الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ـ[ما هي أصح الأقوال في مسألة
ثبوت السماع بين المتعاصرين
؟ وما هو الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري؟ ]ـ
الخلاف بين منهج الإمام مسلم والإمام البخاري في هذه المسألة:
أنّ البخاري يشترط العلم بالسماع واللقيا لاتصال السند المعنعن-وهو مذهب كبار أئمة الحديث ونقاده- ومنهج البخاري هذا دلَّ عليه منثور كلامه في الصحيح وفي التاريخ الكبير وفي جزء القراءة، بل ربما أورد البخاري حديثا في الصحيح من أجل بيان سماع راوٍ، وربما أثبت السماع بالقرائن.
ومما يبين هذا بجلاء قول البخاريّ في سليمان بن بريدة بن الحصيب: « .. ولم يذكر سليمان سماعا من أبيه» التاريخ الكبير (4/ 4رقم1761) فنص البخاري على هذا مع تحقق الإدارك والمعاصرة - حيث أدرك سليمان بن بريدة قرابة أربعين سنة من حياة أبيه - دال على عناية البخاري الشديد بمذهبه ودقته في هذا فهو استقرى جميع أحاديث سليمان فلم يره صرح بالسماع، لذا لم يخرج عنه في الصحيح!!، ومع هذا فقد حسن حديث سليمان بن بريدة عن أبيه في موضعٍ-نقله عنه الترمذي في العلل الكبير- لما احتف برواية سليمان من قرائن قوية دالة على ثبوت السماع، ولهذا نظائر بينها زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه «موقف الإمامين البخاري ومسلم» (ص141ومابعده).
وأمّا الإمام مسلم فقد صرح برأيه في هذه المسألة في مقدمته صحيحه فقال: «القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا: أنَّ كلّ رجلٍ ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا فالرواية على السماع أبدا حتى تكون الدلالة التي بينا» صحيح مسلم (ص29).
والذي أميل إليه في هذه المسألة العويصة ما كان عليه البخاري وكبار النقاد وأئمة الحديث في هذه المسألة، مع إعمال القرائن لإثبات السماع.
تنبيهات:
- أنّ في تطبيق رأي البخاري وكبار النقاد احتياطاً للسنة فكم رأينا من تساهل بعض المعاصرين في الحكم على الأحاديث المنقطعة، من غير نظر في سماع الرواة بعضهم من بعض، بل حتى الضوابط التي نصَّ عليها مسلم لا يلتفت إليها!، فرأي البخاري وكبار النقاد في هذه المسألة يجعل الباحث أشدّ عناية بتتبع السماع والعناية به.
- عني بتحرير هذه المسألة أئمة أجلاء وباحثون فضلاء ومن أفضل من كتب في هذه المسألة -حسب علمي- ابن رُشيد الفهري (المتوفى721) في كتابه القيم «السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الأمامين في السند المعنعن» وكذلك زميلنا الدكتور: خالد الدريس في كتابه النفيس «موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين» ، وللشيخ الدكتور: إبراهيم اللاحم بحث ماتع حول هذه المسألة في كتابه «الاتصال والانقطاع» وهو جدير بالقراءة والعناية، ولفضيلة الشيخ الدكتور: حاتم الشريف رأي في هذه المسأله حرره في كتابه «إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين» انتصر فيه لقول مسلم، وبين أنه لا خلاف بين البخاري ومسلم في هذه المسألة، ومع تقديري الكبير للشيخ-وفقه الله ونفع بعلمه- إلَاّ أني لا أوافقه في هذا لما تقدم من ظهور قول البخاري في كتبه وتصرفاته، والله أعلم.
- هذه المسألة من المسائل الدقيقة في علوم الحديث، والخلاف فيها قديم بين كبار المحدثين كما تقدم، فمن اختار هذا القول أو ذاك فهو مسبوق من قبل سلف صالح من أئمة الحديث المتقدمين، والمطلوب من الباحث المنصف أن يستفرغ وسعه في طلب الحق، وأن يؤيد كلامه بالحجج التي بانت له وأن يجيب عن الاعتراضات الواردة، وهو في ذلك بين أجر وأجرين.
والله أعلم.