المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة - التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌القسم الأول[فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية]

- ‌ لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا

- ‌ نجدة العرب وحميتهم

- ‌ قدوم أبرهة

- ‌أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة

- ‌الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الأول:

- ‌ الأمور التي لخصها من الأشعار:

- ‌الجمع أو الترجيح فيما اختلفت فيه الروايات:

- ‌ استنتاج المعلم:

- ‌تحرير البحث:

- ‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

- ‌ الأمارة الأولى:

- ‌ الأمارة الثانية:

- ‌ الأمارة الثالثة:

- ‌ الأمارة الرابعة:

- ‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

- ‌ القسم الثانيتفسير السورةوفيه: مقدمة وبابان

- ‌ الفاء عاطفة سببية

- ‌ الباب الثانيفي البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: {تَرْمِيهِمْ}

- ‌ فوائد وقواعد ينبني عليها البحث

- ‌النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام

- ‌ لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه

- ‌(5) الحال الذي هو زمن التكلم

- ‌(9) المصادر من حيث مدلولها على ضربين:

- ‌ 15] (10) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن

- ‌ فصل

- ‌فهرس مراجع التحقيق

الفصل: ‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

الشمس، ثم يذهب فيرمي الجمار على نحو ما يفعله في أيام التشريق، لشقّ ذلك عليه. فأذن له بتقديم الرمي بعد طلوع الشمس ليتعجل التحلل، وأمر بالاقتصار على جمرة واحدة، وجعلت جمرة العقبة لأن أول ما تراءى الشيطان لإبراهيم عليه السلام عندها، فيكون في الاقتصار عليها إشارة إلى ذلك، كما مر. ولم يؤمر بالوقوف عندها للدعاء تخفيفًا عليه، لاحتياجه إلى التخفيف كما مر.

وبهذا علم الجواب عن الوجه الثاني والثالث من الوجوه التي يرجح بها المعلِّم ما رآه.

وأما الرابع: فقد علمت وهم المعلِّم رحمه الله، وأن المشروع هو أن لا يوقف للدعاء عند جمرة العقبة، لا بعد رميها وحدها يوم النحر، ولا بعد رميها بعد أختيها في أيام منى، وأن يطال الوقوف والدعاء عند القصوى وعند الوسطى في سائر أيام منى، فانهدم بناء المعلم.

فأما‌

‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

، ففي يوم النحر الحكمة ظاهرة على ما تقدم من احتياج الحاج فيه إلى التخفيف. وأما في أيام منى، فمن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ موافقة [ص 85] الواقع يوم النحر، ولأنها قد عوضت عن الوقوف عندها

(1)

بزيادة رمي يوم مقدم.

ومن المحتمل أن يكون إبراهيم عليه السلام لما تراءى له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه، استهان به، وظن أنه قد اندحر؛ فلم يكن هناك باعث له على طول الوقوف للدعاء. فلما تراءى له ثانيًا عند الجمرة الوسطى استشعر إبراهيم عليه السلام خبث هذا الرجيم، وشدة لجاجه في الكيد، وعدم يأسه من

(1)

كذا في الأصل. والمقصود عدم الوقوف عندها.

ص: 104

التمكن من المكر، فظهر له شدة افتقار الإنسان إلى الاستغاثة بالله عز وجل والاستعانة به، فأطال الوقوف هنا للدعاء، وهكذا عند القصوى. والله أعلم.

ثم ختم المعلِّم رسالته بفصلٍ مبنيٍّ على هذا الفصل، قال

(1)

: "إن صح ما ذكرنا من أصل سنة رمي الجمار، سواء كان الرمي من الطير، أو من العرب، بعد أن كان على أصحاب الفيل

فلا بد أن تكون نيتنا

الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان، لا يحسّ بداعية قوية خاصة، فإنه يعلم أنه إنما يرمي بحصياته حجرًا، ولا يرجو بذلك أنه ينجو به من مكر الشيطان، ويبعده عن نفسه لمدة، أو أن ذلك أشد تأثيرًا من تلاوة المعوذتين، أو حوقلة، أو التأذين

وأما إذا علم أنه يتذكر برميه هذا نصرة الله التي خصّها لأهل هذا البيت، فإنه يتذكر أمرًا عظيمًا، ويجمع همته، ويرى أن الله تعالى قادر أن ينصرهم على أعدائهم مع ضعف السبب .. ثم إنهم إذا قاموا للدعاء بعد الرمي لم يخرجوا عن تلك الحال

تذكرة تهدي إلى كون الحج كلّه [ص 86] من الجهاد

ذبح البهيمة علامة ذبح النفس، والأضحية فدية، وحقيقة الجهاد هي ذبح النفس، وإنقاذها من النار. ثم هذه رحلة الحجاج وحلولهم

أشبه شيء بتمرينٍ عسكري

كأن حالة الحجاج في هذه المنازل تنادي جهارًا إلى ضرورة نظم عسكري

فإذا صحح المسلمون نياتهم للجهاد، وكابدوا مشقة هذا التمرين، فكأنهم أشهدوا على تهيُّئهم لذلك إذا دعوا إليه. وأين في نية رمي الشيطان هذه الحكمة؟ ".

قال عبد الرحمن: قوله: "سواء كان الرمي من الطير أو من العرب" يسفر لك عما في نفسه من عدم الوثوق بأن الطير لم ترمِ، مع أنه في آخر

(1)

تفسير سورة الفيل (40 - 41).

ص: 105

فصل من رسالته. وهذا هو الظن به رحمه الله تعالى ، فإن دلائل رمي الطير بغاية الوضوح، وما عورضت به كسراب بقيعة.

وقد أغناني بكلمته هذه عن بيان أنه لو ثبت أن رمي الجمار تذكار لرمي أصحاب الفيل، لما لزم نفي الرمي عن الطير وإثباته لأهل مكة، بل يكون حينئذٍ تذكارًا لنعمة الله عز وجل بتسليطه الطير على رمي أصحاب الفيل.

وقوله: "الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان لا يحس بداعية قوية

". صوابه أن الرامي إن كان يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يناجي نفسه قائلًا: إن الشيطان للإنسان عدو مضل مبين، لم ييأس من إبراهيم نبي الله ورسوله وخليله، ثم لم يكفه أن طرده مرة حتى تعرض له ثانية، ثم ثالثة.

وعَلِمَ إبراهيم عليه السلام الاضطرارَ إلى الاستعانة بالله عز وجل، فأطال الوقوف [ص 87] بعد ما رماه ثانيًا ثم ثالثًا. وقد شرع الله لعباده أن يتشبهوا بإبراهيم عليه السلام في الصورة الظاهرة تحقيقًا للتشبه به في الحال النفسية. فهذه يدي كأنها تطرد الشيطان برميه بالحصباء، وهذا قلبي يطرد الشيطان عن أن يؤثر فيه إعراضًا عن سبيل الله، أو تقصيرًا فيه.

ولا شك أن طرد القلب للشيطان لا يتحقق بالإعراض عنه في الحال، بل لا بد من عقد النية، وتأكيد العزم على إبعاد الشيطان، ومخالفته ومجانبته.

إذن، فهذا في المعنى عهدٌ وميثاقٌ أوتيه ربي عز وجل على الاستمرار في سبيله، ومخالفة الشيطان؛ على أنني لست بمستعظم كيد الشيطان، ولا معتمد على نفسي، فإن الله أكبر، وأنا أسأله كذا وكذا

فهذه الداعية تنفع المؤمن في جميع أموره، ويدخل فيها الجهاد، فإنه من سبيل الله الذي يصد عنه الشيطان.

ص: 106

وفوق هذا فإنه ينبغي أن يفهم أن الله تعالى لم يصرف الشيطان عن إبراهيم حتى دفعه بأقصى ما يمكنه حينئذٍ، وهو الرمي بالحصى، فيستفيد وجوب السعي، وبذل المجهود {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60].

ويتأكد ذلك باستحضار أن ما شرع لنا من الرمي بالحصى فيه إشارة إلى وجوب بذل المجهود، مما هو من جنس التسبب، وإن لم يكن ــ بحسب الطبع ــ كافيًا في السببية، على نحو ستر الإناء ولو بعود، والاستتار في الصلاة ولو بخط، على ما تقدم إيضاحه في فصل (ز). والله أعلم.

وأما من يرمي، ولا يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يعتاض بمعنى آخر. وذلك أن الشيطان لا يفتأ يوسوس له قائلًا: ما هذا الجهل؟ وما هذا الحمق؟ تتعبون من المسافات البعيدة، فتجيئون تعملون هذه

(1)

الأعمال؟ أي فائدة في أن يرمى بحصيات في موضع؟ وكيف يتصور أن يكون نبي صادق النبوة يأمر بمثل هذا؟ وأنى يتوهم أن يكلف الله تبارك وتعالى عباده بهذا العبث .. ؟

فإذا لم يُصْغِ الإنسان إلى هذه الوسوسة ورمى الجمرات كما أمر، كان ذلك مخالفة للشيطان، وطردًا له. وكان في تكرار ذلك ما يقوم مقام العزم على المخالفة للشيطان بقية حياته.

فأما من يتصور أن مبدأ رمي الجمار رمي أهل مكة أصحاب [ص 88] الفيل، فيوشك أن يقول له الشيطان: أي حاجة بالمسلمين إلى الاستعداد للجهاد؟ ويكفيهم التوكل على الله عز وجل. وهو إذا أراد أن يهلك عدوهم

(1)

في الأصل: "هذا"، وهو سبق قلم.

ص: 107

أهلكه بغير تسبب منهم، أو بأدنى تسبب، كالرمي بالحصى. فقد أهلك الله تعالى عدو أهل مكة كذلك، مع أنهم كانوا مشركين، يعبدون الأوثان.

فاتضح أن استحضار من يرمي الجمار أن مبدأ ذلك رمي إبراهيم عليه السلام للشيطان هو أقرب إلى إعداده للجهاد: جهاد الكفار، وجهاد النفس والشيطان.

ويمكن بسط هذا المعنى بأكثر من هذا الكلام، وإيراد نكات ومناسبات أخرى، وفيما ذكرت كفاية إن شاء الله تعالى.

تتمة:

وههنا وجوه تبطل ما افترضه المعلِّم من أن رمي الجمار أحدثه العرب تذكارًا لرمي أصحاب الفيل:

الأول: أن هذا الصنيع بعيد عن أفكار العرب، ولا نظير له في أفعالهم. فأما رجمهم قبر أبي رِغال، فذاك ضرب من التشفي، أو اتباع سنة وجدوا عليها العمل قديمًا، إن صح أن رجم ذلك القبر سنة سنَّها صالح النبي عليه السلام لتنفير الناس عن مثل عمل ذلك الرجل. وليس في رمي المواضع التي رمي فيها أصحاب الفيل تشفٍّ.

الثاني: أن من شأن العرب أن تبقى فيهم ذكر الوقائع إلى أمدٍ بعيد. فلو كان أصحاب الفيل رجموا في موضع الجمار، وتعمق العرب فأحدثوا رمي الجمار تذكارًا لذلك، لبقي هذا الخبر محفوظًا فيهم إلى أجيال. فما بال الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون ذلك، كما تدل عليه الروايات المحفوظة عنهم، مع أن المدة كانت قريبة؟

ص: 108

[ص 89] الثالث: لو كان الأمر على ما افترضه المؤلف، لكان الظاهر أن لا يختص الرمي بعدة السبعة، فإن هذا العدد لا أثر له في رمي الإنسان. وإنما يظهر أن له أثرًا في رجم الشيطان، فإن تعيينه في كثير من الأمور الدينية في الحج وغيره يشعر بأن له خاصية معنوية.

ويمكن إبداء وجوهٍ أخرى، وقد علم بعضها مما تقدم، والأمر أوضح من ذلك. والله أعلم.

ص: 109