المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث - لقاءات ملتقى أهل الحديث بالعلماء - جـ ٣

[ملتقى أهل الحديث]

فهرس الكتاب

- ‌الشيخ علي الصياح

- ‌ روايةَ أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه

- ‌ منهج يعقوب بن شيبة السدوسي في الجرح والتعديل

- ‌[هل المصدر الأساسي في العلل للحافظ يعقوب بن شيبة السدوسي هو علل ابن المديني

- ‌[وهل توثيق يعقوب بن شيبة راجع إلى العدالة أكثر من الضبط

- ‌[هل تخصيص الرسول عليه السلام بفعل معين يحتاج لدليل

- ‌ موضوعات الرسائل العلمية في علم الحديث

- ‌[متى تتكامل ملكة التعليل لدى المرء

- ‌[ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث

- ‌[هل بالفعل أن هذا العلم (علم الحديث) علم يصعب على المرأة دراسته والغوص في أعماقه

- ‌[بعض الرواة يذكر عنهم أن لهم مناكير عن شيخ معين، فهل بإمكان أحدنا أن يجمع رواياتٍ لذلك الراوي عن ذلك الشيخ، ويرى مخالفته وموافقته…أم أن ذلك متروكٌ للأئمة

- ‌أسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه

- ‌ أن الشيخ الألباني رحمه الله قد ضعف حديث الجارية

- ‌[هل حديث الشجة المشهور متفق على ضعفه

- ‌هل لنا أن نورد الحديث ونحكم بصحة الحديث ونحن لم نرى متنه

- ‌ تقسيم أئمة الجرح والتعديل إلى متشدد ومعتدل ومتساهل

- ‌ أبو الفتح لا يعتدّ بتضعيفه

- ‌ من يضعف حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله قال: من عادى لي وليّاً؛ فقد آذنته بالحرب

- ‌هل ورد التثبت في رواية الراويين الثقتين

- ‌[ما الفرق بين مسند البزار المعلل وعلل الدارقطني، وبماذا يفسر منهج الأخير في العلل والسنن، وتباين ذلك

- ‌ الرواة الذين خف ضبطهم ومن ثم اختلطوا

- ‌ ثبوت السماع بين المتعاصرين

- ‌ عن أبي الجوزاء، عن عائشة

- ‌ المحدثون في ديار نجد

- ‌ مطبوع إتحاف المهرة

- ‌ كتاب بعنوان [الجرح والتعديل عند ابن حزم]

- ‌[الخطيب البغدادي هل يعتمد على توثيقة إذا ما كان هناك قول ثاني وهل هو متساهل أم معتدل

- ‌ أحمد يعل الأحاديث في مسنده إذا روى بعدها طريق موقوفة

- ‌ المطبوع من تاريخ الفسوي

- ‌[بعض رواة السؤالات عن العلماء الأئمة تُكُلِّم فيهم

- ‌ الشيخ عبد الله السعد

الفصل: ‌[ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث

ـ‌

‌[ما هو سبب تعمد بعض الرواة لوقف الحديث

؟ وهل هو مشابه لتصرف الإمام مالك في إرسال الحديث أحيانا؟ ]ـ

كنتُ كتبتُ بحثاً حول هذه المسألة بعنوان «الثِّقَاتُ الَّذِينَ تَعَمَّدُوا وَقْفَ الْمَرْفُوعِ أو إِرْسَالَ الْمَوْصُولِ» ومما جاء فيه مما يتعلق بإجابة هذا السؤال:

الرُّوَاة -من حيثُ وَقْفهم الْمَرْفُوع، وَإِرْسَالهم الْمَوْصُول - على قسمين:

1 -

الضعفاء-على تفاوت درجاتهم - فهذا القسم وقفهم للمرفوع، وقصرهم للإسناد ناتج عَنْ سوء حفظهم فهو من باب الوهم والخطأ.

2 -

الثِّقَات وهم في هذا الباب على قسمين:

أ- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول من غير عَمْد فهذا من باب الوهم والخطأ الذي لم يسلم منه أحد، قَالَ أحمد بن حنبل:((ما رأيتُ أحدا أقلَّ خطأ من يحيى بنِ سعيد، ولقد أخطأ في أحاديث، ومن يعرى من الخطأ والتصحيفِ! )) (17)، وَقَالَ ابنُ معين:((مَن لم يخطئ فهو كذاب)) (18)، وَقَالَ:((لستُ أعجب ممن يحدّث فيخطئ إنما أعجب ممن يحدث فيصيب)) (19)، وَقَالَ الترمذيُّ:((لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم)) (20)

ب- ثقات يقفون المرفوع، ويرسلون الموصول عمداً وقصداً لأسباب متعددة - وهؤلاء هم موضوعُ الْبَحْث ومقصده -، وهذه بعض أقوال النقاد الدالة على هذا النوع من الرُّوَاة:

1 -

قَالَ عبدُ الرحمن بنُ مهدي حدّثنا شُعْبة عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبد الله بن مسعود ?وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَاّ وَارِدُهَا? (مريم: 71) قَالَ: يردونها ثم يصدرون بأعمالهم "، قَالَ عبد الرحمن قلتُ لشعبة: إن إسرائيل حدثني عَنْ السُّدي عَنْ مُرّة عَنْ عبد الله عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ شُعْبة: وقد سمعته من السُّدي مرفوعاً ولكني عمداً أدعه.

2 -

وَقَالَ الحميديُّ- بعد رواية حَدِيث " الربا في النسيئة" -: ((كَانَ سفيانُ- هو: ابن عُيينة- رُبما لم يرفعه، فقيل له في ذلك، فَقَالَ: أتقيه أحيانا لكراهية الصرف، فأما مرفوع فهو مرفوع)).

3 -

وَقَالَ المروذيّ سألته -يعني أحمد بن حنبل - عَنْ هشام بن حسان؟ فَقَالَ: أيوبُ، وابنُ عون أحبّ إليّ، وحسّن أمرَ هشام، وَقَالَ: قد رَوى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كَانَ مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه (21).

(17) تاريخ أسماء الثقات (ص259).

(18)

شرح علل الترمذي (1/ 436).

(19)

المرجع السابق.

(20)

المرجع السابق (1/ 431).

(21)

من كلام أبي عبد الله في علل الحَدِيث ومعرفة الرجال (ص55)، وانظر: شرح علل الترمذي (2/ 688 - 689).

ص: 18

4 -

وَقَالَ ابنُ أبي حاتم: ((سألتُ أبي وأبا زرعة عَنْ حَدِيث رَوَاهُ يزيدُ بنُ زُرَيع وَخَالدُ الواسطيّ وَزُهَيرُ بنُ معاوية ويحيى بنُ أيوب وَأبو بكر بنُ عيّاش فَقَالوا كُلُّهم: عَنْ حُمَيد، عَنْ أنس قَالَ: عَادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً قَد جَهِدَ حَتى صَارَ مِثل الفرخ مِنْ شدةِ المرض، فَقَالَ: هل كنتَ تدعو الله بشيء، قَالَ: نعم، كنتُ أقولُ: اللهم ما كنتَ معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا الحَدِيث، فَقَالا: الصحيحُ عَنْ حميد عَنْ ثابت عَنْ أنس، قلتُ: مَنْ رَوَى هَكَذا فَقَالا: خالدُ بنُ الحارث والأنصاريّ وغيرهما قلتُ: فهؤلاء أخطأوا؟ قالا: لا، ولكن قَصروا، وكان حميد كثيرًا ما يرسل)) (22).

5 -

وَقَالَ الدارقطني: ((ومسعر كَانَ ربما قصر بالإسناد طلبا للتوقي وربما أسنده)) (23)، وَقَالَ:((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارةً يصرح بالرفع، وتارةً يومىء، وتارةً يتوقف على حَسِبَ نشاطه في الحال)) (24)، وَقَالَ:((رواه الليثُ بنُ سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل)) (25).

? أسبابُ وَقْف الثِّقَات للمَرْفُوع وَإِرْسَال الْمَوْصُولِ:

ذكر هذه الأسباب إجمالا السخاويُّ -في مبحث ما يلحق بالمرفوع كلفظة: يرفعه، وينميه ونحوهما-فَقَالَ:((الحاملُ عَليهِ وَعَلَى العُدولِ عَنْ التصريحِ بالإضافةِ: إمّا الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني، وَهُو ممن لا يَرى الإبدال كما أفاد حاصله المنذريُّ، أو طَلَباً للتخفيفِ وإيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته كما قالهما شيخنا (26)، أو وَرَعَاً حَيثُ عَلِمَ أنّ المؤدى بالمعنى)) (27).

(22) العلل (2/ 193 رقم2071).

(23)

علل الدارقطني (11/ 294).

(24)

المرجع السابق (10/ 25).

(25)

المرجع السابق (6/ 63).

(26)

يقصد الحافظ ابن حجر وذلك في النكت (2/ 537).

(27)

فتح المغيث (1/ 144).

ص: 19

فتضمن كلام السخاويّ أربعة أسباب:

1 -

الشك: وذَكَرَ نوعينِ مِنْ الشك:

أ - الشك في الصّيغةِ التي سَمِعَ بها أهي: "قَالَ رسول الله" أو "نبي الله" أو نحو ذلكَ، كسَمِعتُ أو حَدِثني.

ب - الشك في ثبوت الخبر عَنْ النبي ?، وعزاه لشيخه الحافظ ابن حجر.

قلتُ: ومن أمثلة ذلك وقف شُعْبة لحديث السُّدي مع إقراره بأنه سمعه من السُّدي مرفوعاً فسبب ذلك شكه في ضبط السدي للحديث مرفوعاً فأوقف الحَدِيث تحرزاً.

وبقي نوعٌ من الشكّ لم يذكره السخاويُّ وهو:

ت - الشك في ثبوت الحكم عَنْ النبي ? إمَّا لكونه منسوخاً أو له تأويل يخالف الظاهر المتبادر، مع الإقرار بأنّ الخبر ثابتٌ مرفوعاً.

ومن أمثلة ذلك وقف سفيان بن عيينة لحديث "الربا في النسيئة"، مع إقراره بأنه مرفوع، لكنّه صرّح بأنَّ سببَ وقفهِ للحديثِ أحياناً كراهية الصرف فهو يشير للخلاف الكبير بين العلماء في توجيه حَدِيث أسامة هذا، فبعض العلماء ذهب إلى نسخه، وبعضهم إلى تأويله (28)، قَالَ النوويُّ:((وقد أجمعَ المسلمون على ترك العمل بظاهر حَدِيث أسامة)) (29)

2 -

طلباً للتخفيف وإيثارا للاختصار:

قَالَ الدارقطنيُّ: ((ابنُ سيرين من توقيه وتورعه تارة يصرح بالرفع وتارة يومىء وتارة يتوقف على حسب نشاطه في الحال)) (30)، وَقَالَ أيضاً:((الحَدِيث في الأصل ثابت الرفع، لكن ابن سيرين كَانَ يقف كثيراً من حديثه تخفيفاً)) (31).

وقال الرّشيدُ العطار: ((الحديثُ قد يكون عند الراوي له عَنْ جماعة من شيوخه، فيحدث به تارةً عَنْ بعضهم، وتارةً عَنْ جميعهم، وتارةَ يُبْهمُ أسماءهم، وربما أرسله تارةً على حسب نشاطه وكسله)) (32).

وَقَالَ ابن حجر: ((ويحتمل أن يكون من صَنَعَ ذلك صنعه طلباً للتخفيف وإيثاراً للاختصار)) (33).

3 -

شدّة الورع:

(28) شرح معاني الآثار (4/ 65)، شرح السنة (8/ 56)، الاعتبار للحازمي (247).

(29)

شرح صحيح مسلم (11/ 25).

(30)

علل الدارقطني (10/ 25).

(31)

المرجع السابق (9/ 128).

(32)

غرر الفوائد (ص215).

(33)

النكت (2/ 537).

ص: 20

قَالَ البغوي: ((كره قوم من الصحابة والتابعين إكثار الحَدِيث عَنْ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوفاً من الزيادة والنقصان، والغلط فيه، حتى إنَّ من التابعين من كَانَ يهاب رفع المرفوع فيوقفه على الصحابي، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يسند الحَدِيث حتى إذا بلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قَالَ: قَالَ، ولم يقل: رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم من يقول: رفعه، ومنهم من يقول: رواية، ومنهم من يقول: يبلغ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل ذلك هيبة للحديث عَنْ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخوفاً من الوعيد)) (34).

قلتُ: هذه الأسباب التي ذكرها السخاويّ، وتبين لي خَمْسةُ أسبابٍ أخرى هي:

3 -

أنْ يُعْرفَ عَنْ صحابيّ الحَدِيث تهيب الرفع أو قلته:

ومن أمثلة ذلك:

-قول حجاج بن محمد حدثنا شُعْبة قَالَ: سمعت عقبة بن وسّاج عَنْ أبي الأحوص عَنْ عبد الله عَنْ النبي ? أنّه قَالَ: ((فضل صلاة الرجل في الجميع على صلاته وحده خمس وعشرون درجة)).

قَالَ حجاج: وَلم يرفعه شُعْبة لي، وقد رَفَعَهُ لغيري، قَالَ: أنا أهابُ أنْ أرفَعَهُ لأنّ عبدَالله قَلَّما كَانَ يرفعُ إلى النبيّ ? (35).

وهذا التهيب والقلة من لَدن صحابي الحَدِيث له أسباب من أبرزها: شدة الورع، والتحرز من الخطأ وتقدم بيان ذلك في كلام البغوي قريباً.

4 -

معرفةُ المخاطبين وتلاميذ الراوي بطريقة شيخهم واشتهارها عندهم:

قَالَ الأعمشُ: ((قلتُ لإبراهيم: إذا حدثتني حديثاً فأسنده فَقَالَ: إذا قلت عَنْ عبد الله -يعني ابن مسعود- فاعلم أنه عَنْ غير واحد، وإذا سميتُ لك أحداً فهو الذي سميت)) (36).

وَقَالَ خالد الحذاء: ((سمعتُ محمد بن سيرين يقول: كلّ شيء حدثتكم عَنْ أبي هُرَيرة فهو عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم)(37).

(34) شرح السنة (1/ 255، 256).

(35)

مسند أحمد بن حنبل (1/ 437)، وانظر: اتحاف المهرة (10/ 417).

(36)

التمهيد (1/ 38).

(37)

تاريخ دمشق (53/ 188).

ص: 21

قَالَ أبو داود: ((كَانَ ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحواً من ثلاثين حديثاً)) (38).

وَقَالَ خالدُ الحذّاء: ((كلُّ شيء رواه ابنُ سيرين عَنْ ابن عباس فهو عَنْ عكرمةَ، لقيه بالكوفة أيام المختار)) (39)، ومعلوم أنّ خالد الحذّاء من تلاميذ ابن سيرين المقدمين.

وَقَالَ الهيثمُ بنُ عبيد حدثني أبي قَالَ: قَالَ رجلٌ للحسن: إنّك لتحدثنا قَالَ النبي، فلو كنتَ تسندُ لنا، قَالَ: والله ما كذبناك ولا كذبنا لقد غزوتُ إلى خراسان غزوة معنا فيها ثلاثمائة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (40).

وَقَالَ الخطيبُ: قَرأتُ في أصلِ كِتَاب دَعْلج بنِ أحمد ثمّ أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني قَالَ: أخبرنا أبو الحسن بن صغيرة قَالَ: حدثنا دعلج قَالَ: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد عَنْ أيوب عَنْ محمد عَنْ أبي هُرَيرة قَالَ: قَالَ: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، قَالَ موسى: إذا قَالَ حمادُ بنُ زيد والبصريون قَالَ: قَالَ فهو مرفوع.

قلتُ للبرقاني: أحسب أنَّ موسى عَنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة، فَقَالَ: كذا تحسب (41).

(38) سؤالات الآجري عَنْ أبي داود (ص55).

(39)

مسائل الإمام أحمد-رواية أبي داود- (ص455).

(40)

التاريخ الكبير (5/ 452)، شرح علل الترمذي (1/ 538).

(41)

الكفاية في علم الرواية (ص418).

ص: 22

وَقَالَ ابنُ محرز سمعتُ يحيى بنَ معين يقولُ: قَالَ يحيى بنُ سعيد القطان: كلُّ حَدِيث سمعتُه مِنْ سفيان قَالَ: حدثني، وحدثنا إلا حديثين: سماك عَنْ عكرمة، ومغيرة عَنْ إبراهيم-ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتهما-، وكل حَدِيث شُعْبة قَالَ: حدثني وأخبرني، وكل حَدِيث عبيد الله قَالَ: حدثني، وأخبرني، فإذا حدثتك عَنْ أحد منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدثني ولا أخبرني، ولا حدثنا ولا أخبرنا، فَقَالَ حبيشُ بنُ مبشر- يفسر ذلك بحضور ابن معين -: هذا بمنزلة رجل قَالَ: حدثنا يزيد بن هارون، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، فإذا قَالَ بعد ذلك: حدثنا يزيد بن هارون عَنْ يحيى بن سعيد لم يحتج أن يقول: حدثنا يزيد، قَالَ: حدثنا يحيى بن سعيد، وَقَالَ عبد الله بن رومي اليمامي- بحضرة يحيى بن معين -: هو أن يقول فيه قَالَ: حدثنا، قَالَ: حدثنا، إذا قَالَ فلان، عَنْ فلان كَانَ كله حدثنا (42).

5 -

ورودُ الحَدِيث بروايتين:

قَالَ الخطيبُ البغداديّ: ((اختلافُ الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحَدِيث ضعفا لجواز أن يكون الصحابي يسند الحَدِيث مرة، ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى، ولا يرفعه، فَحُفِظَ الحَدِيث عنه على الوجهين جميعاً، وقد كَانَ سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرا في حديثه فيرويه تارة مسنداً مرفوعاً، وقفه مرة أخرى قصدا واعتمادا)) (43).

وكلام الخطيب هذا ليس قاعدةً مطردةً، بل قرينة يستفاد منها عند التساوي، ولذا رجح النقاد الوقف في بعض الاختلافات، وفي كتب العلل أمثلة كثيرة، وسيأتي بعضها.

6 -

حال المذاكرة:

قَالَ ابنُ عبد البر: ((والإرسالُ قد تبعثُ عليه أمور لا تضيره مثل أنْ يكون الرجل سمع ذلك الخبر من جماعة عَنْ المعزى إليه الخبر وصح عنده ووقر في نفسه فأرسله عَنْ ذلك المعزى إليه علما بصحة ما أرسله،

أو تكون مذاكرة فربما ثقل معها الإسناد وخف الإرسال)) (44).

(42) معرفة الرجال لابن معين-رواية ابن محرز- (2/ 156رقم494).

(43)

الكفاية (ص417).

(44)

التمهيد (1/ 17).

ص: 23

وأنبه هنا أنَّ حال المذاكرة أخصّ من السبب المتقدم "طلبُ التخفيف وإيثار الاختصار"، فهذا ربما يكون في المذاكرة وغيرها فهو أعم.

7 -

أن يكون الراوي الوَاقِف أو المُرسِل غيرَ راضٍ عَنْ الراوي الرافع أو عمن أسقطه:

فمثال الوقف صنيع شُعْبة مع حديث السّديّ وقد تقدم قريباً، وأمّا الإرسال فمن ذلك صنيع الإمام مالك:

قال الدارقطني: ((أو تعمد (45) إسقاط عاصم بن عبيد الله؛ فإن له عادة بهذا؛ أن يُسقط اسم الضعيف عنده في الإسناد؛ مثل عكرمة ونحوه)) (46).

وقد أشار إلى ذلكَ الشافعيُّ فَقَالَ-بعدَ نقلهِ قولاً لمالك-: ((وهو سيئ القول في عكرمة (47)، لا يَرى لأحدٍ أن يقبلَ حَدِيثه،

وَالعَجَبُ له أنْ يقولَ في عكرمة ما يقولُ، ثم يحتاج إلى شيء من علمهِ يوافق قوله ويسميه مرةً، ويروي عنه ظناً، ويسكت عنه مرةً فيروي عَنْ ثور بن يزيد عَنْ ابن عباس في الرضاع وذبائح نصارى العرب وغيره، وَسَكَت عَنْ عكرمة، وإنما حدّث به ثور عَنْ عكرمة)) (48).

وقَالَ ابنُ كثير -بعد ذكره قول الدارقطني: ((وقولهما أولى بالصواب من قول مالك)) (49)، في ترجيح من وصل حديث"إنَّ اللهَ لما خلق آدم مسح بيمينه ميامنه فأخرج منها ذرية طيبة

" على رواية مالك المرسلة-: ((الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدا لما جهل حال نعيم ولم يعرفه فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ولذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ويقطع كثيرا من الموصولات)) (50).

والإمام مالك بن أنس معروف عنه هذا التصرف فممن نص على هذا:

- الشافعي قَالَ: ((الناسُ إذا شكوا في الحَدِيث ارتفعوا، وكان مالك إذا شك في الحَدِيث انخفض)) (51).

(45) يشير إلى الإمام مالك بن أنس.

(46)

علل الدارقطني (2/ 9).

(47)

يشير لمالك.

(48)

الأم (7/ 244).

(49)

علل الدارقطني (2/ 221).

(50)

تفسير ابن كثير (2/ 264).

(51)

بيان من أخطأ على الشافعي (ص110).

ص: 24

- وابن خزيمة قَالَ: ((وذكر لي السكري (52) حديثا آخرا وهو خبر يعني رواه مالك عَنْ الزهري عَنْ حميد بن عبد الرحمن عَنْ أبي هريرة، روى الشافعي فَقَالَ عَنْ النبي صلى الله عليه وسلم "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة أو مع كل وضوء"، وهذا الخبر في الموطأ عَنْ أبي هريرة "لولا أن يشق على أمته، ورواه روح بن عبادة وبشر بن عمر وغيرهما عَنْ مالك كما رواه الشافعي ويشبه أن يكون مالك إذا شك في الشيء انخفض والناس إذا شكوا ارتفعوا)) (53).

- وابن حبان: قال - بعد روايته حديث "الشفعة فيما لم يُقْسم

"-: ((رَفَعَ هذا الخبر عن مالك أربعةُ أنفس:

، وأرسله عن مالك سائرُ أصحابه، وهذه كانت عادةٌ لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مراراً، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى، عَلى حسب نشاطه، فالحكمُ أبداً لمن رَفَعَ عنه وأسند بعد أن يكون ثقةً حافظاً متقناً على السبيل الذي وصفناه في أول الكتاب)) (54).

-والدارقطني: قَالَ: ((رواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقول الليث أصح ومن عادة مالك إرسال الأحاديث واسقاط رجل)) (55).

- وأبو مسعود الدمشقي قَالَ: ((فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات)) (56).

- والعلائيُّ: قَالَ: ((الأمرُ السادس: أنْ ينظر إلى هذا الذي أرسل الحَدِيث فإن كَانَ إذا شرك غيره من الحفاظ في حَدِيث وافقه فيه ولم يخالفه، دلَّ ذلكَ عَلى حفظهِ، وإنْ كَانَ يخالفُ غيرهُ مِنْ الحُفّاظ فإنْ كانت المخالفة بالنقصان إمّا بنقصان شيء من متنه، أو بنقصان رفعه، أو بإرساله كَانَ في هذا دليل عَلى حفظهِ وتحريه كما كَانَ يفعله الإمام مالك رحمه الله كثيراً)) (57)

-وابن حجر قَالَ: ((وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا)) (58).

(52) هو: أبو عبد الله أحمد بن الحسن السكري، أحد الحفاظ المبرزين مات سنة (268هـ). تاريخ بغداد (4/ 80).

(53)

بيان من أخطأ على الشافعي (ص110).

(54)

صحيح ابن حبان-كما في الإحسان (11/ 591) -.

(55)

علل الدارقطني (6/ 63).

(56)

الأجوبة لأبي مسعود الدمشقي (ص227).

(57)

جامع التحصيل (ص44).

(58)

مقدمة فتح الباري (ص359).

ص: 25

أمثلةٌ من قصر مالك بن أنس للأسانيد:

- المثال الأوَّل: قَالَ ابن عبد البر: ((قَالَ الأثرم: سألت أحمد بن حَنْبَل عَنْ حَدِيث أبي سعيد في السهو، أتذهب إليه؟ قَالَ: نعم، أذهب إِليهِ، قلتُ: إنهم يختلفون في إسناده، قَالَ: إِنَّمَا قصر بِهِ مَالِك، وَقَدْ أسنده عدة، مِنْهُمْ: ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة (59)). وحديث أبي سعيد رواه مَالِك بن أنس، عَنْ زيد بن أسلم، عَنْ عطاء بن يسار؛ أن رَسُوْل الله ? قَالَ:((إذا شك أحدكم في صلاته فَلَمْ يدرِ كم صلى أثلاثاً أم أربعاً؟ فليصل رَكْعَة، وليسجد سجدتين وَهُوَ جالس قَبْلَ التسليم، فإن كَانَت الرَّكْعَة الَّتِي صلى خامسة شفعها بهاتين السجدتين، وإن كَانَتْ رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان)) (60).

- المثال الثاني:

سئل الدارقطني عَنْ حَدِيث سعيد بن المسيب عَنْ معاذ "من صلى في فلاة من الأرض فلم يثوب بالصلاة صلى معه ملكان أحدهما عَنْ يمينه والآخر عَنْ شماله، وإنْ ثوب صلى معه من الملائكة أمثال الجبال" فَقَالَ: ((يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري واختلف عنه فرواه الليث بن سعد عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب عَنْ معاذ، وخالفه مالك فرواه عَنْ يحيى عَنْ ابن المسيب قوله، وقولُ الليث أصح، ومن عادة مالك إرسال الأحاديث وإسقاط رجل)) (61).

- المثال الثالث:

وسئل الدارقطني أيضاً عَنْ حَدِيث عَنْ نعيم بن عبد الله المجمر عَنْ أبي هريرة قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه في مصلاه حتى يصلي فَقَالَ: ((يرويه مالك بن أنس واختلف عنه فرواه أصحاب الموطأ عَنْ مالك عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة موقوفا ورواه إسماعيل بن جعفر وعثمان بن عمر عَنْ مالك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه محمد بن عمرو بن علقمة عَنْ نعيم المجمر عَنْ أبي هريرة ورفعه صحيح إلا أن مالكا وقفه في الموطأ)) (62).

(59) التمهيد (5/ 25).

(60)

الموطأ-رواية يحيى بن يحيى الليثي- (252).

(61)

علل الدارقطني (6/ 63).

(62)

علل الدارقطني (11/ 162).

ص: 26

- المثال الرابع:

قَالَ أبو مسعود الدمشقيّ -تعليقا على قول الدارقطني: وأخرج حَدِيث عبدة عَنْ عبيد الله عَنْ عبد الرحمن بن القاسم عَنْ أبيه عَنْ عائشة رضي الله عنها " أن أسماء نفست بذي الحليفة" والصواب -فيما يقال- رواية مالك، عَنْ عبد الرحمن عَنْ أبيه أن أسماء ليس فيه عائشة-:((إذا جَوَّد عبيد الله إسناد حَدِيث لم يحكم لمالك عليه فيما أرسله، فإنّ مالكاً كثيرا ما أرسل أشياء أسندها غيره من الأثبات، وعبدة بن سليمان فثقة ثبت)) (63).

- المثال الخامس:

قال ابن حجر في مقدمة الفتح: قَالَ الدارقطني: وأخرج البخاريّ حَدِيث الليث عَنْ خالد عَنْ سعيد بن أبي هلال عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك قَالَ وَقَالَ هشام بن سعد عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ حفصة عَنْ عمر، وَقَالَ روح بن القاسم عَنْ زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر. قلتُ: الظاهر أنه كَانَ عند زيد بن أسلم عَنْ أبيه عَنْ عمر وعن أمه عَنْ حفصة عَنْ عمر لأن الليث وروح بن القاسم حافظان، وأسلم مولى عمر من الملازمين له العارفين بحديثه، وفي سياق حَدِيث زيد بن أسلم عَنْ أمه عَنْ حفصة زيادة على حديثه عَنْ أبيه عَنْ عمر كما بينته في كتاب تغليق التعليق فدل على أنهما طريقان محفوظان، وأما رواية هشام بن سعد فإنها غير محفوظة لأنه غير ضابط، والله أعلم، وقد رواه مالك عَنْ زيد بن أسلم عَنْ عمر لم يذكر بينهما أحدا، ومالك كَانَ يصنع ذلك كثيرا)) (64).

وفي الموطأ كثير من الأحاديث المرسلة والبلاغات، وتوجد موصولةً في الصحيحين، وغيرهما.

(63) الأجوبة لأبي مسعود الدمشقي (ص227).

(64)

مقدمة فتح الباري (ص359).

ص: 27