرين من المحرم سنة ثماني وتسعين وخسممائة بالدربند، بقرية تعرف بالراية من أعمال إبريل.

ترددت إليه أيام مقامي بإربل، وكان ينشدني أشعارًا في الغزل وغيره، وخرج عن إربل متوجهًا في ذي الحجة سنة ثلاثين وستمائة، نحو حلب، ونزل بها، وأقبل عليه مالكها السلطان الملك غياث الدين وقربه إليه، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، ولم يقبل على أحد من الأمراء. /166 ب/ كإقباله عليه. وكان السفير بينه وبين الملك الكامل فيما يرجح إلى إصلاح الدولة؛ فلم تطل به الأيام حتى توفي الملك العزيز، فزيد في إكرامه، واحترم احترامًا عظيمًا وافرًا، واستدعي من الديون العزيز المستنصري، ووصل إلى مدينة السلام في شهر شعبان سنة خمس وثلاثين وستمائة، فحيث قدمها

ص: 268

أكرم مورده، وأنعم عليه إنعامًا عظيمًا، وأقطعه إقطاعًا تليق بمثله ببلد البطائح، وعرفوا نبله وفضله، ولقب من دار الخلافة بعدة ألقاب، وكني أبا شجاع، وكان من قبل يكنى أبا الثناء ..... لم يكرمه مثله أحد من الأمراء الذين هم ..... إلى هذه الفضائل التي أحرزها علمه بالآداب الملوكية ..... بالجوارح والكلاب واللعب بالكرة وسباق الخيل ..... في الفروسية، وما يتعلق بهذه الأصناف السلطانية.

ثم إنه كان أخبر الناس بملاقاة الملوك ومخاطباتهم والوقوف بين أيديهم، وأقدرهم على المفاوضة لهم، وأحسنهم في .....

فمما أنشدني لنفسه: [من الطويل]

لذي السَّالف المسكيِّ والمقلة النَّجلا

رسيس هوى في القلب يبلى ولا يبلى

عزيز عرفت الذُّل من كلفي به

وكم من عزيز في الهوى عرف الذُّلَاّ

كثير التَّجنِّي ليس لي عنه سلوة

وأعجب شيء جائر الحكم لا يسلى

ومعتدل كالغصن لا عدل عنده

ولولا شقائي في الهوى عرف العدلا

فلا تعذلوني في هواه فإنَّني

حلفت بذاك الوجه لا أقبل العذلا

دعوني وشكوى الحبِّ بيني وبينه

فما أعذب الشَّكوى إليه وما أحلى

وأنشدني أيضًا بحلب المحروسة محاضرها السليماني يوم الجمعة الرابع والعشين من جمادى الآخرة: [من الطويل]

لعلَّ لقاء بعد طول التَّفرق

يبلُّ أوامًا من غليل التَّشوُّق

فمنُّوا بتعليل المنى من لقائكم

فربَّ منى تشفي صبابة شيِّق

فيا ويح قلبي عزَّ فيكم سلوُّه

فدمعته حرَّى بعدكم ليس ترتقي

بعدتم فلا نشر الشَّام كطيبه

قديمًا ولا للعيش بهجة رونق

ولا حلب مذ غبتم دار لذَّة

لبعدكم عنِّي ولا ربع جلِّق

ولا غيِّر النَّأي الَّذي تعلمونه

وحاشا هواكم ينقضي بألتَّفرُّق

أهيم إذا ما لاح برق دياركم

وأسأله أخباركم في التألُّق

وأستنشق الأرواح منكم وحبَّذا

لمغدى الصبا من أرضكم طيب منشق

وأصبو لها وجدًا وأبرح لوعة

بلين التَّصابي وجدعان ومطلق

ص: 269

وأبعث أشواقي مع الرِّيح علَّها

تمرُّ بريَّا من صباكم فتلتقي

وأيُّ نسيم الرِّيح يبلغ مشئمًا

وقد خاب مسراها رسالة معرق

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]

أيوسف إن أصبحت للوعد مخلفًا

وبالعهد غدَّارًا فغير بديع

بذا العقل والتهوير ضيَّعت شيزرًا

وتأمل منها حظوة برجوع

وكان من الأيَّام ملكك غلطةً

وعارًا عليها فابكها بنجيع

/167 ب/ وأنفذ له الشهاب الشيزري فهدة فطلعت عرجاء فكتب إليه، وكان أعرج أيضًا:[من الكامل]

جاد الشِّهاب الشَّيزريُّ بفهدة

عرجاء زعمًا كلُّ ذي عرج زري

فليعذر الملك العزيز محمَّدًا

في نفيه لعراجه عن شيزر

وقال فيه أيضًا: [من الوافر]

وقالوا: الشَّيزريُّ غدا مهانًا

لجهل والهوان به خليق

فلا في الشرِّ يخشاه المعادي

ولا في الخير يرجوه الصَّديق

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]

بنتم فشوقي على ما تعلمون وكم

قد فرَّق الدهر أحبابًا وأخوانا

لو كنت أملك بالأموال ردكم

وبالكرائم ممَّا أقتني هانا

واهًا لبغداد من دار لقد عدمت

منكم ..... ومن معناك لقمانا

تغدو الشَّياطين فيها من أطبتَّها

ممرَّدين فلو ألقى سليمانا

وما كتبه إلى مولانا أمير المؤمنين [المستنصر بالله]: [من الطويل]

أرقت لبرق بالدِّيار كليل

فيا لك من ليل عليَّ طويل

وآمرة بالصَّبر عمَّن أحبُّه

إليك فحسن الصَّبر غير جميل

/168 أ/ سقى جيرة الشَّهباء من سفح جوشن

غوادي حيًا ذي هيدب وسيول

نأوا وهم الأدنون والدهر مولع

بتفريق جمع أو بصدع قبيل

ص: 270

خليليَّ هل لي في الأخلَّاء مسعد

على لوعة ما تنقضي وغليل

تبرِّح بي ذكرى ..... وتركتهم

وقد ساءهم حيث ارتحلت رحيلي

ثلاثة أغصان رجوت نموَّها

رمى الدَّهر شفعًا منهم بذبول

فقد ساء بالماضين دهر ولا أرى

إلى أوبة الباقين وجه سبيل

دواء بأكناف الشّام ممنَّع

ومؤلم داء بالعراق دخيل

يطالبني قلبي ..... إليهم

وإن طاب في ظلِّ الإمام مقيلي

أبي جعفر المستنصر بن محمَّد

خليفة حقٍّ وابن عمِّ رسول

كريم السَّجايا غافر الذَّنب قادر

شديد على الأعداء غير عجول

عليه جلال للنُّبوَّة لائح

كشمس الضُّحى لاحت بغير دليل

محبَّته فرض أتى بوجوبها

تلاوة آيات وحكم نزول

إمام هدى طال الخلائف فعله

فأعجز عن شبه له ومثيل

حمى الدِّين واستدعى الكتائب فانبرت

إلى النَّصر خيل أردفت بخيول

وليلة يمَّمنا من الشَّام ظلَّه

بعزم كحدِّ المشرفيِّ صقيل

/168 ب/ هدانا إلى معرفة نور وجهه

فبتنا نشيم البرق غير كليل

تجوب إليه الأرض حبًّا ورغبة

ونفري الفيافي من نقًا وسهول

ولو شاء نلنا من خراسان مانعًا

بسمر قنا ملد وبيض نصول

دنونا فألفينا الندى في جنابه

خصيبًا وفيض الجود غير قليل

فرقَّت حواشي العيش في ظلِّ ملكه

وراقت كمزن ضعِّفت بشمول

لنا منه إحسان إلينا ورأفة

علينا وعطف واصطناع جميل

هنيئًا لأهل الأرض عدل خليفة

غدا لرسول الله خير رسيل

أبا جعفر مالت إليك قلوبنا

فملنا إلى حسناك كلَّ مميل

أتيناك نبغي عيشة من .....

ببابك في ظلٍّ لديه ظليل

تركنا على وعد من القرب أهلنا

وخلنا النَّوى مرماه غير طويل

قضى شطرهم دون اللِّقاء بغربة

ولست على سبِّ الرَّدى بوكيل

فإن شملتنا نظرة منك حقَّقت

مآرب نرجوها وحسن وصول

وكيف قنوط النَّفس من قرب زورة

ورأي أمير المؤمنين كفيلي

ص: 271

وما كتبه إلى صاحب الديوان يتشوقه إلى واسط؛ وهو فخر الدين /169 أ/ المبارك بن يحيى المخزومي: [من الوافر]

أجدَّك لو أتيتك بالصَّواب

لجئتك ساعيًا عوض الكتاب

ولو أنِّي استطعت لكنت دهري

ملازم مجدك الخضل الرِّحاب

أيا مولاي فخر الدِّين عذرًا

لمشتاق يقصِّر في الخطاب

غدت بغداد بعدك في حنين

تراقب منك ساعات المآب

فحيَّا واسطًا إذ بتَّ فيها

ملثٌّ القطر منبجس السَّحاب

وأعقل ركبة في كلِّ أرض

يحلُّ بها المبارك بالرِّكاب

تملَّكت القلوب فدتك نفسي

أبا سعد بأخلاق عذاب

فلي مذ سرت نحو فرط شوق

كشوق أخي ..... .....

سلام الله منِّي كلَّ يوم على

علياء بابك والجناب

ومما عمله بديهًا بدار الوزارة الشريفة مجاوبًا لبدر الدين أب نصر زيادة دجلة، وانقطاعه عن خدمة الدار:[من الطويل]

وقيت الرَّدى يا موج دجلة بيننا

إذا ما طرا من موجبات العوائق

فما قطعت تيه السماوة عنكم

مرادي إذا ودِّي لكم ودُّ صادق

/169 ب/ ولا بعدت دار وللنَّفس هبَّة

إليها ولو حالت سلوك المضايق

وقال أيضًا: [من الكامل]

سقيت قبور بالشَّام ولا ونى

جفن السحاب بها يسحُّ ويسمح

أجداث من اعزز عليَّ بفقدهم

فينا عليهم غلَّة لا تبرح

جدث به الملك العزيز وحفرة

ضمَّت أخي والقرح بالأخ أبرح

وقال أيضًا: [من الطويل]

إذا ما سقى الغيث الشَّام فلا غدا

ربى حلب من سحبه كلُّ ممطر

ديار بها مثوى العزيز محمَّد

أخي الجود جادته دموعي بكوثر

جزى الله عنِّي أهلها كلَّ صالح

أطابوا مغيبي بالثَّناء ومحضري

صحبتهم حينًا كأنَّا مع النَّوى

ذوو رحم في إربل لم تغيَّر

ص: 272

وقال أيضًا من قصيدة عملها ليسيرها إلى شمس الدين لؤلؤ تشوقًا إليه، ولم يسيّرها:[من الطويل]

صفا لك ودِّي والدِّيار بعيدة

وما الصَّفو إلَّا ما يكون على البعد

وما غيَّرتني عن عهدك سلوة

وكلُّ الَّذي في البعد يبقى على العهد

/170 أ/ أبا الفضل جادت ربع دارك ديمة

تبسَّم فيها البرق من غضب الرَّعد

يفلِّل جيش المحل حبل بروقها

بصارمها المسلول من باطن الغمد

يضوع عليها من خلال برودها

..... طيب من شذا البان والرَّند

تحوك بها وشيًا من الرَّوض مذهبًا

وترقم طرزًا فوق جدولها الجعد

فأحسن بخد الأرض منها معذَّرًا

وإن كان حسن الخدِّ وصفًا من المرد

فهام رباها تحت تاج مرصَّع

وجيد حماها في الثَّمين من العقد

فللَّه قلبي ماله كلَّما بدا

له البرق شامََيًا يهيم من الوجد

يذكِّرني من طيب قربك ذاهبًا

وعيشًا صفيق الظِّلَّ في زمن رغد

فوا وحدة إلا لا أراك مصاحبًا

وإن كنت ذا قوم كرام ذوي ودِّ

فما كان أهنأ العيش لولا منيَّة

أتاحت لنا فقد العزيز على عمد

فلو أن دهرًا ردَّ سالف عيشة

على سائل يومًا سألناه في الرَّد

ومما أراد أن يسيره إليه ولم يسيره: [من الوافر]

خيال زار وهنا في المنام

يذكِّرنا لييلات الشَّام

وعيشًا بالعواصم مرَّ رغدًا

لنا في خدمة الملك الهمام

أهيم إليك شمس الدِّين شوقًا

فيا لله شوق المستهام!

/170 ب/ يذَّكرنيك ضرب البيض صبرًا

وطعن السُّمر في يوم الزحام

وأوقات السُّرور وركلُّ خلٍّ

لقيت وطيب ساعات المدام

وأذكر منك عزمًا كان أمضى

على الأعداء من حدِّ الحسام

وأخلاقًا كنشر الرَّوض مرَّت

معطَّرة بأنفاس الخزام

سقى مثوى العزيز سحاب دمعي

إذا ما ضن منسجم الغمام

وحيَّا الله من حلب مقامًا

وأجداثًا بأكناف المقام

سلام رائح منِّي وغاد

عليهم من حمى دار السَّلام

ص: 273

ومما كتبه إلى عز الدين صدقة جوابًا عن كتاب ورد منه يذكر فيه سلام الصدر الكبير تاج الدين بن إربل: [من الطويل]

تحيَّة من بالودِّ منك كفيل

مقيم بحفظ العهد ليس يحول

يكلِّف خفَّاق النَّسيم سلامة

إليك فخفَّاق النَّسيم رسول

أحمِّله شوقي ولو كان ممكنًا

عملت ببرح الشَّوق حين يقول

وأسأله حمل الجواب لو أنَّه

مليء بإيراد الجواب حمول

/171 أ/ كفى أسفًا إذ لا تزاور بيننا

ولا رسل إلَّا أن تهبَّ قبول

رحلت فللزَّوراء نحوك لفتة

يرقُّ لها قاسي الفؤاد عذول

سقى جانبي بغداد غادر ورائح

من الودق لماع البروق هطول

منازل أهليك الَّذين تريدهم

ورهطك والرَّهط ..... قليل

ولا دار من تهواه منها بعيدة

ولا الرَّسم فيها من هواك محيل

وإن بتَّ ذا شوق إليها فشوقها

إليك على مرِّ البعاد طويل

وعزُّ بني أيُّوب سام رواقه

عليَّ وظلُّ وارف وظليل

تدرَّع بحسن الصَّبر فيما لقيته

من الدَّهر إن الصَّبر منك جميل

بلى لك في خلق ابن نصر وفعله

وقرب علاه موطن وقبيل

ولا عجب إذا أنت منها تحبُّها

ويحنو عليها نازح ودخيل

ففي حبِّها خلَّفت قومي وجدَّلي

عن الأهل والرَّبع الأنيس رحيل

وفارقت عليا الشَّام ..... لأجلها

ولي في ذراه مسرح ومقيل

لك الله إذ بدِّلت عنها بإربل

وبالرُّغم إذ عنها الخراب بديل

كرهت بناديها المقام أنيسة

وقد أوحشت دار لها وطلول

فقد يكره المرء الَّذي فيه ضرُّه

ويوثر فعل الأمر وهو وبيل

/171 ب/ ومن يلق تاج الدِّين ماشطَّ أهله

ولا بان عنه صاحب وخليل

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]

يجدِّد شوقي طيفكم كلَّما سرى

إليَّ ولكنَّ الخيال كذوب

لعلَّ نسيم اللَّيل في نفحاته

يخبِّرني أنَّ اللِّقاء قريب

تمنَّيت يومًا وصلكم فحرمته

وكل أماني العاشقين نحيب

ص: 274

ومنُّوا بلقياكم على ضعف مهجة

متى نشدت ذكراكم فتذوب

ولا تحسبوا أن الحياة تلذُّ لي

وأيُّ حياة للفراق تطيب

سأنكر عرفاني لكم عند سائلي

حذارًا عليكم أن ينمَّ رقيب

وأصغي إذا الرَّاؤون أجروا حديثكم

وأعرض كيما لا يقال مريب

وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة جواب أبيات لأبي المجد أسد بن إبراهيم الكاتب الإربلي النشابي كتبها إليه فأجابه الأمير على الوزن والقافية: [من الطويل]

أبا المجد شوقي جاوز المدَّ وصفه

إليك فهل يوم اللِّقاء قريب

يقرُّ لعيني أن أراك وشملنا

جميع وليلات مضين تؤوب

/172 أ/ فمن لي بلقيا أسعد لا عدمته

ويدعو ودادي حبَّه فيجيب

وليس ..... .....

ولكنَّ صبري مذ نأيت عجيب

وأنشدني أيضًا قوله من أبيات: وقد نزل عمّكاباذ – قرية على باب إربل فيها يباع الخمر ويقصدها أهل البطالة والخلعاء من الناس وأرباب الحرف يشربون بها – وفيها شخص اسمه نيسان خمار: [من الطويل]

ولمَّا نزلنا عمّكاباذ شاقنا

زيارة نيسان وحانته الكبرى

ذكرنا بها ليلات لهو حميدة

تقضَّت مع الأحباب أكثرها شكرا

فيا ضيعة الأعمار إن كنت بعدها

أعدُّ زماني كلَّه أبدًا عمرا

وحدثني أنه نزل بدير باقوقا. وكان به راهب يقال له معدان حبيسًا، له أربعون سنة، فقال:[من البسيط]

يا ساكن الدَّير إن كان ابن معدان

أمسى حبيسًا فإنِّي المغرم العاني

وإن قضى زمنًا في الدَّير معتكفًا

فقد قضيت مع الأحباب أزماني

/172 ب/ كيف السُّلوُّ وهل أبغي بهم بدلًا

وحبُّهم شيعتي والشَّمر سلواني

فهم وإن هجروا في القلب منزلهم

وهم وإن وصلوا ..... أحزاني

ويا حمامة دوح الدَّير عن شجن

تشكو الفراق كلانا حلف أشجان

شتَّى الصَّبابة والأشواق تجمعنا

ما شان لوعتها في نوحها شاني

لفقد طائرة نشدانها أبدا

والأسمر اللَّدن ساجي الطَّرف نشداني

ص: 275

نائي المزار قريب الدَّار محتجب

روحي الفداء لذاك النَّازح الدَّاني

[103]

أحمد بن عليِّ بن الحسن بن محمد بن رضى، أبو العباس بن أبي المكارم العمرانيُّ الأزديُّ الموصليُّ.

من أبناء الرؤساء والمتصرفين في جلائل الأعمال في الدولة الأتابكية ولهم المحلُّ الأسنى في الرئاسة.

وأبو العباس هو اليوم المستوفي بالديوان الملكي البدري بالموصل، وإليه الحكم والنظر في الارتفاعات.

حفظ القرآن العزيز، وقرأ طرفًا من الأدب، وعرف من الفرائض ما يحتاج إليه؛ وله اتساع تام في صناعة الحساب وضروبه والأشغال الديوانية، /173 أ/ وحل التراجم والألغاز.

لقيت أبا العباس بمدينة إربل سنة ست وعشرين وستمائة؛ فوجدته عارفًا بمقادير الناس، كثير الثناء عليهم، رئيسًا في نفسه، غاية في الذكاء والفهم، ينشئ فصولًا حسنة، ويعمل أشعارًا جيدة. ثم إنه أي لغز سمعه تسارع في حله وكشفه من غير توقف ولا فكرة كأنه يعرفه.

ومما أنشدني لنفسه، وكان قد وعده أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد الكريم الجزري الكاتب المنشئ بشيء من رسائله، فاستنجزه بهذه الآيات:

[من البسيط]

قل للوزير ضياء الدِّين منبسطًا

في القول إنَّك ذو فضل وإفضال

أحرزت قدح المعلَّى في العلاج جذعًا

وفزت من مجدها بالشَّامخ العالي

ص: 276

خطبت منك وحسن الظَّن يشفع لي

إليك إبنة فكر مهرها غالي

لمثلها تذهل الألباب ليس لذي

خدر تجرِّر تيها فضل أذيال

قلَّدتني مننا بالوعد قابلها

شكري وحقَّقت في علياك آمالي

فاشتدَّ شوقي إلى استجلاء عزمتها

أفدي البشير بها بالأهل والمال

وله: [من الكامل]

/173 ب/ لولا تعلُّله بقرب كتابكم

عادت حشاشته لشوق تزهق

عذر يذود عن اللِّقاء ومهجة

سلبت قرارًا فهي وجدًا تقلق

وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]

رعى الله أحبابًا ترحَّلت عنهم

وخلَّفت قلبًا عندهم لا يفارق

وما كنت ممن نفسه بفراقهم

تسامح لكن فيه عذري ناطق

وأنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]

على العهد القديم وإن تناءوا

مزارًا أو تباعدت الدِّيار

أحنُّ إليكم فأبلُّ شوقي

من الذِّكرى وهل يغني إدِّكار

عدمت الصِّبر مذ رحلوا وبانوا

إذا بعد الأحبَّة لا قرار

فوا أسفًا على عصر التَّصابي

كأنَّ العيش فيه مستعار

إذا أرخى الزَّمان لنا عنانا

يعزُّ به ومن كثب يغار

فأيَّام الثُّبور به طوال

وأعوام السُّرور به قصار

وأنشدني لنفسه لغزًا في القبر: [من الطويل]

ومستودع كلُّ الأنام لهم به

وثوق وفيه الغدر ضربة لازب

.. بما يحويه حينًا وبرهة

ويتلفه فعل العدوِّ الموارب

وأنشدني لنفسه يرثي أخاه /174 أ/ أبا حامد محمد بن علي، وتوفي بمدينة إربل:[من الطويل]

رسوم عفت منكم ورسم تجددَّا

وقلب غدا من شدَّة الوجد مكمدا

وعين بفيض الدَّمع تجري تأسُّفا

على من ثوى في ظلمة الرَّمس ملحدا

أقول لربع كان بالحبِّ أهلًا

فأقفر من سكَّانه وتأبدا

ص: 277

أيا منزل لأحباب لا زلت بعدهم

خرابًا وما والاك إلا .....

أبا حامد لو يرهب الموت .....

لها بك حقًّا أن يفاجئك بالرَّدى

أبا حامد لو خلَّد المرء مجده

لكنت على المجد الأثيل مخلَّدا

أبا حامد فقت الأنام تفضُّلًا

وفضلًا وإحسانًا وحلمًا وسؤددا

إذا افتخر الأقوام يومًا بحلَّة

فخرتهم بيتًا كريما ومحتدا

لقد كنت لي عضبًا أصول بحدِّه

إذا كشَّرت عن حدِّ أنياها العدا

وقد كنت لي حصنًا ألوذ بركنه

من الدَّهر إن مدَّت حوادثه يدا

يهيج أحزاني عليك حمائم

تحاور من شجو حمائم غردَّا

سقى الله تربًا أنت فيه موسَّد

سحاب الرِّضا والعفو مثنى وموحدا

أيا ساكن الأرض الغريبة ميِّتًا

عليك سلام الله وقفًا مؤِّبدا

وأنشدني لنفسه وقد أهدى إلى بعض الرؤساء طيبًا: [من الوافر]

/174 ب/ ..... بطيب ذكرك .....

إذا ما كان غيرك مستطيبا

وما أهدي إليك الطِّيب إلَّا

ليكسب منهم أرجًا وطيبا

[104]

أحمد بن جعفر بن أحمد بن محمود بن هاشم، أبو الفضل الوائليُّ الهيتيُّ المعروف بالحائك.

شاب أسمر؛ وهو شاعر من المكثرين الأكياس المطبوعين، ماجن خفيف الروح، دمث مداعب، يقفو نهج أبي عبد الله الحسين بن الحجاج في أقاويله، ويتبعه في سائر مقاصده وفنونه.

قدم بغداد، وامتدح الناصر لدين الله أبا العباس أحمد – رضي الله عنه – ومن بعده من الخلفاء، ورؤساء الحضرة والأمراء وغيرهم. وهو صاحب الكتاب الموسوم بـ "الانتصار لآل شيث على ذوي الابن والمخانيث" ناقض به كتاب الصدر أبي محمد عبد الله بن محمد بن الهروي في ذكر معائب الحاكة وسخافة عقولهم، واتضاع أقدارهم وخمولهم؛ فأنشأ أبو الفضل هذا الكتاب، أحسن ترتيبه /175 أ/ ووضعه، وأجاد ترصيفه وجمعه؛ وضمّنه كل نكتة غريبة، ونادرة عجيبة، من أحوال المخنثين،

ص: 278

وأمور البغائين، ومما اصطلحوا عليه في كلامهم ومخاطباتهم وأقوالهم؛ فجاء الكتاب لم يسبقه أحد إلى تأليف مثله أعجز من تقدمه، وجاء بعده في هذا الشأن.

وله القصيدة السائرة التي سماها "ذات الفنون وسلوة المحزون" نحا فيها نحو القصيدة السوسية التي أوّلها: [من المنسرح]

الحمد لله ليس لي بخت

ولا ثياب يضمُّها تخت

وقصيدة أبي الفضل تربي على ثمانمائة بيت، استوعب فيها جميع أجناس الحرف والصنائع على اختلاف حروفها. وكتبت منها أبياتًا يسيرة ولم أستكثر منها شيئًا لفرط ما حشا فيها من الهزل والمجون، وفيها مدح للإمام الناصر لدين الله – رضي الله عنه.

أنشدني منها بمدينة السلام، وأولها:[من الهزج]

لحى العاذل البتّ

على الفقر وأصبحت

وما نلت الغنى حتى

يقول الناس أفلست

/175 ب/ ولم يدر بأنِّي

في طلاب الحظِّ لجَّجت

فلو نال الغنى بالجدِّ

جدًا كنت قد نلت

وما أبصرت لي ملجا

سوى أنِّي تمسَّكت

بحبل من إمام العصر مولانا وفوَّضت

إليه الأمر لما صلح الفكر وسلَّمت

كذا أيقنت أنِّي من

صروف الدَّهر قد فزت

وأعطيت به الأمن من الدَّهر فأنقذت

هو النَّاصر لازال

به ينتصر الوقت

هو القبلة للخلق

ولي أنَّي توجَّهت

بالائك يا مستخلف

الرَّحمان قد لذت

فما في الخلق لي غيرك لا فوق ولا تحت

ولا إلَّاك لي بحر

يروِّيني ولا قلت

ولا غير أياديك

وآلائك أمَّلت

ص: 279

وأنت القبل والبعد

فعش ما اتَّسع البيت

وهي طويلة، وهذا القدر يغني.

وقال أيضًا: [من البسيط]

/176 أ/ الجهل عمَّ ولو خصَّ الحجى أحدًا

لباينوه وساموه إلى البله

والغافلون إذا ما أبصروا يقظًا

ظنوا بيقضته ضربًا من الوله

وقال أيضًا من قصيدة: [من الطويل]

لك الخير موفور إلى م تغور

وقربك مأثور وأنت أثير

وحتَّام [ربع] الوصل منك مصوِّح

وعود غرامي في هواك نضير

سقاك الحيا هل نظرة تبرد الحشا

بها ولنار الشَّوق فيه زفير

وهل تسمح الأيَّام منك بزورة

تريني طول اللَّيل وهو قصير

فوجدي مقيم والسُّلوُّ مقوَّض

ودمعي طليق والفؤاد أسير

وإنِّي على قرب المعاهد والنَّوى

مقيم بعهدي ما أقام ثبير

ضنين بسِّري فيك سمح بما حوت

يدي ..... والحادثات تجور

أعلَّل فيك النَّفس بالوعد بالمنى

ومثلي بإدراك المرام جدير

عجبت لعزم مرهف العزم باتر

شكيمة جفن و [هو] فيه فتور

قضى الحبُّ أن يستأسر الظَّبي ضيغمًا

ويقضي على ..... غرير

وما الحبُّ إلَاّ لوعة تملك الحشا

يضارع مأمور بها وأمير

/176 ب/ وأشعاره كثيرة في كل نوع، وطريقته في الخلاعة والمجانة ينفرد بها على أبناء جنسه، ولا تجري معه فيها، وخبرت عنه أنه صرف وتاب عن قول الشعر، وسلك طريق أهل الدين والخير.

أنشدني لنفسه من قصيدة مدح بها الناصر لدين الله – رضوان الله عليه – أوَّلها: [من الكامل]

الله أكبر ..... .....

..... ..... .....

وفيها يقول:

يا من إذا بالغت في تمجيده

ألفيته ..... ..... أمجدا

ص: 280

وبأي شيء قست غامر جوده

في الخلق كان أبرَّ منه وأجودا

ما أنت إلا الجوهر الصافي الَّذي

فاضت به الأشياء حين تولَّدا

فلذاك بتَّ من البريَّة كلِّها

بجميع أوصاف العلا متفرِّدا

لم نتل آيًا أو حديثًا معجزًا

إلَاّ وجدناه إليكم مسندا

وضعت بنو العبَّاس أسًّا للعلا

فرقا أبو العبَّاس فيه وشيّدا

كلأ العباد برأفة نبويَّة

مضريِّة الإطراق سامعة الصَّدى

ورعاهم منها بعين جفنها

في حفظ جنب الله بات مسهَّدا

لله درك يا ابن عمِّ محمَّد

لقد ارتديت من الفخار .....

/177 أ/ ونصرت دين الله ثم أقمته

فليهن ما فعلت علاك محمَّدا

وجريت في سنن العلاء مشمِّرًا

حتَّى بلغت إلى مدى عبر المدى

وظفرت بالشَّرف الَّذي ما ناله

إلَاّك فارق فأخمصيك الفرقدا

واعلم بأنَّك ما بلغت المنتهى

فيما حباك الله هذا المبتدا

[105]

أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن عبد الملك، أبو العباس.

كان أبوه من أهل قزوين، وابنه هذا موصليُّ المولد والمنشأ.

قرأ طرفًا من العربية على أبي حفص عمر بن أحمد النحوي، وسمع من الحديث جملة، وله قول صالح، ونظم حسن في المقطعات؛ إلَّا أنه عاجز في القصائد، ومقامه بالموصل يكتب بها القصص للناس.

أنشدني لنفسه في الأمير شمس الدين لؤلؤ بن عبد الله أحد الأمراء بمدينة حلب، وقد كبابه الفرس:[من الطويل]

رأى طرفك الميمون بحرًا وضيغما

وطور حجى عالي الذرى فوق متنه

/177 ب/ ونسكًا ومجدًا مشمخرًا وسؤددا

وحلمًا حباك الله منه بمنِّه

كما فرقًا إذا لم يطق حمل هذه

المكارم من ربِّ السَّماح وخدنه

فوقِّيت من دنياك من كلِّ آفة

ومات الَّذي يشناك كبتًا بضغنه

ص: 281

وأنشدني لنفسه، وكتب إلى نقيب العلويين عبد المطلب بن المرتضى الحسيني الموصلي، يلتمس منه ثوبًا من أثوابه:[من الخفيف]

أنا يعقوب في التأسُّف والحز

ن وفي الحسن أنت يوسف مصرا

واشتياقي إليك يا ابن عليٍّ

ترك العين بالمدامع عبرى

وشفاها منك القميص لألقيه

عليها في ساعة الحال تبرا

ومعاليكم أجلُّ إذا فهت فلم أحصها مدى الدَّهر حصرا

فسلام عليك من عبدك القنِّ سلام أذكى من المسك نشرا

وأنشدني لنفسه يهجو: [من الكامل]

صلبت أعالي سالم لمَّا غدت

منه الأسافل بالمنىِّ تلين

فيما حوى سرواله متكرِّم

وبما حوت كفَّاه فهو ضنين

وأنشدني قوله: [من الطويل]

/178 أ/ وأعجب ما الله حظُّ أمرئ له

مدائح نظم في معاليك تشرق

وجودك قد عمَّ البرايا بأسرهم

وباب الندى في وجهه منك مغلق

وأنشدني لنفسه في ..... إنسان اسمه مطر يهجوه: [من الكامل]

مطر يشحُّ ولا يسحُّ بقطره

والغيث يحيي قطره الأقطارا

هو كاسمه مطر يصوب عذابه

أبدًا على جلسائه مدرارا

وأنشدني ملغزًا في غلام اسمه حمزة: [من السريع]

اسم الَّذي أهواه في خدِّه

وفي فؤادي ثمَّ في فيه

قد صدَّ عنِّي وانثنى معرضًا

طاب تلافي في تلافيه

وأنشدني في محمد الشاعر، ويلقب حمار النصارى، وقد رآه لبوس الصليب:[من المتقارب]

تعجَّب قوم لبوس الصَّليب

محمَّد لمَّا رآه اضطرارا

ولا ريب أنَّ النَّصارى حمير

فكيف يكون حمار النَّصارى

ص: 282

وأنشدني أيضًا من شعره: [من الخفيف]

من يبت وهو مستلذٌّ بوصل

فلقد بتُّ كارهًا للوصل

/178 ب/ مستلذُّ بالهجر إذا ارتجى الوصل

وأخشى في الوصل تشتيت شملي

[106]

أحمد بن عليِّ بن أحمد بن شندل، أبو العباس الأوانيُّ:

وأوانا بلدة مشهورة فوق بغداد بعشرة فراسخ.

ولد سنة خمس وسبعين وخمسمائة خارجها، ونشأ بها؛ وهو شاعر مكثر مداح منتجع، يمتاح بأشعاره، له بديهة في الشعر، وخاطر جيد في نظمه، يتكل على طبعه في النظم لا يستعين بغيره على عمل الشعر. وجلُّ قوله في شكوى الزمان وأهله، ولم يزل من الدهر متألمًا، ومن أبنائه متظلّمًا، لقلّة حظّه من أهل عصره، يتردّد إلى مدينة السلام، ويفد إلى أمرائها وأماثلها مستجديًا لهم بشعره وعنده دعاو عظيمة، وافتخار بقوله، ويرى تفضيل نفسه على أبي تمام والبحتري والمتنبي! حتى يسرف في القول.

لقيته ببغداد في شهر رمضان سنة أربع وعشرين وستمائة، وزعم أنه لم يعرف من النحو شيئًا، ولا قرأ منه لفظة، /179 أ/ ولا طالع كتابًا قط إلا [أنه] يضع الشعر طبعًا.

سئل عن معنى "شندل" فقال: هو من أجدادي؛ وهو لقب له غلب عليه، وذلك أنه نزل إلى بئر فخرج منها وقد أصابه البرد، فمشى غير مستقيم، وقيل: كأنَّه شندل، فنحن نسمى ببني شندل.

وكان رجلًا أسمر طويلًا خالطه الشيب خبِّرت أنه توفي في الشعر الأخيرة من رمضان سنة خمس وثلاثين وستمائة.

أنشدني لنفسه في لطف التقاضي: [من الوافر]

.. ..... كأن ضبّا

أتى يبغي مواصلة لحوت

حياء مانع حسن التَّقاضي

وفقر يقشعرُّ من السُّكوت

ص: 283

وأنشدني له: [من الوافر]

سألت عن انتهالي من شمول

تباعد بين قلبي والهموم

وقلت حصرت ما أوعيت منها

بقسطاس محقٍّ مستقيم

فقلت الشُّرب من حمراء صرف

معتَّقة على صوت قديم

يوفَّر تارةً ويقلُّ أخرى

على قدر المسامر والنديم

وأنشدني قوله: [من الطويل]

/179 ب/ منيت بما أعيا عليَّ علاجه

وكنت أنا الجاني فواعجبا منِّي

يقرِّبني شعري من الخصم كلَّما

ترنَّمه والضِّغن يبعده عنِّي

وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

لك الخير إن كان المراد فأغنني

عقيب التَّمادي بالزَّهيد من البرِّ

فخذ بالرِّضا حظِّي وعجِّل بنائل

يحيل على طرس العلا قلم الشُّكر

وأنشدني له: [من الطويل]

إذا ما سعى الإنسان في طلب العلا

وجدَّ ولم يظفر ببعض مراده

جنى كلَّ يوم يجتليه وليلة

ثمار التأسِّي من غصون اجتهاده

وأنشدني أيضًا لنفسه في إنسان يقلب "التقي": [الطويل]

ألا أيُّها المغترُّ في طلباته

بكلِّ حسود في كلام منمَّق

إذا شئت أن تقضي مآربك الَّتي

كلفت بها في مجلس فاتَّق التَّقي

وأنشدني من شعره: [من الخفيف]

ما شربنا من العلوم جليلًا

ولو أنَّا نريد بيعًا لبعنا

فاتَّبعنا ولو سبقنا إلى ما

قد منحنا به لكنَّا تبعنا

/180 أ/ وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

يقولون عنِّي قد أصاب بأسرهم

إذا أنا من لفظي نظمت لهم سمطا

وألقي يدي صفرًا عقيب كلامهم

فيا ليتهم جادوا وقالوا: لقد أخطا

ص: 284

وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]

أشوقًا وقلبي لا يمثِّل غيركم

لطرفي إذا ما غاب شخصكم عنِّي

فإن نمت جاد الحلم لي بخيالكم

وإن لم أنم أدنأكم ولهي منِّي

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]

لا تنقموا يا قوم فرط تطاولي

تجدوا على الأعراض فضل الجوهر

وتدبروا شعري الَّذي أودعته

لفظ القديم وصنعه المتأخِّر

وأنشدني قوله من قصيدة: [من الوافر]

ولو أنَّ النجوم بغت عنادي

لما أمنت مصافحة الرُّغام

رضعت ثديَّ أبكار المعاني

ولكنِّي أمنت من الفطام

وأنشدني أيضًا لنفسه [من السريع]

لنا زمان حكمه نافذ

في كل سبَّاق ومسبوق

فيفعل ..... بأبنائه

من وامق منهم وموموق

/180 ب/ يغصُّ ذو النَّقص بمأكوله

منا وربُّ الفضل بالرِّيق

كأنَّه آلى على نفسه

ألا يصفِّى عيش مخلوق

وأنشدني له: [من الطويل]

لقد كنت أحكي عنكم في مجالسي

فصول ثناء تستحبُّ وتعشق

وكان حديثي عنكم لمطارحي

يضوع كمسك أذفر حين ينشق

فلمَّا صبحتم من صحبت من الورى

وملتم إلى من عرضه متمزِّق

تقاعست عن ذكري لكم بفضيلة

مخافة أن آتي بها لا أصدَّق

وقال: [من الطويل]

عشقتك عشق الطِّفل للثدي وانطوت

ضلوعي على حبِّيك في زمن الوصل

وصدَّقت زور القول منك جهالة

واتبعت قربي بالتَّباعد عن أهلي

ص: 285

فلمَّا حببت الغدر حبِّي للوفا

وجرَّعتني يا هذه جرع المهل

هجرتك حتَّى لو رأيتك في الكرى

ذممت رقادي عند جدِّي والهزل

[107]

أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن الحسن بن عبد الواحد بن محمد بن الحصين، أبو العباس /181 أ/ ابن أبي عليٍّ، الموصليُّ المولد والمنشأ، البغداديُّ أصلًا.

وجدّه أبو سعد الحسن بن عبد الواحد، كان صاحب المخزن في الأيام المستظهرية. وكان يعرف بابن الفقيه.

وأحمد هذا كان شابًا ذكيًا، صرف همته مديدة فختم فيها القرآن الكريم، وحفظ جملة من المقامات الحريرية.

وكان يتولّع بالشعر وعمله، ومات شابًا ليلة السبت لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموصل، ودفن غربيها ظاهر البلد بمقبرة المعافى بن عمران الزاهد – رضي الله عنه – وكانت ولادته في ربيع الأول سنة ستمائة.

ومما أنشدني لنفسه – رحمه الله تعالى -: [من الرمل]

ورشيق القدِّ من مبسمه

سفت مسكًا وترشَّفت مداما

عرض الوصل فلمَّا رمته

منع الوصل وأعطاني السَّقاما

اطلع البدر لنا من وجهه

ثمَّ غشَّاه من الفرع ظلاما

كالطَّلا الوسنان إلَاّ أنَّه

ما رعى شيحًا ولا ساف خزامى

ما رأينا قبله من رشأ

جعل الثَّغر على الجيد نظاما

/181 ب/ كلَّما عرَّضت شكوى حبِّه

ملأ القلب من الجفن سهاما

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من مجزوء الكامل]

ملك الزَّمان بأسره

من قادني في أسره

فنهاره من وجهه

وظلامه من شعره

والرَّاح من وجناته

وحبابها من ثغره

ص: 286

والسِّحر من لحظاته

وسقامنا من خصره

[108]

أحمد بن عبد الله بن الزبير بن أحمد بن سليمان أبو العباس الشيبانيُّ الخباوريُّ.

زعم أنه من قرية بالخابور تدعى الحدقانية قريبة من المجدل.

شاب أسمر اللون قصير مقرون الحاجبين، يتزيا بزي ذوي التصوف، كثير التنقل والأسفار لا يستقر في مدينة إلاّ قد أذهب جدة عمره في الغربة، وأقبل على الأشغال؛ وحصل في سفره أدبًا وفقهًا.

وهو فقيه شافعيُّ المذهب، خلافيٌّ عالم فاضل جدلي مناظر حافظ للقرآن العزيز /182 أ/ يقرأه للسبعة والعشرة، من أحسن الناس قراءة للقرآن في زمانه، وأطيبهم صوتًا، درس القصيدة الشاطبية حفظًا جيدًا على الإمام أبي الحسن علي بن محمد السخاوي المقرئ النحوي؛ وله يد في علم الإعراب وغيره.

وهو مع ذلك فيه لطافة وحسن عشرة وكياسة ودماثة أخلاق، جواد النفس، وأي شيء يحصل له من عرض الدنيا لا يستبقي منه شيئًا إلا يخرجه، وذلك لسفه نفسه.

ولد سنة ستمائة بالحدقانية. وكان والده من ..... من سواد البصرة، ويقول النزر من الشعر نحو البيتين والثلاثة. شاهدته بإربل وحلب والموصل وبغداد.

أنشدني قوله: [من الطويل]

نعمنا بجمع الشَّمل مع من نحبُّه

زمانًا وأشقانا القضا فتفرَّقنا

فقل لصروف الدَّهر ما شئت فاصنعي

فقد كان ما خفنا وما منه أشفقنا

ص: 287

وقال: [من الوافر]

مررت على ديار قد عفاها

وغيَّرها البلى بعد النَّعيم

تذَّكرت الشَّباب بها وأهلي

وجيراني وأروح النَّسيم

/182 ب/ وهاجت عبرتي زفرات حزن

يجدِّدهن إخلاق الرُّسوم

[109]

أحمد بن عبد الله بن شعيب بن محمد بن عبد الله أبو العباس بن أبي محمد التميميُّ.

سمع الحديث الكثير وطلبه بنفسه ورواه عن مشايخ دمشق والواردين عليها من الأقطار، ومن مشايخه الحافظ أبو محمد القاسم بن علي الدمشقي، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، وأبو جعفر أحمد بن علي بن إسماعيل القرطبي، والأمير عزيز بن شداد بن باديس الحميري، وأبو البركات أسعد بن المنجا التنوخي، وحنبل بن عبد الله بن الفرج البغدادي، ..... النساخ وغيرهم.

وحفظ القرآن العزيز على والده وجوده على علم الدين السخاوي، وقرأه بالقراءات السبع المشهورة، وعلى تاج الدين الكندي بالسبع وغيرها، وعلى الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن يونس بن موقا الإسكندري.

وأخبرني أنه ولد في أوائل سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وشخص إلى الديار المصرية؛ فسمع من أصحاب السفلي، وقرأ أدبًا وفقهًا وحصل أشياء /183 أ/ حسنة من الحديث والقرآن والقراءات، وكتب بيده شيئًا كثيرًا من الأدب والحديث.

أنشدني لنفسه في الإمام العالم تقي الدين بن الصلاح، وفي علم الدين السخاوي عند فراغه عليها قراءة مسلم:[من البسيط]

جزيت خيرًا تقيَّ الدِّين سيَّانا

يا قاصدًا ما له مثل يماثله

يا من تجمَّع فيه ما تفرَّق من

كلِّ العلوم فما تخفى فضائله

فتحت للناس بابًا مغلقًا أبدًا

على الصَّحيح فما خلق يزاوله

فمسلم لو رآكم، قال مفتخرًا:

هذا الَّذي طال علمًا من نطاوله

هذا الَّذي بيَّن المخفيَّ من علل الحديث حتَّى بدا للخلق قائله

ص: 288

يا طالب العلم يمِّمه تجده على

حالاته متقنًا فيما يحاوله

ما للفتاوى له مثل يسطِّرها

كلَاّ ولا في الورى قرم يساجله

يا ابن الصَّلاح غدا علم الشَّريعة في

أمن من الخوف محروسًا دلائله

يبيضُّ من نور فتواه المداد إذا

عاينت ما هو مبديه وباذله

قد فاق في العلم كلَّ الحاسدين له

ومن يعادي فما تخفى شمائله

ومن يرد كيد عثمان بمنقصة

فاعلم أخي بأنَّ الله خاذله

/183 ب/ فما له مشبه في فضله أحد

إلا علىُّ الرِّضا حقًّا يعادله

ذاك الإمام العليم العالم العلم الحبر السَّخاوي الَّذي عمَّت فواضله

ذاك الذَّي ساد أهل الأرض كلَّهم

ولم يزل للعلا تبنى محافله

فعشتما في سرور دائمًا أبدًا

ما غرَّدت سحرًا شجوًا بلابله

ودام نفعكما للنَّاس ما شرقت

شمس النهار وما دارت أصائله

وقال أيضًا: [من الطويل]

سقاه الصِّبا كأسًا من الحسن مترعا

وروَّاه من ماء الشَّباب فأمرعا

وأطلع بدرًا من فناء ..... ضياؤه

يشأبه بدرالتمِّ حسنًا ومطلعا

.. كأنَّ الشَّمس أرخت رداها

عليه فأعطته الملاحة أجمعا

سقاني وروَّاني مدامة ثغره

فلمت وصالي بعد ما قد تقطَّعا

كأنَّ مجاج النَّحل من طعم ريقه

مخالط مسك عرفه قد تضوَّعا

له قامة مثل القضيب إذا انثنى

وعينان كالهنديِّ في حومة الوغى

لقد ذقت من هجرانه ما أذابني

وصيَّرني حلف السَّقام مروَّعا

ووَّكلني رعي النُّجوم مسهَّدًا

طوال اللَّيالي آفلات وطلَّعا

فيا عاذلي رفقًا بقلب معذَّب

رهين عذاب لم يزل متَّصدِّعا

[110]

/184 أ/ أحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن الحسن، أبو العباس الموصليُّ.

رجل سوقي عامي يتعيش تارةً في التجارة، ومرّة في صنعته؛ وهي نسج الآلة التي

ص: 289

تكون للدواب.

وهو أوحد زمانه فيما يعانيه من الفقر الضرب خيط، وقد فرغ من صنعته أشياء عجز عنها المتقدمون في هذا الشأن.

وهو على غاية ما يكون من الذكاء والفطنة، ويحفظ جملة من الأشعار والحكايات الرائقة والنوادر. وصار له بذلك الحفظ والأنسة طبع مؤات، وخاطر مساعد في قرض الأشعار؛ وربما أتى في خلل أبياته التي ينظمها لحن لكونه لم يقرأ من علم النحو شيئًا.

أنشدني لنفسه: [من الخفيف]

نزل الشَّيب عظَّم الله أجري

ما بلغت المنى ولا صحَّ نذري

كم حملت الأثقال كرهًا وقاسيت

أمورًا من بعضها عيل صبري

لو تلاقي صمُّ الجبال الَّذي قد

نال قلبي لفكَّ صلد الصَّخر

كنت أرجو صلاح ابني من الله

وهذا أمر به جبر كسري

/184 ب/ ثمَّ أرجو الخلاص من زوجة لي

فانقضى العمر بالمنى واعمري

وأرى الدَّهر معكسي في أموري

يا لقومي ما مالي وما للدهر

أترى طالعي يدلُّ بهذا

أم طباع الزَّمان يا ليت شعري

قيل إنَّ الزَّمان حلو ومر

ما شربنا إلَّا كؤوس الصَّبر

من غلام رَّبيته لي عدوًّا

كنت أرجوه ملحدي في قبري

وعجوز قد عمِّرت لعنائي

وشقائي ومحنتي ولضرِّي

عمرها في القياس مذ عهد نوح

ورأوها يوم القتال ببدر

قد سقاني كلاهما السُّمَّ والحنظل

قهرًا صرفًا وقد بان سكري

قلت فيها شعرًا بجهدي فصارت

مثل صخر وصرت مثل أخت صخر

غير أن الخنساء تمدح صخرًا

وأنا أهجو ما يحيِّر فكري

هي سورة هود وقول رسول الله:

قول به الرَّكائب تسري

أشغلتني عن عيشتي ومعاشي

بهموم قد حار فيهنَّ أمري

إن قضى الله بالفراق وفيَّ

رمق عدت كالعزيز بمصر

ص: 290

أحمد الدَّهر بعد ذمٍّ قديم

ثمَّ أمحو ذاك العتاب بشكر

وأنادي لمن ترى الملك عرى

صرت وحدي وأخليت سرِّي

/185 أ/ فارقتني قرينة السُّوء لا كان

زمان كانت به خلف ظهري

إن جرى خلف ما أقول فبالله

اكتبوا من ذي على لوح قبري:

مات هذا ولم ينل بعض ما رام

وكم هكذا تقيل بقفر

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الهزج]

عذولي قلَّ يا أشعب

ترفَّق ويك لا تتعب

تظنُّ القلب يسلوه

وموتي في الهوى أقرب

فلا تذكر لي سعدي

ولا ليلى ولا زينب

فمن عاين محبوبي

فعذري عنده أصوب

له وجه كبدر التَّم كم

من عاشق غرَّب

وكم زرفن صدغيه

وكم أرخى وكم عقرب

وكم يقتلني تيهًا

وكم يرضى وكم يغضب

فيا أعذب ما عذَّب

وما أطيب ما أطنب

فصبرًا ويك يا قلبي

فقد عزَّبك المطلب

فلا تذكر لي راحًا

فظنِّي ريقه أعذب

ولا تذكر ريحانًا

فريَّاه لنا أطيب

/185 ب/ وحملي للهوى صعب

وسلواني له أصعب

لأنِّي سرت في الحبِّ

وكان البدر في العقرب

وأحلف أنني أسلو

إذا عاينته أكذب

يقول الشيخ في حبِّي

سريحي ما له مذهب

ص: 291

[111]

أحمد بن عمر بن أحمد بن ابي شاكر، أبو محمَّد الفقيه الحنفيُّ الكفرعزِّيُّ.

وكفر عزَّة قرية من قرايا إربل.

وأبو شاكر جدُّه الأعلى كان رجلًا مغربيًا. قدم من الغرب إلى كفر عّزة وتديَّرها، وأعقب بها أولادًا.

رجل طويل أسمر اللون مائل إلى الصفرة، بوجهه آثار جدري، صالح صدوق في علمه، حافظ للمذهب، أخذ الفقه عن عبد الرحمن بن محمد الفقيه الحنفي البغدادي، وسمع الحديث بإربل. وهو مدرس أصحاب أبي حنيفة بها، ويلم بعمل الشعر لغرض يتفق وقوعه، أو سب من الأسباب.

وكان مولده تقديرًا في سنة سبع وستين وخمسمائة؛ ولما تغلب التتار – خذلهم /186 أ/ الله تعالى – إلى مدينة إربل وتملكوها. ثم ترحلوا عنها، توجه إلى بلاد الشام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة، فنزل دمشق وأقام بالمدرسة المنسوبة إلى قايماز النجمي مدرسًا فقه أبي حنيفة – رضي الله عنه.

ولم يزل كذلك إلى أن اعتراه مرض وطال به وأضرّ، وكان ولده الأوسط أبو عبد الرحمان عبد الصمد ينوبه في التدريس.

وتوفي ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن ظاهر البلد، بمقبرة الصوفية – رحمه الله تعالى -.

ص: 292

أنشدني لنفسه في الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – أبقاه الله تعالى – وكان يومئذ متمرّضًا: [من الرمل]

ليس للمولى شبيه في الورى

غير قلب المرء في جملته

فصلاح النَّاس في صحَّته

وسقام النَّاس في علَّته

وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وقد غاب عنه مدّة:[من الطويل]

إذا كان طفل ليس يعلم ما الَّذي

يضرُّ ولا ما فيه نفع معجَّل

يقاسي عناء عن فطام فكيف من

يفارق مولاه إذا كان يعقل

/186 ب/ وأنشدني لنفسه، وقد جاء إلى دار الوزير بحجبه البواب:[من الطويل]

أيا أيُّها المولى الذي عمَّ جوده

جميع بني الدُّنيا وعزَّ عديله

ألا إنَّ ..... الثَّواب لضدِّه

مفيدكم فاستبدلوا من يزيله

فعنوان ما عند الفتى ما لغرَّته

كما أنَّ بادي كلِّ أمر دليله

وأنشدني لنفسه يلغز في بغل المدار: [من الطويل]

وما راحل جدًّا مقيم حقيقة

يديم السُّرى عن أرضه ليس يبرح

إذا نظر المسرى تقاعس وانثنى

من السَّير فافهم ما أقول فتنجح

وإن عينه كلَّت عن النَّظر الذي

به يرشد السَّاري يمرُّ ويسرح

له سائق في رأسه شدَّ رأسه

ولم ير ميت وهو للحيِّ يكدح

إذا ما عكست الأمر يا سيِّد الورى

تراه عن الدُّنيا الدَّنيَّة يفصح

وأنشدني أيضًا له لغزًا في الديك: [من الطويل]

وما قائم في ليلة متهجِّد

ويزني نهارًا والخلائق تشهد

ولا عقر في ذا الوطء والحدُّ ساقط

ولا غسل فيه كيف ذا الأمر يوجد

يبرُّ إذا ما كان طفلًا بأمِّه

وتحنو عليه الأمُّ خوفًا وترعد

/187 أ/ إذا ما أتى حولًا عليه يكن لها

عقوقًا ويجفوها ملالًا ويحقد

يرى وطئها حلًا له لا بشبهة

وليس ..... ولا هو ملحد

ص: 293

إذا ما عكست الأمر يا خير ذا الورى

يكن حظ من يشناك أو لك يحسد

[112]

أحمد بن عيسى بن سعد بن حمدان، أبو العباس.

شاب ربعة أسمر قد وخطه الشَّيب من أبناء الموصل. ولد بها سنة تسعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه.

أحرز جملة من الفقه على مذهب الإمام الشافعي – رضي الله عنه – وكلّف نفسه نظم الشعر يمدح به الناس لابتغاء الرفد، ويتراءى إلى طريق المتصوفة، ويذهب إلى التشيع.

لقيته بمدينة إربل سنة ثماني وعشرين وستمائة، وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – رحمه الله تعالى -:[من المتقارب]

إذا الخطب وافى على غرة

وجرَّد للقتل في النَّاس عضبا

وأمسى الزَّمان وقد بدِّلت

مفارقه السُّود بالهول شهبا

/187 ب/ وكرَّت على الحرِّ نوباته

فغادرنه بيد البؤس نهبا

فجود المبارك لي جنَّة

بها أتَّقي الدَّهر خطبًا فخطبا

وجدواه إن عضَّ ناب الزَّمان

تعمُّ البريَّة شرقًا وغربا

به انقاد جامح دهر إليَّ

وسالمني بعد ما كان حربا

فلسنا نرى حاتمًا ذا السَّماح

يباريه إذ جاء عفوًا وكعبا

وكنا قديمًا نلوم الزَّمان

ونوسعه في التَّصاريف عتبا

إلى أن علمنا بأنَّ الوزير

من أبنائه فمنحناه حبًّا

فلا زال عرفك للمدلجين

دليلًا وربعك للوفد رحبا

إليك ارتمت بي صهابيَّة

تخبُّ الفيافي والبيد خبَّا

مرافقها محكمات القوى

إذا انبعثت خلتها الرِّيح هبَّا

ص: 294

إذا مأتشكَّت كلال السُّرى

وألقت إلى الأرض جنبًا فجنبا

أقول لها إن بلغت الوزير

بنا بعدها لا تراعين قلبا

فتى شاع سؤدده في البلاد

فأصبح للجود والمجد ربًّا

يفرِّق أمواله تاجرًا

لجمع المحامد ناهيك كسبا

غدا ليل حظِّي به مقمرًا

وسهَّل لي ذلَّ ما كان صعبا

/188 أ/ وغضُّ الأمانيِّ لما ذوى

بماء الرَّجاء له عاد رطبا

وإن نكَّد المنُّ بر الرِّجال

ترى برَّه الجمَّ للنَّاس عذبا

إذا القوم عدُّوا مزايا الكرام

تكون مزاياه أوفى وأربى

رفيع العماد طويل النِّجاد

خدين النَّدى جوده لن يغبَّا

إذا ما دعاه عفاة الزَّمان

لبذل الصَّنائع يا بشر لبَّا

عقيلة قوم به أنجبت

وقد كان آباؤه قبل نجبا

وعلَّمني الشِّعر مدح امرئ

به الدَّست يزداد تيهًا وعجبا

إذا الدَّهر ألَّب أحداثه

ورجَّا جموع الرَّزايا وعبَّا

لجأنا إلى معقل من حماه

به يعصم الناس عجمًا وعربا

فمت كمدًا يا زماني العنود

أمنت الخطوب به واقض نحبا

فقد صرت في مانع لا يرام

إليه [فلا] تستطيعنَّ وثبا

[أنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]

وما ذات طوق مسَّها البين فانثنت

مرزَّأة بعد التألف والجمع

صدوح على الأفنان بالبان سحرة

ترتل ألحانًا بأيمن ذي الجزع

يجاوبها في الثكل أمثال حالها

ويسعدها بالنَّوح في الدوح والسجع

بأوجع من قلبي غداة تحملت

ركائب من أهوى وغودرت في الرّبع

أذيل دموعي علّها أن تعينني

فتصر نار الوجد عن شدّة اللذع

وكنت بأحبابي على الدهر ظاهرًا

وحسبك أني عدت متخذًا دمعي]

ص: 295

[113]

أحمد بن محمد بن سعيد بن عنتر بن إبراهيم بن يوسف بن محمد بن يعقوب ابن فارس بن رملي بن نجدة بن بشرى بن خضري، أبو السعادات بن أبي بكر الواسطيُّ.

هكذا أملى عليَّ نسبه /188 ب/ والده أبو بكر محمد بن سعيد – رحمه الله تعالى – وزعم أنهم يرجعون في النسبة إلى بعض الأكاسرة، ومولده بالهمّامية، وبها منشأه؛ وهي قرية من قرايا واسط.

شاب مائل إلى الشقرة أزرق، نزل البياض بعارضيه؛ وهو فقيه شافعي المذهب، عالم مناظر، أصولي نحوي، ذو فنون في كل نوع من العلوم الأدبية والدينية مع حفظه للكتاب الكريم. وفيه عشرة وحسن صحبة لأصدقائه، وأقام بمدينة إربل زمانًا.

ثم سافر عنها وقدم بغداد وسكنها برهة من الزمان؛ فقلده الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلد الله ملكه – قضاء واسط وأعمالها وذلك في شعبان سنة تسع وعشرين وستمائة؛ وربما سمحت قريحته بشيء من النظم في غرض يقع له، وشعره يتقاصر عن معرفته وفضله.

أنشدني لنفسه: [من الرجز]

مهفهف القدِّ أسيل خدُّه

إذا استدار الصُّدغ فيه وانعطف

قد بات يسقيني المدام باردًا

من ثغره الألمى اللَّذيذ المرتشف

ما مال بي داعي الغرام غرَّة

إلَاّ ثناه الدَّل عجبًا فانصرف

/189 أ/ ولا نهاني عنه دين وازع

إلَاّ وأغراني به حسن الوطف

وأنشدني لنفسه من قطعة: [من الطويل]

وأسمر ممشوق القوام تخاله

إذا نظرت عيناه بالسِّحر ينظر

يقرُّ له بالحسن طوعًا حواسد

إذا مرَّ في ثوب الملائك يخطر

ص: 296

وأنشدني أيضًا قوله من أبيات: [من الطويل]

فإن أنت أحببت الوصال بزورة

يعود ذويُّ الغصن أخضر مائس

وإلَاّ فجلبات الوزارة خالع

وثوب الحجر لا شك لابس

[114]

أحمد بن أبي الفرج بن منيع بن المفرِّج، أبو العباس الدنيسريُّ

شاب قصير لطيف الخلقة أسمر اللون. كان شاعرًا فطنًا متوقد الخاطر، صاحب معان صحيحة، وألفاظ فصيحة، غزير الشعر، جيد البديهة والفكر، منقاد الطبع في كل ما يتوخاه من أنواع القريض. يزاحم الشعراء ويجري معهم في أساليبهم ويسلك بمنهجهم فيما يأتون به، فيقرون له بالتقدم، ويشهدون له بالحذق؛ وهو أشعر /189 ب/ أبناء زمانه، وأغوصهم على المعاني واستنباطها.

قدم الموصل سنة إثنتين وعشرين وستمائة، وأقام بها مدّة، وامتدح بها جماعة من أهلها من الصدور والسُّوقة. وكان رقيق الحال، بادي الحرف صعلوكًا، يستجدي بشعره الرفيع والوضيع طلبًا لشيء من عرض الدنيا، يعبّر به وقته وزمانه.

ثم سار عنها إلى إربل، فلبث فيها شهورًا يمدح الناس، ثم عاد إلى الموصل، ورحل منها إلى دنيسر، فلم يمكث با إلَاّ قليلًا حتى توفي هناك وذلك سنة ست وعشرين وستمائة وقد جاوز الثلاثين.

أنشدني لنفسه: [من الكامل]

أيموت فيك المستهام بدائه

وبفيك عين حياته ودوائه

صبُّ أقام من الغرام على شفا

إذا شفَّه فغدا عديم شفائه

يمسي ويصبح فالهيام أقل ما

يلقاه بين صباحه ومسائه

ص: 297

إن شئت تعلم كيف بات على الهوى

سل من يبيت معانيًا لعنائه

عجبًا له يشكو تباعد حبِّه

عنه وما ينفكُّ من أحشائه

رشا يشوب وصاله بصدوده

مللًا ويعقب سخطه برضائه

/190 أ/ لولا تملُّكه الفؤاد وقد رنت

سوداؤه ما حلَّ في سودائه

لم تصف أيَّامي بشهد وصاله

إلَاّ وكدَّرها بصاب جفائه

ملك الجمال فلو رأى سلطانه

ملك الجمال لسار تحت لوائه

قبس الملاحة فاستقلَّ كيوسف

في حسنه لمَّا ارتدى بردائه

يرتجُّ في خطواته ويميس في

خطراته ويلوح في استجلائه

والدِّعص من أردافه والغصن من

أعطافه والبدر من لألائه

سجدت لديه الشَّمس حيث طلوعها

من وجهه وغروبها في مائه

كم أكثروا فيه الملام وليس لي

من حبِّه جلد على إصغائه

(أأحبُّه وأحبُّ فيه ملامة

إن الملامة فيه من أعدائه)

وأرى السُّلوَّ وحلٌّ عقد تصبُّري

متولِّد من شدِّ بند قبائه

وأنشدني أيضًا من قصيدة أولها: [من البسيط]

لولا تألُّق برق أنت شائمه

ما سحَّ ساكب دمع العين ساجمه

إيها عدمتك طرفًا ما رمقت به

إلا تحلَّل من صبري عزائمه

ولا جنى بطموح اللَّحظ مجترمًا

إلا وحاق بجثماني جرائمه

هتكت بالدَّمع ما في القلب مستتر

من الهوى وهو خافي الوجد كاتمه

/190 ب/ كم استجرت من البلوى بشرع هوى

فما أجار ولكن جار حاكمه

لله شادن ذاك الحيِّ كيف غدت

تفرُّ من سحر عينيه ضراغمه

أظنُّ أنَّ رقاه غير مطلقة

فلو تكون لأنحتها تمائمه

عذب المقبَّل لولا خمر ريقته

لما انثنى ثمل الأعطاف لائمه

شكى إلى حاجبيه ظلم ناظره

قلبي فما كشفت عنه مظالمه

يا من أحلَّ سهام اللَّحظ في كبدي

يكفي الَّذي فتكت فيها صوارمه

ص: 298

لم لا ترقُّ لجسم أنت عائده

من سقمه وفؤاد قلَّ راحمه

ذللت في عزِّ دهر لست منتصفًا

من ظلمه وكذا من عزَّ ظالمه

وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام اسمه علي: [من مخلّع البسيط]

نفَّر نومي غزال أنس

كالظَّبي في شدَّة النِّفار

له على عاشقيه نصر

من جفنه وهو في انكسار

أعار ورد الرِّياض لونًا

من خدِّه غير مستعار

وعلَّني من لماه كأسًا

ألذَّ طعمًا من العقار

فبي خمار فليت داوى

بها الَّذي بي من الخمار

ما انسدل الشَّعر منه ليلًا

على جبين من النَّهار

/191 أ/ إلَّا غدا الوجد في انتهاك

عليه والصبر في استتار

أذاقني من هواه ما من

سميِّه ذاق ذو الخمار

فكلَّما سمته وصالًا

سلَّ من الجفن ذا الفقار

وقال يداعب بعض أصدقائه بديهة: [من المتقارب]

أيا شرف الدِّين يا ذا الَّذي

محاسنه ليس فيهنَّ ريبه

تحذلقت دهرك حتىَّ وقعت

على رغم أتقك في وسط خربه

ولو تم دسَّك في مجلس

لبعض الملوك لأعطاك قربه

وله وهو مما كتبه إلى شمس الدين بن البهاء أسعد السنجاري الشاعر كاتب الإنشاء بماردين: [من الطويل]

كتبت ولي قلب على البعد شيِّق

وصدر على رحب من الهمِّ ضيِّق

وليس بخاف عنك مضُّ صبابتي

وخطُّ غرامي في الرِّقاع محقَّق

رمتني يد الأيَّام منك بفرقة

وقد كنت قدمًا من فراقك أفرق

فما شاقني من بعد بعدك منظر

ولا راق لي يا شمس من فيه رونق

/191 ب/ يجدِّد إخلاق الغرام تذكُّري

خلائقك اللَاّتي بها تتخلَّق

إذا ما بدا القطب الجنوبيُّ هيجت

جنوني إلى الشَّهباء شهب تألَّق

وما خطرت ما ماردين نسيمة

على الشَّرق إلَاّ كدت بالدَّمع أشرق

ص: 299

وما ذكرتك النَّفس إلا كأنَّني

أحسُّ بقلبي من عل يتحلَّق

عسى الدَّهر يوليني بقربك منَّة

وتسمح لي الأيَّام أو تتصدق

وعلَّ صباح الغرب يجلو دجى النَّوى

فتسفر شمس الوصل منك وتشرق

وقال يمدح الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا – أدام الله إقباله – ويهنئه ببناء دار استجدّها: [من الخفيف]

شيَّد الله بالسَّعادة دارًا

ظلت فيها لها وللدين ركنا

أصبحت إربل قصيدًا وأضحت

لك بيتًا وأنت للبيت معنى

إن سمت رفعة فما زال يسمو

بك ربع تحل فيه ومغنى

هي دار الخلود لا زلت تبقى

ألف عام بها وضدُّك يفنى

قد أتيناك للهناء ولكن

هي أولى بركنها أن تهنَّا

وقال غزلًا: [من الخفيف]

/192 أ/ ذلَّتي من مدلَّل ذي دلال

ربَّ جفن مكحَّل كالهلال

ذي عذار مزرَّد مستدير

تحت صدغ مسلسل فوق خال

بت فيه مسهَّدًا ذا اشتغال

بفؤاد مبلبل ذي اشتعال

حاز روحي فأصبحت في يديه

كأسير مكبَّل في عقال

وأنشدني لنفسه ابتداء صدر كتاب: [من الطويل]

كتبت وبي من لاعج الشَّوق غفلة

فلم أدر ما أملي عليَّ ضميري

ولولا زفير ..... عدته صبابتي

محوت بتقطير الدُّموع سطوري

وأنشدني لنفسه يهنئ بخلعة حمراء: [من السريع]

يا شرف الدِّين الَّذي للندى

سحابة من كفِّه تقطر

خلعتك الحمراء من أنفس الحسَّاد لا زلت بهم تظفر

تفنى أعاديك بها حسرةً

لأنَّها موتهم الأحمر

وأنشدني لنفسه في ابن عنين الشاعر وأخيه: [من الوافر]

أصاب النَّاس من ولدي

عنين شدَّة وشقا

قد اجتمعا على ضرٍّ

عظيم الخطب واتَّفقا

ص: 300

كأنَّهما عدمتهما

على الإفساد قد خلقا

/192 ب/ فذا الأعراض يقطعها

وهذا يقطع الطرقا

وأنشدني لنفسه في شخص أعرج: [من الخفيف]

أعرج ربُّ عاهة لا كفاني الله فيه شماتة الحسَّاد

لم تزل رجله تكفَّ أذى نيكٍ إلى أبت عن الانقياد

لم تزل رجله تكف أذى نيك إلى أن أبت عن الانقياد

[115]

أحمد بن معدِّ بن عليِّ بن رافع بن فضائل بن عليِّ بن حمزة بن أحمد بن حمزةً بن عليِّ بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ، أبو عقيل البغداديُّ العلويُّ الموسويُّ.

من أولاد الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب – صلوات الله عليهم -.

شاعر من شعراء البغداديين، جزل القول، يسلك في أشعاره مسلك العرب ويذهب مذهب الحيص بيص في استعمال الألفاظ الحوشية، ويتبادى في إنشاده، ويتشدق في إيراده وأكثر قوله في الافتخار بنفسه وأهله.

أنشدني لنفسه بمدينة الموصل سنة ثلاثين وستمائة: [من الوافر]

/193 أ/ لعمرك ما جنيت على أناس

جناية من يؤوب على هوان

ولكنِّي فضلت فكان فضلي

عليهم مدره الحرب العوان

ولمَّا أن علوتهم رموني

بعرض حين أعجزهم بياني

فذوقوا حرها ودعوا علاها

فليس مكانكم فيها مكاني

ص: 301

وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]

لأن أبيت خميص البطن منحجرًا

عاري الجوانب خصَّافًا من الورق

خير وأكرم لي من أن أرى سفهًا

ذا بطنة في بداء اللُّؤم والرَّنق

وأنشدني من قوله أيضًا: [من الطويل]

كأنِّي بهذا القصر قد باد أهله

وأسلمه للحادثات منازله

وأصبح قفرًا تحجل الطير حوله

وينتابه من الظِّباء مطافله

مضى قبلنا قرن فقرن وإنَّنا

لنأمل ما ذو المس في الدهر آمله

ألم تك فيما قصَّه الله ملهدى

شفاء لداء حالفته مفاصله

ففي قوم نوح ثمَّ عاد جلية

تريك اغترار المرء أين مقاتله

وقوم أثاروا الأرض ثم ابتنوا بها

معاقل لو ينجى يزيد معاقله

وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

/193 ب/ أتعمر دارًا إذا تولَّى جديدها

وأصبح معمورًا لديها صعيدها

وقد غالت الأيَّام من كان قبلنا

شقيًّا وما نال الخلود سعيدها

وإلَاّ فأين الملك قيصر والألى

وأين تولَّى عادها وثمودها

وأين الملوك الشُّمُّ من آل جفنة

وكسرى أنو شروان طار عمودها

وسابور والأملاك آل محرق

أبادهم والمرسلات مبيدها

فأضحوا كأن لم يضربوا بمهادها

مصائب ملك لا يرام حريدها

فإنَّك عن إيماض برق للاحق

بهم والموالي كالعبيد عبيدها

فبادر فحتف المرء يعقد حبله

بأعناق آجال الرِّجال يؤودها

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]

كتاب أرسلوه إلى الرِّباب

أسيرك قد ثوى تحت التُّراب

ففي نظري إليك حياة نفسي

وفي فيك الشِّفاء من الرُّضاب

ص: 302

وأنشدني قوله: [من الطويل]

مرى الشَّوق غرب العين فهو هموع

وصدَّع واهي القلب فهو وجيع

وليس لأيَّام الحمى ومقيلنا

بظلِّ ..... السُّتور رجوع

ألا يا حمامات بنجد ترنَّمي

فقد هاجني منك الغداة سجوع

/194 أ/ سقيت من الوسميِّ صوب سحائب

لها بعد إقلاع السَّحاب ربيع

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]

يا هند ويحك أنجزي الوعدا

وصلي الكئيب قتلته عمدا

وارعي عهودًا في الهوى سلفت

إن الكريم لحافظ عهدا

قد لامني من كان ينصحني

فيكم وقلت وقال لو أحدى

لو أن كفِّي لا تطاوعني

فيكم جذذت بنانها جذَّا

أسقاك ربُّك صوب غاديه

وأدام عيشك رافقًا رغدا

وأنشدني لنفسه: [من الوافر]

ألا يا ليت أيَّام التَّصابي

رجعن ومورق الخود الكعاب

ويوم بالثَّنيَّة حيث تمشي

قطوف الخود دانية الحقاب

لها جيد كجيد الظَّبي حقًّا

وناظرة المهاة لدى الهضاب

وفوهًا فيه كالعسل المصفَّى

على برد القلال على شراب

لقاؤك يا سليمي بنت عمرو

حياة المرء من تحت التراب

[116]

أحمد بن محمد بن أبي الوفاء /194 ب/ ابن الخطاب بن محمد بن عليِّ بن الحسن، ويلقب الهزبر، أبو الطَّيِّب الموصليُّ المعروف بابن الحلاويِّ.

ص: 303

أخبرني أنه ولد آخر سنة ثلاث وستمائة، وهو من أشهر بيت بالموصل وأقدمه. وكان يقول الشعر منذ كان حدثًا، وطاوعه طبعه في نظمه، ورزق منه حظًا لم يرزقه أحد من أبناء جنسه وأقرانه.

ورحل عن الموصل سنة إحدى وعشرين وستمائة إلى بلاد الشام، وسكن دمشق واتصل بالملك الناصر صلاح الدين أبي المكارم داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب سلطانها، وصار من جملة شعرائه، وأخص جلسائه ومدحه بعدة قصائد واكتسب منه رزقًا صالحًا، وسار في صحبته إلى الديار المصرية.

ثم فارق خدمته سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ينتقَّل في البلاد ويمدح الملوك، وكبراء الأنام، وحظُّه فوق شعره.

شاهدته بالموصل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة شابًا جميلًا، وأنشدني لنفسه يمدح المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين أبا الفضائل حسام أمير المؤمنين – أعّز الله أنصاره وشيّد فخاره – من /195 أ/ قصيدة مطلعها:

[من الطويل]

إلى م السُّرى هل مطلع الشَّمس قصدنا

فقلت لها بل قصدنا مطلع البدر

إلى ملك لولا مواهب كفِّه

لظلَّ بنو الآمال عن منهج البرِّ

مليك إذا ما المزن ضنَّ بدرِّه

يجود علينا مزن كفَّيه بالدُّرِّ

قريب النَّدى في السِّلم من كلِّ وافد

بعيد المدى في الحرب من كلٍّ ذي غمر

فما حجبت أبوابه دون سائل

ويحجب في يوم الوغى بالظُّبا البتر

جزيل الجدى مردي العدا موضح الهدى

بعيد المدى داني النَّدى وافر الوفر

ص: 304

مفيد الورى قطب الوغى أسد الشَّرى

قليل الكرى جم القرى هاطل الدَّرِّ

بطيءٌ عن الثَّغر الشَّهيِّ بروده

سريع إلى الحصن الممنَّع والثَّغر

إذا قطَّب الجاني ..... بأسه

تلقَّاه منه العفو في حلل البشر

له الصَّوت في النَّادي، له الصِّيت في النَّدى

له الرأي بعد الرَّأي والأمر

ألا أيَّها الملك الَّذي حد َّحده

فأصبح نسر الطَّرف منه على النَّسر

لقد قمت للدين الحنيف بعزمة

أقامت قلوب المشركين على ذعر

فضلت ملوك الأرض طرًّا بأربع

غدا فخرها يسمو على كلِّ ذي فخر:

فبأسك للباغي وعرضك للثنا

وعفوك للجاني وجودك للفقر

/195 ب/ فما مخدر شهم النِّضال مذرَّب النِّصال تراع الأسد منه على صعر

بأمنع بأسًا منك في حومة الوَّعى

إذا الحرب ماست في غلائلها الحمر

وما روضة غناء مرَّت بها الصَّبا

عبيرية الأرجاء مسكيَّة النَّشر

بأعطر من أبكار مجدك كلَّما

جلين على الأسماع في حلل الشِّعر

وما شامخ لو شاء رقَّ على الحيا

مواهبه سام على الأنجم الزُّهر

بأثبت حلمًا منك لا طائش الحجى

ولا مانع الحسنى ولا حرج الصَّدر

وما الغيث منهلُّ العزالي سحابه

يسحُّ بها في الودق منبجس القطر

بأسمح كفًا منك في حالة النَّدى

إذا هطلت كفَّاك بالنَّائل الغمر

وإن كنت يوم الرَّوع في العين واحدًا

فأنت من الإقدام في جحفل مجر

ألا أيَّها الملك الرَّحيم الَّذي غدت

خلائقه أبهى سناءً من الزَّهر

مدحتك من قبل احتلامي منطقًا

على صغر في السِّنِّ لا صغر القدر

فعلَّمني مدحيك ما أنا قائل

من السَّائرات الزُّهر والمدح الغر

فأكرم ملك صافحتني هباته

وأوَّل ملك سار في مدحه شعري

وقد جئت صفر الرَّاحتين مؤمِّلًا

سحاب ندى ينهل بالبيض والصُّفر

ولا زلت محروس الجناب مؤيدًا

يطالعك التأييد من حلل النَّصر

/196 أ/ فبأسك للطَّاغي وجدواك للنَّدى

ويمناك لليمنى ويسراك لليسر

وأخبرني أبو الطيب أنه كان بسنجار مقيمًا؛ فجاء البشير من الموصل بإبلال

ص: 305

الملك الرحيم بدر الدين من المرض الذي لحقه، وركوبه للناس؛ فعملت هذه القصيدة بسنجار، وقصدته إلى الموصل فاستحسنها، وأسنى لي الجائزة، وأوّلها:

[من البسيط]

وافى البشير بما كنَّا نحاوله

ونال أقصى المنى من بات يأمله

وأسفر البدر في لألاء غرَّته

فأشرقت بمحيَّاه منازله

تكاملت في بروج العزِّ أسعده

وتمَّ في أعين النُّظَّار كامله

وغير نكر ذا ما البدر عاوده

تمامه وزها بالسَّعد آفله

بدا فأخمد نار الشِّرك مطلعه

من بعد ما عمَّت الدُّنيا زلازله

ولاح كالرُّمح أهداه مثقَّفه

أو صفحة السَّيف هزَّته صياقله

فريح جيش الرَّدى من بعد ما شرعت

إلى وجوه معاليه عوامله

وفاه كلُّ لسان كان ذا خرس

في مجده بالَّذي قامت دلائله

/196 ب/ من بعد ما كتم الأخبار ناقلها

وجمجم القول في علياه قائله

فليسخ بالمال للقصاد مانحه

وليوف بالنَّذر للرَّحمان باذله

وليهن ذا الدِّين والدُّنيا وساكنها

نصر من الله قد لاحت مخايله

إذ صح للملك كافيه وكافله

وقام بالعبء حاميه وحامله

ملك الملوك الَّذي لولاه ما اتَّضحت

سبل السَّماح ولم تسلك مجاهله

أبو الفضائل والملك الذي سمقت

به على الفلك الأعلى فضائله

ملك سمت بالنَّدى والبأس همَّته

فليس في الأرض من خلق يماثله

حامي المماليك خوَّاض المهالك مغور المعارك لا تلوي عواسله

لولاه ما طابت الدُّنيا ولا حسدت

أواخر الدَّهر لولاه أوائله

له من المدح حاليه وعاطره

وللمعادين خاليه وعاطله

أنرقب الغيث في أرض أنأمله

من بعد ما هطلت فينا أنامله

يا راكب القفر خوف الفقر منتجعًا

يطوي السَّباسب كالبازيِّ بازله

عرج على ساحة الحدباء تلق بشها

غيث السماح الذي يغنيك وابله

وثق بنيل المنى إن زرت ساحتها

فثم داني النَّدى ما خاب سائله

حتَّى إذا عدت في الرَّكب الَّذي رحلت

قيلة الخطو من ..... رواحله

ص: 306

/197 أ/ قل للملوك دعوا كسب الثَّناء له

فما تليق به إلَّا شمائله

هل فيكم من له جود كنائله

أم فيكم من سجاياه تساجله

يا مالك الأرض قصدي أنت مانحه

بالنُّجع منك وحبلي أنت واصله

وأنشدني لنفسه أيضًا بحلب المحروسة في العشر الوسطى من جمادى الآخرة بالحاضر السليماني سنة خمس وثلاثين وستمائة يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله – صاحب الموصل -: [من الطويل]

حكاه من الغصن الرَّطيب وريقه

وما الخمر إلَّا وجنتاه وريقه

هلال ولكن أفق قلبي محلُّه

غزال ولكن سفح دمعي عقيقه

وأسمر يحكي الأسمر اللَّدن قدُّه

عذار أشقا قلب المحبِّ رشيقه

على خدِّه جمر من الحسن مضرم

يشبُّ ولكن في فؤادي حريقه

أقرَّ له من كلِّ حسن جليله

ووافقه من كلِّ معنى دقيقه

بديع التَّثنِّي راح قلبي أسيره

على أن دمعي في الغرام طليقه

على سالفيه للعذار جديده

وفي شفتيه للسُّلاف عقيقه

/197 ب/ يهدِّد منه الطَّرف من ليس خصمه

ويسكر منه الرِّيق من لا يذوقه

على مثله يستحسن الصبُّ هتكه

وفي حبِّه يجفو الصَّديق صديقه

من التُّرك لا يصبيه وجد إلى الحمى

ولا ذكر بانات الغوَّير تشوقه

ولا حلَّ في حي تلوح قبابه

ولا سار في ركب يساق وسيقه

ولا بات صبًّا بالفريق وأهله

ولكن إلى خاقان يعزى فريقه

له مبسم يسبي المدام بريقه

ويخجل نوَّار الأقاحي بريقه

تداويت من حرِّ الغرام بثغره

فأضرم من ذاك الحريق رحيقه

إذا خفق البرق اليمانيُّ موهنًا

تذكَّرته فاعتاد قلبي خفوقه

حكى وجهه بدر السَّماء فلو بدا

مع البدر قال الناس: هذا شقيقه!

وأشبه زهر الرُّوض حسنًا وقد بدا

على عارضيه آسه وشقيقه

رآني خيالًا حين وافى خياله

فأطرق من فرط الحياء طروقه

ص: 307

وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد غدا

يحمِّلني كالحصر ما لا أطيقه

فما بال قلبي كلُّ حبِّ يهيجه

وحتَّى م طرفي كل حسن يروقه

فهذا ليوم البين لم تطف ناره

وهذا فبعد البعد ما جفَّ موقه

ولله قلبي ما أشدَّ عفافه

وإن كان طرفي مستمرًّا فسوقه

/198 أ/ أرى النَّاس أضحوا جاهليَّة ودِّه

فما باله عن كلِّ قلب معوقه

فما فاز إلَاّ من يبين صبوحه

شراب ثناياه ومنها غبوقه

وآخر يسعى للمواهب والنَّدى

هدته إلى الملك الرَّحيم طريقه

إلى بحر جود يغرق الوفد فيضه

ويحمده في كلِّ وقت غريقه

إلى الغيث أحيا بالحيا كلَّ وجهة

فما أخلفت للشَّائمين بروقه

وكيف يقاس الغيث منه بنائل

يسحُّ بمال لا بماء دفوقه

إلى كسرويٍّ عدله ونجاره

يعزُّ على كسرى الملوك لحوقه

إلى سائق في حلبة الجود والنَّدى

شا النَّاس مأمون العثار سبوقه

إلى والد للجود برٍّ بأهله

يعزُّ على غرِّ المساعي عقوقه

إلى واجب في كلِّ أرض مديحه

كما وجبت في ساكنيها حقوقه

إلى واهب الجرد الجياد يؤمُّها

نداه ومعطي الذَّود يرغو أفيقه

إلى جوهر أعيا البحار فريدة

إلى نيِّر عمَّ البلاد شروقه

مليك إذا كرَّرت أوصاف مجده

فسحقًا لنشر المسك يهدى سحيقه

يفوق على صيد الملوك مكارمًا

وما فيهم من حاله من يفوقه

لهم من حديث المكرمات كذوبه

ولكن لبدر الدِّين منه صدوقه

/198 ب/ بديع المعاني مشرق الوجه طلقه

جزيل النَّدى سامي النِّجار عريقه

يسوق جزيلات العطايا إلى فتىً

غدا نحوه حسن الرَّجاء يسوقه

أفاد ندى كفَّيه حتَّى عدوَّه

ويعظم أن يلحاه فيه صديقه

إذا وثق الغرُّ الملوك بخائن

فليس بغير المشرفيِّ وثوقه

لقد سبق الآجال ماضي حسامه

فخلِّق لكنَّ الدِّماء خلوقه

به اتَّسعت لي كل أرض نزلتها

وفرِّج لي من كلِّ أمر مضيقه

أطاع لساني فيه للقول حرُّه

وساعدني للشِّعر فيه رقيقه

ص: 308

فلي عنده من كلِّ جود جزيله

وعندي له من كلِّ مدح أنيقه

أيا ملكًا ينهلُّ حلمًا ونائلًا

فما النَّاس إلى حرُّه ورقيقه

رآك أمير المؤمنين لملكه

حسامًا ونهج الحرب قد عمًّ ضيقه

فقمت بما يهوى الإمام ولم تزل

تقوم بأمر ما سواك مطيقه

وكنت له بدرًا تنير سماؤه

سناك وليل الشِّرك داج غسوقه

وأعليت ركن المجد حتَّى لقد بدا

لنا وهو مرفوع العماد وثيقه

حميت دماء المسلمين وصنتها

وكم من دم للجود فيهم تريقه

فجودك ما في النَّاس من ليس عبده

وسيفك ما في الأرض إلَاّ عتيقه

/199 أ/ وعزمك قد جاز السَّماء سموُّه

وقدرك قد أعيا النُّجوم سموقه

وخلقك صب بالجميل جماله

وخلقك مغزى بالوفاء خليقه

ولولاك مات الشِّعر صبرًا ولم تقم

لكسب العطايا والمحامد سوقه

تكلَّم لكن في علاك صموته

وأخرس لكن عن سواك نطوقه

فما سار إلَاّ من نداك دليله

وجودك يا خير الملوك رفيقه

فلا زلت محروس الجناب مؤيَّدًا

وعيشك تهمي بالأماني بروقه

وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة ربيعيّة: [من الكامل]

قدم الرَّبيع منيرةً أزهاره

فافترَّ عند قدومه نوَّاره

وترنَّحت لسرورها أغصانه

وتعانقت للقائها أشجاره

روض حكى خدَّ الحبيب شقيقه

لما حكى خدَّ المحبِّ بهاره

أسدى صنائعه إليه بساطه

ومضى ففاز بحسنه آذاره

لو لم يجد بالدُّرِّ درُّ سحابه

ما زان درهم زهره ديناره

حجَّ السُّرور إليه في ركب الصَّبا

واللَّهو لما أن رمين جماره

طلعت نجوم النَّجم فيه وقابلت

زهر السَّماء بمثلها أزهاره

أفضى إلى واشي النَّسيم بسرِّه

فبدت لنا من طيبه أسراره

/199 ب/ ضحكت ثغور أقاحه لمَّا بكت

عين السَّماء وجادها مدراره

جاد السّماء فأسرفت أنواؤه

زهر الرَّبيع فأشرقت أنواره

لمَّا رقصن به الغصون وغنَّت الورق الحمام وصفَّقت أنهاره

ص: 309

خلع السَّحاب عليه حلَّة روضه

وغدا ومن حبِّ الغمام نثاره

فأقرَّ وشي الغانيات لوشيه

وأعارهنَّ الطِّيب منه عراره

فاشرب على الرَّوض الأريض كأنَّما

نقل الغناء عن الغريض هزاره

واعقر به لؤم الدِّنان فخير ما

عقرت على ضيف الرَّبيع عقاره

في مجلس أضحى المفوَّه أخرسًا

عن وصفه وتكلَّمت أطياره

خضل البنان شدا على أغصانه

قمريَّة فتمايلت أقماره

خمرًا تخال بكأسها لمَّا بدت

جمرًا ومن طافي الحباب شراره

نار وفي خدِّ النَّديم لهيبها

حلي وفي كفِّ المدير سواره

يسعى بها لدن القوام ممنطق

لم أنسه فيهيجني تذكاره

رشأ من الأتراك لا آباؤه

قيس ولا عدنان يبلغ داره

ما الغصن إلَاّ ما أراه قوامه

والحقف إلَاّ ما حواه أزاره

خجلت غصون البان خيفة قدِّه

ورنا فريع لمقلتيه صواره

/200 أ/ فله من الغصن النَّضير قوامه

وله من الرَّشأ الغرير نفاره

ما هزَّ أسمر رمحه وقوامه

إلَاّ ثنى خطِّيَّه خطَّاره

جنب وخمر ثغره ورضابه

ورد وآس خدُّه وعذاره

يرنو بلحظ جاهل سخَّاره

بالعاشقين وعالم سحَّاره

ماض غرار جُّفونه طرد الكرى

عنِّي فما زار الجفون غراره

ما خاف في يوم الكريهة ضارب

أضحى كصارم جفنه بتَّاره

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]

إلى م أرى الغرام به غريمي

وفي م ندامتي فيه نديمي؟

وحتَّى م البكاء بكلِّ ربع

كأنَّ عليَّ رسمًا للرُّسوم

أخاف عليَّ من غرق بدمع

فأحبسه فأغرق في الهموم

أحنُّ إلى الصَّريم لأجل ظبي

يعير الظَّبي غزلان الصَّريم

ص: 310

وأنثر درَّ دمعي من غرامي

بواضح درِّ مبسمه النَّظيم

هلال ما اعتراني السُّقم إلَّا

غرامًا منه بالجفن السَّقيم

سليم القلب من كلفي ووجدي

أبيت عليه في ليل السَّليم

أقام قيامتي منه قوَّامٌ

يريك معاطف الغصن القويم

/200 ب/ وخصَّ الحسن وجنته بخالٍ

يفوق به الأنام على العموم

أيا قمرًا رعاني السُّقم فيه

وعلَّم مقلتي رعي النُّجوم

بسحر الجفن رعت كليم قلبي

وكيف نفوذ سحر في كليم

وأسهرني لديك رقيم خدٍّ

فواعجبًا أأسهر بالرَّقيم

وألقى من خدودك في جحيمٍ

وفرقك كالسِّراط المستقيم

سباك الخمر حين سببيت عقلي

ليمزج مثل ريقك لي نديمي

ولولا الخمر مثل لماك طيبًا

لما ملنا إلى بنت الكروم

ولو لم تشبه الغزلان لحظًا

لما شمنا برامة لحظ ريم

جهلت فبان عن جسدي فؤادي

وأقبح ما يرى جهل الحليم

وإنِّي إن رضيت سواه خلًا

لمختار الشَّقاء على النَّعيم

وماحكم الحمام على المعنَّى

بأصعب من مفارقة الحميم

أميل إذا ذكرتك للتَّصابي

كميل الغصن من مر النَّسيم

ويبكيني بعادي كلَّ وقتٍ

بكاء البحتريِّ على نسيم

وأنشدني أيضًا له من أبيات: [من الكامل]

ألف الملال فمال عن ميثاقه

رشا فراق النَّفس دون فراقه

/201 أ/ عذب اللَّمى حلو الخلال كأنَّما

خلقت مراشف فيه من أخلاقه

جوَّال حلي الخصر أخرس صبه

عن ذكره السُّلوان نطق نطاقه

يفتر عن عذب المراشف واضحٍ

مرُّ الصَّبابة دون حلو مذاقه

يشفي لماه سليم عقرب صدغه

فينوب منه الرِّيق عن درياقه

دقَّت معاني حسنه ولقدِّه

عبث الأنام من القنا بدقاقه

وسنان يقلقني توعُّد طرفه

ويودُّه قلبي على إقلاقه

يهوى المطال ولو بأيسر موعدٍ

ويصدُّ حتَّى الطَّيف عن مشتاقه

ص: 311

وقف الجمال على محاسن وجهه

حتى ظننَّا الحسن من عشَّاقه

يا محرقًا قلبًا أقام بربعه

ألَّا كففت جفاك عن إحراقه

اطلقت أدمع عينه يوم النَّوى

وفؤاده وحكمت شدَّ وثاقه

رفقًا بصبِّك إن أردت بقاءه

يكفيه ما يلقاه من أشواقه

أسهرته وأسلت مقلته دمًا

أترى ذبحت النَّوم في آماقه

وأنشدني لنفسه، وقد نفذ له السلطان الملك الكامل خلعًا وخيلًا، وأنشده ذلك ارتجالًا:[من السريع]

/201 ب/ يا أيُّها الملك الَّذي مدحه

يعجز عن إدراكه القائل

طلت ملوك الأرض في جودهم

وعمَّهم من كفِّك النَّائل

ما كلُّ ما يأتيك منهم لما

أسلفت يا خير الورى طائل

لأنَّك البدر فلا غرو أن

زانك من اوصافك الكامل

وأنشدني لنفسه من قصيدة: [من الطويل]

تبدت فأود بالقضيب اعتدالها

وأربى على نقص الهلال كمالها

وفاهت من الدرِّ الثَّمين بمثله

فأزرى على السِّحر الحرام حلالها

فما الحسن إلَّا ما حواه لثامها

وما الغصن إلَّا ما أراه اختيالها

من التُّرك في رشق السِّهام وإنَّها

ليعزى إلى حي هلال هلالها

تصول بميَّاد القوام بمثله

يكرُّ إلى قتل الرِّجال رجالها

وما الصَّعدة السَّمراء إلّا قوامها

فصعب على غير الجليد اعتقالها

نأت دارها عنِّي وفي القلب شخصها

فحمَّلني ثقل الغرام احتمالها

ولو لم تكن بدر السَّماء لما غدا

إلى القلب بعد الطَّرف منِّي انتقالها

فذلِّلت في حبِّي لها فتذلَّت

..... في الغرام دلالها

ومن عجب أخشى مع الهجر بعدها

وما ..... يرجى في الدُّنوِّ وصالها

/202 أ) وما هي إلَّا الشَّمس يدنو منارها

ويبعد عن أيدي الرِّجال منالها

من البيض وافاها النَّعيم فعمَّها

وزيَّنها في زينة الحسن خالها

وأنشدني لنفسه مما كتبه إلى محيي الدين يوسف بن زبلاق الكاتب الهاشمي

ص: 312

الموصلي وقد آذاه فرس بحافره: [من الوافر]

ألا يا خير من يرجى نداه

ومن عمَّ البريَّة بالنَّوال

ومن إن هزَّ في الجلَّي يراعًا

خضعن لحدِّه سمر العوالي

ومن إن غاص في بحرٍ المعاني

خجلن لحسن منطقه الَّلآلي

أتيتك عائدًا وكفين حالًا

تعاد لأجلها في كلِّ حال

[فبابي منذ خفت عليك بال

وحالي من مصابك غير حالي]

ورحت وبيت فكري في اشتغالً

عليك ونار قلبي في اشتغال

وأقسم ما برحلك نيل طرفً

وذهنٌ ظنَّ ذلك في ضلال

ولكن داس أخمصها الثَّريَّا

وجاز مدى الكواكب في المعالي

وطال على الهلال فلم ينله

فنال الثَّأر منه أخو الهلال

فأجابه محيي الدين الكاتب بديهًا: [من الوافر]

أيا ربَّ البلاغة في المعاني

ومرضيَّ المكارم والمعالي

/202 ب/ ومولى كلِّ إحسانٍ وبرِّ

ومطلق كلِّ شكر من عقال

ومن أربى على الفصحاء قولًا

وزاد على الأكرام في الفعال

لقد خوَّلتني نعمًا أضاءت

نجوم سعودها في ليل حالي

فمنك علمت تحبير القوافي

وعنك بقيت محمود المقال

أأحمد إنَّ مجدك حيث أهوى

عليٌّ عن نظيرٍ أو مثال

فما أرجو من الرَّحمان شيئًا

سوى أنِّي أراك رخيًّ بال

معافي الجسم مكبوت الأعادي موقًى من معاندة اللَّيالي

وأنشدني لنفسه في غلام قصر شعره: [من الكامل]

قصَّرت شعرك كي تقلَّ ملاحةً

فكساك أبهى الحسن وهو مقصَّر

وقطعته ليقلَّ عنَّا شرُّه

والأيم أقتله القصير الأبتر

ص: 313

وأنشدني لنفسه في المعنى: [من المجتث]

قصَّرت شعرك حتَّى

أميل عنك كميلك

وضاع فيه سؤالي

لمَّا علقت بذيلك

جعلته بعد ما كان

مثل ليلي كليلك

وأنشدني لنفسه أيضًا: [من الطويل]

/203 أ/ حللت من الملك العزيز براحة

غدا لثمها عندي أجلُّ الفرائض

وأصبحت مفترَّ الثَّنايا لأنَّني

حللت بكفٍّ بحرها غير رائض

وقبَّلت سامي خدِّه بعد كفِّه

فلم أخل في الحالين من لثم عارض

وأنشدني لنفسه بمدينة السلام في شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة يمدح الأمير العالم الكبير الأصفهسلار ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أعز الله أنصاره وأعلى مناره-: [من مجزوء الكامل]

بلمى مراشفك العذاب

قد لذَّ لي مرُّ العذاب

لك ريقةٌ مثل المدا

م ومبسمٌ مثل الحباب

يا صاحب الخدِّ الَّذي

حاكى فؤادي في التهاب

لا تحسبن سمعي يصيـ

ـخ إلى العواذل في العتاب

وجدي مقيمٌ واكتئابي في محبَّتك اكتئابي

والهجر دأبك في الهوى

يا قاتلي والوجد دابي

من لي بأهيف قدُّه

ريَّان من ماء الشَّباب

/203 ب/ صاحي الفؤاد تخاله

نشوان من خمر الرُّضاب

كلفي به في الحبِّ لا

كلفي بزينب والرَّباب

قمرٌ سعى فمدامعي

للبعد عنه في انسكاب

منهلَّة كنوال ركن الدَّين أوسحِّ السحاب

ملكٌ غدا بحر النَّوال

بكفِّه طامي العباب

عذب الشَّراب لوارديه

وغيره لمع السَّراب

ص: 314

معطي الرَّغائب للعفاة

وواهب الخيل العراب

ألف السَّماح فربعه

بالوفد مأهول الجناب

جمُّ الفواضل والقرى

عالي المضارب والقباب

فهو اللَّبيب الأريحيُّ

وصاحب الحسب اللُّباب

ملك له منن كأطواق الحمائم في الرِّقاب

صعب الحجاب ودونه

لوفوده سهل الحجاب

ليثٌ يصول بعزمه

بأسًا على الأسد الغضاب

غيثٌ تكفَّل كفُّه

ريَّ الأباطح والشِّعاب

فتراه مرجوَّ النَّدى

أبدًا ومخشيَّ العقاب

/204 أ/ يا ماجدًا أوصافه

أسنى اجتلابي واحتلابي

يا عاقر الكوم المنيفات الذُّرى مثل الهضاب

يا من إلى أبوابه

دون الورى نصُّ الرِّكاب

أنزلتني من ظلِّ بابك في الأنيس المستطاب

ومنحتني من بعض جودك ما يجلُّ عن الحساب وأعدت لي من لطف برِّك حسن أيَّام التَّصابي

لقياك مأمولي وما

يرضيك من أسنى طلابي

وحماك مقصودي وبأبك

إذ يجور الدهر نابي

أنسيتني وطني وأغناني

نوالك عن صحابي

فأتيت محمود السُّرى

ورجعت مشكور الإياب

غردًا بمدحك لا أحايي

في هواك ولا أحابي

وبك استطلت من الزَّمان على نوائبه الصِّعاب

يا من مواهب كفِّه

في غير جدواها ارتيابي

المجد ناب بمدحه

عنِّي فأحسن في المناب

ومن العجائب أنَّ نظم الدُّرِّ ناب عن السِّخاب

/204 ب/ إذ قال منتدبًا لمجدك

بالدُّعاء المستجاب

لا زلت تختطف العدا

بشهاب عزم غير نابي

ص: 315

فالضدُّ شيطانٌ وانت ابن الشِّهاب أبو الشِّهاب

وكناك صار أبا شجاعٍ

والكنى عين الصَّواب

لمَّا غدوت بصعدة

مثل الشُّجاع بألف ناب

وسقيت من ضرب الملاحم

للعطاش على ظراب

وبكى على بغراس حين

أخفننها حصن الخوابي

وغدوت في كلِّ العلوم

مكمِّلًا فصل الخطاب

ولديك مسند أحمدٍ

يروي صفاتك في كتاب

ولك الوجيز من النِّظام مهذبًا سهل الجواب

ولك الفصيح من الكلام إذا بدا ما في الوطاب

إيضاح لفظك مجملٌ

ومفصلٌ في كلِّ باب

لا زال مجدك سالمًا

في الدَّهر من عارٍ وعاب

وقال أيضًا بمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين /205 أ/ -خلّد الله دولته ونشر بالنصر ألويته-: [من الكامل]

ورد الحياء بوجنتيك نضير

ته ما لحسنك في الأنام نظير

يا مضعفي من وجنتيه بمضعف

جوريُّه أبدًا عليَّ يجوز

حتى م أحرم من رضابك خمرةً

ما ذقتها وأنا بها مخمور

غادرت دمعي بعد بعدك مطلقًا

فعلام قلبي في يديك أسير

دانت لدولتك القلوب محبَّةً

لا شكَّ إنَّك في الملاح أمير

وغدت تطيعك للجمال عساكرٌ

أبدًا بهنَّ على القلوب تغير

ما قابلت جيش التصبُّر من فتًى

إلا وعاد وقلبه مكسور

مخضرُّ عارضك الصَّقيل وخمرة الخدِّ الأسيل ..... تشهير

أصبحت يا ملك الملاحة آمرًا

في العاشقين وغيرك المأمور

تعطي المحاسن من تشاء محكَّمًا

في الحسن تخلع وشيه وتعير

فالقد رمحٌ فيه وجهك طلعةٌ

والشَّعر منه لواؤك المنشور

شهرت صوارم مقلتيك على الورى

فحديثها في فتكها مشهور

وسمت بوجهك للمحاسن دولةٌ

خدَّامها دون الملاح كثير

ص: 316

في الخدِّ ريحانٌ وثغرك جوهر

والخال عنبر دونه كافور

/205 ب/ وبجيش حسنك فوق خدِّك عارضٌ

بالمسك أثبت خطُّه المسطور

يدعو النُّفوس إلى هواك بحاجبٍ

أبدًا بتعذيب النُّفوس يشير

وحميت ثغرك باللِّحاظ كما حمى

دين الهدى المستنصر المنصور

القائم المهديُّ صفوة رِّبه

في العالمين وهديه والنُّور

مولًى إذا جار الزَّمان على الورى

فنداه من جور الزَّمان يجير

خضعت لدولته الملوك فما لهم

من بأسه إلَّا حماه مجير

القهر محتومٌ على أعدائه

فعدوُّه من نفسه مقهور

نزلت ملائكة السَّماء بنصره

فله المهيمن حافظ ونصير

فلديه من آي الكتاب كتائبٌ

وعليه من سير النُّبوَّة سور

بدرٌ أقلُّ عطائه لك بدرةٌ

حبرٌ أنامل راحتيه بحور

مبتسِّمٌ للقاصدين فبشره

بندى يديه لقاصديه بشير

هو مطلق العأني الأسير وعنده

أنَّ الكثير من النَّوال يسير

أخلاقه وندى يديه لوفده

والعام أغبر روضةٌ وغدير

ليث تحاذره اللُّيوث مهابةً

غيثٌ على مرَّ الزمان مطير

سدِّت ثغور المسلمين بعزمه

فتبسَّمت للنَّصر منه ثغور

/206 أ/ طودٌ إذا عاذ المسيء بحلمه

فالذَّنب منه بعفوه مغفور

أبدًا تخفُّ له الشَّوامخ خيفةً

ويكاد يذبل يذبل وثبير

طالت مكارمه الكرام فقد غدا

عنه لسان الشُّكر وهو قصير

من معشر أحسابهم ووجوههم

في اللَّيل للسَّاري تكاد تنير

المنقذين من الضَّلال ومن لهم

غررٌ تكاد لها النُّجوم تغور

وهم البحور إذا الموارد اعوزت

وهم إذا خيف الضَّلال بدور

وهم ظهور اللَّاجئين وفي الوغى

فهم القلوب وفي النَّديِّ صدور

فقرًى تقرُّ به العيون وأربعٌ

يعشو إلى نيرانها المقرور

أحيا أمير المؤمنين زمانهم

فهم وإن غاب الشُّخوص حضور

ولهم من المستنصر بن محمَّد

بحرٌ نمير ندى يديه يمير

ص: 317

فمن الخليفة عنهم خلفٌ لهم

لكن تخالف أعصرٌ ودهور

وافى أخيرًا في الزَّمان .....

ما ضرَّه في عصره التَّأخير

هو أوَّل في المكرمات وجوده

ختم الكرام فجاء وهو أخير

طولًا أمير المؤمنين على الورى

وعلًا فدون محلِّك التَّأثير

ولآل ربِّ العربش أمر عباده

فجميع ملك غير ملكك زور

/206 ب/ سارت بسيرتك الرَّكائب في العلا

فعلى زمانك نضرةٌ وسرور

ودعا تبسُّمك العفاة إلى النَّدى

فسفور وجهك للعفاة سفير

فتهنَّ بالشَّهر الَّذي في مثله

أبدًا يضاعف سعيك المشكور

حتَّى يعود عليك في أمثاله

صومٌ غدا متقبَّلًا وفطور

فتملَّ بالعيد السَّعيد فإنَّه

دون الأنام إلى علاك يشير

طالت فضائله الفضائل رتبةً

فالمدح في تقصيره معذور

لو رام يمدحكم جريرٌ بالغًا

أقصى المدائح ما أطاق جرير

وأنشدني لنفسه في [غلام] يعرف بالسكَّر، وكان صبيًا مليحًا جميلًا حين اختط عذاره، اسمه حسن:[من مخلّع البسيط]

الحاظ عينيك فاتنات

جفونها الوطف فاترات

للغصن من قدِّك انفتال

والظَّبي من جيدك التفات

والثَّغر كالثَّغر في امتناع

يحميه من لحظك الرُّماة

حيَّات صدغيك قاتلاتٌ

فما لملسوعها حياة

فرَّق بيني وبين صبري

منك ثنايا مفرَّقات

يا حسن صدُّه قبيح

فجمع شملي به شتات

/207 أ/ الشَّمس لو حاكمتك حسنًا

قضت عليها لك القضاة

قد كنت لي واصلًا ولكن

عداك عن وصلك العداة

يا بدر تمٍّ له عذارٌ

بحسنه تمَّت الصِّفات

ص: 318

منمنم الوشي في هواه

يا طالما نمَّت الوشاة

نبات خدٍّ حلَّاك حسنًا

والحلو في السُّكَّر النَّبات

وأنشد لغزًا في الشبابة وهو: [من الطويل]

وناطقة خرساء باد شحوبها

وتكنَّفها عشرٌ وعنهنَّ تخبر

يلذُّ إلى الأسماع رجع حديثها

(إذا سدَّ منها منخرٌ جاش منخر)

فقال: [من الطويل]

نهاني النُّهى والحلم عن وصل مثلها

(فكم مثلها فارقتها وهي تصفر)

وقال أيضًا، وكتبه إلى بدر الدين ابان الرومي كاتب الإنشاء بالديوان العزيز يذكر برسمه من الوزير نصير الدين بن الناقد سنة تسع وثلاثين وستمائة:[من الكامل]

/207 ب/ يا أيُّها البدر المنير ومن له

أعلى المراتب فى النَّدى والباس

أنت الَّذي فضل الأنام فذكره

بين الأنام معطَّر الأنفاس

لولا ذكاؤك لم يقل في شعره

يومًا حبيبٌ في ذكاء إياس

حاشاك أن أنسى لديك ولم أكن

أبدًا لشكرك في المحافل ناسي

فإلى متى السترى يغدوا منشدي

(ما في وقوفك ساعةً من باس)

كن مذكر المولى الوزير بشاعرٍ

جزل المدائح في بني العبَّاس

فمن العجائب والحلاوة نسبتي

أنِّي أذوق مرارة الإفلاس

وأنشدني لنفسه في الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أيده الله- ويعرض في ذلك بذكر الموفق بن أبي الحديد: [من الوافر]

اركن الدِّين يا أسنى البرايا

وأسمى النَّاس في كرم وجود

وخير فتًى له مننٌ وجودٌ

يطوِّق بالمواهب كلَّ جيد

ص: 319

يخوِّفني الموفَّق كل وقت

ويأمرني بتجويد القصيد

وقلت له قصائد حين تجلى

كنثر الدُّرِّ في نظم العقود

فلنت أأذكرت وغير بدعٍ

إذا لان الحلاوة للحديد

/208 أ/ وقال أيضًا: [من الطويل]

علمت بأنَّت صائرون إلى الفنا

وما يتساوى عالمٌ وجهول

وأنَّا وإن عشنا زمانًا فإنَّنا

إلى الموت من بعد البقاء نؤول

على الشَّمس منَّا رحمةٌ ما دجا الدُّجى

وما حان من شمس النَّهار أفول

فتًى كان أهلًا للجميل وفعله

فما صبرنا عنه الغداة جميل

ولسنا مخاريقًا على فقد هالك

وظلُّ أمير المؤمنين ظليل

وما ضرَّنا أعمارنا أن تقاصرت

وعمر أمير المؤمنين طويل

وأنشدني لنفسه يمدح الملك الصالح ركن الدين عز الإسلام، وفخر الأنام جلال الدولة ناصر أمير المؤمنين إسماعيل بن المولى الملك الرحيم بدر الدين –شيّد الله قواعد دولته بمحمد وعترته-:[من الكامل]

هل للمتيَّم عن هواه عدول

وشهود ادمعه عليه عدول

يغريه تفنيد الوشاة وربما

اغرى المحب مفنِّدٌ وعذول

يا لائمي فيمن كلفت بحبِّه

هيهات عذلك في الغرام يطول

/208 ب/ ألزمتني بالصَّبر عنه تجلُّدًا

والصَّبر إلَّا عن هواه جميل

كيف التَّستُّر في الغرام وفاضحني

دمعٌ على الخدِّ الأسيل يسيل

وبليَّتي لدن القوام يزينه

خصر كجسمي في هواه نحيل

نطق النِّطاق بشرح حالي عنده

لما صمتن أساورٌ وحجول

يحمي بعسَّال القوام إذا انثنى

لدن المعاطف ثغره المعسول

ظبيٌ عن الصَّبِّ الكئيب نفاره

غصنٌّ عن الهجران ليس يميل

جهلت على قلبي رماة جفونه

فعلام يفتك بالعليم جهول

ورنا عن اللَّحظ الكحيل تزينه

سنةٌ فجفني بالسُّهاد كحيل

في خدِّه زهرٌ يزيد غضاضة

لا يعتريه على الزَّمان ذبول

جوريُّ ورد مضعفٌ قبَّته

كلفًا فضاعف حسنه التقَّبيل

ص: 320

أرجو ازديار الطَّيف منه تعلُّلًا

لو كان ينفع حبَّه التَّعليل

أو كيف ينعم بالزِّيارة مانع

أم كيف يسمح بالخيال بخيل

ما لي إليه وقد تناءت داره

إلَّا نسيمات العشيِّ رسول

ولذاك يطربني النَّسيم إذا انبرى

فكأنَّ أنفاس الشَّمال شمول

رشا به تحيا الصَّبابة مثلما

أحيا لنا الآمال إسماعيل

/209 أ/ الصَّالح الملك الجليل ومن به

يرجى دفاع الخطب وهو جليل

الألمعيُّ يحلُّ كلَّ عظيمةٍ

عقل البليغ بمثلها معقول

فإذا اختبرت ذكاءه في مشكل

طرد ..... ذهنه المصقول

ملكٌ لديه من السَّخاء مخايل

وعليه للشَّرف الرَّفيع ديل

ذرب اللِّسان يحار في أوصافه

فهم البليغ إذا رآه يقول

حلو الشَّمائل في السَّماح مذرَّب

جمُّ الفضائل في الفخار أصيل

فالغيث منه يصوب في يوم النَّدى

واللَّيث منه على العداة يصول

يقظ إذا شغل الجهالة خدنه

بالمكرمات ..... مشغول

ضمنت لنا عنه النَّجابة أنَّه

يسمو على أترابه ويطول

ملكٌ تبيَّن في أسرَّة وجهه

أنَّ الممالك نحوه ستئول

ألقى تمائمه النُّهى فاستبشر

السَّيف الصَّقيل بأنَّه المحمول

ونضا ملابس للصِّبا متدرِّعًا

حكمًا فسرَّ التَّاج والإكليل

حاز الفصاحة والسَّماح فلفظه

جزل وجود ندى يديه جزيل

ما همُّه في ناهد بل همُّه

نهد المراكل زانه التَّحجيل

كلَّا ولا البيض الرِّشاق شجونه

لكن شجاه الأبيض المصقول

/209 ب/ لهج على صغر بكلِّ بديعة

عظمت فحار لحلِّها المعقول

شبلٌ من الأسد الَّذي أظفاره

في يوم مغزاه قنًا ونصول

فله من البيض الصَّوارم جنَّةٌ

وله من السُّمر اللَّهاذم غيل

ومجدِّل اللَّيث الهزبر يمدُّه

كفٌّ ازب وساعدٌ مجدول

ص: 321

ملكٌ له السَّيف المهنَّد صاحبٌ

أبدًا ومن زاكي الخيول خليل

ما إن يلذُّ بسمعه يوم الوغى

إلَّا صليل صوارم وصهيل

كلفٌ بعيد المكرمات فقلبه

لا تطَّبيه الغادة العطبول

طودٌ يخفُّ إلى المكارم عطفه

لكن سطاه على العداة ثقيل

كرم الأبوَّة ضامنٌ بسموِّه

من فوق كلِّ متوَّج وكفيل

فيكفِّيه ماء السَّماحة هاطلٌ

وبوجهه ماء الحياء .....

أبدى شمائل من أبيه فحلبه

بولاء آل محمَّد موصول

فهم له سفن النَّجاة إلى الهدى

وهم الوسائل عنده والسُّول

يا أيُّها الملك الَّذي شهدت له

بالبأس سمر لهاذم ونصول

أنت الَّذي ترجى لكلِّ ممنَّع

صعب المراس وجودك المأمول

وعليك للملك الرَّحيم شواهدٌ

نطقت بأنَّ عدوَّك المخذول

/210 أ/ وسموت فالمثني عليك مقصِّرٌ

أبدًا وباعك في السَّماح طويل

وأنشدني لنفسه، وكان قد خلع عله الملك العزيز محمد بن عبد الملك الظاهر غازي ابن يوسف– صاحب حلب- خلعة صفراء فلم يرضها فكتب إليه:[من الكامل]

يا أيُّها الملك الَّذي شهدت له

بالمكرمات شوارد الأخبار

والمقتني حسن الثَّناء وخير من

زفَّت إليه عرائس الأفكار

ما كنت أرجو أن تكون ملابسي

إلَّا كما ألبست من أشعاري

أبستكم حلل الثَّناء قشيبةً

كالرَّوض جيد بعارض مدرار

فعلام ألبس من فواضل جودكم

ما لا يليق بهمَّتي وفخاري

صفراء آذن لونها لمًّا أتت

بقصةر حجَّتها عن الأعذار

قابلتها بيد القبول وإنَّما

شعري تأبى أن تكون شعاري

فرددتها ولسان حالي منشدٌ

(ما في قعودك عاريًا من عار)

وكتب إلى محيي الدين محمد بن سعيد بن أبي النداء الجزري الوزير، وكان قد

ص: 322

أمر مشرفه /210 ب/ على المطبخ أن يحمل إليه طعامًا وكان أحول فقصَّر فيه:

[من الطويل]

أيا ماجدًا تلفى السَّماحة والحجى

وبدر الدُّجى والبأس ما بين ثوبيه

أأشكو إليك الباقلانيَّ لائمًا

وقد رحت محتاجًا إلى برِّ كفَّيه

يجيء إلينا بالقليل يظنُّه

كثيرًا وليس الذَّنب إلَّا لعينيه

ومن سوء حظِّي أنَّ رزقي مقدَّرٌ

براحة شخصٍ ينظر الشَّيء مثليه

وأنشدني لنفسه في إنسان يدّعي معرفة العروض: [من الطويل]

وقالوا غدا نجل الجنيد مصنِّفًا

عروضًا وبعض النَّاس أفضل من بعض

يقطِّع أعراض البسيط وإنَّما

يقطِّعه أهل البسيطة في العرض

لقد رميت بالثَّلم والخرم دبره

كما رميت كفَّاه بالكفِّ والقبض

وقال فيه: [من السريع]

قالوا غدا ابن الجنيد منفردًا

ما مثله في العروض من أحد

وقصدنا فكُّ دابره

وهو بسيط يفكُّ بالوتد

وله فيه من أبيات: [من الوافر]

/211 أ/ أريناه الطَّويل وقد أرانا

بسيطًا شكل دائرة المذال

نقطِّعه بأسباب خفافٍ

على الأسماع وهو من الثِّقال

[117]

أحمد بن بوران بن سنقر بن عبد الله، أبو عليِّ بن أبي أحمد الموصليُّ، النقاش الدهان.

أخبرني أنَّه ولد بالموصل في سابع عشر رجب سنة ستّ وتسعين وخمسمائة.

شاب من الأذكياء في صناعة التزويق والنقش وتصوير المدور والكتب وتذهيبها، فاق في ذلك على أهل زمانه لا يماثله أحد فيما يخترع من غرائب التزاويق، وبدائع التصاوير، ويكتب خطًا مليحًا، ويرجع في الشعر إلى صحّة طبع، وسلامة قريحة في المنظوم.

ص: 323

أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين تاج الملوك وشرف السلاطين أبا الفضائل نصير أمير المؤمنين- أنفذ الله أمره- ويذكر الجوسق الذي أنشأه بظاهر البلد بالرضاصي /211 ب/ ويصف ما فيه من التزاويق والتماثيل والبرك والبساتين وغير ذلك: [من الطويل]

تبلج صبح الملك بعد ظلامه

وبدِّل عن تقطيبه بابتسامه

وجمَّع أشتات التَّهاني نظيمةً

وشتَّت عشقد الهمِّ بعد انتظامه

وأصبحت الدُّنيا تطير بأهلها

سرورًا فقرَّت عينها بدوامه

بملك أقام الدِّين بعد اعوجاجه

وأنصفه من بعد طول اهتضامه

ألا فأنظروا هل نال مثل مناله

مليكٌ مضى أو همَّ مثل اهتمامه

يشيد بناءً لا ترام لغيره

شواهده في عزمه ومرامه

تخبِّرنا أن ليس قصدٌ كقصده

وليس غرامٌ بالعلا كغرامه

هي الدَّار لا دارٌ سواها فقف بها

ترى منظرًا باليمن حسن ابتسامه

تطوف بها الأملاك من كلِّ جانبٍ

كما طاف إبراهيم حول مقامه

فلا يوان لا إيوان كسرى ببابلٍ

لما قد حواه من فنون رخامه

إذا ما رنا طرفٌ ليدرك شأوه

يعود كليلًا دونه لم يسامه

.. فيها البرُّ والبحر عامرًا

بحيتانه في عامر بنعامه

تلاعب فيها الضَّبُّ والنُّون دائبًا

فمن سابحٍ أو سائحٍ في إكامه

/212 أ/ ترى الرَّوض ما أبدى رفيع سقوفها

لطائف من نوَّاره وثغامه

تميس غصونًا لم يمسن وما شدت

على الأيك منها طائرات حمامه

فكم من نديم أوطأ الكأس كفَّه

ولكنَّه لم يرتشف من مدامه

وهيفاء امست يوجع العود ضربها

وما هو عنها مفصحٌ بكلامه

وريمٍ رماه نابل فأصابه

وما ذعرت ألَّافه من بغامه

وكم من هزبر فاغرٍ فاه طالبٍ

كميًا على طرف ثنى بلجامه

ومن باذل ما نيط حبل عقاله

ولا سابقٍ يلوى بجرِّ زمامه

وفتيان صدق من قوارير كوِّنوا

فكل يرى عن حلمه لاحتكامه

صفوا عن يد الأكدار فالسِّر عندهم

مذاع ولمَّا يحمدوا باكتتامه

ص: 324

فكلٌّ ترى من جاءه من ورائه

جليًّا كمن قد جاءه عن أمامه

لدى بركة حفَّت بوشي حدائقٍ

يخجِّل زهر الرَّوض حسن نظامه

تدرُّ ضروعًا لا يملُّ رضيعها

ولا هي تدعوه أليم فطامه

تدافق فيها الماء من كلِّ جانب

فيطرب من تصفيقه وانتظامه

إذا انبعت فوَّارة منه منبعًا

تخال ..... ما فوَّقت من .....

يروع العذارى الحاليات نثيره

فتدرك كلٌّ عقدها بالتزامه

/212 ب/ فمن كامل التَّثمين لاقى مسدَّسًا

فوافق في التَّربيع عند لحامه

كأن مدار القطب وجه بساطها

ترى الشُّهب من وحدانه وتؤامه

تصدِّق إن قلت السَّماء لأنَّه

يرى البدر فيها كاملًا في تمامه

مليكٌ براه الله للنَّاس رحمةً

بقوم تحدِّي حلِّه وحرامه

فللبرِّ والحسنى بنان يمينه

كما ضمن الآجال حدُّ حسامه

به ختم الله الكرام لأنَّه

رأى كلًّ خير فضله بختامه

تواضع في عزٍّ وصار محاربًا

وجاد احتسابًا عند إقتار عامه

رأى منه تحت الملك ما لم يحلُّه

سليمان في أطياره وهوامه

فأشرف في الآفاق نورٌ مملَّكٌ

سنى البدر في الظَّلماء تحت لثامه

فعلَّم منه اللَّيث بأسًا وجرأةً

كما علَّم الأنواء فيض سجامه

كميٌّ أذاق التُّرك يوم نزاله

من الموت كأسًا مرة من زؤامه

حمى حوزة الإسلام بالبيض والقنا

فما ذمَّ دهرًا داخلٌ في ذمامه

وما حفظت أهل الثُّغور ثغورها

بغير مواضي حدِّه واعتزامه

فللذئب برٌّ زائدٌ من شراكه

وللنَّاس حظٌّ زائدٌ من طعامه

هنيئًا نداماه لقد نلتم به

على قصر الجوزاء نيل سنامه

/213 أ/ بلغتم به أقصى الأماني فحبُّكم .. بمن جرع الأعداء كأس حمامه

جوادٌ به بلِّغت ما كنت آملًا

فأصبح حظِّي ناقهًا من سقامه

يجود بلا منٍ ولا لي موعدٌ

إذا الغير خلَّاب بلمع جهامه

فمن أجل ذا لم يشك للبين مركبي

مجاذبه من نسعه وزمامه

وما خاب طرفٌ فاز منه بنظرةٍ

ولو شامه إنسانه في منامه

ص: 325

فبورك بنيانًا وبورك ساكنًا

وبوَّأه الرَّحمان دار سلامه

ولا زال مأهول الجناب مؤيَّدًا

ممرَّ اللَّيالي دائمًا بدوامه

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]

سلاه هل عدَّ قتلي بالصُّدود رضا

أم ساخطًا كان في أمرٍ عليَّ قضى

كلَّفت قلبي لديه الصَّبر معترفًا

..... كلَّما عاينته انتقضا

إني لأعجب من طرف التَّجلُّد في

هواه يعثره وجدي إذا ركضا

وعارضٍ من جفوني كلَّما نظرت

عيناي بارق ثغر منه معترضا

أما وليل كحظِّي من ذوائبه

على صباح كفرق في الجبين أضا

لا كنت ممَّن يرى في الحبِّ مبتذلًا

عنه ولو جار أو أبغي له عوضا

[118]

أحمد بن إبراهيم بن أحمد /213 ب/ بن هبة الله بن الحسين بن الحسن، أبو العباس بن أبي إسحاق الموصليُّ.

من أبناء الرؤساء المتصرفين بالموصل.

أصل آبائه من الجزيرة العمرية، وانتقلوا إلى الموصل وتولوا بها الأعمال الجليلة لبني أتابك؛ وهبة الله جده يعرف بالعفيف وبه يعرف بيتهم.

وأبو العباس أخبرني أنه ولد في شهر صفر سنة اثنتين وستمائة، ونشأ في طاعة الله تعالى، والتمسك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم مع سداد وصلاح، وحفظ القرآن العزيز، وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري، والنقيب أبي الفتوح حيدر بن محمد بن عبيد الله الحسيني، وصحبة مدّة. واستدعى إلى ديوان الاستيفاء بعد موت والده فما أصاب وأعرض عن ذلك ورعًا وتدينًا ونزاهة نفس.

ثم تولّى خزانة كتب المدرسة المولوية السلطانية البدرية المطلّة على دجلة- عمّرها الله ببقاء منشئها-.

وهو من سروات الناس وأمثالهم، وأماجد أهل بيته وأفاضلهم، ذو دين وافر، ونسك ظاهر /214 أ/ كثير الخير، واسع النفس، مهذَّب الأخلاق؛ له بلاغة في

ص: 326

خطابة، وحسم عبارة، وخط رائق، وشعر مستحلى، ولم يكن يؤثر إظهار شيء من أشعاره، ولا يسمح عليّ بها فحيث طالع هذا الكتاب وتأمله قراءة شرَّفني ببيتين من قيله، وهما:[من الكامل]

وجمعت أرباب الفضائل والنُّهى

في سفرك الحسن الأنيق الكامل

وسلكت أجمل مسلكٍ في رصفه

فوقيت لؤم العائب المتجاهل

[119]

أحمد بن ملاعب بن علويٍّ أبو عليٍّ الإربليُّ

أصله من الموصل.

شاب ملء بدنه، عبل الجسم، أسمر.

يحفظ من الحكايات المستظرفة، والنوادر الغريبة جملة. وكان كيسًا مطبوعًا مازحًا فيه دماثة ومداعبة، ولم يكن نظم الشعر من شيمته إلا [أنَّه] يقوله طبعًا.

كان يتولى في الدولة الظاهرية عملًا، فحين جاءت الدولة المستنصرية عزل عما كان عليه، وصار يكتب القصص بالأجر، واستشهد بإربل حين دخلها التتار- خذلهم الله تعالى- سنة أربع وثلاثين وستمائة.

/214 ب/ أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- رحمه الله: [من الخفيف]

كان ظنِّي متى قصدت عليًا

في مهمٍّ يبرُّ لي مقصودي

خاب ظنِّي فما عليَّ جناحٌ

إن تواليت بعدها ليزيد

وأنشدني لنفسه في قرد رآه راكب كلب، وناس يطوفون به الدروب والأسواق يتكسبون عليه رزقًا:[من الوافر]

واعجب ما رأيت ركوب قردٍ

على كلب يطوف به المغالق

وماذا بالعجيب فكم رأينا

كلابًا بحتها دهمٌ سوابق

وأنشدني لنفسه، وكتبه إلى شرف الدين أبي البركات المستوفي- رحمه الله تعالى-:[من الطويل]

ص: 327

أيا شرف الإسلام قد مسَّني الضُّرُّ

فلا جلدٌ من بعد هذا ولا صبر

أجرني فقد أضحى الزَّمان معاندي

وحسبي بلا منة أيسره الفقر

وماذا احتيالي قد بليت بأربعٍ

بها حسدي مضني وقد نفد العمر

وحيدٌ ومعيول وطول مطالةٍ

دهاني تماديها وقد خانني الدَّهر

/215 أ/ وكم لي أسلِّي النَّفس عما أصابني

على مضض منِّي إذا هاج بي الفكر

أقول: اصبري بالله يا نفس واعلمي

بأن ابن موهوب لنا في الورى ذخر

رئيسٌ كبيرٌ عالمٌ سيِّدٌ معًا

كريم حليمٌ صائمٌ قائمٌ حبر

له عزمات في النَّوال متى دنا

أخو عسرة مغناه حلَّ به اليسر

فلو حاتمٌ في الجود باقٍ بعصره

لكان له عبدًا لديه ولا فخر

ولو أنَّ كسرى عاش فينا بعدله

لبان لنا من عدله أنَّه كفر

ومنها:

فخذها عروسًا طفلةً فجهازها

مديحك والإحسان منك لها المهر

وعش وأبق في عيشٍ رغيدٍ ورفعةٍ

مدى الدَّهر ما لاح السَّما وبدا البدر

وأنشدني لنفسه، وهو مما قاله على لسان مسعط:[من الكامل]

أيا عدَّة المولود إذ هو يشتكي

ظماءً فأورده زلال الماء

ومن العجائب أنَّه يشتاقني

أدنو إليه فينثني ببكاء

[120]

أحمد بن جعفر بن الحسن بن علوان /215 ب/ بن حمزة بن سويدة التكريتيُّ الأصل.

شيخ رديء العينين، عاميّ لم يعرف ما يقوّم به لسانه، بغدادي المولد والمنشأ والدار. وهو دلّال الكتب وبائعها.

لقي جماعة من شعراء العراق وروى عنهم شيئًا من أشعارهم. وكان كثير التردد إلى الموصل، ويقيم بها. ثم رحل عنها إلى بغداد في تجارة الكتب، ولم تحمد طريقته مع الناس في معاملته؛ وربما يصدر عن خاطره أبيات قريبة. وأنا أستبعد هذا الشعر منه لكونه عاميًا لم يقرأ من الأدب شيئًا؛ سئل عن مولده، فقال: في سنة ستين وخمسمائة.

ص: 328

وروى الحديث عن أبي القاسم سعيد بن أبي المكارم بن بركة النحاس، وسماعه صحيح.

أنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]

قدم المعين فأشرقت

بغداد إذ قدم المعين

فأمارنا بالبرِّ حتَّى خلت ممنهله معين

قد كان حظِّي حين وافى منه أحسن ما يكون

وبحست منه الجانبين

وذاك عندي لا يهون

وأنشدني أحمد بن جعفر بن الحسن /216 أ/ الكتبي لنفسه: [من الخفيف]

ذهب العمر بالمنى والتَّقاضي

وبصدِّ الحبيب والإعراض

وتولَّى عصر الشَّباب وما

نلت مرادي منه ولا أنا راضي

وتبدلت بعد بهجة لوني

باصفرارٍ ولمَّتي بالبياض

أفأرجو من بعد هذا بقاءً

إقض يا دهر فيَّ ما أنت قاضي

[121]

أحمد بن أبي شجاع بن أحمد بن أبي البدر الدمشقيُّ، المعروف بالذهبيِّ.

نسب إلى بني تميمٍ نفسه، وادَّعى أن الحيص بيص الشاعر هو جدُّه من قبل الأمّ.

وأشعاره ضعيفة جدًا، قليل الحظ من العربية ومعرفتها. وفي شعره لحن فاحش. يتشيّع ويقصد الناس بأقواله؛ وهو دميم الصورة، خفيف اللحية والعارضين، قبيح الهيأة، يفرط في الفحش، كثير الكذب، ..... في ذاته.

أنشدني لنفسه؛ وهو أصلح شعره، يستدعي صديقًا له:[من الخفيف]

نحن في مجلسٍ حكى الرَّوض تفويفًا وما في الرِّيَّاض ما هو فيه

/216 ب/ نرجس الأعين المراض وتفَّاح خدودٍ الحاظنا تجتنيه

وروامش سوسنٍ يخجل الخيريَّ في صبغه الَّذي يبديه

ونديمٌ قد اكمل الله للأنفس فيه جميع ما يشتهيه

ص: 329

ومدامٌ أرقُّ من دمعة الصَّبِّ وشاد ألجٌ من عاذليه

لم يفته ممَّا تجرُّ المسرَّات إليه إلَّا حضورك فيه

وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام وضع في فمه درهمًا: [من السريع]

وشادن قابلت في ملعبٍ

وهو بعقلي تائهٌ يلعب

فقلت لمَّا اختال كالغصن لا

أجيء من وجد ولا أذهب

فافترَّ تيهًا فبدا درهمٌ

في فيه لي مبسمه يحجب

فقلت هذا منظرٌ لم يجد

في النَّاس منه قبله أعجب

عضَّ على حقفٍ نقًا فوقه

بدر دجًى في وسط كوكب

وأنشدني لنفسه في غلام اسمه موسى بخدِّه خال: [من السريع]

واهيف القدِّ على خدِّه

خال على سفك دمي عونه

/217 أ/ فهو كموسى والعصا لحظه

وقلب من يهواه فرعونه

وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

سقى ليلةً بتنالها في مسرَّة

وقد غفل الواشي ونام المراقب

أقبِّل وردًا فوق خدٍّ وعارضًا

أسيلًا عليه العنبر الرَّطب ذائب

وأرشف ريقًا كالأقاحي وأجتلي

هلالًا أنابت عن دجاه الذَّوائب

ذهلت به حتَّى توهَّمت أنَّني

من الوجد في وادٍ من الحلم ذاهب

وحتًّى حسبت البدر يدنو صبابةً

وكادت بأن تهوي إلينا الكواكب

وأنشدني قوله: [من المنسرح]

وزائر ٍكالهلال واللَّيل قد

جرَّ على الخافقين أذياله

حسبته حيث زارني قمر التَّمِّ له من عذاره هاله

وأنشدني له: [من الطويل]

لبست جديد الحيِّ لمَّا تعرَّضت

علائق ودٍّ قبله وعهود

وها أنا لمَّا أخلق العذر .....

تعرَّض منِّي جفوة وصدود

وقد كان قلبي لم يطعني على القلى

وها هو طوعي اليوم كيف أريد

ص: 330

وأنشدني لنفسه: [من الوافر]

/217 ب/ وذي هيفٍ من الأتراك وجدي

برشف رضابه وبوجنتيه

ولكني أحاذر حيث يرنو

مهاجمة الرَّدى من مقلتيه

أقول قد ثناه التيه لينًا

وجاذبني تأوُّدُّه إليه

فوا أسفي على عمر أقضِّي

بجفوته وواحربي عليه

رمى ورنا فكان اللَّحظ أودى

بقلب الصَّبِّ ممَّا في يديه

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الخفيف]

زارني خلسةً من الرُّقباء

بعد مطلٍ مبرقعًا بالحياء

غير أنَّا لمَّا اندفعنا إلى بثِّ شكاةٍ من لوعةٍ وعناء

أبعدتنا عين الرَّقيب .....

نتشاكى باللَّحظ والإيماء

وأنشدني قوله أيضًا: [من مخلّع البسيط]

وددت لو زارني حبيبي

ولو خيالٌ بلا رقيب

فوالَّذي بالهوى ابتلاني

ووَّكل القلب الوجيب

ما قلت: أيأتي الحبيب إلَّا

جاء رقيبي بلا حبيب

[122]

أحمد بن داود بن بلال /218 أ/ بن معالي الإربليُّ، أبو العباس الخطيب المقرئ.

شاهدته كهلًا ضعيف النظر، إحدى عينيه نادرة. وهو دلال الكتب بمدينة إربل؛ من أهل العلم والقرآن وسمع الحديث كثيرًا على جماعة.

أنشدني لنفسه ما كتبه إلى الوزير الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي- رحمه الله: [من الطويل]

ألا أيها المولى الَّذي سار ذكره

واثقلني دون البريَّة برُّه

أهنِّيك بالعام الجديد وإنَّما

يهنَّي بك العام الجديد وعشره

ص: 331

[123]

أحمد بن اسفنديار بن الموفق بن أبي عليٍّ، أبو المكارم بن أبي الفضل البغداديُّ الواعظ الصوفُّي.

وسيأتي شعر والده في موضعه من هذا الكتاب- إن شاء الله تعالى-.

كانت ولادته في الثامن والعشرين من رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة ببغداد، وتوفي بعد منصرفه من بغداد في أوائل شهر ذي القعدة من سنة تسع وثلاثين وستمائة.

شاهدته ببغداد؛ وهو متقدم الصوفية /218 ب/ برباط الإرجوانية، وهو كهل حسن يروى عن أبي محمد إسماعيل بن أحمد الكاتب، وبالإجازة عن أبي الفرج بن كليب وغيرهما من المشايخ البغداديين.

وكان حافظًا للقرآن الكريم، صحيح السماع والإجازة، واشتغل بفن الوعظ على أبيه؛ ولديه فضل وأدب، وقال الشعر ودوّن لنفسه ديوانًا يشتمل على مجلدتين، ولم يودعه هجوًا البتة.

وذكر لي- في سنة ثلاث وعشرين وستمائة- أنَّ شعره يبلغ عشرة آلاف بيت.

ص: 332

وكان شيعي المذهب، غاليًا في الولاء.

أنشدني لنفسه يوم الأحد الحادي عشر من شهر رمضان بالجانب الشرقي من مدينة السلام بالرباط المقدم ذكره، وذلك في سنة تسع وثلاثين وستمائة، يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه-:[من البسيط]

قضى لك الله بالتَّأييد والظَّفر

ما لاح في الأفق ضوءٌ من سنى القمر

خليفة الله يا من نور نائله

جلَّى غمامة فقر البدو والحضر

.. مربع الإسلام منهمرًا

من جنودك الغمر يغنيه عن المطر

إحسأن مستنصر بالله منتصر

لله معتضد بالله مقتدر

/219 أ/ فلو رأى زمن المنصور صوب ندى

المنصور لم يبق من ضرٍّ ولم يذر

إمام حقٍّ رآه الله خير بني العبَّاس من آمرٍ منهم ومؤتمر

فناط حكم بني الدُّنيا بهمَّته القدسيَّة الحدس والأوهام والنَّظر

تفويض راضٍ لما أولاه من كرم

مأثور سيرته المحمودة الأثر

خليفةٌ زيَّنت أنباء سيرته

محاسن الكتب والآثار والسِّير

مصوَّرٌ في مقرِّ القدس من صورٍ

جلَّت لتقديسها من عنصر الصُّور

في خلق يوسف في أخلاق أحمد في

حكم المسيح المصفَّى من أذى الكدر

فجاء أغنى بني الدُّنيا بسؤدده

عن أن تعرَّف بالأوضاح والغرر

ينسي بإحسانه الأجواد من مضر

وبالسِّياسة ما قد قيل عن عمر

كأنَّه في معاني فضله ملكٌ

وإن تصوَّر في ملك من البشر

فيا أبا جعفر عمِّرت منتصبًا

في سدَّة الملك أقصى منتهى العمر

ولا برحت لآفاق العلا فلكًا

يهدي سنى نوره للشَّمس والقمر

ولا عدتك تهاني العيد وافدةً

ما هزَّت الرِّيح ميَّادا من الشجر

وعشت عيدًا لأعياد البريَّة ما

ترنَّمت ساجعات الورق في الشَّجر

ولا خلا منك دست الملك ما فرق الفصيح ما بين لفظ الغمر والغمر

/219 ب/ ولا ألمَّت بربعٍ أنت ساكنه

إلمامهٌ من مجاري حادث الغير

ص: 333

ولا برحت لبرج المجد نيِّره

العلويَّ ما طاف وفد الله بالحجر

وأنشدني أيضًا لنفسه في مولانا أمير المؤمنين، وذكر أنه أنشدها بالمدرسة التاجيّة في يوم الغدير. وكان قد صادف ذلك اليوم مجلس الوعظ:

[من مجزوء الكامل]

لا تسق بالقدح الصَّغير

من كان ذا خطرٍ كبير

إنَّ الأكابر للأكابر

والأصاغر للصَّغير

وأدر كؤوسك لا عدمتك

من أخي نظرٍ مدير

حمراء يشرف من زجاجتها سنى القمر المنير

جلَّت محاسن وصفها

عن أن تشبَّه بالخمور

بكرًا إذا نطقت حكت

ما كان في قدم الدُّهور

كانت ولم يخطر وجود الكون في نفس الضَّمير

يهدي إلى قلب الحزين

حديثها روح السُّرور

قدسيَّة الأوصاف مشرع ودرها العذب النَّمير

يجلو العمى وينير بالإيمان أوعية الصُّدور

/220 أ/ فإذا انتشيت من المدام ومست في حلل الحبور

وأرتك أنوار الهدى

بخلًا لدى النَّظر البصير

فاحلف بمن ظهرت خصائص فضله يوم الغدير

وعلا على كتف النَّبيِّ الصَّادق البرِّ الطَّهور

وأباد عمرًا بالحسام

المقصل العضب الطَّرير

وشفى بقتله مرحب

في خيبر قلت البشير

إنَّ الندَّى المستنصريًّ

ندى يجلُّ عن النَّظير

جود الخليفة لا يقايس

بالحيا الهامي الغزير

أنَّى وكيف وفضله

القدسيُّ عن كرمٍ وخير

ومواهب المنصور للإسلام

كالحامي النَّضير

ص: 334

مولى يخاف سطاه قلب الباسل الأسد الهصور

فاسلم امير المؤمنين من الردَّى حتى النُّشور

في دولةٍ أساسها

تعلو على الفلك الأثير

تبنى دعائمها برأي وليِّك المولى الوزير

النَّاصح البرِّ الوفيِّ

الصَّادق العفِّ الضَّمير

/220 ب/ وأنشدني أيضًا لنفسه في المستنصر بالله، وأنشدها بالبدرية الشريفة من لفظه:[من الخفيف]

لست أخشى جور الزَّمان وإن جار إذا كان عدَّتي المنصور

فإليه تعزى المناقب والفضل وعنه يروى النَّدى والخير

كالمعالي حيث استقرَّ استقرَّت

والأيادي تصير حيث يصير

جدَّد الله ملكه ألف عامٍ

يتوالى للخلق فيه السُّرور

وأرانا فيه المنى ووقانا

في معالي حلاله المحذور

وجرت بالَّذي تنشَّا المقادير وواتاه بالمنى المقدور

أنا أدعو والله يعلم صدقي

في ولائي وما يجنُّ الضَّمير

يا إمام الهدى الَّذي للمعالي

بمعاني آرائه تدبير

رجبٌ قد أتى يبشِّر بالنَّصر فنعم الآتي ونعم البشير

فتملَّ الزَّمان وأبق لدهر

أنت فيه مؤيَّدٌ منصور

فبكم يجبر الكسير وينفكَّ الأسير العاني ويغني الفقير

وقال أيضًا: [من الكامل]

/221 أ/ مالي ألام على الهوى وأعنَّف

ما في العواذل في اللَّوائم مصنف

أيلام صبٌّ وجده متوقِّدٌ

وسحاب مدمعه يسحُّ ويذرف

صبٌّ إذا ذكر الحمى وعهوده

لحمى العقيق ورامة يتأسَّف

حيران لا ينفكُّ مذ شحط النَّوى

بالظَّاعنين عن اللِّوى يتلهَّف

يرعى النُّجوم كأنَّه لطلوعها

وغروبها مترصِّدٌ متكلِّف

شوقًا يهيِّجه إذا جنَّ الدُّجى

نشوان من خمر الملاحة مخطف

رشا لواحظ طرفه سحريَّة

وبفيه لو بذل المراشف قرقف

ص: 335

رشا به عرف الملاحة مثلما

بشحوبي الوجد المبرِّح يعرف

[124]

أحمد بن الحسن بن عمر بن محمدٍ، أبو الفضل الأسفرايينيُّ.

نزيل ملطية من بلاد الروم.

شاب أشقر؛ شاهدته بالمدرسة النورية بحلب المنسوبة إلى بني عصرون، وقد وردها صحبة القاضي تاج الدين يوسف بن عبد الصمد بن أبي بكر التبريزي حين وافى رسولًا من سلطان البلاد الرومية، وذلك في شهر ربيع الأول /221 ب/ سنة سبع وثلاثين وستمائة.

وأنشدني لنفسه ما تضمنت هذه شيئًا من شعره. وسألته عن ولادته، فقال: ولدت ليلة الجمعة رابع جمادي الأولى سنة سبع وتسعين وخمسمائة.

وشعره لم تكن عليه طلاوة، وتظهر فيه العجمة والتكلف، فمما أنشدني له قوله:

[من الطويل]

نسيم الصَّبا عرِّج على ملطَّية

وبلِّع سلامي أهلها وتحيَّتي

وخصِّص بفرط الشَّوق من بينهم سربهم

غزالًا أراني البعد عنه منيَّتي

وقل بلسان الذُّلِّ يا غاية المنى

يقول فلانٌ حلَّ فيك رزيَّتي

تمرُّ وفي عيني خيالك غدوتي

وتمسي وفي قلبي هواك عشيَّتي

نسيت وطول العهد منسي عهودنا

وإنِّي على الحالين اخلصت نيَّتي

وعنك على بعد المزار روايتي

ومنك وإن طال البعاد رويَّتي

نسين الصَّبا تأبى القبول تخيُّرًا

وإلَّا فها روحي إليك هديَّتي

ص: 336

[125]

أحمد بن عليِّ بن أبي المكارم بن مسعود بن حمزة الموصليُّ، البغداديُّ الأصل، أبو العباس.

حفظ القرآن على والده، وعنده صدر حسن من العربية؛ /222 أ/ ومولده سابع صفر سنة ثماني وتسعين وخمسمائة.

أنشدني قوله: [من الطويل]

وإنِّي لأولى من تفيَّأ ظلَّكم

وأحرى من استصنعتموه مدى الدَّهر

لأنشر ديوان المدائح فيكم

ولا طيَّ بعد النَّشر إلَّا إلى الحشر

فإحسانكم عندي تليدي وطارفي

ومعروفكم يسري مع العسر واليسر

[126]

أحمد بن أبي القاسم بن أحمد بن أبي القاسم بن نصر بن سعيد، أبو العباس المعروف والده بالجزار الموصلي، وأحمد يلقب كشاجم.

وهو شاب معاشر مسترفد بقوله لا غير، ينظم الشعر في الهجو والمدح والغزول وغير ذلك. وخبرت أنَّه يتهم في أشعاره، وينتحل أشعار الناس ويسرقها والله أعلم صحة ذلك؛ وليست له حرفة يعتمد عليها سوى التكسب بالشعر والاستجداء.

وسألته عن ولادته، فقال: ولدت سنة خمس وتسعين وخمسمائة بالموصل.

وأنشدني لنفسه يمدح الملك الأشرف- رحمه الله: [من الكامل]

/222 ب/ دانت لطاعة أمرك الأقدار

وجرى بما تختاره المقدار

وبيمن سعدك أيُّها الملك الَّذي

أحيا العلا فلك السُّعود يدار

فاحكم على الدُّنيا فإنَّك مدركٌ

منها بجدِّك كلَّ ما تختار

ومن القضاء بما تشاء فإنَّه

لك والزَّمان وأهله الأنصار

فاسعد بملكك والَّذي أوتيت من

نعمٍ بها تستعبد الأحرار

واسلم إلى يوم الحساب محكَّمًا

في العالمين إذا ألمَّ بوار

ص: 337

وأنشدني لنفسه يمدح بعض الرؤساء: [من الخفيف]

حكَّمته لحاظه في القلوب

فحمته من كلِّ لحظٍ مريب

رشا كالهلال وجهًا وكالغصن

قوامًا وردفه كالكثيب

بابليُّ الجفون في وجنتيه

جنَّة القلب في دماء القلوب

أيُّها الهائم الَّذي ظلَّ في الحبِّ ضلالًا يلومني في الحبيب

أنا صبٌّ به كئيبٌ وكم في

يده من فؤاد صبٍّ كئيب

ما احتيالي والخصم قاضٍ وعندي

مرضٌ دلَّه عليَّ طبيبي

يا أخلَّاي هل مجيبٌ خليُّ البال من حرِّ لوعةٍ ووجيب

يستميل الحبيب أو يرجى لواش بنا أو يغضُّ لحظ الرقيب

/223 أ/ وغزال تراه في اللَّيل بدرًا

في قضيب يسعى بشمس الغروب

كلَّما رمت سلوةً عنه وافى

حسنه سافعًا بفنٍّ غريب

زارني والظَّلام داجٍ فأغنى

عن سراجٍ بكأسه المقطوب

وسقاني إلى الصَّباح من الرَّاح ومن ريقه بكأس وكوب

حبَّذا ما مضى لنا من زمان الوصل واللَّهو بالحمى والكثيب

حيث غصن الشَّباب غضٌّ وريقٌ

ناعمٌ لم تصبه عين المشيب

والصِّبا شافعٌ إلى كلِّ خودٍ

كقضيب الأراك رؤد ٍكعوب

لو تراءت للشَّمس غابت وإن لم

يدعها للمغيب وقت المغيب

تنفث السِّحر من جفون مراض

فاتكات بكلِّ سهم مصيب

لم تذق خمرةً وتسطو بقدٍّ

من حميَّا كأس النَّعيم شروب

فعلها بالعقول أفعال تاج

الدِّين بالفقر والعدا والخطوب

الوزير الَّذي يحلُّ بنو القافة من

ظلِّه بناد رحيب

يبسم الثَّغر من محيَّاه بالآمال

والنُّجح في الزَّمان القطوب

كلَّما جاد جاد من فيض نعمى

راحتيه فيض السَّحاب السّكوب

جلَّ من أن يحدَّ وصفًا فأضحى

في الورى واحدًا بغير ضريب

/223 ب/ ينثني عطفه إذا سمع المدح

وطيب الثَّناء مثل الطَّروب

وكأنَّ المديح إذ صار فيه

نشر زهرٍ أو نشر مسكٍ وطيب

ص: 338

منحته الورى ولاءً وحبًا

وحبته طبعًا صفاء القلوب

ذو يد تغمر الوفود بجودٍ

طافح دافقٍ غزير القليب

ومتى أجدب الزَّمان أنخنا

منه آمالنا بربع خصيب

ملبسي من مناقب المجد عارٍ

في بني الدَّهر من جميع العيوب

عالمٌ بالأمور والدَّهر والغامض من كلِّ كائنٍ والغيوب

عزمه في الزَّمان يفعل ما يعجز عن فعله شفار القضيب

فات ريح الجنوب سبقًا وهل فات سواه في السَّبق ريح الجنوب

نافذ الأمر في الحروب إذا ما

نبت الزُّرق والظُّبي في الحروب

أيَّها السَّائق الَّذي يقطع البيد وجوب الفلابحثِّ النِّيب

ناد للمكرمات مولاي بدر الدِّين تظفر منه بجود صبيب

وسحاب هام وطود أشمٍّ

وسميع لكلِّ داعٍ مجيب

أيُّها المالك الَّذي أصحب الآمال قصدي في مشهد ومغيب

أنا عبدٌ لكم بودٍّ صريحٍ

محكم في الأنام غير مشوب

/224 أ/ فانظر الآن في ولاء محبٍّ

صادقً في الثَّناء غير كذوب

وافتقدني عمًّا عهدت بجودٍ

من أياديك دافق الشُّؤبوب

وابق واسلم ما لاح نجمٌ وما هلَّ هلال في ظلِّ عيشٍ رطيب

وله: [من الكامل]

امدد إليَّ يد السَّماح لأنها

عونٌ على السَّراء والضَّراء

تولى مواليك النَّوال وتارةً

بالبيض تفتك في طلى الأعداء

وأنشدني لنفسه من صدر مكاتبة: [من السريع]

وانتحب الرَّاووق في مجلس

وطاف في المجلس ساق براح

وقال عند السُّكر مستهترًا

بالرَّاح: هذا وقتها لا براح

وحنَّ مستاقٌ إلى أهله

وأحيت الجود الأكفُّ السِّماح

ودام في الأرض مهبُّ الصَّبا

واستظرف النَّاس حديث السَّماح

ص: 339

وناحت الورق وراق الصَّبا

وشقَّ جيب اللَّيل كفُّ الصَّباح

وأمَّل الجود فتى فاقة

وتاه مثلي بالوجوه الصِّباح

وأنشدني لنفسه في الشيطان الشاعر، وقد توجه عن الموصل /224 ب/ قاصدًا مدينة إربل:[من الوافر]

سرى الشَّيطان عن بلدٍ رحيبٍ

إلى ضنك وجانب خير مالك

فقلت مقارقًا جنَّات عدنٍ

يمهِّد منزلًا في قرب مالك

وأنشدني أيضًا من شعره: [من البسيط]

باكر إلى كأس راحٍ بات يمزجها

بريقه ثمل الأعطاف نشوان

في خلقه روضةٌ بالنُّور مشرقةٌ

وفي خلائقه حسنٌ وإحسان

فثغره أقحوانٌ أشنبٌ عطرٌ

وخدُّه الورد والتَّعذير ريحان

وجفنه جفن بيض الهند مصلتةً

سنان قامته الهيفاء وسنان

علا على رأسه شاشٌ حوى عجبًا

فيه لعاشقه كفرٌ وإيمان

[127]

أحمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوك بن عبد الله بن شاكلٍ الإربليُّ الأصل.

من أبناء الأكراد ومن بيت فقه وعلمٍ.

شاب قصير يتزيّا بزي الأجناد.

أخبرني أنه ولد بالجزيرة العمرية يوم الخميس آخر النهار ثالث عشر ذي الحجة سنة تسع /225 أ/ وتسعين وخمسمائة، ولم يكن عنده ما عند أهله من الفقه.

أنشدني هذه الأبيات يرثى بها بعض بني عمه، وليس هي من صالح الشعر؛ غير أنَّ في أبياتها أبياتًا قريبة.

رأيته بالموصل في رجب سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وأنشدني لنفسه:

[من الكامل]

عظم المصاب فعزَّ فيه عزائي

وتبدَّلت عبراتنا بدماء

ص: 340

ومنها يقول:

وتصرَّمت لفراقه نار الجوى

وتأجَّجت في القلب والأحشاء

واستوحشت لمَّا خلت أوطانه

منه وحلَّ الأنس بالصَّحراء

يا أيُّها الجدث الَّذي صفحاته

صدفٌ لستر الدُّرة الغرَّاء

أتراك تعلم ما حويت وما ثوى

بك من عفافٍ وافر وجباء

لله قبرٌ طيُّ سرِّ ضميره

أصل الفخار وسيِّد العلماء

يا راحلًا أبقى الغرام مخيِّمًا

عندي وبان بسلوتي وعزائي

قد كنت قرَّة كلِّ طرٍف ناظرٍ

فاليوم صرت قذًى لعين الرَّائي

أتفقَّد الأحياء بعدك لا أرى

هيهات مثلك قطُّ في الأحياء

يا ليت شعري كيف حالك أنت في

ضيق اللُّحود ووحشة الظَّلماء

/225/ فعليك رضوان الإله ورحمةٌ

تأتيك في الإصباح والإمساء

مولاي إبراهيم والشَّرف الَّذي

أضحى تحمل سائر الوزراء

اصبر على هذا المصاب تجمُّلًا

فالصبر محمودٌ على الضَّراء

وأنشدني أيضًا: [من الكامل]

يا أيُّها الأسد الَّذي بفعاله ساد الورى

بالعدل والإنصاف

الدِّين ثمَّ الملك شخصٌ أنت منه كالنُّهى

وهو المحلُّ الوافي

ولأنت أكرم من مشى في عصرنا فوق الثَّرى

من ناعلٍ أو حافي

إنِّي جزعت من الزَّمان ومن شماتات العدا

إذ لم يكن لي شافي

حتَّى انتميت إلى من التجى

من جور دهرٍ جافي

فامنن عليَّ بما يساعدني على دهرٍ جنى

قدمًا على الأشراف

من افخر الملبوس يا أسد الشَّرى

تعلو به أوصافي

وتهنَّ بالشَّهر الأصمٍّ وعش متى هبَّت صبا

برغيد عيشٍ صافي

ص: 341

[128]

أحمد بن محمّد بن أبي الحسن بن بوبا، أبو العباس الإربليُّ.

كان والده كرديًا من قرية /226 أ/ بنواحي إربل اسمها "حريرا".

اشتهر اسمه بعباس وبه يعرف عند أهل بلده .. هكذا أملى عليَّ نسبه وخبّرني باسمه.

وهو فقيه حنفي مناظر، قرأ الفقه على جماعة من أئمة الفقهاء الحنفية، ودرس علم الأصول والخلاف والمنطق؛ وهو مع ذلك صالح عفيف الفرج، يحبّ الخمول، قليل المخالطة لأبناء هذا الزمان. وكان بيني وبينه صحبة بمدينة إربل أيام إقامتي بها.

أنشدني لنفسه من قصيدة يقول منها: [من الكامل]

رفعوا القباب على المطيَّ وأزمعوا

ووضعت من أسفي على كبدي يدي

صاحوا النَّوى فوقفت في آثارهم

أبكي الطُّلول وأندب البان النَّدي

أخذوا بأكناف اللِّوى في سيرهم

وأخذت أخذة حائرٍ لا يهتدي

سلُّوا من الحدق السُّيوف وأغمدوا

بين الجوانح جمرةً لم تخمد

[129]

أحمد بن غزّي بن عربيّ بن غزي بن جميل بن نبيل بن هندامٍ، أبو العباس الموصليُّ الربعيُّ ..

هكذا نسب لي نفسه لما سألته عنه.

شاب ثط /226 ب/ ربعة مائل إلى السمرة، من أنشا المواصلة. كان خبّازًا في مبدأ شأنه شخص هو وابوه وأهله إلى ديار مصر فسكنوها مدة لما وقع الغلاء بالموصل في سنة اثنتين وعشرين وستمائة؛ فتعلم بها طرفًا من العربية، وتأدّب وأخذ

ص: 342

نفسه بضاعة الشعر، ونظم منه ما استحلاه الأدباء، واستملحه الفضلاء.

وفيه ذكار حسن، وله بديهة جيدة إلّا أنه كثير الإعجاب بقوله لا يرى أحدًا فوقه من أبناء زممانه يطرب إذا أنشد أشعاره في وصفها والثناء عليها، والإسهاب في نعت معانيه، والمدح لجودة ألفاظه ومعانيه.

ومن شعره ما أنشدني لنفسه مبدأ قصيدة: [من الكامل]

وحياة ووجهك لا أردت بديلا

أبدًا عليك ولا أطعت عذولا

ديني هواك فكن بهذا واثقًا

من يشتهي عن دينه تحويلا

يا منكرًا سفك الدِّماء بلحظه

يكفيك خدُّك شاهدًا ودليلا

والله ما أرضاك أمرٌ في الهوى

إلَّا وكان على الرَّضا محمولا

بأبي غزال لم يزل بصدوده

سمحًا عليَّ وبالوصال بخيلا

/227 أ/ وأغنَّ ما للكحل في أجفانه

خطٌّ وتحسب جفنه مكحولا

حنق اللِّحاظ على القلوب كأنَّما

قتلت لعينيه القلوب قتيلا

في خصره معنًى دقيقٌ لم يزل

خطب الغرام به عليَّ جليلا

ووراءه ردفٌ ثقيلٌ زادني

عبئًا على عبء الصُّدود ثقيلا

عقد البنود فما رآه حازمٌ

إلا وأصبح عزمه محلولا

وتقلَّد السَّيف المهنَّد مغمدًا

وسطا بسيف لحاظه مسلولا

أمسى قليل الحظِّ منه وما أرى

حظِّي من العذَّال فيه قليلا

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]

تظنُّ الحبَّ سهلًا يا خليلي

وتحسب ناره نار الخليل

وما تدري بما يلقى محبٌّ

من الأحزان في اللَّيل الطَّويل

أما من منصف من جور ظبيٍ

على قتل الضَّراغم مستطيل

أشدُّ عليَّ من شوق عزيز

رأي حكمًا على دمعٍ ذليل

وأحكم فيَّ من نوب اللَّيالي

وجور الدَّهر في مال البخيل

معنِّفتي على سقم بجسمي

دعيني ما يهمُّك من نحولي

أما والحسن خلفه مستهامٍ

بورد الخدِّ والطَّرف الكحيل

ص: 343

/227 ب/ يمينًا لا أطعتك في ملامٍ

فقولي ما بدا لك أن تقولي

عليَّ رضا الحبيب بكلِّ وجهٍ

وليس عليَّ إرضاء العذول

وله: [من مجزوء الكامل]

وحياة فيك وما حوى

قسمًا عظيمًا في الهوى

ما ضلَّ صاحبُ مهجةٍ

تلفت عليك ولا غوى

يا أيُّها القمر الَّذي

نجم السُّلوِّ له هوى

ماذا أثرت على القلوب من الصَّبابة والجوى

بأبي وأمِّي غادرٌ

رفع العذار له لوا

وأغنُّ في أردافه

هزءٌ بكثبان اللِّوى

لو أنَّ لين قوامه

بقوام غصنٍ ما ذوى

قد زان مشبع ردفه

خصرٌ يبيت على الطِّوى

أفدي الَّذي ناديته

وركابهُ بيد النَّوى

مولاي عشقك نيَّتي

ولكلِّ عبدٍ ما نوى

[وله: ][من الوافر]

فؤادٌ لا يقرُّ له قرار

ووجدٌ لا يلائمه اصطبار

وأجفانٌ من العبرات غرقى

وأحزانٌ لها في القلب نار

.. ...... ......

......... لا يحب لها بدار

مررت بقبره والدَّار قبرٌ

ورحت أهيم والقبر دار

وعدت وللأسى عندي .....

وللعبرات في خدِّي انتثار

وكيف يكون والده عليه

وكيف ........

ومال حال الكبير إذا عرته

من الدُّنيا نوائبها الكبار

كمال الدِّين مثلك من يرجَّى

إذا ضنَّت بنائلها البحار

ومثلك من إذا ما ناب خطبٌ

تثبِّته السَّكينة والوقار

وجار غير مختصٍّ ..... وأنت

..... ..... .....

فكيف تطرَّقت نوب اللَّيالي

إليك وأنت منها المستجار

أدام الله ظلَّك من وزيرٍ

ليالينا بنعمته قصار

ص: 344

ودرجت سطايا ..... ......

..... الليل النهار]

[130]

أحمد بن عبد الملك بن أبي منصور بن محمد بن أبي نصر عليّ بن محمد بن أحمد بن أحمد، أبو العباس الهمدانيُّ الموصليُّ، المعروف بابن الخميِّ الضرير.

كانت ولادته- فيما أخبرني من لفظه- ثاني عشر ربيع الأول سنة ستٍّ وسبعين وخمسمائة؛ وهو أحد القراء ..... بالمدرسة النورية بالموصل على تربتها.

صحب أبا حفص عمر بن أحمد النحوي مدة، وقرأ عليه جملة من علم العربية. من أهل الفهم والمعرفة، حافظ للقرآن العظيم؛ وفيه فضل وذكاء وعنده علم وأدب وحسن عشرة ولطافة، ويقول المقطعات الرائقة.

أنشدني من شعره: [من السريع]

وكلُّ ما تعلمه يا فتى

عليك من رزقك محسوب

فلا تؤمِّل أن ترى ثروةً

فألرِّزق عن مثلك محجوب

[131]

أحمد بن محمد بن إبراهيم بن بي بكر بن خلّكان بن ياوك بن عبد الله بن شاكل بن الحسين بن مالكٍ، أبو العباس بن أبي عبد الله الإربليُّ.

ص: 345

/228 ب/ شاب من أحداث الإربليين. كانت ولادته- على ما أخبرني به من لفظه- يوم الخميس حادي عشر ربيع الآخر سنة ثماني وستمائة بإربل بالمدرسة المظفرية. وهو من بيت فقه وعلم.

وخرج عن إربل سنة ستٍّ وعشرين وستمائة طالبًا بلاد الشام، فنزل حلب وسكن المدرسة التي أنشأها القاضي بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم الموصلي الأسدي.

وقرأ صدرًا صالحًا من فقه الإمام الشافعي- رضي الله عنه على الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن باشي بن الخبَّاز الموصلي، وتميّز فيما قرأ عليه. وقرأ طرفًا من النحو على أبي البقاء يعيش بن علي بن الحلبي النحوي.

وحفظ جملة من الأشعار الرقيقة، وقال شعرًا حسنًا، وسمع بإربل في حال صغره مسند البخاري على أبي جعفر محمد بن هبة بن المكرم الصوفي بروايته عن أبي الوقت السجزي؛ وغير ذلك من الأحاديث النبوية.

ورحل إلى دمشق في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، وامتدح السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبا المعالي محمد بن محمد بن أيوب بن شاذي /229 أ/- خلّد الله سلطانه- بهذه القصيدة الرائية، وأنشدنيها بحلب في المدرسة القاضوية البهائية في شهر جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة. وبعد ذلك شخص إلى الديار المصرية؛ وهو مقيم بها. وكانت أخباره ترد إلى حلب بكل ما يسرّ القلب- بحمد الله تعالى-:

[من الطويل]

هوًى بين أحناء الضُّلوع مخامر

وفرط غرام أضمرته السَّرائر

ومشرع حبٍّ كلَّما قلت قد صفت

موارده أبدت قذاه المصادر

ص: 346

خليليِّ ما بال النسيم معطّرًا

أجاور نجدًا أم أضاعته حاجر

ولا تعجبا إنِّي ..... فإنَّني

شممت الشَّذأ إذ مرَّ بي وهو خاطر

تضمَّن نشر المالكيَّة طيَّه

وما آفة الأسرار إلَّا النَّواشر

نشدتكما هل بعد عزَّة أعشبت

عراص الحمى أم روَّض الجزع ماطر

وهل عذبات البان صوَّحن بعدها

لعظم الأسى أم هنَّ لدنٌ نواضر

إذا أومض البرق اليمانيُّ شمته

برجع جفونٍ لحظها متخازر

أردِّد فيه الطَّرف حتَّى كأنَّني

إلى ضوء ثغر المالكيَّة ناظر

ترى تسمح الأيَّام يومًا بزورة

فينعم مهجورًا ويُنعم هاجر

/229 ب/ لئن نزحت ذات الوشاحين فالجوى

مقيمٌ بقلب رسم مغناه كاثر

تولَّت ولمَّا يقض منها لبانةً

أخو أسفٍ يلقى النَّوى وهو صابر

يحنُّ اشتياقًا إن تألَّق بارقٌ

باعلام حزوى أو ترنَّم طائر

غريبٌ ثوى بالشَّام كرهًا وقلبه

إلى الشَّرق في إثر الظَّعائن سائر

يمنَّى بطيف المالكيَّة جفنه وكيف يزور الطَّيف والطَّرفُ ساهر

وركبٍ كأمثال السِّهام تقلُّهم

نواصل آمال الحنايا ضوامر

ترام جنابًا كاملّيًا معظَّمًا

لهيبته ترتدُّ عنه النَّواظر

إلى ظلِّ سلطان لعزِّ جلاله

وسطوته تعنو الملوك الجبابر

إلى الكامل الملك الَّذي بحر جوده

لورَّاده عذب المذاقة وافر

هو المخصب الأكناف والعامُ مجدبٌ

ومخجل فيض السُّحب والنُّوء هاجر

لميت النَّدى والحلم والعلم منشرٌ

وللعدل في كلِّ البسيطة ناشر

كتائبه أنصار دين محمَّد

فطوبى لمن أضحى إليه يهاجر

لقد خذل الباغين منصور جيشه

ولكنَّه للدِّين في الله ناصر

فردَّ وجوه القوم سودًا ببيضه

فعاد بإفراط الصَّغار الأكابر

وفي سمره حمر المنايا فمن سطا

ثعالبها تخشى اللُّيوث الخوادر

/230 أ/ ولم يلقه الأعداء إلا لعلمهم

بما يقتضيه حلمه وهو قادر

يسيء اليهم بأسه وهو غائبٌ

ويحسن فيهم عفوه وهو حاضر

ويربي على الطَّود الأشمِّ وقاره

وقد سئمت ضرب الرِّقاب البواتر

ص: 347

إليك ابن أيُّوب سمت بي همَّةٌ

هداها ضياءٌ من جبينك ظاهر

وما أثبت الأخبار في .....

لدى النَّاس إلَّا جودك المتواتر

ولولاك ما كنَّا نحقِّق أنَّه

يفوق الملوك الأوَّلين الأواخر

فما قدر وسعي إن اتيتك مادحًا

بنظم ولو أنَّ الكلام جواهر

فلا زلت منصورًا وللدِّين ناصرًا

وضدُّك مقهورٌ وجدُّك قاهر

وسمع قول ابن الساعاتي: [من الكامل]

لمَّا رأيت هلال وجهك آفلًا

ورأيت خدَّك قد علاه قتام

عرَّجت بالوجنات أندب رسمها

(يا دار ما صنعت بك الأيَّام)

فعمل هذه الأبيات:

لمَّا رأيت ديار وجهك أوحشت

أرجاؤها وتنكَّرت أعلامها

أنشدت في عرصاتها مترنِّمًا

(عفت الدِّيار محلَّها فمقامها)

وقال: [من البسيط]

/230 ب/ لمَّا نظرت إلى أرجاء وجنته

ورسمها طامسٌ محَّت علائمه

ظللت أندبه شجوًا وأنشده:

يا منزلًا باللِّوى أقوت معالمه

وقال: [من الطويل]

ألا يا حماماتٍ بمنعرج اللِّوى

إليكنَّ عن شوقي وعن برحائي

فما الوجد منكنَّ الغداة مبرِّحًا

كوجدي ولا تبكين مثل بكائي

وقال أيضًا يرثي الملك العزيز محمد- صاحب حلب-: [من الطويل]

هوى من نظام الملك واسطة العقد

ولم يك من صرف المنيَّة من بدِّ

ص: 348

فما للرِّماح السُّمر مشرعة القنا

وما للصِّفاح البيض مرهفة الحدِّ

أمن بعد فقدان العزيز محمَّدٍ

تدور رحى حرب على صافنٍ نهد

إذا عطِّلت من بعده حومة الوغى

فما تصنع الفرسان بالقضب والملد

لقد جلَّ هذا الرُّزء عن وصف واصفٍ

كما كلَّ عن إدراكه حدُّ ذي حدِّ

سقى جدثًا ضمَّ المكارم تربه

ولحدًا حوى تلك المناقب من لحد

مواطر دمع ما تزال يمدُّها

سحائب تحدوها مواسم من وجد

فللَّه ما أذكى ثراه كأنَّما

تنفَّس في روض المراحمٍ عن ندِّ

/231 أ/ لئن أظلمت دنيا العفاة لفقده

فقد أشرقت من وجهه جنِّة الخلد

عليك سلام الله يا خير مالكٍ

مصحوب سوى حلَّة الحمد

[132]

أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر بن المعلَّى، أبو جعفرٍ المعافريُّ.

من أهل مالقة- إحدى مدن الأندلس.

شاب أشقر خفيف العارضين، مقرون الحاجبين.

حفظ القرآن العزيز، وشدا طرفًا من العلم، فيه ذكاء وفطنة، وعنده حدّة في مزاجه إذا بحث وناظر مع الفقهاء يكاد يخاصم الذي يخاطبه في شيء ما.

لقيته بحلب؛ وهو يتردد إلى المدرسة النورية المنسوبة إلى بني أبي عصرون، وبها كان له جامكية يتناولها.

أنشدني لنفسه في الشيخ شهاب الدين أبي العباس عبد السلام بن المطهر بن عبد الله بن أبي عصرون يهنئه بخلاص ولديه من الاعتقال: [من الكامل]

يا خير معتمد وأفضل سيِّد

ومن السُّعود بسعده قد أسعدا

يا نخبة الإسلام يا خير الورى

أصبحت للدين القويم مشيِّدا

ص: 349

/231 ب/ فاهنأ بجمع الشَّمل عشت مؤيَّدا

ما دام بالأيك الحمام مغرِّدا

والله يمنحك الجنان بمنِّه

وزيادةً حورًا حسانًا خرَّدا

وأنشدني أيضًا لنفسه في القاضي زين الدين أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمان بن علوان الأسدي، يهنئه بولايته القضاء:[من الكامل]

تهنا المناصب إذ علوت أجلَّها

ولك التُّقى والدِّين والتَّحصيل

شهدت صدور العصر أنَّك صدرهم

يا من له الإكرام والتَّبجيل

زيَّنت دين الله يا ابن وليِّه

فلك الفضائل منه والتَّفضيل

وعليكم تاج السِّيادة دائمًا

فلأرضكم يتَّطأطأ الإكليل

/232 أ/ وقال أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر المعافري يمدح الأمير المعافري يمدح الأمير الكبير الأصفهسلار عماد الدين عزّ الإسلام عمدة السلاطين أبا المحاسن يوسف بن الأمير علاء الدين طاي بغا- أدام الله سعده وكبت حاسده وضدّه-: [من الكامل]

ظبيٌ يمدُّ الشمس من وجناته

نورًا فنور الكون من آياته

والبدر من شمس الضُّحى إمداده

فكلاهما قد مدًّ من وجناته

يسطو بلحظ جفونه فكأنَّما

صيغت ..... الهند من لحظاته

ولقد تحلَّى الحسن عاطل جيده

فالحسن من أوصافه وهباته

ما إن تعطَّل بل تعطَّلت الحلى

إذ لم تلح عقدًا على لبَّاته

يسبي العقول بقدِّه وقوامه

ويعلِّم الأغصان من ميلاته

وإذا نظرت لوجهه متعجِّبًا

أبصرت وجهك في سنى صفحاته

لو كان نسوة يوسف في عصره

لقتلن أنفسهن في مرضاته

ملك القلوب فجار في أحكامه

والعدل والإنصاف من عاداته

فبقيت من ولهي به متحيِّرًا

أرجو وصالًا من جميل صلاته

/232 ب/ كم ليلة سمحت وبتُّ نديمه

نجني ثمار الوصل من جنَّاته

وحسودنا وعذولنا ورقيبنا

قد ذاق طعم الموت من نوماته

غدر الزَّمان ولم يزل متعدِّيًا

والغدر من عاداته وصفاته

فلقد عدمت الصَّبر يوم فراقه

ولهيب قلبي مشعلٌ زفراته

رمت السُّلوَّ وكيف يسلو عاشقٌ

شرب المدام الصِّرف من كاساته

ص: 350

خمر الهوى قد خامر العقل الَّذي

يصحو به السَّكران من سكراته

لا خمر من شيءٍ سوى من حبِّه

لكن يذوب القلب من عصراته

لم يعتصر خمر الهوى من كرمة

لكنَّه معنًى تلا فطراته

كم مهمه قد خضته ومفازةً

أسد الشَّرى قد فرَّ من غاباته

في ليلةٍ طالت عليَّ كأنَّما

فلك البروج ينام عن دوراته

حتَّى رأيت الصبح جرَّد سيفه

عن رتبةٍ تعلو على .....

هي ..... للقاصدين أذابهم

غدر الزَّمان وجار في غدراته

يا أيُّها المولى الأمير ومن به

صار الزَّمان مكمِّلًا أدواته

أعطيت رتبة ملا ..... لكنَّه

لو كان يعطي الرِّزق من راحاته

يا ابن الأمير الأوحد البطل الَّذي

فرَّت أسود الحرب من وثباته

/233 أ/ كم موقف ضيقٍ توسَّع خيفةً

من ضربه حينًا ومن طعناته

وكأنَّما آراؤه يوم الوغى

جيشٌ تبدَّى مظهرًا راياته

سارت بسيرته الرَّكائب عندما

رأت العجائب منه في غزواته

فكأنَّه صحب النَّبيِّ محمدٍ

من خيره وصلاته وصلاته

ويقينه وجنانه وحنانه

وصيامه وقيامه وسماته

زكت الفروع مع الأصول كلاهما

إذ كنت فرعًا في ثرى دوحاته

أنت الأمير الكامل الفرد الَّذي

هابت ملوك الأرض من هيباته

خجَّلت حاتم طيِّيءٍ ولطالما

خجلت كرام النَّاس من وهباته

إن أمَّل العافي لكشف ملمَّةٍ

يلقاك خير متيَّم لعفاته

أنت العماد لديننا ولشرعنا

أو كنت تحمي الدِّين في حوزاته

بمهنَّد ومثقَّف ومريَّشٍ

يشكو الدِّلاص الموت من رشفاته

ولطالما روَّيت سيفك ظامئًا

في موقع الرَّشفات عند عداته

مهلًا عماد الدِّين أنت مؤيَّدٌ

بهت العدوُّ ومات في بهتاته

لمَّا رآك لضيغمٍ ضارٍ على

قتل الأسود بغيظه وثباته

سست الأنام سياسةً يرضى بها

كلُّ العباد ورُّبنا لولاته

/233 ب/ يا طاهر الأثواب من دنسٍ ومن

عيبٍ يشين المرء عند شناته

ص: 351

تالله لو صوَّرت نفسك لم تزد

شيئًا على ما فيك من حسناته

لله درَّك يوسف من فاضلٍ

شابهت يوسف مصر في حركاته

ما إن سمعت بمثله في سيرة

ليثٌ يقول الشِّعر في جولاته

شعرٌ أرقُّ من النَّسيم لطافةً

سحر حلالٌ صاغه لرواته

فاعجب لبحرٍ طاميءٍ في بلدة

يرمي عجيب الدُّرِّ من قذفاته

من كان في فهم القريض محقق

لم ينظم الأشعار من خجلاته

هجرٌ إليه التَّمر سقت هديَّةً

سفهًا وعال التَّمر من تمراته

للشيء في شأوه أجري عسى

أغدو ..... هوى جرياته

حاز المكارم كلُّها فزماننا

يعلو على الأزمان طول حياته

قد طأطأ الفلك الأثير لأرضه

فحضيضه أوج الأثير بذاته

وافيته والسَّيل قد بلغ الزُّبى

عندي وضيق العيش في غاياته

فأنالني ما لم نؤمِّل بعضه

وأزال عنِّي الفقر من ساعاته

لا زال محظوظ الجناب مؤيَّدًا

مأغرَّد القمريُّ في جراته

نلت المنى وزيادةً ما أنشدت

ظبيٌ تمدُّ الشَّمس من وجناته

[133]

/234 أ/ أحمد بن الحسن بن أحمد بن أيوب بن صديق بن عثمان بن أنشتاش بن كنغلي بن كند غدي بن داود بن بنغاج بن سلُّورا، أبو الحسين بن أبي علي التركستانيُّ السلُّويُّ.

من أهل ماردين

نزل حلب، لقيته بها في سنة أربع وخمس وست وثلاثين وستمائة. وهو شاب قصير ضعيف العينين في بصره ضوء، على زيّ المتصوفة، يتعاطى الوعظ والأدب ونظم الشعر. وذكر أنَّه استظهر الكتاب العزيز وفيه ذكاء.

أنشدني لنفسه: [من مخلّع البسيط]

ما أحسن ما أتى حبيبي

فاعتاد مريضه وزاره

ص: 352

وافى فشفيت من سقامي

وارتحت وفزت بالزِّياره

يا بدر دجًى أقام عندي

عذَّالي أدرأوا عذاره

قاسوك وقد رأوك قدًّا

بالغصن فزيَّنو العباره

هذا قمرٌ على قضيبٍ

ما أحسن هذه الإشارة

وأنشدني لنفسه وقد عاده جماعة من أصدقائه: [من الكامل]

شكرًا لسعيكم إليَّ فإنَّكم

عين الزَّمان وسمعه وفؤاده

وبكم برئت من السَّقام وكيف لا

يشفى مريضٌ أنتم عوَّاده

ونظم كتابًا في الفرائض منه "باب القضاء في الميراث": [من الخفيف]

إنَّني قد فتحت بابًا مضيّا

فليكن خاطر السَّميع ذكيَّا

مسلمٌ مات عن تراثٍ جزيل

وله زوجة ..... التَّقيَّا

/234 ب/ قال الزَّوج: كان طلَّقني في السُّقم والإبن قال: كان سويَّا

حين جاء الطَّلاق منه لها الإرث وما قالته كان قولًا جليَّا

وإذا ما أتت خليلة من مات وقد كان كافرًا ذمِّيًّا

ثمَّ قالت: أسلمت من بعد موت الزَّوجٍ والابن قال: بل كان حيَّا

حين أسلمت صحَّ منه ولا إرث ومرت وجئت شيئًا فريَّا

وكذا لو أتت خليلة من مات وقد كان مسلمًا سنِّيَّا

ثمَّ قالت: أسلمت والزَّوج حيٌّ فيكون التُّراث لي مأتيَّا

وابنه قال بعد ما مات: أسلمت فقد كان قوله مرضيَّا

وإذا ويد أودع المال عمرًا

ثمَّ زيدٌ قد مات يا صاحبيَّا

ثمَّ عمرٌو، يقول: بشر بن زيد

ثم يعطيه مأله موفيَّا

ثمَّ أيضًا يقول: نصر بن زيد

ونفاه بشرٌ فلم يعط شيئَّا

وله النِّصف إن يصدِّق بشر

نقلته الثُّقات حقًّا إليَّا

وأنشدني أيضًا: [من مجزوء الكامل]

سبحان ربٍّ صوَّرك

وعلى تلافي قدَّرك

وجلاك في حلل الملاحة والبهاء ونوّرك

ص: 353

/235 أ/ حزت الجمال بأسره

ونصبت لي فيه شرك

وجرحت قلبي إذ سللت من اللَّواحظ خنجرك

قل لي: على قتلي بغير جنايةٍ من جسَّرك

ولقد عهدتك حافظًا

عهدي فمن ذا غيَّرك

وبما ألاقي في هواك من الجوى ما أخبرك

أخلو بذكرك في الدُّجى

ويحقُّ لي أن أذكرك

ولئن سفكت دمي فليس عليك في قتلي درك

لا كان يومٌ ينقضي

وأعيش فيه ولم أرك

يا قلبي الصَّادي على

ألم الهوى ما أصبرك

ولمن تحبُّ على قساوة قلبه ما أشكرك

بل يا هواه المتلفي

بين الورى ما أشهرك

ولكم كتمتك في الفؤاد ودمع عيني أظهرك

يا طول ليل صدوده

في وصله من قصَّرك

لولا غرامي لم يكن

من عادتي أن أسهرك

يا عاذلي في حبِّ من

أنا عبده ما أكفرك

/235 ب/ لم يبق منِّي حبُّه

غير الرُّسوم ولا ترك

[134]

أحمد بن محمد بن أبي الخير الحمويَّ بن أبي الفضل بن الفضل بن أبي الفضل بن سطح بن الفضل بن أبي عبد الله الحكيم المتطيب الكاتب

شاب كيّس من أبناء الأجّلاء المعتبرين بحماة. فيه بشر وكياسة، وله قدر ونباهة كثير التواضع والقيام لمن يردّ عليه.

خدم- أولًا- صاحب حماه الملك المظفر تقي الدين أبا الفتح محمود بن محمد بن عمر بن شهنشاه، وحظي لديه، وارتفعت منزلته عنده.

ثم- بعد ذلك- اعتقله، فأنفذ في طلبه الصاحب سراج الدين أبو الفتح

ص: 354

المظفر بن الحسين- صاحب الدعوة بمصياف- فسرحه على مال قررّه عليه، وذلك في سنة سبع وثلاثين وستمائة، فاتصل به وقرب من قلبه، وتولّى خدمته حتى كاد أن يكون بمنزلة الوزراء عنده. وأنفذه إلى عدّة جهات، وصار كاتبًا بين يديه ذا أمرٍ ونهي يحكم بكلامه، ويعمل بآرائه.

وكان اجتماعي به يوم الأربعاء العشرين من ذي /236 أ/ القعدة بحلب المحروسة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وافاها رسولًا من قبل مخدومه الصاحب سراج الدين أبي الفتح المظفر بن الحسين- أمير الطائفة الإسماعيلية- مجتازًا إلى الخوارزمية بحران وما والاها من بلاد الجزيرة.

وذكر أنَّه حفظ القرآن وعمره إحدى عشرة سنة، وأخذ الطب عن والده، وبرع في علمه، وشدا طرفًا من علم الحكمة، وتميّز فيه، وقال شعرًا مرضيًا.

وذكر لي أنه ولد في ربيع الأول سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وأنَّه يرجع في النسب إلى جرير بن عبد الله بن البجلي- صاحب رسول الله- وقرأ بدمشق على سيف الدين الآمدي أبي الحسن علي بن علي بن علي الفقيه الشافعي، وأخذ الأدب عن الشيخ أبي سعد الله بن قانت النحوي الحموي الضرير.

أنشدني لنفسه: [من الطويل]

عجبت لمن باع الهدى بالضَّلالة

ومن يشترى دنياه بالدِّين أعجب

واعجب من هذين من باع دينه

بدنيا سواه فهو أخزى وأخيب

أخرِّب ديني كلَّ يوم وارتجي

عمارة ذي الدُّنيا ودنياي أخرب

كأنِّني ما بين الفريقين ضائعٌ

فلا الدِّين مأمورٌ ولا العيش طيِّب

/236 ب/ وقال أيضًا: [من مجزوء الكامل]

لا تأيسنَّ فربما

نلت الأماني بعد حين

الدَّهر لا يبقى على

حالٍ بغثٍ أو سمين

وأنشدني لنفسه: [من الخفيف]

كلَّما رمت أن أراه بعيني

قال لي القلب داره في صميمي

فأناجيه في السَّريرة نجوى العبد للمالك العليِّ العليم

ص: 355

فتقول العينان قد فات حظِّي

من حصولي على النَّعيم المقيم

وأنشدني أيضًا قوله في معنى: [من المنسرح]

مملوك مولاه يستغيث به

فهل يغيث المخدوم مملوكا

يرجو حصول المراد منتظرًا فاجعل إليه الطَّريق مسلوكا

لا تطَّرح سنَّة المكارم فالنَّاس إذا أمَّوك أمُّوكا

وأنشدني لنفسه: [من مجزوء الكامل]

من سرَّه العيد الجديد فما لقيت به سرورا

كان السرور يتمُّ بي

لو كان أحبابي حضورا

وقال أيضًا /237 أ/ وقد خرج منها مغاضبًا، ويتذكر أيامه بها ويصفها:

[من الطويل]

مغاني حماةٍ لا زرودٌ ونعمانٌ

مواطنٌ أنسي حين تذكر أوطان

وشوقي إليها لا إلى رمل عالجٍ

ولا الأجرع الجنان والجزع حنَّان

عصيت بعاصيها مقال عواذلي

ولم يسلني عن مائها العذب مأوان

لقد أصبحت في رحبة الشَّام شامةً

يقرُّ لها بالحسن مصرٌ وبغدان

فمن أيِّ قطر جئتها جئت جنَّةً

لها ثمرٌ داني القطوف وأفنان

ويسيبك إمَّا جزت بين قصورها المنيفة حورٌ قاصرات وولدان

فيا وطني لا زال حبُّك مذهبي

وديني فحبِّي للمواطن إيمان

بما يغضب الإنسان عنك ويزدهي

وماؤك صدَّاءٌ ومرعاك سعدان

أميدان لهوي بين حمصٍ وشيزرٍ

إذا عدَّ للإطراب واللَّهو ميدان

عدتك من الدَّهر العوادي ولا رقت

لعين الغوادي في عراصك أجفان

[135]

أحمد بن المظفر بن القاسم بن الحسين الرازيّ.

[قال] يمدح الخدمة الشريفة المقدَّسة /237 ب/ النبوية المستنصرية- خلد الله ملكها- ويعرض بذكر المدرسة المستنصرية: [من الطويل]

أيا خير من تزجى إليه الرَّواحل

وأفضل من تطوى إليه المراحل

ص: 356

وأعظم من يدعى لدفع ملمَّة

وأكرم من ترجى لديه الفواضل

ومنها:

بنى بنيةً شمَّاء يلقى بها العلا

ونيل الأماني والأماني الفضائل

لها شرفٌ فوق السَّماء قبابها

ومنزلةٌ من دونها النَّجم آفل

فأشرق وجه الدِّين والدِّين شاحبٌ

وأورق روض الشَّرع والرَّوض ذابل

وجدَّد رسم العلم والعلم دارسٌ

وزيَّن جيد الفضل والفضل عاطل

يديم لسان الدًّهر وصف علائه

ولكنَّه فوق الَّذي هو قائل

فلا زال غوث العالمين وغيثهم

وعمر معاديه ..... زائل

قدم بغداد شابًا، واستوطنها مقيمًا بالمدرسة النظامية، متفقهًا بها على مذهب الإمام الشافعي- رضي الله عنه، واشتغل بالأدب والفقه /238 أ/ مذهبًا وخلافًا، وصارت له في ذلك ملكة؛ ورتّب معيدًا بالمدرسة المذكورة. ثم عين عليه مفتيًا بباب النوبى في استيفاء القصاص وإقامة الحدود على الوجه الشرعي، ثم عزل عن ذلك، ورتب نائبًا لأقضى القضاة أبي الفضل عبد الرحمان بن عبد السلام بن إسماعيل بن الحسن اللايغاني؛ ولما فتحت المدرسة الشريفة المستنصرية- عمرها الله تعالى- جعل معيدًا بها.

لقيته غير مرّة، وسألته عن ولادته، فقال: يكون تقديرًا في أوائل سنة ثمانين وخمسمائة.

أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أبا جعفر المنصور-خلّد الله دولته- ويعرض بذكر المدرسة المستنصرية- عمرها الله تعالى- وذلك في يوم السبت حادي عشر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام، والأبيات تقدمت في أول الترجمة لامية.

ص: 357