الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[جواب فيصل للشيخ عبد الرحمن عن نصيحته المتقدمة]
بسم الله الرحمن الر حيم
من فيصل بن تركي إلى من وصلت إليه هذه النصيحة وسمعها أن يعمل بما ذكر فيها، ولا لأحد عذر إلا من منع أو ردع، فلا يعذر حتى يبلغنا، فإذا بلغنا من منعه فهو معذور.
والموجب أن حوائج الناس ما تقف عنا، القوي يوصل حاجة الضعيف، ويعين عليه بذكر حاله، ولا بأس في هذا، ويثاب عليه، فليكن إلى الله أعظم وألزم، فتوكلوا على الله، وافعلوا ما أمركم به، وتآمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ويكون ذلك على علم وحلم، فإن جبنتم فالله حسيب عليكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
[الرد على من قال بقول الفلاسفة في دعاء الموتى والتعلق بأرواحهم]
بسم الله الرحمن الر حيم
وبه نستعين.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الرحمن بن حسن:
اعلم أنه ورد من مصر جواب عن سؤال، وذلك الجواب يتضمن القول بجواز بناء المساجد على القبور، والتعلق بأرواح أربابها، وحصول البركات والمنافع بما يفيض عليه من تلك الأرواح، كما كان يعتقده عباد الأصنام المصورة بصور الملائكة والصالحين، فتعين علي وعلى أمثالي رد ذلك وإبطاله، فأقول- مستعينا بالله،
طالبا في ذلك رضى الله وجزيل ثوابه، والحمد لله رب العالمين-:
الجواب وبالله التوفيق: لا ريب أن الذي أجاب به هذا المجيب باطل من وجوه:
أحدها: أن لفظة الاستظهار بأرواح الأموات إنما أراد بها التعلق بالأموات، والالتجاء والرغبة إليهم، لكنه قصد أن يزخرف العبارة إضلالا للعوام والجهال، فكم تحت هذه اللفظة من شرك، ومحادة لدين الله، ولإخلاص العبادة له وحده لا شريك له.
وقد قال -تعالى-: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} 1، وقال -تعالى-:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 2 الآية، وقال:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} 3.
وقال -تعالى-: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} 4 الآية.
[حقيقة إخلاص الدين لله]
وإقامة الوجه هو إخلاص الدين له، وإفراده بجميع أنواع العبادة، كما ذكره المفسرون، والحنيف: المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المخرفون عن التوحيد لا ريب أن الله -تعالى- لم يشرعه ولا رسوله، بل نهى عنه أشد النهي كما سنذكره إن شاء الله -تعالى-.
فقد أكمل الله لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم ما شرعه الله من دينه أتم بيان، قال الله -تعالى-:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} 5.
وقد بين تعالى أصل دين الإسلام، وأساسه الذي تبنى عليه الأعمال وتصح به، كما قال -تعالى-:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} 6.
وما لم يشرعه الله فليس من دين الإسلام، كما في حديث عائشة الذي في الصحيحين:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"7.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"8.
وقد بين صلى الله عليه وسلم ما شرعه في زيارة القبور، فثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة"9. وقد
1 سورة غافر آية: 14.
2 سورة البينة آية: 5.
3 سورة الزمر آية: 2، 3.
4 سورة الروم آية: 30.
5 سورة المائدة آية: 3.
6 سورة البقرة آية: 112.
7 البخاري: الصلح 2697 ، ومسلم: الأقضية 1718 ، وأبو داود: السنة 4606 ، وابن ماجه: المقدمة 14 ، وأحمد 6/73 ،6/146 ،6/180 ،6/240 ،6/256 ،6/270.
8 أبو داود: السنة 4607 ، والدارمي: المقدمة 95.
9 ابن ماجه: ما جاء في الجنائز 1571 ، وأحمد 1/452.
شرع الله -تعالى- ورسوله الدعاء للميت في الصلاة عليه وغيرها لأنه محتاج لدعاء الحي لانقطاع عمله.
[الاستظهار بأرواح الصالحين من أعظم الشرك]
وأما الاستظهار بروحه فإنه لا يعرف له معنى غير ما عبر به المجيب عنه من الرغبة إلى الميت، والتعلق به، والالتجاء إليه، وذلك هو أصل دين المشركين، ويترتب على ذلك من أنواع العبادة جلها ومعظمها كالمحبة والدعاء والتوكل والرجاء ونحو ذلك، وكل هذا عبادة لا يصلح منه شيء لغير الله أبدا، وهؤلاء كما قال الله -تعالى-:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَوَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ} 1 الآية.
والله -تعالى- هو المتفرد بالخلق والتدبير والنفع والضر والعطاء والمنع، والميت غافل عاجز، لا يسمع ولا ينفع كما قال -تعالى-:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} 2 الآية، وقال -تعالى-:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} 3 الآية.
وقد قصر الله رغبة عباده عليه، بل كل العبادة بأنواعها كما قال -تعالى-:{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} 4، وقال:{بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} 5، وتقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص.
والشفعاء يوم القيامة لا يشفع أحد منهم إلا بإذنه، {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى} 6 كما قال -تعالى-:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} 7، فهي ملكه، يشفع من شاء فيمن شاء، بإذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له، كما قال -تعالى-:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} 8، وقال -تعالى-:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى} 9، وقال: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا
1 سورة يونس آية:106، 107.
2 سورة الأحقاف آية: 5.
3 سورة فاطر آية: 13، 14.
4 سورة الشرح آية: 7، 8.
5 سورة الزمر آية: 66.
6 سورة الأنبياء آية: 28.
7 سورة الزمر آية: 44.
8 سورة البقرة آية: 255.
9 سورة الأنبياء آية: 28.
مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} 1 الآية.
[إخلاص العبادة لله واتقاء الشرك]
قال أبو العباس ابن تيمية: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك، أو قسط منه، أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال:{وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى} 2، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منفية يوم القيامة كما نفاها القرآن.
فالشفاعة لأهل الإخلاص بإذنه، ولا تكون لمن أشرك، وحقيقتها أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى ملخصا.
وهو سبحانه لا يرضى من عبده إلا التوحيد الذي هو دينه الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه كما قال -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} 3، وقال -تعالى-:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} 4. فهذا هو حكم الله الشرعي الذي حكم به على خلقه بأن يصرفوا أعمالهم له وحده دون كل من سواه؛ ولهذا قال: {وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ} 5، وقال في سورة يوسف: {أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} 6.
فالعبد وأعماله الظاهرة والباطنة كلها ملك لله، لايصلح أن يصرف منها شيء لغير الله، فإن صرف العبد منها شيئا لغير الله فقد وضعه في غير موضعه، وذلك هو الظلم العظيم كما قال:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 7.
وأنفع ما للعبد في معاشه ومعاده أن يوجه وجهه وقلبه إلى الله، ويجمع همته عليه في جميع مطالبه الدنيوية والأخروية، كما قال العارف بالله الذي استنار قلبه بآيات الله وحججه وبيناته:
وإذا تولاه امرؤ دون الورى
…
طرا تولاه العظيم الشان
1 سورة سبأ آية: 22، 23.
2 سورة الأنبياء آية: 28.
3 سورة الزمر آية: 11.
4 سورة الأنعام آية: 162، 163.
5 سورة الأنعام آية:163.
6 سورة يوسف آية: 40.
7 سورة لقمان آية: 13.
فالعبد مضطر إلى الله الذي محياه ومماته له، فهو قبلة قلبه ووجهه كما أخبر عن خليله عليه السلام أنه قال:{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1.
وإنما شرع الله ورسوله زيارة القبور لتذكر الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم:" كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة" 2 أي لتسعوا لها سعيها. {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} 3 فجعلوها محطا للرحال، ومطلبا للآمال، ومعاذا وملاذا. وهذا هو الشرك الذي لم يشرعه الله، بل شدد النهي عنه والوعيد عليه، وأخبر أنه لا يغفره.
قال -تعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 4، وقال -تعالى-:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} 5،وقال:{حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} 6، وقال -تعالى-:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} 7 وهي نكرة في سياق النهي فتعم.
فلو جاز الاستظهار بأرواح الأموات - كما قاله هذا الجاهل بالله وبدينه- لجاز أن يستظهر العبد بالحفظة من الملائكة، الذين هم معه لا يفارقونه بيقين، وهم كما وصف الله:{عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} 8، وهذا لا يقوله مسلم أصلا، بل لو فعله أحد كان مشركا بالله.
فإذا لم يجز ذلك في حق الملائكة الحاضرين، فأن لا يجوز في حق أرواح أموات قد فارقت أجسادها لا يعلم مستقرها إلا الله أولى، قال -تعالى-:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِي نَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 9. وأنت ترى أكثر الناس انصرفت قلوبهم عن فهم الحق ومعرفته بدليله، حتى تمكنت الشبهات منهم
1 سورة الأنعام آية: 79.
2 ابن ماجه: ما جاء في الجنائز 1571 ، وأحمد 1/452.
3 سورة البقرة آية: 59.
4 سورة النساء آية: 115.
5 سورة المؤمنون آية: 117.
6 سورة الأعراف آية: 37.
7 سورة الجن آية: 18.
8 سورة الأنبياء آية: 26، 27.
9 سورة النحل آية: 20: 22.
فظنوها بينات، فأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل.
وهذا هو الواقع لا يخفى على ذوي البصائر، وقد أنزل الله كتابه موعظة {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} 1 كما قال -تعالى-:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئا} 2 إلى قوله: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} 3.
[النهي عن اتخاذ قبور الصالحين مساجد]
الوجه الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذر فيما تواتر عنه من النهي عن وسائل هذا التعلق والالتجاء بالأموات والرغبة إليهم، فنهى عن اتخاذ القبور مساجد، وصرح طوائف من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم كأصحاب مالك والشافعي بالتحريم لذلك.
وقد حكى شيخ الإسلام رحمه الله الإجماع على التحريم لذلك، وهو الإمام الذي لا يجارى في ميدان معرفة الخلاف والإجماع، لما في صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول:" إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا. كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"4.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 5، وفي رواية لمسلم:" لعن الله اليهود والنصارى" 6 الحديث.
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 7 يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.
قوله:"خشي"تعليل لمنع إبراز قبره. فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد
1 سورة يونس آية: 57.
2 سورة الجاثية آية: 18، 19.
3 سورة الجاثية آية: 19.
4 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة 532.
5 البخاري: الصلاة 437 ، ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة 530 ، وأبو داود: الجنائز 3227 ، وأحمد 2/284 ،2/396 ،2/453 ،2/518.
6 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة 530 ، والنسائي: الجنائز 2047 ، وأحمد 2/246 ،2/285 ،2/366.
7 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة 530 ، والنسائي: الجنائز 2047 ، وأحمد 2/246 ،2/285 ،2/366.
في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله؛ وذلك لأن الفتنة بالصلاة عند القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وقد نهى عن الصلاة في هذه الأوقات سدا لذريعة التشبه بالمشركين التي لا تكاد تخطر ببال المصلي، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي تدعو فاعلها إلى الشرك الذي أصله التعظيم بما لم يشرع والغلو فيها.
[تعظيم القبور أعظم أبواب الشرك]
وقد أخرج الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"1.
ومعلوم أن إيقاد السرج إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون، وكذلك اتخاذ المساجد على قبور الأنبياء والصالحين.
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أنه إذا لعن من فعل ما هو وسيلة إلى التعظيم والغلو، وإن كان المصلي عندها ومتخذها مساجد إنما وجه وجهه وقلبه إلى الله وحده، فكيف إذا وجه وجهه إلى أرباب القبور، وأرواح الأموات، وأقبل عليها بكليته، وطلب النفع منها من دون الله -تعالى-؟ فإنه قد صرف ما هو من خصائص الربوبية لمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
فمن جعل لله شريكا يلتجئ إليه، ويعلق به قلبه، ويوجه إليه وجهه، ويرغب إليه دون الله، فقد جعله لله ندا، كما في الصحيحين عن ابن مسعودرضي الله عنه "قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك" 2 الحديث.
وقد بين تعالى في كتابه دينه الحنيف فيما ذكر عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3 وقال -تعالى-: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ
1 الترمذي: الصلاة 320 ، والنسائي: الجنائز 2043 ، وأبو داود: الجنائز 3236 ، وابن ماجه: ما جاء في الجنائز 1575 ، وأحمد 1/229 ،1/287 ،1/324 ،1/337.
2 البخاري: الأدب 6001 ، ومسلم: الإيمان 86 ، والترمذي: تفسير القرآن 3182 ،3183 ، والنسائي: تحريم الدم 4013 ،4014 ،4015 ، وأبو داود: الطلاق 2310 ، وأحمد 1/380 ،1/431 ،1/434 ،1/462 ،1/464.
3 سورة الأنعام آية:78، 79.
الْمُشْرِكِينَ} 1.
وبهاتين الآيتين وأمثالهما في القرآن يميز المؤمن دين المرسلين من دين المشركين؛ فإقامة الوجه لله بإخلاص العبادة لله بجميع أنواعها هو دين المرسلين، وتوجيه الوجه بشيء من أنواعها لغير الله هو الشرك الذي لا يغفره الله.
وتدبر قول الله -تعالى- في وصف أهل الإخلاص: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} 2، فالرهبة والرغبة، والخشوع، وغير ذلك من أنواع العبادة كالمحبة، والدعاء، والتوكل، ونحو ذلك مختص بالله -تعالى-، لا يصلح منه شيء لغيره كائنا من كان.
وتأمل قوله تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} 3 فإنه ظاهر بأن ذلك الخشوع ونحوه مختص بالله -تعالى-، كما ذكر اختصاصه بالعبادة عموما في قوله:{بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 4.
ولا يخفى أن هذا المجيب قد صرف جل العبادة ومعظمها لغير الله، وقد قال -تعالى-:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} 5، وقال:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} 6، فالخبير سبحانه أبطل الأكاذيب الشيطانية، والتعلقات الشركية في هذه الآية ونظائرها.
[وقوع الأمراض العامة عند معظمي القبور]
فتدبر إن كنت للتوحيد طالبا، وفي دين المرسلين راغبا، وقد أجرى الله سبحانه العادة بوقوع الأمراض العامة والمصائب العظام في كل مدينة فيها بعض من قبور الأولياء والصالحين، فلا يجد أهلها تأثيرا للتعلق بهم في دفع ما نزل من تلك المصائب، وذلك برهان على أن الميت لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عمن تعلق به شيئا كما قال -تعالى-:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} 7.
1 سورة يونس آية: 104، 105.
2 سورة الأنبياء آية: 90.
3 سورة الأنبياء آية: 90.
4 سورة الزمر آية: 66.
5 سورة الرعد آية: 14.
6 سورة فاطر آية:13، 14.
7 سورة الزمر آية: 38.
[نهي النبي أمته أن يجعلوا قبره عيدا]
الوجه الثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أمته أن يجعلوا قبره عيدا.
أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم"1.
وأخرج أبو يعلى في مسنده، والحافظ الضياء في المختارة، عن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم"2.
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن عليرضي الله عنهعند القبر فناداني- وهو في بيت فاطمة يتعشى- فقال: هلم إلى العشاء. فقلت: لا أريده، فقال: مالي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: سلم إذا دخلت المسجد، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال:"لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" 3، ما أنت ومن بالأندلس إلا سواء.
فهذا علي بن الحسين أفضل التابعين من أهل البيت، والحسن بن الحسن سيد أهل البيت في زمانه، لم يفهموا من نهي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"لا تتخذوا قبري عيدا" 4 إلا نهي أمته عن اعتياد المجيء إلى قبره وملازمته، لأن الصلاة عليه تبلغه صلى الله عليه وسلم من المصلي وإن كان بعيدا عن قبره. ولما في ذلك النهي من سد الذريعة عن العكوف عند القبر، وتعظيمه بما لم يشرع.
والعكوف عبادة شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساجد تقربا بها إلى الله، فلا يجوز أن يفعل ما هو مشروع في المساجد عند القبور، فإن الملازمة والعكوف عندها
1 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
2 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
3 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
4 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
ذريعة قريبة إلى عبادتها، فتعظيمها بما لم يشرعه الله ورسوله غلو، والغلو أعظم وسائل الشرك.
والذي فهمه هذان السيدان الجليلان هو الذي فعله السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن الثابت عنهم المتواتر أنهم كانوا إذا دخلوا المسجد صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم واكتفوا بذلك عن المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لعلمهم بما شرعه الله ورسوله. وكان ابن عمررضي الله عنهإذا قدم من سفر سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على أبي بكر، ثم على أبيه، ثم انصرف.
فهذا حال الصحابة رضي الله عنهم، وهم أشد الناس تمسكا بالسنة، وأعلم الناس بما يجوز وما لا يجوز.
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام -رحمهم الله تعالى-: ووجه الدلالة من هذا الحديث أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فغيره أولى، قال: والعيد ما يعتاد قصده ومجيئه من مكان أو زمان.
[أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد]
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وقد حرف هذه الأحاديث بعض من أخذ شبها من اليهود بالتحريف، وشبها من النصارى بالشرك، مراغمة لما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم وقلبا للحقائق، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة دون الشرك أقل إثما، وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دينه وسنته. ولو أراد الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:"لا تجعلوا قبري عيدا" 1 أمرا بملازمة قبره واعتياد قصده، لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ولعن من فعل ذلك، ولما قال أعلم الخلق به: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. انتهى.
قلت: وفي هذه الأحاديث ما يبطل هذا التحريف الذي أشار إليه العلامة كتحريف شارح المشارق، فإن قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تتخذوا قبري
1 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
عيدا" 1
مسبوق وملحوق بما يبين معناه كقوله:"وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم" 2، وكقوله في الحديث الذي رواه الحسن بن الحسن:"لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 3، وغير ذلك مما هو ظاهر يبين مراده صلى الله عليه وسلم أنه خشي على أمته تعظيم القبور والغلو فيها.
كما في الموطأ عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 4، وهذا الحديث صريح في بيان مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالجملة الأولى من الحديث والجملة الثانية، فقد حمى صلى الله عليه وسلم حِمى التوحيد.
ومثل هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"5.
[أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور]
فقد عرفت مما تقدم أن من أعظم أسباب الشرك تعظيم القبور والعكوف عندها، ولا ريب أن ذلك يفضي إلى الالتجاء إليها، والتعلق بها، والرغبة إليها؛ ونحو ذلك من المحبة، وخطابها بالحوائج، وغير ذلك مما لا يمكن عده كالخشوع، والبكاء والنحيب رغبة ورهبة إليها. وهذا هو العبادة التي قصرها الله -تعالى- عليه دون كل من سواه.
قال الله -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 6، وقوله:{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} 7، وقال -تعالى-:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} 8 الآيات.
فتدبر هذه الآيات، وما فيها من البيان، والحجة القاطعة على أن كل من وجه وجهه وقلبه إلى غير الله فهو مشرك شركا ينافي الإخلاص. وتأمل ما فيها من اختصاص الرب تعالى بجميع أنواع العبادة كالالتجاء، والتعلق، والرغبة والرهبة، وغير ذلك من أنواع العبادة. والله المستعان.
1 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367.
2 أبو داود: المناسك 2042 ، وأحمد 2/367 ،2/388.
3 مسلم: المساجد ومواضع الصلاة 530 ، والنسائي: الجنائز 2047 ، وأحمد 2/366.
4 مالك: النداء للصلاة 416.
5 البخاري: أحاديث الأنبياء 3445 ، وأحمد 1/23 ،1/24 ،1/47.
6 سورة الأنبياء آية: 108.
7 سورة البقرة آية:138، 139.
8 سورة الحج آية: 71.
ولقد أحسن العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كافيته إذ يقول:
ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه
…
فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره
…
عيدا حذار الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يجعل القبر الذي
…
قد ضمه وثنا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دعاءه
…
وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه
…
في عزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مصرحا
…
باللعن يصرخ فيهم بأذان
وعنى الأُلى جعلوا القبور مساجدا
…
وهم اليهود وعابدو الصلبان
والله لولا ذاك أبرز قبره
…
لكنهم حجبوه بالحيطان
قلت: والآيات المحكمات أصرح شيء وأوضحه في بيان حقيقة الشرك في الإلهية: وهو صرف العبد شيئا من أنواع العبادة التي يصلح التقرب بها إلى الله، فيتقرب بها إلى غيره. فإن العبادة بجميع أنواعها حق لله، ومختصة به.
وكذلك هذه الأحاديث المذكورة ونحوها أبين شيء وأجلاه في تحريم وسائل هذا الشرك، لكن الكثير من متأخري هذه الأمة وقعوا في هذا الشرك لما طال عليهم الأمد، وبعدوا عن عصر سلف هذه الأمة، وزمن أتباعهم من الأئمة، الذين أجمع العلماء من أهل السنة على هدايتهم ودرايتهم، فانتشرت البدع بعدهم، والتبس الحق بالباطل بظهور علم الكلام والفلسفة. فيا لها مصيبة ما أعظمها!
فلما استمكنت أصول تلك البدع في قلوب من ينتسب إلى العلم من المتأخرين، حاولوا صرف المعنى الذي دلت عليه النصوص، وأراده الله ورسوله بالنهي عنه، والتغليظ فيه، إلى ضروب من التحريف، فرارا من أن يدخل الواقع منهم تحت ذلك النهي. فلما لبسوا لبس عليهم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} 1.
1 سورة الكهف آية: 17.
[شبهة وجود الأرواح عند القبور والانتفاع بها]
الوجه الرابع: أن هذا الذي يدعيه المجيب من الاستظهار بأرواح أهل القبور لا حقيقة له؛ فإنه اعتقاد فاسد من تضليل الشيطان لجهال الأمة، وإلا فمن أين لهذا المدعي أن الأرواح تنْزل كذلك، وقد عرفت أن التعلق بها وعبادتها شرك بالله. وهذا من التخيلات الشيطانية الشركية بلا ريب، نظير ما ادعى المشركون في قولهم في معبوداتهم:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1، قال -تعالى-:{قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} 2، فأكذبهم الله في دعواهم هذه، وبين أنه لا حقيقة لها، وأن اتخاذهم شفعاء من دون إذنه شرك نزه نفسه عنه.
ونظائر هذه الآية في القرآن كثير كقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْل} 3 الآية. فأخبر تعالى عن أهل الشرك أنهم يدعون في معبوديهم أشياء لا حقيقة لها في الخارج أصلا، وإنما هي تصورات وخيالات ذهنية شيطانية {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} 4.
ولقد بين تعالى في كتابه دينه وأمره الشرعي في آيات كثيرة، من ذلك ما ذكر عن نبيه يوسف عليه السلام من قوله:{يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَاّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 6.
وقد عرفت مما تقدم أن الله -تعالى- قصر أنواع العبادة من خلقه عليه، ولم يأذن لهم أن يصرفوا منها شيئا لغيره أصلا، كما في فاتحة الكتاب:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 7. وتوحيد الإلهية من اسمه تعالى"الله"، فهذا الاسم الأعظم دل على أنه سبحانه هو المألوه المعبود، كما ذكر في الدر المنثور وغيره عن ابن عباس قال: معنى
1 سورة يونس آية: 18.
2 سورة يونس آية: 18.
3 سورة الرعد آية: 33.
4 سورة النجم آية: 23.
5 سورة النمل آية: 64.
6 سورة يوسف آية: 39، 40.
7 سورة الفاتحة آية: 5.
الله: أي ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين.
فمن تدبر هذه الآيات ونظائرها علم أن هؤلاء القبوريين المفتونين بالأموات قد خالفوا ما أمرهم الله -تعالى- به من إفراده بالألوهية والعبودية الخاصة له، فتألهت قلوبهم غيره، وتعلقت أفئدتهم بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.
قال الله -تعالى-: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} 1 الآية، وتقدمت، وقال -تعالى-:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} 2.
فتأمل هذه الآية وما فيها من البيان والبرهان على ضلال من وجه وجهه وقلبه لغير الله بأي نوع كان من أنواع العبادة، وهذا لا يخفى إلا على من عميت بصيرته، وضل سعيه، وفسد فهمه، {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} 3.
[الأرواح لا يعلم مقرها إلا خالقها]
الوجه الخامس: أن المجيب ومن يقول بقوله إنما وجهوا وجوههم وقلوبهم إلى أرواح الأموات، وقد فارقت تلك الأرواح أجسادها، لا يعلم أين صارت ولا إلى ما صارت إلا الله، إلا ما ورد أن أرواح الشهداء والسعداء تسرح في الجنة. وقد جعل الله موتهم دليلا وبرهانا على بطلان عبادتهم، قال الله -تعالى-:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 4. ولا ريب أن من له بصيرة يعلم أن الميت لا شعور له بحاله، فكيف بغيره؟ وقد تقدم دليله.
فبطل بهذه الآيات المحكمات وما في معناها كل ما تعلق به المشركون من طلب وأمل ورجاء ورغبة صرفوه لغير الله، وبين تعالى أن ذلك يعود عليهم وبالا في الدار الآخرة. نعوذ بالله من ضلال السعي والخيبة والخسران.
1 سورة فاطر آية: 13.
2 سورة الأحقاف آية: 5، 6.
3 سورة النور آية: 40.
4 سورة النحل آية: 20: 22.
ولقد أحسن من قال:
يقضى على المرء في أيام محنته
…
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
[الاحتجاج بأقوال المتكلمين في التوحيد دون علماء السلف]
الوجه السادس: أن المجيب أجاب بما يخالف مطلوب السائل، فإن السائل إنما طلب منه قول الأئمة الذين يرجع إليهم في أصول الدين وفروعه، ممن أجمع أهل السنة على هدايتهم ودرايتهم وعلمهم وصدقهم وتمسكهم بالحق، وهم كثير في القرون المفضلة وبعدها، ولم يسأله عن قول من لا يعرف بعلم ولا ثقة ولا صدق ولا عدالة؛ وكلامه الذي نقله عن المجيب من شرحه كلام محرف للسنة، قد دخل في الكلام المذموم والفلسفة، ومثل هذا لا يحتج بقوله من له أدنى فهم ومعرفة بأحوال العلماء.
فسبحان الله يا هذا! كيف تقلد في دينك من لا يعرف بعلم ولا صدق وأمانة وعدالة؟! فما أكثر من اغتر بأقوال من هو مثله ممن أخذ عن أرباب أهل البدع!
فهلا أجبت بأقوال الصحابة والتابعين كالفقهاء السبعة، وكالزهري والحسن وابن سيرين والحمادين والأوزاعي والثوري والليث بن سعد، والأئمة الأربعة، وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد ومحمد بن نصر المروزي وابن جرير الطبري وأبي عمر بن عبد البر النمري صاحب التمهيد والاستذكار، وأمثال هؤلاء من أئمة الإسلام أهل العروة الوثقى!
فإنهم -بحمد الله- كثير في الأمة، يعرفهم من له إلمام بالعلم والعلماء والفضل والفضلاء، ومعاذ الله أن تجد في كلام هؤلاء وأمثالهم من يجوز تعلق القلب والهم والإرادات بغير الله، سبحانه وتعالى، وتقدس عن الشرك في الإرادات والنيات والأعمال.
ولو قيل لهذا المجيب: عرفنا بشارح المشارق هذا، ومن ذكره من المصنفين من أهل الجرح والتعديل، لم يجد إلى ذلك من سبيل.
وعلى كل حال فليس في كلامه حجة ولا دليل، فإن كلامه يعرف بحقيقة حاله
والحجة التي لا تعارض ولا تدافع إنما هي فيما قاله الله ورسوله، وما كان عليه المسلمون في عصر الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، قبل حدوث البدع وتشعب الأهواء واختلاف الآراء، قال الله -تعالى-:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} 1.
[حماية النبي للتوحيد الخالص]
ولا يخفى على من له دين وإلمام بالعلم النافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى حِمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك الأكبر والأصغر، فقد ثبت عنه أنه لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال:"أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده"2.
وفي المسند عن عمران بن حصين رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر. فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال: انزعها؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا، وإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" 3 فانظر إلى هذه العقوبة العظيمة لمن علق قلبه بحلقة دون الله.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من تعلق شيئا وكل إليه" 4 أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة. ولأحمد عن عقبة بن عامر:"من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له" 5، وفي رواية:"من تعلق تميمة فقد أشرك"6.
[التمسك بالتوحيد وعدم التعلق بأرواح الأموات]
ومن المعلوم أن التعلق بأرواح الأموات أعظم شركا من تعليق التمائم، وهذا لا يخفى على من له بصيرة في الدين، فإن الفتنة بها أعظم، والتعلق بها أشد. والعبادة عبادة حيثما صرفت: فإن قصرت على المستحق لها وهو الله فهو التوحيد، وإن صرف منها نوع فأكثر لغير الله فهو شرك بالله، قال الله -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 7.
والصحابة رضي الله عنهم قد تمسكوا بما علموه من حال نبيهم صلى الله عليه وسلم من تحقيق التوحيد وحمايته عن الشرك. فقد ثبت عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا في يده خيط من
1 سورة الأنعام آية: 116، 117.
2 أحمد 1/214.
3 ابن ماجه: الطب 3531 ، وأحمد 4/445.
4 الترمذي: الطب 2072.
5 أحمد 4/154.
6 أحمد 4/156.
7 سورة النساء آية: 48.
الحمى فقطعه وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ} 1.
[تمسك السلف بالتوحيد وفشو الشرك في الخلف]
ومن المعلوم أن الشرك في عصر الصحابة رضي الله عنهم كان قليلا جدا، فإذا رأوا شيئا منه أعظموه وأنكروه. وحذيفةرضي الله عنهاستدل بهذه الآية الكريمة على أن هذا شرك بالله، فأين هذا مما وقع فيه أكثر الناس اليوم من طلب النفع ودفع الضر من الأموات، الذين لا إحساس لهم بما يطلبه الداعي منهم، ولم يدفعوا عن أنفسهم فضلا عن غيرهم؟!
وأما التابعون للصحابة وأتباعهم فإنهم سلكوا سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم أبدوا وأعادوا في إنكار ما حدث من الشرك. فقد ثبت عن سعيد بن جبيررضي الله عنهأنه قال:"من قطع تميمة من إنسان كانت كعدل رقبة". فانظر إلى هذا التشديد من هذا الإمام في تعليق التميمة!
فأين هذا مما قرر المجيب جوازه من التعلق بأرواح الأموات التي لا يعلم مستقرها إلا الله ولا تنفع ولا تضر؟! {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} 2.
[الإسلام لرب العالمين هو إسلام الوجه والقلب بإخلاص العبادة]
وقد عرفت أن الإسلام لرب العالمين هو إسلام الوجه والقلب بإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد أشرك بالله.
فيا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للشرك!
و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا
1 سورة يوسف آية: 106.
2 سورة الأنعام آية: 71.
3 سورة الروم آية: 28.
وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} 1، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} 2.
ولقد أحسن من قال في بيان التوحيد، أي توحيد الإلهية:
فالقصد وجه الله بالأقوال والأ
…
عمال والطاعات والشكران
فبذاك ينجو العبد من إشراكه
…
ويصير حقا عابد الرحمن
[الشرك بالله مسبة لله]
وبهذا يعلم أن الشرك بالله مسبة لله، وتنقيص له، ورغبة عنه إلى غيره، وهضم لربوبيته تعالى. فمعظم هؤلاء الجاحدون لتوحيد الله مخلوقه وعبده لتنقصهم لله تعالى، ومسبتهم له، بزعمهم أن معبوديهم صالحون وأولياء، فأنزلوهم منْزلة الله، وسلبوا لهم حقه، والنبي والصالح حقه متابعته فيما هو فيه من التوحيد، والعمل الذي صار به صالحا، فلم يقتدوا بهم في الدين ولا في العمل، فأخذوا حقهم من الاقتداء بهم في الدين واتباعهم، وحرفوه لجهال المتفلسفة، ومن أخذ عنهم كشارح المشارق، وأمثاله من المحرفين.
[مشابهة الأمة للأمم السابقة]
الوجه السابع: أن مما يبين خطأ المجيب وضلاله مع ما تقدم من الأوجه ما أخرجه الترمذي بسنده عن أبي واقد الليثي قال:
"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} لتركبن سنن من كان قبلكم".
وفي هذا الحديث من الفوائد أن التبرك بالأشجار ونحوها شرك وتأليه لغير الله، ولهذا شبه قولهم
1 سورة الأعراف آية: 43.
2 سورة يونس آية:57، 58.
" اجعل لنا ذات أنواط" 1 بقول بني إسرائيل: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً} 2، ومنها أن حقيقة الشيء لا تتغير بتغير الاسم، ومنها خطر الشرك والجهل، فكادوا أن يقعوا في الشرك لما جهلوه، فإذا كان هذا في عهد النبوة وإقبال الدين، فكيف لا يقع بعد تقادم العهد، وتغير الأحوال، واشتداد غربة الدين؟!
ومنها مشابهة هذه الأمة لأهل الكتاب فيما وقع منهم كما في الحديث الآخر: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "3. فإذا تبين أن التعلق بالأشجار ونحوها عبادة لها من دون الله، ووضع للعبادة في غير موضعها، فلا فرق بين أن يصرف لشجرة أو قبر أو غير ذلك.
ومعلوم أن الشجر له حياة بحسبه، مطيع لربه، يسبح بحمده، وما عبدت اللات والعزى ومناة إلا بمثل ذلك التعلق والاعتقاد، قال مجاهد: اللات كان رجلا صالحا يلت السويق للحاج، فمات، فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس.
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء"4. فقد -والله- اشتدت غربة الإسلام حتى عاد الشرك بالله دينا وقربة يتقرب به إلى الله، وهو أعظم ذنب عصي الله به كما قال تعالى: {لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} 5، وقال: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ} 6، وقال: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} 7.
[شبهة اتصال روح زائر القبر بروح الميت واستمداده منه]
الوجه الثامن: أن هذا الذي أجازه هذا المجيب هو بعينه قول الفلاسفة المشركين، فإنهم قالوا: إن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به
1 الترمذي: الفتن 2180 ، وأحمد 5/218.
2 سورة الأعراف آية: 138.
3 البخاري: أحاديث الأنبياء 3456 ، ومسلم: العلم 2669 ، وأحمد 3/84.
4 الترمذي: الإيمان 2629 ، وابن ماجه: الفتن 3988 ، وأحمد 1/398 ، والدارمي: الرقاق 2755.
5 سورة لقمان آية: 13.
6 سورة المائدة آية: 72.
7 سورة الحج آية: 31.
وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بوجهه وقلبه وروحه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره؛ فكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به وشفاعته له.
[رد ابن القيم على شبهة اتصال الأرواح]
قال ابن القيم رحمه الله: وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، واتخاذ السرج وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في شق وهؤلاء في شق، هذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور والشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه نصيب مما يحصل له من الله. وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة يقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به فيما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والأفضال، ينال ذلك المتعلق منه بحسب تعلقه.
وهذا شر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه ولعنهم، وإباحة دمائهم وأموالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، وأوجب لهم النار. والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله وإبطال مذهبهم. انتهى
[إبطال التعلق بغير الله]
قلت: وتأمل ما ذكره الله في سورة يس من قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُون إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 1 الآية.
ففي هذه الآية العظيمة وما في معناها ما يكفي ويشفي في إبطال هذا المذهب الخبيث، من تعلق أهل الإشراك بغير الله، وافترائهم على الله، وإضلالهم العباد عن توحيد الله والتوجه إليه وحده بالإخلاص، الذي هو دينه الذي لا يرضى لعباده دينا سواه، كما قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} 2.
ففرق تعالى في هذه الآية بين دينه الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ودين هؤلاء المشركين الذي أنكره عليهم، وأكذبهم فيما زعموه، وأكفرهم بما انتحلوه واعتمدوه من الشرك العظيم، الذي لا يحبه ولا يرضاه، وينكره ويأباه.
كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} 3، والأسباب هي الوصلة والمودة التي كانت بين العابد والمعبود، أخبر سبحانه أنها تتقطع يوم القيامة.
{وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 4، فهذا ما يؤول إليه أمر هؤلاء المشركين يوم القيامة.
ونظائر هذه الآية كثير في القرآن كقوله: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} 5.
1 سورة يس آية: 20: 24.
2 سورة الزمر آية: 2، 3.
3 سورة البقرة آية: 165، 166.
4 سورة البقرة آية: 167.
5 سورة العنكبوت آية: 25.