الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العلماء والوظائف
إسناد الوظائف العلمية إلى غير أهلها، وتمكين الجهلة من التربع في مناصب العلماء مما أثر على المسلمين، وساعد على عدم انتظام شؤونهم لما في ذلك من القضاء على العلم الذي هو أس المدنية وأساس العمران، وتمهيد السبيل لتفشي الجهل الذي هو منبع الرذائل، وأصل كل شر.
لسنا الآن بحاجة إلى إطراء العلم وما ينتج عنه، وذم الجهل وما يترتب عليه فقد أصبح العقلاء كافة يشعرون بفضل العلم، ويحسون بألم الجهل إنما كلامنا الآن في الأسباب التي نشأ عنها هذا الخلل، وبيان ما على الأمة إزاءه.
إن ما نتصوره من أسباب هذا الخلل أمور ثلاثة، تغاضي ولاة الأمور فيم
أكثر البلاد عن التعرف بالعلماء العاملين. وركونهم إلى أدعياء العلم من الجهلة، تقاعد العلماء الحقيقيين عن الأخذ بالوسائط لنيل المناصب التي هي خالص حقهم، ونفرتهم من الحكام نفرة الشاة من الذئب، قيام مدعيي العلم متمثلين بزي العلماء يسعون بما فيهم من قوة للحصول على الوظائف العلمية ويستعملون الأسباب المنكرة للاستيلاء عليها.
هذه الأسباب التي نجم عنها حرمان العلماء المخلصين من وظائفهم، وتقليدها من لبس لباسهم من جهلة الناس وأغبيائهم ممن إذا سئلوا أفتوا بغير علم، وإذا قضوا حكموا بغير ما أنزل الله، وإذا وعظوا أحلوا الحرام وحرموا الحلال، وإذا أموا الناس في صلاتهم أخلوا بشروط الإمامة والصلاة، وإذا خطبوا لم يكن لكلامهم تأثير، فهم قوم ألفوا المنكرات واستغرقوا في الشهوات. قوم قعدوا بالمسلمين عن اللحوق بسلفهم الصالح، وحالوا بينهم وبين الاقتداء بهم في كرائم الخصال، قوم خفضوا من قدر علماء الإسلام، وحطوا من منزلتهم حيث لبسوا ظلماً لباسهم وهم خلو من الصفات الفاضلة، براء من الشمائل التي يجب أن يكون عليها العلماء.
إن ما نراه متحتماً على الأمة لهذا الخلل ومنعاً لسريانه أمران:
الأول أن يعمل الحكام على التعرف بالعلماء الحقيقيين، ويقوموا لهم بواجباتهم، يقصرون عليهم الوظائف الدينية من إفتاء وقضاء وتدريس وإمامة وخطبة وغيرها، ويسعون لنزع مناصبهم من أيدي من اغتصبها منهم، ويحظرون على العامة أن تتزيا بأزيائهم، ويساعدونهم المساعدة الكافية لبث روح العلم في عامة طبقات الأمة.
وأول شيء يلزمهم تقديمه بين يدي عملهم هذا إبعاد من التف حولهم من الجهلة عن مجلسهم، وعدم الأخذ بشيء من آرائهم ووساوسهم وبذلك يكونون ممن أدى الأمانة إلى أهلها وقام بما يجب عليه للدين والعلم.
الأمر الثاني أن يقصر العلماء المتقون عن التباعد من المناصب، ويكفوا عن مجافاة الحكام فإن هذا الزمن غير الأزمنة التي تطلب فيها العزلة، وتحمد فيها المجانبة حيث توفر في تلك الأزمنة العلماء المصلحون، ونما فيها عددهم، وقد انقرضوا في هذا الزمن ولم يبق منهم إلا بقية هي في عداد المخربين كالشعرة البيضاء في الشاة السوداء فالدين يحتم عليهم في هذه الآونة مراقبة سير الحكام ومداخلتهم في شؤونهم بل يجب عليهم أن يستعملوا الوسائط ويبذلوا الجهد لأن يكونوا هم الحكام وأهل الوظائف فهم قادة الناس إلى كل خير، وزعماؤهم في كل صلاح وأعظم مهمة لديهم أمام نهضتهم هذه أن يحتفظوا بأزيائهم ومميزاتهم، ويعملوا على عدم تمكن أحد من التلبس بها إلَاّ بالاستعداد لها وذلك بأن يحصل على ملكة تامة في فهم علوم الدين تؤهله للتربع على كراسي الإرشاد، وتخوله مزاحمة العلماء في جميع ماعهد إليهم وبذلك يحفظون العلم من أن يدعيه الجهلة الأغرار، ويحفظون العامة من الركون إليهم في أقوالهم وأفعالهم.
إذا توفر هذان السببان (قيام الحكام بما يجب للعلماء وقيام العلماء بواجباتهم للأمة عموماً) فلا يلبث دعاة الفساد ممن زجوا أنفسهم في غمار العلماء أن يتلاشى أمرهم، ويفقدوا سلطتهم، ولا يمضي زمن يسير على المسلمين حتى تنتظم شؤونهم ويعم العلم كافة أفرادهم، ويسير العدل في عامة أنحائهم، ويرد إليهم ما فقدوه من سنن الإسلام وآدابه.