المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الدين الإسلامي والتوحيد - مجلة الحقائق - جـ ٢١

[عبد القادر الإسكندراني]

الفصل: ‌الدين الإسلامي والتوحيد

‌الدين الإسلامي والتوحيد

15

معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

ومن معجزاته عليه الصلاة والسلام (انشقاق القمر) وهو من أمهات معجزاته ولم ينشق لأحد غيره عليه الصلاة والسلام وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوع ذلك لأجله صلى الله عليه وسلم فإن ضعفاء الأحلام من كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه طلبوا منع آية تدل على صدق دعواه فمنحه الله تعالى هذه الآية العظيمة التي لا قدرة للبشر على إيجادها دالة على صدقه أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر في قوله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال قد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانشق القمر فلقتين فلقة دولبن لجل وفلقة خلف الجبل فقال عليه الصلاة والسلام (اشهدوا).

وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كفار قريش هذا سحر بن أبي كبشة قال فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فأخبرهم بذلك.

وفي الصحيحين من حيث أنس رضي الله نه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما.

قال الخطابي انشقاق القمر آية عظيمة لا يكاد يعد لها شيء من آيات الأنبياء وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجاً عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة فلذلك صار البرهان أظهر أهـ.

ولا شك أن ظهور هذه المعجزة على يد أشرف الرسل مما لا يحيلها العقل لأنها من الممكنات العقلية الداخلة تحت تصرف الإله القادر الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم (رد الشمس له) فقد روى الطبراني عن أسماء بنت عميس أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال عليه الصلاة والسلام أصليت يا علي قال لا فقال عليه الصلاة والسلام اللهم أنهُ كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس

ص: 1

قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعدما غربت ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء.

وذكر القاضي عياض عن ابن اسحق أنه لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر قومهُ بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا متى تجيء قال يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجئ فدعا صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس أهـ ونقل ذلك أيضاً النووي وابن حجر وغيرهما وأقروه على ذلك.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم (نبع الماء من بين أصابعه) وهو أشرف المياه وقد روى أحاديثه جماعة من الصحابة فمن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال عطش الناس يوم الحديبية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة يتوضأ بها وجهش الناس نحوه فقال ما لكم فقالوا يا رسول الله ما عندنا ماء نتوضأ به ولا نشربه إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين يديه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قال راويه قلت كم كنتم قال جابر لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة. قال القرطبي قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم قد تكررت منه في عدة مواضع في مشاهد عظيمة ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي المعتبر عند المحققين من العقلاء ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم حيث نبع الماء من بين عصبه ولحمه ودمه أهـ ولا شبهة في أن هذه المعجزة أبلغ من نبع الماءِ من الحجر حيث ضربه موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا فتفجرت منه المياه لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم وهذا داخل تحت تصرف قدرته تعالى التي لها السلطان إلا على سائر الكائنات (وربك على كل شيءٍ قدير) له أن يكرم نبيه بما يجريه على يده من خوارق العادات التي يعجز البشر عن إتيان مثلها.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم (طاعات الجمادات والحيوانات وتكليمها له بالتسبيح والسلام) ونحو ذلك مما وردت به الأخبار فمن ذلك (تسبيح الحصى) في كفه الشريف ففي حديث أبي ذر المخرج عند الطبراني قال تناول النبي صلى الله عليه وسلم سبع حصيات

ص: 2

فسجن في يده حتى سمعت لهن حنيناً ثم وضعهن في يد أبي بكر رضي الله عنه فسجن ثم وضعهن في يد عثمان فسجن فسمع تسبيحهن من في الحلقة ثم رفعهن إلينا فلم يسجن مع أحد منا. ومنها (حنين الجذع) وهي آية كبرى من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم قال الأإمام الشافعي رضي الله عنه ما أعطى الله نبياً ما أعطى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم فقيل له أعطى عيسى عليه السلام إحياء الموتى قال أعطى محمداً عليه الصلاة والسلام حنين الجذع حتى سمع صوته فهي أكبر من ذلك أهـ.

قال القاضي عياض حديث حنين الجذع مشهور منتشر والخبر به متواتر أخرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم أبي كعب وأنس وعبد الله بن عباس وابن عمر وسهل بن سعد وأبو سعيد الخدري وغيرهم من أجلاء الصحابة والقصة واحدة وإن تغايرت بعض ألفاظها. وهي أنه كان عليه الصلاة والسلام قبل أن يصنع له المنبر يخطب عند الجذع (ساق النخلة) فلما صنع له المنبر انتقل إليه فسمع له كل من كان في المسجد حنيناً وصوتاً عظيماً حتى كاد أن ينشق أسفاً على فراقه فضمهُ صلى الله عليه وسلم فصار يئن أنين الصبي الذي تضمهُ أمهُ إليها وتسكتهُ عن بكائه ثم قال عليه الصلاة والسلام إن شئت أردك إلى الحائط (البستان) الذي كنت فيه تبت لك عروقك ويكمل لك خلقك ويتجدد لك خوص وثمر وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياءُ الله من ثمرك ثم أصغى إليه ليسمع ما يقول فقال بصوت يسمعهُ من يليهِ بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياءُ الله وأكون في مكان لا بلاء فيه فقال قد فعلت ثم قال عليه الصلاة والسلام اختار دار البقاء على دار الفناء وكان الحسن رضي الله عنه إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائهِ.

ومنها (كلام الشجر) له أخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل إعرابي فلما دنا منهُ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال وما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله قال هل لك من شاهد على ما تقول قال عليه الصلاة والسلام هذه الشجرة فدعاها صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً (أي تشقها) فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت ثم رجعت إلى منبتها. وفي الشفاء

ص: 3

من حيث عمر رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاءَ إعرابي من بني سليم قد صاد ضباً (دابة تشبه الحرذون) جعله في كمهِ ليذهب بهِ إلى رحلة فلما رأى الجماعة قال من هذا قالوا نبي الله فأخرج الضب من كمهِ وقال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب وطرحه بين يديه عليه الصلاة والسلام فقال يا ضب فأجابهُ بلسان فصيح يسمعهُ القوم جميعاً لبيك وسعديك قال من تعبد قال الذي في السماء عرشهُ وفي الأرض سلطانهُ وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمتهُ وفي النار عقابهُ قال فمن أنا قال رسول رب العالمين وخاتم النبيين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك فأسلم الأعرابي. يتبع

ص: 4