الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
:
الإيمان باليوم الآخر: وسمي يومًا آخرًا لأنه لا يوم بعده، فإن للإنسان أحوالًا أولها العدم؛ لقوله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} ثم يصير حملًا، ثم يكون عاملًا في الدنيا، وحاله في الدنيا أكمل من حاله أثناء الحمل، ثم ينتقل إلى الحال الرابعة وهي: البرزخ وحاله في البرزخ أكمل من حاله في الدنيا، ثم ينتقل إلى الحال الخامسة وهي اليوم الآخر وحاله في هذه المرحلة أكمل المراحل السابقة.
وبيان ذلك أن الإنسان في بطن أمه لا شك أنه ناقص عن حاله في الدنيا قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فصار بعد خروجه من بطن أمه عنده العلم، والسمع، والبصر، والعمل، وأحواله في هذه الدنيا ليست على الصفاء دائمًا بل فيها صفاء وكدر، وتعب وراحة، وجور وعدل، وصالح وفاسد، يقول الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
…
ويومٌ نساء ويومٌ نسر
وهي بلا شك حينئذ تكون حياة ناقصة؛ لأنه ما من لذة فيها إلا وهي منغصة كما قال الشاعر:
لا طيب للعيش ما دامت منغصة
…
لذاته بادكار الموت والهرم
فأنت الآن شاب وقوي لكن سيأتيك أحد أمرين: إما الموت، وإما
الهرم، فحياة الدنيا منغصة ولهذا سميت الدنيا وهي من الدناءة، ومن الدنو أيضًا، فهي دنيئة بالنسبة للآخرة، وهي أيضًا دنية لنقصانها عن مرتبة الآخرة، وهي دنيا لأنها سابقة للآخرة فهي أدنى منها.
وحاله في البرزخ أكمل حالًا منه في الدنيا؛ لأن حاله مستقرة، فإذا كان من أهل الخير فهو منعم في قبره، يفتح له في قبره مد البصر، ويفرش من الجنة، ويفتح له باب إلى الجنة، ولا ينال هذا في الدنيا، أما في الآخرة فيعطى الكمال المطلق بالنسبة للإنسان حياة كاملة لا يمكن أن تنسب إليها حياة الدنيا بأي وجه من الوجوه وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى بعد ذلك.
كيف نؤمن باليوم الآخر؟
الإيمان باليوم الآخر أن نؤمن بأن الناس سوف يبعثون ويجازون على أعمالهم، وأن نؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من أوصاف ذلك اليوم، وقد وصف الله تعالى ذلك اليوم بأوصاف عظيمة ولنأخذ منها وصفًا واحدًا قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} وأوصاف هذا اليوم الدالة على هوله وعظمته كثيرة في الكتاب والسنة.
ولا يقتصر الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بهذا اليوم الذي يكون بعد البعث، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدته الواسطية:(من الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي، صلى الله عليه وسلم، مما يكون بعد الموت) .
أولًا: فتنة القبر:
وأول شيء يكون بعد الموت فتنة القبر فإن الناس يفتنون - أي يختبرون
- في قبورهم فما من إنسان يموت سواء دفن في الأرض، أو رمي في البر، أو أكلته السباع، أو ذرته الرياح، إلا ويفتن هذه الفتنة فيسأل عن ثلاثة أمور: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ .
فأما المؤمن فيقول: ربي الله - جعلنا الله منهم - وديني الإسلام، ونبيي محمد، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي، وحينئذ يفسح له في قبره مد البصر، ويفرش له فراش من الجنة، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، وهذه الحال بلا شك أكمل من حال الدنيا.
أما إذا كان كافرًا أو منافقًا فإنه إذا سئل من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.
وتأمل ماذا تدل عليه كلمة " هاه هاه "؟ فإنها تدل على أن هذا المجيب كأنه يتذكر شيئًا يبحث عنه ولكن يعجز عن استحضاره، وكون الإنسان يتذكر شيئًا ويعجز عن استحضاره أشد ألمًا من كونه لا يدري عنه بالكلية، فلو سئلت عن شيء وأنت لا تعلم عنه فقلت: لا أدري. فهذا نقص بلا شك، لكن لا يوجب حسرة، لكن لو أنت سئلت عن شيء وكنت تعلمه ثم عجزت عنه فإن ذلك حسرة، ولهذا يقول:" هاه هاه " كأنه يتذكر شيئًا " لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته "، فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين - (الإنس والجن) -، ولو سمعها لصعق، وقد ورد في صفة هذه المرزبة أنه لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها - والعياذ بالله -.
هذه الفتنة يجب الإيمان بها؛ لأن الإيمان بها من الإيمان باليوم الآخر فإن قلت: كيف يكون الإيمان بها من الإيمان باليوم الآخر وهي في الدنيا؟ فالجواب: أن الإنسان إذا مات فقد قامت قيامته.
ثانيًا: عذاب القبر ونعيمه:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بعذاب القبر ونعيم القبر ودليل ذلك قوله تعالى: {كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ومحل الدلالة قوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ} حال توفّيهم: {سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} وهم وإن كانوا لم يدخلوا الجنة التي عرضها السماوات والأرض لكن دخلوا القبر الذي فيه نعيم الجنة.
وقال تعالى أيضًا: {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ} وهذا يكون إذا بلغت الروح الحلقوم وهذا هو نعيم القبر بل إن الإنسان يبشر بالنعيم قبل أن تخرج روحه يقال لروحه: اخرجي أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتفرح الروح بذلك وتخرج خروجًا سهلًا ميسرًا.
وأما السنة فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، أخبر في أحاديث كثيرة بما يدل على أن الإنسان ينعم في قبره، وقد أشرنا إلى شيء منها.
وأما عذاب القبر فثابت أيضًا في الكتاب والسنة، فمن القرآن قال الله تبارك وتعالى في آل فرعون:{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}
فقوله: {يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} هذا قبل أن تقوم الساعة: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} وكان هؤلاء يشحون بأنفسهم لا يخرجونها، لأنهم يبشرون بالعذاب - والعياذ بالله -، فترتد الأرواح لا تريد أن تخرج من أجسادها هربًا مما أنذرت به:{أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} .
ووجه الدلالة من قوله: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} لأن (أل) هنا للعهد الحضوري لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أي اليوم الحاضر وهو يوم وفاة هؤلاء الظالمين.
وقال تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} .
وكلنا نقول في الصلاة: (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر) ، فعذاب القبر ثابت بالقرآن، والسنة، والإيمان به من الإيمان باليوم الآخر.
هل العذاب في القبر على البدن أو على الروح؟
العذاب في القبر على الروح في الأصل وربما يتصل بالبدن، ومع ذلك فإن كونه على الروح لا يعني أن البدن لا يناله منه شيء بل لا بد أن يناله من هذا العذاب أو النعيم شيء وإن كان غير مباشر.
واعلم أن العذاب والنعيم في القبر على عكس العذاب أو النعيم في الدنيا، فإن العذاب أو النعيم في الدنيا على البدن، وتتأثر به الروح، وفي البرزخ يكون النعيم أو العذاب على الروح، ويتأثر به البدن.
فلو قال لنا قائل: كيف تقولون: إن القبر يضيق على الإنسان الكافر حتى تختلف أضلاعه، ونحن لو كشفنا القبر لوجدنا أن القبر لم يتغير، وأن الجسد لم يتغير أيضًا؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمرًا محسوسًا على البدن، فلو كان أمرًا محسوسًا على البدن، لم يكن من الإيمان بالغيب، ولم يكن منه فائدة، لكنه من الأمور الغيبية المتعلقة بالأرواح، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم، وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، وربما يرى وهو على فراشه نائم أنه قد سافر إلى العمرة، وطاف وسعى، وحلق أو قصر، ورجع إلى بلده، وجسمه على الفراش لم يتغير.
فأحوال الروح ليست كأحوال البدن.
ثالثًا: البعث:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر البعث فالله سبحانه وتعالى يبعث الأجساد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا. حفاة ليس عليهم نعال ولا خفاف: أي ليس عليهم لباس رجل، عراة: ليس عليهم لباس بدن، غرلًا: أي
غير مختونين. وفي بعض الأحاديث: (بهمًا) أي ليس معهم مال، بل كل واحد وعمله.
والبعث هنا إعادة وليس تجديدًا، كما قال تعالى:{قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} وقال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} ، ولأنه لو كان خلقًا جديدًا لكان الجسد الذي يعمل السيئات في الدنيا سالمًا من العذاب، ويؤتى بجسد جديد فيعذب، وهذا خلاف العدل، فالنص والعقل قد دل على أن البعث ليس تجديدًا ولكنه إعادة، ولكن يبقى النظر كيف تكون إعادة، والإنسان ربما يموت، فتأكله السباع، ويتحول من اللحم إلى الدم في الحيوان الآكل وروث وما أشبه ذلك؟ .
فيقال: إن الله على كل شيء قدير يقول للشيء: كن فيكون، فيأمر الله هذه الأجساد التي تفرقت وأكلت وطارت بها الرياح أن تعود فتعود، وهذا ينبني على القاعدة التي سبق أن قررناها وهي:" أن الواجب على الإنسان في الأمور الخبرية الغيبية هو التسليم ".
وقد أوردت عائشة رضي الله عنها إشكالًا على قول النبي، صلى الله عليه وسلم:«يحشر الناس حفاة عراة غرلًا فقالت: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك» . فإن في ذلك اليوم لا ينظر أحد إلى أحد لأن الله تعالى يقول: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} حتى
الإنسان يذهل عن أنسابه وأقاربه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} .
رابعًا: دنو الشمس من الخلائق:
ومن الإيمان باليوم الآخر أن نؤمن بأن الشمس تدنو من الخلائق بمقدار ميل، والميل يحتمل أن يكون ميل المكحلة، ويحتمل أنه المسافة من الأرض، وسواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة فإن الشمس تكون قريبة من الرءوس.
فإن قلت: كيف يمكن هذا ونحن الآن حسب ما نعلم أن هذه الشمس لو دنت عما كانت عليه الآن بمقدار شبر واحد لأحرقت الأرض، فكيف يمكن أن تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل؟
فالجواب: أن وظيفة المؤمن - وهذه قاعدة يجب أن تبنى عليها عقيدتنا - فيما ورد من أخبار الغيب القبول والتسليم وألا يسأل عن كيف؟ ولم؟ لأن هذا أمر فوق ما تتصوره أنت فالواجب عليك أن تقبل وتسلم وتقول: آمنا وصدقنا بأن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل. وما زاد على ذلك من الإيرادات فهو من البدع، ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن استواء الله كيف استوى؟ قال: السؤال عنه بدعة، هكذا أيضًا كل أمور الغيب السؤال عنها بدعة وموقف الإنسان منها القبول والتسليم.
أما الجواب الثاني بالنسبة لدنو الشمس من الخلائق يوم القيامة فإننا نقول: إن الأجسام تبعث يوم القيامة لا على الصفة التي عليها في الدنيا من النقص وعدم التحمل بل هي تبعث بعثًا كاملًا تامًّا، ولهذا يقف الناس
يوم القيامة يومًا مقداره خمسون ألف سنة لا يأكلون ولا يشربون، وهذا أمر لا يحتمل في الدنيا فتدنو الشمس منهم وأجسامهم قد أعطيت من القوة ما يتحمل دنوها - ويشهد لهذا ما ذكرناه من الوقوف خمسين ألف سنة لا يحتاجون إلى طعام ولا شراب، وأن أهل الجنة ينظر الواحد منهم إلى ملكه مسيرة ألف عام ينظر أقصاه كما ينظر أدناه ولا يمكن هذا في الدنيا، فالأجسام يوم القيامة لها شأن آخر غير شأنها في هذه الدنيا.
خامسًا: محاسبة الخلائق على أعمالهم:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الخلائق يحاسبون على أعمالهم، وقد سمى الله يوم القيامة يوم الحساب؛ لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله.
ولكن هل الحساب حساب مناقشة كما يحاسب التاجر تاجرًا آخر بالفلس والهللة؟
الجواب: لا، لكنه حساب فضل وإحسان وكرم بالنسبة للمؤمن فإن الله سبحانه وتعالى يحاسب المؤمن فيخلو به ويضع كنفه عليه أي ستره ويقرره بذنوبه فيقول له: عملت كذا في يوم كذا حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله سبحانه وتعالى له:" إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".
وكلنا لا يخلو من الذنوب في هذه الدنيا ذنوب باطنة تتعلق بالقلوب، وذنوب ظاهرة تتعلق بالأبدان، لكن لا يراها الناس، فقد تشاهد الرجل ينظر بعينه نظرًا محرمًا وأنت تظنه ينظر نظرًا حلالًا ما تدري ولهذا قال الله
تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} خائنة الأعين أمر يعلم بالحس، لكن لا يعلمه أحد، من يعلم أن هذه العين تنظر نظرًا محرمًا؟ " {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} .
هذا باطن فالله سبحانه وتعالى يقول: " سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ".
أما الكفار والعياذ بالله فإنهم لا يحاسبون هذا الحساب بل يقررون بأعمالهم ويقول: عملتم كذا وكذا فإذا أنكروا تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون، حتى الجلود فإنها تشهد فيقولون لجلودهم:{لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} قالوا: {أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ} يقرر الكفار بأعمالهم ويخزون بها والعياذ بالله وينادى على رؤوس الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} فانظر الفرق بين حساب المؤمن وحساب الكفار.
هل ينجو من الحساب أحدٌ؟
الجواب: نعم ينجو منه عالم لا يحصيهم إلا الله قال النبي، صلى الله عليه وسلم:«إن»
سادسًا: الوزن:
مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الوزن قال الله تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} وقال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} فتوزن الأعمال يوم القيامة بميزان له كفتان توضع في إحداهما الحسنات وفي الأخرى السيئات، والذي يوزن في ظاهر النصوص العمل قال الله تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} وقال النبي، صلى الله عليه وسلم:«كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» . فيوضع هذا الميزان للخلائق وتوزن فيه الأعمال.
ولكن هنا أسئلة على الميزان:
أولًا: كيف توزن الأعمال وهي أوصاف للعاملين وحركات وأفعال؟
فالجواب: أن القاعدة في ذلك كما أسلفنا أن علينا أن نسلم ونقبل ولا حاجة لأن نقول: كيف؟ ولم؟ ومع ذلك فإن العلماء رحمهم الله قالوا في جواب هذا السؤال: إن الأعمال تقلب أعيانًا فيكون لها جسم يوضع في الكفة فيرجح أو يخف، وضربوا لذلك مثلًا بما صح به الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم:«أن الموت يجعل يوم القيامة على صورة كبش فينادى أهل الجنة يا أهل»
«الجنة فيطلعون ويشرئبون وينادى يا أهل النار: فيطلعون ويشرئبون ما الذي حدث؟ فيؤتي بالموت على صورة كبش فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح الموت بين الجنة والنار ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار: خلود فلا موت» . ونحن نعلم جميعًا أن الموت صفة، ولكن الله تعالى يجعله عينًا قائمة بنفسه وهكذا الأعمال.
ثانيًا: هل الميزان واحد أم متعدد؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين
وذلك لأن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد ومرة بالجمع مثل قوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ} ، وكذلك في قوله:{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} . وأفرد في مثل قوله، صلى الله عليه وسلم:«ثقيلتان في الميزان» فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وإنه جمع باعتبار الموزون أو باعتبار الأمم فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم، والذين قالوا: إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد ومن الجائز أن الله تعالى يجعل لكل أمة ميزانًا، أو يجعل للفرائض ميزانًا، وللنوافل ميزانًا.
والذي يظهر والله أعلم أن المراد أن الميزان واحد، لكنه متعدد باعتبار الموزون.
سابعًا: نشر الكتب:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر نشر الدواوين وهي الكتب، تنشر بين الناس فيختلف الناس في أخذ هذه الكتب، منهم من يأخذها باليمين،
ومنهم من يأخذها بالشمال، وقد أشار الله إلى ذلك في سورة الحاقة فقال:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} فالمؤمن يقول للناس: خذو كتابي اقرءوه مستبشرًا مسرورًا به، والكافر والعياذ بالله يتحسر ويقول:{يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ} .
هذا الكتاب قد كتب فيه ما يعمله الإنسان كما قال تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ} ، ويقال للإنسان:{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} .
قال بعض العلماء: والله لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك.
فيجب علينا أن نؤمن بهذه الكتب، وأنها توزع يوم القيامة عن اليمين وعن الشمال، لكن في سورة الانشقاق يقول الله تعالى:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} ، فكيف يمكن الجمع بين قوله:{كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} ، وقوله:{كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} ؟
فالجواب: أنه يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره، والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقًا.
ثامنًا: الحوض:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أيضًا الحوض. حوض النبي، صلى الله عليه وسلم جعلنا الله - ممن يشرب منه - هذا الحوض حوض واسع، طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها، وماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من رائحة المسك، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، ويستمد الحوض ماؤه من الكوثر، وهو نهر أعطيه النبي، صلى الله عليه وسلم، في الجنة يصب منه ميزابان على الحوض فيبقى الحوض دائمًا مملوءًا، ويرده المؤمنون من أمة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ويشربون منه، ويكون هذا الحوض في عرصات يوم القيامة عند شدة الحر وتعب الناس وهمهم وغمهم، فيشربون من هذا الحوض الذي لا يظمئون بعد الشرب منه أبدًا.
تاسعًا: الشفاعة:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر كذلك الشفاعة، وهي نوعان: أحدهما: خاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم.
والثاني: عام له ولسائر النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
أما الخاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم:
أولًا: الشفاعة العظمى التي تكون للقضاء بين الناس، وذلك أن الناس يوم القيامة يلحقهم من الكرب، والهم، والغم، ما لا يطيقون، لأنهم يبقون خمسين ألف سنة، والشمس من فوق رءوسهم، والعرق قد يلجم بعضهم، فيجدون همًّا، وغمًّا، وكربًا، فيطلبون من يشفع لهم إلى
الله عز وجل فينجيهم من ذلك، فيلهمهم الله عز وجل أن يذهبوا إلى آدم الذي هو أبو البشر فيأتون إليه ويسألونه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه عصى ربه في أكله من الشجرة التي حرم الله عليه أن يأكل منها.
ولكن قد يقول قائل: إن أكله من الشجرة ذنب قد تاب منه وبعد أن تاب اجتباه الله وهداه قال الله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} .
فالجواب: نعم الأمر كذلك، وآدم بعد الخطيئة خير منه قبلها؛ لأن الله تعالى قال بعد أن حصلت الخطيئة والتوبة:{اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} فجعله من المجتبين المصطفين، ولكنه يعتذر - أي من الشفاعة - بأكله من الشجرة؛ لأن مقام الشفاعة مقام عظيم يحتاج أن يكون الشافع فيه نزيهًا من كل شيء؛ لأنه شافع يريد أن يتوسط لغيره، فإذا كان مذنبًا كيف يمكن أن يكون شافعًا؟
فيذهب الناس إلى نوح ويطلبون منه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه سأل ما ليس له به علم، وكان قد سأل الله تعالى أن ينجي ابنه الكافر من الغرق:{فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} فيعتذر.
فيأتون إلى إبراهيم خليل الرحمن، عليه الصلاة والسلام، فيعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، وهو ليس في الواقع كذبًا، ولكنه تورية، لكن
التورية ظاهرها الحقيقة والمراد خلاف الظاهر فمن أجل هذا تشبه الكذب من بعض الوجوه، ولكمال أدب إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، مع الله هاب أن يشفع وقد كذب هذه الكذبات في ذات الله عز وجل.
فيأتون إلى موسى بعد ذلك، فيعتذر بأنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، والنفس التي قد أشار إلى أنه قتلها بغير حق: أنه خرج عليه الصلاة والسلام، فوجد رجلين يقتتلان هذا من شيعته، وهذا من عدوه، أحدهما من بني إسرائيل، والثاني من الأقباط، فاستغاثه الذي من شيعته - وهو الإسرائيلي - على الذي من عدوه وهو القبطي، وكان موسى عليه الصلاة والسلام رجلًا شديدًا، فوكز القبطي، فقضى عليه، فهذه هي النفس التي قتلها قبل أن يؤمر بقتلها، وهذا جعله يعتذر عن الشفاعة للناس.
ثم يأتون إلي عيسى، عليه الصلاة والسلام وهو الذي ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، رسول - فلا يعتذر، لكنه يعترف بفضل النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول لهم: اذهبوا إلي محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتون إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فيطلبون منه الشفاعة، فيشفع إلى عز وجل، فينزل الله عز وجل للقضاء بين العباد، وهذه الشفاعة تسمى العظمى، وهي من المقام المحمود الذي قال الله فيه:{عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} . فيشفع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الله فينزل الله - تعالى - للقضاء بين عباده ويريحهم من هذا الموقف.
ثانيًا: من الشفاعة الخاصة بالرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فأهل الجنة إذا عبروا الصراط ووصلوا إلى باب الجنة وجدوه
مغلقًا، فيشفع النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الله بأن يفتح لهم باب الجنة وقد أشار الله إلى هذه الشفاعة فقال تعالى:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} ، ولم يقل: حتى إذا جاءوها فتحت، كما قال في أهل النار:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ} ، أما في أهل الجنة فقال:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ} لأنها لا تفتح إلا بعد الشفاعة.
أما الذي تكون فيه - الشفاعة - عامًا، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهما شفاعتان:
الأولى: الشفاعة في أهل النار من المؤمنين أن يخرجوا من النار.
والثانية: الشفاعة فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخل النار.
شروط الشفاعة:
ولابد للشفاعة من شروط ثلاثة:
أولها: رضا الله عن الشافع.
ثانيها: رضاه عن المشفوع له.
ثالثها: إذنه.
ودليلها قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} وقوله تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} وقوله تعالى:
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} ، وقوله تعالى:{يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} .
ولا تنفع هذه الشفاعة المشركين؛ لأن الله تعالى لا يرضاها، ويشترط رضا الله عن المشفوع له، ولهذا أصنام المشركين التي يتعلقون بها، ويقولون: إنها شفعاؤنا عند الله لا تنفعهم ولا تشفع لهم، بل لا يزدادون بها إلا حسرة؛ لأن الله تعالى يقول:{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} ، فتحصب آلهتهم في النار فيزدادون والعياذ بالله غمًّا إلى غمهم.
عاشرًا: الصراط:
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو عبارة عن جسر ممدود على النار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، على حسب أعمالهم كل من كان أسرع في الدنيا لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أسرع عبورًا، وكلما كان الإنسان أبطأ لقول الحق والعمل به كان على الصراط أبطأ، فيمر أهل الجنة على هذا الصراط فيعبرون، أما الكفار فلا يمرون عليه؛ لأنه يصار بهم إلى النار والعياذ بالله، فيأتونها وردًا عطاشًا.
الحادي عشر: دخول الجنة أو النار:
وهي آخر المراحل حيث يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، والسؤال: هل الجنة والنار موجودتان الآن؟ .
فالجواب: نعم، موجودتان ودليل ذلك من الكتاب والسنة: أما
الكتاب فقال الله تعالى في النار: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله تعالى:{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ، والإعداد أيضًا التهيئة.
وأما السنة فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة كسوف الشمس أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قام يصلي فعرضت عليه الجنة والنار، وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقودًا، ثم بدا له ألا يفعل، عليه الصلاة والسلام، وشاهد النار ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار والعياذ بالله - يعني معاءه - قد اندلقت من بطنه، فهو يجرها والعياذ بالله في نار جنهم؛ لأن هذا الرجل أول من أدخل الشرك على العرب، فكان له كفل من العذاب الذي يصيب من بعده، ورأى امرأة تعذب في النار في هرة حبستها حتى ماتت، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، ورأى فيها صاحب المحجن - والمحجن: عصا محنية الرأس - وصاحب المحجن سارق يسرق الحجاج بمحجنه، فإن فطن له الحاج قال: هذا المحجن انشبك بغير إرادتي، وإن لم يفطن له أخذه ومشى، فرأى النبي، صلى الله عليه وسلم، في النار هذا الرجل يعذب بمحجنه، والعياذ بالله.
فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
هل الجنة والنار تفنيان أم تبقيان؟
الجنة والنار تبقيان، فالجنة تبقى أبد الآبدين، والنار تبقى كذلك أبد الآبدين، ودليل ذلك من القرآن كثير: بالنسبة للجنة قال الله - تعالى -:
وفي النار ذكر الله التأبيد في ثلاث آيات من القرآن:
الأولى: في سورة النساء: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
الثانية: في سورة الأحزاب قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
والثالثة: في سورة الجن وهي قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} .
وبعد هذا النص الصريح في القرآن، يتبين أن ما قيل من أن النار تفنى قول ضعيف جدًا لا يعول عليه؛ لأنه لا يمكن أن نعول على قول صرح القرآن بخلافه، بل ولا يحل لنا ذلك.
فالنار والجنة موجودتان الآن، وتبقيان، ولا تفنيان أبدًا.