الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الثقة
حرف الهمزة
ذكر من اسمه إبراهيم
[1]
إبراهيم بن محمد بن حيدر بن عليِّ، أبو إسحاق الموذنيُّ الخوارزميُّ، المدرّس الحنفيُّ.
كان أعلم أصحاب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه بالفقه في وقته، جليل القدر، كثير المحفوظ، متقنًا في علوم الإسلام والشريعة. وكان إمامًا في الفقه والفرائض وعلم التفسير والحديث والأصولين والكلام؛ وينضاف إلى ذلك معرفته بالنحو واللغة والأدب، مع أخذه بحاشيتي النظم والنثر. وكان له اعتناء بتصانيف أبي القاسم الزمخشري، كثير الميل غليها والتحفظ منها، وله ديوانا خطب وأشعار.
كانت ولادته في شهر ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وكان فقيهًا حنيفًا مدرسًا أديبًا بارعًا؛ له من التصانيف كتاب "ديوان الأنبياء" وكتاب "شرح كليلة ودمنة" بالفارسية، /6 أ/ وكتاب "الوسائل إلى الرسائل" من نثره، وديوان
شعره بالعربية، وديوان شعره بالفارسية، وكتاب "الخطب في دعوات ختم القرآن"، سمّاها "يتيم اليتيم"، وكتاب "الطرفة في التحفة" بالفارسية رسائل، وكتاب "أسايش نامه" في المواعظ بالفارسية، وكتاب "تعريف شواهد التصريف"، وكتاب "أنموذار نامه" يشتمل على أبيات غريبة شرحها بالفارسية، وكتاب "كفتار نامه" منطق، وكتاب "مرتع الوسائل ومربع الرسائل".
أنشدني أبو حامد سليمان بن جبرائيل بن محمد الإربلي بها، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد يمدح النبي –صلى الله عليه وسلم لنفسه:[من البسيط]
سليل عبد مناف من أناف على
…
هامات كفر وسيف البغي مسلول
له خصائص من حكم تبرُّ على
…
خصائص الرُّسل لا يغتالها غول
وشبِّهت بالنُّجوم الزُّهر صحبته
…
فالرُّشد من كلِّهم للخلق مأمول
فمن لهاهم هجان الحقِّ في مرح
…
ومن نهاهم هجين الفسق مشكول
فعن مودَّة أهل البيت خالصة
…
ربع السَّعادة في الَّارين مأهول
ولِّيت أعمال خيرات أقوم بها
…
بأنَّني عن قبيل الرَّفض معزول
/6 ب/ أوضحت معتقدي في شأن حبِّهم
…
والله في ذاك للتوفيق مسؤول
فمن يخالفني فالسيف مخترط
…
ومن يحالفني فالسَّيب مبذول
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه يمدح الخطيب برهان الدين محمد بن محمود:
[من الطويل]
لبرهان دين المصطفى الدِّين أجمع
…
وإنِّ بني الدُّنيا على ذاك أجمعوا
يقصِّر عن فضوى معاليه قيصر
…
ويتبعه في الأمر والنَّهي تبَّع
وبالشَّرق من ذكرى سجاياه محفل
…
وبالغرب من عليا عطاياه مجمع
وللعلم في أحكامه الزُّهر معلم
…
وللشَّرع في أقلامه الغر مشرع
له قلم في سنِّه منعش الورى
…
ولكن إذا أستشرى العدا فيه مصرع
به يستقيم العلم إن سلَّه على
…
صحائف شرع الله والجهل يضلع
ففي مشقه رعد السماحة قاصف
…
ومن شقِّه برق الفصاحة يلمع
له قصدت مني إليه قصيدة
…
غدّا الشِّيخ من أثنائهأ يتضوَّع
فلو قرعت سمع أبن أوس لما أرتضى
…
أما أنَّه لولا الخليط المودِّع
وأنشدني، قال: أنشدني إبراهيم بن محمد يمدح شهاب الدين أبا سعيد عمران الخيوقي: [من الطويل]
/7 أ/ عذريي من ترجيل صدغ مسلسل
…
رجال التُّقى تهفو لهذا التسلسل
عذيري من صدغ الغدار الَّذي التوًى
…
فألوى بدين الزَّاهد المتبتِّل
يرى في مقامات المناجاة جازعًا
…
طلوعًا ومن حسن العزاء بمعزل
بصوب دوموع دونه صوب مزنة
…
وغلي فؤاد دونه غلي مرجل
فيا حبة القلبً أصبري صبر مبتلًى
…
بغير هوًى فالحب للصَّب مبتلي
وما مغزل فرَّت لغدر وغادرت
…
طلاها نحيفًا ي نحافة مغزل
وقد عولت بالكره عن سكناتها
…
بهيرًا وتشكو صيد شاك وأعزل
وطارت شعاعًا نفسها إذ تناحت
…
شعاع سيوف داسها يد صيقل
وأثَّر فيها ذعر جند مكبِّر
…
كما نال منها خوف جيش مهلِّل
شرايين جرحاهم مواًرد قثعمً
…
واشلاء قتلاهم موائد جيأل
فمن سمرهم ناصت لطعن معجَّل
…
ومن بيضهم باضت لقتل مؤجَّل
بأكثر منِّي لوعة يوم آذتت
…
برحل جديليِّ شبيه بأجدل
ومن مديحها:
بمدح شهاب الدِّين أرجم خصمه
…
كريم بني الدُّنيا المرجَّى لمعضل
خواطره مالت تحلُّ عويصة
…
وآراؤه آلت إلى حلِّ مشكل
/7 ب/ عديم نظير في المناظرة الَّتي
…
لفرسان فقه صعبها لم يذلَّل
وإن أقفل الأشكال باب دقائق
…
بفطنته ألغينا مفتاح مقفل
خبير بصير عند كل مباحث
…
بإجمال تفصيل وتفصيل مجمل
حوى قصبات السَّبق بالعلم واحتوى
…
على آخر بالمكرمات وأوَّل
أتتك ابن عمران قصيدتك الَّتي
…
قصت بها أشعار قيس وجرول
فلو قرعت سمع أمرئ القيس لم يقل
…
(قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل)
وكتب إلى بعض الأكابر: [من البسيط]
يا بدر دين إله الخلق نفسي من
…
حرمان خدمتكم ماتت فمرتعش
من رحمتي اغتدي حيران مرتعشًا
…
كأنَّني زئبق في كفِّ مرتعش
[2]
إبراهيم بن عمر بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق الحانيَّ العطّار، المعروف بابن رقيقة.
وهو من حيني مدينة من آخر ديار بكر من ثغر الروم.
كان هذا الرجل عطارًا، وله حانوت بمدينة حيني يتعيش في العطر. وكان صاحب ثراء. وكان عزبًا لم يتزوج قطّ.
شاعر متقّن، ومترسّل محسن، له أشعار مجموعة، ورسائل مدونة، وخطب مستجادة. حسن المعرفة بالأدب واللغة، /8 أ/ له مدائح في الملوك [من] بني أيوب وغيرهم من الأمراء والأشراف.
وهو رجل صالح المروءة، عزيز النفس، سخيُّ الكفِّ، كثير التواضع، [حرّ الطبع، لا يرد سائلاً ولا يحرم وافداً يقصده، على سيرة لم يكن عليها أحد من أبناء زمانه الأسخياء من شرف النفس، وكمال المؤوءة، وسعة الصدر، والانقباض عن الأكابر والرؤساء؛ فإنه كان يرى في نفسه أنه أجل منهم قدراً، وأجل رتبة وفضلاً، ولم يعش ...... الذين كانوا يخالطونه؛ لأن نفسه كانت تترفع عن أن يمدح للاستجداء
والاسترفاد على عادة الشعراء الذين همّهم الدنيا وحطامها.
ومدح الملك الأشرف؛ فلما أنشدت القصيدة بين يديه استحسنها وسيَّر له خلعة سنية، ودنانير لها قيمة؛ فلما وصلت إليه لم يتناولها وردّها عليه، وأنفذ معها طبقًا مملواً من السكر واللوز وما يصلح أن يهدي إلى الملوك .... ] ترفعه نفسه أن يسترفد بالشعر، لا يقبل عليه ثوابًا، ولم يكن من طلاّب الرفد، يرى ذلك من العار والنقص. [وكان مع ذلك قد قرأ أدبًا ونحواً ولغة فيما قرأ، وقال شعراً نادراً، ودونه وكتبه بخطه، يدخل في مجلد، وأنشأ رسائل وجمعها في مجلد. ورأيت كلا الديوانين بالموصل، وهما بخط يده. ونقلت من ديوان أشعاره جملة كافية يعربان عن بلاغة وبيان ...... ].
وكان الناس يقبلون عليه، ويميلون إليه لما كان عليه من السماحة والفضل. ولم يزل بحسن حال ونعمة حتى نفد ما كان بيده ............. فتوجه نحو ميافارقين، فأقام بها إلى أن مات سنة تسع وثلاثين وستمائه –رحمه الله تعالى-.
أنشدني أبو علي الحسن بن حمزة بن حمدون الموصلي، قال: أنشدني إبراهيم ابن عمر لنفسه: [من الطويل]
ومعتدل عن منهج العدل عادل
…
من التُّرك مغرى بالتَّجنُّب والتَّرك
تلوح أياة الشمس في صحن خدِّه
…
وتظهر في أجفانه آية الفتك
إذا رمت صون الحبِّ صال بهجره
…
علي فكان الصول داعية الهتك
يصدُّ فيشكيني دلالا وكلَّما
…
شكوت إليه فرط حبيه لا يشكي
جفاني فما دمعي بكيُّ ولا الكرى
…
يلمُّ بعيني فهي ساهرة تبكي
فكم منية لي منه عادت منيَّة
…
ووعد بوصل شيب بالمين والإفك
ولمَّا حوى رقِّي هواه ابحته
…
دمي فنحاه بالإراقة والسَّفك
وما خلت مذ ألقيت في هوَّة الهوى
…
بأنَّ الهوى يفضي بقلبي إلى الهلك
بروحي كثير الغدر والظَّلم متبع
…
قليل الوفا مرُّ القطيعة والمحك
/8 ب/ بخيل بريق الثَّغر لم ينور رقَّة
…
لنا حل جسم مشبته دقَّة السِّلك
أأرجو فكاكا من هواه وإنَّني
…
أسير له في ربقة الرِّقِّ والملك
أحلَّ بقلبي لوعة سحر طرفه
…
فواحربا من سحر ناظره التُّركي
إذا ما أنثنى كالغصن عوَّذت قدَّه
…
بحاميم والأحزاب والنَّجم والملك
دعا حسنه أهل الضَّلال إلى الهدى
…
فأنقذ أهل الِّرك من شرك الشِّلاك
وله من قصيدة وأشندنيها الشيخ الأجل تاج الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن علي بن عمر القرشي العثماني الفارقي المقرئ الفقيه –أسعده الله تعالى- بمحروسة حلب عن قائلها: [من الكامل]
ما لاح بارق متألِّقا
…
إلَاّ تذَّكرت الحمى والأبرقا
وسفحت سحب مدامعي أسفًا على
…
شمل لنا السَّفح عاد مفرَّقا
يا ساكني أرض الحجاز حجرتم
…
طيب الكرى عنِّي قبتُّ مؤرَّقا
وهواكم ما غار مدمع مقلتي
…
مذغار حادي عيسكم يوم النَّقا
طلعت طلائع بينكم بطويلع
…
وجزعت إذ بالجزع عزَّ الملتقى
تعس الفراق فكم أراق لنا دمًا
…
فرقًا وكم من ناظر قد أرَّقا
/9 أ/ كم خان مغتربًا وشيَّب مفرقًا
…
للعاشقين ولم فريًق فرَّقا
ولقد سألت فما حنا بالمنحنى
…
حادي الرَّكائب حين ساًق الأينقا
الوى فليت لوى على ذى لوعة
…
متشوِّ أودت به أيدي الشَّقا
عجبي لصبٍّ أوثقته صبابة
…
يوم التَّفرُّق كيف يطمع في البقا
أم كيف يفرح في اللِّقاء متيَّم
…
كلف الفراق به فغادره لقى
أبداً لذكر الهجر يخفق قلبه
…
ولطالما رام الوصال فأخفقا
أمسى لنوم جفونه ودموعه
…
بعد الأحبَّة مطلقًا ومطلِّقا
وقال من أخرى: [من البسيط]
له على كلفي في الحبِّ أعوان
…
عيم وقدُّ كخوط البان فتَّان
ومبسم ريقه السنُّوت خامره
…
خمر وطرف كحيل الجفن وسنان
يا للخلائق من يعدو على رشإ
…
إخلافه موعدي ظلم وعدوان
محرَّم وصله تيهًا على دنف
…
نصيبه منه إخفاق وحرمان
يردي المتيَّم منه حين يعوزه
…
عذر له في الهوى صدُّ وهجران
كم رمت صبراً فلم أملكه قد فتنت
…
عقلي من الرِّيم أحداق وأجفأن
فتور الحاظه المرضى أحلَّ دمي
…
وحلَّ في القلب من جفنيه أحزان
/9 ب/ إنِّي لأرتاح في تقبيل عارضه
…
إذا بدا فوق صحن الخدِّ ريحان
لو كنت ذا نهية تنهي إلى ورعي
…
وراع روع لبارى الخلق عصيان
لما نظمت سوى شعر أظلُّ به
…
مقرِّطًا ملكًا مدحيه إيمان
أندى ملوك الورى كفّا وأسمحهم
…
سمحًا وأعرفهم بالعرف مذ كانوا
وله من أخرى: [من الكامل]
لو كان حسن الصَّبر من أعواني
…
ما زادني قلقًا جنون جناني
هيهات لم يطق التَّصبُّر عاشق
…
صالت عليه صوارم الأجفان
من كلِّ بيضاء الجبين يزينهأ
…
قدُّ يقيم قيامة الإنسان
حوراء حرت بحسنها وصدودها
…
من فتكها في القلب حدُّ سنان
وإذا تبدَّى وجهها بانت لنا
…
شمس النَّهار على غصون البان
أشبيهة المرَّان لين معاطف
…
عطفًا فهجرك والجفا مرَّان
أسرفت في ظلم المحبِّ فأحسني
…
ودوام هذا الحسن بالإحسان
ولئن عنوت إلى سواك فلا شفي
…
ممَّا يعاني فيك قلبي العاني
وقال: [من الكامل]
ومدلَّل أضحت دلائل حسنه
…
كالشمس واضحةً لعين النَّاظر
/10 أ/ يسبي القلوب بناظر أجفانه
…
مكحولة سحراً ووجه ناضر
ينهى وينهر سائليه تجبُّراً
…
ومن البلاء سؤال ناهً ناهر
لم يرع عهد متيَّم في حبِّه
…
ذي مدمع كالعهد هام هامر
وقال أيضًا وأوائلها أحرف يوسف: [من الكامل]
يا من تفرَّد بالجمال فماله
…
في العالمين مشاكل ومماثل
وأطال مدَّة شقوتي بدلالة
…
فله عليَّ شواهد ودلائل
سهري بصدق مودَّتي لك شاهد
…
ولطول حزن في هواك مخايل
فتنت شمائلك الورى فاستعبدت
…
منها النُّفوس بأسرهن شمائل
وقال أيضا: [من الكامل]
رام التَّكبر في الهوى فتركته
…
وسئمته وملكته وهجرته
وجحدته حتَّى كأنِّي لم أكن
…
يومًا من الأيَّام قطُّ عرفته
لمَّا أصرَّ على قبيح فعاله
…
وأذاع سرّاً صنته وكتمته
ناديت حسن الصَّبر عن فراغ له
…
فأجاب حين أجبته فمللته
والله لو أودى الهوى بحشاشتي
…
وعدمت فيه تجلُّدي وفقدته
/10 ب/ ما بعت عزِّي بالهوان له ولا
…
هوَّنت صعب الضَّيم فيه ورمته
وقال أيضًا: [من الطويل]
دعتني إلى التَّرحال عنكم ضرورة
…
وفارقتكم رغمًا بقلب مفجَّع
ولو سمحت عيني بدمع تفيضه
…
لأرويت تلك التُّرب من فيض أدمعي
وقال: [من الطويل]
إذا صاحب أودعته السرَّ في الرِّضا
…
ولم يفضه للنَّاس في حالة السُّخط
فذاك الَّذي لا ينبغي لك أن ترى
…
له هاجراً في حالة القرب والشَّحط
وقال: [البسيط]
يا أكرم النَّاس إنسانًا وخير فتًى
…
أضحى لعين العلا والمجد إنسانا
أهديت لي الرُّشد مذ أهديت لي كرمًا
…
صحيفة صمِّنت حسنًا وإحسانا
وقال: [من الطويل]
يقولون لم لا تشرب الرَّاح إنَّها
…
تريح من الحزن المبرِّح والهمِّ
فقلت: ذروا هجر الكلام فإنَّني
…
تجنًّبت شرب الإثم خوفًا من الإثم
وله فيما يكتب على قوس: [من الطويل]
عنت لي رماح الخطِّ في كلِّ مأقط
…
وفاز بيمن النَّصر والسَّعد حاملي
/11 أ/ فلم يخط سهمي حين يرميه باسلً
…
مقاتل قيل في الحروب مقاتل
وله في ماردين: [من الكامل]
يا ماردين بقيت مونقةً الربى
…
وسقى ربوعك صيِّب الأنواء
كم فيك من ساجي اللًّواحظ قدُّه
…
يحكي اعتدال الصَّعدة السَّمراء
وقال: [من السريع]
يا قلب قد أضناك فرط الجوى
…
إنَّ الجوى يمرض أهل الهوى
هذا ومن تعشقه حاضر
…
فكيف إن أقصاه أيدي النَّوى
وقال: [من السريع]
يا ظالمًا في ظلمه
…
سخطك داني ورضاك الدَّوا
لامت أو تعشق حتَّى أرى
…
جسمك في السُّقم وجسمي سوا
وقال أيضًا: [من الطويل]
إلى م أرضِّية وشيمته السخط
…
وأصغي له ودِّي فيجفو ويشتطُّ
وحتَّى م يسطو تائهًا بدلاله
…
عليَّ ويذكي لوعتي كلَّما يسطو
غريب المعأني فلًّ غرز تصبُّري
…
كثير التَّجنِّي دأبه الجور والسُّخط
يزيد جوًى مسكينه كلَّما بدا
…
لناظره من درِّ مبسمه سمط
/11 ب/ هو البدر في مرط الملاحة طالع
…
فواها له بدراً مطالعه المرط
يبلبل بالي كلَّما ماس معجبًا
…
محيَّاه والصُّدع المبلبل والقرط
يضمنُّ ولم يسمح بظلم كأنَّه
…
لراشفه في لذة الطَّعن إسفنط
أرقُّ له بالرِّقِّ طوعًا فليته
…
يرقُّ لصبٍّ لم يرم سلوةً قطُّ
أكلُّ مليح قد حوى الحسن هكذا
…
يجور فلا عدل لديه ولا قسط
حرمت المنى من عطفه وحنوِّه
…
فوا حربا إذ ليس لي فيهما قسط
ترى حسنه أعطاه بألظلم قطَّه
…
فأصبح فعًّالا لما ضمن القطُّ
وحسبك منه كلما جار واعتدى
…
يحبُّ ولم يبخس له من هوى قطُّ
إذأ هزَّ خطِّي القوام تثنِّيًا
…
فلا عجب والله أن ينجح الخطَّ
وله فيما يكتب على سرج: [من الطويل]
علوت مطا الجرد العتاق فلم يكن
…
لأربابها عنِّي غنًي آخر الدَّهر
إذا ما علاني بهمة وأقلَّني
…
جواداً فإنِّي حزت فخراً على فخر
وله يمدح: [من الخفيف]
أريحيٌّ من أل أيُّوب بغضي
…
كرمًا عن ذوي الذَّنوب العظام
أذعن النَّصر والفلاح بفتحتي
…
لمليك طلق المحيَّا همام
/12 أ/ وقال يمدح: من [الخفيف]
أيُّها الماجد الجواد صلاح الدِّين نجل الأكابر الكرماء
إن طرا المنع عن لقاك فإنِّي
…
كلَّ يوم مجدَّد الإطراء
أوعدتني على خلائقك الغرِّ
…
عوادي دهر كثير العداء
قثنائي على خلائقك الغرِّ خليق بصدق دعوى الصَّفاء
ويد العوق إن لوت وجه غشياني فلم تلو عنك وجه ولائي
وله: [من الوافر]
أقاموه ليرقص في نديٍّ
…
فصار لحبِّه في القلب وقص
غزال كلَّمة يزداد حسنا
…
بدا في صبر من يهواه نقص
[3]
إبراهيم بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر بن نصر بن عسكر، أبو إسحاق الخطيب، قاضي السلَاّمية.
وهي قرية مشهورة من قرى الموصل شرقيها وهي عنها بخمسة فراسخ. وكان أبو إسحاق يتولّى بها.
/12 ب/ ولد بالسندية، وتفقه ببغداد وسمع بها الحديث من الوزير عون الدين أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة. وأصعد إلى الموصل وسمع بها القاضي تاج الإسلام أبا عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الخميسي الموصلي وغيره.
وكان خراً دينًا فقيهًا شافعي المذهب. تولّى قضاء السَّلَاّمية وخطابتها. وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر سنة عشر وستمائة.
أنشدني الصاحب شرف الدين أبو البركات المستوفي –رحمه الله قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه: [من السريع]
يا طيف من أهوى على نأيه
…
كيف تهدَّيت إلى مضجعي
ظللت لا تبعث طيف اللِّوى
…
إلَاّ لخدع المقل الهجَّع
ولست بالنَّائم لكنَّني
…
غرقت في الفكر فلا تخدع
يا حسن التَّمويه في ناظري
…
ويا شهيَّ الزُّور في مسمعي
بيِّن لمولاك إذا جئته
…
لعلَّه يرتاح للموجع
ما لاح ملثومك من زفرتي
…
وبلَّ مصمومك من أدمعي
وأنشدني، قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/13 أ/ إذا أنأ أحببت الَّذي هو مبغضي
…
وصافيته إنِّي إذاً للئيم
وإن أنأ لم أعرض كما هو معرض
…
فما أنا إن عدَّ الكرام كريم
إذا خان من أهوى فكيف أفي له
…
وإن حال عن عهدي فكيف أقيم
وأكبر نفسي أن تذلِّ على الهوى
…
وتغدو على ما لا تنال تحوم
وأنشدني، قال: أنشدني القاضي لنفسه: [في السريع]
لا تنسبوني يا ثقاتي إلى
…
غدر فليس الغدر من شيمتي
أقسمت بالذَّاهب من عيشنا
…
وبالمسرَّات الَّتي ولَّت
أنِّي على عهدكم لم أحل
…
وعقدة الميثاق ما حلَّت
وأنشدني يوسف بن صنو بن علىّ الإربليُّ، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه في ذمّ الصوفيه: [من المتقارب]
ألا قل لمكيِّ مقال النَّصوح
…
وحقُّ النَّصيحة أن تستمع
متى سمع النَّاس في دينهم
…
بأنَّ الغنا سنَّة تتَّبع
وأن يأكل المرء أكل البعير
…
ويرقص في الجمع حتَّى يقع
فلو كان طاوي الحشا جائعًا
…
لما دار من طرب واستمع
/13 ب/ وقالوا: سكرنا بحبِّ الإله
…
وما أسكر القومً إلإَّ القصع
كذاك الحمير إذا أخبت
…
ينقِّزها ريُّها والشِّبع
وقال أيضًا فيهم: [من المنسرح]
شرُّ الورى يا أخي وأحمقهم
…
تراه إن كنت عاقلاً فطنا
من يدَّعي الزُّهد والصَّلاح وقد
…
خالف في أمر دينه السُّننا
كلُّ عتلٍّ كأنَّه وعل
…
قد عظمت بطنه وقد سمنا
خال من العلم شيخ طائفة
…
قد صيَّروه من جهلهم وثنا
دينهم الرَّقص والغناء لقد
…
طغوا بهذا وفارقوا ....
ما جعل الله ديننا لعبًا
…
أكلاً ورقصًا وصيحة وغنا
وقال أيضًا: [من الطويل]
أقول له صلني فيصرف وجهه
…
كأنِّي أدعوه لفعل محرَّم
فإن كان خوف الإثم يكره وصلتي
…
فمن أعظم الآثام قتلًه مسلم
وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –رحمه الله قال: أنشدني الخطيب أبو إسحاق إبراهيم في غلام عليه قباء أحمد: [من المنسرح]
/14 أ/ يخطر في يلمق كوجنته
…
أحمر قان من خالص السَّرق
كأنَّه في أحمراره قمر
…
قرفل في حلَّة من الشَّفق
قال القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر العراقي –قاضي السلامية من أرض الموصل- في قتل الحسين بن علي- رضي الله عنه: [من السريع]
يا يوم عاشوراء أذكرتني
…
مصارع الأشراف من هاشم
أبكي ولا لوم على من بكى
…
وإنَّما اللَّوم على اللَاّئم
ما من بكى فيك أشدَّ البكا
…
وناح بالعاصى ولا الآثم
رزية ما قام في مثلها
…
نائحة تندب في مأتم
آل رسول الله خير الورى
…
وصفوة الله على العالم
مثل مصابيح الدُّجى عفِّرت
…
وجوههم في الرَّهج القاتم
رؤوسهم تحمل فوق القنا
…
مظلومة شلَّت يد الظَّالم
ساروا بها يا قبحها فعلة
…
مثل مسير الظَّافر الغانم
كأنَّما الزَّهراء ليست لهم
…
أمّا ولا الجدُّ أبو القاسم
قل لابن مرجانة لابدَّ أن
…
تعضَّ كفَّ الحاسر النَّادم
/14 ب/ محمَّد خير بني آدم
…
خصمك يا شرَّ بني آدم
يطلب منك الثَّأر في موقف
…
ما فيه للظالم من عاصم
وفيه يقتضُّ من المعتدي
…
بالنَّار لا بالسَّيف والصَّارم
وقوله في كبر السن: [من الخفيف]
أيُّ عيش يطيب والعمر قد أربى
…
على خمسة وسبعين عاما
كيف يلتذُّ في الحياة بعيش
…
يتمنَّى لاقيه فيه الحماما
إنَّما العيش بالشَّباب لو اشتدَّ على
…
طيبه الزَّمان دواما
نوَّرت فودي السٌّنون فيا ليت ضياء منحن كان ظلاما
ما أرى صحَّتي على كبر السِّنِّ
…
أفادت إلَاّ ضنىً وسقاما
فكثيراً أقول: آه إذا رمت نهوضًا لحاجة أو قياما
وإذا ما مشيت [كنت] كأنِّي
…
بتُّ أحسو مع الغواة المداما
صحبتني أولاد حام زمانًا
…
أحصنوا صحبتي وماتوا كراما
ليتهم عمِّروا وكانوا على الدَّهر لأولاد عمِّهم خدَّاما
أكرم الشَّيب إنَّما تصحب الشَّيب إذا ما رأيته آثاما
/15 أ/ ثمَّ من بعده تصير إلى القبر فياليته أطال المقاما
وقال أيضًا: من السريع]
من يتمنَّ العمر فليتَّخذ
…
صبراً على فقد أحبَّائه
وله: [من الوافر]
إذا ما جاوز السَّبعين عمري
…
بخمس ثمَّ أردفها بخمس
يئست من البقاء وكيف أبقى
…
وقد نعيت إلى بذاك نفسي
وقد أيقنت أنِّي عن قريب
…
بلا شكًّ أكون رهين رمس
وكيف يلذُّ طعم العيش شيخ
…
تصبِّحه المنيَّة أو تمسِّي
فيا ربَّاه جد بالعفو عنِّي
…
فقد فرَّطت في يومي وأمسي
[4]
إبراهيم بن أبي الكرم بن المفرج القاضي، أبو إسحاق القبطي
أصله من القبط ومولده ومنشأه مصر.
اشتغل بالفقه والحديث، وقرأ شيئًا من العربية. وكان شاعراً مترسًلا ذا بلاغة /15 ب/ وفهم. وكان من الأسخياء، واسع المروءة، يجود بما تملك يداه. وتقدّم عندً الملوك، وحظي لديهم، وتولّى القضاء بمدينة موش وأعمالها بصعيد مصر الأدنى إلى أن توفي في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني القاضي أبو الماثر عبد الصمد بن أحمد بن عبد الله المصري الأنصاري، قال: أنشدني القاضي أبو إسحاق لنفسه: [من الطويل]
لئن كنت عن طرفي بشخصك غائبًا
…
فمعناك في قلبي معي لا يفارق
وشوقي لجهدي زائد وتصبِّري
…
فقيد وإنِّي في الَّذي قلت صادق
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني القاضي قوله: [من الكامل]
يا عتاتبي ولو انتخيت لعتبه
…
كان الأحقَّ بأن يعاتب دائما
والشَّخص ينسى ذنبه متعاميًا
…
ويرى على عتب الصَّديق ملازما
[5]
إبراهيم بن إسماعيل بن محمد بن غازي بن عبد الله الحرّانيُّ، المعروف بابن النقيب.
/16 أ/ كان من أهل الأدب والفضل، دمث المعاشرة، حسن المحاضرة. وكان كحَّالا بالمارستان الذي أنشأه مظفر الدين كوكبوري بن علي بكتكين –رضي الله عنه ويجتمع عنده الشعراء وأهل الفضل؛ وله طبع في النظم. وكان يحاضر بالحكايات والأشعار. وكان سريع المجون، خفيف الروح. توفي بحرّان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
أنشدني أبو القاسم بن أبي النجيب بن أبي يزيد التبريزي، قال: أنشدني ابن
النقيب لنفسه: [من الكامل]
أشتاقكم فإذا أتى من نحوكم
…
آت طفقت إليه أسأل عنكم
فتسرني أخباركم ويسوءني
…
إذ لم يكن معه كتاب منكم
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم لنفسه: [من الوافر]
تعلِّلني الأمأني في هواكم
…
بلقياكم فأطرب للتلاقي
وأعلم أنها خدع ولكن
…
تحقَّق بعض ما أنا منه لاقي
أمرَّر إذ تمرُّ نوىً بفكري
…
وأفرق حين أخبر بالفراق
وقوله: [من الوافر]
/16 ب/ لعمرك ما جفوتك عن ملال
…
ولا أعرضت إلَاّ خوف مقتي
لأنَّ طبائع الإنسان ليستً
…
على وفق الإرادة كلَّ وقت
ومن شعره أيضًا قوله: [من الخفيف]
ورخيم الدَّلِّ معتدل القامة كالغصن حنَّ قلبي إليه
اشتهي أن يكون عندي وفي بيتي وبعضي فيه وكلِّي عليه
[6]
إبراهيم بن عليِّ بن محمد بن أبي الحسن بن زيد، أبو إسحاق بن أبي الحسن البغداديُّ
كانت ولادته بالسِّندية ثامن شعبان سنة ثمان وخمسمائة. وكان والده خطيبها.
وكان أبو إسحاق رجلاً صالحًا دينًا متعبداً من أهل العلم والفضل وحملة القرآن وقرائه. صاحب نظم ونثر، وسمع الحديث، وقرأ على القاضي أبي زكريا يحي بن القاسم التكريتي كتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي القاسم هبة الله بن سلامة المفسّر، وكتاب "إفحام اليهود".
ووعظ تكريت /17 أ/ وحضر دروس قاضيها، وتكلّم عنده مراراً؛ وله أشعار حسنة.
أنشدني أبو الفضل العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه من كلمة قالها: [من الطويل]
وقل لبني الإسلام والسنَّة الَّتي
…
يضيء بأدنى نورها كلُّ فاحم
ودواي لكم محض ومدحي لفضلكم
…
وداد حميم خالص الودِّ سالم
[7]
إبراهيم بن الحسن بن عليِّ بن محمد بن موسى بن عسكر بن عثمان الحنشند، المعلِّم الشيبانيُّ.
أخبرني أنه ولد بباورد من بلد الزعفران من بطن الجزيرة العمرية، ثم انتقل إلى الموصل، وفتح له مكتبًا يعلِّم الصبيان. مولده سنة ستين وخمسمائة.
من شعره: [من الكامل]
ما بات يلحاني عبيد السَّيِّد
…
إلَاّ معاندة لال محمَّد
ما قال: إنَّك رافضيٌّ ملحد
…
إلَاّ بلهجة ناصبيًّ ملحد
يا للعجائب والعجائب جمَّة
…
مثلي يضلُّ ومصله من يهتدي؟
/17 ب/ وأنشدني الخنشند لنفسه باربل يمدح شرف الدين أبا البركات المستوفي –رحمه الله: [من الطويل]
وقالوا: امتدح من ولد موهوب ماجداً
…
تحيَّر في أوصافه كلُّ من يقرأ
أبا البركات الأريحيَّ ومن له
…
يدلم تخلِّي في خزائنه تبرا
فقلت وقد حيِّرت في كنه وصفه
…
بأنِّي لسان أمدح البدر والجرا
[8]
إبراهيم بن سليمان بن عبد الله، أبو إسحاق التيميُّ الخطيب الصرخديُّ.
كان يتولّى خطابه صرخة، وأنشأ حطبًا. وكان يترسل ترسلاً جيداً. وقرأ على أبي اليمن الكندي، ويقول شعراً يسلك فيه مسلك العرب من فخامة الألفاظ.
مدح الملك العادل وأولاده وأبناء صلاح الدين وجماعة من بني أيوب. وكان شاعراً فصيحًا في الإنشاد. وكان ذا فطرة صحيحة، وطبع سليم من اللحن.
أنشدني الشيخ العالم تاج الدين أبو الثناء محمود بن عابد بن الحسين التميمي الصرخدي /18 أ/ بدمشق بالمدرسة المنسوبة إلى الملك العادل محمود بن زنكي –رحمه الله في شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني خالي جمال الدين إبراهيم لنفسه –وذكر أنه توفي بصرخد سنة سبع عشرة وستمائة، وبلغ أربعًا وخمسين سنة-:[من الطويل]
غدت والهوى نحو الحجاز يسوقها
…
ونشر الخزامي والعرار يشوقها
يسهل منها ذروة الحزن وخدها
…
ويطوى بأنفاس الغرام سحيقها
كأنَّ الثريا تنثني في حزامها
…
إذا ما الصُّبا بالمسك وافى فتيقها
يشقُّ ذميلاً شقَّه اللُّيل شوقها
…
ويعنقها حوذانها وشقيقها
ويجذبها حرُّ الجوى نحو سلعها
…
ويشكو هواها بأنها وعقيقها
أعاذلتي كفِّي فيهاتيك دارها
…
تلوح وما ذاك الفريق فريقها
معاهد في قلبي لهن معاهد
…
وإن أخلفت من ساكنيها بروقها
لهم منزل يرعاه أسود ناظري
…
سبوح بمرجان الدُّموع غريقها
يطلُّ دفين الصَّدر شلاُّ لعيسم
…
وأين استقلَّت فالفؤاد رفيقها
محجَّبة نجديَّة غضوبة
…
بروك إذا قام المطيُّ فنيقها
ترى الشَّمس منها تحت ناصية الدُّجى
…
ومأ حان من شمس النَّهار شروقها
/18 ب/ وله: [من الكامل]
متهلِّل يصل النَّوال ببشره
…
فيظلُّ يهذي منه وجه الطَّارق
كالرَّوض لم يبز ضاحكًا
…
حتَّى تبسَّم فيه ثغر البارق
[9]
إبراهيم بن نصر بن ظافر بن هلال، أبو إسحاق بن أبي الفتح الحمويُّ.
نزيل الديار المصرية.
له: [من البسيط]
إذا زرعت جميلاً فاسقه غدقًا
…
من المكارم كي ...... لك الشَّجر
ولا تشبه بمنًّ فالَّذي نقلوا
…
من عادة المنِّ أن يؤذى به الثَّمر
وكتب إلى بعض الأصحاب من الصعيد لطول مقامه بها:
[من جزوء الكامل]
من يدَّعي فيَّ الحياة يمين فيما يدَّعيه
أنا ميِّت ودليله
…
أن الصَّعيد دفنت فيه
وله: [من مجزوء الرجز]
يا مفتي العصر أما
…
تفتون في قضيَّتي
قتلت عمداً خطأ
…
وقد وزنت ديتي
وله: [من مجزوء الرمل]
/19 أ/ يا زماني كلَّما حاولت أمراً تتمنع
إن تعصَّبت فإنِّي
…
باصطباري أتقنَّع
وله: من مخلّع البسيط]
لو أنَّ كتبي بقدر شوقي
…
إليك لم تنقطع ورودا
وكان سلطان وجد قلبي
…
ينشر في خفقها بنودا
وله: [من المتقارب]
بخدمتكم لم أنل طائلاً
…
وميزان نقصي بكم راجح
وللطَّرف من أدمعي نثره
…
وللقلب من سعدكم ذابح
وله: [من السريع]
ما يستر المملوك في بعثه
…
نزر حقير القدر إلَاّ الرِّضا
وليس في الوقت ولكنُّنه
…
من فاته الفرض يؤدِّي قضا
وله: [من مجزوء الكامل]
لمَّا علمت بأنَّ ما
…
أهديه نزر القدر تافه
أنفذته وهربت ما
…
هذي عديَّة من يواجه
وله /19 ب/ من قصيدة مرثية في علم الدين ابن الصاحب بن شكر:
[من مخلّع البسيط]
قلت وقد زرت قبر يحيى
…
ذخري ومن كان لي ملاذا
والعين كالعين ذات سحًّ
…
ياليتني متّ قبل هذا!
وله: [من المنسرح]
لا تغترر بالذين ........... من قربهم ما لجلدهم دابغ
أقمت فيهم أرجو نوالهم
…
خمسين عامًا وما أنا بالغ
[توفي برهان الدين المذكور في ثاني جمادى الأولى سنة ثمان ...... وستمائة –بمصر، ودفن من الغد، ومولده سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وخمسمائة].
[10]
إبراهيم بن يعقوب، أبو إسحاق الكانمي.
الأديب النحويُّ الشاعر الأسود.
وكانم اسم بلد بلد بنواحي غانة وهي دار ملك السودان الذين بجنوب المغرب.
أخبرني شيخ الشيوخ [عبد الله بن عمر الجويني الدمشقي بها –رحمة الله تعالى-] قال: رأيته وقد قدم إلى مراكش في أيام السيد أبي يوسف يعقوب بن عبد المؤمن. ومدح كبراء الدولة، واختلط بساداتهم، وارتزق وانتفع بجاهاتهم.
وكانت العجمة في لسانه لكنه يعرب عن شعر فصيح، ولفظ /20 أ/ صحيح، ووزن مستقيم، ومعنى قويم. وكان يحفظ الجمل في النحو، وكثيراً من أشعار العرب.
قال: وذكر لي أنه اشتغل في بلد غانة، وتخرج بها مع أنَّها بلد كفر وجهل، وقد تردد إلىّ كثيراً، وذاكرني وجالسني؛ إلَاّ أني لم أجد في تعاليقي حين ألفت هذا المجموع سوى هذا القدر الذي علقته. فمنه قوله يمدح أبا إسحاق إبراهيم بن يعقوب. وكان قد انقطع إليه، ولازمه وحسده قوم من أصحابه على ذلك:
[من البسيط]
ما بعد باب أبي إسحاق منزلة
…
يسمو إليها فتى مثلي ولا شرف
أبعد ما بركت عيسي بساحته
…
وصرت من بحره اللجِّيِّ أغترف
همُّوا بصرفي وقد أصبحت معرفة
…
فكيف ذلك وأسمي ليس ينصرف
يعني إبراهيم.
وقوله يخاطبه على عادتهم في المخاطبة بلفظ الجمع، ويذكر السواد، وأنشده لنفسه:[من الطويل]
سمعت بأن تهدي الطَّرائف نحوكم .... فسقت وليداً شاعراً وهو أعجم
وإنَّ الجياد الشُّقر أسبق خيلكم
…
فهاك طمَّرا سابقًا وهو أدهم
/20 ب/ وله يتغزل ..... زوجته التي زوجها به بعض السادة: [من البسيط]
غيرى عليكن يا زهراء يصطبر
…
لأنَّ صبري على ذاك الهوى صبر
لوني بلونك من دان إذا أجتمعنا
…
كما يزين سواد المقلة الحور
وإن شككت فقيسي قيس تجربة
…
ففي أختبارك ما ينسى به الخبر
ولا يسؤك من الأغماد حالكهاً
…
إذ كان كامنها الصَّمصامة الذَّكر
وقال: وأنشدني له محمد بن محمد بن خميس: [من البيسط]
وقائل لم لا تهجو، فقلت له
…
لأنَّني لا أرى من خاف من هاجي
فليس ذم كرام النَّاس من شيمي
…
وليس ذمُّ لئام النَّاس منهاجي
قال: وأنشدني مذاكرة لما دخلت إلى السيد يعقوب بن إبراهيم بن يعقوب، أنشدت:[من الوافر]
أزال حجابه عنِّي وعيني
…
تراه من المهابة في حجاب
وقرَّبني تفضله ولكن
…
بعدت مهابة عند أقترابي
وأنشدني شيخ الشيوخ، قال: أنشدني /21 أ/ الكانمي لنفسه –من أبيات- في السواد: [من البسيط]
بكلِّ لون ينال المرء سؤدده
…
مهما تجرَّد من أخلاقه السُّود
[11]
إبراهيم بن سليمان بن حمزة، أبو إسحاق القرشيُّ الدمشقيُّ الكاتب.
شاعر مجيد حسن الخط والكتابة من أرباب الفضل والتّميز.
أنشدني أبو الفضل [العباس بن بزوان بن طرخان] الموصليّ، قال: أنشدني إبراهيم بن سليمان لنفسه يمدح الملك الأشرف مظفر الدين أبا الفتح موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي –رحمه الله تعالى-: [من البسيط]
رام العواذل إصلاحي وما شعروا
…
أنَّ الهوى جمرة بالعذل تستعر
باتت تنمِّق لي من زورها عذلاً
…
كأنَّه في حواشي مسمعي إبر
وتستقل الَّذي ألقى وقد علمت
…
أنَّ الغرام الَّذي استعذبته صبر
يا راقي الدَّمع إنَّ العين في فرق
…
يا راقد اللَّيل قد أدوي بي السَّهر
من مسعدي من عذيري من هوى رشًأ
…
خاطرت بالنَّفس فيه والهوى خطر
ما كنت أحسب أنًّ الحبَّ يملكني
…
وأن ليث الشَّرى يصطاده النَّظر
/21 ب/ إن أومض البرق من شرقيِّ كاظمة
…
باتت مدامع من عينيك تبتدر
يجدُّ لي خطرات الشَّوق ذكركم
…
الله ما تصنع الأشواق والذِّكر
إذا اللَّيالي بما نهواه كافلة
…
والعيش رطب وإذ غصن الصِّبا نضر
لياليًا كنَّ عمر الدَّهر فانقرضت
…
عنَّا وللهَّو في أبنائه عمر
ويوم لهم ظللنا ساجدين له ........... الكأس لمَّا أذَّن الوتر
ويوم وجد وصلناه بليلته
…
يكاد يقبس منه الجمر والشَّرر
حتَّ بدت غرَّة الإصباح تلمع في
…
مهلهل النَّسج في أذياله قصر
كأنَّها يد موسى أو تبسُّمه
…
أو ضوء غرُّته والنَّقع يعتكر
شاه أرمن بن أبي بكر أعم ملوك الأرض جوداً إذا لم يورق الشَّجر
قالت سليمى وقد جدَّ الرُّحيل بنا
…
عنهأ فدمعتها في الخدِّ تنحدر
حتَّى م ترحل أنضاء المطيِّ ولا
…
ي، فكُّ غرمك مقرونا به سفر
يا هذه إنَّني آو إلى ملك
…
تشاركت في نداه البدو والحضر
ليست لغير النَّدى والباس همَّته
…
لله والمجد ما يأتي وما يذر
ترى الوفود إلى أبوابه زمراً
…
أمامها زمر وخلفها زمر
حتَّى إذا وردوا ساحاته نزلوا
…
بماجد يهب الدُّنيا ويعتذر
/22 أ/ أفعاله غرر في المجد واضحة
…
بيض وأيَّامه في دهره غرر
ماضي الشَّباه له يومان يوم ندًى
…
ويوم بأس كلا يوميه مشتهر
لو أنَّه رام فوق الشمس منزله
…
ما عاق عمَّته عجز ولا خور
لو طاولته يد الأيَّام طاولها
…
عبل الذِّراعين ما في باعه قصر
بذَّ الملوك ومأ يألون في طلب
…
ففي أعنَّتها عن قصده زور
تكبو السَّوابق في آثار عزمته
…
والجدُّ منها وفيها القيق والضمر
جمُّ النَّوال يعمُّ النَّاس نائله
…
كفَّاءه تفعل ما لا يفعل المطر
أعطى فلم تخل كف من مواهبه كالبحر يلفظ في اعباره الدُّرر
تبيت أعداؤه منه على حذر
…
هيهات ينفع منه الخوف والحذر
في كلِّ ثغر نذوب من وقائعه
…
حتَّى اللَّيالي بها من مسِّها أثر
يغدو أمام الخميس المجر يقدمه
…
كأنَّه فيه ليث الغابة الهصر
مسدَّد الحزم ماضي العزم يصحبه
…
أنَّي سرى أو أقام النَّصر والظَّفر
يا ربَّ حومة حرب قد نقعت بها
…
صدى السُّيوف ونار الحرب تستعر
مهما الصَّوافن حيرى والكمأة لقًى
…
والمضرفيَّة كلمى والقنا كسر
والنَّقع أسفع والأبطال عابسة
…
والبيض ..........................
/22 ب/ وكنت أشجع من يلفى وأكرم من
…
يسمى وأفضل من ينمى ويفتخر
يجلو الخطوب إذا أسودَّت غياهبها
…
كما يجلي مراد الظُّلمة القمر
يروق رائيه منه منظر حسن
…
يلقاه أحسن منه حين يختبر
باتت تمثِّل لي فيك المنى أملاً
…
فسرت نحوك لم ينفذ بي الطير
يا دهر ويحك نكِّب عن محاربتي
…
إنِّي بني أيُّوب منتصر
الأشرف القمر الملك الَّذي حسدت
…
مقامه في السَّماء الأنجم الزُّهر
وزاد فضلاً بني أيُّوب أن كرموا
…
في النَّاس أصلاً وطاب الظِّلُّ والثَّمر
عجبت من ظمأ إن جرت بي هممي
…
على موارد ماء صفوها كدر
سارت إليك وآمالي أزمَّتها
…
يقتادها الجود لا الأرسان والعذر
يحملن كلَّ بديه النَّسج مطَّرد
…
يهدي إليك ثناء نشره عطر
كأنَّه روضة جاد الوليُّ بهاً
…
حتَّى تأرَّج من أكمامها الزَّهر
لا يضحك الدَّهر يومًا عن بنيه رضًا
…
إلَاّ إذا ابتسمت عن مجدك اليِّسر
دأمت بغرَّتك الأيَّام مشرقة
…
إنَّ الزَّمان إليك اليوم مفتقر
تطول السننا حتَّ إذا قصرت
…
إلى مداك ثناها العيُّ والحصر
مأكلُّ ذي خطر يسمو إلى مدحي
…
وهنَّ دونك يا من دونه الخطر
/23 أ/ ألبست كلَّ وليًّ نعمةً غبطت
…
وإنَّني بالولاء اليوم مشتهر
يا خير من صدرت عنه الوفود ومن
…
يثني الورود على جدواه والصَّدر
لا أسأل الله شيئًا غير مغفرة
…
وأن يجيرك من مكروهه القدر
[12]
إبراهيم بن دنينير الموصليُّ.
أنشدني القاضي السعيد بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم الخشاب –أيده الله تعالى- قال: كتب إلى ابن دنينير هذه الأبيات لنفسه: [من البسيط]
أبا محمَّد المرجوَّ نائله
…
أصبحت منك على أمن من العدم
قد خالطت منك نعماك الَّتي شملت
…
وفرط حبِّك منِّي أعظمي ودمي
فاليوم لا أتخشى وقع حادثه
…
من صرف دهري ولا من جور منتقم
لي منك ما لم أزل أزهى به فرحًا
…
من احترام وإكرام ومن نعم
أضف إليها قليلاً من مساعدة
…
بجاهك العامر الموفي على الهمم
وأكتب كتابًا أفز بالنَّقع منه كما
…
تفوز منه بحسن الذِّكر في الأمم
[13]
إبراهيم بن عيسى بن درباس /23 ب/ أبو إسحاق المصريُّ المارانيُّ.
كانت ولادته بالقاهرة في شوال سنة إثنتين وسبعين وخمسمائة، ونشأ بمصر.
كان من أهل الحديث الذين رحلوا في طلبه [إلى] البلاد، وكتب منه شيئًا كثيراً، وسمع المشايخ، ولقي العلماء. وكان شافعي المذهب؛ إلَاّ أنه كان يطعن على أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ويقع فيه. له من أبي طاهر السلفي إجازة معيّنة في شهر ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
وخبرت أنه دخل بلاد الهند، وسكن مدينة من أعمالها تدعى "نهر وألا"، وحصل لديها رزق واسع وثروة وافرة؛ وهو مقيم بها.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي، قال: أنشدني الماراني لنفسه:
[من البسيط]
حكمت يا دهر في أمري بإفراط
…
وما عدلت إلى عدل وإقساط
إنِّي وقد طرحت أيدي النَّوى جنفًا
…
جسمي بحمص وروحي ثغر دمياط
ومما كتبه إلى القاضي زين الدين ابن الأنصاري، وأنشدنيها الشيخ شمس الدين أبو الطاهر إسماعيل /24 أ/ ابن سودكين بحلب في شهر ربيع الأول سنة أربعين وستمائة، قال: وقد زاره ابن الأنصاري المذكور وولده عشية الجمعة ببستان كمال الدين؛ وتفضل ووعد أن يزوره فيه في الليالي المقمرة من كل شهر ويبيت فيها:
[من البسيط]
أفدي الَّذي زارني من غير موعدة
…
فعادلي الرَّوح لمَّا زار والفرح
أكرم به مالكًا أهدى بزورته
…
كلَّ السُّرور وزال الغمُّ والتَّرح
فلست أحصي الَّذي أسدى بزورته
…
من الجميل وما زالت له المنح
لم أبلغ الفضل من إكرام حضرته
…
بما يليق له فأهتاج بي كلح
لولا أعتمادي على علمي مودَّته
…
لكنت من خجلي والله أفتضح
أتاحه الله في الإسعأد منزلة
…
ينال منها الَّذي يبغى ويقترح
وكتب إلى المذكور يستنجزه ما وعده من الزيارة: [من الطويل]
أيا راكبًا يبغي منازل جيرتي
…
ويمَّم في مسراه دار أحبَّتي
ألا حيِّ أهل الحسِّ عنِّي تفضُّلاً
…
وعرِّفهم بالله يا سعد قصَّتي
/24 ب/ عساهم إذا أخبرتهم بقضيَّتي
…
يغشونني منهم بعطف ورحمة
ألا حيِّ زين الدِّين أوفي تحيَّة
…
وبلَّغ جمال الدَّين أيضًا تحيَّتي
وقل لهما إنَّ الوداد بحاله
…
وحقِّكما حتَّى أوسَّد حفرتي
ولست بناس فضلكم وجميلكم
…
عشيَّة ما كنَّا جميعًا وجمعة
وقد وعد المولى بعود جميله
…
وإسعافه في المقمرات بزورة
وقد شخصت منَّا العيون لصوبكم
…
تراءى هلال الوصل منكم وحقت
فإن غبتم فالقلب فيكم معذَّب
…
وإن عدتم عادت إلى مسرَّتي
فبادر فليس الأنس دونك حاضراً
…
وما نزهة إن غبت عنَّا بنزهة
ولا زلت يا مولاي تسدي جميلة
…
ولازلت يا مولاي سلك أحبتَّي
وكتب إليه أيضًا: [من الخفيف]
لا تلمني على الولا يا جاري
…
أنا عبد لسيِّد الأنصار
هو خلِّي وسيِّدي ونسيبي
…
ورفيقي في أشرف الأسفار
وصديقي من مكتبي ثم جاري
…
في حقوق تجلُّ عن إحصار
فأجبني يا سيِّدي عن مقالي
…
ببلال من بحرك الزَّخَّار
وكتب إلى كمال الدين، وقد بالغ في إحسانه:[من الطويل]
/25 أ/ ملكت كمال الدِّين رقِّي وإنَّني
…
لأفخر أن أصبحت أدعى بعبدكا
وما زلت بالإحسان حتًّى ملكتني
…
فلا زلت مملوكًا ولا زلت مالكا
رواي هذه الأبيان عن قائلها شمس الدين إسماعيل بن سودكين.
[14]
إبراهيم بن محمود بن أحمد بن حمزة بن أبي عليًّ، أبو إسحاق الشيرازيُّ، المعروف بابن الميراثيِّ.
نسبة إلى الميراث.
كانت ولادته ليلة الاثنين سادس صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة. كان فقيهًا عالمًا أصوليًا شاعرًأ؛ وهو من أبناء الرؤساء، وبيتهم أكبر بيت بشيراز.
أنشدني أبو الفتح محمد بن بدل التبريزي –رحمه الله قال: أنشدني إبراهيم بن محمود الميراثي لنفسه جواب كتاب ورد عليه من بعض أصدقائه: [من الوافر]
أحبُّ إلىَّ من نفس الصَّباح
…
وأشهى من ملاقاة الصِّباح
وأطيب رشفة وألذُّ طعمًأ
…
من الصَّهباء بالماء القراح
/25 ب/ كلام من نواحيكم أتاني
…
ألا يا حبَّذا تلك النَّواحي
ألا أبلغ تحيَّاتي وشوقي
…
أباك القرم ذا الكرم الصُّراح
فإنَّ أباك خير الخلق خلقًا
…
وأعلمهم بأسباب النَّجاح
مواليَّ أذكروني في دعاء
…
فإنَّ دعأكم أمضى سلاح
فلا تنسوا لدى الطَّيران طيراً
…
غدا في الفخِّ منكسر الجناح
وأنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي –رحمه الله تعالى- قال: أنشدني ابن الميراثي لنفسه: [من الطويل]
حياءً فما بعد المشيب غرام
…
وصحواً فما بعد الصَّباح منام
أعد نظراً في الدَّهر تبصر صروفه
…
لوامع آل ما لهنَّ دوام
وله: [من الكامل]
هل للفؤاد من الغرام مخلِّص
…
أم جور ذات الخال يومًا ينقص
لا بل تمادى في الكمال كلاهما
…
فالقلب بين الحالتين منغَّص
وقال: [من الكامل]
دار حللت بها وأيَّة دار مغنى النُّجوم ومنزل الأقمار
/26 أ/ مرَّت بنا فإذا رأتني أعرضت
…
حذراً من الرقباء والنُّظَّار
ومنها:
نظرت فلاح ضميرها في عينها
…
إن العيون طلائع الأسرار
[15]
إبراهيم بن المظفر بن إبراهيم بن محمد بن عليّ بن سلمان، المعروف بابن البرنيِّ، أبو إسحاق بن أبي منصور الموصليُّ المولد، البغداديُّ المنشأ والأصل.
رأيته شيخًا قصيراً نقي الشيبة، ضعيف العينين. كانت ولادته في أيام التشريق من سنة ست وأربعين وخمسمائة. وتوفي بها أول يوم من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ودفن غربها ظاهر البلدة بمقبرة المعافى بن عمران –رضي الله عنهما إلى جانب الشيخ عمر بن محمد بن الخضر الملّاء الموصلي.
وكان واعظًا فقيهًا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل –رضي الله عنه وسمع الحديث الكثير على مشايخ دار السلام؛ كأبي محمد بن الخشاب النحوي، وأبي الفرج ابن الجوزي، وعبد المغيث بن زهير الحربي، وغيرهم من شيوخ الحديث. واشتغل بفن الوعظ وبرع فيه. /26 ب/ وكان يعظ الناس.
نزل الموصل وسكنها، واتصل بأبي القاسم علي ابن مهاجر الموصلي، وفوَّض إليه دار الحديث التي أنشأها بباب سكّة أبي نجيح، وانتفع بصحبته واشتهر اسمه. وكان يسمع الحديث بالدار المذكورة ويفتي على المذهب الأحمدي. وصنَّف مصنفات كثيرة، وله أشعار ساقطة.
شاهدته مراراً عدّة، وحضرت مجلس وعظه، ولم يتفق لي الرواية عنه.
أنشدني تلميذه محمد بن منصور بن دبيس الموصلي، قال: أنشدني أبو إسحاق ابن البرني لنفسيه: [من المجتث]
لا تشغلنك خلوب .... بذات فرع أثيث
عن التشاغل بالفقه واستماع الحديث
فالعلم خير قرين
…
مستصرخ ومغيث
فلا تبعه بجهل
…
ما بليت كحيث
وأنشدني أبو علي الحسن بن محمد بن يحيى بن شمير الموصلي، قال: أنشدنا ابن البرني لنفسه، يرثي الأمير مودود /27 أ/ ابن المراق ويعزّي أخوته وأقاربه:
[من الخفيف]
طال يومي وطال بي التَّسهيد
…
منذ قالوا: أودى الفتى مودود
واعترتني وساوس شيبتني
…
لو درى بعضها لشاب الوليد
راعنا بالفراق وهو الودود
…
وارتعى جانبيه ترب ودود
وفقدنا لفقده لذَّة العيش فصبر الصَّبور منَّا فقيد
غائب غاب ماله من إياب
…
خاب فيه الرَّجاء ليس يعود
وهي طويلة.
[16]
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن عليّ بن نصر الله، أبو إسماعيل المعروف بابن دنينير الموصليُّ اللخميُّ ثم القابوسي.
من أهل الموصل. هكذا قرأت نسبه بخط يده.
رأيته غير مرة. كان شابًا أشقر مشربًا بحمرة، مقرون الحاجبين، جميل الصورة؛ وله منظر.
اشتغل بشيء من الأدب على أبي الحرم مكي بن ريان النحوي، وكتب خطًّا حسنًا. وعرف علم النحو معرفة جيدة، وفهم حلّ التراجم، وقال الشعر، ورحل به إلى الملوك؛ إلَاّ أنه كان /27 ب/ رديء الاعتقاد، يتهاون بالدين والصلاة، ويطعن في الشريعة والإسلام، ويتظاهر بالإلحاد والفسق، ويصرُّ على شرب الخمر. وكان مع ذلك بغيضًا إلى الناس، ممقوتًا عندهم لما يرونه سالكًا طريق القبائح والأشياء المنكرة.
سافر إلى الديار المصرية والبلاد الشامية، وامتدح جماعة من ملوكها وكبرائها. وبلغني أنه قتل سنة سبع وعشرين وستمائة؛ وسبب ذلك أنَّ بعض ما كان يخالطه عثر له على أوراق تتضمن كلامًا ردئيًا في حقّ الله سبحانه وتعالى ما يوجب قتله، وأهاج في الملوك وكفريات. فأخذ الملك العزيز عثمان بن الملك العادل وصلبه بالصبيتة- قلعة قريبة إلى بانياس.
رأيته غير مرّة بالموصل، ولم آخذ عنه شيئًا لقلّة اهتمامي بهذا الشأن.
ووجدت له قصيدة بخط يده، قالها في الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب صاحب حلب رحمه الله وأنشدنيها عنه أبو القاسم بن أبي النجيب /28 أ/ ابن أبي التبريزي، قال: أنشدني دنينير لنفسه: [من البسيط]
لولا تذكُّر عهد بالحمى سلفا
…
ما فاض دمعي على ربع ولا كفا
ولا سقيت ربى الجرعاء من إضم
…
دمعًا غدا يوم سار الحيُّ منذرفا
كم لي أكتِّم أشواقي ويظهرها
…
سقم برى أعظمي يوم النوى أسفا
وفي الهوادج لي شمس إذا برزت
…
يظلُّ منها جبين الشَّمس منكسفا
لولا النَّصيف يواري من أشعَّتها
…
لما رأيت بمرأى وجهها سدفا
ولو بدا ثغرها يومًا رأيت له
…
برقًا تألَّق للأبصار مختطفا
ومقلتاها وخدَّاها وطرَّتها
…
لخلت في الوجه منها روضة أنفا
حتَّى نأت فغدا لي من قطيعتها
…
وبعدها سببا قتل قد اختلفا
ألفتها ونأت عنِّي فرحت به
…
حلف الضَّنى والمعنَّى كلُّ من ألفا
لا ارتضي عيشتي من بعدما ما تركت
…
يد النَّوى بدني طول المدى دنفا
أبكي دمًا بعد تفريق الفريق أسى
…
من بعدهم وكفى جفنيَّ ما وكفا
يا ذا الملامة فيهم لم تعنِّفني
…
إنَّ الصَّفا لو رأى حالي بهم لصفا
دعني أكابد برح الحبِّ في كبد
…
جرى وأندب ربعًا قد خلا وعفا
وأستقلُّ بعبء لو تحمَّله
…
رضوى لأوهاه حتَّى كلَّ أو ضعفا
/28 ب/ كشفت ستر هواهم بألصُّدود كما
…
غازي بن يوسف طرق الجود قد كشفا
ملك إذا عدم الأجواد كلُّهم
…
كانت فضالة ما يولي لهم خلفا
تنقَّل الجود لم يبلغ لدى أحد
…
مدى فحين تناهى عنده وقفا
لطف ينيلك ما ترجو ويكنفه
…
بأس فؤاد اللَّيالي منه قد رجفا
في كلِّ يوم يرى من فيض أنعمه
…
ما لا رأى مثله جوداً ولا عرفا
قالوا: غدا الكرم الموصوف منه يداً
…
لما أستعدَّ به يومًا ولا وصفا
أستودع الله من سارت ركائبه
…
عنِّي فأودعني من بعده أسفا
جاد الزَّمان على حين برؤيته
…
وكان مثل خيال في الكرى خطفا
أمر عيشي منَّاه وكدَّره
…
من بعد ما كانً فيه قد حلا وصفا
فرحت أوسع دهري من جوى وهوى
…
حمداً وذمًا لما أولى وما اقترفا
يا ابن الملوك الألى لولا مآثرهم
…
لم يوجد الجود مأثوراً ولا عرفا
الباذلي عرفهم والسَّحب مخلفة
…
والمانهي جارهم والدَّهر قد جنفا
ما أشرفت من هضاب المجد منزلة
…
إلَاّ تعالوا على هاماتها شرفا
فرَّقت وفرك في الدُّنيا فعاد وقد
…
أعاد مجدك موعوداً ومؤتلفا
ذكاءك الصُّبح إن ليل الشُّكوك دجا
…
وبأسك الجار أن رسم الجوار عفا
/29 أ/ إن يدَّعي الفخر أقوام فحقُّكم الموروث متَّلداً منه ومطَّرفا
ألست من معشر نادت مكارمهم
…
في النَّاس إنَّ محيَّا الجود قد كشفا
من آل أيُّوب حيث الملك منسبل
…
والحمد مغتنم والظِّلُّ قد ورفا
قوم إذا أسرفوا في البذل من كرم
…
لم يتبعوا منَّهم بذلاً ولا سرفا
فلوقفت حادثات الدَّهر نهجهم
…
لم يختلف في مجاريها ولا اختلفا
أدنيت حظِّي إذ أدنيت منزلتي
…
فعاد عنِّي صروف الدًّهر قد صرفا
كلفت بالجود إذ لم تلف مبتهجًا
…
بغيره وجدير أن ترى كلفا
لا تنكرن فيك أيَّامي على بخل
…
وأغفر [فديتك] ذنبًا عندها سلفا
فأمدد إلى بعين العفو عن زللي
…
فأنت ممَّن إذأ استغوى الجهول عفا
فما تخلَّفت عن توديعكم طمعًا
…
في أن أرى من زماني عنكم خلفا
وكتب إلى الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –رحمه الله تعالى-:
[من الطويل]
أيا شرف الدِّين الَّذي سوق مجده
…
بمعروفه بين البريَّة نافق
ويا من عطاياه إذا ضن بالنَّدى
…
تقصِّر عنهنَّ الغيوث الدَّوافق
إذا شمت برقًا من جميل خلالكم
…
شممت لكم عرفًا له المجد فاتق
/29 ب/ لئن كان شكري في معاليك صامتًا
…
فعذري بعجزي عن صفاتك ناطق
وما غاية المثني وفيك خلائق
…
تقصِّر عن أوصافهنَّ الخلائق
وقال: [من السريع]
قابلني ليلة قبَّلته
…
ظبيٌّ من الشَّمس غدا أملحا
طيب نسيم بين أنيابه
…
لو رقد المخمور فيه صحا
[17]
إبراهيم بن عليِّ بن محمود بن هبة بن أحمد بن يوسف بن أبي طالب بن عبد الرحمن بن عليّ، أبو إسحاق الكفر عزّيُّ الإربليُّ.
ابن عمِّ القاضي أبي محمد جعفر بن محمد بن محمود الكفر عزّيِّ.
حدثني الصاحب أبو البركات في تاريخه، قال: توفي أبو إسحاق بإربل ليلة الجمعة تاسع شهر رمضان سنة عشرين وستمائة. ووصى أن يحمل إلى كفر عزّة ويدفن بها ومولده كان فيها- فحمل ودفن بها.
ثم قال: وذكر لي القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الكفر عزّي: أن عمره خمس وثمانون سنة.
وأنشدني الصاحب أبو البركات، قال: أنشدني أبو إسحاق /30 أ/ لنفسه: [من الطويل]
لعمرك ما فعل الأسود إذا أعتدت
…
ولا السمهريَّات العوالي ولا الظُّبا
كما تفعل الأشواق في قلب وامق
…
إذا حنَّ يومًا للمعالم أو صبا
[18]
أنشد هذه القصيدة القاضي السعيد العالم جمال الإسلام شرف السادة بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب، قال: أنشدني إبراهيم بن علي الإربليّ لنفسه: [من الوافر]
لئن صدقت سعاد في المقال
…
ولجَّت في القطيعة والدَّلال
ونفَّرها مشيبي فاسترابت
…
وكانت لا تحيد عن الوصال
ولم أصل الخرائد كاعبات
…
وقد غفل الرَّقيب عن السُّؤال
خليَّ القلب من فكر وهمًّ
…
يقلقلني ومن داء عضال
وما ترك المشيب عليًّ حالاً
…
تميل إليه رَّبات الحجال
فمأ أخشى إذا ما كان عوني
…
بهاء الدِّين من غير اللَّيالي
فتى كالبدر يزهو حين يسمو
…
ليالي تمِّه عند الكمال
/30 ب/ تصدَّى للعلا مذكان طفلاً
…
وها هو بالعلا والمجد حالي
يجلُّ عن القياس بكلِّ فنًّ
…
ويكبر أن يمثَّل في مثال
ولو جاراه حاتم في نوال
…
كبا من حيث يجري في المجال
له همم تجلُّ عن العوالي
…
وتزري بالمهندة الصِّقال
أمين الملك في الأشياء جمعًا
…
صدوق في المقال وفي الفعال
له قلم به الأرزاق تجري
…
وفي الأعداء تجري بالنَّكال
تخال مداده سم الأفاعي
…
وشقَّة رأسه حدَّ النِّصال
فقد يغني عن الأسياف فيما
…
يشطِّره وعن سمر العوالي
إليه شددت أكوار المطايا
…
مجنِّحة لسيري وأرتحالي
وليس إلى سواه مددت كفّا
…
لأنَّ على مكارمه أتِّكالي
أمولانا بهاء الدِّين خذها
…
مهذَّبة كنظم بالَّلآلي
يروق النَّاس مسمعها بلفظ
…
على الأسماع كالماء الزُّلال
بلا كدر ولا نظم يشيهًا
…
ولا مضمونه طول المطال
وعلمك أيُّها المولى بأنِّي
…
كما تختأره العبد الموالي
لمجدك بعد حيدرة وسبطي
…
رسول الله والتِّسع التَّوالي
/31 أ/ ولست لغيرهم أهوى ولكن
…
مدارة الزَّمان على الرِّجال
ولا برحت نجومك في سعود
…
ولا أذنت سعودك بانتقال
[19]
إبراهيم بن عمر، أبو إسحاق الجزريُّ، المعروف بابن الزرقاء.
من أهل الجزيرة العمرية.
كان يعلّم الصبيان ويتردد إلى الأمراء يعلّم أولادهم الخط. وكان يكتب الخط الحسن، ويقول شعراً طيبًا سهلاً؛ يضمنه المجون والهزل، ويعرف الحكايات النادرة. ويحضر مجالس الكبراء والصدور، ويقبلون عليه ويكرمونه لظرفه وحسن محاضرته، ويتنافسون فيه لدماثة أخلاقه. وكان مع ذلك حافظًا للقرآن الكريم، ذا دين متين وخير وصلاح، مغرًى بالزواج لا يصبر عن ذلك.
أنشدني الأمير أبو المفاخر بدران بن فتوح بن سلطان العقيلي بمحروسة حلب –بخانكاه القصر- وكان وردها رسولاً في سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر المعلم الجزري لنفسه ما كتبه إلى والدي /31 ب/ وكان قد أحاله بشيء من النفقة على غلام له اسمه أحمد فعوّقها عليه:
[من مجزوء الرجز]
يا من رقى إلى العلا
…
والمجد أعلى طبقه
ومن ترى غرَّته
…
مثل الهلال مشرقه
إعلم بأن أحمداً
…
هذا النَّقيف العنفقه
لحاله تعلمها
…
عوَّق عنِّي النَّفقه
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني المذكور لنفسه، وقد أحضرته زوجته إلى مجلس القاضي وشكت منه ما يضع في حقّها:[من الكامل]
يا سيِّدي القاضي ويا زين الورى
…
لي زوجة وأريد منك تصكُّها
آتي لها في كلِّ يوم بكرةً
…
رأسين من قبل الصَّباح تفكُّها
والظُّهر آتي الدَّار أطرح عندها
…
رطلين من سمك تقوم تحكُّها
وشرائحًا
…
في سفُّودنا
…
عند العشاء تقوم فيه تشكُّها
وإذا أتانا اللَّيل أضرب خرقها
…
حتَّى الصَّباح وبعد ذاك أبكُّها
وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني أبو إسحاق لنفسه /32 أ/ من أبيات:
[من المتقارب]
تزوَّجت إمرأة مغنيه
…
وكانت بطلعتها مفتنه
ولكنَّها عند شغل يكون
…
تقاصر عنه وتبدي السِّنه
وبعد ذلك هذا البيت مضمَّن:
دعوه فقد ساء تدبيره
…
سيضحك يومًا ويبكي سنه
[20]
إبراهيم بن أحمد بن صبح، أبو محمد البغداديُّ، المدعو بالمعين الصوفيُّ، ويعرف بابن غزالة.
استقر مقامه بمدينة حلب وتدبيرها، وأولد بها. وكان دلاّل الكتب، ومعيشته منها؛ وله شعر طيِّب يصدر عن طبع صحيح فيه سهولة.
وكان نازلاً بخانكاه القصر- وله فيها جراية ونصيب، تصل إليه في كل يوم كعادة الصوفية، فتولّى الخانكاه رجل يرف بالمخلص بن شمس الرؤساء فأظهر السياسة، وكلّف المتصوفة الذين هم مقيمون في الخانكاه الملازمة ومنعهم /32 ب/ من الخروج، وشرط عليهم أن لا يخرج أحد منهم. وإذا أردا أحدهم حاجة أنفذ الفراش فقضاها، ومن تعدّى هذا الشرط يهان ويؤدّب؛ فثقل ذلك على الصوفية وامتعضوا منه، وضاق عليهم هذا الأمر الذي سامهم إليه. وكان المعين له عيال لم يمكنه الملازمة والدخول تحت هذا الشرط لأجل عياله والتكسب لهم في تحصيل ما ينفقه عليهم؛ ورأى أنَّ الأمر قد اشتدّ وأن لا مخلص له منه. نهض وطوى سجادته، وحمل قماشه من الخانكاه، وخرج منها إلى منزله، فأنشأ قصيدة يذكر فيها شرح أحواله وأنفذها إلى السلطات غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب –رحمه الله فأنشدت بين يديه فاستملحها، وأمر له بخمسمائة درهم، خلعة حسنة وجبة وبقيار ورسم أن يلبسه الخلعة بيده المخلص بن شمس الرؤساء، وأني جريه على ما كان عليه، ويبسط سجادته في الخانكاه.
وكانت وفاته في سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين وستمائة بحلب، والقصيدة أنشدنيها /33 أ/ أبو عبد الله محمد بن عثمان بن أبي نصر البغدادي الصوفي بخانكاه القصر- تحت القلعة المحروسة- يوم الاثنين الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أخي لأمي أبو محمد إبراهيم بن صبح البغدادي الصوفي لنفسه: [من المنسرح]
يا أهل بغداد عندكم خبري
…
تبت عن الرُّبط وانقضى وطري
لا مللاً ملت عن جوانبها
…
ولا تألَّمتها من الضَّجر
وكيف أسلو عمَّن ربيت بها
…
رضيع ثدي الآيات والسَّور
وطال والله ما خلوت بها
…
أجمع شمل العشاء بالسَّحر
مع فتية راقبوا الدُّجى زمنًا
…
حتَّى صفوا عن مآثم البشر
على السجاجيد ساجدين كما
…
ينقضُّ شهب السَّماء بالشَّرر
صاحبت منهم كلَّ ابن منجبة
…
يسقي رياض الإيمان بالخفر
إذ كنت في صحبة الشِّهاب أبي
…
القاسم شيخ الشُّيوخ في سفري
وخرقة الأصل من تبرُّك ركن الدِّين قد فصِّلت على قدري
وكم حملت الزَّبيل مجتهداً
…
أكبر نفسي في البدو والحضر
أنا المعين الصُّوفي وآبائي
…
بدِّلت بعد الصَّفاء بالكدر
/33 ب/ قد كنت إذ نغَّم المشبِّب بالزِّير وغنَّى اللَّطيف الجزري
أدور مثل الدُّولاب في فلك الوجد وخبري ينبيك عن خبري
يا أهل ودِّي القديم في خانكاه
…
القصر ما زاغ عنكم بصري
فهل كريم الطِّباع يقبل إن
…
أمكن فيما أقول من عذري
ولي عيال إذا تأملهم
…
إنسان عيني يغني عن النَّظر
مثل فراخ القطا إذا درجوا
…
أحنوا عليهم من شدَّة الحذر
إن عشت عاشوا أو متُّ في دعة
…
حياتهم تستمدُّ من عمري
فارثوا ..... له المخاليف في القفصة ..... أشمط الشَّعر
......................... ............ في أثري
إن طالبتني بالنَّظم قلت لها
…
مستتراتي في السَّمت فاصطبري
تقول لي لم منعت عن خانكاه القصر هل زلَّة على كبر
فقلت لا والَّذي يطيل لك العمر وحقِّ المبعوث من مضر
ما ملت عن مذهب الكتاب ولا السُّنَّة مع قينة ولا وتر
بل قيل لي: هي الجنَّة الفيحاء
…
فاخرج منها إلى سقر
ألا تقنًّعت بالنِّعال وما
…
يجمل لبس القناع بالبقر
/34 أ/ يا أم خضف إن كنت صاحبتي
…
لا تعتبي للزمان واعتبري
قال: بغازي بن يوسف الملك الظَّاهر تكفي مؤنة الحذر
أمم علاه حتَّى ترى ملكًا
…
يغنيك في دسته عن القمر
كالبحر حدِّث عنه ولا حرج
…
وهو بحار الأخبار والسِّير
[21]
إبراهيم بن عيسى بن المعلَّى بن مسلمة، أبو إسحاق الرافقيُّ.
شاعر فاضل. وكان والده من كبراء أهل الأدب والفضل؛ وسيأتي شعره مكانه من هذا الكتاب. وكان حيًا في سنة خمس وستمائة.
صار إلى ديوان والده، وقد رتبه إبراهيم هذا وشرح ما فيه من الأمثال العربية والألفاظ اللغوية؛ كل ذلك يسنده إلى والده.
وحدّثني القاضي أبو القاسم بن أبي جرادة، قال: قدم أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى حلب بعد الستين والخمسمائة، ومدح جماعة من أكابرها وأماثلها، وأنشأ خمسين مقامة. وفيها من نظمه قوله:
/34 ب/ لا يأمن الدَّهر خلق في تقلُّبه
…
فالدَّهر بالسُّوء والمكروه دوَّار
أعزَّ قومًا لئامًا لا خلاق لهم
…
وذلَّ فيه بحكم الله أحرار
وصار ذو العسر فيه موسراً صلفًا
…
وعاد فيه لدى الإيسار إعسار
وقال أيضًا مما ضمنها المقامات: [من الخفيف]
إسأل العرف إن سألت جواداً
…
لم يزل يعرف الغنى واليسارا
ليس إجلالك الكبار بذلًّ
…
إنَّما الذُّلُّ أن تجعلَّ الصِّغارا
ومن شعره أيضًا فيها: [من السريع]
نحن الألى ما أمَّنا قاصد
…
يرجو النَّدى إلَاّ منحناه
ولا أتانأ خائف يشتكي
…
إلَاّ أزلنا عنه شكواه
[22]
إبراهيم بن عمر بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ.
المعروف والده بالقاتل، والدنبليِّ أيضًا ولم يكن دنبليًا، وإنما كان يتولّى خدمة الدنابلة وأشغالهم وقضاء حوائجهم فنسب إليهم.
وابنه أبو إسحاق /35 أ/ هذا كان شابًا ضريراً، شيطانًا مريداً. استوطن مدينة حلب، وتديَّرها إلى حين مماته بها في شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وقد نيّف على الثلاثين بشيء يسير –سامحه الله تعالى وعفا عنه-.
ينبز الجني. وكان ينبغي لهذا الفاضل أن يسمى الجنِّي –بتشديد النون- على ما خبرت من شأنه؛ لأنه كان يأتي بضروب من الغرائب، يبدع فيها، كأنّ الجن قد أتت بها وعملتها، ويغرب في أشياء يخترعها لم يأت بمثلها البصراء فكيف العميان. وكان آية في الذكاء والفطنة، حاذق الفهم، ثاقب الحس.
وبلغني أنه كان إذا حضر مجلسًا وفيه نفر يجتمعون فيتناول شمعًا مختلف الألوان، فيداخل يديه من تحت أثوابه لينفي الظنّ عنه، ويصوغ من ذلك الشمع تمثال فرس وصورة فارس فوقه، ويفرق تلك الألوان على الفرس حليًا منقوشًا من طوق وسفرسار وسرج ولجام ومهامز.
ثم يضع للفارس عدّة كاملة كسيف و .... وقوس ونشَّاب وما شاكل ذلك مستوفى، حتى لم يكد يفوته من عدَّته شيء. /35 ب/ ثم يبرزه ويعرضه على الحاضرين فلم يبق أحد منهم إلاّ ويظهر التعجب من ذلك، ويستظرفه جداً، ويصفه بالذكاء والحذق.
وكان مع ذلك شديداً في نفسه، قوي القلب شجاعاً مقداماً جرئيًا. وأما مبلغه من العلم فكان شاعراً مطبوعًا، قارئًا حسنا. قرأ القرآن العزيز بالقراءات السبعة والشواذ، وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –رضي الله عنه وفهم طرفًا من الفرائض والحساب والنجوم مع معرفة بالنحو والأدب.
وكان معاشراً خليعًا مدمنًا شرب الخمر قليل الدين، تاركًا للصلوات الخمس،
مصرّاً على الفساد، يغنِّي ويشبِّب وينبسط. وكان إذا مشى في الأسواق لم يستعن بحمل عصًا معه، ويعرف أزقة المدينة معرفة لم يعرفها أحد من ذوي البصائر مثله، ويهتدي فيها إلى مسالك ومواضع كأنه قد ولد فيها، وتربى بها، وله في ذلك حكايات عجيبة، ونوادر طريفة لم يمكن شرحها.
أنشدني إبراهمي بن عمر الموصلي المعروف بالجنّي لنفسه.
أنشدني أبو سالم بن علي بن أبي سالم المقرئ الحلبي، قال: /36 أ/ أنشدني أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن عبد الله الموصلي الدنبليّ المعروف والده بالقاتل:
[من الكامل]
دع رسم سلع واللِّوى والأجرع
…
وربى زرود والعقيق ولعلع
كان العقيق بهم أنيقًا مونقًا
…
وهم بدور طلَّع بطويلع
خلت المغاني من مغانيهم فما
…
يجدي غرامك بادَّكأر الأربعاء
مالي وللأطلال وهي عواطل
…
يا صاحبي فذر الدِّيار ونج معي
واندب على فقد القرين تأسُذفًا
…
واسفح على سفح اللِّوى بالأدمع
وأقر السَّلام على المقام وذب جوًى
…
إن كان حقًّا في الهوى ما تدَّعي
أسروا الفؤاد مع الرُّقاد وأودعوا
…
إذ ودَّعوا نار الأسى في أضلعي
قوم أقأموا بالفراق قيامتي
…
فمتى لحشري معهم من مرجع
وأرفض معأتبتي وبثَّ صبابتي
…
فلعلَّعن أن يرحموا لتوجُّعي
ناديت في آثارهم لمَّا سروا
…
بحشاشتي: رفقًا بقلب الموجع
بانوا ذوى من بعدهم بان الحمى
…
وذوت غصون شبيبتي وتشجُّعي
ونأى اصطباري والغرام أقام في
…
قلبي وقلت لمقلتي: لا تهجعي
لله يوم النُّفر ما لاقيت من
…
حرِّ الجوى ومن الغرام الموجع
/36 ب/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني لنفسه: [من الكامل]
لولا تقلقل قلبي المتبول
…
وتفكُّري وتذُّكري ونحولي
وبلابل هاجت بلابل خاطري
…
مارقِّ لي الواشي وكف عذولي
إني لأهوى في الهوى تلفي وما
…
أرضى الرِّضا في سلوتي يا سولي
كيف التَّسلِّي عن قضيت مائس
…
يهتزُّ لا من شمال وشمول
أخشى عليه من النَّسيم وربما
…
كان النَّسيم إلى الحبيب رسولي
كلفي به لا ينتهي وتولُّهي
…
ما حيلتي قد حار فيه دليلي
قمر دجاه شعره وصباحه
…
من وجهه بدر بغير أفول
حجب الكرى عن ناظري وحمى الحمى
…
من لحظه بالصَّارم المصقول
جفني حكى ليل الوصال وصدُّه
…
يحكي ليالي هجره في الطُّول
[23]
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق النقاش.
كانت ولادته بدمشق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. ودخل بغداد في سنة ستين؛ /37 أ/ وأصله من بغداد، وهو من بيت الوكيل القضاة الذين يعرفون ببيت الشطويّ.
كان شيخًا فاضلاً؛ له كلام حسن على لسان أهل الحقيقة، وأشعار حسنة، وألفاظ عذاب. وقد صنَّف في ذلك كتابًا في رقاع، ما أظنّه بيّضه لاشتغاله بالكسب ونقش الصُّفر.
توفي يوم عرفة سنة أربع وعشرين وستمائة ببغداد، ودفن بالشونيزية.
قال: أنشدني لنفسه: [من الطويل]
ومن لم يتب والدَّمع مسهر جفنه
…
إذا ضحك الباكون أصبح باكيا
وكيف ينام اللَّيل من طعم الهوى
…
وما أنفكَّ مهجوراً وما كان ساليا
وعن وجده تروي بلابل قلبه
…
أحاديث من أمسى لظى الحبِّ صاليا
[24]
إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن يحيى الوكيل، أبو إسحاق الكاتب الدمشقي المولد، البغداديُّ المنشأ والدار.
كانت ولادته سنة إثنيتين وأربعين وخمسمائة. تأدّب ببغداد، وقرأ بها النحو والعربية. وكان شاعراً جيد الشعر فاضلاً، حسن الترسُّل.
أورد من شعره أبو عبد الله الدّبيثي في مذيله: [من الرمل]
..... ......... ........ الشيخ بذكري عرضا
علَّ من أمرض جسمي بعده
…
بتدانيه يزيل المرضا
ولكن أنكر قتلي .... .............. قلبي غرضا
فقتيل الحبِّ أضحى دمه
…
هدر أبطله من أعرضا
وقال: [من الطويل]
/38 أ/ وكم في ليلى قتيل صبابة
…
ومجنونها المغرى بها العلم الفرد
وما كلُّ من ذاق الهوى تاه صبوةً
…
ولا كلُّ من رام اللِّقا حثَّه الوجد
وللحبِّ في البلوى شروط عزيزة
…
يقوم بها في حلبة الوله الأسد
[25]
إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق، أبو محمد البغداديّ الكاتب.
كان كاتبًا في الأيام الناصرية، ومدح الإمام الظاهر بأمر الله، وأدرك أوائل دولة أمير المؤمنين الإمام المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلد الله دولته- وامتدحه.
وكان شاعراً مقلاً، له ديوان. وكان شيخًا ظريفًا، كيِّسًا لطيفًا من أبناء المتصرفين، مطبوع الشعر رقيقه. وكان يخدم في أعمال السواد، ومساحة المزروعات، وفسمة الغلات.
أنشدني أبو طالب علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله البغدادي، بمدينة السلام سنة تسع وثلاثين وستمائة، قال: أنشدني أبو محمد إبراهيم بن أبي النجم بن عبد الرزاق البغدادي لنفسه، يمدح الإمام المستنصر بالله /38 ب/ أمير المؤمنين –خلّد الله ملكه-:[من الكامل]
دعني وشرب الخندريس المسكر
…
من كفِّ ذي طرف غضيض أحور
كالبادر ذي وجه منير مشرق
…
كالغصن ذي قد رشيق أسمر
رشأ ردينيِّ القوام مهفهف
…
فتن الآنام بورد خدًّ أحمر
لم أضح مسلوب الفؤاد متيَّمًا
…
في حبِّه مضنًى بلون أصفر
الأَّ لوجدي في هواه ولوعتي
…
[و] لما لقيت من العذار الأخضر
أضنوا من الشَّمس المنيرة وجهه
…
فاق الملاح بمنظر وبمخبر
شاد يغنِّيني إذا استنشدته
…
مدح الإمام الظَّاهر المستنصر
ملك سحاب بنانه ونواله
…
متدفِّق كالعارض المثعنجر
خير البريَّة من ذؤابة هاشم
…
من معشر أكرم بهم من معشر
لا زال في عزٍّ وظلِّ سعادة
…
وسلامة تبقى بقاء الأعصر
وأنشدني أيضًا، قال: أ، شدني لنفسه يمدحه:[من المجتث]
أنا صبٌّ بجؤذر
…
فاتر الطَّرف أحور
ذي قوام مهفهف
…
كالرُّديني أسمر
/39 أ/ قد سباني بمنظر
…
زانه حسن مخبر
ونجدٍّ مورَّد
…
اسمر اللَّون أحمر
فوقه ورد وجنة
…
تحت خال معنبر
ليس يرثي لعاشق
…
مستهأم محيَّير
ناحل الجسم مذهبً
…
شاحب اللَّون أصفر
باع فيه صفو الحياة بعيش مكدَّر
وأشترى ذلَّة الخضوع بعزِّ التَّصبُّر
طائعًا باع نفسه
…
في الهوى غير مجبر
مثل ما باع نفسه
…
في القريض المحبَّر
بعطايا مولى الأنام الإمام المستنصر
باع خير الشِّعر الرَّقيق على خير مشتري
ملك سيل كفِّه
…
كالسَّحاب المثعنجر
ملك طيب ذكره
…
كالنَّسيم المعنبر
وبريَّاه طاب كلُّ خطيب ومنبر
وله ذكر ليث هزبر غضنفر
/39 ب/ وبه راق للورى
…
كلُّ عيش مكدَّر
يا أبا جعفر الَّذي
…
كفُّه ألف جعفر
دمت في العزِّ والعلا
…
ألف عام مكرَّر
وهو القائل في غلام اسمه بدران، أنشدني أبو الحسن علي بن الأنجب بن عثمان بن عبيد الله البغدادي بمدينة السلام، قال: أنشدني أبو محمد لنفسه:
[من الخفيف]
وغرير مهفهف القدِّ أحوى
…
حار فيه عقلي ولبِّي وحسِّي
قلت: من أين قد أتيت. وما الإسم لأحظى منه بقرب وأنس
قال: بدران، قلت: تصدق والله وأضوا من كلِّ بدر وشمس!
وقال أيضًا يتغزل: [من مجزوء الرمل]
وغزال ريقه القرقف درياق اللَّديغ
من ظباء التُّرك معسول اللَّمى دون البلوغ
ذي جمال حار فيه
…
كلُّ منطيق بليغ
أسبغ الحسن عليه
…
ظلَّه أيَّ سبوغ
/41 أ/ وأنشدني أيضًا، قال: أنشدني إبراهيم بن أبي النجم الكاتب البغدادي لنفسه يمدح أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله ملكه-: [من الكامل]
شرف الزَّمان بدولة المستنصر
…
الطَّيِّب الأصل الكريم العنصر
/41 ب/ وبعصر مولانا الخليفة ذي النُّهى
…
والعدل والإحسان فخر الأعصر
ملك حذا في صومه وصلاته
…
وصلاته حذو النَّبيِّ المنذر
مولى صفا للنَّاس في أيَّامه
…
بالجود والمعروف كلُّ مكدًّر
ولعظم سطوته وشدَّة بأسه
…
خضع الملوك وذلَّ كلًّ غضنفر
وبد له أمن الأنام نوائب الدَّهر الخؤون وآن يسر المعسر
والدَّهر وافى النَّاس بعد قطوبه
…
بضياء وجه ضاحك مستبشر
وحنا الزَّمان على الأنام وزال ما
…
في قلبه من وحشة وتنمُذر
دامت له النَّعماء ما صرع الدُّجى
…
فجر وصال بنور صبح مسفر
[26]
إبراهيم بن قصربا بن عبد الله، أبو إسحاق الموصليُّ التركيُّ الصلاحيُّ الصوفيُّ.
كان والده مولى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب –رحمه الله تعالى- وكان اسمه أيدمر فسمّى نفسه إبراهيم.
لقيته بظاهر حلب المحروسة ببانقوسا يوم الأحد سادس ربيع الأول سنة ستّ وثلاثين وستمائة؛ فرأيته شيخًا حسنًا بهيًا جميلاً.
وذكر لي أنه ولد بالموصل في سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وكان في بدء أمره
جنديًا استخدمه الأمير ركن الدين ملكشاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر.
ثم ترك الجندية في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وأقبل على الصلاة والقيام بوظائف الله تعالى، ومعاشرة الفقراء والمتصوفة، وصحبة ذوي الأحوال ومخالطتهم، والتنقل في البلدان، والاشتغال بالعبادة، وتزيّا بزي السلف الصالحولبس قميصًا قصيراً، وطاف البلاد وتوغلها، ونظم أشعاراً كثيرة في الغزل.
ثم سافر إلى دمشق ولم يزل بها مستوطنًا إلى أن توفي بها في شهر رجب سنة ثمان وثلاثين وستمائة –رحمه الله تعالى-.
/42 ب/ رأيته بإربل ولم آخذ عنه من شعره شيئًا. نقلت من خطّه قوله في الغزل، وأنشدنيه بحلب:[من الخفيف]
يسبح الورد في الخدود باس
…
في بياض يزهو على القرطاس
ما يرى من توقُّد الخدِّ كألجمر فذاك اللَّهيب من أنفاسي
رشأ ذلَّت الفوارس لمَّا
…
صاد أسد الشَّرى من الأخياس
بعيوان أعاذنا الله ممَّا
…
فعلت يوم حاجر بالنَّاس
فتكت بالقلوب تحت دروع
…
سابغات فمالها من آسي
وجبين كأنه صبح وصل
…
بشَّر المستهام بعد الإياس
وقوام كأنَّه خوط باًن
…
ربِّ عفواً عن زلَّتي وقياسي
إ، أكن قد غلطت فيه فقد
…
شبِّه نور الإله بالنِّبراس
لم يزرني إلَاّ إذا عسعس اللَّيل بطيف الخيال عند نعاسي
هو سهل فيما أحاول حتَّى
…
أطلب الوصل فهو صعب المراس
ربَّ وقت نادمته فسقاني
…
من سلاف الثُّغور لا من كاس
قال: هاك المدام قلت: بطيب
…
قال: خذها فطيبها أنفاسي
واغتنم عقله الرَّقيب فلابدَّ لقلب الوصال من وسواس
/43 أ/ وأ، شدني أيضًا لنفسه:[من الكامل]
تلفي بلين قوامك الفتَّان
…
ودمي تقاد بثأره العينان
وشمائل حكت الشَّمول فهذه
…
للروح حسب وتلك للآبدان
وهواي بالرَّشأ الَّذي وحَّدته
…
عشقًا فليس لحسنه من ثاني
عيناه قد نطقت تقول عليكم
…
سحري يقضُّ مضاجع الشُّجعان
ودم الشَّهيد قتيل معركة الهوى
…
خدَّاي قد شرباه من أجفاني
يا أيُّها الرَّشأ الَّذي لجماله
…
وعلى الغوير بوابل هتَّان
أنسيتني بلذيذ ذكرك كلَّما
…
قد كان قبل هواك في إنسان
أنا ذلك الصبُّ الَّذي لو مرَّ بي
…
صأحي الفؤاد لعاد كالسَّكران
عنِّي روت ورق الحمام بشدوها
…
وتحدَّثت بهواي في الأغصان
ومررن صبح وصالنا بطويلع
…
طربًا كشارب قهوة نشوان
فتمايلت أغصانه فكأنَّما
…
قسَّمت فأضل نشوتي في البان
ومعربد الألحاظ أحيا صبوتي
…
وأمات لين كلامه سلواني
موتًا يودُّ بنو الهوى لو أنَّهم
…
ماتوا كذاك هوى من أحياني
/43 ب/ هل تذكرنَّ لنا بمنعرج اللِّوى
…
وقتًا لعودته أعضُّ بناني
لمَّا التزمتك للوداع صبغت من
…
خدَّيك درَّ الدَّمع أحمر قاني
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
هو الصَّب لا يزداد إلَاّ تشوُّقا
…
إلى جيرة بالجزع عن أيمن النَّقا
رأى السَّير لا يدنيه من فرط شوقه
…
إلى الدَّار إلَاّ بعد حين فأعنقا
وجانب أرباب البطالة عفَّة
…
وصاحب من ملًّ الحياة وطلَّقا
وكم زار حيّا ترعف السُّمر دونه
…
نجيعًا وخاض الموت في طمع اللِّقا
وهان عليه كلُّ صعب تهابه
…
نفوس بني الآمال لمَّا تعشَّقا
أخو حاجة إمَّا وإمَّا تلافه
…
عسى يرتقي بالعزم ما ليس يرتقى
ويصبح محسودًا بنيل مرامه
…
سعيدًا بقرب الدَّار قد باين الشَّقا
يحدِّث عن ذاك الحمى وأهليه
…
لينهض للعلياء من قد تعوَّقا
أراح ظهور العيس بعد كلالها
…
وغرَّب من يبغي المزيد وشرَّقا
[27]
إبراهيم بن عبد الله العامريُّ.
شاعر يرتزق الناس بشعره، ويستجديهم.
رأيت له بخطة هذه الأبيان الأربعة، ويزعم أن مالها بيت خامس:
[من مجزوء الكامل]
ما كلِّ سانحة كريم
…
كلَاّ ولا ناد كرامه
يا من يظنُّ بأنَّ عيني بعدهم ذاقت كرى مه
كم رام قلبي الوصل منك فلم ينل ما منك رامه
لا سمع للعذَّال في
…
هجر الحبيب ولا كرامه
[28]
إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق القابونيُّ الدمشقيُّ الحنفيُّ.
كان فقيهًا على مذهب الإمام أبي حنيفة –رضي الله عنه ذا فضل حسن /44 ب/ وشعر جيد.
وجدت له من الشعر هذه الأبيات يذم بها القيء: [من الوافر]
عجبت وقد ظننت القيء سكرا
…
فلم أره يعم الشَّرب طرَّا
فقلت لصاحبي: يا ليت شعري
…
لبعض الشَّرب ممَّا ألقى يطرا
وقد بذل النُّضار لشرب راح
…
تزيد نفاسه وتزيل فكرا
فقال: لعزَّة في الخمر تأتي
…
مع النَّفس الخبيثة أن تقرأ
[29]
إبراهيم بن عبد الكريم بن أبي السعادات بن كرم بن كنصا، أبو إسحاق بن أبي محمد الموصليُّ المولد والمنشأ. البغداديُّ أصلا ووالداً.
الفقيه الحنفيُّ الكاتب.
كانت ولادته –على ما أخبرني من لفظه- سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وتوفي ليلة الجمعة العشرين من المحرم سنة ثمان وعشرين وستمائة بالموصل.
كان شابًا أسمر خفيف العارضين قضيفًا. تفقه على أبي جعفر محمد بن إبراهيم بن محمد الرازي الفقيه الحنفي نزيل الموصل. وجدّ في الاشتغال وتكلم في المسائل /45 أ/ الخلافية، وناظر الفقهاء، وحصّل من علم الأدب والعربية نصيبًا وافراً حتى فاق أبناء جنسه معرفة وذكاء. وشرح مختصر القدوري في الفقه لم يتممه.
وكتب الإنشاء بديوان الموصل لملك الرحيم بدر الدين –أدام الله نعمة عليه- مديدة؛ ثم استعفى من ذلك.
وكان نبيهًا نبيلاً فاضلاً عاقلاً متنسِّكًا ورعًا حسن الأخلاق جميل الخطاب أقتدر على أمره بالتدين وإيثار العزلة لنفسه والتصوف.
وكان –مع ذلك- شاعراً مقصداً، له منظوم ومنثور لم يقصّر في إنشائهما،
وانتظمت بيني وبينه مودة مؤكَّدة، وصحبة محكمة الأسباب.
وأنشدني من شعره كثيراً في كل فنّ، وكتبه إلي بخط يده في جزء، ومما أنشدني لنفسه –رحمه الله تعالى- يمدح الأمير الكبير أمين الدين أبا المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل:[من الخفيف]
أمطرت سحب جفني الفيَّاض
…
حين أبدت محاسنًا كالرياض
أعرضت يوم أعرضت يالقلب
…
ضاع بين الأعراض والإعراض
/45 ب/ وأرتني حمر المنايا ضحى افترت تمشي خلال ذاك البياض
علَّمتني طريقة المطل في الحبِّ وعلَّمتها طريق التَّقاضي
من مجبيري من ظبية عقد السِّحر بأجفانها الصِّحاح المراض
رضيت في الهوى بقتلي وإنِّي
…
في الهوى بالسَّلام منها لراضي
حبًّذا حبًّذا الدُّهور الخوالي
…
بلوى الرَّمل واللَّيالي المواضي
وعهود عهدتنا بالحمى لم
…
يرمها الدَّهر ناكثًا بانتقاض
حين عيشي بقرب عائشة رغد شهي الإحلاء والإحماض
وعيون الرَّقيب مغضبة والدَّهر طوع في سائر الأغراض
زمن بعت حزنه بالمسرَّات وكانت تجارة عن تراضي
جاد أكنافه فروَّى رباه
…
كلُّ جود من الحيأ فيَّاض
كندى الماجد الجوأد أمين الدِّين ربِّ الأيدي الطِّوال العراض
ملك يسند النَّوال إليه
…
في حديث عن جوده مستفاض
يقصد الحمد ربعه من جميع الأرض قصد السِّهأم للأغراض
فتكت بالثَّناء أخلاقه
…
الغرُّ ولا مثل فتكه البرَّاض
خائض غمرة الوغى والمنايا
…
واقفات حيث المواضي مواضي
/46 أ/ وحماة الخميس كالأسد والمرَّان قد حفَّ جمعهم كالغياض
صان بالمال عرضه إذ غدا
…
بالمال صون الأحساب والأعراض
يتلقَّى ذنب المسيء وإن أكبر عنه بالصَّفح والإغماض
فمتى أومضت صوارمه سحَّت نجيعًا عن ذلك الإيماض
أسخط المال في رضا المجد والمجد عن المرء أسخط المال راضي
وقضت بالغنى لراجيه يمناه فأزرت حكمًا على كلِّ قاضي
يقظ العزم والسِّهام لدى الهيجا نيام سواهمًا في الوفاض
راش كفَّ الورى وقد حصَّته
…
أيدي العدا يلا .....
وحمى جانبي وأفعم بالمعروف دون الأنام طرّاً حياضي
فاستمعها من عبد إحسانك الرَّافل في ثوب برِّك الفضفاض
واعتمد بسطها عروسًا وقد جاءت لفرط الحياء ذات أنقباض
باقيًا للثناء فيك اعتراب أبن زهير والحارث بن مضاض
وأنشدني أيضًا لنفسه –وهي غزل- قصيدة لم ينشدها في أحد: [من الطويل]
دعوه كما شاء الغرام يكون
…
فلست وإن خان العهود أمين
/46 ب/ ولينوا له في قولكم ما أستطعتم
…
عسى قلبه القاسي عليَّ يلين
وبثُّوا صباباتي إليه وكرِّروا
…
حديثي عليه فالحديث شجون
بنفسي الألى بأنواعن العين حقبة
…
وحبُّهم في القلب ليس يبين
وسلٌّوا على العشَّاق يوم تحمَّلوا
…
سيوفًا لها وطف الجفون جفون
لئن سمحوا عند الوداع بمهجتي
…
فإنِّي على علم بها لضنين
أأصغي إلى العذَّال فيهم وما وفوا
…
بوعدهم إنِّي إذن لخؤون
ويطمع في السلوان قلبي حياله
…
وليس له إلَاّ الصَّبابة دين
سلام على ذاك الوداد فإنَّه
…
وداد على مرِّ الزِّمان مصون
هم عاهدوا أن لا يعينوا على دمي
…
وكلٌّ عليهم بالصُّدود معين
وهم حلفوا ألَاّ يخونون في الهوى
…
وليس لمخضول البنان يمين
خذوا بدمي يا أهل ودِّي فإنَّه
…
دم سفكته بالفتور عيون
ودونكم وادي العقيق فلي به
…
حقوق هوى لا تقتضي وديون
وكيف لقائي من أحب وبيننا
…
مهامه بيد لا ترام وبين
بحقِّ ودادي في هواكم وإنِّها
…
يمين أمرئ في الحب ليس يمين
أعبدوا بإحسان ليالينا الَّتي
…
تقضِّت فقد ساءت بهمَّ ظنون
/47 أ/ ولا تمنعوني زورة من خيالكم
…
فقلبي بها لو تعلمون رهين
يحنُّ إذا هبَّت من الغور نسمة
…
وهل ينفع الصَّب الكئيب حنين
ويقلق إن جنَّ الظَّلام كأنَّما
…
به من تباريح الغرام جنون
ذلول لمن يبغي هواه وإنَّه
…
على من يروم الصًّبر منه حرون
معذِّب قلبي بألصُّدود إذا أنقضت
…
فنون به عادت عليَّ فنون
اللواله المشتاق من ألم الجوى
…
شفاء به بعض الأساة ضمين
يزيد إذا ظن الفراق صبابة
…
ووجداً كأنَّ الظَّنَّ منه يقين
ويهتزُّ من شوق إلى البان إن سرى
…
نسيم صبًا تهتزُّ منه غصون
وتوقظه بعد المشيب إلى الصِّبا
…
عيون نيام بالثًّنية عون
أعيذك من داء أقاسيه إنَّه
…
مع الدَّهر داء في الفؤاد دفين
وشوق كمين في الحشا إن لقيته
…
بجيش اصطبار عاد منه كمين
فلا تحرموا سمعي حديث حديثكم
…
فلي وله دون القديم شؤون
ولا تودعوا سرِّي أمينًا سوى الكرى
…
أليس على سرِّ سواه أمين
دعوني وصرف الحادثات فإنَّني
…
أعزُّ وصرف الحادثات يهون
ولا تعجبوا إن نال جوني ثروة
…
وعزّا منيع الجنب من هو دون
/47 ب/ فهاتيك أخلاق الزَّمان مضى بها
…
قرون على آثارهن قرون
رمتني يد الأيام عن قوس صرفها
…
بسهم ردًى يصمي وليس يبين
وشبت ولم أبلغ ثلاثين حجًّة
…
لجور زمان ما عليه معين
فقل لحسودي مت بغيظ وحسرة
…
وقل لزماني كيف شاء يكون
فلي من فلان الدِّين جار من الرَّدى
…
مجير ودخض في الخطوب حصين
وأنشدني قوله من أبيات: [من البسيط]
يا خير من ترتجى في الخير همَّته
…
ومن ندى كفِّه يغني عن المطر
قد كنت عوَّدتني عادات ذي كرم
…
تعجيل حاجي وتفضيلي على البشر
فجئت نحوك هذا العام ملتمسًا
…
ما كنت عوِّدته في سالف العمر
فعدت ذا خجل باليأس مشتملاً
…
مكرِّراً قول ميت دارس الأثر
(هذي الأرأمل قد قضَّيت حاجتها
…
فما لحاجة هذا الأرمل الذكر)
فانعم نعمت بسطر الرّوز مغتنمًا
…
شكراً يدوم دوام الأنجم الزُّهر
وأكسب ثناء يزين العمر رائقه
…
أتأك منتظمًا في زيِّ مستتر
(فالحسن يظهر في شيئين رونقه
…
بيت من الشِّعر أو بيت من الشَّعر)
وله: [من الطويل]
/48 أ/ ولمَّا حدا الحادي بعيسهم ضحًى
…
ولم يبق في غير التَّفرُّق مطمع
وقفنا فداع لا يجاب دعاؤه
…
ومستشفع بالدًّم ليس يشفَّع
وقال: [من المتقارب]
إذا أضحكتك صروف الزَّمان
…
فقد ضحكت منك لو تفطن
فلا يغرنَّك لين العدوِّ
…
فإنًّ بمقداره يخشن
وله: [من الطويل]
وملآن من ضغن عليَّ مقطِّب
…
كساني وقد عرِّيت منها ذنوبه
لوى وجهه غنِّي غداة لقيته
…
كأنِّي مرآة أرته عيوبه
وقوله: [من الوافر]
أعيذك أن أرى زمنًا طويلاً
…
ببابك لا أحلُّ ولا أسير
وأحجب عنك في سبب حقير
…
ولا الله ما مثلي حقير
وأمنع حسن رأيك في زمان
…
وملك أنت أنت به الوزير
أغار عليك من مطلي لأنِّي
…
محبُّ والمحبُّ كذا غيور
وقال بديهًا يصف سيفًا وقد سلّ ذلك بحضرة السلطان أتابك /48 ب/ الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه –رضي الله عنه: [من الطويل]
وأبيض من طبع الهنود تخاله
…
إذا هزَّ في الهيجا سنًى متلهِّبا
متى سلَّة السُّلطان مسعود لم تجد
…
أسود الشَّرى عن منهل الموت مهربا
حسام وغى مذ فضِّضت شفراته
…
صقالاً غدا للهام في الحرب مذهبا
وقال أيضًا في المعنى: [من الكامل]
ومهنَّد ماضي الغرار مجرَّد
…
في غير معركة وسفك دماء
عني القيون به فجاء كما أرتضوا
…
من بعد كدًّ وأرتكاب عناء
وافي الفرند كأنَّما نسجت له
…
أيدي صياقله قميص هباء
ما هزَّ يوم الرَّوع إلَاّ خلته
…
أفعى تقلَّب في حشار مضاء
وله: [من مجزور الرمل]
ضاع قلبي فانشده
…
في هوى من لا يسمَّى
صنم مازال مفتونًا به العالم قدما
طاب ورد الخدِّ منه
…
يأنعًا عضًّا وشمَّا
خضت في بحر هواه
…
سابحًا إمَّا وإمَّا
/49 أ/ وقال أيضًا بديهًا، وقد سئل القول في النبي صلى الله عليه وسلم:[من السريع]
ذاك النَّبي الَّذي مناقبه
…
أكثر من أن يحوزها حصر
ذو الشرف الأطول الَّذي أبتهج الرُّكن به والمقام والحجر
بمدحه نزل الكتاب فما
…
هذا الَّذي فيه يبلغ الشِّعر
إنشقًّ إيوان فارس فرقًا
…
منه وطفَّا نيرانها الذُّعر
ذلَّت خضوعًا لعزِّة اللَاّت والعزَّى وهان الصَّليب والكفر
وليس لي إن تأخرت مدحي
…
عنه وقد صحَّ مقولي عذر
وقال في رجلين أحدهما يلقب بالشمس والآخر بالبدر وقد زاره:
[من البسيط]
يحلُّ للدار أن تختال شامخة
…
على السَّماء وتثني عطفها تيها
إذ أضحت الشَّمس تسري في منازلها
…
وأصبح البدر يسعى في حواشيها
وقال على لسان شخص سأله ذلك: [من البسيط]
يا أحسن الخلق أخلاقًا وأسمحهم
…
وأذكر النَّاس للمعروف للنَّاس
ويا أجلَّ الورى قدراً وأطيبهم
…
ذكراً وأثبتهم جاشًا لدى الباس
/49 ب/ حاشاك حاشاك أن ألقى ببابك ممنوعًا ويدخل شمَّاس بن شمَّاس
أظلُّ فيه ذليلاً جدُّ مطَّرح
…
كأنَّني أمويٌّ عند عبَّاسي
إن كان ..... أبداً
…
فلست .... له ما عشت بالنَّاسي
وأنشدني لنفسه يرثي والدته –رضي الله عنها ووجد عليها وجداً شديداً:
[من الطويل]
رمتني يد الأيَّام حتَّى كأنَّني
…
لها غرض والنَّائبات نبال
وعاندني دهري فأصبحت تقتفي
…
رعال الرَّدى منه إلى رعال
فريداً كنصل السَّيف ما إن يشينه
…
شحوب ولا يزري عليه هزال
صبوراً على الأهوال لا يستفزني
…
إلى طمع في العالمين نوال
ويقعني والماء دان فراته
…
وقد كظَّني حرُّ الموامي آل
وأصبح غرثانًا عن الزَّاد طاويًا
…
على الجوع والأيدي إليه عجال
تكنفني في المجد جدٌّ ووالد
…
وعمٌّ بهم فخر الزَّمان وخال
ونلت ونال الدَّهر منِّي محاربًا
…
وللحرب فيما قد يقال سجال
متى أسرعت نحو الدَّنية أرجل
…
فعلقي عنها والعفاف عقال
أضلُّ إذا كان الهدى باعث الخنى
…
وبعض الهدى لو تعلمون ضلال
/50 أ/ ولست أداني النَّقض أنَّي وقد غدا
…
الكمال أبي إذ لا يعدُّ كمال
فلا كان يوم لم يزدني به علي
…
حياة ويكسوني الفخار جلال
وأنشدني أيضًا قوله: [من المتقارب]
ولمَّا تفقَّدت أهل الزَّمان
…
لأصحب منهم صديقًا صدوقا
ولم أر إلَاّ ودود اللِّسان
…
يظهر برّاً ويخفي عقوقا
صحبت الدَّفاتر مستأنسًا
…
بهنَّ فكنَّ رفيقًا رفيقا
وقال: [من الطويل]
وذي حنق تغلي مراجل صدره
…
عليَّ زوى عنِّي العبوس جبينه
يبين محيَّا فكره في مساءتي
…
وذنبي إليه نيلي المجد دونه
وقال: [من المنسرح]
وربِّ ضعن عليَّ حنق
…
لقيته وهو معرض تيها
فصد عنِّي كأنَّما أنًا مرآة رأى قبح وجهه فيها
ومن نثره، جواب:
"ورد كريم كتاب المجلس الفلانيّ فضرَّف سمعه وشنَّفه، وهذَّب طبعه ولطَّفه، وأسعده بفواضله الدَّارَّة /50 ب/ وأسعفه.
تناوله بيد الثناء والحمد، وتأمَّله بعين الغرام والوجد، وحدَّثه بألسنته الفصاح حتى خيِّل إليه وإنه لسعد، وتمتّع بريَّاه الطيِّب مستغنيًا عن عرار نجد.
أقبِّله تقبيل فم الحبيب، واستروح إله استرواح المريض إلى الطبيب، واستنشق منه طيبًا يزري نسمه على طلِّ كلِّ طيب، وسمع من الفاظه المعجمة ما حقِّر عنده الألفاظ التي يسمعها من الخطيب؛ وطفق يشرح ظرفه في آثاره، ويجتني يانع ثماره، ويقتطف محاسن أزهاره؛ قائلاً بلسان ولائه المبين؛ {سبحان الَّذي سخَّر لنا هذا وما كنَّا له مقرنين}
لكنه جدد شوقه وما كان عافيًا، وأذكر غرامه ولم يكن ناسيًا، والآن قلب وجهه وحاشاه أن يرى فيه قاسيًا. فرعى الله مولًى أهداه، وسقى الله رسولاً حملته يمناه، وبرّ كتابًا جدّ به إليه سراه. ووجده مشتملاً من ذكر الوجد والغرام، ووصف الشوق الذي لا يزال ينمى على مرَّ الأيام؛ ما ظنّه يخبر به عن خاطره، ويتحدّث /51 أ/ بفحواه عن ضمائره، ويعرب بصادق موَّته عن أول حبِّه وآخره".
جواب آخر:
"أدام الله أيام المجلس السامي، وطرف عن عليائه عين الكمال، وصرف إلى آلائه وجوه الإقبال، ونظم منه قلائد في أعناق الرجال، ولا زال مسعاه في الناس جميلاً، وبرُّه على الخلق جزيلاً، وبقاؤه على بقاء المكارم دليلاً.
ورد الكتاب الكريم الذي أعرب عن المجد وأغرب، وأزال بالأنس الوحشة وأذهب، وأوضح في الموالاة والمصافاة المذهب؛ المنفتحة لكمامه عن زهر الحسن والحسنى، المتصلة به وفود المسار اتصال اللفظ بالمعنى، فتلقاه مستمتعًا برؤيته وريَّاه، متقسم السرور بين لفظه ومعناه، وما تضمنه من الإنعام الذي لا يزال يبديه ويعيده، وتحلو به الأعناق العاطلة عقوده؛ بدعائه المستجاب، وثنائه المستطاب، وحمده الذي يذهب شخص الزمان وليس له ذهاب."
جواب آخر:
/51 ب/ "ورد كتاب المجلس السامي؛ أسعد الله أيامه، وجدّد على الأنام إنعامه، وأعلى بإعلاء قدره أعلامه، وعجّل إذلال عدوِّه وإرغامه؛ ولا زال مسعود المصادر والموارد، موقوف المساعي على إقتناء مطلقات المحامد، مبني السعادة على أثبت القواعد وأصحِّ العقائد، فأزال الوحشة الكامنة بأنسه، وجلّى ظلم الأشواق الباطنة بشمسه، وشرف بوصوله يومه على غده وأمسه؛ فتلقاه تلقي الأحباب، واستقبله استقبال الغياب، وفضّه عن جنات عدن المفتحة الأبواب. وقابل ما أودعه من الإنعام بدعاء هو دأبه في ساعات ليله ونهاره، ووظيفته المواظب عليها في عشيه وإبكاره.
وجدَّ به داعي الشوق إلى خدمته، واقتسمته دواعي الغرام إلى مشاهدته، وأمطرته على بعد من سحاب مكارمه ما روّض به روض أمنيته؛ فإن حاول وصف ما وجده من الابتهاج بإقباله، وحواه من السرور عند إظلاله، وما قابله به من الاحترام الواجب على مثله /52 أ/ لأمثاله، فقد رام أمراً يعجز عنه لسانه، ويكلّ فيه بنانه، ويتبلَّد دون إدراكه بيانه؛ والله المسئول أن يوزعه شكر حقوقه الجسام، وأياديه الباقية غرّة في وجه الأيَّام، وتفضلاته التي أضله عماؤها الدائم إظلال الغمام، وفهم ما أشار
إليه في معنى كذا وكذا".
ابتداء كتاب:
"أسعد الله أيام المجلس الفلاني ووالى فضله، وأعلى محلّه، وقرن بالنجاح عقده وحلّه، وجمّل به الزمن وأهله؛ ولا زال كلّ فصيح ناطقًا بحمده، وكلُّ بليغ حامداً لمجده، وكلُّ أمل محققًا في رفده، وكل إنجاز كامنًا في جانب وعده.
وصدرت هذه الخدمة مشتملة على الدعاء الموصوف بالصلاح، والثناء الذي لا يزال يهديه في الغدوّ والرواح، والحمد المتوالي فيه عند الملوِّ والولء الذي أصبح ضميره ابن قيسه فاقسم أن لا براح، والأشواق التي لا تنفك تتجدد، والأتواق التي زفراتها مع ساعات النهار تتردد، والغرام الذي لو كان البحر مدداً لكلماته /52 ب/ لنفد البحر قبل أن ينفد. وكيف لا يكون كذلك وقد أصبح في محبَّته عريقًا، وغدا في بحر فواضله غريقا، وصار لرفيق إحسانه رفيقًا:{وحسن أولئك رفيقًا} .
[30]
إبراهيم بن محمد بن معالى بن عبد الكريم، أبو إسحاق الرقيُّ، المعروف بابن الجبناتيِّ.
قدم الموصل في حداثته، ولم يزل بها قاطنًا إلى أن مات يوم الأحد السادس عشر من المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته في شهر ذي القعدة سنة أربع وسبعين وخمسمائة.
صحب الشيخ أبا الحرم مكي بن ريان النحوي، وتأدّب عليه ودرس فقه الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- وصار معيد درسه بالمدرسة العَّزيَّة التي أنشأها أتابك نور الدين أبو الحارث أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –رضي الله عنه وكان خازن كتبها وكتب المدرسة العِّزيًّة التي مقابلها؛ مضافًا إلى الإعادة.
رجل طويل كهل، نزل الشيب بعارضيه. كان رجلاً عاقلاً محترمًا عند الناس،
رزينًا وجيهًا، ذا فضل وعلم، له شعر حسن في مديح /53 أ/ وغزل.
أنشدني لنفسه يمدح الملك القاهر عّز الدين مسعود بن أرسلان شاه بن مسعود بن مودود –رضي الله عنه ويهنئه بالنوروز: [من السريع]
بات يدير الرُّضا والضَّربا
…
نشوان يهتزُّ صبوة وصبا
يجلو علينا جبينه قمراً
…
مكلَّلاً بالجمال معتصبا
يغضب من أن رمت تقبيل خدَّيه ويا حسنه إذا غضبا
ظبي يعاني من فتكه أسد
…
مختلسًا للنُّفوس منتهبا
طلق المحيَّا تلفاه ما لم تسم وصلاً فإن سمت وصله غضبا
قام وضوء الصَّباح قد مدَّ في الشَّرق شعاعًا والنَّجم قد غربا
وهزَّ أعطأفه فأسكرنا
…
وما شربنا خمراً وما شربا
وحثَّ راحًا كالشَّمس جلَّلها
…
حبابها عند مزجها شهبا
في روضة جادها الوليُّ كما
…
سحَّ عليها الوسميُّ وانسكبا
فأصبحت غبَّ ذلك تربو وتهتزُّ وتبدي من وشيها عجبا
والطَّير يشدو في دوحه فإذا
…
جاوبه الزِّير صأح وانتحبا
إذا أنقلبنا منها وجدت لنا
…
بدير باتحائيل منقلبا
/53 ب/ نأوي إليه ليلاً فنسمع من
…
رهبانه ما يزيدنا طربا
هذا وبدر السماء يرمي على دجلة من نار نوره لهبا
فتحسب الماء إذ يخالطه الشُّعاع ثوبًا مغرَّقًا ذهبا
ونحن في فتية تخيَّرهم
…
للَّهو فصل الرَّبيع وانتخبا
مثل الدَّراري يزينهم كرم
…
ضمُّوا إليه المجون والآدبا
نختلس العيش في حمى ملك
…
سمح يرى الحمد خير ما اكتسبا
سهل إذا ما الزَّمان دان له
…
فإن رأى ما يريبه صعبا
كالغيث للمعتفى إذا وهبا
…
والَّيث للمعتدي إذا وثبا
نابته آمالنا وقد سدنت
…
فقراً فزوَّى من كفِّه نسبا
إذا اعتلقنا من ظلِّه سببًا
…
لم نخش يومًا من حادث سببا
يا ملكًا لم تجد أنامله
…
إلَاّ وبذَّت بسحِّها السُّحبا
تهنّ هذا النَّوروز والعشر
…
والنَّحر وعش تستجدَّها حقبا
فما نبالي إذا بقيت لنا
…
ما فات من عيشنا وما ذهبا
وقال يمدح أتابك نور الدين أبا الحارث أرسلان شاه بن مسعود –رحمه الله:
[من الطويل]
/54 أ/ سل الربع عن سكَّانه أين يمَّموا
…
سروا وهواهم بالفؤاد مخيِّم
تولَّوا فيا لله من شقيت بهم
…
نفوس بمرآهم تلذَّ وتنعم
أحلُّوا دم العاني بوشك رحيلهم
…
وذادوا الكرى عن ناظريه وحرَّموا
وما ضرَّهم يوم استقلُّوا لو أنَّهم
…
أشاروا بإيماض اللَّحاظ وسلُّموا
تنسَّمت أرجو نفحة من ديارهم
…
وهيهات ما أرجو وما أتنسم
وقدمًا سمعت البعد يعقب سلوة
…
فها أنا ذا صبٌّ مع البعد مغرم
وحاولت أن أحظى بطيف خيالهم
…
وأنَّى مع التَّسهيد طيف مسلِّم
هو الدَّهر لا ينفك حادث خطبه
…
يجوز على الحرِّ الكريم ويظلم
سألجأ من صرف الزَّمان وريبه
…
إلى ملك يحمي الجوار ويعصم
ففي ظلَّ نور الدِّين لي متفيأ
…
منيع يقي من سوء ما أتوهّم
شديد الإبا ماضي الثَّنا غامر الحيا
…
خصيب الرُّبى يعطي الجزيل وينعم
رحيب الفنا عالي السَّنى كاسب الثَّنا
…
مشيد البنا مولي الغنى متكرم
بطائره الميمون يستنزل الحيا
…
وتستدفع الجلَّى به حين يقدم
يضيء دجى اللَّيل البهيم جبينه
…
وإمَّا سطا فاليوم بالنَّقع مظلم
تسيخ الرَّواسي الشُّم خيفة بأسه
…
سراعًا وتطفو خفَّةً حين يحلم
/54 ب/ إذا ما انتضى العضب الجراز انتضى به
…
على الموت موتًا يستضير وينقم
ومهما أحتبى في المنتدى بنجاده
…
عنا اللَّيث وأنقاد الخميس العرمرم
فلا موت إلَاّ حين يزأر مغضبًا
…
ولا عيش إلَاّ حين ما يتبسم
ولا عزَّ إلَاّ في جوار جنابه
…
ولا ذلَّ إلَاّ حين يجفو ويصرم
بصير بأخرى الأمر من قبل بدئه
…
خبير بفص الأمر والأمر مبهم
تحلَّى بعزم لا يجاريه صارم
…
وبالجزم طرّاً لا يباريه لهذم
تكنَّفت الحدباء منه مملَّكًا
…
يعالج أدواء الخطوب ويحسم
فيا نبعة الملك الأثيل غراسه
…
ويا باني المجد الَّذي لا يهدم
فداؤك روحي ليس لي فوقها فدى
…
وذلك أقصى ما تعاطاه معدم
سقى الموصل الحدباء كلُّ ملثَّة
…
تسحُّ على أكنافها وتديِّم
فما هي إلَاّ روضة طاب نشرهاً
…
يهشُّ إليها النَّاظر المتوسِّم
تفوَّقت ......... العلم منها وصار لي .... لسان يجيد النَّثر فيها وينظم
ولا بدع أن يمتاحها كلُّ وارد
…
ويصدر عنها سجله وهو مفعم
فقد أصبحت للعلم داراً ومعلمًا
…
فسيحًا إليه يفزع المتعلِّم
سأرحل عنها مكرهًا متأسِّفًا
…
وأعظم بما ألقى ومأ أتجسم
/55 أ/ وأودعها درَّ القريض مودِّعًا
…
وأسلب فيها درَّ دمعي وأسجم
وأتحفها ممَّا جبتني مدائحًا
…
هي الدُّرّ حسنًا بل أجلُّ وأعظم
قوافي لو مرت بسحبان وائل
…
ثناءً لأضحى وهو ألكن أعجم
ولا برحت مأنوسة بمليكهًا
…
تتيه به منها ربوع وأرسم
ولا زال دست الملك منه متوًّجًا
…
بهاءً مدى الأيَّام ينمى ويعظم
وقال أيضًا: [من الخفيف]
كلُّ كفٍّ تجود من غير وعد
…
نعمًا توسع البريَّة برَّا
وإذا ما وعدت كانت ببًذل الجود للمعتقين أولى وأحرى
لست من يقتضيك وعداً ولكن
…
خفت نسيانه فجددت ذكرا
وله: [من الخفيف]
زارني من أحب واللَّيل داج
…
فأعاد الظَّلام عندي صباحا
وثنى عطفه فعاينت غصنًا
…
وجلا ثغره فخلت أقاحا
[31]
إبراهيم بن محاسن بن عبد الملك بن عليِّ بن نجا التنوخيُّ، أبو إسحق الدمشقيُّ.
من أهل دمشق. كانت ولادته غي إحدى الجماديين سنة ستمائة.
كان والده من العلماء المتفننين في وقته في علوم الشريعة؛ إمامًا زاهداً متعبداً في نفسه، ذا دين وتقوى.
وابنه هذا شاهدته بحلب وهو شاب فاضل حافظ للقرآن العزيز، عارف بالنحو واللغة والعربية، مستظهراً جملة وافرة من الأشعار، فهمًا للمعاني، متكلمًا مناظراً، يبحث بحثًا جيداً في كل فن من العلوم حتى تميّز على أبناء جنسه بذكائه، وقوة فطنته.
وكان يسكن بيتًا ببعض مدارسها، ولم يكن ....... ، وعاشر جماعة من أماثلها وصدورها؛ فأقبلوا عليه. وكان يغشى منازلهم في بعض الأوقات، ثم ينقبض عنهم ويتجنبهم؛ وفي جملة من كان يغشى عون الدين أبا المظفر سليمان بن عبد المجيد بن العجمي. وكان يرغب في معاشرته؛ وربما انبسط معه وداعبه في مجالس أنسه.
ثم إنه نبزه بالَّزلزول، فامتعض من أجل هذا اللقب، وأظهر غيظًا، فلما رآه أنه قد اغتاظ، دسّ غلمانه عليه، فكان إذا أقبل صاحوا عليه بهذا النبز. فتوغر صدره عليه حتى كاد يتلف غيظًا، فحمله الغيظ على أن صار يكتب رقاعًا يودعها هجواً شنيعًا مقذعًا في العون بن العجمي، ويلقيها في أبواب الدور التي ............ الكبار من أهل حلب وبني عمّه. ويمزقه فيها كلَّ ممزق، ويشتره أقبح التشتير حتى كتب ما يقارب خمسمائة رقعة، وشاعت في المدينة وتداولها الناس وحفظوها وتحدّثوا بها؛ فعظم ذلك على العون، ولجّ في طلبه وفحص عمن يفعل ذلك ولم يعلم من كان يكتبها ............. ، فقبض عليه العون أنهى أمره إلى حاكم البلد والمستولي عليه فحكَّمه فيه وأهدر دمه؛
فاعتقله في منزله، وهمَّ جماعته بقتله فلم يمكنهم العون من ذلك ...... ].
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
/55 ب/ أيا من شكا الهجر المبرِّج بالصَّب
…
لقد أقرحت شكواك يا منيتي قلبي
وأسبلت دمعًا من جفوني أقلُّه
…
إذا ضنِّت الأنواء يعيى عن السُّحب
وأعجب شيء قاتل يشتكي الجوى
…
إلى مغرم أشجانه ذكرها يصبي
على كبدي أضعاف ما أنت واجد
…
من الشَّوق والبلبال والوجد والكرب
إذا كنت في قلبي مقيمًا وناظري
…
يراك بعين الفكر مع كثرة الحجب
فلا حاجى لي أن أخاطب ساكنًا
…
بقلبي في طيِّ الرَّسائل والكتب
ولي أنَّه ما تنقضي وتوجُّع
…
عليكم وأشجان أكتِّمها صحبي
فلو ظهرت أسرار وجدي لعطِّلت
…
أحاديث أهل الحبِّ يا سالبي لبِّي
يهيِّجني ليلاً حمائم دوحكم
…
ولولاك ما هأج الحمائم للصبِّ
وإن خطرت عند الصَّباح نسيمة
…
لها أرج منكم أقول لها: هبَّي
ولا تقطعي ريَّاهم عن متيَّم
…
به من هواهم ما يجلُّ عن الخطب
متى ينقضي هذا البعاد وأجتني
…
بطيب التَّداني منكم ثمر الحبِّ
وأصبح في أمن الصَّدِّ والجفا
…
وأسعد من بعد التَّباعد بالقرب
أجلُّك أن أشكو إليك صبابتي
…
وأشفق أن أشكو هواك إلى رِّبي
وأصبح ظمانًا إلى ورد وصلكم
…
عسى شربة من ذك المورد العذب
/56 أ/ زعمت وصالي طبُّ سقمك يا منى
…
فؤادي من لي أن أفوز بذا الطِّبِّ
ويطلب رفقًا من أسير هواك في
…
جوانحه ما بين قلب إلى خلب
أيا من يشهِّيني إلى طيب وصله
…
ويصطاد قلبي بالحديث الَّذي يسبي
ويظهر لي شوقًا ونحن شبيهنا
…
إذا خفق التَّشبيه كالحوت والشَّبِّ
ولاحظَّ لي منه سوى الهجر والقلى
…
وتعذيب قلبي بالدَّلال وبالعجب
فلو كنت في دعوى المحبَّة صادقًا
…
لواصلتني من غير قولي لكم عج بي
[32]
إبراهيم بن حامد بن عطا بن حامد بن محمد بن نبهان بن عيسى بن عبيد الله بن بشر بن ريان الأسديُّ الحورانيُّ.
مولده بشبهة –قرية من أعمال بصرى من الثغور الشامية- سنة إحدى عشرة وستمائة.
أنشدني لنفسه يمدح الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين –خلّد الله دولته:
[من الكامل]
حرم له من ذي الجلال ذمام
…
وصلاة قدس طاهر وسلام
حرم يفوق النَّيِّرين ومنزل
…
أضحى له فوق السِّمًاك مقام
/56 ب/ فلئن سعدت بقربه وبلثمه
…
فلأنت في الدَّارين لست تضام
قد زين الله البلاد بدولة
…
ما شابها ظلم ولا إظلام
بإمامنا المنصور فاخر دينناً
…
طود الحجى إن خفت الأحلام
جبل الحلوم رسا وخير خليفة
…
نيطت به في الأعصر الأحكام
من ذا يحيط بوصفه وهو الَّذي
…
قد قصَّرت عن كنهه الأفهام
لو رامت الأقلام تكتب فضله
…
ما أدركت ما رامت الأقلام
تزهى المنابر حين يذكر وصفه
…
طربا ويحسن في نهاه نظام
مستنصر بالله حافظ حرمة الإسلام ليس عن الأنام ينام
فيه قوام الدِّين والدُّنيا معًا
…
والله شاهد ذاك والإسلام
ما همُّه في لذَّة بل همُّه
…
أن تجبر الضُّعفاء والأيتام
هو بدر أرض الله والدُّنيا له
…
فلك كواكبها له خدَّام
خير الخلائق وابن عمِّ محمَّد
…
أحكأمه لزمانه إحكام
هو كعبة القصَّاد والحرم الَّذيً
…
أبداً له الإحلال والإحرام
طافت به الآمال وهي نوافر
…
ما قأدهن إلى سواه زمام
عمَّ الخلائق من فواضل جوده
…
بنواله الأنفال والأنعام
/157 أ/ عدل الزَّمان بخلقه وبخلقه
…
فتباشرت بخلاله الأيَّام
لولا هداه لما أستبان لذي النُّهى
…
رشد ولا نقض ولا إبرام
يبقى أمير المؤمنين فإنَّه
…
للدين والدُّنيا حيًا وقوام
..... دينًا أشاد عماده
…
لعلاكم الإجلال والإعظام
وعلوتم في العالمين إلى مدى
…
سأم يقصِّر دونه الأوهام
هم حجَّة ومحجَّة لولائه
…
تتطهر الأوزار والآثام
تحيا به ذمم المكارم والنَّدى
…
ويموت من إفضاله الإعدام
زهرت به الدُّنيا فطاب نعيمها
…
وتواصلت بحنوه الأرحام
ففخاره في كلِّ فخر أوَّل
…
وثناه للمسك الذّكيِّ ختام
ولكم قطعت إليه من ديمومة
…
غبراء لا دبب ولا آرام
يمَّمتها ..... وقد حمي الحصى
…
بهجيرها وبها النَّسيم سهام
والآل يلمع في القفار كأنه
…
للناظرين يحوزها أعلام
علَّلتها بثنا الإمام فأرقلت
…
مثل الظَّليم وقد حداه ظلام
حتَّى أفوز بلثم ترب لثمه
…
شرف ومن جور الزَّمان ذمام
وموارد ما مسَ وارد فضلها
…
أبداً على طول الزَّمان أوام
/57 ب/ فالله يحرسه لأمَّة أحمد
…
ما ناح في الغصن النَّضير حمام
[33]
إبراهيم بن عمر بن سعد بن محمد، أبو إسحاق ......
الشهر كرديُّ، المعروف بابن البوريانيِّ الخطيب.
وهو من قرية تدعى شهر كرد بين دقوق وقلعة كرخيني. وكان يتولّى خطابتها.
شاهدته بإربل شيخًا من أهل الفضل والصلاح وحفظ القرآن والمتفقهة. ويرجع في الشعر إلى سلامة قريحة.
أنشدني لنفسه سنة ستٍّ وعشرين وستمائة ما كتبه إلى صديق له يستمد منه الشفاعة في حاجة عرضت له: [من البسيط]
شكوت دهري إلى خلٍّ فأرشدني
…
إلى كريم يزيل الهمَّ والكربا
وقال: لا تلح دهراً فيه سيِّده
…
فذا أقام منار الدِّين والأدبا!
فقلت: من ذاك قل لي ناصحي وحزت
…
شكراً أضمنه الأوراق والكتبا
فقال: واعجبًا من ذي نهى ندس
…
عداه فضل سديد الدِّين واعجبا
الألمعيِّ الَّذي ما خاب منتجع
…
جناته من حوى من برِّه نشبا
/58 أ/ الأريحي وستر الجود منسبل
…
ومن .........................
وقد زففت إليه بكر قارفية
…
عمداً ليمهرها من جوده الأربا
ولست أطلب لا تبراً ولا ورقًا
…
بل اعتناء يفوق التِّبر والنَّسبا
وإن تحصل ما أبغي بهمَّته
…
وإن تعجَّل من إحسانه الطَّلبا
[34]
إبراهيم بن نصر بن عيسى بن عليِّ بن أحمد بن الحسين بن عليِّ بن خزريّ، أبو إسحاق بن أبي الفتح العباديُّ الموصليُّ.
رجل مكتهل أشقر اللون. كان والده إليه الإستيفاء في الدولة الأتابكية، نافذ الأمر فيها، مقبولاً في آرائه؛ وأخباره في ذلك مأثورة على ما يأتي ذكره في موضعه –إن شاء الله تعالى-.
ونشأ ولده وتخلّق بأخلاقه، وتولّى التصرف في الأعمال السلطانية، ونظر في الأشغال الديوانية، ولم يزل كذلك بسيط الجاه، ذا أمر ونهي حتى فارق الموصل متوجهًا نحو البلاد الشامية [هاربًا فهدمت داره بالموصل، أمر بهدمها بدر الدين لؤلؤ مليكها]. واتصل بملوكها بني أيوب فأحسنوا إليه إحسانًا عظيمًا.
/58 ب/ ثم إنَّه عاود الموصل في جمادى الأولى سنة ثلاثين وستمائة، فرتبه الملك الرحيم بدر الدين سلطانها –أعز الله أنصاره- عارض الجيش، وولاّه النظر في ملكه الخاص، وزيد في إكرامه.
سألت أبا إسحاق عن مولده، فقال: ولدت يوم الأربعاء سابع عشر المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة بالموصل.
وحفظ القرآن الكريم، وقرأ شيئًا من الفقه والأدب، وسمع كتاب "جامع الأصول في أحاديث الرسول" على مصنفه أبي السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم الجزري؛ وله إجازات من عدّة مشايخ.
وهو متفرّد بعلم الحساب والمساحة، ومعرفة مسائله. والتبريز في التصرف وقوانينه.
أنشدني لنفسه يمدح الملك الرحيم بدر الدين أبا الفضل –أنفذ الله أمره ونهيه- بالخلعة التي شرفه بها الخليفة المستنصر بالله أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور –خلّد الله ملكه وسلطانه-: [من السريع]
مولاي يا مالك رقِّي الَّذي
…
ببأسه يدفع صرف اللَّيال
/59 أ/ ملكت بالعدل قلوب الورى
…
وحاميًا عنهم بعضب ومال
أعطيهم فوق الَّذي أمَّلوا
…
وجدت للسائل قبل السُّؤال
فجاءك السُّلطان عفواً وقد
…
نصَّ الإمام العصر قبلكم وقال
طاعة بدر الدِّين لي طاعة
…
ومن عصاه ذاق طعم الوبال
يا واحد الدَّهر وسلطاننا
…
ومن له في كلِّ ناد نوال
ومنها يقول:
فاسعد بهذا الملك في دولة
…
خالدة محروسة من زوال
وليهن عصر أنت سلطانه .. وليلفك الرَّحمان عين الكمال
[وقال أيضًا يمدح الملك القاهر عزّ الدين مسعود بن أرسلان شاه:
[من الكامل]
يا أيَّها الملك الَّذي بمغيبه
…
حجب الكرى عن مقلتي ونفَّرا
عوفيت من ألم غدا متعرِّضًا
…
بمزاجك المحروس يا خير الورى
يا ليته إذ لم يجد إلَاّك ذا
…
عفو أتى من ذنبه مستغفراً]
[35]
إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد، أبو نصر بن أبي الفضائل الشيبانيُّ، المعروف بابن القفطيِّ.
وهو أخو الوزير القاضي الأكرم وزير حلب، وسيأتي نسبه مستوعبًا في ترجمة أخيه –إن شاء الله تعالى-.
أخبرنا أنه ولد في رابع عشر المحرّم /59 ب/ سنة أربع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.
وكان والده القاضي الأشرف كاتبًا في دولة بني أيوب، يتولّى ذلك بالبيت المقدس، فهاجر إلى اليمن واستوطنها إلى أن توفي بها، وخلف ولده هذا أبا نصر صغيراً فتوجه إلى حلب وعمره يومئذ سبع سنين؛ فقرأ شيئًا من الأدب على أخيه، وسمع الحديث كثيراً على الشريف افتخار الدين الهاشمي، وأبي محمد عبد الرحمن بن الأستاذ الحلبي وغيره. [من الكامل]
/60 أ/ وأهزم جيوش الهمِّ عنك بعانس
…
بكر بغير القار لم تتلفَّع
شمطاء تذكر آدمًا في طينه
…
وتريك في الظَّلماء معجز يوشع
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من البسيط]
طلَّقت لهوي ثلاثًا حين طالعني
…
من ثغره ...... شيبي البادي
فهل يليق بي الرّجعى وقد شهرت
…
ظباه من شفرتى همٍّ وميلاد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
ليست عهود هواك ممَّا تنقض
…
أبداً ولا الحرمات ممَّا ترفض
فعلام تتَّخذ الملالة ملَّة
…
وتميل ميل معاند يتعرَّض
أفردتني بالسُّقم مذ أوردتني
…
في القسم مورد من يغصَّ ويجرض
أضرمت ناراً في ضميري وقدها
…
وبوجنتيك لها شعاع مومض
حكم الجوى أنَّ الأسى لا ينقضي
…
أبداً وأنَّ أخا الهوى لا يغرض
هيهات والذكرى تحرِّك ساكن البلوى وحادي الإشتياق يحرِّض
وبنفسي الغادون لو عاجوا على الوادي وعادوا مستهامًا أمرضوا
صرفوا عن الأجفان مذ سدفوا الكرى
…
وإلى محاجرها المدامع قوَّضوا
إن فيَّضوا ماء العبون فإنَّهم
…
عين التَّبصُّر والتَّجلُّد غيَّضوا
/60 ب/ الله جارهم الجوارح بعدهم
…
مجروحة والقلب دام مرمض
وعلى تجنِّيهم فليس سواهم
…
غرض ولا عن حبِّهم متعوَّض
يا كم نهضت وقد نمى ضعفي بما
…
شمُّ الجبال ببعضه لا ينهض
ولقيت من حبٍّ وخبٍّ ماكر .... أبداً بميدان الغواية يركض
متملِّق بادي النَّفاق وحالب
…
أفواق مذق دهره لا يمخض
يبدي المحبَّة والولاء لسانه
…
وجنانه صلٌّ عليَّ ينضنض
فمن الصَّفاء مبرَّأ ومن الرِّياء مملا ومن المروءة مفضض
ولكلِّ ما أكرمت زاد لامة
…
وملاله أدرانه لا ترحض
فعلى إسعاف الصَّديق بكلِّ ما
…
أسطعيه وله جناحي أخفض
فإذا قسا لا ينته وإذا نأى
…
دانيته وإذا تجانف أغمض
وإذا وفاة وفائه صحَّت ولم
…
تبق الخيانة فيه عزمًا ينبض
هاجرته الهجر الجميل ووجهه
…
المسود عند لقًى ووجهي أبيض
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
بكيت دمًا فأزورَّ سؤلي مكبراً
…
فعالي فقلت: أرفق فما جئت بالنُّكر
نذرت إذا ما ورتني نحر مقلتي
…
فلمَّا بدا مرآك وفَّيت بالنَّر
/61 أ/ وأنشدني أيضًا في المعنى لنفسه: [من الطويل]
ولمَّا بدا المحبوب سالت مدامعي
…
دمًا فتولَّى مكبراً سوء فعلتي
فقلت: نحرت القلب من عظم اللِّقا
…
لديك فهذا عيد نحر لمهجتي
وأنشدني أيضًا لنفسه في المعنى: [من السريع]
قال حبيبي لمَّا رآني
…
أذري نجيعًا أرعت سربي
فقلت: من فرحة التَّلاقي
…
يا نور عيني نحرت قلبي
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من المجتث]
لمَّا وقفت جنوني
…
على الدُّموع الجواري
فرَّ المنام وقال العوار سكنى العواري
وأنشدني أيضًا لنفسه وقد اقترح هذا المعنى: [من الكامل]
حسد الهلال على الجمال معذِّبي
…
فتزيد الأنوار كي يحكيه
ثمَّ اعتراه النَّقض عند كماله
…
بقصوره عن بعض ما يحويه
وأنشدني لنفسه: [من السريع]
نشدت لمَّا فصلت عيرهم
…
وحبُّ قلبي بالنَّوى حصيد
/61 ب/ يا سائقي أظعانهم ترفَّقوا
…
ألأيس منكم رجل رشيد؟
قد كشف الشَّوق غطا صبرنا
…
فبصر الدَّمع به حديد
وجنَّة الخدِّ وكوثر اللَّمى
…
لحرقي عليهما خدود
لا تنطفئ بقربه وكلَّما
…
عاودها تقول: هل مزيد
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الرجز]
أفدي بسيط الغدر مجتثَّ الوفا
…
وافر سقمي من طويل صدِّه
ذهاب صبري ومقام ضرِّي
…
من فضَّة مذهبة بخدِّه
وقال: كنت بميافارقين، وبلغني أن أخي أعيد إلى الوزارة للملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر، فقلت، وأنشدنيها لنفسه:[من الكامل]
بشراي أبدى البشر بعد تجهُّم
…
وأعاضني بشهادة عن علقم
نسخت سنين السُّخط ساعات الرِّضا
…
ومحا محمَّدهنَّ كلّ مذمَّم
فرتعت من وجناته في جنَّة
…
مسقيَّة بحيا الحياء المثجم
صفرت يدي من وصله إن لم يكن
…
نومي زمان جفاه جدَّ محرَّم
وبمهجتي كلف بوصل قطيعة
…
مغرى بتعذيب المحبِّ المغرم
/62 أ/ يرمي المقاتل عن قسي حواجب
…
من مقلتيه بصائبات الأسهم
سلب العقول مؤشَّر من ثغره
…
سلب الرِّجال ربيعة بن مكدَّم
من خطِّ عارضه ومقلة خاله
…
قد أفصحت عذبات دمعي الأعجم
يزورُّ إن خاطبته في زورة
…
متشابهًا ويصول صولة ضيغم
لم أنسه إذ قال لي: يا راكب الشَّهباء خلِّ صبيًّا لراكب أدهم
فشكرت ليلاً من شبابي ظاعنًا
…
وشكوت صبح مقيم شيبي المقتم
فأجابني يا ظالمي قدك أئَّئب
…
وأشكر ثناي لمنجد ولمتهم
وأبشر بتجديد العليِّ الأكرم الصُّنع الجميل لدى عليِّ الأكرم
[36]
إبراهيم بن عليِّ بن الحسن بن جريّ، أبو محمد النحويُّ الموصليُّ.
أخبرني أنه ولد سنة تسع وثمانين وخمسمائة بالموصل. زعم أنَّ والده من قرية من قرى العراق تدعى شنا.
استظهر كتاب الله تعالى، وأخذ علم النحو والعربية عن شيخه أبي حفص عمر بن أحمد النحوي ...... ، صحبه مدّة حياته.
وهو رجل قد وخطه [الشَّيب] /62 ب/ ربعة أسمر. كان يخيط القلانس في ابتداء أمره، على أشد غاية ما يكون من الفقر؛ فلما تميّز في العربية ومهر، صار من أعيان تلامذة الشيخ أبي حفص عمر بن أحمد العسفي.
اتصل بالأمير أبي الفضل لؤلؤ بن عبد الله البدري بالموصل؛ لتأديب أولاده –فانتفع به وصار يصحبه إلى مدينة السلام حين ينفذ رسولاً، فتمشت أحواله. وحصل رزقًا صالحًا، وأغناه ذلك عن صناعة القلانس.
وكان يصلي الصلوات الخمس بالمدرسة البدرية إمامًا، ويختلف إليها جماعة من فقهائها، يقؤون عليه شيئًا من النحو والعربية. يتولّع بالشعر ويقول منه الشيء النزر.
أنشدني لنفسه يمدح الأمير أمين الدين لؤلؤ ويذكر أولاده من أبيات: [من الوافر]
سرور لا يزال على التَّوالي
…
يدوم مع الأهلَّة واللَّيالي
وسعد لا يزال لكم قرينًا
…
يصرِّف عنكم عين الكمال
لقد ظفرت بما تهوى الأماني
…
واضحت في انتظام كالآلي
وساعدنا الزَّمان بطيب وقت
…
وولَّى القرُّ منبتَّ الحبال
/63 أ/ وقد جاء الرَّبيع بكلِّ فنٍّ
…
من الأزهار مفقود المثال
شبيه خلائق عذبت بصفو
…
من المولى الموفَّق في الفعال
أمين الدِّين مرموق السَّجايًا
…
كريم الخيم مع كرم الخلال
فيا مولى صنائعه شموس
…
تسير مع النُّعامي والشَّمال
بلغت من الأماني منتهاها
…
فولدك بالمحاسن في اكتمال
تجمَّع فيهم من كلِّ فضل
…
يسود به الأواخر والأوالي
فمن أسد يحمّل يوم روع
…
ببيض في الجلاد وبالعوالي
وأحمد في ديانته حميد
…
يعدُّ مع الأئمة في المقال
فلا زالا وأنت لهم كفيل
…
يحوزان المفاخر والمعالي
وأنشدني لنفسه فيما يكتب على سيف أهدي لأمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر المنصور –خلّد الله ملكه-: [من الكامل]
ولقد سموت على البريَّة رفعه
…
وقصمت كلَّ معاند متجبِّر
لو لم يكن فيَّ الَّذي قد قلته
…
ما كنت فزت براحة المستنصر
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الوافر]
/63 ب/ أيا زمن الصِّبا ولَّيت عنَّا
…
وما أبقيت من أمر بديع
سلبت الأنس من طرف وقلب
…
وحلو العيش من .....
وقد كنت الأنيس لكل شيء
…
فقد أذهبت أبهة الجميع
وأنشدني أيضًا قوله: [من الوافر]
أمتلفتي بوعد في تمادي
…
وملبستي سواداً في سواد
لقد أسملت للأسقام جسمي
…
وصار الجفن منِّي للسُّهاد
فكفِّي الآن عن هجري وعودي
…
إلى قطع القطيعة والبعاد
وأنشدني أيضُا لنفسه: [من الطويل]
أما والَّذي سنَّ التَّحية في الكتب
…
وفضَّل بالإحسأن في البعد والقرب
لقد سبقت منك الأيأدي تفضُّلاً
…
وما زلت تولي ......
وأوليتني ما لا أقوم ببعضه
…
فحسبي بما أوليتنيه به حسبي
أما والَّذي أحيا المودَّة بالكتب
…
وأقصاك عن عيني وأدناك من قلبي
وأنشدني أيضًا قوله: [من الطويل]
/64 أ/ كتبت وفي قلبي من الوجد لوعة
…
وعندي شجون من فراق الحبائب
ولولا رجائي أن نعيش ونلتقي
…
لما كنت من وجدي إليكم بكاتب
سلام إليكم ما حننت إليكم
…
وما .......... مشتلق بمقدم غائب
وأنشدني أيضًا من شعره: [من الطويل]
كتبت وقلبي مستهام وحقُّه
…
يهيم بمن أهدى المسرَّة برقه
فذكَّرني عهداً وما كنت ناسيًا
…
وأوجب شكراً في الصَّحيفة نطقه
[37]
إبراهيم بن أبي النجم بن ثريّ بن عليِّ بن ثريّ، أبو إسحاق الموصليُّ
أخبرني أنَّه ولد سنة سبع وثمانين وخمسمائة. [توفي في سنة أربع وخمسين وستمائة بحلب ودفن بالمقام رحمه الله].
شاب أشقر اللون، أزرق العينين؛ ربما دعي والده بنجم وأبي النجم، جميع ذلك تقوله العامة.
اشتغل وهو صغير بشيء من العلم، وطالع التواريخ وأيام الناس، واستظهر قطعة جيّدة من الأشعار العربية، وحفظ شعر أبي الطيب المتنبي حفظًا حسنًا وفهم معانيه، وقال الشعر؛ ثم أغرى بلعب /64 ب/ النَّرد والشطرنج.
أنشدني لنفسه قصيدة يمدح بها الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلّد الله أيامه وأنشدها في صفر سنة ثمان وعشرين وستمائة بحضرة الوزير مؤيد الدين محمد بن محمد العلقمي: [من الكامل]
دار السلام وقبلة الإسلام
…
وأجلُّ مرتبع وخير مقام
فاستقص في نظم الكلام ونثره
…
كالدُّر في سلك وحسن نظام
وأعلم بأنَّك واقف بمواقف
…
وقف على التَّبجيل والإعظام
يكسى بها قس فهاهة باقلً
…
ويرى الفصيح بحلبة التَّمتام
حيث المقر أقرَّ أنَّ سحابه
…
هطل الفواضل صيِّب الإنعام
حرم البُنّوَّة والخلافة والتُّقى
…
نادي النَّدى والفضل والإكرام
تتضاءل الأوصاف عن أوصأفه
…
وتضلُّ فيه هوادي الأفهام
وأبت جلالته مقال كأنه
…
وسما فقصَّر عنه كلٌّ مسامي
فافخروته شرفًا فإنَّك مادح
…
خير المديح بمدح خير إمام
القائم المستنصر المنصور والبرِّ الرَّؤوف الصَّائم القوَّام
هو حجَّة الله البليغة في الورى
…
والعروة الوثقى بغير فصام
/65 أ/ وهو المقدًّس والمطهَّر محتداً
…
من كلِّ رجس غائب وأثام
وهو الوسلية والمحجَّة والرِّضا
…
والمرتضى في الحلم والأحكام
والمجتبى والمرتجى والمنتهى
…
في كلِّ مطلوب ونيل مرام
هو موجد الجود المشتِّت جامع
…
حسن المحاسن معدم الإعدام
ألف المروءة قدر ما ألفت به
…
ما ريع مرضع درِّها بفطام
وتساويا حبًّا وفرط صبابة
…
فكلاهما في صبوة وغرام
ومتى قرنت به الكرام فحالهم
…
في جوده والحلم والإقدام
كعب ككعب في السِّماح وحاتم
…
حتم عليه النَّقض بعد تمام
ويقلُّ قيس أن يقاس بعبده
…
حلمًا وأحنف أحنف الأحلام
وابن الطُّفيل غدا كطفل مرضع
…
عجزاً ومدَّرعًا بدرع ملام
وعتيبة المعتوب في تقصيره
…
هو مقدم لكن على الإحجام
وإذا الوغى أحتدَّت وكلَّ حديدها
…
حتَّى تشبَّه فاصل بكهام
وبقسطل النَّقع المثار كأنَّه
…
ليل تطلَّع أو طلوع غمام
وكأنَّما لبست به شمس الضَّحى
…
ثوبين ثوب دجى وثوب قتام
والخيل تعثر بالطُّلى وتقسَّمت
…
قسمًا لقسَّام وسهم سهام
/65 ب/ وترى الدِّماء على الثَّرى فكأنَّما
…
علَّت به الدَّهناء كأس مدام
تلقى أمير المؤمنين بمنصل
…
يبكي النَّجيع ومبسم بسَّام
وقد استعد لحزبه ولحربه
…
رفق الشَّقيق وسطوة الضّرغام
يا بان الخلائف من قريش والألى
…
خلفوا الكرام وخلِّفوا بكرام
يا موتمًا أبناء كلِّ معاند
…
دين النَّبيِّ وكافل الأيتام
صلَّى الإله على ابن عمِّك أحمد
…
وعلى أبيك مفضَّل الأعمام
وعليك يا خير البريَّة رتبة
…
من كلِّ مكتهل وكلِّ غلام
وبقيت في نعم تقارن أنعمًا
…
وسلامة مقرونة بسلام
ما أورقت شجر وأخصب مجدب
…
وتهافتت في الدَّوح ورق حمام
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الكامل]
لولا التَّعرُّض بالظِّباء الغيد
…
وولوع قلبك بالمهاة الرُّود
ما صاب خدَّك صيِّب من دمعه
…
وأصاب جفنك صائب التَّسهيد
فغدوت في أرق ترق له العدا
…
وعهاد دمع ليس بالمعهود
إن كان أمحل عارض من عارض
…
وأهيل صوب الخدِّ بالتَّخديد
فصبابة حكمت عليك فحكَّمتً
…
وبل المدامع في وبال خدود
/70 أ/ واهًا لعان مولع بعنائه
…
جلد على حمل الغرام جليد
كفلت لهيب حشائه نار الجوى
…
وتكفَّلت بفؤاده المفؤود
فطةى على نارين نار واصلت
…
وصل السَّقام به ونار صدود
هذا ولو سلم السَّلامة من ضنًى
…
أقوى القوى منه وحرِّ وقود
قالت جهنَّمه لرِّبه
…
هل من مزيد من لظًى ومزيد
ما ذاك إلَاّ أن تعذبت الهوى
…
عذب لكلِّ متيَّم معمود
كلف بحبِّ الرَّملتين فرملة
…
سكنت حشاه ورمله بزرود
يغدو يعالج لا عجًا من عالج
…
فيبيد بالمسرى سرايا البيد
ويروم من آرام رامة موعدًاً
…
يا بعد ما وعدوا وقرب وعيد
ما زال يشكو باللِّوى أشجانه
…
جهد المقلِّ وقلَّة المجهود
حتَّى ترنَّج رنده فكأنَّما
…
سلب القرار بوجده الموجود
وعلى الكثيب الفرد من جرعائه
…
رشأ كخوط البانة الأملود
بهر الدُّجى لمَّا دجأ بذوائب
…
ذابت لهأ مهج اللَّيالي السُّود
وأمدَّ نور الصُّبح نور جبينه
…
حتَّى أهتدى بضيائه الممدود
والشَّمس والقمر المنير كلاهما
…
لو مكِّنا همَّا له بسجود
/70 ب/ وتودُّ غزلان الصَّريم بميحها
…
جيداً تخصَّص عنهم في الجيد
ذرِّي مبتسم شتيت واضح
…
حلو اللَّمى عذب الرُّضاب برود
لم أنس إذ يسعى بكأس سلافة
…
حدَّث لطافتها عن التحَّديد
والخدُّ ورديُّ اللِّباس وكأسه
…
ورديُّة ورد من التَّوريد
فكأنَّ حمرة كأسه من خدِّه
…
كسيت وفاحمه من العنقود
وكأنَّ دقَّة حصره صبٌّ شكا
…
وصب الضَّنى من بنده المعقود
مازال يوليني دنوَّ بعاده
…
قربًا إلى وله عليه شديد
والقلب في صفد المحبَّة هائمًا
…
وارحمتا للهائم المصفود
وله: [من الطويل]
سلامًا لقلب همُّه ربه القلب
…
يملُّ من العتبى ويصبوا إلى عتب
كأنَّ علاج الحبِّ ضربة لازب
…
عليه فما ينفكُّ من لاعج الحبَّ
إذا سمته سلمًا ليصبح سالمًا
…
من الجهد عاصاني وجاهد في حربي
يراني من حزب الوصيِّ فما اعتنى
…
لحزبي إلَاّ أنَّه من بني حرب
وقد كنت غرّاً بالغرام فغرَّني
…
وجرًّد لي من خدِّه مطلق الغرب
وسهَّل لي حزن الهوى فسلكته
…
وسهل الهوى لا حزنه أصعب الصَّعب
/71 أ/ وما برح التَّبريح عنِّي بجانب
…
فها هو بعد البعد جاري بالجنب
وطاوعته رغمًا ومن ذا الورى
…
تبرَّأ من قلب لأبراً من قلبي
عفا الله عنه الآن إن كان مقصراً
…
وإن هو لم يقصر وإن لجَّ في العصب
ألم ير جسمًا قد تجسَّم من ضنًى
…
فعيناه معنيَّان بالسَّلب والسَّكب
يهيم متى هبَّ النَّسيم ولم يزل
…
لصبِّ الضَّبا مرُّ الضَّبا أبداً يصبي
ويأرق إمَّا لاح منهنَّ بارق
…
ويسرب بي أنَّى رنت مقل السِّرب
وجارية جادت ففاتت بسيفها إلى
…
الحسن من جاري وجادت على الصَّبِّ
محجَّبة لم يغن عنهأ حجابها
…
وهل يختفي الصُّبح المنير مع الحجب
لعوب من الأتراك خاقات جدُّهأ
…
فما نشأت في دار قيس ولا كعب
متى سفرت قلت الغزالة أشرقت
…
أو انتقبت وابن الغزالة في النّقب
وما البدر إلَاّ لمحة من جمالها
…
ولا الشُّهب إلَاّ من قلائدها الشُّهب
لها واضحى أبدى من العذر واضحًا
…
لصحبي وقد لاموا فأغرى بها صحبي
وفاحم فرع مفخم كلَّ واصف
…
يضلُّ به الهادي ويذهل ذو اللُّبِّ
وطرف طريف للعقائًل عقله
…
وطرف لطيف للعقول به يسبي
وعقرب صدغ لسبها داخل الحشا
…
تؤجِّج ناري كلَّما أكثرت لسبي
/71 ب/ وتبسم عن ثغر نقيٍّ كأنَّه
…
سنا البرق يهدي في الدُّجى حافر الرًّكب
وما زال إذ لالي بعزِّ دلالها
…
ويلصق إعظامي لها الخدَّ بالتُّرب
ويشتاقها قلب ثوت في صميمه
…
وهذا من المشتاق في غاية العجب
إلى أن ألم الشَّيب وأحتلَّ لمتَّي
…
فمالئت لوَّامي وملت إلى العتب
وقلت لجدِّي أقبل فقد فات ما مضى ..................... أبعد فما وللِّعب
وخلٍّ رأى لبثي بدار مهانة .... فجرَّأه إصرار لبثي على ثلبي
رآني أعاني ما يعنِّي أقلُّه
…
وقد كاد أن يقضى .... بها نحبى
وبات يعاطيني كؤوس ملامة
…
فأكسبني سكري بها حيرة الضَّبِّ
فقلت له: مأ في نزاعك منزع
…
عن القدر الجاري وهذا إلى الرَّب
ولا بأس إن والى الزَّمان عناده
…
فكم للأسى آس وللداء من طبِّ
وكم رضت أرضًا بالكريم مضرَّة
…
ثراها من الإثراء متَّصل الحدب
قضمَّت عرأها في عراها على الَّذي
…
عراها وأغراها فصرت إلى الخصب
فخلِّ الما وأعص الكرى تطع السُّرى
…
وعج بي إلى صهيون فهي المنى عج بي
إلى المطلب الأقصى إلى صيِّب الحيا
…
إلى الغاية القصوى إلى المنهل العذب
تجد بذرأها منبت الجود والنَّدى
…
كما في ذراها بالنَّدى منبت العشب
/72 أ/ وحيَّ هلاً فيها بملك تواترت
…
إلينا به الأنباء عن فضله تنبي
ملاذ الورى طود الحجى قمر الدُّجى
…
سمام العدا ترب العلا الأروع النًّدب
مظفَّر دين الله عثمان والَّذي
…
يعافى به العافي ويعفو عن الذَّنب
فما سمعت أذن بما حاز من علاً
…
ولا مرَّ في وهم ولا جاء في الكتب
أجار على جور الخطوب فبأسه
…
على كلِّ خطب في الَّزمان من الخطب
وأخلاقه راقت فلو قد تمثَّلت
…
لشرب لما أعتًاقت لديهم عن الشُّرب
فأغضى عن الفحشاء من جفن حرَّة
…
وأمضىً لدى الخيجاء من مفصل عضب
ونمَّ على معروفه طيب عرفه
…
كذا نفحات الرُّوض نمًّت على السُّحب
ونادى مناديه منادي سخائه
…
فجاؤوه أفواجًا من البعد والقرب
فوافوا به عرضًا عن النًّقص معرضًا
…
ومالاً لمن وافى صبوراً على النَّهب
وكفًا بما كفَّت من العدم تكتفي
…
ودرّاً من النُّعمى بدر على الحلب
فقال الوفا نيلاً ولم يقل ........ على كثرة الإرفاد نائله حسبي
مليك لحجِّ البيت قصد جنابه
…
يناجي بما يرجى فينحى من الكرب
إذا أحتدّ في يوم الهياج وهاجه
…
جلاد يفلُّ الحدَّ من سورة الضَّرب
وقد راح بالأرواح عامل رمحه
…
فأثنت على كرَّاته السن القضب
/72 ب/ وأردى العدا تحت السًّنابك وأرتدى
…
من المجد ثوبًا لا من الوشى والعصب
ولم يرض إلَاّ الهام عمداً لسيفه
…
وأقنعه سلب النُّفوس عن السَّلب
أعأد على من عاد عائد عفوه
…
وأشغله كسب الثَّناء عن الكسب
لك الله أشكو ضنك حالي فأشتكي
…
فأنت الرَّحيب الباع والمربع الرّحب
ودونكها عذراً فلو قال قائل: هي الدُّرُّ لفظًا لم يكن فاه بالكذب
إذا أنشدت في محفل ناب نشرها
…
عن العنبر الهنديِّ والمندل الرَّطب
وصار لها أبن العبدً عبداً ونقَّصت
…
زياداً وكادت في فصاحتها تربي
وإن بلغت عنها البلاغة أخَّرت
…
قدامة وأختالت على ابن أبي وهب
فدم وابق محروس الجناب مملَّكًا
…
تدين لك الأملاك في الشَّرق والغرب
/66 أ/ وأنشدني أيضًا لنفسه بحلب المحروسة في شهر ربيع الآخر سنة أربعين وستمائة، يمدح الأمير مظفر الدين عثمان بن منكورس –صاحب صهيون- وأنفذها إليه من حلب المحروسة:[من الطويل]
نعم هذه نعم وهاتيك دارها
…
تشبُّ بأعلى الغور للعين نارها
هدت ضمَّراً بالبيد أضمرها السُّرى
…
فأقطارها مهديًّة وقطارها
يريك سناها أنجمًا في سمائها
…
إذا هاج عاديها وطار شرارها
يقول لي الخلُّ الخليُّ وما درى
…
أزندي أورى من جوى أم أوارها
أنار القرى بين الحشا منك والقرا
…
فعينك عبرى ما يقر قرارها
فقلت: لظاها ما تجنُّ أضالعي
…
شهرت بها حينًا فبان أشتهارها
ولفتحها من زفرتي مستعارة
…
ألم ترها يحكي سعيري أستعارها
فحقَّ لدمعي أن يواصل مقلة
…
جفا ناظريها نورها ونوارها
إذا جاورت نعم بنعمان جيرة
…
وأبعد عنها قربها وجوارها
وأوجد أنس الوجد منِّي نفورهًا
…
ونفَّر طيب النَّوم عنِّي نفارها
وأعوز شكلي في الهوى حين أشكلت
…
معاني مغانيها وشطَّ مزارها
/66 ب/ لها الله إن جادت وإن هي أنصفت
…
على جملة الحالين والله جارها
متى شئت تلقى الغصن ريًّان ناظراً
…
على الدِّعص فانظر ما يضمُّ إزارها
خفاجيَّة الأنساب عذرية الهوى
…
سما فرعها الزَّاكي وطاب نجارها
حمتها حماة عادلت كلَّ معرك
…
فسلَّت مقبسات النُّفوس شعارها
ففي كلِّ لبٍّ روعة من مغارهم
…
كما كلُّ قلب لم يفته مغارها
مليكة حسن الدَّهر فاللَّيل فرعها
…
ووضَّاحها للنّاظرين نهارها
يحرن حسان الحور فيها إذا رنت
…
ومن أين للحور الحسان أحورارها
وسيَّان نظمًا ثغرها وعقودها
…
وشتَّان طعمًا رسقها وعقارها
لها معصم لا عاصم منه لو دعت
…
به العصم لانقادت وبان أنهيارها
منى البدر أني يلوى إذا ما تسوَّرت
…
ولم يسم بدراً بل تعالى سوارها
عجبت لنفسي كيف بالشَّام أصبحت
…
وعن جيرة اتلحدباء كيف أصطبارها
أخيِّرها بين الثَّنيَّة واللِّوى
…
فمأ ينثني إلَاّ إليها أختيارها
يؤرِّقني مرُّ النَّسيم بربعها
…
ويوقظني عند الهجوع أدَّكارها
فللَّه ليلات قصرن لطيبها
…
وأطيب أوقات السُّرور قصارها
ويا ليت شعري حيث كنَّ عواريًا
…
فهل أنا يومًا قبل يومي أعارها
/67 أ/ إذ الورق قينات علون أسَّرة
…
من الأيك يصبي سجعها وثمارها
وصوت المثاني والمثالث معرب
…
بلحن غرور في الخدور .....
إذا ردَّدت أقمارها نغماتها
…
شدا طربًا قمريُّها وهزارها
فشقَّ قميص الهمِّ عنه شقيقها
…
وبثَّ شحوب الوجد منه بهارها
وساق يدير الرُّوح روحًا فحبَّذا
…
مدير حميَّا كأسها ومدارها
كسا راحه راحًا يريك مزاجها
…
بياض لجين ذاب فيه نضارها
كأنَّ على الياقوت إكليل جوهر
…
إذا أنفض مسلًوبًا وقاري وقارها
أو البدر أبدى الشَّمس للشّرب فاكتسبً
…
حياءً بحباب .... فالدراري .....
سلاف أتانا سالف الدَّهر بعدها
…
فأعوز عصر كان فيه أعتصارها
فهات كبيراً فالسَّعادة حثُّها
…
كباراً كما أنَّ الصَّغار صغارها
إذا خفت عاراً واللَّيالي معارة
…
فليس بعار أن يصيبك عارها
أرى هممًا لا تنثني عن دناءة
…
أضرَّ عناهًا أم أضرَّ أضطرارها
ولي همَّة عن مركز العِّز ما خطتً
…
ونفس إليه طعنها وسفارها
فيا ويحها ماذا دهاها فأقصرت
…
وعن قصدها صهيون ماذا أنتظارها؟
به أسد إن صال ذلَّت أسودها
…
وبحر إذا ما فاض غاضت بحارها
/67 ب/ فتبًا لها إن خافت الضَّيم والأذى
…
وناصرها عثمانها وانتصارها
مظفر دين الله ناشر عدله
…
وقد ضاق عن عشم الطُّغاة أقتدارها
مليك على كلِّ البريَّة حكمه
…
وفي قبضتيه برُّها وبوارها
تكفَّلت العافي بيمن يمينه
…
وقد ضمنت يسر المقلِّ يسارها
ففي خمسه للناكثين خميسها
…
وفي عشره للماكثين عشارها
له محتد أصل العلاء فروعه
…
ودوحة فخر لا يبارى فخارها
إلى منكورس القيل والمجد تنتمي
…
فمن دونه قحطانها ونزارها
ومسعر حرب إن سطا يوم معرك
…
فربح الأعادي في الكفاح خسارها
إذا نازعت أقيالها وتنازعت
…
رؤوس حمام لا يدواى خمارها
وظلَّ بها سمُّ المنيَّة نافعًا
…
فأرخت ستور النَّقع خوفًا قعارها
جرى سابقًا من لا يشقُّ غباره
…
بسبَّق خيل لا يشق غبارها
لها عثير بين السَّنابك معتق
…
ولكن بأعتاق الكماة عثارها
لتروى ظوام من قنًا وقواضب
…
أبت إذ أثيرت أن يعطَّل نارها
فيصدر عن فري الصدور صدورها
…
وقد وردت ورد الوريد عقارها
وأضحى رفيعًا قدره واقتداره
…
وظلَّ وضيعًا قدرها وأقتدارها
/68 أ/ على أنَّها لم تأل جهداً وما وقى
…
وقد حذرت لو كان يغني حذارها
وإن أمعنت في الفرِّ من سطواته
…
فأين من اللَّيث الهصور فرارها
أيا ملكًا كلُّ الملوك مشارها
…
إليه وفي دفع الأذى مستشارها
ورب أيأد لا يطاول طولها
…
ولكن طوال الطول منها أحتصارها
وغيثًا يرينا غوثه من بنانه
…
سحائب لا تنفَّك تهمي غزارها
لك الله من غضب على الشِّرك مقصل
…
له صفحة أرضى الإله غرارها
فكم مأزق في مأزق رهن حدِّها
…
وكم مهج هاجت إليه مصارها
تأمَّل قريضًا مأخلا عن مقرِّض
…
وأبكار أفكار يروق أبتكارها
هدت بقوافيها من الفهم حائراً
…
وأوضح سبل السَّالكين منارها
معان على جيد المعالي قلائد
…
عرائس تجلى والفريد نثارها
يفوق شذاها المسك ليس كروضة
…
يمجُّ النَّدى شيحانها وعرارها
ودم في سعود نيِّر بك بدرها
…
ومكِّنه تمكين إليك بدارها
وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الطويل]
تهادى فكاد الغصن يشبهه قدّاً
…
وأهدى إليه الورد من لونه خدَّا
فجاد على جوريِّه ورد خدِّه
…
وقدَّ قضيب البان أهيفه قدَّا
/68 ب/ فريد جمال جوهر الحسن ذاته
…
فلا غرو إن سمَّيته الجوهر الفردا
حبيب حبا الصَّهباء سلسال ريقه
…
فراقت به طعمًا ورقَّت به بردا
كسا كأسها طيبًا وحلَّى حبابها
…
فصار على إكليلها ثغره عقدا
وأشهد أن الشَّهد من فيه يختشى
…
ومن ذا جنى في النَّاس من برد شهدا
هدى الصُّبح لمَّا ضلَّ في ليل فرعه
…
بصبح جبين كلُّ صبح به يهدى
علاه دجوجيٌّ من الشَّعر حالك
…
تخال به قطعًا من اللَّيل مسودَّا
ولمَّا رأى شمس الضُّحى تستمدُّه
…
جملاً وبدر التَّم يلتمس الرِّفدا
ومن ذا لها لو أشرقت من لثامه
…
وكيف له لو كان يرضى به عبدا
له عامل في ناظر تحت حاجب
…
أمير يمير المستهام به الوجدا
تجلَّى فنالا من سناه سناهمًا
…
ولولاه ما عادا ولولاه ما عدَّا
يجرِّد هنديًا من اللَّحظ مرهفا
…
متى ما انتضاه جاز في حدِّه الحدَّا
مضاربه جارت وجادت وجالدت
…
فلا جلداً تبقي لديها ولا جلدا
فبين قتيل لا ..... وبين أسير لا يفدَّى ولا يعدى
فيا ساريًا يغري العلاً بمناسم
…
تبيد عراص البيد في سيرها وخدا
إذا جئت وادي المنحنى دون ضارح
…
وعاينت ذاك الرِّيم والبان والرَّندا
/69 أ/ فلذ بحمى ذاك الجناب فمن به
…
إليه مطايا الشَّوق في شوقها تحدا
وقل يا مريح الرُّوح إن كان واصلاً
…
ويا رابحًا بالرُّوح إن منح الصَّدَّا
خف الله في صبٍّ من الصَّبر مخفق
…
فخفاقه من فرط حبِّك لا يهدا
تعمَّدت معمود الفؤاد سلبيه
…
فعنَّفته شوقًا وأقصدته قصدا
فإن قال لم أعمد فقد صحًّ قتله
…
لقيت بلاه إن وفاقًا وإن عمدا
وإن كان يومًا يحياه مسعداً
…
فلا لقيت عتب ولا أسعدت سعدى
وكم لاح لاح في هواه أجبته
…
وقد ظنَّ ما يبديه من غيِّه لاشدا
عدمتك إنَّ القلب أضحى زمامه
…
بكفِّ مكاف ما أرى منه لي بدَّا
فمغسوله المسكيُّ أوردني الظَّمأ
…
وعساله اللَّدنيُّ هدَّ القوى هدَّا
أرى حبَّه فرضًا وإن سنَّ قتلتي
…
وإن هو أخفى من تعدِّيه أو أبدى
وإن هو أولى أو تولَّى وإن وفي
…
بميعاده أفديه أو أخلف الوعدا
وها أنا تصبيني مذاكرة الحمى
…
وأهوى الثَّنايا الغرَّ والفاحم الجعدا
ويطربني مرُّ النَّسيم إذا سرى
…
سحيراً بريَّا جيرة سكنوا نجدا
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى بدر الدين لؤلؤ –صاحب الموصل-:
[من الكامل]
مولاي عبدك شاكر لم يثنه
…
إبعاده عن شكره وثنائه
/69 ب/ ووحقِّ نعمتك الَّتي عمَّ الورى
…
إنعامها فعجزن عن إحصائه
قسمًا وراحتك الَّتي ما جاوزت
…
جود الحيا إلَاّ أحتبى بحبائه
والبحر باراها فبار وكاد من
…
نبط الكابة أن يغيض بمائة
لمَّا رفعت محلَّه في مجلس
…
النَّصر والإقبال من جلسائه
ووعدته نظراً بعين عناية
…
فغدا به يسمو على نظرائه
لم يبق في الدُّنيا سواك له رجًا
…
فمتى يراك محقِّقًا لرجائه
وأنشدني أيضًا قوله يتغزل: [من البسيط]
قل لي عداك غرامي أيُّها البان
…
أبان أهل الغضا للعين أم بانوا
وجيرة بالنَّقا ما خنت عهدهم
…
ولا هم لعهودي في الهوى خانوا
أضيعوا العهد أم حالت معاهدهم
…
فحال عهدهم أم هم كما كانوا
إن أضمروا سلوةً حيث اللِّوى سلكوا
…
فإنَّهم في ضمير القلب سكَّان
أو أنكر الطَّرف مغناهم فلا عجب
…
فالعقل معتقل واللُّب حيران
ومدمعي ضلَّ حتَّى ما أهتدى بصري
…
أهذه رامة أم تيك نعمان؟
عهدي بعم وشتيت الوصل مجتمع
…
على الحمى وهم أهل وجيران
فالآن لا الأهل أهل بعد بعدهم
…
عن الطُّول ولا الأوطان أوطان
أبكتهم وجفون السُّحب تنجدني
…
فالقطر والدَّمع هتَّان وهتان
وأسأل الربع عنهم من تشوِّقهم
…
جهد المقلِّ وما بالربع إنسان
[38]
إبراهيم بن المظفر بن أحمد بن المبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب، أبو إسحاق بن أبي العزِّ المستوفي الإربليُّ.
شاب أسمر اللونً؛ أخبرني أنه ولد في المحرم سنة إحدى وتسعين وخمسمائة؛ وهو ابن أخي الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي –رحمه الله؛ وهو من بيت جليل /73 أ/ بإربل في الرئاسة؛ أجلاء معروفون، رؤساء موصوفون.
حفظ القرآن المجيد، ويحفظ حملة من الشعر؛ وهو يتولّى التصرف لأمراء بلده، وفيه ذكاء.
وله شعر أنشدني منه، وكتبه إلى بخطّه:[من الطويل]
إلى الله أشكو من هموم تواصلت
…
أما تغلط الدُّنيا لنا بصديق
لقد خانني لمَّا هجرتم مواصلي
…
وقد صدَّ عنِّي معشري وفريقي
فواحربا كم تضرمون بصدكم
…
وإعراضكم في القلب نار حريق
أقاسي همومًا من أناس فعالهم
…
قذًى لعيون أو شجى لحلوق
وأنشدني له: [من الطويل]
تجلُّ عن التَّشبيه يا متملَّكًا
…
بمقدمك الميمون إنتظم النَّصر
لئن سرت في برً من الأرض فدفد
…
فقد صار بحراً ماؤه مفعم غمر
[39]
إبراهيم بن أبي المنى بن أبي الفضل بن عليٍّ، أبو إسحاق الحبّال الحلبيُّ.
رأيته بحلب في ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وستمائة؛ رجلاً كهلاً سوقيًا. وسألته /73 ب/ عن ولادته، فقال: ولدت في سنة سبع وسبعين وخمسمائة.
وزعم أنَّه تأدب على جماعة من فضلاء الحلبيين، واستظهر مقدمة باب شاذ وسرّ
الأدب لمنصور الثعالبي؛ فرأيته ذا طبع موات في عمل الشعر وخاطر حسن.
وأنشدني كثيراً من شعره، وكتبت عنه مقطعات؛ فمما أملى علي قوله:
[من السريع]
سلطانة سلطانة الحسن
…
سقى محيَّاها حيا المزن
فالشَّمس من لألائه تكتسي
…
نوراً وبدر التَّم في الدّجن
أفديه وجهًا لو تراءى لدى
…
حسن لأصباه إلى الزَّفن
يقودني منها إلى حبِّها
…
قدٌّ رشيق كالقنا اللَّدن
ناديت لمّا أقبلت فرحةً
…
من ذا رأى شمسًا على غصن
فنٌّ من الحسن يهيم الفتى
…
وكم لها في الحسن من فنِّ
وأنشدني أيضًا: [من مجزوء الرمل]
ساعدي سلطانة الحسن
…
أسارى ساعديك
فأرى بالي وبالي
…
جسدي طوع يديك
وأرحمي من بات يشكو
…
من تجنِّيك إليك
/74 أ/ فلقد أشفق من عاقبة الظُّلم عليك
وله: [من الرمل]
سيِّدي إنَّ ودادي لصحيح
…
وبسرِّي حاش لله أبوح
ولك اليوم بقلبي منزل
…
ماله عن حبَّة القلب نزوح
خبري دلَّ عليه .... ...... العاشق في الوجه تلوح
فاغتنم أجري ودعني أغتدي
…
عند رؤياك بنجح وأروح
وأشف جسمي من سقام شفَّه ........ الأسى إذا مات الجريح
يا لقومي آفتي من نظري
…
لم يزل طرفي إلى السُّمر طموح
أيُّها السَّمح بهجري والقلى
…
وهو بالوصل ...............
لك روحي خلِّها في بدني .... وهو لا تدعني جسداً ما فيه روح
أنت لي راح مزاح في فمي
…
لذَّلي منه غبوق وصبوح
قد حويت الحسن والطَّرف معًا
…
يا مليحًا لا يضاهيه مليح
ما لليلي .... لا أرقده
…
ونهاري تعب لا أستريح
أرقب الصُّبح ودمعي كدمي
…
من رآني قال في الفرش ذبيح
قرّة العين إلى كم ذا الجفا
…
إن جفني من تجافيك قريح
/74 ب/ إن تكم ساءتك منِّي ترحة
…
توجب التَّقبيح ما العفو قبيح
وله: [من مجزوء الرجز]
رحة قلبي تعب
…
وبرء جسمي وصب
ودمع عينيَّ دم
…
في الخدِّ منه ندب
وبين جنبيَّ جوًى
…
بوقده التهب
كأنَّما الدَّمع لنيران الجسوم الحطب
والهم عندي مقعد
…
ما عشت لا يقترب
إن أقشعت نائبة
…
منه تنامت نوب
وإن تناءى سبب
…
عنِّي تدانى سبب
فيا إلهي فرجًا
…
أو أجل يقترب
إذا أمرَّت عيشة
…
فالموت منها أطيب
[40]
إبراهيم بن أبي عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن يوسف، أبو إسحاق الأنصاريُّ الإسكندريُّ.
شاب قصير أسمر شديد السمرة، كوسج، يتطلَّس بزي بلده /75 أ/ أخبرني أنَّه ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة، تفقه على مذهب الإمام مالك ابن أنس –رشي الله عنه- وتأدّب على أبي زكريا يحيى بن معط بن عبد النور الزواوي النحوي المغربي؛ وذكر لي أنه سافر إلى بلاد اليمن والهند والعراق والشام والروم.
شاهدته بالموصل أواخر سن اثنتين وثلاثين وستمائة؛ فرأيته رجلاً ذا عناية بفن المنثور والمنظوم، حلو الحديث، لطيف المحاورة، جميل المحاضرة؛ له لسان وفصاحة، وقبول عند الكبراء، وفيه دماثة وكياسة، ترغب الناس في عشرته، ويتقبلونه ويقبلون عليه حلس منزله. لم يمدح أحداً رجاء نائله وجدواه إلاّ رياضة لخاطره.
أنشدني لنفسه: [من الطويل]
رعى الله أيَّامًا مضين بجلِّق
…
لقلبي عليها أنَّه وتوجُّع
رحلت وأبراد الشَّباب قشيبة
…
وعدت وأسمال المشيب ترقَّع
وأنشدني أيضًا شعره: [من الطويل]
تصفَّح تصانيف الأنأم تجد بها
…
عقولاً صحاحًا تارة ومراضا
/75 ب/ فإن زرت مرضاها وجدت رياضة
…
وإن رضت أرضاها رأيت رياضا
وأنشدني أيضًا: [من المديد]
ليس لي في غيرهم طمع
…
وصلوا في الحبِّ أم قطعوا
أوجعوا قلبي ببينهم
…
واستمرَّ البين والوجع
[ف] كأنِّي بعد بعدهم
…
في الورى بالعيش انتفع
وأنشدني أيضًا قوله: [من الرمل]
بات يسقيني رشًا كالقمر
…
يمزج المرِّيخ لي بالمشتري
بكؤوس من لجين أبيض
…
ملئت لي من نضار أصفر
فوق أرض بسطت من سندس
…
رصِّعت فيه نجوم الدُّرر
ذات عرض حفَّ بالتُّرك فلمً
…
أر فيه غير أحوى أحور
وله ثوب جمال أحمر
…
ذو طراز من عذار أخضر
[41]
إبراهيم بن عرب بن عبد الرحمن .... الشيباني.
أخبرني أنه ولد سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدس –حمى الله حوزته-.
أنشدني لنفسه: [من الرجز]
يا خاضب الشَّيب وفي ظنِّه
…
أنَّ خضاب الشَّيب لا يشينه
.. ..... ..... ..... ............. في ذقنه
وأنشدني أيضًا لنفسه، وكتبها إلى تاج الدين الصرخدي يلتمس شيئًا من شعره، فأبطأ عليه إنفاذه:[من الخفيف]
.. ..... ...... تاج الدين عن شاكر عد إحسانه
هذه حالة عذرناك فيها
…
درر التَّاج لا تزال مصانه
وأنشدني لنفسه في إنسان كبير الأنف: [من الخفيف]
.............. أنف عظيم
…
في خياشيمه يضيع الفيل
ولأنفاسه صفير إذا ما
…
سمعت قيل قام إسرافيل
وأنشدني أيضًا قوله في المعنى:
وأعجب شيء في الذي
…
أنفه يوازي باقي اسمه
. ..... ...... ............... من أنفه في المجرّة]