الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ـ[هل قوَّى يعقوب بن شيبة السدوسي رحمه الله
روايةَ أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه
؟ وما الراجح فيها؟ ]ـ
تكلمت عن هذه المسألة في رسالتي العلمية عن «يعقوب بن شيبة ومنهجه في الجرح والتعديل» فمما قلته هناك:
«كلام يعقوب بن شيبة في رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه» :
أبو عبيدة هو: ابن عبد الله بن مسعود، قال يعقوب:«هذليٌّ، حليفُ بني زُهرة» ، وقال الترمذي:«لا يُعرف اسمه» ، وقال أبو زرعة:«اسمه وكنيته واحد» ، وقال ابن حجر:«مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر» ، وهو متفقٌ على توثيقه، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن معين: ثقة.
هذا وقد تكلم المحدثون في سماعه من أبيه، فكثير من المحدثين - حكى النوويُّ الاتفاق- على أنه لم يسمع من أبيه، نظرا لأنَّ أباه مات وهو صغير السن لا يتجاوز السابعة، وممن نصَّ على ذلك: عليُّ بنُ المديني، ويحيى بنُ معين، وأبو حاتم، والترمذيُّ، وابنُ حبان، والدارقطنيُّ، وغيرهم.
غير أنَّ جمعاً من الأئمة نصوا على تقوية روايته عن أبيه مع نصهم على عدمِ سماعه منهم: علي بن المديني-إمام العلل- والنسائي، والدارقطني، والطحاويّ وغيرهم.
وأحسن من بيّن ذلك يعقوبُ بنُ شيبة، حيث يقولُ:«إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل -، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر» (1) وهذا الكلام واضح وبيّن فقد تتبع الحفاظ رواية أبي عبيدة عن أبيه فوجدوها خالية من المناكير، وانضم إلى ذلك أنَّ أبا عبيدة ابن لعبد لله بن مسعود، ولا شك أنَّ الأصل أنَّ الابن أعرف بأبيه من غيره، قال ابنُ رجب:«وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن رواياته عنه صحيحة» ، وقال أيضا «وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن أحاديثه عنه صحيحةٌ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره» .
(1) شرح علل الترمذي لابن رجب 1: 544.
وهذا يدلنا على أنه ينبغي التفطن إلى أنّ من منهج أئمة الحديث المتقدمين الاحتجاج أو تقوية -وربما تصحيح- بعض المنقطعات لقرائن تحتف بها، والأمثلة على ذلك عديدة منها -غير رواية أبي عبيدة المتقدم ذكرها-: قول أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في مرسلات سعيد بن المسيب إنها صحاح، قال أبو عبد الله الحاكم «تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله-يعني مراسيل سعيد بن المسيب -، فوجدوها بأسانيد صحيحة» -معرفة علوم الحديث ص170 - ، ومثله قول الشافعي رحمه الله في حديث لطاووس عن معاذ-انظر: فتح المغيث (1/ 141) -
تنبيهات:
(أ) أنَّ قول أئمة الحديث وكبار النقاد هذا لم يأتِ من فراغ بل هو نتاجُ دراسة دقيقة لحال أبي عبيدة بن عبد لله، وحال مروياته، وموازنتها مع روايات الثقات من أصحاب ابن مسعود، فخرجوا بهذه النتيجة العلمية الدقيقة، ولذا علل يعقوب بن شيبة هذا القول بقوله «إنما استجاز أصحابنُا أن يدخلوا حديثَ أبي عبيدة عن أبيه في المسند - يعني في الحديث المتصل -، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر» ، وهناك دراسة علمية - ماجستير- في «مرويات أبي عبيدة عن أبيه» لأحد الباحثين في جامعة أم القرى خلص فيها إلى هذه النتيجة التي قررها الأئمة المتقدمون من قرون!.
ولله در ابن حجر عندما قال-كما في كتابه (النكت 2/ 726) -: «وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه» .
(ب) وما تقدم يدل على أهمية إعمال القرائن عند المحدثين، وعدم الجمود على بعض القواعد، والمصطلحات التي تطبق في مواضعها المناسبة.
(ت) ولذا أرى أنه عند الكلام على شروط الصحيح تنبيه الطلاب أنَّ الاتصال شرط للصحة ما لم تدل قرينة من القرائن على أنَّ هذا الانقطاع لا يضر، والعمدة في ذلك كلام أئمة الحديث وكبار النقاد، كما تقدم في الأمثلة السابقة، والذي أخشى- وقد وقع شيء من ذلك- أن يرد أحدٌ هذا الكلام بالقول بأنّ هؤلاء الأئمة خالفوا قواعد علوم الحديث، لأنَّ المنقطع ضعيفٌ مطلقاً!، ولا يستشعر أنّ هؤلاء الأئمة هم روّاد علم الرواية؟ وعنهم أُخذتْ قواعد علوم الحديث؟ وهم الذين يحتجُ بأقوالهم وتطبيقاتهم في هذا العلم؟ وكلامهم كما تقدم معلل ومدلل عليه.
وقد قلتُ في كتابي «قَصَصٌ وَنَوادرٌ لأئمةِ الحديثِ المُتقدّمين في تتبعِ سُنّةِ سيّدِ المُرْسلين والذبِّ عنها» : «مما يسر أنّ هناك عودة قوية لدراسة مناهج النقاد من خلال أقوالهم وتطبيقاتهم، وفهم مصطلحاتهم من خلال السبر والتتبع الطويل مع التحليل والنظر، وفي ظني أنّ هذه الدراسات ستقلص من الاعتراضات على النقاد، وتقلل من الاختلاف بين أحكام المعاصرين على الأحاديث وأحكام المتقدمين، وكذلك المعاصرين بعضهم مع بعض. وهذه العودة لدراسة مناهج النقاد .. الخ = هي روح ولُبّ مسألة "منهج المتقدمين في الحديث" والتي -في رأيي- حُمّلتْ ما لا تحتمل، وصُورت على غير حقيقتها التي يدعو إليها الفضلاء، فليس هناك تقليلٌ من قدر المحدثين المتأخرين، وليس هناك تفريقٌ للأمّة، وليس هناك بدعة، بل إنَّ الكلام في هذه المسألة هو بحثٌ في مسائل علمية حديثية دقيقة تتعلق بمصطلحات، وقواعد، ومناهج سار عليها أئمة الحديث المتقدمين، وروّاد هذا الفن، ومن يرجع إليه في هذا العلم، وغالب الخلاف الواقع بين الفضلاء في هذه المسألة من نوع الخلاف اللفظيّ، وطلبةُ العلم فيها بين أجر، وأجرين -إنْ شاء الله تعالى-، والمسألة من مطارح الاجتهاد، ومسارح النظر.
ومما ينبغي التفطن له أنّ هذه الدعوة ليست من التقليد في شيء، بل هي دعوةٌ لأخذ العلم من مصدره، إذ من المعلوم أنّ قوانين وقواعد معرفة حال الراوي، والمروي إنّما أُخذت عن هؤلاء الأئمة فهم الحكم في هذه المسائل، وإليهم الرجوع عند التنازع.
ورَحِمَ اللهُ علماءَ المسلمين-المتقدمين منهم والمتأخرين- فقد ورثوا للأمة علماً زاخراً يخدم كتاب الله وسنة رسوله ?، وإنَّ من حقهم على الأمّة الدعاء لهم، والترحم عليهم، والاستفادة من علومهم، وهذا هو منهج مَنْ تَبِعَهُم بإحسان قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر: 10).
(ث) قول يعقوب: «إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا .... » كثيراً ما يستعمل يعقوب بن شيبة لفظة (أصحابنا) في كلامه فمن ذلك قوله:
1 -
2 -
وقوله: « .. سمعت غير واحد من أصحابنا منهم: محمد بن عبد الله بن نمير وأبا بكر بن أبي شيبة يقولان ذلك» (3).
3 -
وقوله: «حدثني غير واحد من أصحابنا منهم عبد الله بن شعيب سمعوا يحيى بن معين .. » (4).
4 -
5 -
(2) تهذيب التهذيب 8: 54.
(3)
تاريخ دمشق 21: 265.
(4)
الكامل 5: 272.
(5)
تاريخ بغداد 10: 446، تهذيب الكمال 18: 111 - 112.
(6)
تاريخ بغداد 11: 446، تهذيب الكمال 20: 506 - 507.
6 -
7 -
وقال عن إبراهيم بن أبي الليث: «كان أصحابنا كتبوا عنه ثم تركوه، وكانت عنده كتب الأشجعي، وكان معروفاً بها ولم يقتصر على الذي عنده حتى تخطى إلى أحاديث موضوعة» (8).
9 -
وقال عن يحيى بن يمان: «كان صدوقاً كثير الحديث، وإنما أنكر عليه أصحابنا كثرة الغلط .. » (9).
10 -
وقال أيضاً: «حدثنا الحسن بن علي الحلواني - أو حدثني عنه بعض أصحابنا - قال: سمعت .. » (10).
ومن خلال هذه الأمثلة - وغيرها كثير- يتبين أنّ يعقوب بن شَيْبَة يريد بهذه اللفظة الدارجة في كلامه شيوخه الذين ينقلُ عنهم كثيراً، ولازمهم من المحدثين، وقد نصَّ على بعضهم كعلي بن عبد الله المديني، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن شعيب الصابوني، وابن أبي شيبة.
(7) تاريخ دمشق 14: 475، تهذيب الكمال 24: 13 - 14.
(8)
تاريخ بغداد 6: 196.
(9)
تاريخ بغداد 14: 123 - 124، تهذيب الكمال 32:58.
(10)
الكامل 5: 272.