المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران: - التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌القسم الأول[فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية]

- ‌ لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا

- ‌ نجدة العرب وحميتهم

- ‌ قدوم أبرهة

- ‌أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة

- ‌الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الأول:

- ‌ الأمور التي لخصها من الأشعار:

- ‌الجمع أو الترجيح فيما اختلفت فيه الروايات:

- ‌ استنتاج المعلم:

- ‌تحرير البحث:

- ‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

- ‌ الأمارة الأولى:

- ‌ الأمارة الثانية:

- ‌ الأمارة الثالثة:

- ‌ الأمارة الرابعة:

- ‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

- ‌ القسم الثانيتفسير السورةوفيه: مقدمة وبابان

- ‌ الفاء عاطفة سببية

- ‌ الباب الثانيفي البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: {تَرْمِيهِمْ}

- ‌ فوائد وقواعد ينبني عليها البحث

- ‌النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام

- ‌ لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه

- ‌(5) الحال الذي هو زمن التكلم

- ‌(9) المصادر من حيث مدلولها على ضربين:

- ‌ 15] (10) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن

- ‌ فصل

- ‌فهرس مراجع التحقيق

الفصل: ‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

(و)

الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

الأول: استبعاده أن ينكُلوا عن القتال دون البيت، مع مالهم فيه من حسن الاعتقاد، وما لهم به من الشرف، وما عُرفوا به من الغيرة والنجدة. وقد تقدم الكلام على هذا في فصل (ج).

الثاني: استشعاره ــ فيما يظهر ــ أن اعتقاد نكول قريش عن القتال قد يؤدي إلى عيبهم، وقد يتخذه بعض الكفار والملحدين ذريعة إلى عيب خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم قومه.

وقد خفي هذا عن بعض أهل العلم في عصرنا [ص 44] لا يزال يكرر في مواعظه أن العرب كانوا على غاية من الجبن، أرعبتهم دابة ــ يعني الفيل ــ فأسلموا بيت الله، وهو رأس دينهم وشرفهم. ويتفنن في هذا المعنى، ومقصوده إثبات أنّ الإسلام هو الذي أكسبهم الشجاعة. وكان عليه أن يدع هذا البحث لمخالفته الواقع، وضعف النتيجة التي يحاولها منه، ولأنّه سرعان ما يسري في النفوس عيب الأمة إلى عيب كل فرد منها، فيجرُّ ذلك إلى عيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويتخذه الكفار والملحدون ذريعة إلى ذلك.

فكأن المعلِّم رحمه الله حاول اقتلاع هذا الأمر من أصله. وأنا أقول: إن الحق أعز وأظهر من أن يضطرّ المنتصر له إلى الخروج عنه من جهة أخرى. وقد قدمت في فصل (ج) ما فيه أوضح العذر لأهل مكة في كفّهم عن قتال أبرهة. فمن تعامى عن ذلك وأبى إلا أن ينسبهم إلى الجبن، فهو وما اختار لنفسه!

ص: 59

(ز)

والباعث له ــ فيما يظهر ــ على إنكار رمي الطير أمور:

الأول: أن يتهيأ له دعوى أن قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ} للخطاب فيستدل بذلك على أن أهل مكة قاتلوا.

الثاني

(1)

: ما ذكره بقوله (ص 20): "من ينظر في مجاري الخوارق يجد أن الله تعالى لا يترك جانب التحجب في الإتيان بها، كما هي سنته في سائر ما يخلق؛ لأن حكمته جعلت لنا برزخًا بين عالمي الغيب والشهادة، وسنّ لنا التشبث بالأسباب مع التوجه إلى ربها، ليبقى مجال [ص 45] للامتحان والتربية لأخلاقنا".

قال عبد الرحمن: تحقيق هذا البحث يستدعي النظر في حكمة الخلق، وقد أشار إليها الكتاب والسنة، وتكلم فيها أهل العلم، وأوضحتُ ذلك في بعض رسائلي

(2)

، وألخص ذلك هنا:

إن الله تبارك وتعالى جواد حميد، اقتضى جوده أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، فاقتضى ذلك أن يخلق خلقًا يكون محلًّا للكمال. وعلم أنه لا يكون للمخلوق كمال يعتدّ به إذا خُلق مجبورًا على الخير، أو غير ممكَّن من العمل، أو مسهَّلًا له عملُ الخير بأن لا تكون فيه مشقة ألبتة. فخلق تبارك وتعالى الخلق قابلين للكمال وضده، مختارين ممكَّنين، عليهم في الخير مشقة وكلفة، و {خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].

(1)

الأمر الثالث سيأتي في (ص 79).

(2)

انظر: كتاب "العبادة"(ص 56 وما بعدها) بعنوان "حجج الحقِّ شريفة عزيزة كريمة".

ص: 60

وقضاؤه وقدره من وراء ذلك، فلا منافاة بينه وبين الاختيار والتمكن، خلافًا للجبرية وللقدرية من المعتزلة وغيرهم.

ثم أمرهم بالخير، ونهاهم عن الشر، فانحصر كمالهم في طاعته. وعليه قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].

وأُسّ الكمال ورأس العبادة معرفة الحق، فلو جعل سبحانه حجج الحق مكشوفةً لما كان في معرفتها مشقة. فلا تكون عبادة ولا كمالًا. فلم يكن بدّ أن يكون دون حجج الحقّ حجاب، فلا تدرك إلا بكلفة ومشقة.

مثال ذلك: معرفة الله عز وجل. الطريق العام فيها هو الاستدلال بالأثر على المؤثر، وللآثار أسباب حسية فهي الحجاب. [ص 46] فإذا نظرنا إليها، وعرفنا ما هي عليه من الإتقان، ومطابقة الحكمة، كانت تلك حجة على أن لها خالقًا حيًّا عليمًا قديرًا حكيمًا.

ثم ننظر، فنجد منها ما هو عارض، يسميه بعضهم اتفاقيًّا، ولكننا إذا أمعنّا النظر وجدناه على وفق العدل والحكمة والإحسان، فتكون هذه حجة.

ومنها: ما يتسلسل، فإذا مشينا مع سلسلته انتهينا إلى حلقة لا نجد بعده حلقة، إلا أن نربطها بإرادة الرب وقدرته، وهذه حجة.

وإن أبينا إلا أن نفرض حلقات أخرى تشبه هذه الحلقات الكونية، فمهما فرضنا لا بد أن تنتهي الحلقات إلى حلقة لا يكون وراءها إلا إرادة الرب وقدرته، وهذه حجة.

فمن كان قلبه عامرًا بحب الحق، فإنه تكفيه حجة من هذه الحجج أو غيرها، يتقبلها بقبول حسن، فيمدّه الله عز وجل باليقين من حيث لا يشعر.

ص: 61

ومن كان دون هذا إلا أنه محب للحق في الجملة، فإنه إذا لم تقنعه الحجة حفظها، وضمّها إلى غيرها، فيستفيد من المجموع اليقين، أو ما يقرب منه، فيقبله، ويكمل الله تعالى له اليقين بفضله.

ومن استحوذ عليه الباطل لا تقنعه الحجة وحدها، فيتشكك فيها، ثم يطرحها نسيًا منسيًّا، فإذا عرضت له الأخرى فكذلك. فإذا حاولت إحدى الحجج أن تغلب هواه، وتضطره إلى الإيمان بوجود الخالق، فزعت نفسه إلى التفكر في الخالق قائلة:[ص 46] وما هو؟ وكيف هو؟ وأين هو؟ فيتخبط في هذا العماء بدون اهتداء بالأدلّاء ــ وهم الأنبياء ــ لسابق سوء ظنه بهم، فلا يحصل إلا على الحيرة.

وربما يكون قد تقدمه من يرى أنه أعلم منه، ولم يؤمن، فيهاب خلافه. أو يكون قد سبق منه ومن الذين ينسبهم إلى العقل والعلم عيب للعامة التي تؤمن بالله عز وجل، واستهزاء منها، وسخرية بها، وحكم عليها بأن أساس جهلها وأوهامها وخرافاتها هو الإيمان، فيأنف أن يعود إلى مساواتها.

وقد تشعر نفسه أنه إذا آمن بالله عز وجل ألجمها وكبحها عن كثير من شهواتها، فهي تعارضه في ذلك، وتغالطه، ولا تألو جهدًا في صرفه عنه إلى أسباب أخرى. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

[ص 49]

(1)

وأما قول المعلم: "وسن لنا التشبث بالأسباب"، وقوله:"تربية لأخلاقنا"، فإنه أصل آخر، حاصله: أنه كما جعل الله تعالى الأمور الدنيوية مبنية في الظاهر على الأسباب الحسية، سترًا لحجج الحق كما علمت، فإنه شرع لعباده أن يتشبثوا بالأسباب، وذلك لوجوهٍ:

(1)

الصفحتان (47، 48) وأكثر من نصف ص 49 مضروب عليها.

ص: 62

منها: أن الله عز وجل لو أغنى المؤمنين عن الأسباب لكان ذلك كشفًا لحجج الحق، وهو خلاف الحكمة كما علمت.

ومنها: أن العمل بالأسباب تحت الإذن الشرعي كله خير موجب للكمال، بقدر ما فيه من المشقة، فتوسيع دائرة الأعمال تهيئة لأسباب الكمال.

[ص 50] ومنها: أن الله تبارك وتعالى قد آتى العبد قدرة، وأمره أن يستعملها فيما ينفعه. فإن أحب أن لا يستعملها في مصالحه الدنيوية، فإن كان الباعث له على ذلك هو الإخلاد إلى البطالة، فالبطالة خلّة سوء، لا يرضاها الله تعالى لعباده الذين خلقهم ليكملوا. فإن كان مع ذلك يطلب حوائجه من ربه عز وجل فتلك حماقة، يعطل ما آتاه الله عز وجل، ويطلب ما عنده. وإن كان الباعث له هو التفرغ للصلاة والصيام فهو جهل. اسْعَ في مصالحك الدنيوية داخل الحدود الشرعية، حافظًا لحدود الله تعالى، مجتنبًا للحرام والشبهات، يكن لك أجران: أجر الساعي على نفسه، والعابد لربه. بل هي أجور كثيرة، لعل صلاة النافلة وصيامها لا تُعْشِرُها.

بل إذا تشاغل عن السعي في ضرورياته الدنيوية بصلاة النفل وصيامه كان تاركًا لما أمر به، متشاغلًا بما لم يؤمر به، فلعله لا أجر له ألبتة. بل لعله لا يسلم من الإثم، وحسبك من ذلك أنه بدعة مخالف لما جرى عليه عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، والراسخين في العلم ممن بعدهم.

ومنها: أن في ذلك ضرب مثل للعباد. يقال لهم: إذا كان ربكم أجرى العادة على أنه لا تُنال المنافع الدنيوية إلا بالسعي لها، هذا مع هوان الدنيا عليه، فمن باب أولى أن تكون المنافع الأخروية لا تُنال إلا بالسعي لها، فاجتهدوا في العمل، ولا تغرنّكم الأماني.

ص: 63

واعلم أن الشريعة أبلغت في هذا الأمر حتى ألزمت المكلف إذا عجز عن السبب العادي أن يعمل ما يشبهه، وبينت أنه لا يستحق الإغاثة من الله عز وجل إلا بذلك. فمن هذا [ص 51] قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم فكُفُّوا صبيانكم

وأغلقوا الأبواب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابًا مغلقًا، وأَوكُوا قِرَبَكم، واذكروا اسم الله، وخَمِّروا آنيتكم، واذكروا اسم الله

".

وفي رواية: "فإن الشيطان لا يحُلّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم الله، فليفعل"

(1)

.

ولا يخفى أن إغلاق الباب، وإيكاء السقاء، وعرض عود على الإناء، ليس بمانعٍ طبعي للشيطان، وإنما يمنعه الله عز وجل؛ لتعوذ المؤمن بذكر اسمه ومع ذلك شرط للإعاذة أن يعمل الإنسان ما يقدر عليه مما من شأنه أن يمنع في الجملة، وإن كان ليس بمانع طبعي للشيطان.

ومن ذلك حديث: "إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، وليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"

(2)

.

وفيه: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخطط خطًّا، ثم لا يضره ما مر أمامه"

(3)

.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء .. إلخ. [المؤلف]. (2012).

(2)

المستدرك (1/ 251). [المؤلف]. (922).

(3)

سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصًا. [المؤلف]. (689).

ص: 64

وفيه: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين". وفي رواية: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره

"

(1)

.

أحاديث السترة وقطع الصلاة تدل أن المقصود من السترة منع الشيطان الجني من المرور. وإيضاح ذلك وبيان وجهه، له موضع آخر. والمقصود هنا: أن الجدار والعصا [ص 52] أمام المصلي ليس من شأنها أن تمنع الشيطان عن المرور منعًا طبيعيًّا، وإنما الذي يمنعه الله عز وجل بقدرته، فشرط الله عز وجل لمنعه أمرين: التعوذ، مع فعل الإنسان ما يقدر عليه مما من شأنه أن يمنع في الجملة، على نحو ما مرّ.

ولهذا إذا تعوذ الإنسان ونصب السترة، ثم ترك إنسانًا يمرّ بين يديه مرّ الشيطان معه؛ لأن المصلي قد قصّر فيما يقدر عليه من منع المارّ.

وهناك شواهد أخرى على هذا الأصل، وهو أن على الإنسان أن يسعى ويجتهد في جلب النفع، ودفع الضرر بالأسباب العادية أو ما يشبهها. فإذا فعل ذلك، والتجأ إلى ربه، أغاثه الله. وإن قصّر فيما يقدر عليه، لم يستحق أن يغيثه. وفيما ذكر كفاية. والله الموفق.

وبقي أمر ثالث، لم ينبه عليه المعلِّم رحمه الله. وهو أن الله عز وجل إذا أظهر معجزة لنبيٍّ جعل لذلك النبي صلة بها، ليعلم الناس أنها معجزة له.

فهذه ثلاثة أمور:

1 -

الحجاب.

2 -

بذل الوسع من الأسباب العادية.

3 -

بيان أن هذا الخارق معجزة لهذا النبي.

(1)

صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي. [المؤلف]. (506).

ص: 65

وقد ذكر المعلِّم لتثبيت ما أصّله شواهد، وذكر أن قصة الفيل نظيرها. قال: "الأول: ما وقع في غزوة بدر، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ حفنة من الحصباء، فاستقبل بها قريشًا، ثم قال: شاهت الوجوه. ثم نفحهم بها، وقال لأصحابه: شدّوا. فلم يبق كافر إلا شغل بعينه، كما جاء في سورة الأنفال:{وَمَا رَمَيْتَ [ص 53] إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17].

فجعل الله تعالى رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم سببًا ظاهرًا لما رماهم حتى شغل كل واحد منهم بعينه. فكان هناك رميان: رمي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأوه. ورمي من الله تعالى لم يروه، ولكن رأو أثره، ولذلك جاء النفي والإثبات معًا

".

قال: "والثاني:

في سفر الخروج (ص 9: 8 - 11)

(1)

: ثم قال الرب لموسى وهارون: خذا ملء أيديكما من رماد الأتّون، وليُذَرِّه موسى نحو السماء أمام عيني فرعون، ليصير غبارًا على كل أرض مصر؛ فيصير على الناس، وعلى البهائم دماملَ طالعةً ببثور

".

قال: "والثالث:

في سفر الخروج (ص 10: 12 - 15): ثم قال الرب لموسى: مُدَّ يدك على أرض مصر لأجل الجراد، ليصعد على أرض مصر، ويأكل كلَّ عشب الأرض

وأكل جميع عشب [الأرض]

(2)

، وجميع ثمر الشجر الذي تركه البرَد

".

(1)

في الأصل: "ص 5

"، والصواب ما أثبتنا من تفسير سورة الفيل.

(2)

ما بين الحاصرتين ساقط من تفسير سورة الفيل. وقد زدناه من الترجمة العربيّة للتوراة.

ص: 66

قال عبد الرحمن: هذه الشواهد لا تناسب الأصل الأول، وهو الحجاب، وإنما الحجاب ما يستر الحجة، فيشبّه على الناظر حتى يحقق النظر، ويخلص للحق، فتنكشف له بقدر إخلاصه واجتهاده. ورمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالكف من الحصباء لا يستر تلك الحجة، إذ لا يتوهم عاقل أن رمي الإنسان بملء كفٍّ يكفي عادة لأن يبلغ إلى كل فرد من أفراد جيش العدو مع تباعد بعضهم، ثم يملأ عيونهم. ولا يتوهم عاقل أن ملء كفين من الرماد يذرّه رجل نحو السماء يكفي عادة لأن يصير غبارًا على أرض مصر كلها. ولا يتوهم عاقل أن مدّ الإنسان يده سبب [ص 54] عادي لمجيء الجراد. فالمناسب في هذه الشواهد إنما هو الأمر الثالث، وهو أن يعلم أن ذلك الخارق معجزة لذلك النبي، وقد يناسب الأمر الثاني وهو بذل الوسع في التسبب.

فإن قلت: فإن المعجزات من حجج الحق، فكيف جاءت مكشوفة.

قلت: أما المعجزات التي في هذه الشواهد فلا أراها مكشوفة، ولكن الحجاب فيها غير ما ظنه المعلِّم من الرمي باليد، والإشارة بها. وإنما الحجاب في قصة بدر هو توهم الاتفاق، فيقول الملحد: رمى محمد بملء يده من التراب والحصى، فصادف أن هبت ريح شديدة سفت التراب. وأما في قضيتي موسى، فهو ما كانوا يتوهمونه من السحر.

ولكن ليس الخوارق كلها كذلك، بل منها ما يكون مكشوفًا لحكمة تقتضي ذلك، من ذلك ما يطلع الله تعالى النبي عليه وحده كإحياء الطير لإبراهيم عليه السلام، والإسراء والمعراج بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. فلم يكن المقصود بذلك إقامة حجة حتى تقتضي الحكمة حجابًا،

ص: 67

وإنما المقصود تطييب نفس إبراهيم عليه السلام، وتطييب نفس محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتكريمه. وذلك لا يدعو إلى الحجاب، بل ينافيه.

وقد يحصل شيء من ذلك لغير الأنبياء تبعًا، كما شاهده الصحابة من البركة في الماء، والطعام؛ وما سمعوه من تسبيح الطعام، وحنين الجذع، وغير ذلك.

وقد يكون منه ما في قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60].

ومن ذلك الآيات القاضية التي تقترحها الأمم المعاندة على أن يعاجلها العذاب [ص 55] إن لم تؤمن، فإنه لا يترك لهم مهلة للنظر، حتى تقتضي الحكمة حجابًا، ولو جعل حجاب لما حصل مقترحهم، فمن ذلك ما يروى أن قريشًا اقترحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فأوحى الله إليه: إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، فإن لم يؤمنوا عذّبتُهم. فقال: لا، بل أنتظر بهم، أو كما قال

(1)

.

ومما يشبهه اقتراح الحواريين على عيسى نزول مائدة من السماء فقال الله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 115].

(1)

راجع مسند أحمد (1/ 242 ، 258)[2166، 2333]، والمستدرك (2/ 362)[3225، 3379]. [المؤلف].

ص: 68

ومن ذلك الآيات التي يقع بها العذاب، فإنها ليست لإقامة حجة، فيناسبها الحجاب.

وقد تجتمع عدة أسباب كما في فلق البحر لموسى عليه السلام، قال تعالى:{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشعراء: 61 ــ 66].

فكان في فلق البحر تطييب لنفس موسى وهارون ومن معهما من المؤمنين، ونجاة لهم، وإقامة حجة على من كان في قوم موسى من المرتابين، وإقامة للحجة القاضية على فرعون وقومه وتهيئة عذاب لهم.

[ص 56] ولعل وراء ما ذكرت أسبابًا أخرى تقتضي أن لا يكون دون المعجزة حجاب. والله أعلم.

ولننظر الآن في قصة الفيل:

الرمي في واقعة الفيل لم يكن المقصود منه إقامة حجة، لا على أهل مكة، ولا على الحبشة. أما أهل مكة فإنهم لم يُقصدوا بها، وكانوا مصدّقين بقدرة الله عز وجل، وحرمة البيت. وأما الحبشة فكانوا يعلمون قدرة الله تعالى، ويرى المعلِّم أنهم كانوا يعرفون حرمة البيت.

ثم قد أقام الله تبارك وتعالى عليهم الحجة بحبسه الفيل، كما تقدم في رواية ابن عباس وغيره. قال ابن إسحاق: "فبرك الفيل، فضربوا رأسه

ص: 69

بالطَّبَرْزِين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه، فبزغوه بها ليقوم فأبى. فوجهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق، ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى مكة، فبرك. فأرسل الله عليهم الطير

"

(1)

.

وقد ذكر ذلك في أشعارهم، وذكرها المعلم

(2)

. منها قول أبي قيس:

ومن صنعه يوم فيل الحبو

ش إذ كلَّما بعثوه رَزَمْ

محاجنُهم تحت أقرابه

وقد شرَّموا أنفَه فانخرَمْ

وقد جعلوا سوطَه مِغولًا

إذا يمّموه قفاه كَلَمْ

فولى وأدبر أدراجه

وقد باء بالظلم مَن كان ثَمْ

فأرسل من فوقهم حاصبًا

فلفَّهم مثلَ لفِّ القَزَمْ

تحضُّ على الصبر أحبارُهم

وقد ثأجوا كثُؤاج الغنمْ

[ص 57] وقول أبي الصلت أو ابنه أمية:

إنَّ آياتِ ربِّنا ثاقباتٌ

لا يماري فيهنَّ إلا الكفورُ

حَبَسَ الفيلَ بالمغمَّس حتى

ظلَّ يحبو كأنه معقورُ

لازمًا حلقةَ الجِرانِ كما قُطْـ

طِرَ من صخرِ كبكبٍ محدورُ

(3)

(1)

سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف (1/). [المؤلف]. ط السقا (1/ 52 - 53).

(2)

زدت البيت الرابع والخامس من القطعة الأولى من السيرة، واتبعت رواية السيرة، وانظر الأشعار وشرح غريبها في الروض الأنف (1/). [المؤلف].

(3)

في كتاب الحيوان 7/ 198: "قطِّر صخرٌ من كبكبٍ محدورُ".

ص: 70

وقول المغيرة بن عبد الله المخزومي:

أنت حبستَ الفيل بالمغمَّسْ

حبستَه كأنه مكردَسْ

محتَبسٌ تزهق فيه الأنفسْ

(1)

وأنشد المعلِّم لطفيل:

ترعى مذانبَ وسميٍّ أطاع له

بالجِزع حيث عصى أصحابَه الفيلُ

(2)

وفي "الصحيح" في قصة الحديبية: "وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأت القَصْواء. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما خلأت القَصْواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطَّةً يعظِّمون فيها حرماتِ الله إلا أعطيتُهم إياها. ثم زجرها فوثبت .... "

(3)

.

وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة: "أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليهم رسوله

(1)

رواية الأزرقي (156): "بمحبس".

(2)

في الأصل: "مذالف وسمي"، وكذا في تفسير سورة الفيل عن كتاب الحيوان طبعة الحميدية. وهو تحريف صوابه ما أثبتناه من ط هارون 7/ 197 والأزرقي (155). وفي الديوان (56):"منابت".

(3)

صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد

إلخ. [المؤلف]. (2731، 2732).

ص: 71

والمؤمنين

"

(1)

.

وقد تقدم في فصل (ج) ما روي عن وهب: "كانت الفيلة معهم فشجُع منها فيل فحُصِبَ". وهذا يقتضي أن الفيلة كلها امتنعت عن التقدم إلى مكة إلا واحدًا منها فحصب، وقد تقدم هناك أنها كانت ثلاثة عشر فيلًا. [ص 58] فحبس الفيل على الصفة المذكورة آيةٌ، أقام الله تعالى بها الحجة على أبرهة، تؤكد له حرمة البيت ومكانه من ربه عز وجل. فلو اعتبر بها ورجع بجيشه عن قصد البيت لما أصابهم العذاب، ولكن لما أصرّوا رمتهم الطير، كما بينته القصة والأشعار، من أن الرمي كان بعد حبس الفيل بمهلة. والسورة تدل على ذلك، كما يأتي في تفسيرها إن شاء الله تعالى.

فاتضح بما تقدم أن الرمي لم يكن لإقامة حجة، وإنما كان آية عذاب، ومثل ذلك لا يستدعي الحجاب، كما تقدم.

فإن قيل: فإن فيه إقامة حجة على من تبلغه القصة، وهو لا يصدق بقدرة الله تعالى، أو بحرمة البيت.

قلت: الحجاب في حق هؤلاء أنهم لم يشاهدوا الواقعة، فيمكنهم التكذيب، وإنكار التواتر، وأن يتأولوا، كما فعل الناس بفلق البحر وغيرها. وقد فعلوا ذلك بهذه الآية نفسها، كما ترى، ويأتي له مزيد.

ولم يكن المقصود مما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل إغاثة أهل مكة حتى تستدعي الخارقة تسببًا منهم، وإنما المقصود من ذلك حفظ البيت عن

(1)

صحيح البخاري، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين [6880]. صحيح مسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة [1355]. [المؤلف].

ص: 72

أن يهان، وعقوبة الحبشة، والإرهاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإنه بُعث بتعظيم حرمات البيت والحرم، وتطهيره عما دنسه به المشركون من رجس الأوثان. وكان الله تعالى يرشّح عرب الحجاز للقيام بأعباء الإسلام، فاقتضت حكمته أن يبقَوا قَراحًا لم تطأهم ذِلّة، ولم تجأهم مَلَكة؛ لأن ذلك شرط عادي لقيامهم بالإسلام. ولهذا لما كان بنو إسرائيل على غير هذه الصفة لم يصلحوا لحمل الدين حتى حبسوا أربعين سنة في التِّيه، فنشأ منهم قرن صالح.

ولم يكن أهل مكة حين واقعة الفيل دون الحبشة في الكفر، فإن الحبشة نصارى أهل كتاب، وأهل مكة أهل شرك وأوثان.

ولم يكن ذلك الخارق معجزة ولا كرامة لأهل مكة، أو لواحد من أحيائهم حتى يحتاج إلى مباشرة منهم، كما في رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر، ورمي موسى بالرماد، ومدّ يده للجراد.

فرمي الحبشة خارق لا يستدعي رميًا من أهل مكة ألبتة، فاندفع ما حاوله المعلِّم رحمه الله.

ثم أسوق عبارته في تطبيق واقعة الفيل على الشواهد الثلاثة التي ذكرها، وقد تقدمت.

[ص 59] طبقها على الشاهد الأول، وهو رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم بدر بقوله: "وكذلك في هذه السورة كانت قريش ترميهم بحجارة، ينفحونهم بها عن الكعبة، فجعلها الله حجابًا لما أرسل على أصحاب الفيل من الحجارة من السماء، وكما نسب الله تعالى الرمي في بدر

ص: 73

إلى نفسه في قوله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فهكذا ههنا نسب إلى نفسه أنه جعلهم كعصف مأكول. فلا شك أنها كانت من الآيات البينات، فإن منافحة قريش كانت أضعف من أن يفُلَّ هذا الجيش، فكيف يحطِّمهم حتى صاروا كعصفٍ مأكول؟ ".

قال عبد الرحمن: قد علمت أن فعل الله تعالى بأصحاب الفيل لا يحتاج إلى حجاب. وأزيدك ههنا أنه كان هناك مانع من الحجاب والتسبب والمباشرة، بل مانعان:

الأول: أنه لو قدر الله تعالى أن يكون منهم رمي، لكان ظاهر الأمر أنّ الله عز وجل نصرهم، وأعانهم، وأمدّهم بآية من آياته، وفي ذلك ما يُشعرهم بأنهم على حقٍّ يرضاه الله عز وجل ويحبّه. وإذًا لقالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ــ حين دعاهم إلى التوحيد، ونبذ الأوثان، وبيَّن لهم ما هم عليه وآباؤهم من الضلال والبهتان ــ: إن الله تبارك وتعالى أيَّدنا ونصرنا وأعاننا إذ رمينا أصحاب الفيل شيئًا من الرمي، فكثَّره الله تعالى حتى هزم ذلك الجيش العظيم، وحطّمه وكنا حينئذٍ على ما نحن عليه الآن من عبادة الأوثان وغيرها، فلولا أنَّ ذلك مرضي عند الله سبحانه لما صنع بنا ذلك. فلما لم يقدر الله عز وجل رميًا منهم، بل قدر ــ على ما جاء في الروايات ــ تأمين أبرهة لهم، ونكولهم عن القتال [ص 60] علموا أن الله عز وجل إنما فعل بأصحاب الفيل ما فعل حمايةً لبيته. وليس في ذلك ما يدل على رضا الله تعالى بشركهم، فلم يمكنهم أن يحتجوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

المانع الثاني: أن معيشة أهل مكة قائمة على تجارتهم إلى اليمن والحبشة والشام، كما هو مبين في تفسير سورة قريش، فلو وقع منهم رمي

ص: 74

وقتال لأبرهة لانقطعت تجارتهم من تلك الجهات، كما تقدم في فصل (ج). ولم يشأ الله عز وجل قطع متاجرهم؛ لأنه قد أجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم عليه السلام، وهو يُعِدُّهم لبعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، ويريد أن يمتنَّ عليهم بذلك، كما جاء في سورة قريش. لهذه العلاقة ــ والله أعلم ــ أعقب الله تعالى هذه السورة بسورة قريش.

وأما قول المعلم: "وكما نسب الله تعالى الرمي إلى نفسه

"، فهذه محاولة فاشلة. يخاطب الله تعالى رسوله بقوله:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فيصرح له بأن الأثر لم يكن لرميه، مع أنه صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون معه يعلمون أنه لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، فكيف يعقل مع هذا أن يكون أهل مكة رموا الحبشة، فأمدّهم الله تعالى برمي من عنده، ثم يذكرهم بذلك بعد تكذيبهم لرسوله وكتابه، وفعلهم العظائم؛ فيذكر رميهم مثبتًا غير منفي، ويطوي ذكر رميه، فلا يصرح به؟ وهل هذا إلا عكس الحكمة؟

فإن الأمر الواضح الذي لا يخفى أن يقال: إذا اقتضت الحكمة التصريح بنفي رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإثبات رمي الله تعالى لإثبات أنه المؤثر في خطاب النبي صلى الله عليه وآله سلم، مع أنه ــ والمؤمنون معه ــ لا يرتاب في ذلك، فبالأولى والأحرى [ص 61] أنه إذا كان من أهل مكة رمي لأصحاب الفيل أن يصرح الله تعالى لهم بنفي رميهم، وإثبات رميه؛ فإنهم مشركون.

فإن قيل: فقد أشار إلى فعله بقوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} ، كما ذكره المعلم.

ص: 75

قلت: فإنّ في كلامه ما يردّ هذا، وأنه يرى أن جعلهم كعصف مأكول إنما هو نتيجة لأكل الطير. قال في الشاهد الثالث:"فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين فكانوا كعصف أكلته جراد موسى".

فإن سلمنا أن هناك إشارةً ما، فهي إشارةٌ ضعيفةٌ؛ لاحتمال أن يكون المعنى: جعلهم كذلك برميكم إياهم، فإن المشركين كانوا مما يقولون نحو ذلك. تقاتل القبيلة عدوها فتغلبها، وتكثر فيها القتل، وتهزمها، ثم تقول الغالبة: قد قتل الله عدونا، وهزمهم، وأهلكهم. فمن ذلك قول بعض تيم الرباب لعبد يغوث، وقد قاتلوا قومه، فأثخنوا فيهم، وأسروه: جمعتَ أهل اليمن، وجئتَ لتصطلمنا، فكيف رأيتَ الله صنع بك؟

(1)

.

ومع ذلك فقد تقدم أن التصريح بالنفي في رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يبطل أن يكتفى في رمي المشركين ــ إن كان ــ بالإشارة.

وذكر المعلِّم في الشاهد الثاني أثر الرماد الذي ذرَّه موسى عليه السلام، وفيه:"فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور". ثم طبق عليها قصة الفيل: "فهكذا كان الأثر من الحجارة على أصحاب الفيل، فروي عن عكرمة أنه من أصابته أصابه جدري. وهكذا قول ابن عباس وسعيد بن [ص 62] جبير ولكن دمامل المصريين لم تكن مهلكة

".

قال عبد الرحمن: قد تقدم قول عكرمة، ومن وافقه في شأن الجدري، وقول ابن عباس في الحكّة، ولم أجد ذلك عن سعيد بن جبير. ثم لا يلزم من تشابه الآيتين من وجه أو وجهين تشابههما من جميع الوجوه. فكما اختلفت الآيتان في أن الذي نثره موسى رماد، والذي جعله الله تعالى على

(1)

الأغاني (15/ 72). [المؤلف]. ط الثقافة 16/ 259.

ص: 76

أهل مصر غبار؛ وأثره فيهم دماميل غير مهلكة، والذي رمى به قريش ــ على دعوى المعلِّم ــ حجارة، والذي سلطه الله على أصحاب الفيل حجارة، وأثرها فيهم جدري مهلك = فما المانع من اختلافها في أنه كان من موسى ذرو للرماد، ولم يكن من أهل مكة فعل ما، وكان جعل الغبار بغير واسطة، ورمي أصحاب الفيل بواسطة الطير؟

وقد علمت أن حال موسى تناسب أن يكون منه فعل، ليعلم أن ما يكون عقب ذلك معجزة له، وللتسبب؛ وأن حال أهل مكة على خلاف ذلك.

وذكر في الشاهد الثالث ما وقع في آية موسى من مدّ يده بعصاه، وخروج الجراد، وأكله ما تركه البرد من العشب والثمر، ثم دعاء موسى في دفع الجراد:"فردَّ الربُّ ريحًا غربيّة شديدة جدًّا، فحملت الجراد وطرحته إلى البحر الأحمر".

ثم طبق المعلِّم آية الفيل عليها بقوله: "فهكذا جاءت الطير من جهة البحر، ولم ير مثلها

وكما أكلت الجراد مما حطّمه البرد، فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين، فكانوا كعصف أكلته جراد موسى".

قال عبد الرحمن: ليس من الواجب في آيات الله عز وجل أن تتشابه صورها، بل قد تتضاد، كأن تكون آية فيها إحياء ميت، وأخرى فيها إماتة حي. وقد تتشابه من وجهٍ، وتختلف من غيره، كما تقدم [ص 63] في آية الرماد مع آية الفيل. فكذلك هنا لا يلزم من مدّ موسى عليه السلام يده بعصاه في تلك أن يكون هنا فعل من أهل مكة. وقد علم مما تقدم أن الحكمة مختلفة، فهناك اقتضت الحكمة أن يكون من موسى عليه السلام فعل، وهنا اقتضت أن لا يكون من أهل مكة فعل، على ما سلف.

ص: 77

وكذلك لا يلزم من أكل الجراد ما أبقاه البرد من عشب مصر وغيرها أن تأكل الطير جثث من أهلكه الله تعالى من أصحاب الفيل بالحجارة، ولا أن يكون ما شبّه به ما صار إليه حال أصحاب الفيل من عصف مأكول أريد به ما أكلته جراد موسى.

وبالجملة، فإن كان في كلام المعلِّم رحمه الله في هذا الفصل استدلال، ففيما يتعلق بالحجاب، وما معه، وقد علمت الجواب. وأما ما بقي فإنما هي صناعة شعرية قد علمت حالها.

ويلحق بذلك ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى مما وقع في مكاشفات يحيى، مما يراه المعلِّم رحمه الله ــ بحقٍّ ــ بشارةً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه: "ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أشهب، والجالسُ عليه يُدعى أمينًا وصادقًا، وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس يعرفه إلا هو، وهو متسربل بثوب مغموس بدم

وجنود السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض، لابسين بزًّا أبيض نقيًّا. ومن فمه يخرج سيفٌ ماضٍ، لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد

ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلًا لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد، ولحوم أقوياء، ولحوم خيل، [ص 64] والجالسين عليها، ولحوم الكلّ، حرًّا وعبدًا، وصغيرًا وكبيرًا"

(1)

.

قال عبد الرحمن: الأنسب بسياق الكلام أن يكون ذلك العشاء مما

(1)

تفسير سورةالفيل (28 - 29).

ص: 78

يقتله المبشَّر به في سبيل الله، وقد كان كذلك. فكم قتل المسلمون في محاربتهم فارس والروم والترك وغيرهم من ملوك وقواد، وخيل وفرسان، أكلتهم طيور السماء! وذلك أنسب بالعشاء العظيم، فإنهم أضعاف أضعاف من هلك من أصحاب الفيل، وأنسب بجميع طيور السماء، فإن الطير الأبابيل كانت من نوع خاص لم يعرفه العرب.

على أننا قد بينا أنه لا مانع أن يكون الله عز وجل أطعم الطير الأبابيل من لحوم صيدها، ولم يصرح بذلك في القرآن والروايات؛ لأنه في نفسه أمر عادي. فإن ثبت ذلك لم يكن فيه ما ينفي ما دل عليه الكتاب والرواية، واتفق عليه الناس من رمي الطير.

الأمر الثالث

(1)

من البواعث على إنكار رمي الطير: أن بعض فلاسفة الإفرنج وكُتَّابهم وأذنابهم من الملحدين ينكرون الخوارق، ويسخرون منها، ويعدّون ذكرها في القرآن برهانًا على اشتماله على الكذب. وعلماءُ المسلمين شديدو الغيرة على القرآن، والحرص على تبرئته عن المطاعن، فقد يحمل بعضَهم ذلك على أن يتأول بعض النصوص القرآنية، ويحمله على معنى لا ينكره القوم.

ومتى لم يفحش التأويل فالخطأ فيه ــ إن شاء الله تعالى ــ مغفور، والباعث عليه أمرٌ محمودٌ؛ إلا أن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، وأعزُّ من أن يُضطرَّ المنتصر له إلى ترك بعضه. فالواجب على أهل العلم أن يبحثوا عن مستند القوم في إنكار الخوارق، فيهدموه بالحجة والبرهان. [ص 65] فأما ترضّيهم بتأويل بعض النصوص، فخطلٌ من الرأي.

(1)

الأمر الثاني تقدّم في (ص 60).

ص: 79

{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 120]. {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217].

لست أقول: إن المعلِّم رحمه الله تعالى ممن يمكن أن يختار تأويلًا يعلم ضعفه، ولكن قد لا يبعد أن تكون شدة غيرته على القرآن، وحرصه على دفع الطعن عنه، ممّا قرّب ذاك التأويل إلى فهمه.

ولذلك نظائر لا تنكر، فإننا نجد في علماء المذاهب الفقهية جماعة من الأكابر لا يُرتاب في علمهم ودينهم وورعهم، ومع ذلك ترى في انتصارهم لمذاهبهم العجب العجاب. فأما المتكلمون في العقائد فشأنهم أوضح.

فإن قلت: أما المعلِّم رحمه الله تعالى ففي كلامه ما يرد هذه التهمة، فإنه وإن أنكر رمي الطير، فقد أثبت ما هو أعظم، وهو الرمي من السماء.

قلت: أنا لم أجزم باتهامه رحمه الله، وإنما مقصودي تحذير أهل العلم من التساهل في هذا المعنى. على أنه قد يقال: يمكن أن يكون رأى إثبات الرمي من السماء أخفَّ من إثبات رمي الطير؛ لأنه إذا أثبت رمي الطير كان منصوصًا بالقرآن، فالمنكرون له يطعنون في القرآن. وأما الرمي من السماء فإنما [ص 66] قاله المعلِّم رحمه الله برأيه، وليس منصوصًا في القرآن؛ علمًا أن منكري الخوارق لا ينكرون أن تمطر السماء رملًا وحجارةً، وهو عندهم أمر عادي، ففي "دائرة المعارف" للبستاني تحت عنوان "الشهب الساقطة أي النيازك" ما لفظه:

ص: 80

"وقد نشرت جريدة إيزان الفلكية جدولًا للرجم

قالت: سقط أحدها في لوديانا

وسقط مجموع كثير من رجم حجرية، بلغ عددها (1300) حجر، ثقل واحد منها (160) ليبرة، وآخر (60) ليبرة، في بادوا سنة (1510 ب. م.). وانهمرت أمطار كبريتية

وأمطار نارية في كوسنوى في 4 ك 1 (ديسمبر) سنة (1717)، وأخرى من الرمل دامت (15) ساعة في الأتلانتيك في 6 نيسان (1719)، وأمطار شديدة من الحجارة في آدن في 24 تموز (يوليو) سنة (1790)، وفي فرنسا في 15 أيار (مايو) سنة (1864"

(1)

.

هذا، وأساس الإلحاد إنما هو الارتياب في الله وملائكته ورسله، ومن شأن الخوارق أن تدفع هذا الارتياب، وهي الدليل العام على نبوة الأنبياء، ولا يعرف السواد الأعظم سواه. فمحاولة تأويلها مع أنه باطل في نفسه فهو من أعظم ما يروِّج الإلحاد، فعلى العالِم أن لا يرتكب هذه المفسدة العظيمة، لمصلحة متوهمة، وهي تخفيف سخرية الملحدين. وقد قلتُ:

ومَن يَرَ نصرَ الحقِّ في هَدْمِ بعضِه

فذاك أضرُّ من خَذُولٍ ومن خَصْمِ

ويُوشِكُ أن يختارَ تحطيمَ أُسِّه

فيا لكَ تشييدًا أضرَّ مِنَ الهَدْم

[ص 67](ح)

استنبط المعلِّم رحمه الله مما اختاره من رمي العرب لأصحاب الفيل مناسبةً لرمي الجمار، وصاغ ذلك صياغة تصلح أن تكون استدلالًا على ما اختاره، قال: "قد دلّت الأمارات الكثيرة على أن رمي الجمار بمنى كان

(1)

دائرة المعارف للبستاني (10/ 607). [المؤلف].

ص: 81

تذكرة لرمي أصحاب الفيل، ولكن الروايات الضعيفة ضربت أسدادًا دونه"

(1)

.

ثم ذكر بعض الروايات، ثم قال:"ولم أجد في صحاح الأخبار ذكرًا في سبب سنة رمي الجمار، فلو ثبت فيه شيء من طريق الخبر لأخذنا به، وقرّت به العينان، ولكنه لم يثبت، وأمرُ الدين ليس بهيّن، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع"

(2)

. فعمدنا إلى طريق الاستنباط، فإن المستنبط من الصحيح الثابت أولى بالصواب من الصريح الذي لم يثبت".

قال عبد الرحمن: أما الأمارات، فستأتي. وأما الروايات فإنه ذكر بعضها، وكأنه لم يقف على الروايات الجيدة. فمنها: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن رمي الجمار فقال: "الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون، ووجه الشيطان ترمون"

(3)

.

وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك

قلت: يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا، إن إبراهيم صلى الله عليه وسلم لما أري المناسك، عرض له شيطان عند المسعى [ص 68] فسابقه، فسبقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل عليه السلام حتى أتى به منى، فقال: مناخ الناس هذا. ثم انتهى إلى جمرة العقبة، فعرض له

(1)

تفسير سورة الفيل (35).

(2)

أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه (5).

(3)

حاشية إيضاح المناسك لابن حجر (177). [المؤلف].

ص: 82

شيطان، فرماه حتى ذهب. (ثم أتى به)

(1)

إلى الجمرة الوسطى، فعرض له شيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى الجمرة القصوى، فعرض له شيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى به جمعًا، فقال: هذا المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة فقال: هذه عرفة

"

(2)

.

قال عبد الرحمن: أبو الطفيل صحابي، وأبو عاصم الغنوي وثَّقه ابن معين، وحماد بن سلمة إمامٌ، والحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، كما يعلم من "فتح الباري"

(3)

.

وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن حماد، زاد بعد ذكر الجمرة الوسطى: "وثم تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ للجبين

" فذكر القصة، ثم قال: "قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب

"

(4)

.

(1)

الزيادة مني، والظاهر أنها سقطت، أو نحوها من الأصل. [المؤلف]. في المطبوع: "فرماه بسبع حصيات حتى ذهب به إلى الجمرة

".

(2)

مسند الطيالسي (ص 351). [المؤلف]. (2697).

(3)

كتاب الحج، باب ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. [المؤلف]. (3/ 503). قال الحافظ ابن حجر:"وروى ابن خزيمة والفاكهي من طريق أبي الطفيل قال: سألت ابن عباس عن السعي، فقال: لما بعث الله جبريل إلى إبراهيم ليريه المناسك عرض له الشيطان بين الصفا والمروة، فأمر الله أن يجيز الوادي" قلت: لم أجد ذكر المناسك وعرض الشيطان لإبراهيم في الحديث الذي رواه ابن خزيمة من طريق أبي الطفيل (2779). نعم ذكر هذا في حديث آخر من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (2967) وسينقله المصنف من المستدرك.

(4)

مسند أحمد (1/ 297 و 298). [المؤلف]. (2707).

ص: 83

قال عبد الرحمن: يظهر لي أن قوله في هذه الرواية: "ثم تَلَّ إبراهيمُ

" إلى آخر ما يتعلق بالذبح جملة معترضة، كأنه قال: "وهناك كان في وقت آخر كيت وكيت". فتعليم المناسك كان في وقت غير وقت الابتلاء بالذبح، إما قبله بمدّة وإما بعده بمدة. والذي يدلّ على ذلك بقية الروايات مع ما ثبت في "الصحيح" أن إبراهيم عليه السلام عقب إتيانه بإسماعيل وأمه ــ وإسماعيلُ طفلٌ ــ دعا بقوله: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ

} [إبراهيم: 37].

[ص 69] وفي القصة تردد أمّ إسماعيل بين الصفا والمروة، وأن ذلك مبدأ السعي، وفيها أن إسماعيل كبر وتزوج، وأن إبراهيم جاءه ولم يجده ثم فارق إسماعيل زوجته، ونكح أخرى، فجاء إبراهيم فلم يجده، ثم بعد مدة جاء إبراهيم وبنى البيت

(1)

.

ففي هذه القصة أن البيت كان محرمًا، مشروعًا احترامه من قبل مجيء إبراهيم بإسماعيل، وأن بعض المناسك تجدد بعد ذلك كالسعي، وأن إبراهيم إنما بنى البيت بعد أن صار إسماعيل رجلًا.

فتعليم المناسك يمكن أن يكون عند مجيء إبراهيم بإسماعيل، أو قبل ذلك، ويمكن أن يكون تأخر إلى بناء البيت، والابتلاء بالذبح كان بين ذلك.

وههنا دليل على أن تعليم المناسك إنما كان بعد بناء البيت، وهو قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا

(1)

راجع صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} . [المؤلف]. (3364).

ص: 84

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 127 ــ 128]، فقولهما:{وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} يدل أنهما لم يكونا قد علماها. والله أعلم.

وعلى كل حال، فليس في القصة أن تعرض الشيطان لإبراهيم كان ليصده عن الذبح، وإنما المفهوم منها أنه تعرض له ليصده عن معرفة المناسك، والإتيان بها. وهذا كما تعرض لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يصلي، ليقطع عليه صلاته

(1)

.

فأما ما جاء في بعض روايات الابتلاء بالذبح أن الشيطان تعرض لإبراهيم، فلم أجده من وجهٍ يثبت. فإن صحّ فهي قصة أخرى غير هذه. والله أعلم.

وقد روي الحديث من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي حمزة عن عطاء بن السائب عن سعيد، ولفظه:"جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، [ص 70] فذهب به ليريه المناسك، فانفرج له ثبير، فدخل منى، فأراه الجمار، ثم أراه عرفات، فنبغ الشيطان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الجمرة، فرمى بسبع حصيات حتى ساخ. ثم نبغ له في الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ. ثم نبغ له في جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ، فذهب".

قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وقال الذهبي: "صحيح"

(2)

.

(1)

راجع صحيح البخاري، أواخر كتاب الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة 1210 وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة. [المؤلف]. (541).

(2)

المستدرك (1/ 477). [المؤلف]. (1754).

ص: 85

وأخرجه الإمام أحمد من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فساخ. ثم أتى الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ. ثم أتى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ. فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق

"

(1)

.

قال عبد الرحمن: عطاء بن السائب اختلط بأخرة، وهذا من ذاك. فإنه جعل في الرواية الأولى الواقعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعروف أنها لإبراهيم عليه السلام. وذكر في الثانية أن الذبيح إسحاق، والصحيح أنه إسماعيل. وعكس فيهما ترتيب الجمرات، فبدأ بالقصوى، وبقية الروايات تبدأ بجمرة العقبة. فإنما يحتج من روايته بما يوافق بقية الروايات. والله أعلم.

[ص 71] وأخرج الحاكم في "المستدرك" الحديث من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رفعه قال: "لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون".

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

(1)

مسند أحمد (1/ 306). [المؤلف]. (2794).

ص: 86

واقتصر الذهبي على علامة مسلم

(1)

. والحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وغيره

(2)

.

قال عبد الرحمن: الحديث مصحح كما ترى، وله طرق وشواهد، وهو المشهور بين أهل العلم والعامة إلى زماننا هذا، والنظر لا يأباه على ما يأتي، فلا ينبغي الإعراض عن هذا كله إلى استنباط مدخول. والله أعلم.

أما الأمارات التي أشار إليها المعلِّم رحمه الله، فذكر أربعًا:

الأولى: أنه لم يجد في أشعار الجاهلية ذكرًا لرمي الجمار، قال: "فالأقرب أنه أمر جديد، ولم يكن إلا بعد واقعة الفيل. وأبقاه الإسلام لما فيه تذكار نعمة عظيمة، وآية بينة

"

(3)

.

[ص 72] الثانية: أن أصحاب الفيل رُمُوا بموضع رمي الجمرات، واحتجَّ بقول نفيل ــ وهو ممن شهد الوقعة ــ:

رُدَينةُ لو رأيتِ ولَنْ تَرَيه

لدى جَنْبِ المحصَّبِ ما رأينا

قال: "وفي "لسان العرب": قال الأصمعي: المحصب حيث يرمى الجمار، وأنشد:(أقام ثلاثًا بالمحصَّب من منى)

ونجد هكذا في قول عمر بن أبي ربيعة: (نظرتُ إليها بالمحصَّب من منى)

"

(4)

.

(1)

المستدرك (1/ 466). [المؤلف]. (1713).

(2)

راجع منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد (2/ 399). [المؤلف]. وانظر: صحيح ابن خزيمة (2967)، والمعجم الكبير (12291 - 12293).

(3)

تفسير سورة الفيل (36).

(4)

تفسير سورة الفيل (36).

ص: 87