الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذه أبيات رقيقة الحواشي عذبة المجاني متناسبة الألفاظ بعيدة المعاني. وأنشدني أعز الله نصره، في امرأة أصابها الجدري، وما أظنه سُبق إلى هذا المعنى:
ولمّا التظى في القلب نار غرامها
…
تمثّل في الأحشاء شبه شَرارها
كذاكَ يكونُ الماءُ في غليانهِ
…
يمجّ حَباباً من شديدِ أوارِها
وأنا أذكر ما سمعته في الجدري، فمن ذلك:
وقالوا شانه الجدريّ فانظر
…
إلى وجه به أثرُ الكلومِ
فقلتُ ملاحةً نُثرتْ عليه
…
وما حسنُ السماءِ بلا نجومِ
ومنه:
يا قمراً جُدّر لما استوى
…
فزاده حسناً وزادت هموم
كأنما غنّى لشمس الضحى
…
فنقّطته طرباً بالنجوم
وقريب منه:
لنا جربٌ من البنان نحكه
…
رضينا به والحاسدون غضابُ
وكنَّا معاً كالماءِ والراحِ صحبةً
…
علانا لفرطِ الامتزاجِ حبابُ
ومثل هذا:
يا صروف الدهر خبِّي
…
أيّ ذنب كان ذنبي
علّة خصّت وعمّت
…
من حبيب ومحبّ
دبَّ في كفيه يا من
…
حبّه دبّ بقلبي
فهو يشكو حرَّ حَبٍّ
…
واشتكى بي حرَّ حبِّ
الحديث ذو شجون وإنما ذكرت أبيات المخدوم، عز نصره، استحساناً لدرها المنتظم، وختمت بها وصف النسيب إذ العقد بالدرة الحسناء يختتم.
وصف في الخمر
وما يتصل بها وذكر مجالسها وما ينضاف إليها ويناسبها من الغناء والمغنين
ووصف الربيع والأزهار والرياحين وغير ذلك.
كان يقال: إن الشراب مشمة الملك وتاج يده وعروس مجلسه وتحفة نفسه وقيم جسده ودواء همه وحافظ بدنه وشفاء حزنه، لم يزل بتوليد التودد معروفاً وبتآلف الشمل المتبدد موصوفاً، إن تمشى في عظام الإخوان منحهم صدق الحس وذكاء النفس، وإن جرى في مفاصل الندمان أباحهم فراغ البال، وإن تطرب إلى شربه ذو أدب أو ارتاح لمصافحته ذو حسب طال باعه ورحب ذراعه وزين لنفسه الجود وبذل منها فوق الموجود وتطوع بالإحسان وتناسى جرائم الزمان ولم يفكر في عواقب الحدثان ورغب في التوسع ومدح التشجع.
أقول: إن في هذه الأوصاف ما هو بالذم أليق وفي باب هجاء الشراب أدخل.
وقيل: إن الشراب أجلب الأشياء للسرور الكامل وأصنعها للفرح العاجل، يمازج الأشباح ويراوح الأرواح ويؤدي إلى نشاط القوى وانبساط المنى ويعفى من الحذر ونصبه والتحرز وتعبه، ويحبب المزاح والمفاكهة وينغص الاستقصاء والمحادة ويزيل عن المقتصد في شربه العارف مقدار منفعته في تحصيل لذته تفقد الحشمة وكد المروة.
وقيل: إن من خصائص الشراب جودة الهضم ونفي الهم ودفع مضرة الماء وإزالة مكروه الدواء، قال الأعشى:
وكأسٍ شربتُ على لذةٍ
…
وأخرى تداويتُ منها بها
ليعلمَ منْ لامَ أنّي امرؤٌ
…
أتيتُ اللذاذةَ من بابها
البيت الأول أخذه أبو نواس فقال:
دعْ عنكَ لومي فإنّ اللوم إغراءُ
…
وداوني بالتي كانت هي الداءُ
ولأبي نواس في الخمريات بدائع رائعة هي للإحسان جامعة، وأنا أذكر ما يخطر من أشعاره فيها وأشعار غيره غير مراع أزمنة الشعراء وتقدمهم وتأخرهم ولكن بقدر ما يسنح. قال أبو نواس:
وندمانٍ يرى غبناً عليه
…
بأنْ يمسي وليس به انتشاءُ
إذا نبّهته من نومِ سكرٍ
…
كفاهُ مرةً منكَ النداءُ
وليس بقائلٍ لك إيهِ دعني
…
ولا مستخيرٍ لك ما تشاءُ
ولكن سقِّني ويقول أيضاً
…
عليك الصرفَ إن أعياكَ ماءُ
أراد أن يقول: ولكن يقول سقّني فحذف يقول اختصاراً واكتفاءً بيقول الثانية. وقال أيضاً:
أثنِ على الخمرِ بآلائها
…
وسمِّها أحسنَ أسمائها
لا تجعلِ الماءَ لها قاهراً
…
ولا تسلِّطها على مائها
كرخيّةً قد عُتِّقت حقبةً
…
حتى مضى أكثر أجزائها
فلم يكد يُدركُ خمّارها
…
منها سوى آخرِ حوبائها
والخمرُ قد يشربُها معشرٌ
…
ليسوا إذا عُدوا بأكفائها
وقال أيضاً:
يا ليلةً بتُّها أُسقّاها
…
ألهجني طيبها بذكراها
تلهّبُ الكاسُ من تلهّبها
…
وتحسرُ العينُ أنْ تقصّاها
كأنَّ ناراً بها محرّشةً
…
نهابُها تارةً ونغشاها
كان لها الدهرُ من أبٍ خلفاً
…
في جحرهِ صانَها وربّاها
وحثحثتْ كأسها مُقرطقةٌ
…
لو مُنِّيَ الحسنُ ما تعدَّاها
إذا اقتضاها طرفي لها عدةً
…
عرفتُ مردودها بفحواها
وقال:
دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ
…
وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها
…
لو مسّها حجرٌ مسّتهُ سرَّاءُ
ومنها:
طافتْ بإبريقِها والليلُ معتكرُ
…
فلاحَ من نورِها في البيتِ لألاءُ
فأُرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةً
…
كأنّما أخذُها بالعينِ إغفاءُ
رقَّت عن الماءِ حتى ما يلائمُها
…
لطافةً وجفا عن شكلها الماءُ
فلو مزجتْ بها ناراً لمازجها
…
حتى تولَّد أنوارٌ وأضواءُ
لتلكَ أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ
…
كانتْ تحلُّ بها هندٌ وأسماءُ
هذا البيت يكرر أبو نواس معناه كثيراً، وقال:
أيا باكيَ الأطلالِ غيَّرها البلى
…
بكيتَ بعينٍ لا يجفُّ لها غربُ
يقول منها:
وندمانِ صدقٍ باكرَ الراح سحرةً
…
فأضحى وما منه اللسانُ ولا القلبُ
وحاولَ نحو الكأسِ مشياً فلم يطقْ
…
من الضعفِ حتى جاءَ مختبطاً يحبو
فقلنا لساقينا اسقهِ فانبرى له
…
رقيقٌ بما سُمناهُ من عسلٍ ندبُ
فناولهُ كأساً جلتْ عن فؤادهِ
…
فناولهُ أخرى فثارَ له لبُّ
تغنَّى وما دارتْ لهُ الكأسُ ثالثاً
…
تعزَّى بصبرٍ بعد فاطمةَ القلبُ
وقال أيضاً:
قطرُ بلٌ مربعي ولي بقرى ال
…
كرخِ مصيفٌ وأمِّيَ العنبُ
تُرضعني درَّها وتلحفني
…
بظلها والهجير يلتهبُ
يقول فيها:
فقمتُ أحبو إلى الرضاعِ كما
…
تحاملَ الطفلُ مسّهُ السغبُ
حتى تخيرتُ بيتَ دسكرةٍ
…
قد عجمتها السنون والحقبُ
هتكتُ عنها والليلُ معتكرٌ
…
مهلهلَ النسجِ ماله هدبُ
يريد نسج العنكبوت.
فاستوسقَ الشربَ للندامى وأج
…
راها علينا اللجينُ والغربُ
اللجين الفضة والغرب الذهب يريد حكت الفضة بمائها والذهب بلونها، وعلى الأول يكون قد أخذه ابن المعتز فقال:
وخمّارةٍ من بنتِ المجوسِ
…
ترى الزقَّ في بيتها شائلا
وزنا لها ذهباً جامداً
…
فكالتْ لنا ذهباً سائلا
وقد أوضحه أبو نواس في بقية الأبيات وهي:
أقولُ لمّا حكتهما شبهاً
…
أيّهما للتشابهِ الذهبُ
هما سواءٌ وفرقُ بينهما
…
أنّهما جامد ومنسكبُ
ملسٌ وأمثالُها محفرةٌ
…
صُور فيها القسوسُ والصلبُ
يتلونَ إنجيلَهم وفوقهم
…
سماءُ خمرٍ نجومُها الحببُ
كأنّها لؤلؤٌ تُبدِّدهُ
…
أيدي عذارى أفضى بها اللعبُ
الملس: الأقداح التي لا نقش عليها، والمحفرة: المنقوشة، والقسوس: الصور التي على الأقداح، يقول: إن الخمر علت هذه الصور حتى صارت لها سماء والنجوم حبابها. وقال:
ساعٍ بكأسٍ إلى ناشٍ على طربِ
…
كلاهما عجبٌ في منظرٍ عجبِ
قامتْ تُريني وأمرُ الليلِ مجتمعٌ
…
صبحاً تولَّد بين الماء والعنبِ
كأنَّ صغرى وكبرى من فواقعها
…
حصباءُ درٍّ على أرضٍ من الذهبِ
من كفِّ ساقيةٍ ناهيكَ ساقيةً
…
في حسنِ قدٍّ وفي ظرفٍ وفي أدبِ
وقال من أخرى:
أعاذلَ أعتبتُ الإمامَ وأعتبا
…
وأعربتُ عمَّا في الضميرِ وأعربا
أعتبت: رجعت، يقال: لك العتبى: أي لك الرجوع إلى ما تحب، وأعربت: أفصحت.
وقلتُ لساقينا أجزْها فلم يكنْ
…
ليأبى أميرُ المؤمنين وأشربا
فجوَّزها عني عقاراً ترى لها
…
إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنّبا
ترى حيثُ ما كانتْ من البيتِ مشرقاً
…
وما لم تكن فيه من البيت مغربا
أخذه من قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها ال
…
خالق أن لا تكنها السدَفُ
ومنها:
إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلتهُ
…
يقبِّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
سقاهم ومنّاني بعينيهِ منيةً
…
فكانتْ إلى قلبي ألذّ وأعجبا
وقال أيضاً:
دعِ الأطلال تسفيها الجنوبُ
…
وتبلي عهدَ جدَّتها الخطوبُ
وخلِّ لراكبِ الوجناءِ أرضاً
…
تخبُّ بها النجيبةُ والنجيبُ
الوجناء: الناقة الصلبة. وقيل: العظيمة الوجنات.
إذا رابَ الحليبُ فبلْ عليه
…
ولا تحرجْ فما في ذاك حوبُ
فأطيبُ منه صافيةٌ شمولٌ
…
يطوفُ بكأسها ساقٍ أديبُ
يمدُّ بها إليكَ يداً غلامٌ
…
أغنّ كأنّه الرشأُ الربيبُ
وقال:
كلّ ميتٍ محرمٌ فأدرْها
…
غيرَ مقتولةٍ بكأسِ المزاجِ
وقال:
باكر صباحك بالصبوح ولا تكن
…
كمسوّفين غدوا عليك شحاحا
قال ابغني المصباح قلت له اتئد
…
حسبي وحسبك ضوؤها مصباحا
فسكبت منها في الزجاجة شربةً
…
كانت له حتى الصباح صباحا
من قهوة جاءتك قبل مزاجها
…
عطلاً فألبسها المزاجُ وشاحا
عمرتْ يكاتمك الزمانُ حديثَها
…
حتى إذا بلغَ السآمةَ باحا
وقال من أخرى:
جريتُ مع الصِّبا طلقَ الجموحِ
…
وهانَ عليَّ مأثورُ القبيحِ
وجدتُ ألذَّ عارية الليالي
…
قرانَ النغمِ بالوترِ الفصيحِ
ومسمعةٍ إذا ما شئتَ غنتْ
…
متى كانَ الخيامُ بذي طلوحِ
تمتَّع من شبابٍ ليسَ يبقى
…
وصلْ بعرى الغبوقِ عرى الصبوحِ
الغبوق: شرب الليل، والصبوح: شرب الصباح.
وخذها من مشعشعةٍ كميتٍ
…
تحركُ درةَ الرجلَ الشحيحِ
المشعشعة: الخمر التي قد راق مزاجها.
تخيرها لكسرى رائداهُ
…
لها حظانِ من لونٍ وريحِ
الرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ، يقال: الرائد لا يكذب أهله. وقال:
يا أخوتي ذا الصباحُ فاصطبحوا
…
فقد تغنَّت أطيارُه الفصحُ
هبُّوا خذوها فقد شكانا إلى ال
…
إبريقِ من طولِ نومنا القدحُ
صرفاً إذا شجّها المزاجُ بأي
…
دي شاربيها تولّد الفرحُ
وقال:
عاذلي في المدام غيرَ نصيحِ
…
لا تلمْني على شقيقةِ روحي
لا تلمني على التي فتنتني
…
وأرتني القبيحَ غير قبيحِ
قهوةٌ تتركُ الصحيحَ سقيماً
…
وتعيرُ السقيمَ ثوبَ الصحيحِ
إنّ بذلي لها لبذلُ جوادٍ
…
واقتنائي لها اقتناءُ الشحيحِ
وقال:
لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ
…
واشربْ على الوردِ من حمراء كالوردِ
كأساً إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها
…
أحذتْه حمرتها في العينِ والخدّ
أحذته: من الحذيا، وهي العطية.
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ
…
من كفِّ جاريةٍ ممشوقة القدِّ
تسقيكَ من ريقها ضمراً ومن يدها
…
خمراً فما لك من سكرينِ من بدِّ
لي نشوتانِ وللندمانِ واحدةٌ
…
شيءٌ خُصصتُ به من بينهم وحدي
وقال:
ألا سقِّني خمراً وقل لي هي الخمرُ
…
ولا تسقني سرّاً إذا أمكنَ الجهرُ
فما الغبنُ إلاّ أنْ تراني صاحياً
…
وما الغنمُ إلاّ أنْ يتعتعني السكرُ
فبحْ باسمِ من تهوى ودعني من الكنى
…
فلا خيرَ في اللذاتِ من دونها سترُ
وقال:
أعطتك ريحانَها العقارُ
…
وحانَ من ليلكَ انسفارُ
يقول: إنه شربها فتحوّل طيبها إليه، وقيل: كانت كلون بعض الرياحين فلما شربتها حولت ذلك اللون إلى خدك. ومثله: أخذتك حمرتها.
وأخذه من الأعشى في قوله:
فانعمْ بها قبلَ رائعاتٍ
…
لا خمرَ فيها ولا خمارُ
ووقرِ الكأسَ عن سفيهٍ
…
لأنَّ آيينَها الوقارُ
آيينَها: هيئتها وما يصلحها.
تحيرتْ والنجومُ وقفٌ
…
لم يتمكنْ بها المدارُ
فلم تزلْ تأكلُ الليالي
…
جثمانَها ما بها انتصارُ
حتى إذا مات كلّ ذامٍ
…
وخُلصَ السرُّ والنجارُ
سرّ كل شيء: خالصه.
عادتْ إلى جوهرٍ لطيفٍ
…
عيانُ موجودهِ ضمارُ
ويروى: آلت أي رجعت، يقول: معاينة ما وجد مني خفيّ.
كأن في كأسِها شراباً
…
يخيلهُ المهمهُ القفارُ
لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلّت
…
فدهرُ شرابِها نهارُ
ما أسكرتني المدام لكن
…
مديرُ عينٍ بها احورارُ
وقال من أخرى:
دعْ لباكيها الديارا
…
وانفِ بالخمرِ الخمارا
واشربنها من كميتٍ
…
تدعُ الليلَ نهارا
بنت عشرٍ لم تُعاينْ
…
غيرَ نارِ الشمسِ نارا
ثمّ شجتْ فأدارتْ
…
فوقها طوقاً فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالد
…
رِّ صغاراً وكبارا
فإذا ما اعترضته ال
…
عينُ من حيثُ استدارا
خلتهُ في جنباتِ ال
…
كأسِ واواتٍ صغارا
فإذا ما سلسلوها
…
أحْذتِ العينَ احمرارا
صبوها في الحلوق فبقي تتابع جريها شبيهاً بالسلاسل والحذيا.
من يديْ ساقٍ ظريفٍ
…
كسيَ الحسنَ شعارا
ومغنّ كلّما شئ
…
تُ تغنَّى وأشارا
رفعَ الصوتَ بصوتٍ
…
هاجَ للقلبِ ادِّكارا
صاحِ هل أبصرتَ بالحيّ
…
ينِ من أسماءَ نارا
وقال:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا
…
بها أثرٌ منهم جديد ودارسُ
مساحب من جر الزقاق على الثرى
…
وأضغاث ريحان جنيّ ويابسُ
الضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، وهذا البيت ينظر إلى قول امرئ القيس وإن لم يتضمن تشبيهاً:
كأنَّ قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً
…
لدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي
حبست بها صبحي فجددت عهدهم
…
وإني على أمثالِ تلك كابس
ولم أدرِ من هم غير ما شهدت به
…
بشرقي ساباط الديار البسابسُ
البسابسُ: الصحارى الواحد بسبس، وقالوا: سبسب فقبلوا، كما قالوا: جذب وجبذ، وكأنه نظر في هذا البيت إلى قول أبي خراش:
ولم أدرِ من ألقى عليهِ رداءهُ
…
ولكنه قد سلَّ من ماجدٍ محضِ
أقمتُ بها يوماً ويوماً وثالثاً
…
ويوماً له يوم الترحل خامسُ
تدور علينا الكاس في عسجديةٍ
…
حبتها بأنواع التصاويرِ فارسُ
العسجد: الذهب، يريد آنية ذهبية.
فللخمر ما زرّت عليه جيوبهم
…
وللماء ما دارت عليه القلانسُ
يريد أن الخمر صُبت إلى حلوق الصور التي على الأقداح والماء إلى رؤوسها. وقال:
قالوا كبرتَ فقلت ما كبرت يدي
…
عن أن تخبّ إلى فمي بالكاسِ
والراحُ طيبةٌ وليسَ تمامها
…
إلاّ بطيبِ خلائقِ الجلاسِ
وكأنَّ شاربها لفرطِ شعاعها
…
بالليل يكرع في سنا مقباضِ
وقال:
كفيتُ الصبا من لا يهش إلى الصبا
…
وجمعت منه ما أضاع مضيعُ
أعاذل ما فرطتُ في جنب لذةٍ
…
ولا قلت للخمار كيف تبيعُ
وقال:
ومدامة تحيا النفوسُ بها
…
جلتْ مآثرها عن الوصفِ
وتروى سجد الملوك لها، ومنها:
فتنفست في البيت إذْ مزجت
…
كتنفس الريحان في الأنفِ
من كفِّ ساقيةٍ مقرطقةٍ
…
ناهيكَ من حسنٍ ومن ظرفِ
نظرت بعينيْ جؤذرٍ خرقٍ
…
وتلفتتْ بسوالفِ الخشفِ
الجؤذر: ولد البقرة الوحشية، وخرق: لاصق بالأرض من الفزع، والسالفة: صفحة العنق. وقال:
وخيمةِ ناطورٍ منيفةٍ
…
تهمُّ يدا من رامها بزليلِ
منيفة: هضبة مرتفعة. يقال: زللك يا فلان تزل زليلاً إذا زل.
إذا عارضتْها الشمسُ فاءَ ظلالها
…
وإنْ واجهتْها آذنتْ بدخولِ
حلبتُ لأصحابي بها درةَ الصِّبا
…
بصفراءَ من ماءِ الكرومِ شمولِ
درة الصبا: ماء مطر كان بالصبا وروى قوم: درة الصبي. يقول: سقيتهم صفراء شمولاً فكأني حلبت لهم درة لهو وتصاب.
إذا نزلتْ دونَ اللهاةِ من الفتى
…
دعا همُّه من صدرهِ برحيلِ
وعاطيتُ من أهوى الحديثَ كما بدا
…
وذلّلتُ صعباً كانَ غيرَ ذليلِ
ويروى: غير ذلول، غير لين الرياضة، والذليل الممتهن، يقول: ذلك من لا يمتهنه أحد.
فغنَّى وقد وسَّدتُ يسرايَ خدهُ
…
ألا ربما طالبتُ غيرَ منيلِ
وقال:
أما ترى الشمسَ حلتِ الحملا
…
وطابَ وقتُ الزمانِ واعتدلا
ويروى:
وقامَ وزنُ الزمانِ واعتدلا
وغنتِ الطيرُ بعدَ عُجمتها
…
واستوفتِ الخمرُ حولها كملا
الخمر تُعصر والشمس في آخر الأسد وأول السنبلة ومن هذا إلى أن تحل الحمل سبعة أشهر وهذا لا يكون حولاً. والمعنى أنها استوفت حولاً مذ عقد الكرم وورق، وقيل: حولها: تغيرها، تحول في الدن وتتلون فإذا مضت لها هذه المدة قرّت ولزمت شيئاً واحداً ويكون هذا من حالت تحول حولاً والأول أجود.
وقول ثالث كان المبرّد يختاره، حولها: قوتها، من قولهم: لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
واكتستِ الأرضُ من زخارفها
…
وشيَ نباتٍ تخاله حللا
فاشربْ على جدةِ الزمانِ فقد
…
أصبحَ وجهُ الزمانِ مقتبلا
يقال هو مقتبل الشباب إذا لم يبن فيه أثر كبر وما أحسن هذا البيت لولا تكرار لفظة الزمان فيه.
كرخيّةً تتركُ الطويلَ من ال
…
عيشِ قصيراً وتبسطُ الأملا
تلعبُ لعبَ الشرابِ في قدحِ ال
…
قومِ إذا ما حبابها اتَّصلا
اتصل: قارب بعضه بعضاً، ويروى: انتضلا من النضال والأول أجود، والحباب معلوم. وقال:
يا ربَّ صاحبِ حانةٍ قد رعتُه
…
فبعثتهُ من نومهِ المتزمِّلِ
تزمّل بثوبه: تلفف به وتغطى.
يا صاحبَ الحانوتِ لا تكُ مشغباً
…
أنَّ الشرابَ محرمٌ كمحللِ
يقول: الخمر المطبوخ عندي سواء وقد فسره بقوله:
فدع الذي نبذتْ يداكَ وعاطني
…
للهِ درُّك من شرابِ الأرجلِ
أقول: إن أبا نواس أخذ هذا من حسان بن ثابت حيث قال:
إنَّ التي ناولتني فرددتُها
…
قُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهما حلبُ العصيرِ فعاطني
…
بمدامةٍ أرخاهما للمفصلِ
فإن رغبة حسان عن الممزوج كرغبة أبي نواس عن المطبوخ، ورغبة أبي نواس في الخمر كرغبة حسان في الصرف. نعود إلى أبيات أبي نواس:
ممّا تخيرها التجارُ ترى لها
…
قرصاً إذا ذيقتْ كقرصِ الفلفلِ
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنهُ
…
قبضُ النعاسِ وأخذهُ بالمفصلِ
المفصل: واحد مفاصل الأعضاء، والمِفصل، بالكسر: اللسان وإياه أراد.
عبقتْ أكفهمُ بها فكأنما
…
يتنازعون بها سخابَ قرنفلِ
السخاب: قلادة تتخذ من السك وغيره، ليس فيها جوهر والجمع سخب.
تسقيكها كفٌّ إليك حبيبةٌ
…
لا بدَّ إنْ بخلتْ وإنْ لم تبخلِ
أخذ أبو تمام هذا فقال في المدح:
ورأيتَني فسألتَ نفسك سيبها
…
لي ثمَّ جدتَ وما انتظرتَ سؤالي
كالغيثِ ليسَ له أُريدَ غمامهُ
…
أو لم يُردْ بدٌّ من التهطالِ
وقال:
كانَ الشبابُ مطيةَ الجهلِ
…
ومحسِّنُ الضحكاتِ والهزلِ
كانَ الجميلَ إذا ارتديتُ به
…
وخرجتُ أخطرُ صيِّتَ النعلِ
يقال: خطر بباله يخطر، بالضم، وخطر في مشيته يخطِر، بالكسر، بمداسٍ يصرُّ.
كانَ المشفعَ في مآربهِ
…
عندَ الفتاةِ ومدركَ التبلِ
والباعثي والناسُ قد رقدوا
…
حتى أكونَ خليفةَ البعلِ
والآمري حتى إذا عزمتْ
…
نفسي أعانَ يدي على الفعلِ
هذه الأبيات قد سبق ذكرها في وصف الشباب، وإنما ذكرتها ثانياً لما تضمنه باقيها من وصف ما أنا بصدده وهي:
فالآنَ صرتُ إلى مقاربةٍ
…
وحططتُ عن ظهر الصبا رحلي
والكأسُ أهواها وإنْ رزأتْ
…
بلغَ المعاشِ وقللتْ فضلي
رزأت: نقصت، وبلغ المعاش: القوت، وهو جمع بُلغة، وقللت فضلي: ذهبت بما عندي من فضل.
وقد أحسن مهيار ما شاء في قوله:
في بُلغِ العيشِ لي فضولٌ
…
فما التفاتي إلى الفضولِ
نعود إلى الأبيات:
ذُخرتْ لآدم قبلَ خلقتهِ
…
فتقدَّمتهُ بخطوةِ القبلِ
فأتاكَ شيءٌ لا تلامسهُ
…
إلاّ بحسنِ غريزةِ العقلِ
فترود منها العين في بشرٍ
…
حرِّ الصفيحةِ ناصعٍ سهلِ
ترود: تذهب وتجيء، وحرّ: كريم، والصفيحة: جلدة الوجه وبشرته، ناصع: ظاهر اللون خالص.
حتى إذا سكنتْ جوانحُها
…
كتبتْ بمثلِ أكارعِ النملِ
جمح الفرس جموحاً وجماحاً: إذا غلب فارسه، والجموح من الرجال: الذي يركب هواه فيتعذر رده، يريد أن زبدها لما سكنت كان كأكارع النمل دقة وخفاء.
وقال:
لا تعرِّجْ بدارسِ الأطلالِ
…
واسقنيها رقيقةَ السربالِ
مات أربابها وبادت قُراها
…
وبراها الزمانُ بريَ الخلالِ
عُتقت في الدنانِ حتى استفادتْ
…
نورَ شمسِ الضحى وبردَ الظلالِ
ولعمر المدام إنْ قلتَ فيها
…
إنَّ فيها لموضعاً للمقالِ
وقال:
اسقنا إنَّ يومنا يومُ رامِ
…
ولرامٍ فضلٌ على الأيامِ
يوم رام: يوم أحد وعشرين من كل شهر من شهور الفرس، وشهرهم ثلاثون يوماً أبداً، ولكل يوم منها اسم. يقال: إنه كان لهم في يوم رام لذة وفرح.
من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعش
…
وقِ في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
بنتُ عشرٍ صفتْ ورقت فلو صُب
…
تْ على الليل راح كلّ ظلامِ
في رياضٍ بهيةٍ بكر النَّو
…
ءُ عليها بمستهلِ الغمامِ
وقال أيضاً:
أعاذلُ ما على وجهي قتومُ
…
ولا عرضي لأولِ منْ يسومُ
يفضّلني على الفتيانِ أني
…
أبيتُ فلا أُلامُ ولا أُليمُ
أي لا آتي ما ألامُ عليه أي أعذل.
شُققتُ من الصبا واشتُقَّ مني
…
كما اشتقَّت من الكرمِ الكرومُ
فلستُ أُسوِّفُ اللذاتِ نفسي
…
مساومةً كما دُفع الغريمُ
ولا بمدافعٍ للكأسِ حتى
…
يهيِّجني على الطربِ النديمُ
ومتّصل بأسبابِ المعالي
…
لي في كلِّ مكرمةٍ حميمُ
رفعتُ له النداءَ بقمْ فخذْها
…
وقد أخذتْ مطالعها النجومُ
فقمتُ فقام من أخوين هاجا
…
على طربٍ وليلهما بهيمُ
أجرُّ الزقَّ وهو يجرُّ رِجلاً
…
يجورُ بها النعاسُ ويستقيمُ
وقال:
ألا لا أرى مثلَ امترائي في رسم
…
تغصُّ به عيني ويلفظه وهمي
ويروى: ألا لا أرى مثلي امترى اليومَ في رسمِ ماريت الرجل أماريه مراء: إذا جادلته، والمرية: الشك، وقوله: تغص به عيني: أي تمتلئ بالدمع معرفة، ثم ينكره وهمي لتغيره.
أتتْ صورةُ الأشباه بيني وبينها
…
فجهلي كلَا جهلٍ وعلمي كلَا علمِ
فطبْ بحديثٍ عن نديمٍ مساعدٍ
…
وساقيةٍ سنّ المراهقِ للحلمِ
ضعيفةُ كرِّ الكرفِ تحسبُ أنّها
…
حديثةُ عهدٍ بالإفاقةِ من سقمِ
هذا هو الشعر الذي تطرب له النفوس فرحاً ومسرة، ويلوح على وجه المعاني الرائقة غرة، وماذا عسى أن يقال في شيخ الصناعة وفارس البراعة.
وإنّي لآتي الوصلَ من حيثُ يُتَّقى
…
ويعلمُ سهمي حين أنزعُ من أرمي
النزع في القوس مدها، أخذه من قول ابن الدمينة:
وإنّي لآتي الأمرَ من حيثُ يتَّقى
…
وأرعى الحمى من حيثُ لم يدرِ حاجره
المحجر، بالفتح: ما حول القرية، ومن محاجر أقيال اليمن: وهي الأحماء، وكان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره.
وقال أبو نواس:
صفةُ الطلولِ بلاغةُ الفدْم
…
فاجعلْ صفاتكَ لابنةِ الكرمِ
لا تخدعنَّ عن التي جُعلتْ
…
سقمَ الصحيحِ وصحةَ السقمِ
سقم الصحيح: الخمار وذهاب العقل، وصحة السقم: النفع الحاصل من شربها والنشاط العارض منه.
وصديقةِ النفسِ التي حُجبتْ
…
عن ناظريك وقيِّم الجسمِ
شُجتْ فغالت فوقها حبباً
…
متراصفاً كتراصفِ النظمِ
غالت: رفعت، والرَّصفة، بالتحريك: واحدة الرصف، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض أي مصففة.
فعلامَ تذهلُ عن مشعشعةٍ
…
وتهيمُ في طللٍ وفي رسمِ
تصفُ الطلولَ على السماعِ بها
…
أفَذو العيانِ كأنت في العلمِ
وإذا وصفتَ الشيءَ متبعاً
…
لم يخلُ من سقطٍ ومن وهمِ
هو يخاطب المحدثين من الشعراء الذين وصفوا الطلول اتباعاً لمن وصفها مشاهداً لها، يقول: لست في وصفك لها بالسماع كمن وصفها وشاهدها.
وقال:
يا شقيقَ النفسِ من حكمِ
…
نمتَ عن ليلي ولم أنمِ
فاسقني البكرَ التي اختمرتْ
…
بخمار الشيبِ في الرَّحمِ
اختمرت: لبست خمار الشيب في دنها فبلغت أقصى السن ولم تخرج عنه، وجعله كالرحم للطفل. وقيل: إنه نسج العنكبوت. وقيل: إن أول ما تنفطر الكرمة يخرج منها شيء أبيض شبيه بالقطن. وأقول: إنه لما وصفها بطول المكث حسن أن يقول: اختمرت بخمار الشيب، لموضع طول مدتها وعتقها وخدرها. وزاده حسناً قوله: في الرحم، لأنها قد بلغت سن من لو كان يشيب لكان قد اختمر بخمار الشيب، وهذا واضح جيد.
ثمتَ انصاتَ الشبابُ لها
…
بعدما جازتْ مدى الهرمِ
كأنها صوتت له فانصات مثل دعته فاندعى.
فهيَ لليومِ الذي بُزلتْ
…
وهيَ تلوُ الدهر في القدمِ
عُتقتْ حتى لو اتصلتْ
…
بلسانٍ ناطقٍ وفمِ
لاحتبتْ في القومِ ماثلةً
…
ثمَّ قصتْ قصةَ الأممِ
قرعتْها بالمزاجِ يدٌ
…
خُلقتْ للكأسِ والقلمِ
في ندامى سادةٍ زهرٍ
…
أخذوا اللذات من أممِ
فتمشتْ في مفاصلهم
…
كتمشي البرءِ في السقمِ
فعلتْ في البيتِ إذْ مُزجتْ
…
مثلَ فعلِ الصبحِ في الظلمِ
فاهتدى ساري الظلامِ بها
…
كاهتداءِ السفرِ بالعلمِ
أقول: إني إنما ابتدأت بأشعار أبي نواس في الخمر لأنه أكثر الناس إحساناً فيها، وأولهم استقصاء لمعانيها، وأسبقهم إلى التنوق في أوصافها وألقابها، وأكثرهم معاقرة لندمانها وشرابها، وأوفاهم تشوقاً إليها وتطرباً عليها، وأبلغهم قولاً في نعوتها الرائقة وصفاتها الفائقة، وإن وجد لمن تقدمه شيء من ذلك فإنما يوجد القليل النادر، ومن تأخر عن زمانه عيال عليه وتبع له. وها أنا أذكر ما يخطر من الأشعار والأخبار فيها على حسب ما اشترطته في هذا الكتاب.
كان يقال: للشراب حدان: حد لا هم فيه، وحد لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني. مر أنوشروان وكان يعجبه الورد بوردة ساقطة، فقال: أضاع الله من أضاعك ونزل فأخذها وقبّلها وشرب مكانها سبعة أيام.
قال جميل:
فلمّا ماتَ من طربٍ وسكرٍ
…
رددتُ حياتهُ بالمسمعاتِ
فقام يجرُّ عطفيه خماراً
…
وكانَ قريبَ عهدٍ بالمماتِ
ابن نباتة السعدي:
نعمتُ بها يجلو عليَّ كؤوسه
…
أغرُّ الثنايا واضحُ الجيدِ أحورُ
فواللهِ ما أدري أكانتْ مدامةً
…
من الكرمِ تُجنى أم من الشمس تُعصرُ
إذا صبَّها جنحُ الظلامِ وعبَّها
…
رأيتَ رداءَ الليلِ يُطوى وينشرُ
الببغاء:
واجلُ شمسَ العقار في يدِ بدرِ ال
…
حسن يخدمكَ منهما النيِّرانِ
في كؤوسٍ كأنها زهرُ الخش
…
خاشِ ضمتْ شقائق النعمانِ
إنما سميت شقائق النعمان لأن النعمان بن المنذر رأى أرضاً كثيرة الشقائق فحماها فنسب إليه.
واختدعها عندَ البزالِ بألفا
…
ظِ المثاني ومطرباتِ الأغاني
فهي أولى من العرائس إنْ زفَّ
…
ت بعزفِ الناياتِ والعيدانِ
قال ابن الجهم: قلت لجارية: نجعل الليلة مجلسنا في القمر، فقالت: ما أولعك بالجمع بين الضرائر، قلت: فأي الشراب أحب إليك، فقالت: ما ناسب روحي في الخفة ونكهتي في الطيب وريقي في اللذة ووجهي في الحسن، وخلقي في السلاسة.
ابن سكرة:
فما ترى في اصطباحِ صافيةٍ
…
بكرٍ حناها في الحانةِ الكبرُ
فهي لمنْ شمَّ ريحَها أثرٌ
…
وهي لمنْ رامَ لمسَها خبرُ
في روضةٍ راضها الربيعُ وما
…
قصَّر في وشيِ قصرها المطرُ
وقد نأى النأيُ بالعقولِ وما
…
قصّر في نيلِ وترهِ الوترُ
أشخص الوليد بن يزيد شراعة من الكوفة، وقال له: ما أحضرتك لأسألك عن كتاب الله ولا عن سنّة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: والله لو سألتني عنهما لألفيتني فيهما حماراً، قال: ولكن أسألك عن الفتوة، قال: أنا دهقانها الخبير وطبيبها الرفيق، قال: أخبرني عن الماء، قال: لا بد منه والحمار شريكي فيه، قال: فاللبن، قال: ما رأيته قط إلاّ استحييت من أمي من طول ما أرضعتنيه، قال: فالسويق، قال: فالسويق شراب الحزين والمريض والمستعجل، قال: فنبيذ التمر، قال: سريع الملي سريع الإنفاش ضرط كله، قال: فنبيذ الزبيب، قال: حومة يحامها حول الأمر، قال: فما تقول في الخمر، قال: تلك صديقة روحي، قال: وأنت صديقي فاقعد، أي الطعام أحب إليك، قال: ليس لصاحب النبيذ على الطعام حكم إلاّ أن أشهاه إليه أمره وأنفعه أدسمه، قال: فأي المجالس أطيب، قال: البراح ما لم تحرقه الشمس ويغرقه المطر والله يا أمير المؤمنين ما شرب الناس على شيء أحسن من وجه السماء.
شاعر:
كأنما عرضٌ في كفّ شاربها
…
تخالهُ فارغاً والكأس ملآنُ
ابن المعتز:
يا نديميَّ سقِّياني فقد لا
…
حَ صباحٌ وأذَّنَ الناقوسُ
من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍ
…
في نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ
وقال:
كأنهُ وكأنَّ الكأسَ في فمهِ
…
هلال أول شهرٍ غابَ بالشفقِ
ديك الجن:
فقامَ تكادُ الكأسُ تخضبُ كفهُ
…
وتحسبهُ من وجنتيهِ استعارها
مشعشعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنما
…
تناولها من خدهِ فأدارها
ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحها
…
وتأخذُ من أقدامِنا الراحُ ثارها
أخذه ابن الأصباغي فقال:
عقرتهم عقارة لو سالمت
…
شرابها ما سميتْ بعقارِ
ذكرت حقائدها القديمة إذْ غدتْ
…
قدماً تُداس بأرجل العقَّارِ
لانت لهم حتى انتشوا وتمكنتْ
…
منهم وصاحتْ فيهم بالثارِ
أبو عثمان الخالدي:
هتفَ الصبحُ بالدجى فاسقنيها
…
قهوةً تجعلُ الحليمَ سفيها
لستُ أدري من رقةٍ وصفاءٍ
…
هي في الكأسِ أم صبت الكأسُ فيها
ويقرب من هذا:
رقّ الزجاجُ ورقَّتِ الخمرُ
…
فتشابها وتشاكلَ الأمرُ
فكأنما خمر ولا قدح
…
وكأنما قدح ولا خمر
أبو طاهر بن حيدر:
مرحباً بالتي بها قُتل اله
…
مُّ وعاشتْ مكارمُ الأخلاقِ
وهي في رقةِ الصبابةِ والوج
…
دِ وفي قسوةِ النوى والفراقِ
لستُ أدري أمنْ خدودِ العذارى
…
سفكوها أو أدمعِ العشاقِ
آخر:
وأغيدُ معسولُ المراشفِ زارني
…
على فرقٍ والنجمُ حيرانُ طالعُ
فنازعتهُ الصهباءَ والليلُ ناصلٌ
…
رقيق حواشي البردِ والنسرُ واقعُ
عقارٌ عليها من دم الصبِّ نقطةٌ
…
ومن عبراتِ المستهامِ فواقعُ
معوّدة غصبَ العقول كأنما
…
لها عند ألباب الرجال ودائعُ
تدير إذا شجتْ عيوناً كأنها
…
عيون العذارى شق عنها البرقعُ
أشجع السلمي:
ولقد طعنتُ الليلَ في أعجازهِ
…
بالكأسِ بين غطارفٍ كالأنجمِ
يتمايلونَ على النعيمِ كأنَّهم
…
قضبٌ من الهندي لم يتثلّمِ
يسعى بها الظبي الغريرُ يزيدُها
…
طيباً ويغشمها إذا لم تغشمِ
فإذا أدارتها الأكفُّ رأيتها
…
تثني الفصيحَ إلى لسانِ الأعجمِ
تغلي إذا ما الشعريانِ تلظتا
…
صيفاً وتسكنُ في طلوعِ المرزمِ
ولها سكون في الإناء وخلفه
…
شغبٌ تطوّح بالكمي المعلمِ
تُعطي على الظلمِ الفتى بقيادها
…
قسراً وتظلمه إذا لم يظلمِ
شرب الأقيشر في حانة بالحيرة حتى نفد ما معه ورهن ثيابه، وكان شتاء ثم جلس في تبن هناك واجتاز رجل ينشد ضالته، فقال الأقيشر: اللهم ارددها إليه واحفظ عليها، فقال الحاني: ويحك أي شيء يحفظ ربك، قال: هذا التبن لا تأخذه فأموت برداً فضحك منه ورد ثيابه.
جلست عجوز من الأعراب إلى فتيان يشربون فسقوها قدحاً فطابت نفسها وتبسمت ثم سقوها آخر فاحمر وجهها وضحكت فسقوها ثالثاً، فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق أيشربن هذا الشراب، قالوا: نعم، قالت: زنين ورب الكعبة.
شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان، فقالوا له وقت السحر: قم فانظر هل تسمع أذاناً فأبطأ ساعة ثم رجع، وقال: اشربوا فإني لم أسمع إلاّ أذان سوء من مكان بعيد.
شرب بعضهم عند خمّار فلم يسكر فشكا إليه، فقال: اصبر فهذا يأخذ في آخره فلما انصرف أخذه الطائف وحُبس، فقال: صدق الخمّار قد أخذه في آخره.
وعاب مسلم بن الوليد أبا نواس في الخمر، وقال له: خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبك وما كذا يفعل الأدباء، فأطرق هنيهة، ثم قال:
فأول شربك طرْح الرداء
…
وآخر شربكَ طرحُ الإزارِ
وما هنأتك الليالي كمثل
…
إماتةِ مجدٍ وإحياءِ عارِ
وما جادَ دهرٌ بلذاتهِ
…
على منْ يضنُّ بخلعِ العذارِ
فانصرف مسلم آيساً من فلاحه، وهو يقول: جواب حاضر من شيخ فاجر. ويعجبني قول القائل في الاعتذار عن السكر:
إذا شربت ماء الحياء وجوهنا
…
تنقّل عنها ماؤها وحياؤها
إذا كانتِ الصهباءُ شمساً فإنَّما
…
يكونُ أحاديث الرجال هباؤها
وقد ظرف القائل:
كان منِّي على المدامةِ ذنبٌ
…
فاعفُ عنِّي فأنتَ للعفو أهلُ
لا تؤاخذْ بما يقولُ على السُّك
…
رِ فتًى ما له على الصحوِ عقلُ
آخر:
إذا ما صدمتني الكأسُ أبدتْ محاسني
…
ولم يخشَ ندماني أذاتي ولا بخلي
ولستُ بفحاشٍ عليه وإن أسا
…
وما شكلُ من آذى نداماه من شكلي
المعروف بالعطار المغربي:
وكأسٍ ترينا آيةَ الصبح في الدجى
…
فأوّلها شمسٌ وآخرها بدرُ
مقطّبةٌ ما لم يزرْها مزاجُها
…
فإنْ زارها جاءَ التبسمُ والبشرُ
فيا عجباً للدهرِ لم تخلُ مهجةٌ
…
من العشقِ حتى الماءُ تعشقهُ الخمرُ
خليليَّ هات الكأسَ ممزوجةَ الرضى
…
بسخطٍ فقد طابَ التنادمُ والسمرُ
ونبِّهْ لنا منْ كانَ في الشربِ نائماً
…
فقد نامَ جنحُ الليلِ وابتسمَ الفجرُ
ابن قاضي ميلة:
ومدامة عُني الرضاب بمزجها
…
فأطابها وأزارها التقبيلُ
ذهبية ذهبَ الزمانُ بجسمِها
…
قدماً فليسَ لجسمِها تحصيلُ
فكأنَّها شمسٌ وكفُّ مديرها
…
فينا ضحًى وفمُ النديمِ أصيلُ
الماهر:
هو يومٌ حلوُ الشمائلِ فاجمعْ
…
بكؤوسِ المدامِ شملَ السرورِ
منْ مدامٍ أرقّ من نفسِ الصّبِّ
…
وأصفى من دمعةِ المهجورِ
رقَّ جلبابها فلم يُرَ إلاّ
…
روحُ نارٍ تحلُّ في جسمِ نورِ
آخر:
وكأسٍ سباها السفرُ من أرضِ بابلٍ
…
كرقةِ ماءِ الحزنِ في الأعينِ النُّجلِ
إذا شجَّها الساقي حسبتَ حبابها
…
عيونَ الدبا من تحت أجنحةِ النملِ
آخر:
وزنّا الكأس فارغةً وملأى
…
فكانَ الوزنُ بينهما سواءَ
مثله، وأظنه لابن دريد، وهو أبلغ:
تقُلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغاً
…
حتى إذا مُلئتْ بصرفِ الراحِ
خفَّت فكادتْ أنْ تطيرَ بما حوتْ
…
وكذا الجسومُ تخفُّ بالأرواحِ
الببغاء يصف معصرةً:
ومعصرةٍ أنختُ بها
…
وقرنُ الشمسِ لم يغبِ
فخلتُ قرارَها بالرا
…
حِ بعضَ معادنِ الذهبِ
وقد ذرفت لفقد الكر
…
مِ فيها أعينَ العنبِ
وجاشَ عبابُ واديها
…
بمنهلٍّ ومنسكبِ
وياقوتُ العصير بها
…
يلاعبُ لؤلؤَ الحببِ
فيا عجباً لعاصرها
…
وما يفنى بها عجبي
وكيفَ يعيشُ وهو يخو
…
ضُ في بحرٍ من اللهبِ
التنوخي:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٍ
…
بدتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنه جامدٌ
…
وماءٌ ولكنّهُ غير جارِ
كأنّ المدير لها باليمين
…
إذا قام للسقي أو باليسارِ
تدرّع ثوباً من الياسمين
…
له فرد كمٍّ من الجلنارِ
إسحاق الموصلي:
كأنَّ أباريق المدام لديهم
…
ظباءٌ بأعلى الرقمتينِ قيامُ
وقد شربوا حتى كأنَّ رقابَهم
…
من اللينِ لم تُخلقْ لهنَّ عظامُ
ابن الرومي في قدح:
كفمِ الحبِّ في الحلاوةِ أو أش
…
فى وإنْ كانَ لا يناغي بحرفِ
تنفذ العينُ فيه حتى تراها
…
أخطأتهُ من رقةِ المستشفِّ
وسطُ القدّ لم يكبَّر لجرعٍ
…
متوالٍ ولم يصغَّر لرشفِ
لا عجولٌ على العقولِ جهولٌ
…
بل حليمٌ عنهنّ من غيرِ ضعفِ
ما رأى الناظرون قدّاً وشكلا
…
مثله فارساً على ظهر كفِّ
السري الرَّفَّاء الكندي الموصلي:
كستْكَ الشبيبةُ ريعانَها
…
وأهدتْ لكَ الراحُ ريحانَها
فدمْ للنديمِ على عهدهِ
…
وغادِ المدامَ وندمانَها
يقال: إنما سمي النديم نديماً لأنه تندم على مفارقته.
فقد خلع الأفقُ ثوبَ الدجى
…
كما نضتِ البيضُ أجفانَها
وساقٍ يواجهُني وجههُ
…
فتجعلهُ العينُ بستانَها
يتوّج بالكأسِ كفَّ النديمِ
…
إذ عقدَ الماءُ تيجانَها
فطوْراً يرشحُ ياقوتَها
…
وطوْراً يرصّعُ عقيانَها
وديرٍ شُغفتُ بغزلانهِ
…
وكدتُ أُقبِّلُ صلبانَها
سكرتُ بقطرُ بل ليلةً
…
لهوتُ فغازلتُ غزلانَها
وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْ
…
إليَّ فأنكرتُ إحسانَها
كان بعضهم يتحرج عن الخمر ويأمر غلامه بشراء المطبوخ، ويقول: حلّف الخمّار على أنه مطبوخ فإذا أتاه به، قال: هذا رديء لا صفاء له ولا لون، ولا يزال يردده حتى يأتيه بالخمر الصرفة، فيقول: أما استوثقت منه، فيقول: بلى واستحلفته، فيقول: أعرفه ثقة صادقاً وقد حج مرتين ثم يقعد ويشرب مطمئناً.
شرب جعفري ولهبي على سطح عال فسكر الجعفري ووثب من السطح، وقال: أنا ابن الطيار في الجنة، فوقع إلى الأرض متكسراً وكان في اللهبي بقية فقال: أنا ابن المقصوص في النار ولبد مكانه.
شرب كوران المغني عند بعض الرؤساء فافتقد رداءه وزعن أنه سرق، فقيل له: ويحك أتتهمنا به أما علمت أن بساط الشراب يُطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي واطووه إلى يوم القيامة.
المريمي في بعض التائبين:
إنْ كنتَ تبتَ عن الصهباءِ تشربها
…
نسكاً فما تبتَ عن برٍّ وإحسانِ
تبْ راشداً واسقنا منها وإن عذلوا
…
فيما فعلت فقل ما تابَ إخواني
وقد أحسن القاضي ابن سناء الملك غاية الإحسان في قوله:
أتاني حديثٌ ليتَني لا سمعته
…
فعنديَ منه مقعدٌ ومقيمُ
بأنَّ الحكيمَ الآنَ قد هجرَ الطِّلى
…
وتابَ فقلنا ما الحكيمُ حكيمُ
أتُهجرُ شمسُ الراحِ وهي منيرةٌ
…
ويتركُ بدرُ التمّ وهو وسيمُ
على الكوبِ من بعدِ الحكيمِ كآبةٌ
…
وللجامِ من بعدِ الحكيمِ وجومُ
ومن بعدهِ زوجُ الخلاعةِ طالقٌ
…
ومن بعدهِ أمُّ السرورِ عقيمُ
وعادت كؤوس الراح وهي سمائم
…
لدينا وأنفاسُ المدامِ سمومُ
وكم منَّةٍ عند الحكيمِ لكأسهِ
…
غدتْ ولها حقٌّ عليه عظيمُ
أنامتْ له منْ لا ينامُ وربَّما
…
أقامتْ له ما لا يكادُ يقومُ
وذلك إنعامٌ قضى بنعيمهِ
…
ومن جحدَ الإنعامَ فهو لئيمُ
فإنْ قالَ إني قد سقمتُ بشربها
…
فقد يعشقون الجفنَ وهو سقيمُ
وإن قال إني قد سلمتُ فإنه
…
كما قيل قدماً للديغِ سليمُ
وسكّتني إبليسُ حين عتبتهُ
…
بأن قال هذا الأمرُ ليسَ يدومُ
فإن تسألوني بالحكيمِ فإنني
…
حكيمٌ بأدواء الحكيمِ عليمُ
إذا ما خبا وهجُ المصيفِ فإنني
…
بتحليلِ ناموسِ الحكيمِ زعيمُ
على أنه كان قد تابَ مخلصاً
…
وخافَ عقابَ الله وهو أليمُ
فتوبتهُ من سوء ظنٍّ بربه
…
قبيحٌ وإلا فالكريمُ كريمُ
أخر، وأنشدنيه زين الدين الحافظي:
يعجبني شربيَ بالدور على
…
تسلسل الماء ببطنِ الجدولِ
أنا الذي حدثت عنه وتري
…
أقول بالدور وبالتسلسلِ
أنشد محيي الدين بن زيلاق لنفسه:
أنا في منزلي وقد وهب الل
…
هـ نديماً وقينةً وعُقارا
فابسطوا العذرَ في التأخر عنكم
…
شغلَ الحلي أهله أن يعارا
آخر:
راحٌ إذا علتِ الأكفّ كؤوسها
…
فكأنها من دونها بالراحِ
وكأنما الكاسات مما حولها
…
من نورها يسبحن في ضحضاحِ
لو بثَّ في غسق الظلام ضياؤها
…
طلع المساءُ بغرةِ الإصباحُ
نفضتْ على الأجسام صبغة لونها
…
وسرتْ بلذّتها إلى الأرواحِ
ومدامةٍ يخفى النهار لنورها
…
وتذلّ أكناف الدجى لضيائها
صبّتْ فأحدق نورها بزجاجها
…
فكأنها جعلتْ إناء إنائها
وتكادُ إن مزجت لرقّة جسمها
…
تمتازُ عندَ مزاجها من مائها
تزدادُ من كرمِ الطباعِ بقدر ما
…
يودي به الأزمانُ من أجزائها
لا شيء أعجب من تولد برئها
…
من سقمها ودواؤها من دائها
ابن المعتز:
بينَ أقداحهم حديثٌ قصيرٌ
…
هو سحرٌ وما عداه كلامُ
وكأنَّ السقاةَ بين الندامى
…
ألفاتٌ على سطورٍ قيامُ
الناجم:
فخذها مشعشعةً قهوةً
…
تصبّ على الليل ثوبَ النهارِ
ينازعها الخدّ جريالها
…
فتهديه للعينِ يومَ الخمارِ
الجريال الخمر، ويقال: جريال الخمر لونها، قال الأعشى:
وسبيةٌ مما تعتَّقُ بابلٌ
…
كدمِ الذَّبيحِ سلبتها جريالها
يقول: شربتها حمراء وبلتها بيضاء.
ابن دريد، وأجاد ما شاء:
وحمراءَ قبلَ المزجِ صفراءَ بعدهُ
…
بدتْ بين ثوبيْ نرجسٍ وشقائقِ
حكتْ وجنةَ المعشوقِ صرفاً فسلطوا
…
عليها مزاجاً فاكتستْ لونَ عاشقِ
ويعجبني قول القائل، وتروى ليزيد بن معاوية:
وإنيَ من لذاتِ دهري لقانعٌ
…
بحلو حديثٍ أو بمرِّ عتيقِ
هما ما هما لم يبق شيء سواهما
…
حديث صديقٍ أو عبيق رحيقِ
وفي وصف سكران:
فبتُّ أرى الكواكبَ دانياتٍ
…
ينلنَ أناملَ الرجلِ القصيرِ
أدافعهنّ بالكفين عني
…
وأمسحُ عارضَ القمرِ المنيرِ
ابن المعتز:
شربنا بالكبيرِ وبالصغيرِ
…
ولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ
فقد ركضتْ بنا خيلُ التصابي
…
وقد طرنا بأجنحةِ السرورِ
وقال وأحسن:
سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشعرها
…
شبيهةَ خدَّيها بغير رقيبِ
فما زلتُ في ليلينِ في الشعر والدجى
…
وصُبْحينِ من كأسٍ ووجهِ حبيبِ
أبو نواس:
نبّهْ نديمك قد نعس
…
يسقيك كأساً في الغلسْ
صرفاً كأنّ شعاعها
…
في كفّ شاربها قبسْ
مما تخير كرمها
…
كسرى بعانة واغترسْ
تذر الفتى وكأنما
…
بلسانه منها خرسْ
يدعى فيرفعُ رأسه
…
وإذا استقلَّ به نكسْ
السّريّ يستهدي شراباً:
تجنّبني حسنُ المدامِ وطيبها
…
فقد ظمئتْ نفسي وطالَ شحوبها
وعندي ظروفٌ لو تظرَّفَ دهرها
…
لما باتَ مغرىً بالكآبةِ كوبها
وشعثُ دنانٍ خاوياتٍ كأنها
…
صدورُ رجالٍ فارقتها قلوبها
فسقياكَ لا سقيا السحاب فإنما
…
بيَ العلةُ الكبرى وأنتَ طبيبها
وقال:
كبوةُ الهمِّ بين كأسٍ وكوبِ
…
واغتباطِ المحبِّ بالمحبوبِ
حبذا أسهمٌ تفوِّقها الألحا
…
ظُ لا تتقى بغير القلوبِ
وبواطٍ كأنهنَّ وهادٌ
…
أترعتها سجالُ غيثٍ سكوبِ
السجل: مذكر الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سجل، والجمع السجال، وسجلت الماء فانسجل، أي صببته فانصب، وأسجلت الحوض: ملأته.
وكأنَّ الكؤوسَ فيها جنوحاً
…
أنجمُ الليلِ صوّبتْ للمغيبِ
نحنُ أبناءُ هذه الكأسِ لا نعْ
…
دلُ عن شربها إلى مشروبِ
أدَّبتنا الأيامُ حتى أرتنا
…
بطشَ أحداثها بكلّ أديبِ
وعلمنا أنا نصيبُ المنايا
…
فأخذنا من المنى بنصيبِ
وقال:
خذوا من العيشِ فالأعمارُ فانيةٌ
…
والدهر منصرمٌ والعمرُ منقرضُ
في حاملِ الكأسِ من بدر الدجى خلفٌ
…
وفي المدامةِ من شمسِ الضحى عوضُ
كأنَّ نجمَ الثريا كفُّ ذي كرمٍ
…
مبسوطةً للعطايا ليسَ تنقبضُ
دارت علينا كؤوسُ الراحِ مترعةً
…
وللدجى عارضٌ في الجوِّ معترضُ
حتى رأيتَ نجوم الليلِ غائرةً
…
كأنهن عيونٌ حشوها مرضُ
قعد قوم يشربون في غرفة فغنى مغنيهم:
ومقعد قوم قد مشى من شرابنا
…
وأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا
فطرق عليهم الباب، فقالوا: ذا من، فقال: رجل أعور يطلب قدحاً ونصفاً لعل عينه تفتح.
قال رجل من الشرّاب: وجهت إليك رسولاً فلم يجدك. قال: ذاك وقتٌ لا أكاد أجد فيه نفسي.
حمل سكران على قفا حمّال إلى منزله فسأل الناس الحمّال، وقالوا: ما هذا؟ فرفع السكران رأسه وقال: بقية مما ترك آل موسى وهارون تحمله الملائكة.
قيل لشيخ: كم مقدار ما تشرب من الشراب؟ قال: مقدار ما أتقوى به على ترك الصلاة.
قال ابن عياش: كنت وسفيان الثوري وشريكاً نمشي بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت، فقلنا: هذا شيخ جليل قد سمع الحديث وقد رأى الناس، فتقدم إليه سفيان وكان أطلبنا للحديث ثم سلم عليه، وقال له: أعندك شيء من الحديث، فقال: أما الحديث فلا ولكن عندي عتيق سنتين فنظرنا فإذا هو خمّار.
قال الجاحظ: رأيت أسود بيده قنينةٌ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك، قال: أخاف أن تنكسر هذه القنينة قبل أن أسكر.
محمد بن علي الدينوري:
هبّوا إلى شرب الصبوح فإنما
…
لصبوحكم لا للصلاة أذاني
طلعت نجوم الراح في أيديهم
…
مثل النجوم وغبنَ في الأبدانِ
أخذه من شعر وجدته يروى ليزيد بن معاوية:
وشمسة كرمٍ بروجها قعر دنّها
…
ومطلعها الساقي ومغربها فمي
مسلم بن الوليد:
كأنها وسنانُ الماءِ يقتلها
…
عقيقةٌ ضحكتْ في عارضٍ بردِ
دارت عليه فزادتْ في شمائلهِ
…
لين القضيب ولحظ الشادن الغردِ
مشته لما تمشت في مفاصله
…
لعب الرياح بغصن البانةِ الخضدِ
يقال: خضدت العود فانخضد أي ثنيته فانثنى من غير كسر.
آخر:
سقني الخمر صراحا
…
لا تخف فيّ جناحا
أقراحٌ أنا حتى
…
أشرب الماء القراحا
آخر:
بدرٌ غدا يشرب شمساً غدتْ
…
وحدّها في الحسن من حدّهِ
تغرب في فيه ولكنها
…
من بعد ذا تطلع في خدِّهِ
ومثله، وهو أجود:
لو رام بحلف أنَّ الشمس ما غربت
…
في فيه كذّبه في وجهه الشّفقُ
وأحسن من هذا:
وشادن طاف بالكؤوس ضحى
…
وحثَّها والصبحُ ما وضحا
والروض مبد لنا زخارفه
…
وآسه العنبريّ قد نفحا
قلنا فأينَ الأقاح قال لنا
…
أودعتهُ ثغر من سقى القدحا
فظل ساقي المدام ينكر ما
…
قال فلما تبسّمَ افتضحا
ومثله:
أصبحتْ شمساً وفوه مغربا
…
ويد الساقي المحيي مشرقا
فإذا ما غربت في فمهِ
…
أطلعت في الخدِّ منه شفقا
آخر:
ومهفهفٍ تمت محاسنه
…
حتى تجاوز منيةَ النفس
في هذا البيت نظر لا يخفى على صاحب نظر.
أبصرته والكأس بين فم
…
منه وبينَ أنامل خمسِ
فكأنه والكأسُ في فمهِ
…
قمرٌ يقبّلُ عارض الشمسِ
عبد الله بن المعتز:
إن راحاً قال الإله لها كوني
…
فكانتْ روحاً وريحاً وراحا
درةٌ حيثما أديرتْ أضاءتْ
…
ومشمٌّ من حيثُ ما شمّ فاحا
وقال أبو تمام:
إذا عوتبتْ بالماء كانَ اعتذارها
…
لهيباً كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزلِ
إذا هي دبّتْ في الفتى ظنَّ قلبهُ
…
لما دبَّ فيه قريةً من قرى النملِ
إذا ذاقها وهي الحياةُ رأيته
…
يعبّسُ تعبيسَ المقدّمِ للقتلِ
ومن ها هنا قال الحسن بن رجاء لرجل شرب بحضرته كأساً فعبّس وجهه: ما أنصفتها تعبّس في وجهها وتضحك في وجهك. ومن هنا قال الآخر:
ما أنصفَ الندمانُ كأسَ مدامةٍ
…
ضحكت إليه فذاقها بتعبُّسِ
وقال آخر:
ظفرنا بها في الدَّن بكراً وبينها
…
وبين قطاف الكرم عادٌ وتبّعُ
فلما استقرت في الزجاج حسبتها
…
سنا النار في داجٍ من الليل يلمعُ
وقد أحسن أبو تمام وقد أنفذ له بعض أصدقائه شراباً غير مرضيّ فكتب إليه:
قد رأينا دلائلَ المنعِ أو ما
…
يشابه المنعَ باحتباسِ الرسولِ
وافتضحنا عند الندامى بما شا
…
عَ لدينا من قبحِ وجهِ الشمولِ
فاجأتنا كدراءُ لم تسبَ عن تس
…
نيم جريالها ولا السلسبيلِ
لا تهدَّى سبلَ العروق ولا تن
…
سابُ في مفصل بغيرِ دليلِ
وهي نزرٌ لو أنها من دموع الصبِّ
…
لم يشفَ منه حرُّ غليلِ
وكأنَّ الأناملَ اعتصرتْها
…
بعدَ كدٍّ من ماء وجهِ البخيلِ
كم صديقٍ قد امتحنّا نداهُ
…
واعتبرنا كثيرهُ بالقليلِ
ابن المعتز يصف الزق:
في مجلسٍ غابَ عنه عاذلهُ
…
نطردُ عنّا الهمومَ بالطربِ
والزِّقُّ في روضةٍ تسيلُ دماً
…
أوداجهُ جاثياً على الركبِ
قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: سألت محمد بن يزيد يعني المبرد عن قول المسيب بن علس:
وصهباءَ يستوشي بذي اللّبِّ مثلها
…
قرعتُ بها نفسي إذا الديكُ أعتما
تمزَّزتها صرفاً وقارعتُ دنَّها
…
بعودِ أراكٍ مدَّةً فترنَّما
فلم يجيبني بجواب أرتضيه ثم سألت عنه أبا أحمد عبيد الله بن طاهر في دار أمير المؤمنين المعتضد فقال لي: معنى تستوشي أي تستخرج ما عند ذي اللب مثلها به، وذلك كما تقول: استوشيت الحديث من فلان إذا استخرجته، وقوله: قرعت بها نفسي أي شربتها فقرعتني، ويقال: امتلأت بها نفسي، ويروى مثلها ثم وقف عن تفسير قارعت دنها وخرج أمير المؤمنين من دار الخلوة ونحن في المنازعة فأمر بكتب رقعة إلى أبي العباس أحمد بن يحيى، يعني ثعلباً، فورد الجواب مسنداً عن أبي عمرو بن العلاء: إن المعنى ضربت دنّها بالعود فلما طنّ علمت أني قد شربت ما فيه وقرعته. وعن الأصمعي غنيت ووقعت على الدن بعود أراكٍ فترنم وعلا صوته.
إبراهيم بن سيار النظام:
ما زلتُ آخذ روح الدنّ في لطفٍ
…
وأستبيح دماً من غير مذبوحِ
حتى انثنيتُ ولي روحان في جسدي
…
والدّنّ مطّرحٌ جسم بلا روحِ
وقال آخر:
إذِ الأباريق حولي
…
كأنهنَّ ظباءُ
مملآت ملاءً
…
دموعهنَّ طلاءُ
ابن المعتز:
خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْ
…
واشكُ الهمومَ إلى المدامة والقدحْ
واحفظْ فؤادكَ إن شربتَ ثلاثةً
…
واحذرْ عليه أنْ يطيرَ من الفرحْ
هذا دواءٌ للهمومِ مجرّبٌ
…
فاقبلْ مشورةَ ناصحٍ لك قد نصحْ
ودعِ الزمانَ فكم رفيقٍ حازمٍ
…
قد رامَ إصلاحَ الزمانِ فما صلحْ
وقال بعض الأعراب، إنما الأبيات لأبي نواس وله سبب وحكاية مع الرقاشي:
ومستطيل على الصهباء باكرها
…
في فتيةٍ باصطباح الراح حذّاقِ
وكلّ شيء رآه ظنّه قدحاً
…
وكل شخص رآه ظنّه الساقي
وقيل لبعض خلفاء بني أمية: ما يطيب في هذا اليوم؟ فقال: قهوة صفراء في زجاجةٍ بيضاء تناولنيها مقدودة هيفاء مضمومة لفّاء أشربها من يدها وأمسح فمي بفمها.
أقول: مقدودة أي حسنة القد معتدلة، يقال: قُدَّ قَدَّ السيف أي جعل حسن التقطيع، وهو صفة حركاته وأعضائه ومضمومة أي عقصت شعرها. واللفّاء: الضخمة الفخذين المكتنزة.
وقال ابن المعتز:
غدوتُ إلى كأسٍ ورحتُ إلى كاسِ
…
ولم أرَ فيما تشتهي النفسُ من باسِ
وملتبسٍ بالبدرِ في أعينِ الورى
…
من الناسِ إلاّ أنه أملحُ الناسِ
سقانيَ خمراً من يديهِ وريقهِ
…
فأسكرني سكرينِ من دونِ جُلاسي
وكمْ من نديمٍ سابقٍ إلى الكرى
…
وكمْ من نديمٍ قد سبقتُ إلى كاسِ
العطوي:
جارة لي أجارها الحس
…
ن من كلّ عائبِ
هي بينَ النساءِ كال
…
بدرِ بينَ الكواكبِ
لحظها قبل لفظها
…
من جليلِ المواهبِ
سألتني هل النبي
…
ذُ حلالٌ لشاربِ
قلت إي والذي يُري
…
نيك رغم الأقاربِ
اشربيهِ فإنَّ في
…
هـ لإحدى العجائبِ
يُنبتُ الوردَ في نقا
…
ءِ خدودِ الكواعبِ
وأجيبي بغيرِ قو
…
لٍ عن الحقِّ عازبِ
هل حلالٌ دماؤنا
…
للظباءِ الربائبِ
قالت استفتِ غيرَ
…
خصمك فعل الملاعبِ
وقال المأمون:
ردَّا عليَّ الكأسَ إنكما
…
لا تعلمانِ الكأسَ ما تجدي
خوفتماني الله ربّكما
…
وكخيفتيهِ رجاؤه عندي
إن كنتما لا تشربان معي
…
خوفَ العقاب شربتُها وحدي
ابن المعتز:
معتّقة صاغَ المزاجُ لرأسِها
…
أكاليلَ درٍّ ما لمنظومِها سلكُ
جرتْ حركاتُ الدهرِ فوقَ سكونها
…
فذابتْ كذوْب التبرِ أخلصهُ السبكُ
وقال الأعشى:
في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد علِموا
…
أنْ ليسَ تدفعُ عن ذي الحيلةِ الحيلُ
نازعتهمْ قضبَ الريحانِ متكئاً
…
وقهوةً مزَّةً راووقها خضلُ
يقال: أخضلت الشيء فهو مخضل إذا بللته، وشيء خضل: رطب، والخضل: النبات الناعم، والخضيلة: الروضة وأخضل اخضلالاً واخضوضل: ابتلّ.
وكتب أحمد بن أبي العلاء إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أنا سيفٌ على العِدى لك في الحر
…
بِ وفي السلم فابتذلني وصنِّي
ونديم إن لم يزرك نديم
…
ومغنّ إن لم يجئك مغنِّي
كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه عبيد الله:
يومنا طيّب يطيب به القص
…
ف وشُرب الأرطال والجامات
ولدينا ساقٍ أغرُّ أديبٌ
…
قد غنينا به عن القيناتِ
إنْ تخلفت عندما تصل الر
…
قعة عنّا فأنت في الأمواتِ
فأجابه:
أنا لو لم أُدعى تطفّلت حتى
…
أشتفي من حديث هذا المواتي
فاجعل الشرط بيننا لا تقل لي
…
قد تثاقلت فانصرف بحياتي
قال المأمون لجبريل بن بختيشوع: ما أخف النقل؟ ق نقل أبو نواس يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: قوله:
ما لي في الناس كلّهم مثلُ
…
ما بي خمر ونُقلي القبلُ
حتى إذا ما العيون قيل هدت
…
وحان نومي فمضجعي كفلُ
وقد قال أهل الأدب: لا فضيلة في السُّكر سوى فقدان الهموم، وذلك عند النظر لا يفي بفقدان العقل، قالوا: وفيه مع ذلك فضيلة خفية نافعة وهي جسارة من كان متيماً على إلفه.
قال العباس بن الأحنف:
أراني سأُبدي عندَ أولِ سكرةٍ
…
لديها هواها في ملاءٍ وفي سترِ
فإنْ رضيتْ كانَ الرِّضا سببَ الهوى
…
وإنْ غضبتْ منه أحلتُ على السكرِ
والناس لا يعتدّون بالسخاء المتولد على السكر.
قال زهير:
أخو ثقةٍ لا يُذهبُ الخمرُ مالهُ
…
ولكنّه قد يُذهبُ المالَ نائلهْ
وقال عنترة:
فإذا سكرتُ فإنَّني مستهلكُ
…
مالي وعِرضي وافرٌ لم يُكلمِ
وإذا صحوتُ فما أُقصِّرُ عن ندًى
…
وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي
وقد أحسن القائل:
يعيد عطايا سكره عند صحوه
…
ليعلمَ أنّ الجودَ منه على علمِ
ويسلم في الأنعام من قول قائلٍ
…
تكرّم لمّا خامرته ابنة الكرمِ
وقال بعضهم في معربد:
ومعربد أخرجته
…
للريح إذ آذى الندامى
أغلقتُ بابي دونه
…
وتركته يرعى الخُزامى
يرنو بعيني مبغضٍ
…
نظر الوصيّ إلى اليتامى
ولآخر يعتذر:
قد جرت بيننا هناتٌ من الشك
…
رِ كثار كبيرةٌ وصغارُ
وعثَار النبيذ عند ذوي الأخ
…
طارِ ما لا يكون منه اعتذارُ
فارمِ بالحقد عن فؤادِك فالأح
…
قادُ مما تُرمى بها الأحرارُ
ولبعد وجهه الذي كان لي
…
منه إذا ما لقيته استبشارُ
ليس ذنبٌ جنيته سالم الع
…
قل كذنبٍ جنت عليّ العقارُ
وقال بعضهم:
على قدر عقل المرء في حال صحوه
…
تؤثر فيه الخمر في حال سُكرهِ
فتأخذ من عقلٍ كثيرٍ أقلّه
…
وتأتي على العقل القليل بأسرهِ
قال عطية الشاعر: بينا أنا مع الحسن بن عبد الملك بن صالح ونحن مصطبحان نشرف على طريق إذ نحن برجل ليس معه ثقل ولا غلام فأقبل إلى باب الأمير، فقال: يا غلام خذ دابتي، وقال للحاجب: ادخل بين يدي، قال: إنه ليس منزل سوقة هذا منزل الأمير أبي الحسن بن عبد الملك ابن صالح، قال: قد علمت فادخل بين يدي، فدخل فلما صار إلى صدر المجس سلّم على أبي الحسن ثم قال: يا غلام خذ ثيابي، فأخذ ثيابه، فقيل: أتأكل شيئاً، قال: إن جدد لي طعام أكلت فإني لا آكل فضلةً فجدد له لحم طير، فأكل، قال أبو الحسن: اسقوه، فسقوه ثلاثاً، ثم قال: يا غلام انطق السنارة فخفقت العيدان فلما سكتن قال: يا غلام بقي على الجارية في صوت كذا وكذا فغضب الحسن فلما تبين الغضب في وجهه، قال: يا غلام خذ العود من يدها فأخذه وضرب وتغنَّى:
ولما توافقنا غداة وداعنا
…
أشرْنَ إلينا بالجفونِ الفواترِ
ولا شيء أقوى شاهداً عند ذي هوًى
…
من اللحظ يأتيه بما في الضمائر
قال: اجز، يا غلام خمسمائة دينار فوضعت بن يديه ثم قال: يا غلام طنبوراً، فضرب به وتغنّى:
ولما توافقنا غداةَ وداعنا
…
ولم يبقَ إلاّ أنْ تزمّ نجائبي
طلبنا من الركب المحشر عوجةً
…
فعجن علينا من صدور الركائب
فلما توافقن كتبنَ بأعينٍ
…
لنا كتباً أعجمنها بالحواجبِ
فلما قرأناهن سرّاً طوينها
…
حذار الأعادي بازورار المناكبِ
ثم قال: يا غلام طبلاً، فضرب به وتغنَّى:
وشادنٍ مكتحلٍ بسحرِ
…
تنفث عيناه به في صدري
فيوهنان عزماتِ صبري
…
مضطمرٌ أسفله عن خصرِ
كأنّما نجمعه في فتر
…
كأنّ أطراف البنان الحمرِ
عنه عقيق في سلوك درّ
…
مكّنتُ جنبي عينه من أسري
فاحتكما فيَّ احتكام دهري
ثم قال: يا غلام دفاً، فضرب به وتغنَّى:
كملت فلو قسم الإله ضياءها
…
في الخلق كانوا كلهم أنوارا
تعنو لها أبصارُنا فكأنما
…
بالحسن منها تملك الأبصارا
لو دُرِّع الليل البهيم ضوئها
…
لغدا دجاه مع النهار نهارا
ما جال طرف في محاسن وجهها
…
إلاّ تحيّر دونها أو حارا
قال: يا غلام خمسمائة دينار، فوضعت بين يديه، ثم قال: أي بني عمنا أنت فلم يكن ليقدم عليّ إلاّ هاشمي، قال: لست من بني عمك، أنا أبو نواس غضب عليّ أمير المؤمنين فأمرني بالخروج عن بغداد وأنا عائد إليها في غد إن شاء الله.
وأقول: إنه يتغلب عندي أن هذه القصة موضوعة إذ كان أبو نواس معروفاً مشهوراً عند جميع أصحاب السلطان ولو خفيت حاله على كل واحد لما خفيت عن هذا الأمير والله أعلم.
وقال آخر:
من كفّ جاريةٍ كأنّ بنانَها
…
من فضةٍ قد طرّفت عنابا
وكأنّ يمناها إذا ضربت بها
…
ألقتْ عليّ يد الشمال حسابا
وقال حسان بن ثابت:
ولقد شربتُ الكأسَ في حانوتها
…
صهباءَ صافيةً كطعمِ الفلفلِ
يسعى أليّ بكأسِها منتطفٌ
…
فيعلُّني منها وإنْ لم أنهلِ
المنتطف: الذي في آذانه القرطة، وهي الحلق، واحدتها نطفة، بالتحريك، والعلّ: شرب ثان، يقال: علل بعد نهل، والنهل: الشرب الأول.
إنَّ التي ناولتني فرددتها
…
قُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ
كلتاهُما حلبُ العصيرِ فعاطني
…
بزجاجةٍ أرخاهُما للمفصلِ
بزجاجةٍ رقصت بما في قعرِها
…
رقصَ القلوصِ براكبٍ مستعجلِ
وقال الأخطل:
يدبّ دبيباً في العظام كأنَّه
…
دبيبُ رمالٍ في نقا يتهيّلُ
يتهيّل: يتصبب.
فقلتُ اقتلوها عنكمُ بمزاجِها
…
وحِبّ بها مقتولةً حينَ تُقتلُ
ومن التشبيه الجيد قوله فيها يصف زقاق الخمر:
أناخوا فجرُّوا شاصياتٍ كأنَّها
…
رجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا
يقال للزقاق والقرب إذا ملئت أو نفخت فارتفعت قوائمها: شاصية، والجمع شواص. وقال آخر وزاد في التشبيه:
فحطّوا إلينا شاصيات كأنَّها
…
من المزج مسلوب القميص وراعفُ
وقال أبو الهندي:
أتلفَ المالَ وما جمعتهُ
…
طلبُ اللذاتِ من ماءِ العنب
واستباء الزقّ من حانوتهِ
…
شائلَ الرجلينِ معصوبَ الذنبْ
وأخذ مسلم بن الوليد قول حسان:
فهاتها لم تقتل
فقال:
خلطْنا دماً من كومةٍ بدمائِنا
…
فأظهرَ في الألوان منا الدمَ الدمُ
إذا شئتما أنْ تسقياني مدامةً
…
فلا تقتُلاها كلُّ ميتٍ محرَّمُ
فقوله:
كلّ ميتٍ محرمُ
زيادة حسنة.
قال الملتمس:
صبا من بعدِ صبوتهِ فؤادي
…
وسمّحَ للقرينةِ بانقيادِ
كأنّي شاربٌ يومَ استقلّوا
…
وحث بهم وراءَ البيدِ حادِ
عقاراً عتِّقتْ بالدنِّ حتى
…
كأنَّ حبابها حدقُ الجرادِ
وقال أبو نواس:
ألا دارِها بالماءِ حتّى تُلينَها
…
فلنْ تُكرمَ الصهباءَ حتّى تهينَها
أُغالي بها حتّى إذا ما ملكتُها
…
أذلتُ لإكرامِ النديمِ مصونَها
وصفراءَ قبلَ المزجِ بيضاءَ بعدهُ
…
كأنَّ شعاعَ الشمسِ يلقاكَ دونَها
ترى العينَ تستعفيكَ من لمعانِها
…
وتحسرُ حتّى ما تُقلُّ جفونَها
وقال أبو نواس أيضاً:
وذي حلفٍ بالراحِ قلتُ له اصطبحْ
…
فليسَ على أمثالِ تلكَ يمينُ
شمولاً تخطّاها الزمانُ فقد مضتْ
…
سنونٌ لها في دنّها وسنونُ
تراثُ أُناسٍ عن أُناسٍ تُخرَّموا
…
توارثها بعدَ البنينِ بنونُ
فأدركَ منها الغابرونَ حشاشةً
…
لها هيجانٌ مرةً وسكونُ
لذي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنَّه
…
إذا ما منحناهُ العيون عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌ
…
مكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
فلما رأى وصفي ارعوى واستزادني
…
فقلتُ لجوجٌ عزَّ ثمَّ يهونُ
وصدَّق ظنِّي صدقَ اللهُ ظنَّه
…
إذا ظنَّ خيراً والظنونُ فنونُ
وقال:
غنِّنا بالطلولِ كيفَ بكينا
…
واسقِنا نُعطكَ الثناءَ الثمينا
من كميت كأنَّها كلُّ طيبٍ
…
يتمنى مخيّرٌ أنْ يكونا
فإذا ما اجتليتَها فهباءٌ
…
يمنعُ الكفَّ ما يبيحُ العيونا
ثمَّ شُجَّت فاستضحكت عن جمانٍ
…
لو تجمعنَ في يدٍ لاقتُنينا
في زجاجٍ كأنَّهنّ نجومٌ
…
جارياتٌ بروجُها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاةِ علينا
…
فإذا ما غربْنَ يغرُبنَ فينا
لو ترى الشربَ حولَها من بعيدٍ
…
قلتَ قومٌ من قرةٍ يصطلونا
وغزالٍ يديرُها ببنانٍ
…
ناعماتٍ يزيدُها الغمزُ لِينا
كلما شئتُ علّني برضابٍ
…
يتركُ القلبَ للسرورِ قرينا
ذاكَ عيشٌ لو دامَ لي غيرَ أنِّي
…
عفتهُ طائعاً وخفتُ الأمينا
وقال:
عتّقتْ في الدنّ حتّى
…
هي في رقةِ ديني
ثمَّ شجّت فأدارت
…
حولها مثلَ العيونِ
حدقاً ترنو إلينا
…
لمْ تحجَّرْ بجفونِ
حدقٌ تثمر درّاً
…
كلّ إبّانٍ وحينِ
السريّ الرَّفَّاء:
قمْ فانفِ بالكاساتِ سلطانَ الكرى
…
واجعلْ مطايا الراحِ منَّا الراحا
لا تأسفنَّ على الصباحِ فحسبُنا
…
ضوءُ السوالفِ والسلافُ صباحا
فضَّ النديمُ ختامَها فكأنَّما
…
فضَّ الختامَ عن العبيرِ ففاحا
لم ندرِ إذ حثَّ السقاةُ كؤوسَها
…
أكواكباً يحملنَ أمْ أقداحا
وقال عبد الله بن المعتز:
سقى المطيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِ
…
وديرَ عبدونَ هطّالٌ من المطرِ
فطالما نبّهتْني للصبوح به
…
في عزَّةِ الفجرِ والعصفورُ لم يطر
أصوات رهبانِ دير في صلاتِهم
…
سودِ المدارعِ نعّارينَ في السحرِ
مُزنَّرين على الأوساطِ قد جعلوا
…
على الرؤوسِ أكاليلاً من الزهرِ
كم فيهم من مليحِ الوجهِ مُكتحلٍ
…
بالسحرِ يكسرُ جفنيهِ على حورِ
لاحظتهُ بالهوى حتّى استقادَ له
…
طوعاً وأسلفني الميعاد بالنظرِ
هذا شعر يحير الألباب، ويعرّف كيف تؤتى البيوت من الأبواب، فإنه بديع في المعنى المراد، وما أطيب ما قد أسلفه هذا الميعاد.
وجاءني في قميصِ الليلِ مستتراً
…
يستعجلُ الخطوَ من خوفٍ ومنْ حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحهُ
…
مثل القلامةِ إذْ قُصتْ من الظفرِ
فقمتُ أفرشُ خدِّي في الطريقِ له
…
ذلاًّ وأسحبُ أكمامي على الأثرِ
وكانَ ما كانَ مما لستُ أذكرهُ
…
فظنَّ خيراً ولا تسألْ عن الخبرِ
ومغرمٍ باصطباحِ الراحِ نادمَني
…
لم تُبقِ لذَّته وفراً ولم تذرِ
ما زلتُ أسقيهِ من حمراءَ صافيةٍ
…
عجوزِ دسكرةٍ شابتْ من الكبرِ
راحَ الفراتُ على أغصانِ كرمتِها
…
بجدولٍ من زلالِ الماءِ منفجرِ
حتّى إذا نارُها جاشتْ بمرجلِها
…
بفائرٍ من هجيرِ الشمسِ مستعرِ
ظلَّت عناقيدُها يبرزنَ من ورقٍ
…
كأنَّها الزنجُ في خضرٍ من الأرزِ
وطافَ قاطفُها فيها فسلَّمها
…
إلى خوابيَ قد عُممنَ بالمدرِ
وقال أبو دلف القاسم بن عيسى:
وقهوةٍ كشعاع الشمس رونقها
…
ليست من الخمر إلاّ في معانيها
تخال منها حواشي الكأس خاليةً
…
لولا أكاليل درٍّ في أعاليها
ابن المعتز:
وكرخيّةِ الأنسابِ أو بابليّةٍ
…
ثوتْ حقباً في ظلمةِ القار لا تسري
أرقتُ صفاءَ الماءِ فوقَ صفائِها
…
فخلتُها سُلاّ من الماءِ والبدرِ
وقال أبو عبد الله بن الحجاج:
يا صاحبيّ استيقظا من رقدةٍ
…
تزري على عقلِ اللبيبِ الأكيسِ
هذي المجرَّةُ والنجومُ كأنَّها
…
نهرٌ تدفَّقَ في حديقةِ نرجسِ
وأرى الصبا قد غلّستْ بنسيمِها
…
فعلامَ شربي الراحَ غيرَ مغلسِ
قوما اسقياني قهوةً روميةً
…
مذ عهدِ قيصرَ دنُّها لم يُمسسِ
بكرٌ تضيفُ إذا تسلطَ حكمُها
…
موتَ العقولِ إلى حياةِ الأنفسِ
وقال أبو عبادة البحتري:
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُ
…
زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباءِ
من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث ال
…
شوقَ الذي قد ظلَّ في الأحشاءِ
تخفي الزجاجةَ لونُها فكأنَّها
…
في الكفِّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ
وقال أبو نواس:
ويعجبني حثيث الكأ
…
سِ بين الناي والوترِ
ترى جثمانها معنا
…
وريَّاها على سفرِ
وقال آخر:
كميت إذا شجَّت وفي الكأس وردةٌ
…
لها في عظام الشاربين دبيبُ
تريك القذى من دونها وهي دونه
…
لوجه أخيها في الإناء قطوبُ
البحتري:
وليسَ للهمِّ إلاّ كلُّ صافيةٍ
…
كأنَّها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
أبو نواس:
نور تحدّر من فمِ الإبريقِ
…
في ريح كافورٍ ولونِ خلوقِ
فكأنَّها وشرارُها متطايرٌ
…
والماءُ يُطفئها ضرامُ حريقِ
وقال آخر:
صفراءُ ضمّخ لونها في خدرها
…
بالزعفران تقادمُ الأزمانِ
وكأنَّ للذهب المذاب بكاسها
…
بحراً يجيش بأعين الحيتانِ
في مجلسٍ جعل السرور جناحه
…
ستراً لنا من ناظرِ الحدثانِ
وقال علي بن جبلة:
دعِ الدنيا فللدنيا أناسٌ
…
ألذُّ العيش إبريقٌ وطاسُ
وصافيةٍ لها في الكفّ لينٌ
…
ولكنْ في العقولِ لها شماسُ
معتقةٍ إذا مُزجتْ أضاءتْ
…
وأمكنَ قابساً منها اقتباسُ
كأنَّ يدَ النديمِ يُديرُ منها
…
شعاعاً ما يحيطُ عليهِ كاسُ
وقال آخر:
وصافيةٍ كعينِ الديكِ صرفٍ
…
تنسّي الشاربينَ لها العقولا
إذا شربَ الفتى منها ثلاثاً
…
بغيرِ الماءِ حاولَ أنْ يطولا
أبو تمام:
بمدامةٍ تغدو المُنى لكؤوسِها
…
خولاً على السرَّاء والضرَّاءِ
صعُبتْ فراضَ الماءُ سيِّئَ خلقِها
…
فتعلَّمتْ من حسنِ خلقِ الماءِ
وكأنَّ زهرتها وبهجةَ كأسِها
…
نارٌ ونورٌ قُيِّدا بوعاءِ
آخر:
ومدامةٍ حمراءَ في قارورةٍ
…
زرقاءَ تحملها يدٌ بيضاءُ
فالراحُ شمسٌ والحبابُ كواكبٌ
…
والكف قطبٌ والإناءُ سماءُ
وقال أبو الهندي:
رضيعُ مدام فارقَ الراحَ روحهُ
…
فظلّ عليها مستهلّ المدامعِ
أديرا عليَّ الكأسَ إنِّي فقدتُها
…
كما فقدَ المفطومُ درَّ المراضعِ
الوليد بن يزيد، ويحكى أنه لما ولي الخلافة جمع جماعة من أهل بيته وخاصته، فقالوا: ما تريد يا أمير المؤمنين، فقال: أنشدكم أبياتاً قلتها وهي:
أُشهدُ اللهَ والملائكةَ الأب
…
رار والعابدينَ أهلَ الصلاحِ
أنَّني اشتهي السماعَ وشرب ال
…
راح والعضّ في الخدودِ الملاحِ
واستماعَ الحديثِ والكاعبَ الحس
…
ناءَ ترتجُّ في سموط الوشاحِ
السموط: القلائد، والوشاح: سيور تُضقر وترصع وتكون في العنق.
والنديمَ الكريمَ والخادمَ الفا
…
رهَ يسعى عليَّ بالأقداحِ
ثم قال: انصرفوا إذا شئتم.
وقال آخر:
العيش عندي في ثلاث أكملت
…
لفتًى يريد لذاذة الأيامِ
مال يجود به على ذي حاجةٍ
…
ووصال غانيةٍ وشرب مدامِ
فإذا الفتى فقد الثلاثة كلّها
…
كان الفتى كبهيمةِ الأنعامِ
وأذكرتني هذه الأبيات أبياتاً أنشدنيها محيي الدين ولم يسم قائلاً، وإن كان لا ذكر للخمر:
فالمنى صحةٌ وأمنٌ ويسرٌ
…
وحبيبٌ يرضى ودهرٌ يسرُّ
فإذا ساعد الزمان بهذا
…
ثمَّ ضيّعته فما لكَ عذرُ
ومثل هذا التقسيم لأهل العصر:
ما العيش إلاّ خمسة لا سادس
…
لهم وإن قصرت بها الأعمارُ
زمن الربيع وشرخ أيام الصبا
…
والكأس والمعشوق والدينارُ
لعبد الله بن جدعان ولا يعرف له غيرها:
شربتُ الخمر حتّى قال صحبي
…
ألستَ عن السقاةِ بمستفيقِ
وحتّى ما أوسد في مبيتٍ
…
أبيتُ به سوى الترب السحيقِ
وحتّى أغلق الحانوت دوني
…
وآنستُ الهوانَ من الصديقِ
وقال سليمان بن علي الهاشمي:
فما زلتُ أسقيه وأشربُ فضلَه
…
ويشربُ والأوتارُ ذاتُ حنينِ
إلى أنْ رأيتُ السكرَ ميّلَ رأسهُ
…
على الكأسِ حتّى ذاقَها بجبينِ
وقال السريّ:
ومستطيلٍ على الصهباءِ باكرَها
…
في فتيةٍ باصطباحِ الراحِ حذّاقِ
فكلُّ شيءٍ رآهُ ظنّهُ قدحاً
…
وكلُّ شخصٍ رآه ظنَّه الساقي
وقال آخر:
أقبلتْ قرّة عينِ
…
في يدي قرة عينِ
قمرٌ يحمل شمساً
…
مرحباً بالزائرينِ
مرحباً بالراح والر
…
يحان والرائحتينِ
وقال ابن الفارض، أحد شعراء العصر من الزهاد العارفين وأصحاب القلوب المكاشفين:
شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامةً
…
سكرنا بها من قبلِ أن يخلق الكرْمُ
لها البدرُ كأسٌ وهي شمس يديرها
…
هلالٌ وكم يبدو إذا مزجتْ نجمُ
ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانها
…
ولولا سناها ما تصوَّرها الوهمُ
ومنها:
ولو عبقتْ بالشرقِ أنفاسُ طيبها
…
وفي الغربِ مزكومٌ لعادلهُ الشمُّ
تهذِّبُ أخلاقَ الندامى فيهتدي
…
بها لطريقِ العزمِ من لا له عزمُ
يقولون لي صفها فأنتَ بوصفها
…
عليمٌ أجل عندي بأوصافها علمُ
صفاءٌ ولا ماءٌ ولا لطفٌ ولا هوًى
…
ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ
وقال محيي الدين، رحمه الله:
اقض حقّ الصبوحِ قبلَ الصباحِ
…
واكسُ راحاتنا بكاسات راحِ
واجلُ جنح الدّجى بجذوةِ نارٍ
…
قدحتها السقاةُ بالأقداحِ
كلّما حلّها أرتنا كيفَ مس
…
رى السرورِ في الأرواحِ
من يدي مخطف المعاطف مشوق
…
التثني مجدول مجرى الوشاحِ
وقال أحد الخالديين، وكان محيي الدين نظر إليه:
غادني بالصبوح قبل الصباحِ
…
واجرِ في حلبةِ الصبا والمراحِ
عاطنيها كالجلّنار إذا ما
…
كللت من حبابها بالأقاحِ
في اختصاص التفّاح بالطيب والحم
…
رةِ لا في كنافة التفاحِ
غير نكران تستمدّ شعاع الشم
…
س منها كواكب الأقداحِ
ألفتها الأجسام بالطبع لمَّا
…
عرفت قربها من الأرواحِ
فتدارك بها حشاشة أفرا
…
حي وحرّك بها سكون ارتياحي
بين وردين من نبات وخدٍّ
…
وشرابينِ من رضابٍ وراحِ
فألذّ الحياة ما خلط العا
…
قلُ فيها فسادهُ بصلاحِ
وقال محيي الدين أيضاً:
ما وجه عذرك والكؤوس تدارُ
…
ضاقتْ بمن جهل الصبا الأعذارُ
سفرتْ لك اللذات واتّسعت بها
…
الأوقات واجتمعتْ بها الأوطارُ
ساقٍ يسوقُ لك السرورَ ومطربٌ
…
حسنُ الغناء وروضةٌ وعقارُ
أوَ ما ترى وجه الربيعِ وقد بدا
…
يختالُ في حبراتهِ آذارُ
وقال الخالديان:
قامرَ بالنفسِ في هوى قمرِ
…
فباعَ وصلَ البدورِ بالبدرِ
وافتضَّ أبكارَ لهوهِ طرباً
…
إلى عشايا المدامِ والبكرِ
قد ضُربتْ خيمةُ الغمام لنا
…
ورشَّ جيشُ النسيمِ بالمطرِ
وعندنا عاتقانِ حمراءَ كالشم
…
سِ وأخرى بيضاءَ كالقمرِ
بكرانِ هذي تُزانُ بالكبرِ ال
…
بادي وهذي تزانُ بالصغرِ
وقال المجد بن الظهير الحنفي الإربلي:
ومدامةٍ مثل العقيق شربتها
…
والنجم في كبد السماء معلقُ
عاطيتها بدر الدجى والليل من
…
وجه المدير ومن سناها يُشرقُ
في روضةٍ حسنتْ وطابَ نسيمها
…
فكأنَّ مسكاً في ثراها يعبقُ
وقال أيضاً:
فاشربْ على وجه الربيع مدامةً
…
قد قلِّدتْ في كأسها بجواهرِ
جُليتْ فنقَّطها المزاجُ بلؤلؤ
…
متساقط من كأسهِ متناثرِ
يُغنيكَ عن ضوء النهار شعاعُها
…
كالشمس في فلك السرور الدائرِ
وقال أيضاً:
لله كم من ليلةٍ عاطيته
…
كأساً لها من وجنتيه لهيبُ
حمراء قابلها بوردةِ خدِّهِ
…
فتشابه المشمومُ والمشروبُ
ومثل هذا رباعي:
قد طاف بها مزاجها تنسيم
…
وسنان شعار طرفه التهويمُ
ما قابلها بالورد من وجنته
…
إلاّ اشتبه المشروب والمشمومُ
وقال المجد أيضاً:
يا مضيّعاً زمانه بالأماني
…
قم بحقّ الربيع حقّ القيامِ
واغتنمْ غفلةَ الحوادث واشربْ
…
غير مستكبر لكوبٍ وجامِ
من كميت راقت ورقَّت فما
…
تدرك لطفاً بالفكر والأوهام
أودعتها الدنان أيدي أناسٍ
…
عتَّقوها من قبل سام وحامِ
ثم أبقت منها السنون كما أب
…
قى الهوى من حشاشةِ المستهامِ
تورث الشرب نشطةً وفتوراً
…
وافراً في نفوسهم والعظامِ
ذات خدٍّ مصونة العرض خفّت
…
في هواها رواجح الأحلامِ
وقال أيضاً:
طاف بدر الدجى بشمس النهار
…
في رياض أنيقة الأزهارِ
مشرقاتٍ يضمُّ شمل الأماني
…
في رباها مفتّح النوّارِ
وأتانا بها يقدّ أديم ال
…
ليل منها صوارمُ الأنوارِ
بنت كرمٍ حفّت بكاس زجاجٍ
…
ثمَّ زفت بنعمة الأوتارِ
سلكت مسلك الضمير صفاءً
…
فغدونا نبوحُ بالأسرارِ
جاء يسعى بها إلينا وقد خا
…
طت يدُ النوم أعينَ السمّارِ
وكأنَّ النجومَ نورُ رياض
…
وكأنَّ المريخَ شعلةُ نارِ
وغزال راضته لي سورة الكأ
…
س وقد كان آنساً بالنفارِ
مسكر باللحاظ تحسبُ في أج
…
فانِ عينيه حانةَ الخمّارِ
وقال أيضاً:
مشمولةٌ خطأ المواصل
…
شربها عين الصواب
تبدو لنا في كأسها
…
كالشمس في خلل السحاب
فترى النهار بنورها
…
والليل مسدول الحجاب
كالماء تلمسها ولك
…
ن فعلها فعل الحباب
يضحي بها المقرور وهو
…
كأنَّه في شهر آبِ
البدر الدمشقي:
حمراءُ صافيةٌ كأنَّ حبابَها
…
طلٌّ ترقرقَ في شقيق أحمرا
راقت ورقت منظراً ولطافةً
…
وشفَت وشفّت في الكؤوس فلن ترى
خافت سيوف الماء فاتّخذت لها
…
في الكأس من زرد الفواقع مِغفرا
وقال أيضاً:
فعاطني صهباء مشمولةً
…
عذراء فالواشون نوّامُ
واكتم أحاديث الهوى بيننا
…
ففي خلال الرّوض نمّامُ
وقلت من قصيدة في الصاحب الأعظم شمس الدين، عز نصره:
ومدامٍ جلوتها بعد وهنٍ
…
فأعادتْ جنحَ الظلام نهارا
رقصت للدجى فكان حباب ال
…
كأس من أنجم عليها نثارا
وأشارت إلى الكؤوس فمالت
…
وإلى ساقي المدامِ فجارا
وأدار الكبير منها ونادى
…
إنما يشرب الصغير الصغارا
ونديم حلو الفكاهة معشوق
…
المعاني يرضيك أنَّى أشارا
ليس يعصيك ما أمرت ولا
…
تلقاه يوماً في حالةٍ أمَّارا
وصريع المدام ما دارتِ الكأ
…
سُ عليه إلاّ تصابي ودارا
جعل الشربَ والغناء شعارا
…
ومديحي شمس الأنام شعارا
وقلت من أخرى في الصاحب الأعظم:
طاف بدر الدجى بشمس المدامِ
…
بنت دنّ يفتضها ابن الغمامِ
قهوة تجلب السرور وتجلو
…
بسناها المنير صبغَ الظلامِ
كلَّما شجّها المزاجُ أرتنا
…
كيفَ مجرى الأرواحِ في الأجسامِ
من يدي فاتن اللواحظ معشو
…
ق التثني رشيق معنى القوامِ
مثل بدر السماء لو كان للبد
…
رِ عذارٌ يقيم عذر الغرامِ
ثغره لا عدمتُ رشف ثنايا
…
هـ وشعري كالدرّ عند النظامِ
في رياض يبوح فيها نسيم ال
…
ريحِ أنَّى سرى بسرِّ الخزامِ
وكأنَّ الشقيقَ فيها خدود
…
ضرّجتها قساوةُ اللوامِ
وتخالُ الأغصانَ هيفَ قدودٍ
…
راقصاتٍ على غناءِ الحمامِ
ونديم مهذب الرأي مأمون
…
السجايا يُصيبُ حرَّ لكلامِ
همّه والهوى هوانٌ كما قا
…
ل الأولى في غلامةٍ أو غلامِ
ويحث المدام فهو صريع
…
بين كأسٍ ملأى وطاسٍ وجامِ
وقال البهاء زهير المصري:
خذ فارغاً وهاتهِ ملآنا
…
من قهوةٍ قد عُتِّقت أزمانا
أقلّ ما عدّ لها مالكُها
…
أنْ لحقتْ ملكَ أنوشروانا
ذخيرة الراهب كي يجعلها
…
إذا أتتْ أعيادهُ قربانا
مدامةٌ ما ذُكرت أوصافها
…
إلاّ انثنى سامعُها سكرانا
تكاد من لألائها إذا بدتْ
…
تُهدي إلى مكانها العميانا
كالنار إلاّ أنَّها ما وقدتْ
…
في الكأس إلاّ أطفأت نيرانا
ما الملك الأعظم في سلطانه
…
إلاّ الذي أضحى بها نشوانا
كم رفعت متّضعاً وكرمت
…
مبخّلاً وشجَّعت جبانا
بتُّ أعاطيها فتاة جمعت
…
لعاشقيها الحسن والإحسانا
مخضوبة البنان في يمينها
…
كأس مدام تخضب البنانا
ولي نديم ماجد لا أرتضي
…
عنه بديلاً كائناً من كانا
أخو فكاهات متى حاضرته
…
في مجلس وجدته بستانا
حلو الأحاديث وإن غنَّاك لم
…
تجدهُ في ألحانهِ لحَّانا
لا يعرف الهمّ فتًى يعرفه
…
ولا يرى ندمانهُ ندمانا
ومن شعر الفلاسفة:
شربنا على الصوتِ القديمِ مدامة
…
لكلّ قديمٍ أوّل هي أولُ
فلو لم تكن في حيّزٍ قلتُ إنَّها
…
هي العلَّة الأولى التي لا تعللُ
آخر وأحسن:
وربَّ ليلٍ شربت فيه
…
وما استفزَّني العقارُ
أجهل فيها مع الغواني
…
والجهل في مثلها وقارُ
وقال آخر:
ما العيش إلاّ في زمان الصبا
…
فإن تولَّى فزمان المدام
كأس إذا ما الشيخ والى بها
…
خمساً تردى برداء الغلام
وقد رأيت أن أقتصر على هذا المقدار من وصف الشراب وما قيل فيه فقد ذكرت ما يقتضيه الحال، ويستحقه هذا المختصر. وها أنا أذكر ما قيل في تركه ومراعاة العقل وحراسته من عادتيه حسبما يوصيه شرطي الاختصار وبالله أستعين وعليه أتوكل.
قال الحيص بيص وهذا معنى ما أظنه سُبق إليه:
لا تضع من شريف قوم وإنْ كن
…
ت مشاراً إليه بالتعظيمِ
فالشريفُ العظيمُ يصغرُ قدراً
…
بالتعدي على الشريفِ العظيمِ
ولعُ الخمرِ بالعقولِ رمى الخم
…
رَ بتنجيسها وبالتحريمِ
وقال مقيس بن صبابة الكناني:
تركتُ الراحَ إذ أبصرتُ رشدي
…
فلستُ بعائدٍ أبداً لراحِ
أأشربُ شربةً تُزري بعقلي
…
وأصبحُ ضحكةً لذوي الفلاحِ
معاذ الله أن أزري بنفسي
…
ولا أشري الخسارة بالرّباحِ
قيس بن عاصم:
وجدتُ الخمر معصية وحوبا
…
تفيد الجهل والشين العظيما
فلا والله أشربها صحيحاً
…
ولا أشفى بها أبداً سقيما
ولا أعطي بها ثمناً حياتي
…
ولا أدعو لها أبداً نديما
إذا دارت حميّاها تبدَّت
…
طوالع تسفه الرجل الحليما
وقال آخر:
تركتُ الشرابَ وشُرَّابه
…
وصرتُ خديناً لمن عابَه
شراباً يضلُّ سبيلَ الرشادِ
…
ويفتحُ للشرِّ أبوابهُ
وقال آخر:
لعمرك أنّ الخمر ما دمت شارباً
…
لمذهبة مالي وسالبتي عقلي
وتاركتي مثل الضعاف قواهم
…
ومجشمتي حربَ الصديقِ بلا ذحلِ
آخر:
لم أترك الراحَ من زهدٍ تجدّد لي
…
فيها ولا أنّ قلبي ليس يهواها
لكن رأيت نداماها ذوي سفهٍ
…
فنهنهتْ شُربي عنها نداماها
أبو نواس:
أنت يا ابن الربيع علمتني الخي
…
رَ وعودتنيه والخيرُ عادهْ
فارعوى باطلي وراجعني الحل
…
م وأحدثتُ رهبةً وزهادهْ
لو تراني ذكرت بي الحسن البص
…
ري في حال نسكه أو قتادهْ
المسابيح في يميني والمص
…
حف في لبّتي مكان القلادهْ
فإذا شئتَ أن ترى طرفةً تع
…
جبُ منها طريفةً مستفادهْ
فادعُ بي لا عدمتَ تقويم مثلي
…
وتأمَّل بعينك السجَّادهْ
ترى أثراً من الشحوب بجسمي
…
توقن النفس أنه من عبادهْ
من صلاةٍ أديمها بخشوعٍ
…
واصفرار مثل اصفرار الجرادهْ
ولقد طالما شقيتُ ولكن
…
أدركتني على يديك السعادهْ
وقال آخر وقد تاب وعاد إلى الشرب:
قد كنتُ تبتُ عن الشراب فلم أجد
…
أحداً من الأخوان إلاّ يشربُ
فحلفتُ لا أدع الشرابَ ولا أُرى
…
إلاّ إلى أصحابه أتقرّبُ
ما من صديقٍ منذ كانت توبتي
…
إلاّ تجنبني كأنِّي أجربُ
ويقولُ بعضهم لبعضٍ تائبٌ
…
إنْ كنتُ تبتُ فقد رجعتُ فجرّبوا
وقال آخر:
تركتُ الشراب سوى شربةٍ
…
إذا ما أكلتُ تحطّ الطعاما
فتلك وأخرى بها شربتي
…
وقد كنتُ أشرب زقّاً تماما
وقال ابن المقفع:
سأشرب ما شربت على طعامي
…
ثلاثاً ثمَّ أتركه صحيحا
فلست بقارف منه آثاماً
…
ولستُ براكب فيه قبيحا
وقد أحسن ابن وهيب في وصف ساقٍ:
وساقيةٍ من الأشباهِ
…
مضروب بها المثلُ
إذا مالت إلى الإبري
…
ق جاذب خصرها الكفلُ
تلاحظني مخالسةً
…
إذا سنحت لها العللُ
وتجرحني وأجرحها
…
ويفصل بيننا الخجلُ
آخر:
وأحلى العالمين مذاق ريح
…
أصار إليّ عذباً مستطابا
أصاب شبيهه في كلّ فنٍّ
…
صفاءً ثمَّ نشراً والتهابا
ولم يكن الشراب كذا لذيذاً
…
ولكن طابَ حاملهُ فطابا
وقال أبو الشيص:
كأنَّ اطّرادَ الماءِ في جنباتها
…
ترددُ ماءِ الدرِّ في شبكِ الذهبْ
سقاني بها والليلُ قد شابَ رأسهُ
…
غزالٌ بحنّاءِ الزجاجةِ مختضبْ
العطوي في تخيّر النديم:
يقولون قبلَ الدارِ جارٌ مجاورٌ
…
وقبلَ الطريقِ النهجِ أُنسُ رفيقِ
فقلت وندمانُ الفتى قبل كأسهِ
…
وما حثَّ كأسَ المرِ مثلُ صديقِ
آخر:
وما أنا للندمان في الشرب مكرهٌ
…
على الكأس يأباها ولا قائل هُجرا
ولكنني مما أقول له اشربَنْ
…
هواك ودع ما خفت من شربهِ الضرا
وأفديه تارات بنفسي ووالدي
…
وأجعل ما أهوى لما فاته سترا
وإن ردّ فضلاً في الإناء شربته
…
ولم أسقه كرهاً لأصرعه سُكرا
وإن نام لم يوقظ وإن قام لم يُرم
…
وإن قال لي يا صاح لبيته عشرا
أرى ذاك حقّاً للنديم وإنني
…
لأحفظه سرّاً وأحفظه جهرا
وقال أبو نواس:
ولست بقائل لنديم صدقٍ
…
وقد أخذ الشراب بوجنتيه