المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

[ص 44]‌ ‌ فصل قال المعلِّم رحمه الله تعالى: "ظنّوا أنّ الخطاب - التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي» - جـ ٨

[عبد الرحمن المعلمي اليماني]

فهرس الكتاب

- ‌القسم الأول[فيما يتعلق بالقصة رواية ودراية]

- ‌ لم ينفرد ابن إسحاق بذكر ما يدل على عزم قريش أن لا يقاتلوا

- ‌ نجدة العرب وحميتهم

- ‌ قدوم أبرهة

- ‌أدلة على أن أهل مكة لم يقاتلوا أبرهة

- ‌الأمور التي نسبها المعلِّم إلى الفريق الأول:

- ‌ الأمور التي لخصها من الأشعار:

- ‌الجمع أو الترجيح فيما اختلفت فيه الروايات:

- ‌ استنتاج المعلم:

- ‌تحرير البحث:

- ‌(و)الباعث للمعلم ــ رحمه الله ــ على دعوى أن أهل مكة قاتلوا أهل الفيل أمران:

- ‌ الأمارة الأولى:

- ‌ الأمارة الثانية:

- ‌ الأمارة الثالثة:

- ‌ الأمارة الرابعة:

- ‌ الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة

- ‌ القسم الثانيتفسير السورةوفيه: مقدمة وبابان

- ‌ الفاء عاطفة سببية

- ‌ الباب الثانيفي البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: {تَرْمِيهِمْ}

- ‌ فوائد وقواعد ينبني عليها البحث

- ‌النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام

- ‌ لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه

- ‌(5) الحال الذي هو زمن التكلم

- ‌(9) المصادر من حيث مدلولها على ضربين:

- ‌ 15] (10) الحال النحوية من شرطها الاقتران بعاملها في الزمن

- ‌ فصل

- ‌فهرس مراجع التحقيق

الفصل: [ص 44]‌ ‌ فصل قال المعلِّم رحمه الله تعالى: "ظنّوا أنّ الخطاب

[ص 44]

‌ فصل

قال المعلِّم رحمه الله تعالى: "ظنّوا أنّ الخطاب في السورة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يمكنهم تأويل {تَرْمِيهِمْ} إلى الخطاب؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يرميهم، ولكنا بيّنا في الفصل الأول أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة، وكلمة {تَرْمِيهِمْ} حال من المجرور في (عليهم)، أو جملة مستأنفة. والمعنى على الحالية يكون: ألم تر أيها المخاطب كيف أرسل ربك عليهم طيرًا أبابيل حالَ أنت ترميهم بالحجارة؟ وعلى الاستئناف يكون: كنت ترميهم بحجارة، فجعلهم الربّ كعصف مأكول

فعسى أن يتوهم أن الحال إنما تبيّن هيئة الفاعل أو المفعول، والضمير في (عليهم) إنما هو مجرور لا فاعل ولا مفعول. فنقول: إنما مراد النحويين أن الحال يبين هيئة الشيء عند حدوث أمر، والحدوث يعبّر عنه بالفعل، فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل أو المفعول فزعوا إلى تقديرات شتى".

ثم ذكر شواهد على مجيء الحال من المجرور، ثم قال:"فعلى تأويل {تَرْمِيهِمْ} إلى الاستئناف عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى أن يؤتى بالماضي، و {تَرْمِيهِمْ} مضارع، فنقول: نعم، ولكن {تَرْمِيهِمْ} أصله: "كنت ترميهم"، وحذف الأفعال الناقصة قبل المضارع أسلوب عام، وله مواقع لا يحسن فيها إلا الحذف، كما بينّاه في كتاب الأساليب

قال تعالى: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ}

(1)

. أي فلو كنت هناك أيها المخاطب لظللت ترى

(1)

وقع في رسالته: "وسخرنا" سهوًا. والآية في سورة الحاقة (69/ 7). [المؤلف].

ص: 183

القوم الخ. وقال متمم بن نويرة

(1)

:

تقول ابنةُ العمريِّ مالك بعدَ ما

أراك قديمًا ناعمَ الوجهِ أفرعا

[ص 45] أي بعد ما كنت أراك.

وقال خِداش بن زهير بن ربيعة

(2)

:

قِفارٍ وقد ترعى بها أمُّ رافع

مَذانبَها بين الأسِلَّةِ والصَّخر

أي وقد كانت ترعى.

وقال أعشى بكر بن وائل

(3)

:

فلئن شطَّ بي المزارُ لقد أُضْـ

ـحي قليلَ الهموم ناعمَ بال

أي لقد كنتُ أضحي.

وقال القُطامي

(4)

:

كانت منازلَ منّا قد نحُلُّ بها

حتى تغيّر دهرٌ خائنٌ خَبِلُ

أي كنا نحلّ بها.

وقال الحطيئة

(5)

:

تركتَ المياهَ من تميم بلاقعًا

بما قد تَرى منهم حُلُولًا كَراكِرا

(1)

جمهرة أشعار العرب (753)، وسيأتي الكلام على روايته.

(2)

جمهرة أشعار العرب (524).

(3)

جمهرة أشعار العرب (325)، وديوان الأعشى (53).

(4)

جمهرة أشعار العرب (805)، وديوان القطامي (193).

(5)

ديوان الحطيئة (269).

ص: 184

أي بما قد كنتَ ترى".

(1)

قال عبد الرحمن: قوله: "ظنوا

فلم يمكنهم

" يعطي أن أهل العلم يرون أنّ هناك مانعًا قويًّا من رمي الطير، ولكنهم اضطرّوا إلى قبوله إذ لم يجدوا مساغًا للتأويل. والمعلِّم رحمه الله يرى أن هذا حسن ظنّ بأهل العلم، ولو فكّر لَعلِم أنه سوء ظنّ بهم؛ فإننا قد أسلفنا إبطال ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى من الشبهة، وبيّنّا أنه لا مانع إلّا أن يستبعد رجل رمي الطير من جهة مخالفته للعادة، وإنما يقع هذا لمن ضاق صدره من سخرية الملحدين بالخوارق، وانتفخ سحره من تهاويلهم، ولم يفزع إلى ما يعلمه من قدرة الله عز وجل وما قصّه في كتابه من الخوارق، وما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها؟ ولا حقّق النظر في المعقول والعلوم الكونية، فينكشف له أنه ليس فيها شبهة قوية تنفي الخوارق، بل فيها ما يقضي بصحتها ووقوعها.

[ص 46](2) وقوله: "ولكنّا بينّا في الفصل الأول أن الخطاب ههنا إلى أفراد أهل مكة" فيه أمران:

الأول: أنا قد أسلفنا أنه رحمه الله قال أولًا: "اعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية"، وقال في موضع آخر:"فإنه لا يخاطب به إلا فيما لا يخفى على أحد، كأنه رآه كل من يخاطب به وإن لم يره بعينه".

ووافقته في الجملة على هذا، وأوضحت أن السورة خطاب لكل من يصلح للخطاب إلى يوم القيامة، وأن لا وجه لتخصيص الخطاب بأهل

ص: 185

مكة. وعلى هذا فلو كان {تَرْمِيهِمْ} خطابًا مبنيًّا على الخطاب في أول السورة كان معناه نسبة الرمي إلى كل أحد إلى يوم القيامة، وهذا واضح البطلان. فإن نسبة العلم بتلك الواقعة الشهيرة إلى كل أحد حسن مقبول، على ما تقدم بيانه، فأما نسبة الرمي إلى كل أحد فلا وجه له.

الأمر الثاني: أنه على فرض صحة ما رجع إليه المعلِّم رحمه الله من أن الخطاب في أول السورة لكل أحد من أهل مكة عند نزول السورة، فبناء الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} على هذا لا يستقيم أيضًا؛ إذ على فرض وقوع الرمي من أهل مكة، فليس كل أحد ممن يصلح للخطاب عند نزول السورة ممن رَمَى، بل لعله لم يبق ممن كان صالحًا للرمي عند الواقعة إلا أفراد قليل أدركوا نزول السورة. [ص 47] فإن الذي يصلح للرمي في القتال لابدّ أن يكون سنّه على الأقل نحو خمس عشرة سنة، فمن بقي من هؤلاء إلى نزول السورة يكون سنه حينئذ بين ستين سنة إلى تسعين سنة. وذلك بالنظر إلى الاختلاف في عام الواقعة، فالمشهور أنها كانت في عام المولد، وقيل:"إنها كانت قبلُ بعشر سنين، أو بخمس عشرة سنة، أو بثلاث وعشرين سنة، أو بثلاثين سنة، أو بأربعين سنة، أو بسبعين سنة، الأقوال المذكورة في كتب السير"

(1)

.

والقولان الأخيران ظاهرا البطلان، وما قبلهما محتمل، فقد ذكر المؤرخون أنه بعد هلاك أبرهة تملّك على اليمن ابنه يكسوم، ثم ابنه الآخر مسروق، ثم كانت حملة الفرس على اليمن مع ابن ذي يزن. فمنهم من لم

(1)

روح المعاني (9/ 455). [المؤلف].

ص: 186

يبيّن مدة ملك يكسوم ومسروق كابن إسحاق

(1)

، ومنهم من بيّنها، ففي "الأغاني"

(2)

أنها إحدى وثلاثون سنة، وفي "مروج الذهب"

(3)

أنها ثلاث وعشرون.

ولم أر عن أحد إنكار ملكهما أو زعم أنه إنما كان بضعة أسابيع أو أشهر أو سنة أو سنتين. وإنما يرى القائلون بالمشهور أن ملكهما امتدّ تلك المدّة بعد المولد النبوي حتى كانت حملة الفرس مع ابن ذي يزن بعد المولد بتلك المدة: بثلاثين أو ثلاث وعشرين سنة.

ويخالفه ما أخرجه "البيهقي وأبو نعيم وابن عساكر من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبي أبيه قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، أتاه وفود العرب لتهنئته، وأتاه وفد قريش فيهم عبد المطلب

وأخرج أبو نعيم والخرائطي وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس مثله سواء"

(4)

.

وقضية هذا أن تكون حملة الحبشة

(5)

على اليمن عام المولد أو بعده بقليل، فإن فيه أن وفود العرب [ص 48] للتهنئة كان بعد المولد بسنتين، وإنما

(1)

سيرة ابن هشام بهامش الروض الأنف (1/ 54). [المؤلف].

(2)

(16/ 72). [المؤلف].

(3)

(2/ 80 - 82).

(4)

الخصائص الكبرى للسيوطي (1/ 82). [المؤلف].

(5)

كذا في الأصل، وهو سبق قلم، والمراد: حملة الفرس.

ص: 187

يكون ذلك بعد تمام الغلبة على الحبشة واستقامة الأمر. فيؤخذ منه تقدم الحملة قبل ذلك بسنة أو سنتين. وقضية هذا، مع القول بأن يكسوم ومسروقًا ملكا مدّةً لها قدر، أن تكون واقعة الفيل قبل المولد بمدة لها قدر.

وفي "دائرة المعارف الإسلامية" من مقالة لبعض كتاب الإفرنج: "وعام هذا الحادث الذي يعرف بعام الفيل

هو عام (570 م)، كما تقول المصادر المتأخرة. ويعتبر هذا العام في العادة عام مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن نُلدِكه قد اعترض بحقٍّ على ما تقدّم؛ لأننا إذا قبلنا ذلك لما كانت هناك بين حملة أبرهة على مكة وغزو الفرس للبلاد العرب الجنوبية (اليمن) عام 570 م فسحة من الوقت يحكم فيها أبرهة وأولاده"

(1)

.

والمقصود هنا أن الذين أدركوا الواقعة وكانوا بحيث يقع منهم في العادة أن يقاتلوا برمي ونحوه لم يبق منهم عند نزول السورة إلا قليل في حال الشيخوخة. وغالب الموجودين عند نزول السورة ممن لم يدرك الواقعة، أو أدركها صغيرًا، فكيف يصح خطاب كل واحد من الموجودين بنسبة الرمي إليه؟

[ص 49] فإن قيل: يمكن أن يحمل قوله: {تَرْمِيهِمْ} على معنى: يرميهم قومك، فقد خاطب الله تعالى اليهود بعد بعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ

(1)

دائرة المعارف الإسلامية (1/ 62). [المؤلف].

ص: 188

فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ص 50] ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} الآيات [البقرة: 47 ــ 51]. ومثل هذا كثير في الكلام.

قلت: الجواب عن هذا من أوجه:

الأول: أن هذا الاستعمال مجاز، إنما يحمل الكلام عليه حيث ظهرت قرينته كما في الآيات

(1)

. وليست في قوله تعالى: {تَرْمِيهِمْ} قرينة ما، بل الظاهر الواضح ــ إن لم نقل المتيقن ــ أنه ليس بخطاب، بل المعنى: ترميهم تلك الطير.

فإن قيل: كانت القرينة قائمة عند المخاطبين بالسورة، وهم الذين كانوا من قريش في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم كانوا يعلمون أن آباءهم رموا، وأنّ الطير لم ترمِ.

قلت: هذه دعوى فارغة، فقد تقدم في فصل (هـ) من القسم الأول الروايات عن الصحابة والتابعين بإثبات رمي الطير وأنه لم يكن من أهل مكة قتالٌ ما. وتقدم قول المعلم: "قصارى أمره أن يكون إما ممن رأى نزول الحجارة من السماء وظنّ من بعيد أنها كانت من الطير

" وقوله: "ويمكن أيضًا أن بعض المشاهدين أنفسهم لم يفهموا إلا أن الطير رمتهم

فأيقنوا الرمي من السماء، ولم يروا في السماء إلا طيرًا أبابيل، فنسبوا هذا الرمي إليهن".

(1)

انظر الفائدة الـ

من الذيل. [المؤلف]. كذا في الأصل دون رقم الفائدة، وانظر ما سبق في (ص 158). وقال:"من الذيل" لأنه بدا له فيما بعد أن يؤخر الفوائد السابقة إلى آخر الرسالة.

ص: 189

وذكرت هناك قول نفيل وكان مع الحبشة:

حمدتُ الله إذ عاينتُ طيرًا

وخفتُ حجارةً تُلقَى علينا

وقوله بعد ذكر الطير:

يرميننا مقبلاتٍ ثم مدبرةً

بحاصبٍ من سَواء الأفقِ كالمطر

وأنه إن كان هناك اشتباه، فقد اشتبه الأمر على نفيل ــ مع أنه ليس ببعيد، بل هو مع الحبشة حتى خاف أن تقع عليه الحجارة التي يرى أن الطير تلقيها كما مرّ ــ والتابعين وكذلك على الصحابة. فلو كان اشتباه لكان عامًّا ولكان ينبغي أن يكشفه القرآن، لا أن يزيد الناس جهلًا إلى جهلهم.

والمقصود هنا أنّ ما ادعى من علم أهل مكة في [ص 51]

(1)

وقت نزول السورة بأن الطير لم ترم، ليس بصحيح. وإذا كان الأمر كذلك، فاستعمال المجاز بدون قرينة ظاهرة ضرب من الكذب يتنزه القرآن عنه.

فإن قيل: هناك قرينة أخرى، وهي استحالة أو بعد أن يقع رمي الطير.

قلت: الاستحالة العقلية لا يمكن ادعاؤها، والعادية إنما تصرف عن الحقيقة في مواضع ليس هذا منها. وذلك كأن يكون المتكلم لا يجوّز خرق العادة، أو يكون المخاطب كذلك والمقصود خطابه بما يعترف به، أو تكون القصة عادية محضة لا تناسب الخرق كما قصّه الله عز وجل من قول إخوة يوسف: {يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا

(1)

بين ص 50 و 51 صفحتان لم يرقمهما المؤلف رحمه الله لكونهما غير متعلقتين بالسابق واللاحق.

ص: 190

لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [يوسف: 81 ــ 82]. فإنه لا داعي ههنا إلى أن يحمل قولهم على سؤال عرصة القرية وجدرانها، لأن سؤال الناس يكفي، بل لو قالوا: سل العرصة والجدران، لقد يكون ذلك موهمًا أنهم لا يثقون بأن يشهد لهم أهل القرية، ولكان هذا مما يريب في صدقهم، وذلك خلاف مقصودهم.

وليس الأمر في سورة الفيل كذلك، فإن القرآن يثبت لله عز وجل القدرة على كل شيء، ويقصّ كثيرًا من الخوارق، كقلب العصا حيَّةً

(1)

، وفلق البحر حتى كان كل فرق منه كالطود العظيم

(2)

، وإنباع اثنتي عشرة عينًا من حجر يضربه عصا

(3)

، وحمل المرأة وولادتها بدون أن يمسّها بشر

(4)

، وإحياء الموتى

(5)

، وأمثال ذلك. والعرب كانوا يؤمنون بقدرة الله عز وجل وبالخوارق، ويرون الواقعة منها كما تقدم في أشعارهم.

[ص 52] والواقعة تناسب الخارقة، فإنّ جبّارًا ساق جيشًا عظيمًا ليهدم أعظم بيت لله عز وجل في أرضه، وكان جيشه أكثر من أنصار ذلك البيت بأضعاف مضاعفة في العَدد والعُدد. وأراد الله عز وجل آية تزجره فلم ينزجر،

(1)

سورة طه (20/ 20). [المؤلف].

(2)

سورة الشعراء (26/ 63). [المؤلف].

(3)

سورة البقرة (2/ 60). [المؤلف].

(4)

سورة مريم (19/ 16 - 33). وفيها الكلام في المهد وغيره من الآيات. [المؤلف].

(5)

سورة البقرة (55 - 56 و 72 - 73 و 242 و 259 - 260). سورة آل عمران (3/ 49). سورة المائدة (5/ 110). وفيها خلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك من الآيات. [المؤلف].

ص: 191

وهي حبس الفيل، كما سلف بيان ذلك كله، وتباشير الكلام وبوارقه تؤذن بالخارقة كما تقدم في تفسير السورة.

وبالجملة، فليس ههنا قرينة ما تصرف الكلام عن رمي الطير، فتحمل على تكلف الخطاب المجازي، بل القرائن الحالية والقالية كلها تؤيد رمي الطير بعضها بالخصوص، وبعضها بالدلالة على الخارقة. والمعلِّم ــ عفا الله تعالى عنّا وعنه ــ اطّرح الأول، وحاول التخلص من الثاني بافتراض خارقة أخرى، هي الرمي من السماء. والسورة والواقعة تستغيثان: دع لنا خارقتنا، وخلاك ذمّ:

عذيريَ ممّن قام عنّي محاميًا

أقرَّ بداري وادّعى غيرَها ليا

ألا ليس لي في غير داريَ حاجةٌ

فحَسْبيَ نَصْرًا منك تركي وداريا

الوجه الثاني: أن المعروف استعمال المجاز المذكور في الخطاب بلفظ الجمع، كما في الآيات، ولم أره بلفظ الواحد. وهو أن النسبة إلى كل فرد في نحو "ولو ترى" أظهر في العموم منها في نحو "فعلتم". والعموم في نحو "فعلتم" يضعف إذا كان الخطاب لقبيلة وقوم، لكثرة ما يأتي بمعنى "فعل بعضكم"، أو "فعل أسلافكم".

فإن قلت: قد أسلفت أن معنى قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ} : "قد علمت"، وأنه لكل من يصلح للخطاب، وأنه لا يقدح فيه أن مِن الأفراد مَن لم يعلم.

قلتُ: ذاك لأن في الكلام [ص 53] هناك مبالغة، وهو كناية عن ظهور الواقعة واشتهارها، كما تقدم، ولا يتأتى مثل ذلك في "ترمي" على زعم أنه خطاب.

ص: 192

الوجه الثالث: أن نسبة ما وقع للآباء إلى الأبناء إنما يحسن فيما تتوارث نتيجته، فيكون بوقوعه للآباء كأنه وقع لأبنائهم، كأن يكون فيه فخر أو عار أو استحقاق شكر أو نحو ذلك. تقول لشيباني:"أنتم حُماةُ الذِّمار يومَ ذي قار". ويقول من ينتسب إلى الأنصار لمن ينتسب إلى المهاجرين: "آويناكم وواسيناكم" ونحو ذلك.

وذلك أن يوم ذي قار

(1)

فخر لكل شيباني إلى يوم القيامة، وإذا ثبت الفخر لمن لم يشهده منهم، فكأنه شهده. وهكذا شكر الأنصاري حق على المهاجري إلى يوم القيامة. وقس على ذلك. وأنت إذا تدبرت آيات البقرة في خطاب بني إسرائيل التي تقدّم التمثيل به

(2)

لهذا الأسلوب، وجدتها مطابقة لهذا المعنى.

ولو قيل لرومي أو فارسي: أنتم الذين كتب إليكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوكم إلى الإسلام، لرأيت كلامًا يمجُّه السمع وينفر عنه الطبع، حتى يقال للرومي: فأكرمتم رسوله، وحفظتم كتابه؛ وللفارسي فمزَّقتم كتابه؛ فإذا بالكلام قد نفخت فيه الروح، وعادت الأسماع تعطف عليه، والطباع تعتذر إليه! ما ذاك إلا لأن حفظ الكتاب وإكرامه مكرمة يبقى فخارها، وتمزيقه مسبّة يتوارث عارها.

وإذا عرفت هذا، فانظر في رمي أهل مكة لأصحاب الفيل [ص 54] بالحجارة على فرض وقوعه، لا تجد فيه ما يسوّغ نسبة الرمي إلى أبنائهم. أما

(1)

انظر حديث يوم ذي قار في نقائض جرير والفرزدق (638 - 648).

(2)

كذا في الأصل، والمقصود: بها.

ص: 193

الفخر فإن العرب لا ترى رمي العدوّ بالحجارة فخرًا، بل قال الأعشى

(1)

:

ولا نُقاتل بالعِصِيـ

يِ ولا نُرامي بالحجاره

مع أن المقام ليس مقام مدح ولا ذم.

فإن قلتَ: قد يقال إن الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} جاء تبعًا للخطاب في {أَلَمْ تَرَ} ، فيقبل هذا بشفاعة ذاك.

قلتُ: إنما يسوغ هذا لو كان الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} من هذا الأسلوب، وهو أن ينسب إلى الأبناء ما وقع من الآباء، وليس كذلك، فإن {أَلَمْ تَرَ} بمعنى "قد علمت"، والعلم ثابت للمتأخر نفسه.

فإن قيل: فاجعل الرؤية بصرية على ظاهرها، فيكون المعنى:"قد أبصرت"، كما في قوله في آيات البقرة التي تقدم التمثيل بها:{وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50].

قلتُ: هذا إنما يقوم على دعوى أن يكون قوله {أَلَمْ تَرَ} من هذا الأسلوب، أعني أن ينسب إلى الأبناء ما وقع للآباء، فيرِد عليه الوجهان السابقان، وثالث وهو مخالفته لظاهر ارتباط السورة بما قبلها ببنائها على الوعيد والتهديد.

[ص 55] واعلم أنّ المعلِّم رحمه الله إنما اعتنى بتطبيق ما قاله من الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} على الخطاب في {أَلَمْ} لأن السورة كلام واحد،

(1)

الخزانة (1/ 83). [المؤلف]. طبعة هارون (1/ 173)، وانظر: ديوان الأعشى (209).

ص: 194

وما بعد الآية الأخرى تفسير لها. والكلام الواحد إذا كان في أوله خطاب، ثم تلاه خطاب آخر، فلا يكون الثاني إلا للمخاطب بالأول، إلّا أن يكون الثاني أعمّ من الأول، كقوله تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق: 1]، أي إذا طلقت أنت أو أحد من أمتك.

ومثلها قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8 ــ 9]. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مكلّف بالإيمان بأنه رسول الله. والتعزير هنا: النصر، كما روي عن جابر مرفوعًا

(1)

. والتوقير: التعظيم، كما روي عن قتادة وغيره

(2)

. والضميران عائدان إلى الله عز وجل، كما هو الحال في قوله:{وَتُسَبِّحُوهُ} .

وفي الآية وجوه أخرى تنفي ما توهمه بعضهم من مخالفة القاعدة المذكورة

(3)

.

فأما قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 13 ــ 14]، فالخطاب في قوله:{فَأْتُوا} وما بعده كله للكفار، والمعنى كما هو ظاهر:

(1)

أخرجه ابن عدي، وابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر في تاريخه. قاله السيوطي في الدر المنثور (7/ 516) ط دار الفكر.

(2)

المرجع السابق، وتفسير الطبري (21/ 251) ط دار هجر.

(3)

راجع: روح المعاني (8/ 143).

ص: 195

"فإن لم يستجِب لكم الذين تدعونهم من دون الله". ومن زعم أن الخطاب في قوله: {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ} للمسلمين على معنى: "فإن لم يستجب لكم الكفار"، فقد غفل غفلةً شديدةً. وانظر القاعدة في طراز المجالس للخفاجي

(1)

.

والمقصود أن المعلِّم رحمه الله موافق على القاعدة المذكورة، ولذلك اعتنى بتطبيق الخطاب في {تَرْمِيهِمْ} على الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} ، واعتذر عمن تقدمه القائلين بأن المعنى:"ترميهم تلك الطير" بأنهم رأوا أن الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يمكنهم أن يحملوا {تَرْمِيهِمْ} على الخطاب. فإذا تقرر هذا، وظهر ما تقدم أنه لا يمكن انطباق الخطاب المزعوم في {تَرْمِيهِمْ} على الخطاب في {أَلَمْ تَرَ} ، ثبت بذلك بطلان الخطاب المزعوم في {تَرْمِيهِمْ} .

[ص 56] وإنما يمكن التطابق بوجهين: الأول: زعم أن المعنى في {أَلَمْ تَرَ} : "ألم تر آباؤكم"، وفي {تَرْمِيهِمْ}:"يرميهم آباؤكم". وقد مرّ إبطاله.

الثاني: زعم أن المعنى: "ألم تر يا أبا لهب

ترميهم يا أبا لهب" وهذا لم يقل به أحد، ولم يقل به المعلم، وإن أشار إليه، وسبق في مقدمة القسم الثاني ردّه من كلامه. ويردّه أيضًا إخلالُه بارتباط السورة بما قبلها، ومنافاته للظاهر الذي هو

(2)

قطعًا لا يخرج عنها إلا بحجة واضحة؛ وأنه ليس في

(1)

ص 16 - 20. [المؤلف].

(2)

هنا كلمة في طرف الورقة ذهب بها البلى.

ص: 196

القرآن كلام مستأنف ابتدئ بخطاب كافر، وأنه يلزمه أن يكون رمي أبي لهب هو الذي به جُعل أصحاب الفيل كعصف مأكول، وغير ذلك مما لا حاجة للإطالة به. ويعرف كثير منه مما تقدّم ومما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا إذا جعل بدل أبي لهب شخص آخر كالعاص بن وائل أو الوليد بن المغيرة.

الوجه الرابع: أن التركيب على زعم الخطاب لا يجري على قانون العربية على ما يأتي قريبًا إن شاء الله.

[ص 57](3) قوله: "وكلمة {تَرْمِيهِمْ} حال من المجرور في {عَلَيْهِمْ} "، وقوله: "فعسى أن يتوهم أن الحال

".

قال عبد الرحمن: الذي يُدرس في الهند من كتب النحو غالبًا: "كافية ابن الحاجب"، وابنُ الحاجب حَدَّ الحالَ بقوله:"الحال ما يبيّن هيئة الفاعل أو المفعول به لفظًا أو معنىً". والمجرور بالحرف مفعول به في المعنى، فهو داخل في الحدّ، فلا حاجة لما أطال به المعلِّم رحمه الله من الشواهد. وفوق ذلك فإن أكثر النحاة يحدُّون الحال بغير هذا الحدّ، فقول المعلم: "إنما مراد النحويين

فإذا وجدوا الحال عن غير الفاعل والمفعول فزعوا إلى تقديرات شتى" يحتمل أمرين: الأول أن يكون تساهل فأطلق "النحويين" ومراده بعضهم. الثاني أن يكون إنما راجع من كتب النحو كافية ابن الحاجب وظنّ أنّ الحدّ المذكور فيها متفق عليه بين النحويين. فليته سكت عن هذا، ونظر إلى الوجوه الأخرى التي تبطل الحالية هنا:

الوجه الأول: ما تقدم من إبطال الخطاب.

ص: 197

[ص 58] الوجه الثاني

(1)

: أن الحال لا بد أن تقارن عاملها في الزمان

(2)

. وتقدم في فصل (هـ) من القسم الأول أنه لو كان إرسال الطير إنما هو لأكل جثث الهلكى لكان الظاهر أن يتأخر إرسالها عن رمي أهل مكة، على فرض وقوعه، فعلى فرض تأخره تنتفي المقارنة.

الوجه الثالث: أن {تَرْمِيهِمْ} يلي {طَيْرًا أَبَابِيلَ} ، والأصل والظاهر أنه لها حالًا منها أو نعتًا لها

(3)

. فلا يجوز أن يكون حالًا من الهاء في {عَلَيْهِمْ} متعلّقًا بالخطاب في أول السورة، إذ لا قرينة على ذلك، بل القرائن القوية تؤيد رمي الطير، وقد تقدم بيان ذلك.

[ص 59] الوجه الرابع: أنّ {تَرْمِيهِمْ} لو كان خطابًا على أنه حال من الهاء في {عَلَيْهِمْ} لكان جاريًا على غير من هو له، وإذن لوجب على قانون العربية أن يقال:"ترميهم أنت"

(4)

.

الوجه الخامس: أنني أشكّ في صحة "مررنا بزيد تحدثه" أو "تحدثه أنت"، وإن صحّ فهو ضعيف. وهو نظير {تَرْمِيهِمْ} حالًا من الهاء في

(1)

كتب المؤلف أولًا: "الوجه الثاني: تقدم في الفائدة العاشرة أنّ الحال

". ثم حذف قوله: "تقدم في الفائدة العاشرة" من المتن وأثبته في الحاشية الآتية. ونحوه في الحواشي التالية.

(2)

انظر: الفائدة العاشرة من الفوائد الآتية في الذيل. [المؤلف]. انظر التعليق في (ص 189).

(3)

انظر: الفائدة الحادية عشرة من الذيل. [المؤلف]. سقطت هذه الفائدة من الأصل كما سبق.

(4)

انظر: الفائدة الثانية عشرة. [المؤلف]. ذهب الخرم بهذه الفائدة.

ص: 198

{عَلَيْهِمْ}

(1)

.

الوجه السادس: أنه لو كان المعنى: "ترميهم أنت" لكان جملة {تَرْمِيهِمْ} مستقلة عما قبلها ومناسبة لها. وهذا من التوسط بين الكمالين، وهو من مواضع الوصل. فحقه أن يقال فيه:"وأنت ترميهم"، ويتأكد ذلك هنا بدفعه الإلباس

(2)

. فلما قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} تعيّن أن يكون المراد: ترميهم تلك الطير.

فإن قيل: قد ذكروا أن الحال قد تجيء مقدرة بأن تكون متأخرة عن عاملها، ومثّلوا له بقول الله عز وجل:{فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]. قالوا: التقدير: ادخلوها مقدَّرًا خلودكم.

قلت: حاصله أنّ قوله: {خَالِدِينَ} مجاز، لما كانوا مقطوعًا بخلودهم في المستقبل أطلق عليهم {خَالِدِينَ} في الحال من باب تنزيل ما عُلِم أنه سيقع، فإنما حاصل الخلود الاستمرار على الحال الحاصلة بالدخول. ولا يتأتى مثل هذا في {تَرْمِيهِمْ} .

أيضًا فقد يحتمل أن يكون قوله: {فَادْخُلُوهَا} ضمّن معنى "اسكنوها". وعلى هذا فالمقارنة أبين، لأن معنى الخلود فيها هو إنما هو دوام سكناها.

فإن قيل: فقد ذكروا من أمثلة الحال المقدر قول الله عز وجل: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ

(1)

انظر: الفائدة الثالثة عشرة. [المؤلف].

(2)

انظر: الفائدة الرابعة عشرة. [المؤلف].

ص: 199

مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27]، فإن التحليق والتقصير متأخر عن الدخول. ولا يتأتى فيه ما ذكرته في {خَالِدِينَ} .

قلت: قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى نفسه وأصحابه داخلين المسجد الحرام محلقين ومقصرين، أي مع المقارنة الحقيقية. ويكون تأويل هذه الرؤيا بإحدى دخلاتهم المسجد الحرام بعد إتمامهم عمرة القضاء، فإنهم أتمّوا العمرة فحلقوا وقصروا، ثم كانوا يدخلون المسجد بعد ذلك

(1)

.

على كل حال، فالأصل في الحال هو المقارنة الواضحة، وإنما يحمل على خلاف ذلك عند تعذر الأصل. ولم يتعذر الأصل في قوله تعالى:{تَرْمِيهِمْ} ، والله الموفق.

[ص 60] قوله: "وعلى الاستئناف يكون: كنت ترميهم"، وقوله:"عسى أن يتوهم أن مقتضى المعنى أن يؤتى بالماضي و {تَرْمِيهِمْ} مضارع" إلى آخر ما تقدم.

قال عبد الرحمن: إن أراد بالاستئناف: الاستئناف البياني، وهو ما يكون جوابًا لسؤال ينشأ من الجملة السابقة، فلا يصلح هنا على جعل {تَرْمِيهِمْ} خطابًا. فإن السامع إذا سمع قوله تعالى:{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} ولم يكن يعلم القضية، إنما يقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فإنه يفهم من أول السورة إنزال الله تعالى بالقوم عذابًا شديدًا، ويفهم من إرسال

(1)

انظر ما سبق في (ص 158).

ص: 200

المعدّى بـ (على) العذاب، وقد تقدم بيان ذلك

(1)

، فيفهم أن الطير أرسلت لعذابهم، فيقع في نفسه السؤال عما فعلت بهم الطير. فكيف يسأل عما فعلت بهم الطير، فيجاب بقوله:"رميتهم أنت" أو "كنت ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول"؟ ليس الشمس رابعة النهار أنه لو كان هنا استئناف بياني لوجب أن يكون المعنى: "ترميهم تلك الطير" ليكون جوابًا للسؤال المذكور؟ وإن كان ذلك ضعيفًا من وجه آخر، كما تقدّم في تفسير السورة.

فإن قيل: المعلِّم رحمه الله يرى أن إرسال الطير كان لأكل جثث الهلكى، ويرى أن قوله تعالى:{وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ} يُشعر بذلك على ما جرت به العادة من تحليق الطير على رؤوس الجيش. وإذا فهم السامع ذلك أوشك أن يسأل: "وكيف هلكوا؟ "، فيجاب بقوله: "كنت ترميهم

".

قلت: قد تقدم إبطال إشعار الآية بأكل الطير للجثث. وحسبك في إبطاله أنه لم يشعر بذلك أحد من الناس منذ نزلت. [ص 61] ولو شئت لحلفت بين الركن والمقام أن المعلِّم رحمه الله لم يشعر بذلك منها، وإنما كسعها به لاستبعاده رمي الطير، وقد تقدّم ما فيه. والاستئناف إنما يصلح حيث كان السؤال مما يشعر به كل سامع متفهم.

وعلى فرض توقع السؤال المذكور فممّن؟ أمن الذين رموا؟ كلّا، أم من غيرهم؟ فكيف يصح أن يجاب بقوله:"كنت ترميهم".

(1)

انظر (ص 133).

ص: 201

فإن قيل: قد يحمل قوله: {تَرْمِيهِمْ} على معنى "يرميهم قومك"، على ما تقدم في الخطاب، وعليه فقد يمكن السؤال المذكور من كثير من أهل مكة الموجودين عند نزول السورة، لأنهم لم يدركوا الواقعة.

قلت: قد تقدم ردّ هذا التأويل في الكلام على الخطاب. ومع ذلك فهو يقتضي أن أهل مكة لم يكونوا يعرفون كيف هلك القوم. فإنهم كانوا يرون أنهم هلكوا برمي الطير كما تقدم غير مرّة. ولو كان من آبائهم رمي وكان هلاك القوم به في الظاهر لما خفي عليهم، مع ما جرت به عادتهم من حفظ وقائعهم.

والضربة القاضية على هذا أنّ أول السورة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} ، ومعناه كما يعترف به المؤلف:"قد علمت كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل علمًا مساويًا لعلم المشاهد". فإن لم يكن أهل مكة عند نزول السورة عالمين بكيفية الواقعة، فليت شعري مَنْ عسى أن يكون عالمًا بها حتى يخاطَب بما ذكر، فتدبَّرْ.

فإن قيل: إنّك جوَّزت الاستئناف على معنى "ترميهم الطير"، وهذا الوجه يرد عليه أيضًا.

قلتُ: إنّما جوَّزتُه على أن يكون السؤال ممن لم يعلم بالواقعة كأهل البلدان البعيدة عن مكة وأهل العصور المتأخرة. وقد مرّ الجواب [ص 62] عن دخولهم في الخطاب بقوله: {أَلَمْ تَرَ} مع جهلهم، فلا تغفل، على أني بينت أنه مع ذلك ضعيف.

ص: 202

فإن قيل: المعلِّم وإن وافق على معنى أول السورة ما ذكرتَ، إلّا أنه ذكر بعد ذلك أن كثيرًا من الشاهدين أنفسهم لم يكونوا يعلمون الحقيقة، وكانوا يرون أنّ الطيرَ رَمَتْه، وقد قدّمتَ أنت أن ذلك كان الاعتقاد العام، فعلى قوله يكون الجهل متحقّقًا، وذلك مظنّة السؤال.

قلتُ: قد تقدّم إبطال احتمال الجهل، وكفى بأول السورة مبطلًا له. ومع ذلك فالسؤال إنما مظنّة الجهل البسيط، والجهل المدَّعَى هنا مركّب.

وإن أراد الاستئناف النحوي، فقد شرح علماء المعاني في باب الفصل والوصل المواضعَ التي يصلح فيها، وليس منها موضع يصلح هنا. بل لو كان المعنى على ما قاله المعلِّم رحمه الله لكان هذا من مواضع العطف بالواو، فيقال:"وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ورميتهم"، أو "وترميهم"، أو "وكنت ترميهم"

(1)

.

قوله: "حذف الأفعال الناقصة قبل المضارع أسلوب عام" يشمل على دعاوى:

الدعوى الأولى: جواز حذف الأفعال الناقصة. وأئمة العربية لا يجيزون حذف ما عدا (كان) من النواسخ، إلا في موضع أو موضعين ليس منها ما قاله المعلِّم في الآية التي استشهد بها. ويجيزون [ص 63] حذف (كان) في مواضع لا يصلح منها شيء في آية الفيل ولا في شيء من الشواهد التي أوردها.

(1)

انظر: الفائدة 11. [المؤلف]. كذا ظهر لي رقم الفائدة، وقد ذهب بها الخرم الواقع في الأصل.

ص: 203

وذكر ابن هشام في بعض رسائله حذف (كان) مع اسمها وأنه ليس بقياس. قال: "إلا بعد أن ولو، ومن ثم قال سيبويه رحمه الله: لا تقل: "عبدَالله المقتولَ"، بتقدير: كن عبد الله المقتول. وخالف المحققون الكسائيَّ في تخريجه قوله تعالى: {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 171] على تقدير: "يكن الانتهاء خيرًا لكم"

(1)

.

قال عبد الرحمن: وممن خالف الكسائي في ذلك: أصحابه الفرَّاء وغيره، مع أن الحذف في {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} أقرب بكثير من الحذف في الآية التي استشهد بها المعلِّم وفي آية الفيل والشواهد؛ لوجود دلالة في {انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} . وهو أن {خَيْرًا} منصوب، فلا بدّ له من ناصب، فإذا قدّرت "يكن" بان وجه النصب، فيكون ظهور النصب دليلًا على الحذف. ومع ذلك فالمعنى مفهوم، لا يحصل بحذف "يكن" إلباس، ولا بتقديرها معنى يخالف الظاهر. وهذا بخلاف التقدير في {تَرْمِيهِمْ} .

واعلم أن العلماء حتى النحاة كثيرًا ما يفسّرون الكلام بما يشرح أصل معناه، مع صرف النظر عن التقدير النحوي، فربما يقع في كلامهم ما يوافق تقدير المعلم، فلا تغترَّ بذلك. وقد عقد ابن جنّي في الخصائص بابًا لنحو ذلك

(2)

. وتجد أمثلة كثيرة، فلا حاجة للإطالة بها.

(1)

الأشباه والنظائر النحوية، طبعة ثانية (4/ 27). [المؤلف].

(2)

الخصائص (1/ 288). وراجع: شرح الكافية (2/ 397)، ومغني اللبيب مع حواشي الأمير (2/ 24)، وما تقدم في التفسير في (كيف). [المؤلف].

ص: 204

الدعوى الثانية: دعوى الحذف قبل {تَرْمِيهِمْ} . ومن الأصول المتفق عليها ما قال ابن هشام: "الكلام إذا أمكن حمله على [التمام امتنع حملُه على]

(1)

الحذف، لأنه دعوى خلاف الأصل بغير بيّنة. ولهذا امتنع أن يدّعى في نحو (جاء الذي في الدار) أن أصله: الذي هو في الدار"

(2)

.

وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: "والاختصار هو الاقتصار على ما يدل على الغرض مع حذف أو إضمار. والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا صلة [ص 64] إليه، لأن حذف ما لا دلالة عليه منافٍ لغرض وضع الكلام من الإفهام. وفائدة الحذف تقليل الكلام، وتقريب معانيه إلى الأفهام"

(3)

.

قال عبد الرحمن: فالحذف الذي يخالف ذلك، إذا تعمدّه المتكلم كان لحنًا في العربية، ومن جهة أخرى قد يكون كذبًا. فلو كان قبل {تَرْمِيهِمْ} حذف يصرفها إلى الخطاب لكان من هذا. وقد مرّ إبطال ما توهم من قرينة حاليّة أو عاديّة، وبيان القرائن التي تؤيّد رمي الطير.

فأما الشواهد التي ذكرها المعلم، فإنّ لها محلًّا صحيحًا بليغًا لا يُحوج إلى الحذف. ودعوى الحذف والتقدير فيها ينزل بالكلام عن بلاغته كما سترى. هذا، مع ما تقدم أن هذا ليس من المواضع التي يجوز فيه

(4)

حذف (كان). وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى.

(1)

ما بين الحاصرتين ساقط من الأصل.

(2)

الأشباه (4/ 7). [المؤلف].

(3)

الإشارة والإيجاز ص 2. [المؤلف].

(4)

كذا في الأصل، والوجه: فيها.

ص: 205

الدعوى الثالثة: أن المحذوف "كنت". فلو صحّ حذف (كان) في هذا الموضع، وجوّزنا الاستئناف، وقلنا: إن المضارع إذا وضع موضع الماضي كان بتقدير "كان"، فلنا أن نقدر "كانت". وبذلك يوافق ما عرف عن القصة، وما يفهم من السورة، وما مضى عليه الناس جميعًا قبل المعلم، وتخلص به الكلام عن الإلباس والإيهام وعن اللحن والكذب وغير ذلك مما تقدم.

[ص 65] فأما الشواهد، فقوله تعالى:{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} [الحاقة: 7]، نظير قوله:{وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ} [الكهف: 17]. وسيأتي الكلام عليه في الذيل

(1)

. وفي ذاك التوجيه ما يوافق ما يشعر به المتفهم من بلاغة الكلام وعلوّ درجته، بخلاف التقدير الذي قاله المعلم.

وأما بيت متمم، فإن البغدادي أنشده في "الخزانة":

تقول ابنةُ العمري مالكَ بعدَما

أراك حديثًا ناعمَ البالِ أفرعا

وقال في شرحه: "ابنة العمري زوجته، والحديث: القريب، والأفرع: الكثير شعر الرأس. تقول: مالك اليوم متغيرًا بعد أن كنت منذ قريب ناعم البال أفرع؟ "

(2)

.

وفي "حماسة أبي تمام" تحت عنوان "وقال آخر":

ألا قالت العصماءُ يوم لقيتُها

أراك حديثًا ناعمَ البال أفرعا

فقلتُ لها لا تنكريني فقلّما

يسودُ الفتى حتى يشيبَ ويصلَعا

(1)

انظر الفائدة 14. [المؤلف]. انظر ما علقته في (ص 178).

(2)

خزانة الأدب (1/ 235). [المؤلف]. طبعة هارون (2/ 23).

ص: 206

قال التبريزي: "ويروى: كبرتَ ولم تجزع من الشيب [مجزعا]

(1)

"

(2)

.

ويظهر أن هذه الرواية في هذا الشعر هي الصواب، وأن قوله:"أراك حديثًا ناعم البال أفرعا" انتقل إلى ذهن الراوي من شعر متمّم.

وقصيدة متمم في "جمهرة الأشعار"

(3)

كما ذكره المعلم، وفي حاشيتها التنبيه على رواية "الخزانة"

(4)

. والنظر يقتضي أن يكون الصواب "حديثًا ناعمَ الوجه". أما "حديثًا" فلأن المرأة مع زوجها، فلا بد ان تنكر تغيُّره حداثةَ وقوعه. وأما "ناعم الوجه"، فلأنه المناسب لقوله "أفرعا"، وللبيت الذي يليه، وهو كما في "الخزانة" و"الجمهرة":

فقلتُ لها طولُ الأسى إذ سألتِني

ولوعةُ حُزنٍ تترك الوجهَ أسفعا

[ص 66] ثم إن صحّت رواية "الجمهرة"، فالتعبير بالمضارع لإفادة الاستمرار وترك تقييده بنحو "كنت" من باب حكاية الحال، كما سنوضحه في الذيل

(5)

.

(1)

مكان الحاصرتين بياض في الأصل.

(2)

شرح التبريزي على "الحماسة"(1/ 168). [المؤلف]. وانظر شرح البيت على رواية "الحماسة" في "الخزانة" طبعة هارون (3/ 13).

(3)

"الجمهرة" ص 283. [المؤلف]. طبعة الهاشمي (753).

(4)

يعني "حديثًا"، وهي رواية المفضليات ــ وذكر ابن الأنباري في الشرح (538) رواية "قديمًا" أيضًا ــ و"الكامل"(1440)، و"المنتخب"(205)، و"الحماسة البصرية"(629). ورواية "قديمًا" في "أمالي اليزيدي"(76)، و"جمهرة أشعار العرب"(753)، و"الأشباه والنظائر" للخالديين (2/ 348)، و"منتهى الطلب"(6/ 385).

(5)

انظر الفائدة 14. [المؤلف]. انظر تعليقي في (ص 189).

ص: 207

وإن صحت رواية "الخزانة" ففيه مع حكاية الحال الدلالة على القرب، وسيأتي شرح ذلك

(1)

. وقول صاحب "الخزانة": "بعد أن كنت" تفسير لأصل المعنى، لا تقدير للإعراب، وقد تقدّم التنبيه على ذلك.

وأما بيت خِداش وبقية الشواهد، فالمضارع فيها مقترن بـ (قد). فإن قلنا بظاهر كلام ابن مالك ومن تبعه أن (قد) تصرف المضارع إلى المضي سقط الاستشهاد البتة. وإن قلنا إن معنى صرفها المضارع إلى المضي أنه معها للاستمرار من الماضي البعيد إلى المستقبل، فاستعماله في الاستمرار المنقطع من باب حكاية الحال والدلالة على القرب وإيهام التوهم، وستأتي نظائر ذلك مشروحة.

هذا، ولو جاز أن يكون {تَرْمِيهِمْ} خطابًا واستئنافًا لأمكن توجيه العدول عن الماضي إلى المضارع توجيهًا صحيحًا بغير دعوى الحذف، ولكن لا ينفعه ذلك لما علمت

(2)

.

(1)

انظر الفائدة 14. [المؤلف]. انظر تعليقي في (ص 189).

(2)

هذا آخر ما وجد من كلام المؤلف بخطّه.

ص: 208