المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الثقافة للدكتور عبد الرحمن شهبندر إذا كان رمحك معوجّاً وكان عليك أن - مجلة «الثقافة» السورية - جـ ٢

[خليل مردم بك]

الفصل: ‌ ‌الثقافة للدكتور عبد الرحمن شهبندر إذا كان رمحك معوجّاً وكان عليك أن

‌الثقافة

للدكتور عبد الرحمن شهبندر

إذا كان رمحك معوجّاً وكان عليك أن تبرز للطعان في الميدان فلا بد لك من تقويمه وتسويته، وهذا هو أصل التثقيف في اللغة العربية، ومن هذا المعنى البسيط المحسوس انتقل العرب بطريق المجاز إلى المعنى المركب المجرد فقالوا إذا كان ولدكمعوجّاًً وكان عليه أن يبرز للطعان في معترك الحياة كما هو المنتظر فلا بدَّ لك من تثقيفه وهو التقويم والتسوية.

ومن الهين أن نقول أن في الثقافة وهي مصدر ثقف اللازم معنى الاستقامة وأن خالفنا الذين أنكروا ذلك لقولهم إن هذا المعنى لم تنص عليه كتب اللغة التي بأيدينا فطريق الانتقال بينة ومحجته واضحة، ومن اللغو كل اللغو أن يحاول بخلاء الكلام المتحذلقون التقتير علينا بمال لا يمتلكونه وطعام لا يذوقونه، فاللغة الحية مثل الشجرة الباسقة تعيش وتنمو حتى بعد موت من زرعها بيه وتعهدها بعنايته. وإن كان هذا النمو متوقفاً على تلك الأصول المنتشرة في الأرض ومرتبطاً بالساق الصاعدة منها وقد أجاد العرب كثيراً في نظرهم إلى التثقيف المعنوي إنه سلاح يتذرع به الأعزل فيصير أهلاً للكفاح.

وقد يكون تاريخ اللغة وتدرج الكلمات من المحسوس إلى المجرد بطريق المجاز أن الاستعارة أهم مفتاح لمعرفة وجهة النظر في الأقوام المختلفة والسجل الذي تعرف به مناحيهم العقلية. وأذكر أن اتحاديي الترك أرادوا أن يترجموا القرآن إلى لغتهم الأصلية قبيل الحرب العالمية فلما وصلوا في ترجمة الفاتحة إلى أهدنا الصراط المستقيم والهداية هي الإرشاد بلطف قالوا (بزي طوغري يوله قامشيله) أي أدفعنا اللهم بالكرباج إلى الطريق المستقيم - فكأن لغة الترك تأمر بالهداية على طريقة القومانده العسكرية ليس إلا.

وإذا كان العرب قد اتخذوا من تقويم الرماح كلمة التثقيف لتقويم النفوس فإن الإفرنج اتخذوا من فلاحة الأرض كلمة (كولتور للدلالة على الثقافة، فوجهتنا في هذه الكلمة صراع وكفاح وعراك ووجهتهم اقتصاد واستثمار واستعمار فكأني بهم يقولون أن التثقيف هو حرث الأدمغة بسكة العلم وزرعها ببذور التربية وسقيها بماء الأدب وتعهدها بنور الفن لتصير دوحة يستظل بظلها المتعب ويأكل من ثمرها الجائع - أو لتصير قوة هائلة تطغى على

ص: 7

البلاد البكر المستضعفة فتستعمرها وتمتص خيراتها.

ومن حسن الحظ إننا معاشر العرب لسنا دائماً في مجازنا على هذه الشدة وهذا البطش فقد لطفنا الأخلاقبالتدميث كما قومناها بالتثقيف واستعرنا كلمة (التدميث) هذه من معنى بسيط جداً أيضاً قد اختبره كل من افترش الأرض في البيداء والتحف السماء. فالتدميث كلمة مشتقة في الأصل من المكان الدمث إي الهين اللين المفروش بالرمل الطري، قال صاحب المثل (دمث لنفسك قبل النوم مضطجعاً) يعني إزالة الحجارة الناتئة والأشواك الواخزة والحصى المبعثرة من مضجعك في الكهف أو في الصحراء لتنام نوماً هانئاً مطمئناً على الرمل الوثير وكذلك أزل الخشونة البارزة والفظاظة الموحشة والعيوب الشائنة من ابنك بتدميث أخلاقه ليصير رجلاً وليرتاح إليه الناس، والفراش الوثير الذي يدعو إلى الارتياح هو دماثة النفوس أكثر مما هو دماثة الأمكنة وإن كنا لا ننكر أن الناس شعروا بوعورة المضاجع قبل أن يشعروا بوعورة الأخلاق.

وقلنا في لغتنا أيضاً بتهذيب الأخلاق وهو من باب المجاز على طريقة الفلاحة التي سار عليها الإفرنج لأن التهذيب في كتب اللغة هو إصلاح الشجر ولاسيما النخل وقطعه وتنقيته من الليف ليعطي ثمراً أكثر، والنفس التي تهذب فتقطع منها الأغصان اليابسة وتزال عنها الألياف تكون صالحة للاستثمار في حديقة المجتمع

ولا يتعذر على اللغوي أن يستخرج مثل هذه المعاني الاستثمارية من كلمتي التربية للتنمية والتحضير للإقامة على الماء الدائم فيكون الرجل المربى هو الرجل النامي كالدوحة الباسقة يستظل بظلها الناس والرجل الحضري هو الذي أقام على الماء صيفاً وشتاءً فشرب منه وسقى به حتى أخضل ربعه وامتلأ ضرعه، والماء أصل الحياة ولا ثقافة يعتد بها حيث لا حضارة يعاش تحت سقفها.

وفي صيف سنة 1926 نزلت على قبيلة الخرشان في البادية البيداء فسألت نفراً من أبنائها في جملة ما سألتهم ما قولكم في البداوة والحضارة فقالوا من أمثالنا البدو في شقى الدنيا والفلاح حمار الدنيا والحضري ابن الدنيا وفي ظني أن الحضري ما صار ابن الدنيا إلا لأن الحضارة جهزته بالثقافة فاستثمر الأرض وعرف كيف يشق طريقه إلى بطنها فينمو من عناصرها ويرضع من خيراتها.

ص: 8

ومما هو حري بالتدوين أن الألمان هم أكثر الغربيين ميلاً إلى ربط الثقافة باستثمار خيرات الأرض حتى كادت كلمة وهي الثقافة في لغتهم تنطبق عندهم على أصل الفعل الذي اشتقت منه وهو فلاحة الأرض بأ، سع المعاني. وللبحاثة (بارت) نظريات سبع مشهورة لتعليل تاريخ البشر على ظهر الأرض منها الثقافة بهذا المعنى الاستثماري يعني أن الوسائط التي تتسلط بها الأمم على الطبيعة لإدارتها واستدرار خيراتها هي سر النشوء في مجتمعها وهي ثقافتها، ونحا (ماركس) رسول الاشتراكية هذا النحو أيضاً فقال أن العالم المؤثر في النشوء الاجتماعي هو القوى المادية المنتجة يعني أن ينابيع الثروة والآلات التي يستخدمها الإنسان والأجهزة التي يستعين بها كل ذلك يكسب الناس شكل الحياة الاجتماعية التي يتمتعون بها. فتكون الأفكار المنتشرة بينهم نتيجة ما هم عليه من الطرائق الإنتاجية التي توصلوا إليها، فإذا كانت هذه الطرائق راقية دقيقة التركيب وكثيرة المحصول فالحياة الاجتماعية راقية على نسبتها والعكس بالعكس. فلا عجب أن تكون البلاد الصناعية أرقى من البلاد الزراعية وهذه رقى من بلاد المراعي. وقصارى القول أن (ماركس) يقول أن وسائل الإنتاج في المجتمع وما يبنى عليها من العلاقات بين الناس تؤلف النظام الاقتصادي في الهيئة الاجتماعية، وهذا النظام هو العالم الأساسي في تكوين النشوء العقلي في الشعوب.

وقسم أحد كبار العلماء التاريخ إلى عصر ثلاثة (الأول) عصر فن البناء وصب القلزّ وقطع الحجارة. (الثاني) عصر المخترعات الثلاثة الإبرة المغنطيسية وهي (البوصلة) والبارود والطبع. (الثالث) عصر الآلات البخارية، فكل عصر من هذه الأعصر هو ثقافة بحد ذاتها، ونحن وإن كنا أبعد الناس عن إنكار الروابط المتينة بين الثقافة وطريقة استثمار الأرض إلا أننا نرى أن هنالك بواعث أخرى غير البواعث المادية للمظاهر الاجتماعية المعنوية، ولا تزال الثقافة في نظرنا صقلاً برانياً جوانياً يصقل به الرجل الخام في معامل التربية العقلية والروحية فيصير إنساناً، وتظهر الثقافة بأجلى مظاهرها بالمقارنة بين الأجلاف الخشنين والمهذبين الناعمين.

يعرف الجلف بهجر القول والحركات الثقيلة والتصورات المبتذلة ويعرف المثقف بالألفاظ المنتقاة والسيرة المنظمة والأفكار المشذبة.

ص: 9

تعاشر المثقف فلا تمل حديثه وتتمنى لو يكتب لكما العيش معاً ردحاً من الزمن وتصادف الجلف في حافلة أو في سيارة فتتمنى أن تنتهي السفرة ولو بصدمة أو انخراق عجلة لتخلص من سماع الحديث ورؤية الحركات والسكنات.

ومن أدعى دواعي الأسف أن ليس كل من تروض بالعقليات والأبيات صار مثقفاً فقد رأينا أناساً تخرجوا في أرقى الكليات الجامعة ومع ذلك فالتربية الأولى والمعاشرة الأولى والميراث المتصل بالآباء والجود بقيت آثارها متغلبة فلم يفد فيها لا صقل البكلوريا ولا طلاء معلم علوم. ولا شك أن القابلية الطرية شرط جوهري لقبول الثقافة، ومن حسن حظ البشر أن هذه القابلية منتشرة في جميع الأوساط ولولا ذلك ما كانت هنالك فائدة كبيرة ترتجي من معاهد التهذيب أو مؤسسات التربية والتعليم.

ولا يفوتني بع ما أظهرت ما للثقافة من المقام الاجتماعي وما أشرت إليه من الروابط المتينة بينها وبين النظم المادية في الجمعية البشرية أن أقول أننا إذا أردنا أن تكون لنا ثقافة قيمة وأن نقوم بنصيبنا في خدمة الحضارة فلا بد لنا من العناية التامة بشؤوننا الاقتصادية ومؤسساتنا الصناعية والزراعية، ولا تقل تلك المعامل التي أنشئت في البلاد حديثا شأنا في رفع المستوى الأدبي عن معاهد العلم والتربية لأن هنالك شبه إجماع بين أهل البحث على أن المعيشة الفردية البسيطة المنعزلة التي تغنى بها أبو العلاء المعري وأمرسون وتولستوي وفاجنر وأمثالهم لا يجوز تطبيقها على المجتمع كاملاً وأن الفلسفة التي صبت إليها نفوسهم وخلاصتها العيش البسيط والفكر السديد هي فلسفة لذيذة وحكمة بالغة ولكنها تليق بالنبغاء الممتازين لا بالدهماء من الناس ولو قدر لهؤلاء الزهاد كما قال أحد العلماء أن يستميلا العالم إلى الاحتذاء بهم وأن يستغووه ببساطتهم في المأكل والمشرب والملبس مع إغفال الأعمال الاقتصادية الناجزة لأصبح تهذيب الجماعة بسيطاً مثل حواطاتهم الخالية الخاوية ببيوت مؤونتهم - ذلك لأن الأفراد إذا قضوا حياتهم في بيئة اقتصادية بسيطة فإن النشاط العقلي والروحي والبدني فيهم يكاد يصبح مستحيلاً. ومن كانت معدهم جائعة فعقولهم مصروفة بحذافيرها إلى الحصول على الطعام، ولن يكون فيها مجال متسع لمقومات الثقافة من فن وعلم ومقاييس في الأخلاق راقية.

القاهرة في 19 آذار سنة 1933

ص: 10

عبد الرحمن شهبندر

ص: 11