الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 - (باب اتِّباع سُنّة الخلفاء الراشدين المهديين)
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
43 -
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّه بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي المُطَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَعَظنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ، فَقَالَ:"عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".
رجال هذا الإسناد: خمسة:
1 -
(عَبْدُ اللَّه بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ) الْبَهْرَانيّ، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد المقريء، إمام الجامع، صدوقٌ مُقَدَّم في القراءة [10].
رَوَى عن أيوب بن تميم المقريء، وقرأ عليه، وبقية، وضمرة بن ربيعة، ومروان ابن محمد، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد بن أبي الحواري، وهو من أقرانه، وابنُهُ أبو عبيدة أحمد بن عبد الله، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وغيرهم.
قال هشام بن مَرْثد عن ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الوليد بن عُتبة: ما بالعراق أقرأُ منه. قال أبو زرعة الدمشقيّ: ولا بالحجاز، ولا بالشام، ولا بمصر، ولا بخراسان في زمنه عندي أقرأ منه. قال أبو زرعة: حدثني قال: وُلدت سنة (173) يوم عاشوراء، وتُوُفّي في شوال سنة (242). وقال في موضع آخر: مات سنة (3). وقال عمرو بن دُحيم: وُلد سنة (73)، ومات سنة (42). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (243). وله في هذا الكتاب (6) أحاديث فقط برقم 42 و474 و1327 و1817 و3285 و4186.
2 -
(الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولى بني أمية، وقيل: مولى بني العباس، أبو العبّاس الدمشقيّ، عالم الشام، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [8].
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والأوزاعي، وابن جريج، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، والثوري، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وثور بن يزيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الليث بن سعد، وهو من شيوخه، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن وهب، وهما من أقرانه، والحميدي، وسليمان بن عبد الرحمن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وعلي بن المديني، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال حماد كاتبه عنه: جالست ابن جابر سبع عشرة سنة، وعنه قال: كنت إذا أردت أن أسمع من شيخ سألت عنه الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ليس أَحَدٌ أَرْوَى عن الشاميين من إسماعيل بن عياش والوليد. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أعقل منه. وقال إبراهيم بن المنذر: سألني علي بن المديني أن أُخرج له حديث الوليد، فقلت له: سبحان الله وأين سماعي من سماعك؟ فقال: الوليد دخل الشام وعنده علم كثير، ولم استمكن منه، قال فأخرجته له، فتعجب من فوائده، وجعل يقول: كان يكتب على الوجه. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الوليد، ثم سمعت من الوليد، وما رأيت من الشاميين مثله، وقد أغرب بأحاديث صحيحة، لم يَشرَكه فيها أحد. وقال أحمد ابن أبي الْحَوَاريّ: قال لي مروان بن محمد: إذا كتبت حديث الأوزاعي عن الوليد، فما تبالي مَنْ فاتك. وقال مروان أيضًا: كان الوليد عالما بحديث الأوزاعي. وقال أبو مسهر: كان الوليد معتنيا بالعلم. وقال أيضًا: كان من ثقات أصحابنا. وفي رواية من حفاظ أصحابنا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد، والوليد، وأبو مسهر. وقال يعقوب بن سفيان: كنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الناس عند إسماعيل بن عَيّاش، والوليد بن
مسلم، فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا، عند أهل العلم، متقنًا صحيحًا، صحيح العلم. وقال العجلي ويعقوب بن شيبة: الوليد بن مسلم ثقة. وقال محمد بن إبراهيم: قلت لأبي حاتم: ما تقول في الوليد بن مسلم؟ قال: صالح الحديث. وقال أبو زرعة الرازي: كان الوليد أعلم من وكيع بأمر المغازي. وقال ابن جَوْصاء: لم نزل نسمع أنه من كتب مصنفات الوليد صَلَح أن يلي القضاء، قال: ومصنفات الوليد سبعون كتابًا. وقال صدقة بن الفضل المروزي: قدم الوليد مكة، فما رأيت أحفظ للطوال، والملاحم منه، فجعلوا يسألونه عن الرأي، ولم يكن يحفظ، ثم رجع وأنا بمكة، وإذا هو قد حفظ الأبواب، وإذا الرجل حافظ متقن. وقال الحميدي: قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فاسألوا نحدثكم بما تسألون.
وقال الإسماعيلي: أُخبرت عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: كان الوليد رَفّاعًا.
وقال المروذي عن أحمد: كان الوليد كثير الخطإ. وقال حنبل عن ابن معين: سمعت أبا مسهر يقول: كان الوليد ممن يأخذ عن أبي السَّفَر حديث الأوزاعي، وكان أبو السفر كذابًا. وقال مؤمل بن إهاب عن أبي مسهر: كان الوليد بن مسلم يحدث حديث الأوزاعي عن الكذابين، ثم يُدَلِّسها عنهم. وقال صالح بن محمد: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، ويحيى بن سعيد، وغيرك يُدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مُرّة، وقُرّة، وغيرهما، فما يَحمِلك على هذا؟ قال أُنَبِّل الأوزاعي عن هؤلاء. قلت: فإذا رَوَى الأوزاعي عن هؤلاء وهؤلاء وهم ضعفاء، أحاديثَ مناكير فأسقطتهم أنت، وصَيَّرتهَا من رواية الأوزاعي عن الثقات ضُعِّف الأوزاعي، قال: فلم يَلتَفت إلى قولي. وقال الدارقطني: كان الوليد يُرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء، وعن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي، فيسقط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن عطاء. وقال الْفَسَوي: سألت هشام بن عمار عن الوليد،
فأقبل يصف علمه وورعه وتواضعه. وقال ابن اليمان: ما رأيت مثله. وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن صدقة بن خالد، فقال: هو أثبت من الوليد، الوليدُ رَوَى عن مالك عشرة أحاديث، ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع. وقال مهنا: سألت أحمد عن الوليد، فقال: اختلطت عليه أحاديث ما سمع وما لم يسمع، وكانت له منكرات، منها حديث عمرو بن العاص:"لا تُلَبِّسُوا علينا ديننا صلى الله عليه وسلم"(1)، في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال عبد الله بن أحمد: سئل عنه أبي، فقال: كان رَفّاعًا.
قال دُحَيم عن ابن بنت الوليد: وُلد الوليد سنة تسع عشرة ومائة. وقال ابن سعد ويعقوب بن شيبة وغيرهما: حج الوليد سنة أربع وتسعين، ومات بعد انصرافه من الحج قبل أن يصل إلى دمشق، وفي سنة أربع أرخه عمرو بن علي وأبو موسى وغيرهما. وقال دُحيم وغير واحد: مات في المحرم سنة خمس وتسعين. وقال البخاري: قال لي إبراهيم بن المنذر: قال لي حرملة بن عبد العزيز: نزل عليّ الوليدُ قافلًا من الحج، فمات عندي بذي المُرْوة. وقال معاوية بن صالح: مات سنة ست وتسعين، ولم يتابع على ذلك. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (120) حديثًا.
3 -
(عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن زَبْر -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- ابن عُطارد بن عمرو بن حُجْر، أبو زَبْر، ويقال: أبو عبد الرحمن الرَّبَعِيّ الدمشقيّ، ثقة [7].
رَوَى عن بشر بن عبيد الله، وثور بن يزيد، وربيعة بن مَرْثد، وسالم بن عبد الله بن عُمَر، والضحاك بن عبد الرحمن، وعطية بن قيس، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
(1) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (2308) بلفظ "لا تلبسوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، عدة المتوفّى عنها أربعة أشهر وعشرٌ" -يعني أم الولد-. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"(4300) والدارقطنيّ 2/ 309 - 310 والبيهقيّ 7/ 447 - 448.
ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب، وعمر بن أبي سلمة، ومحمد بن شعيب، ومروان بن محمد، وشبابة بن سوار، وأبو مسهر، وأبو المغيرة، وجماعة.
قال حنبل عن أحمد: مقارب الحديث، وقال الدُّوريّ، وابن أبي خيثمة، وغير واحد عن ابن معين: ثقة. وكذا قال دُحَيم، وأيو داود، ومعاوية بن صالح، وهشام بن عمار. وقال النسائي: ليس به بأس، وكذا قال محمد بن عوف عن ابن معين. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال عثمان الدارمي: سألت عبد الرحمن -يعني دحيمًا- عنه فوثقه جدّا. وقال يعقوب بن سفيان: سألته -يعني دحيمًا- عنه فقال: كان ثقة، وكان من أشراف البلد. قال يعقوب: وعبد الله بن العلاء ثقة، أثنى عليه غير واحد. وقال عمرو بن عليّ: حديث الشاميين كله ضعيف، إلا نفرًا منهم: عبد الله بن العلاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال في موضع آخر: هو أحب إلي من أبي مُعَيْد حفص ابن غَيْلان. وقال الدارقطني: ثقة يُجمَع حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال النسائي في "التمييز": ليس به بأس شامي. وقال العجلي: شامي ثقة. ونقل الإمام الذهبي في "الميزان" أن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذي": لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث. قال الحافظ: ووقع في "المحَلَّى" لابن حزم في الكلام على حديث أبي ثعلبة في آنية أهل الكتاب: عبدُ الله بن العلاء ليس بالمشهور، وهو متعقب بما تقدم. انتهى (1).
قال إبراهيم بن عبد الله: تُوُفي أبي سنة أربع وستين ومائة، وهو ابن تسع وثمانين سنة، وصَلَّى عليه سعيدُ بن عبد العزيز. وقال إبراهيم في رواية أخرى: مات سنة خمس.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وله في هذا الكتاب (4) أحاديث فقط برقم 42 و3846 و4032 و4085.
4 -
(يَحْيَى بْنُ أَبِي المُطَاعِ) القرشيّ الأُرْدُنّيّ -بتشديد النون- ابن أخت بلال،
(1)"تهذيب التهذيب" 2/ 399 - 400.
مؤذّن النبيّ صلى الله عليه وسلم، صدوقٌ [4].
رَوَى عن العرباض بن سارية، ومعاوية. ورَوَى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعطاء الخراساني، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، ذكره أبو زرعة في الطبقة الرابعة. وقال عثمان الدارمي عن دُحَيم: ثقة معروف. وذكوه ابن حبان في "الثقات". وقال أبو زرعة لِدُحَيم تعجبًا من حديث الوليد بن سليمان قال: صحبتُ يحيى بن أبي المطاع، كيف يحدث عبدُ الله بنُ العلاء بن زَبْر عنه أنه سمع العرباض، مع قرب عهد يحيى، قال: أنا من أنكر الناس لهذا، والعرباض قديم الموت. وزعم ابن القطان أنه لا يعرف حاله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القطّان: لا يعرف حاله، متعقّبٌ بقول دُحيم المذكور آنفًا -وهو أعرف به-: ثقة معروف.
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث فقط.
5 -
(الْعِرْبَاضَ (1) بْنَ سَارِيَةَ) السُّلَمِيّ، كنيته أبو نَجِيح، صحابيّ مشهورٌ، كان من أهل الصُّفّة، وهو أحد البكّائين الذين نزل فيهم قوله عز وجل:{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية [التوبة: 92] نَزَل الشام، وسكن حِمْص، رَوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي عُبيدة بن الْجَرّاح، وعنه ابنته أم حبيبة، وعبد الرحمن بن عمرو السُّلَميّ، وسعيد بن هانىء الْخَوْلانيُّ، وجُبير بن أبي سليمان بن جبير، وحُجْر بن حجر الكَلاعيُّ، وحكيم بن عمير، وعبد الله بن أبي بلال، وأبو رُهْم السماعي، ويحيى بن أبي المطاع، وآخرون.
قال محمد بن عوف كل واحد من العرباض بن سارية، وعمرو بن عَبَسَة يقول: أنا ربع الإسلام، لا نَدري أيهما أسلم قبل صاحبه. قال ضمضم بن زُرعة، عن شُريح ابن عُبيد: كان عُتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وكان عرباض يقول: عتبة خير
(1) بكسر أوله، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وبعد الألف معجمة. قاله في "الإصابة" 4/ 398.
مني سبقني إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسنة.
قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير. وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة (75). وقال أبو عمر محمد بن عبد الواحد اللغويّ الزاهد غلام ثعلب: "العرباض": الطويلُ من الناس وغيرهم، الْجَلْدُ المخاصِمُ من الناس، وهو مدح. و"السارية": الأسطوانة.
قال ابن الْبَرْقيّ: له بضعة عشر حديثًا (1).
أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا الحديث 42 وأعاده بعده 43 وحديث رقم 986 ورقم 2277. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
1 -
(منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى.
2 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
3 -
(ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات الشاميين من أوله إلى آخره، إلا أن فيه انقطاعًا بين يحيى والعرباض رضي الله عنه، كما سيأتي بيانه.
4 -
(ومنها): أن صحابيّه رضي الله عنه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا نحو عشرة أحاديث، وهي في "السنن". راجع "تحفة الأشراف" 7/ 286 - 290، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن يَحْيى بْنِ أَبِي المُطَاعِ القرشيّ الأردنّيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَة) رضي الله عنه هكذا ثبت تصريح يحيى بسماعه من العرباض رضي الله عنه في هذه الرواية، وقد سبق في ترجمته أن أبا زرعة ودُحيمًا أنكرا سماعه منه، لأنه قديم الموت، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى-.
(1) راجع "تهذيب الكمال" 19/ 549 - 550.
(يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ) ظرف متعلّق بـ "قام": أي يومًا من الأيام، قيل:"ذات" مقحمة، وقيل: بل هي من إضافة الشيء إلى نفسه على رأي من يُجيزه. قاله في "الفتح"(1). وقال الطيبيّ: "ذات" يجوز أن تكون صلة، قال صاحب "النهاية" في حديث:"يطلع عليكم رجلٌ من ذي يَمَنٍ على وجهه مَسْحة من ذي مُلْك": كذا أورده أبو عُمَر الزاهدُ، وقال:"ذي" هنا صِلَةٌ: أي زائدة (2). وأن تكون غير صِلَة في "المغرب": "ذو" بمعنى الصاحب، تقول للمرأة: امرأة ذات مال، ثم أجروها مُجرَى الأسماء التامّة المستقلّة بأنفسها، فقالوا: ذات قديمة أو محدثةٌ، ثم استعملوها استعمال النفس والشيء، فعلى هذا قوله:"ذاتَ يوم" يفيد من التوكيد ما لا يُفيده لو لم يُذكر؛ لئلّا يُتوهَّمَ التجوّز إلى مطلق الزمان، نحو قولك: رأيت نفس زيد، وقولك: رأيت زيدًا. انتهى كلام الطيبيّ (3).
وفي الرواية الآتية بعد حديث (44) من رواية عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض رضي الله عنه قال: "صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا
…
" الحديث.
(فَوَعَظَنَا) من باب ضرب، يقال: وعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَةً -بكسرٍ، ففتح-: أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} الآية [سبأ: 46]: أي أُوصِيكم وآمركم، فاتّعظ: أي ائتمر، والاسم الموعِظة. قاله الفيّوميّ (4)(مَوْعِظَةً) بفتح الميم، وسكون الواو، وكسر العين الهملة: اسم من الوعظ. وقوله (بَلِيغَةً) صفة لـ "موعظة": أي تامّةً في الإنذار من المبالغة: أي بالغ فيها بالإنذار
(1)"فتح الباري" 11/ 391.
(2)
"النهاية" 2/ 173.
(3)
"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 422.
(4)
"المصباح المنير" 2/ 667.
والتخويف، لا من البلاغة المفسّرة بوجازة اللفظ، وكثرة المعنى مع البيان؛ لعدم المناسبة بالمقام. قاله في "المرعاة"(1).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "البلاغة الخ" فيه نظر، أيّ مانع من إرادة البلاغة بالمعنى الثاني، بل هو أقرب؛ لأن المبالغة بالإنذار والتخويف يوجد بها، كما هو أسلوب القرآن الكريم، فإن البلاغة هي التعبير عن المعنى الصحيح بما طابقه من اللفظ الرائق من غير مزيد على المقصود، ولا انتقاص عنه في البيان. ومعنى بلاغة الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، ومعنى مقتضى الحال أن يعبر بالتنكير في محله، وبالتعريف في محلّه، وما أشبه ذلك. قاله الكفويّ. انتهى (2).
وقال في "اللسان": البلاغة: الفصاحة، ورجلٌ بَلِيغٌ -بفتح، فكسر- وبَلْغٌ -بفتح، فسكون- وبِلْغٌ -بكسر، فسكون-: حسنُ الكلام، فصيحه، يَبْلُغُ بعيارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، والجمع بُلغاء. انتهى (3).
ومما لا شكّ فيه أن موعظته صلى الله عليه وسلم مشتملة على البلاغة بمعناها اللغويّ، والاصطلاحيّ، فلا وجه لإنكار تفسير قوله:"بليغة" بهذا المعنى، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: البلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقرب إلى قبول القلوب، واستجلابها، والبلاغة هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة، من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحِها، وأحلاهما للأسماع، وأوقعِها في القلوب. انتهى (4).
(1)"المرعاة" 1/ 262.
(2)
"الكليات" للكفويّ ص 236 - 237.
(3)
"لسان العرب" 8/ 420.
(4)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 86.
(وَجِلَتْ) -بفتح، فكسر-: أي خافت وخشعت، يقال: وَجِل كفَرِحَ يوجَل بالفتح، ويَيْجلُ، وياجَل ويِيجَل بكسر أوله وَجلَا وموجَلًا بفتح الجيم، كمَقْعَد. أفاده في "القاموس" (مِنْهَا الْقُلُوبُ) بالرفع على الفاعليّة لـ"وجل": أي خافت من أجل تلك الموعظة البليغة قلوب الحاضرين؛ لتأثيرها في النفوس، واستيلاء سلطان الخشية عليها (وَذَرَفَت) بفتح الراء: أي دمعت، يقال: ذَرَف الدمع يَذْرِف ذَرْفًا، وذَرَفَانًا، وذُروفًا، وذَرِيفًا، وتَذْرَافًا: سال، وعينُهُ: سال دمعها. قاله في "القاموس"(مِنْهَا الْعُيُونُ) بالرفع أيضًا على الفاعلية: أي سال منها الدمع، وإسناد الذَّرْف إلى العيون مع أن السائل دمعها، كإسناد الفيض إليها في قوله تعالى:{وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} الآية [التوبة:92]، كأن أعينهم ذَرَفت مكان الدمع، ففيه من المبالغة ما لا يخفى.
والمقصود أنها أثّرت فيهم ظاهرًا وباطنًا.
ووقع في الرواية التالية تقديم قوله: "ذَرَفت منها العيون" على قوله: "وجِلَت منها القلوب"، قيل: فائدة تقديمه عليه مع أن الأولى تأخيره؛ للإشعار بأن الموعظة أثّرت فيهم، وأخذت بمجامعهم ظاهرًا وباطنًا. (1).
(فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ) بنصب "موعظة" على أنه مفعول مطلق نوعيّ، وإضافته إلى "المودع" وهو بتشديد الدال المهملة المكسورة، اسم فاعل من ودعّ توديعًا: إذا شيّعه عند سفره، أي كأنك تودّعنا بهذه الموعظة حيث بالغت فيها، وفائدة هذا القيد أن المودِّع -بالكسر- لا يترك عند الوَداع شيئًا مما يُهِمّ المُوَدَّع -بالفتح- ويفتقر إليه إلا ويورده، ويستقصي فيه (2).
(فَاعْهَدْ) بفتح الهاء أمر من العَهْد بمعنى الوصيّة، والفاء فصيحيّة، أي إذا كان الأمر كذلك فمرنا بما فيه كمال صلاحنا. وقوله (إِلَيْنَا بِعَهْدٍ) متعلّق بما قبله: أي أَوْصِنَا
(1)"شرح الطيبيّ على المشكاة" 2/ 633.
(2)
"الكاشف عن حقائق السنن" 2/ 633.
بوَصِيّة، و"العَهْد": الوصيّةُ، يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ من باب تَعِبَ: إذا أوصاه. وفي الرواية التالية: "فماذا تعهد إلينا". وفي رواية لأحمد بلفظ: "فأوصنا".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: قولهم: "فأوصنا". يَعْنُون وصيةً جامعةً كافيةً، فإنهم لمّا فَهِمُوا أنه مُوَدِّع استوصوه وصيةً ينفعهم التمسك بها بعده، ويكون فيها كفايةٌ لمن تمسك بها، وسعادة له في الدنيا والآخرة.
(فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّه) أي الزموا تقوى الله تعالى، وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ لأن التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسّك بها، وهي وصيّة الله للأولين والآخرين بقوله:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131](وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) أي
وعليكم بقبول قول من ولّاه الله عز وجل عليكم، وطاعته بما أمركم به عادلًا كان أو جائرًا ما لم يأمر بمعصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا) خبرٌ لـ "كان" المحذوفة مع اسمها، أي وإن كان المطاع عبدًا حبشيًّا، وهذا الحذف كثيرٌ بعد "إن"، كما أشار إليه ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الخُبَرْ
…
وَبَعْدَ "إِنْ" وَ"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
وفي رواية الترمذيّ: "وإن عبدٌ حبشيّ"، وعليه فيكون الحذف لـ"كان" مع خبرها، أي وإن كان عبد حبشيّ مُوَلًّى عليكم، وهذا الحذف أقلّ مما قبله. وفي رواية لأحمد والدارميّ:"وإن كان عبدًا حبشيّا".
والمعنى: وإن صار أدنى الخلق أميرًا عليكم، فلا تستنكفوا عن طاعته، أو لو استولى عليكم عبد حبشيّ فأطيعوه مخافة إثارة الفتن.
قال الخطّابي رحمه الله تعالى: يريد به طاعة من ولّاه الإمام عليكم، وإن كان عبدًا حبشيّا، ولم يُرد بذلك أن يكون الإمام عبدًا حبشيّا، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الأئمة من قريش"، وقد يُضرب المثلُ في الشيء بما لا يكاد يصحّ في الوجود، كقوله صلى الله عليه وسلم:"من بنى لله مسجدًا، ولو كمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنّة"، وقدرُ مَفْحَص القطاة لا
يكون مسجدًا لشخص آدميّ. ونظائر هذا في الكلام كثير. انتهى (1).
وقال الطيبيّ: هذا واردٌ على سبيل المبالغة، لا التحقيق، كما جاء:"من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة"، يعني لا تستنكفوا عن طاعة من وُلّي عليكم، ولو كان عبدًا حبشيّا؛ إذ لو استنكفتم عنه لأدّى إلى إثارة الحرب، وتهييج الفتن، وظهور الفساد في الأرض، فعليكم بالصبر والمداراة حتى يأتي أمر الله. انتهى (2).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هذا مما تكاثرت به الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما اطّلَعَ عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر أمته بعده، وولايةِ العبيد عليهم.
وفي "صحيح البخاري" عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِلَ عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر رضي الله عنه قال:"إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع، ولو كان عبدًا حبشيا مُجَدَّع الأطراف".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جِدّا، ولا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان"، متّفقٌ عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الناس تبع لقريش"، متّفقٌ عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"الأئمة من قريش"(3)؛ لأنّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قُرَشِيٍّ، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "الأئمة من قريش، أبرارُها أمراء أبرارها، وفُجّارها أمراء فجارها، ولكلٍّ حقٌّ فآتوا كل ذي
(1)"معالم السنن" 7/ 11.
(2)
"الكاشف" 2/ 634.
(3)
هو ما أخرجه أحمد في "مسنده" 18941 - حدثنا سليمان بن داود، حدثنا سكين، حدثنا سيار بن سلامة، سمع أبا برزة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الأئمة من قريش، إذا استُرحِمُوا رَحِمُوا، وإذا عاهدوا وَفَوا، وإذا حَكَموا عَدَلُوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لَعنة الله والملائكة والناس أجمعين". وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات، وسكين بن عبد العزيز وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا بأس به، والباقون كلهم رجال الجماعة. وسليمان هو أبو داود الطيالسيّ.
حق حقه، وإن أَمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيّا فاسمعوا له وأطيعوا"، وإسناده جيد، ولكنه رُوي عن علي موقوفا، وقال الدارقطني: هو أشبه.
وقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذَكَرَه على وجه ضرب المثل، وإن لم يصح وقوعه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدًا، ولو كمَفْحَص قَطاة (1).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن يؤوّل بأن المراد به من تولّى من جهة الإمام، أو أن هذا مثلٌ ضربه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وإن لم يصحّ وقوعه. أو هو محمول على المتغلّب المتسلّط. والله تعالى أعلم.
(وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي) أي بعد موتي (اخْتِلَافًا شَدِيدًا) وفي رواية أبي داود: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا" قال الطيبيّ: والفاء في "فإنه" للتسبيب، جَعَلت ما بعدها سببًا لما قبلها، يعني من قبِل وصيّتي، والتزم تقوى الله، وقَبِل طاعة من وليّ عليه، ولم يُهيج الفتن أمن بعدي ما يرى من الاختلاف الكثير، وتشعُّب الآراء، ووقوع الفتن، ثم أكّد الوصيّة بقوله:"فعليكم بسنتي" على سبيل الالتفات، وعطف عليه قوله:"وإياكم ومحدثات الأمور" تقريرًا بعد تقرير، أو توكيدًا بعد توكيد، وكذا قوله:"تمسّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ" تشديد على تشديد. انتهى.
(فَعَلَيْكُم) اسم فعل بمعنى الزموا (بسُنَّتِي) أي بطريقتي الثابتة عنّي واجبًا، أو مندوبًا: أي فالزموها، واعملوا بها (وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ) أي والزموا سنتهم؛ لأنهم فيما سنّوه إما متّبعون لسنتي نفسها، وإما متّبعون لما فهموا منها في الجملة وظهر لهم تفصيلها على وجه يَخفى على غيرهم.
قال المنذريّ رحمه الله تعالى في "مختصر السنن" والخلفاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضي الله عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقتَدُوا بالذين من بعدي: أبي بكر وعمر"، فخص اثنين، وقال:"فإن لم تَجِديني فأْتِي أبا بكر"، فخصه، فإذا قال أحدهم، وخالفه
(1) أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" 4/ 490 رقم 491 وإسناده صحيح.
فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى. انتهى كلام المنذريّ (1).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والخلفاء الراشدون الذين أُمرنا بالاقتداء بهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضي الله عنه، فإن في حديث سفينة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يكون مُلْكًا"، وقد صححه الإمام أحمد، واحتج به على خلافة الأئمة الأربعة.
ونَصَّ كثير من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا، ويدل عليه ما أخرجه الإمام أحمد من حديث حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله، ثم تكون ملكا عَاضّا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، ثم سكت. فلما وُلِّيَ عمرُ بن عبد العزيز دخل عليه رجل، فحدثه بهذا الحديث، فَسُرّ له، وأعجبه (2).
(1)"مختصر السنن" 7/ 12.
(2)
أخرجه أحمد مطوّلًا 4/ 273 رقم (17680) ولفظه: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثني داود بن إبراهيم الواسطي، حدثني حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، قال: كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلا يَكُفّ حديثه، فجاء أبو ثعلبة الْخُشَنيّ، فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء، فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جَبْرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة". ثم سكت، قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا =
وكان محمد بن سيرين يُسْأَل أحيانا عن شيء من الأشربة، فيقول: نَهَى عنه إمام هدى عمرُ بنُ عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه (1).
وقال القاري في "المرقاة": الخلفاء قيل: هم الخلفاء الأربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة"، وقد انتهت بخلافة علي رضي الله عنه. انتهى (2).
(الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: إنما وصف الخلفاء بـ "الراشدين"؛ لأنهم عرفوا الحقّ، وقَضَوا به، فالراشد ضد الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه، وقوله:"المهديين" يعني أن الله يَهديهم للحق، ولا يُضلهم عنه، فالأقسام ثلاثة: راشد، وغَاوٍ، وضالّ، فالراشدُ عَرَفَ الحقَّ واتبعه، والغاوي عرفه ولم يتبعه، والضالُّ بالكلية لم يَعرِفه بالكلّيّة، فكل راشد فهو مهتدٍ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق والعمل به أيضًا. انتهى (3).
وقال بعض المحققين: وصف "الراشدين" بـ"المهديين"؛ لأنه إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح أن يكون هاديا لغيره؛ لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر. فأبو بكر الصدّيق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وأبو تراب عليّ رضي الله عنهم لما كانوا أفضل الصحابة، وواظبوا على استمطار الرحمة من السحابة النبويّة، وخصّهم الله تعالى
= الحديث أُذَكِّره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين -يعني عمر- بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز، فسُرَّ به، وأعجبه.
وهذا إسناد رجاله موثقون، فداود بن إبراهيم الواسطيّ وثقه أبو داود الطيالسيّ، وروى عنه، وحبيب بن سالم وثقه أبو حاتم، وأبو داود، وتكلم فيه بعضهم، فالحديث لا ينقص عن درجة الحسن.
(1)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 94.
(2)
"المرقاة" 1/ 409.
(3)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 97.
بالمراتب العليّة، والمناقب السنيّة، ووطّنوا أنفسهم على مشاقّ الأسفار، ومجاهدة النفس، والقتال مع الكفّار، أنعم الله تعالى عليهم بمنصب الخلافة العظمى، والتصدّي إلى الرئاسة الكبرى؛ لإشاعة أحكام الدين، وإعلاء أعلام الشرع المتين، رفعًا لدرجاتهم، وازديادًا لمثوباتهم.
فخلف الصدّيق رضي الله عنه بإجماع الصحابة رضي الله عنهم سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام؛ لعلمه، وحمله ووقاره، وسلامة نفسه، ولين جانبه، والناس متحيّرون، والأمر غير ثابت، فحَمَى بيضة الدين، ودفع غوائل المرتدّين، وجمع القرآن، وفتح بعض البلدان.
ثم استُخلف الفاروق رضي الله عنه، والأمر مستقرّ، والقوم مطيعون، والفِتَن ساكنة، فرفع رايات الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وفَتَح أكثر أقاليم الأرض؛ لأنه في غاية الصلابة، وكمال الشهامة، ومتانة الرأي، وحسن التدبير، وخلافته عشر سنين وستة أشهر وعشر ليال.
ثم بويع لعثمان رضي الله عنه لكونه أحقّ من وُجد في ذلك الوقت لدى أهل الحلّ والعقد، من المهاجرين والأنصار، فأظهر في مدّة اثنتي عشرة سنة مساعي جميلة في الإسلام، وجمع الناس على مصحف واحد بعد ما كانوا يقرءون بقراءات مختلفة على حسب السماع، وبَعَث بها إلى الآفاق، ولذا نُسب المصحف إليه، وجُعل إمامًا.
ثم بويع بعده لعليّ رضي الله عنه؛ لأنه أفضل الصحابة بعدهم، وسيّد بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو لم تقع الخلافة على الترتيب المذكور لحُرم أحدهم من ذلك المنصب المشكور، ولا يخفى كون هذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالّ على صدق نبوّته؛ لأنه استبدّ بذكر هذا الغيب، وقال:"الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكًا عضوضًا"، ووقع كما قال (1).
وقال التوربشتيّ في "شرح المصابيح": المعنيّون بهذا القول هم الخلفاء الأربعة؛
(1) أفاده في "المرقاة شرح المشكاة" 1/ 409 ونقلته ببعض تصرّف.
لأنه قال في حديث آخر: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة"، وقد انتهت الثلاثون بخلافة علي رضي الله عنه، وليس معنى هذا القول نفي الخلافة عن غيرهم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:"يكون في أمتي اثنا عشر خليفةً"، وإنما المراد تفخيم أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوّق فيما يمتازون به عن غيرهم من الإصابة في العلم، وحسن السيرة، واستقامة الأحوال، ولهذا وصفهم بـ "الراشدين"، وهم الذين أوتوا الرشَدَ في مقاصدهم الصحيحة، وهُدُوا إلى الأقوم والأصلح في أقوالهم وأفعالهم.
وإنما ذكر سنّتهم في مقابلة سنّته؛ لأمرين:
(أحدهما): أنه عَلِم أنهم لا يُخطئون فيما يستخرجونه من سنته باجتهادهم.
(والثاني): أنه صلى الله عليه وسلم عَلِم أن بعضًا من سننه لا يشتهر بزمانه، وإن عَلِمه الأفراد من أصحابه، ثم يشتهر في زمانهم، فيضاف إليهم، فربما يستدرع أحدٌ من ردّ تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم؛ سدّا للباب. انتهى.
وقيل: الحديث عامّ في كلّ خليفة راشد لا يخُصّ الخلفاء الراشدين الأربعة، ومعلومٌ من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يَشرَع طريقة غير ما كان عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فليس المراد في الحديث بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدين، ونحوها. انتهى. (1).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المراد بالموافقة في قوله: "الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم" الموافقة إما نصّا، أو استنباطًا، فافهم. والله تعالى أعلم.
وقال الشوكانّي في "الفتح الرباني": إن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا، وأخذوا في تأويله بوجوه، أكثرها مُتَعَسَّفة، والذي ينبغي التعويل عليه، والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب، بحسب ما تقتضيه لغة العرب، فالسنة هي الطريقة، فكأنه قال: الزموا طريقتي، وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفس
(1)"المرعاة" 1/ 263.
طريقته، فإنهم أشد الناس حرصًا عليها، وعملًا بها في كل شيء، وعلى كل حال، كانوا يَتَوَقَّون مخالفته في أصغر الأمور فضلًا عن أكبرها، وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عملوا بما يَظهَر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته؛ لِمَا دل عليه حديث معاذ رضي الله عنه لمّا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"بم تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال:"فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسول الله، قال:"فإن لم تجد"، قال: أجتهد رأيي، قال:"الحمد لله الذي وَفَّق رسولَ رسوله"، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث -وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف- فالحق أنه من قسم الحسن لغيره، وهو معمول به، وقد أوضحت هذا في بحث مستقل.
[فإن قلت]: إذا كان ما عَمِلوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله: "وسنة الخلفاء الراشدين" ثمرة.
[قلت]: ثمرته أن من الناس من لم يُدرك زمنه صلى الله عليه وسلم، وأدرك زمن الخلفاء الراشدين، أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء، ولكنه حَدَث أمرٌ لم يَحدُث في زمنه، ففعله الخلفاء، فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك، ويَختلِج فيها من الظنون، فأقل فوائد الحديث أن ما يَصدُر عنهم من الرأي، وإن كان من سنته كما تقدم، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل.
وبالجملة فكثيرًا ما كان صلى الله عليه وسلم ينسب الفعل أو الترك إليه، أو إلى أصحابه في حياته، مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه؛ لأنه محل القدوة، ومكان الأسوة، فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث، ولم أقف عند تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم.
انتهى كلام الشوكاني (1).
(1) راجع "تحفة الأحوذي" 7/ 413.
وقيل: المعنى في ذكر سنة الخلفاء مع سنّته أن يُعْلَم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم مات على تلك السنّة، وأنه لا يحتاج مع قول النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قول أحد، فلا زائد إذًا على ما ثبت في السنّة إلا أنه قد يُخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى، فافتقر العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده؛ ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير أن يكون له ناسخٌ؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يقتضي أن المراد بسنة الخلفاء هي السنة المنصوص عليها فقط، وهذا خلاف الصواب، بل الحقّ أن لهم سنة تُعزى إليهم، وهي التي استنبطوها من الأدلّة الشرعيّة، فنُسبت إليهم، فأمر صلى الله عليه وسلم باتباعها؛ لأنها مستنبطة من سنته. فتفطّن، والله الهادي إلى سواء السبيل.
وقال صاحب "سبل السلام": أما حديث: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، فإنه ليس المراد بسنّة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء، وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد، لا يَخُصُّ الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفةٍ راشدٍ أن يَشْرَع طريقةً غير ما كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم هذا عمر رضي الله عنه نفسُهُ الخليفةُ الراشد سَمَّى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعةً، ولم يَقُل: إنها سنة فتأمل.
على أن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل على أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه، وفعلوه حجة.
قال المباركفوريّ رحمه الله بعد نقل كلام صاحب "السبل" هذا: فإذا عرفت أنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم لاح لك أن الاستدلال على كون الأذان الثالث -يعني أذان الجمعة- الذي هو من مجتهدات عثمان رضي الله عنه أمرًا مسنونًا ليس بتامّ، ألا ترى أن ابن عمر رضي الله عنه قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فلو كان هذا الاستدلال تاما، وكان الأذان الثالث أمرًا مسنونًا، لم يُطلِق عليه
لفظ البدعة، لا على سبيل الإنكار، ولا على سبيل غير الإنكار، فإن الأمر المسنون لا يجوز أن يُطلَق عليه لفظ البدعة بأي معنى كان، فتفكر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله المباركفوريّ نظرٌ؛ بل الحقّ أنه لا تنافي بين تسمية عمر رضي الله عنه للتراويح، ولا ابن عمر رضي الله عنهما للأذان المذكور بدعةً وبين الأمر باتباع سنة الخلفاء في حديث الباب؛ لأن التسمية تعود إلى اللغة، لا إلى الشرع؛ فمن حيث كون ذلك لم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم سُمّي بدعة، وهذا معناه لغةً؛ لكونه حدث بعد أن لم يكن، وأما أن يكون بدعة شرعيّة من البدع التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"، فكّلا ثم كلّا.
قال الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى-عند قوله "فإن كلَّ بدعة ضلالة": ما نصّه: المراد بالبدعة ما أُحدِث مما لا أصل له في الشريعة يَدُلُّ عليه، وأما ما كان له أصلى من الشرع يَدُلُّ عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة. انتهى. وسيأتي تحقيق ذلك في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم.
(عَضُّوا) بفتح العين، أي أمسكوا، قال الفيّوميّ: عَضِضتُ اللُّقمة، وبها، وعليها عَضًّا: أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكنٌ، ومن باب نفع لغة قليلةٌ، وفي أفعال ابن القطّاع من باب قتل. انتهى (1).
قال الجامع: إن صحّ ما حكاه ابن القطّاع يجوز هنا ضم العين. والله تعالى أعلم.
(عَلَيْهَا) أي على السنّة (بِالنَّوَاجِذِ) جمع ناجذ: هو السنّ بين الضرس والناب، يقال: ضَحِكَ حتى بدت نواجذه، قال ثعلب: المراد الأنياب، وقيل: الناجذ آخر الضِّرْس، وهو ضِرس الْحُلُم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وقيل: الأضراس كلّها نواجذ، قال في "البارع": وتكون النواجذ للإنسان والحافرِ، وهي من ذوات الخفّ الأنياب. قاله في "المصباح". وفي "القاموس": النواجذ: أقصى الأضراس، وهي
(1)"المصباح المنير" 2/ 415.
أربعة، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلّها، جمع ناجذ، والنّجْذُ: شدّة العضّ بها، والكلام الشديد، وعَضَّ على ناجذه: بلغ أشُدّه. انتهى.
وقال الماوردي: إذا تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون، منها أربعة ثنايا، وهي أوائل ما يَبْدُو للناظر من مقدم الفم، ثم أربع رباعيات، ثم أربع أنياب، ثم أربع ضواحك، ثم اثنا عشر أضراس، وهي الطواحن، ثم أربع نواجذ، وهي أواخر الأسنان، كذا نقله الأبهري. والصحيح أن الأضراس عشرون، شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ.
والعضّ بالنواجذ مَثَلٌ في التمسّك بهذه الوصيّة بجميع ما يُمكن من الأسباب المعينة عليه، كمن يتمسّك بشيء، ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارًا للمحافظة.
وقال في "تحفة الأحوذي": العض كناية عن شدة ملازمة السنة، والتمسك بها، فإن من أراد أن يأخذ شيئا أخذًا شديدًا يأخذ بأسنانه، أو المحافظةُ على الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد، كمن أصابه أَلَمٌ لا يُريد أن يُظهِره، فيَشُدّ بأسنانه بعضها على بعض (1).
وقال في "المرقاة": قال بعض المحقّقين: هذه استعارة تمثيليّة، شُبِّه حال المتمسّك بالسنّة المحمديّة بجميع ما يمكن من الأسباب المعينة عليه بحال من يتمسّك بشيء بيديه، ثم يستعين عليه بأسنانه استظهارًا للمحافظة في ذلك؛ لأن تحصيل السعادات الحقيقيّة بعد مجانبة كلّ صاحب يفسد الوقت، وكلّ سببٍ يَفْتِن القلب منوط باتّباع السنّة، بأن يمتثل الأمر على مشاهدة الإخلاص، ويُعَظِّم النهي على مشاهدة الخوف، بل باقتفاء آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع موارده ومصاده، وحركاته وسكناته، ويقظته ومنامه، حتى يُلجم النفس بلجام الشريعة، ويتحلّى في القلب حقائق الحقيقة بتصقيله من مفاتح
(1) راجع "تحفة الأحوذيّ" 7/ 414.
الأخلاق (1)، وتنويره بأنوار الذكر والمعرفة والوفاق، وتعديله بإجراء جميع حركات الجوارح على قانون العدل، حتى يحدث فيه هيئة عادلة مسنونة من آثار الفضل، يستعدّ لقبول المعارف والحقائق، ويصلُح أن يُنفخ روح الله المخصّص بسُلّاك أحسن الطرائق. هذا. انتهى (2).
(وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ المُحْدَثَاتِ) عطف على قوله: "فعليكم الخ" للتقرير والتوكيد، وهو منصوب على التحذير بفعل محذوف وجوبًا، كما قال في "الخلاصة":
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ
…
مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
أي احذروا الأمورَ التي أُحدثت على خلاف أصل من أصول الدين، واتّقُوا إحداثها (فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الفاء للتعليل: أي لأن كلّ شيء محدث ليس عليه دليلٌ من الشرع ضلالة، أي طريق موصل إلى الهلاك الأبديّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه هذا صحيح.
[فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي سنده انقطاع كما سبق بيانه؟.
[قلت]: يشهد له ما بعده، فيصحّ به، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا (6/ 42 و43 و44) وهو من رواية يحيى بن أبي المطاع عن العرباض رضي الله عنه من أفراده، وأخرجه من طريق عبد الرحمن بن عمرو السَّلَمي عنه
(1) هكذا نسخة "المرقاة""من مفاتح الأخلاق"، ولعل الصواب "من مساوىء الأخلاق"، فليُنظر.
(2)
"المرقاة" 1/ 410.
(أبو داود)(4607) و (الترمذيّ)(2676) و (أحمد) في "مسنده"(4/ 126 - 127) و (الدارميّ) في "سننه"(96) و (ابن حبان) في "صحيحه"(5) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار"(1185 و 1186) و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير"(18/ 245) رقم (617) و (الحاكم) في "المستدرك"(1/ 95) و (البيهقيّ)(6/ 541) و (البغويّ) في "شرح السنّة"(102) وقال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
[تنبيه]: هذا الحديث خرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ رضي الله عنه، زاد أحمد في رواية له، وأبو داود: وحُجْر بن حُجْر الكَلاعي كلاهما عن العرباض رضي الله عنه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جَيّدٌ من صحيح حديث الشاميين، قال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكار منهما له. وزعم الحاكم أن سبب تركهما له أنهما توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غيرُ ثور بن يزيد، وقد رواه عنه أيضا بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وغيرهما.
قال الحافظ ابن رجب: ليس الأمر كما ظنه، وليس الحديث على شرطهما، فإنهما لم يُخرجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، ولا لِحُجر الكَلاعي شيئًا، وليس ممن اشتهر بالعلم والرواية، وأيضًا فقد اختلف فيه على خالد بن معدان، فرُوي عنه كما تقدم، ورُوي عنه عن ابن أبي بلال، عن العرباض.
وأخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا عن ضمرة بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض، أخرجه من طريقه الإمام أحمد، وابن ماجه، وزاد في حديثه:"فقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"، وزاد في آخر الحديث:"فإنما المؤمن كالجمل الأَنِفِ، حيثما قِيد انقاد".
وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وقد أخرجه الحاكم، وقال في
حديثه: وكان أسد بن وَدَاعة يزيد في هذا الحديث: "فإن المؤمن كالجمل الأَنِفِ حيثما قيد انقاد". انتهى كلام الحافظ ابن رجب (1). والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في الكلام على رواية يحيى بن أبي المطاع عن العرباض بن سارية رضي الله عنه:
قال في "تهذيب الكمال" جـ: 31 ص: 540: قال أبو زرعة الدمشقي: حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم قال: حدثنا محمد بن شعيب، قال: أخبرني الوليد بن سليمان بن أبي السائب، قال: صحبت يحيى بن أبي المطاع إلى زَيزَى (2) فلم يزل يقرأ بنا في صلاة العشاء وصلاة الصبح في الركعة الأولى بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، وفي الركعة الثانية بـ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1]، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس: 1]، قال أبو زرعة: فقلت لعبد الرحمن بن إبراهيم تعجبًا لقرب عهد يحيى بن أبي المطاع، وما يحدث عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر أنه سمع من العرباض بن سارية، فقال: أنا من أنكر الناس لهذا، وقد سمعتُ ما قال الوليد بن سليمان، قال عبد الرحمن: قال محمد بن شعيب: قال الوليد بن سليمان: فحدثت أيوب بن أبي عائشة بهذا، فأخبرني أنه صَحِب عبد الله بن أبي زكريا إلى بيت المقدس، فكان يقرأ في صلاة العشاء بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وفي الركعة الثانية بالمعوذتين، فكانت هذه أيضًا -إذ يَحكِيها الوليد بن سليمان عن يحيى بن أبي المطاع لأيوب بن أبي عائشة، فيحدثه بمثلها عن ابن أبي زكريا- أكبرَ دليل على قرب عهد يحيى بن أبي المطاع، وبُعْد ما يُحدث به عبد الله بن العلاء بن زبر عنه، من لُقِيّه العرباض، والعرباض قديم الموت، روى عنه الأكابر: عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي، وجبير بن نفير، وهذه الطبقة. انتهى (3).
(1)"جامع العلوم والحكم" 2/ 85.
(2)
قرية من البلقاء، وتُكتب بالمدّ "زيزاء" أيضًا، كما في "معجم البلدان".
(3)
"تهذيب الكمال" 31/ 450 - 541.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى-بعد ذكر رواية المصنّف هذه التي فيها تصريح يحيى بالسماع من العرباض رضي الله عنه: ما نصّه:
وهذا في الظاهر إسناد جَيِّدٌ مُتّصِلٌ، ورواته ثقات مشهورون، وقد صَرّح فيه بالسماع، وقد ذكر البخاري في "تاريخه"(1) أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العرباض اعتمادًا على هذه الرواية، إلا أن حفاظ أهل الشام أنكروا ذلك، وقالوا: يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض، ولم يَلْقَه، وهذه الرواية غلط، وممن ذَكَر ذلك أبو زرعة الدمشقيُّ، وحكاه عن دُحَيم، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاريُّ رحمه الله يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام.
وقد رُوي عن العرباض من وجوه أُخَر، وروي من حديث بُريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن إسناد بُريدة لا يثبت. انتهى كلام ابن رجب (2).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما سبق أن يحيى بن أبي المطاع لم يسمع من العرباض رضي الله عنه، كما أنكر ذلك دُحيم، وأبو زرعة، وقد أيّد ذلك ابن رجب بأنهما أعلم بشيوخ بلدهما، وأن إثبات البخاريّ السماع له مُستَنَدُه هذه الرواية، وأن إنكارهما أرجح من إثباته؛ لما ذُكر، ولأنه يقع له في "تاريخه" أوهام في أخبار أهل الشام.
لكن الحديث وإن طُعِن فيه بما ذُكر يؤيّده السند التالي، فيصحّ به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه والمرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
1 -
(منها): ما ترجم له المصنّف، وهو اتّباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وأن اتباع سنّتهم رضي الله عنهم عينُ اتّباع سنته صلى الله عليه وسلم.
(1) أي "التاريخ الكبير" 8/ 306 رقم (3111) وفيه: يحيى بن أبي المطاع القرشيّ يُعَدّ في الشاميين، سمع عرباض بن سارية، روى عنه العلاء بن زبر. انتهى.
(2)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 85 - 86.
2 -
(ومنها): ما كان عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم من وعظ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد.
3 -
(ومنها): ما أعطى الله سبحانه وتعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم من بلاغة الكلام، وفصاحة اللسان، وجوامع الكلم، كما أوضح ذلك بقوله -فيما أخرجه الشيخان وغيرهما-:"بُعثتُ بجوامع الكلم"، وفي لفظ: "أعطيت جوامع الكلم
…
" الحديث.
4 -
(ومنها): وجوب تقوى الله تعالى، والسمع والطاعة لولاة الأمور، ما لم يأمروا بمعصية، كما ثبت ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" متّفق عليه، واللفظ لمسلم.
5 -
(ومنها): أن فيه علمًا من أعلام النبوّة، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بما يقع في أمته بعده من الاختلاف الشديد، وقد وقع كما أخبر كما تشهد بذلك كتب التواريخ التي تصدّت لبيان الوقائع والحوادث.
6 -
(ومنها): الأمر بملازمة سنّته صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين والعضّ عليها عند وقوع الاختلاف في الأمة، كما يَعَضّ الإنسان على الأشياء الثمينة التي يَخاف عليها التفلّت والخروج من يده.
7 -
(ومنها): أن سنّة خلفائه الراشدين هي سنته صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالتمسّك بها؛ لأنها إما سنته الصريحة القوليّة، أو الفعليّة، أو هي مستنبطة من كتاب الله سبحانه وتعالى، أو سنته صلى الله عليه وسلم.
8 -
(ومنها): وجوب الابتعاد عن البِدَع، ومحدثات الأمور التي لا يؤيّدها كتاب، ولا سنّة، ولا إجماع؛ لأنها ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار، أعاذنا الله تعالى من عذاب النار، وجعلنا من أهل الجنّة دار الأبرار، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يَعِظُ أصحابه في غير الخطب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد، وقد أمره الله عز وجل بذلك، فقال تعالى:{وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63]، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
ولكنه كان لا يُديم وعظهم، بل يَتَخَوَّلهم بها أحيانا، كما في "الصحيحين" عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يُذَكِّرُنا كل يوم خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إنا نحب حديثك، ونشتهيه، ولَوَدِدنَا أنك تحدثنا كل يوم، فقال: ما يمنعني أن أحدثكم كل يوم إلا كراهةُ أن أملكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يَقصُرُ الخطبة، ولا يطيلها، بل كان يُبلِغُ ويُوجِز.
وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قَصْدًا، وخطبته قصدًا. وأخرجه أبو داود، ولفظه:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات. وأخرجه مسلم من حديث أبي وائل قال: خطبنا عمار رضي الله عنه، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن طُولَ صلاة الرجل، وقِصَرَ خطبته مَئِنّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، فإن من البيان سحرًا".
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، من حديث الحكم بن حزن رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله، وأثنى عليه، كلمات خفيفات طيبات مباركات. وأخرج أبو داود (1) عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا قام يومًا، فأكثر القول، فقال عمرو: فلو قصد في قوله لكان خيرًا له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لقد رأيتُ أو أمرتُ أن أتجوّز في القول، فإن الجواز هو خير"(2).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(1) أخرجه أبو داود في "سننه" رقم (5008) قال الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى: حسن الإسناد.
(2)
راجع "جامع العلوم والحكم" 2/ 86 - 87.
(المسألة السادسة): قوله: "ذَرَفَت منها العيون، ووَجِلَت منها القلوب": فيه أن هذين الوصفين بهما مدح الله المؤمنين، عند سماع الذكر، كما قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} الآية [الأنفال: 2]، وقال عز وجل:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} الآية [الحديد: 16]، وقال تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الزمر: 23]، وقال تعالى:{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} الآية [المائدة: 83]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتغير حاله عند الموعظة، كما قال جابر رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب، وذكر الساعة اشتد غضبه، وعلا صوته، واحمرت عيناه، كأنه منذر جيش يقول: صَبَّحَكم ومساكم"، أخرجه مسلم بمعناه. وفي "الصحيحين" عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: "من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله ما تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به في مقامي هذا"، قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "سلوني"، فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله قال: "النار"
…
وذكر الحديث. وفي "مسند الإمام أحمد" عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه خطب، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، يقول:"أنذرتكم النار، أنذرتكم النار"، حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصةٌ كانت على عاتقه عند رجليه. وفي "الصحيحين" عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار"، قال: ثم أشاح، ثم قال:"اتقوا النار"، قال: ثم أعرض وأشاح ثلاثًا، حتى ظننا أنه ينظر إليها، ثم قال:"اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة". وأخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن سَلِمة، عن على، أو عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فيُذكِّرنا بأيام الله، حتى
يُعْرَف ذلك في وجهه، وكأنه نَذِير قوم يُصَبِّحهم الأمر غدوةً، وكان إذا كان حديث عهد بجبرائيل لم يتبسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه. وأخرج الطبراني والبزار من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الوحيُ، أو وَعَظَ قلتُ: نذير قوم أتاهم العذاب، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهًا، وأكثرهم ضحكًا، وأحسنهم بِشْرًا صلى الله عليه وسلم (1).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): قوله: "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا" يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان قد أبلغ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغ في غيرها، فلذلك فَهِمُوا أنها موعظة مُوَدِّع، فإن المُوَدِّع يَستقصِي ما لا يَستقصي غيره في القول والفعل، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي صلاة مودع (2)؛ لأنه مَن استشعر أنه مُوَدِّع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، وربما كان قد وقع منه صلى الله عليه وسلم تعريض في تلك الخطبة بالتوديع، كما عَرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال:"لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا"، وطَفِقَ يُوَدِّع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع، ولمّا رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة، يُسَمَّى "خُمّا"، وخطبهم وقال:"يا أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم، يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه"، ثم حَضَّ على التمسك بكتاب الله، ووَصَّى بأهل بيته خيرًا، أخرجه مسلم. وفي "الصحيحين"، ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحُد، ثم صَعِدَ المنبر كالمُوَدِّع للأحياء والأموات، فقال: "إني فَرَطُكُم على الحوض، فإن عَرْضه كما بين أَيْلَة إلى الْجُحْفة، وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا تتنافسوا فيها، فتقتتلون فتهلكوا كما هلك
(1) المصدر السابق 2/ 87 - 88.
(2)
هو حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "صَلِّ صلاةَ مُوَدِّع كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك، وايأسْ مما في أيدي الناس تَعِشْ غنيًّا، وإياك وما يُعتَذر منه". وهو حديث حسن. انظر "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني رحمه الله تعالى رقم 14.
من كان قبلكم"، قال عقبة رضي الله عنه: فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. وأخرج الإمام أحمد، ولفظه: صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طَلَعَ المنبر، فقال: "أيها الناس إني فَرَطُكم، وأنا شهيد عليكم، وإِنَّ مَوْعِدكم الحوض، وإني لأنظر إليه، ولست أخشى عليكم الفقر، ولكن الدينا أن تنافسوها". وأخرج الإمام أحمد أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا كالمُوَدِّع، فقال:"أنا محمدٌ النبي الأمي" -قال ذلك ثلاث مرات- "ولا نبي بعدي، أوتيت فَوَاتح الكلم، وخواتمه، وجوامعه، وعلمتُ كم خزنة النار وحملة العرش؟ وتجَوَّزَ لي ربي، وعُوفيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دُمتُ فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أَحِلُّوا حلاله، وحرموا حرامه".
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: فلعل في الخطبة التي أشار إليها العرباض ابن سارية رضي الله عنه في حديثه كانت بعض هذه الْخُطَبِ، أو شبيه بها مِمّا يُشعر بالتوديع (1).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة"، ولفظ أبي داود:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" متضمّنٌ لأمرين مهمّين جدًّا، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: هاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.
أما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لمن تمسك بها، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]. وسيأتي تفسيرها، وشرح معناها مفصّلًا في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
وأما الطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب
(1)"المصدر السابق" 2/ 89 - 90.
-رضي الله عنه: إن الناس لا يُصلحهم إلا إِمامٌ بَرٌّ أو فاجرٌ، إن كان فاجرًا عبد المؤمن فيه ربه، وحَمَل الفاجر فيها إلى أجله. وقال الحسن في الأمراء: هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا أو ظلموا، والله لمَا يُصلِح الله بهم أكثرُ مما يفسدَون مع أن -والله- إن طاعتهم لَغَيظٌ، وإن فُرْقتهم لكُفْر (1). وأخرج الخلال في "كتاب الإمارة" من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صَلَّوُا العشاء أَنِ احْشُدُوا فإن لي إليكم حاجة، فلما فرغوا من صلاة الصبح، قال:"هل حشدتم كما أمرتكم؟ "، قالوا: نعم، قال:"اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثا- قلنا: نعم، قال:"فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال:"اسمعوا وأطيعوا، هل عقلتم هذه؟ " -ثلاثًا- قلنا: نعم، قال: فكنا نُرَى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتكلم كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه، فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله (2).
وبهذين الأصلين وَصَّى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته أيضًا، كما أخرجه الإمام أحمد، والترمذي من رواية أم الحُصَين الأحمسية رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، فسمعته يقول:"يا أيها الناس اتقوا الله، وإن تأمر عليكم عبد حبشيّ، مُجَدَّعٌ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتابَ الله". قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. وأخرج مسلم منه ذكرَ السمع والطاعة. وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول: "اتقوا الله، وصَلُّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأَدُّوا زكاة مالكم،
(1) أراد به كفر النعم.
(2)
أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" 8/ 179 رقم 8678 قال الهيثميّ في "المجمع" 1/ 51: رواه الطبرانيّ في "الكبير" وفي إسناده إسحاق بن إبراهيم بن زُريق الحمصيّ وثّقه يحيى بن معين، وأبو حاتم، وضعّفه النسائيّ، وأبو داود. انتهى.
وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم"، وفي رواية أخرى قال: "يا أيها الناس إنه لا نبي بعدي، ولا أُمّة بعدكم"، وذكر الحديث بمعناه. وقال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيح. وفي "المسند" (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لَقِي الله لا يُشرك به شيئًا، وأَدَّى زكاة ماله طَيِّبةً بها نفسه، محُتسبًا، وسَمِعَ وأطاع، فله الجنة، أو دخل الجنّة" (2). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في شرح معنى "التقوى"، وتفصيل ما ورد من النصوص وأقوال أهل العلم المتعلّقة بذلك:
قال الإمام ابن رجب رحمه الله: أصل التقوى أن يجَعَل العبد بينه وبين ما يخافه ويَحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه.
وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله عز وجل كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المائدة:96]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
فإذا أضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سخطه وغضبه، وهو أعظم ما يُتَّقَى، وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأخروي، قال تعالى:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ} الآية [آل عمران: 35]، وقال تعالى:{هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56]، فهو سبحانه أهل أن يُخشَى، ويُهابَ، ويُجَلَّ ويُعَظَّم في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطيعوه؛ لما يستحقه من الإجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش وشدة البأس. وفي الترمذي (3) وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه
(1) في سنده بقيّة بن الوليد، وقد عنعنعه، وهو مدلّس.
(2)
"جامع العلوم والحكم" 2/ 90 - 91.
(3)
ضعيف في سنده سهيل بن عبد الله البصريّ ضعيف. أخرجه 5/ 430 في "كتاب التفسير"، =
الآية: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} قال: "قال الله تعالى: أنا أهلٌ أُتَّقَى، فمن اتَّقاني، فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أن أغفر له".
وتارة تُضاف التقوى إلى عقاب الله، وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة، كما قال تعالى:{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131]، وقال تعالى:{فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]، وقال تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية [البقرة: 281]، وقال تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} الآية [البقرة:48].
ويَدخُل في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجبات، وترك المحرمات والشبهات، وربما دخل فيها بعد ذلك فعلُ الندوبات، وترك المكروهات، وهيِ أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)} [البقرة: 1 - 4]، وقال تعالى:{وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: يُنادَى يوم القيامة أين المتقون؟ فيقومون في كَنَف من الرحمن، لا يحتجب منهم ولا يستتر، قالوا له: مَنِ المتقون؟ قال: قوم اتَّقَوُا الشركَ
= وسيأتي للمصنّف في "كتاب الزهد" 2/ 1437 رقم 4299. قال الترمذيّ: حديث غريب، وسهيل ليس بالقويّ في الحديث، وقد تفرّد بهذا الحديث عن ثابت. انتهى.
وعبادةَ الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: المتقون الذين يَحذَرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حرم الله عليهم، وأَدَّوا ما افترض الله عليهم. وقال عمر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله تركُ ما حرم الله، وأداءُ ما افترض الله، فمن رُزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: تَمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يَرَى أنه حلال خشيةَ أن يكون حرامًا، يكون حجابا بينه وبين الحرام، فإن الله قد بَيَّن للعباد الذي يُصَيِّرُهم إليه فقال:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:7، 8]، فلا تَحقِرَنَّ شيئا من الخير أن تفعله، ولا شيئا من الشر أن تتقيه. وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافةَ الحرام.
وقال الثوري: إنما سُمُّوا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتَقَى. وقال موسى بن أَعْيَن: المتقون تَنَزَّهُوا عن أشياء من الحلال مخافةَ أن يَقَعُوا في الحرام، فسماهم الله متقين.
وأخرج الشيخان من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: "ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه". وقد أخرج الترمذيّ، والمصنّف من حديث عطيّة السعديّ رضي الله عنه مرفوعًا:"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتيى يَدَع ما لا بأس به حَذرًا مما به بأس"(1).
وقال ميمون بن مِهْرَان: المتقي أشد مُحَاسبةً لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه.
(1) حديث ضعيف، في سنده عبد الله بن يزيد الدمشقيّ ضعيف، أخرجه الترمذيّ برقم 2375 وسيأتي للمصنّف في "كتاب الزهد" برقم 4205.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102]، قال:"أن يُطاعَ فلا يُعْصَى ويُذكَر فلا يُنسَى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر".
وأخرجه الحاكم مرفوعًا، والموقوف أصحّ.
وشُكرُه يدخل فيه جميع فعل الطاعات. ومعنى ذكره "فلا يُنسَى" ذكرُ العبدِ بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.
وقد يغلب استعمالُ التقوى على اجتناب المحرمات، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه وسُئل عن التقوى -فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلتُ عنه، أو جاوزتُهُ، أو قصرتُ عنه، قال: ذاك التقوى.
وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتزّ، فقال [من مجزُوّ الكامل]:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا
…
وَكَبِيرَهَا فَهُوَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَر
…
ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرَ مَا يَرَى
لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً
…
إِنَّ الجِبَالَ مِنَ الحصَى
وأصل التقوى: أن يعلم العبد ما يُتَّقَى، ثم يَتَّقِي. قال عون بن عبد الله: تمام التقوى أن تبتغي علمَ ما لم تَعْلَم منها إلى ما عَلِمتَ منها.
وذَكَر معروف الكرخي عن بكر بن خنيس قال: كيف يكون متقيًّا من لا يدري ما يَتَّقِي؟، ثم قال معروف الكرخي: إذا كنت لا تحسن تَتَّقِي أكلتَ الربا، وإذا كنت لا تحسن تتقي لقيتْكَ امرأةٌ، فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تحسن تتقي وضعت سيفك على عاتقك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمحمد بن مسلمة:"إذا رأيت أمتي قد اختَلَفَتْ فاعْمِدْ إلى سيفك، فاضرب به أُحُدًا"(1). ثم قال معروف: ومجلسي هذا لعله كان ينبغي لنا أن
(1) حديث صحيحٌ، أخرجه أحمد 3/ 493. وسيأتي للمصنّف في "كتاب الفتن" 2/ 1310 رقم (3962).
نتقيه، ثم قال: مجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أن نتقيه، أليس جاء في الحديث أنه فتنة للمتبوع، مَذَلَّةٌ للتابع (1). يعني مشي الناس خلف الرجل.
وبالجملة: فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته. وكان صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. أخرجه مسلم. ولمّا خطب صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم النحر وَصَّى الناسَ بتقوى الله، وبالسمع والطاعة لأئمتهم. أخرجه الترمذيّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ. ولمّا وَعَظَ الناسَ قالوا له: كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة"(2).
وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه ابن حبان وغيره قلت: يا رسول الله أوصني، قال:"أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله"(3).
وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال:"أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد، فإنه رَهْبانية الإسلام"(4). وخرجه غيره، ولفظه: قال: "عليك بتقوى الله، فإنه جماع كل خير".
وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني سمعت منك حديثًا كثيرًا، فأخاف أن يُنسيني أوله آخره، فحدثني بكلمة تكون جَمّاعًا، قال:"اتق الله فيما تعلم"(5).
(1) أخرجه أبو نُعيم في "الحلية" 8/ 364 في ترجمة معروف الكرخيّ.
(2)
هو حديث الباب، وهو صحيح.
(3)
أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" 2/ 76 - 79.
(4)
أخرجه أحمد 3/ 82 بإسناد ضعيف.
(5)
أخرجه الترمذيّ برقم (2683) وقال: ليس إسناده بمتّصل، وهو عندي مرسل، ولم يُدرك عندي ابن أشوع يزيد بن سلمة.
ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول في خطبه: أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنُوا عليه بما هو أهله، وأن تَخلِطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله عز وجل أثني على زكريا وأهل بيته، فقال:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90](1). ولمّا حضرته الوفاة، وعَهِد إلى عمر رضي الله عنه دعاه، فوصّاه بوصيته، وأول ما قال له: اتق الله يا عمر.
وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نُصْبَ عينيك، وجَلاءَ قلبك. واستعمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه رجلا على سرية، فقال له: أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بُدّ لك من لقائه، ولا مُنتهَى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أوصيك بتقوى الله عز وجل التي لا يَقبَل غيرها، ولا يَرحَم إلا أهلها، ولا يُثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين.
ولما وُلِّي خطب، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله عز وجل خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خَلَف.
وقال رجل ليونس بن عبيد: أوصني فقال: أوصيك بتقوى الله والإحسان، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه. وقيل لرجل من التابعين عند موته: أوصنا، فقال: أوصيكم بخاتمة سورة النحل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]. وكتب رجل من السلف إلى أخ له: أوصيك بتقوى الله، فإنها من أكرم
(1) أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 384 وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 35 قال الحاكم: هذا صحيح الإسناد، وتعقّبه الذهبيّ، فقال: عبد الرحمن بن إسحاق كوفيّ ضعيف.
ما أسررتَ، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما ادّخرتَ، أعاننا الله وإياك عليها، وأوجب لنا ولك ثوابها. وكتب رجل منهم إلى أخ له: أوصيك وأنفسنا بالتقوى؛ فإنها خير زاد الآخرة والأولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شر مَهْرَبك، فقد تكفل الله عز وجل لأهلها بالنجاة مما يَحذَرون، والرزقَ من حيث لا يحتسبون. وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج قلت للحكم: ألك حاجة؟ فقال: أوصيك بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم معاذَ ابن جبل: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك الهدي والتقى والعِفّة والغنى". رواه مسلم. وقال أبو ذر رضي الله عنه: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]، ثم قال:"يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم"(1).
وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: "اتق الله حيثما كنت"(2)، يعني في السر والعلانية، حيث يراه الناس وحيث لا يرونه، وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته"(3). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "أسألك خشيتك في الغيب والشهادة"(4). وخشيةُ الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: "استح من الله استحياء رجل ذي هيبة من أهلك"(5).
وهذا هو السبب الموجب لخشية الله في السر، فإن مَن عَلِم أن الله يراه حيث كان، وأنه مُطّلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته أوجب له
(1) راجع "جامع العلوم والحكم" 2/ 309 - 317.
(2)
رواه الترمذيّ رقم 1987 وقال: حديث حسن صحيح.
(3)
رواه أحمد 5/ 181 من طريق درّاج عن أبي الهيثم، عن أبي ذرّ رضي الله عنه، ودرّاج ضعيف في أبي الهيثم.
(4)
حديث صحيح أخرجه أحمد 4/ 264 والنسائيّ 3/ 54 - 55.
(5)
أخرجه البزار رقم 1972 وفي سنده ابن لهيعة متكلّم فيه.
ذلك ترك المعاصي في السر، وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى:{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهَّدَنا الله وإياكم في الحرام زُهْدَ مَن قدر عليه في الخلوة، فعَلِم أن الله يراه فتركه من خشيته، أو كما قال. وقال الشافعي رحمه الله: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجَى أو يخاف. وكتب ابن السَّمّاك الواعظ إلى أخ له: أما بعدُ أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله مِنْ بالِك على كل حال، في ليلك ونهارك، وخَفْ الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه، ليست تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظُم منه حذرك، وليكْثُر منه وَجَلُك، والسلام.
قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك: ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي، وتظهرونها لي، إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم، فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم. وكان وهب بن الورد يقول: خَفِ الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك. وقال له رجل: عِظْني، فقال له: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. وكان بعض السلف يقول: أتراك تَرْحَم من لم تُقِرَّ عينيه بمعصيتك، حتى علم أن لا عين تراه غيرك. وقال بعضهم: ابنَ آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تَصْفُ لك من عَيْنٍ ناظرة إليك، فَلَمّا خلوت بالله وحده صَفَتْ لك معصيته، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين، إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه، لقد اجترأت.
دخل بعضهم غَيضَة ذات شجر، فقال: لو خلوت ها هنا بمعصيةٍ مَن كان يراني، فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14].
راود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين مُكَوْكِبُها؟.
رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما. وقال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب. وسئل الجنيد بم يُستعان على غض البصر؟ قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره.
وكان الإمام أحمد ينشد [من الطويل]:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرُ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ
…
خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً
…
وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ
وَكَانَ ابْن السَّمّاك ينشد:
يَا مُدْمِنَ الذَّنْبِ أَمَا تَسْتَحِي
…
وَاللهُ في الخلْوَةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ مِنْ رَبِّكَ إِمْهَالُهُ
…
وَسَتْرُهُ طُولَ مَسَاوِيكَا
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا وَصَّى معاذًا بتقوى الله سرا وعلانية، أرشده إلى ما يُعينه على ذلك، وهو أن يستحيى من الله كما يستحي من رجل ذي هيبة من قومه.
ومعنى ذلك: أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه، واطلاعه عليه، فيستحيى من نظره إليه، وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمر رضي الله عنه قد بعثه على عمل، فَقَدِم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني من يُضَيِّق عليّ، ويمنعني من أخذ شيء، وإنما أراد معاذ ربه عز وجل، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى الناس.
ومَنْ صار له هذا المقام حالًا دائمًا أو غالبًا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم.
وبالجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين.
وفي الحديث: "ما أَسَرَّ عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيرًا فخيرٌ،
وإن شرّا فشرّ" (1)، رُوي هذا مرفوعا، ورُوي عن ابن مسعود من قوله. وقال أبو الدرداء: لِيَتّق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين، وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله فيُلقِي الله له البغض في قلوب المؤمنين. وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته. وقال غيره: إن العبد ليُذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه، فيرون أثر ذلك عليه، وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بِذَرّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يَضِيع عنده عَمَلُ عاملٍ، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيد مَن أصلح ما بينه وبين الله، فإنه مَنْ أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامِدُه من الناس ذامّا له.
قال أبو سليمان: إن الخاسرَ مَن أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد.
ومن أعجب ما رُوي في هذا ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم، فَمَرّ ذات يوم بصبيان، فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فَنكّس رأسه، وقال: يا رب أفشيت سري، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني أسيرٌ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مَرّ ذات يوم، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى، وقال: يا رب أنت تَذُمّ مَرّة، وتَحْمَدُ مَرّة، وكله من عندك.
وبالجملة فما جاء عن السلف في هذا الباب كثير، وهذا غيضٌ فيض، وفيه
(1) أخرجه أحمد 3/ 28 وأبو يعلى في "مسنده" 2/ 521. قال الهيثمي في "المجمع" 10/ 228: رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن.
الكفاية لمن وفّقه الله تعالى وهدهُ، اللهم اجعلنا من أوليائك المتّقين سرّا وعلانيةً، {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس:63، 64] بمنك وكرمك وجودك، إنك أكرم الأكرمين، وأجود المسؤولين، آمين آمين آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): قوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ".
هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما يقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما رُوي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار، إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه هو وأصحابه.
وكذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته، وسنة الخلفاء الراشدين من بعده.
والسنة هي الطريق المسلوك، فيَشمَل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون، من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كله، ورُوي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفضيل بن عياض.
وكثيرٌ من العلماء المتأخرين يَخُصّ اسم السنة بما يتعلق بالاعتقاد، لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم.
وفي ذكر هذا الكلام بعد الأمر بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارةٌ إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه رضي الله عنه أنه قال:"إنما الطاعة في المعروف"، متّفقٌ عليه. وفي "المسند" عن أنس أن معاذ بن جبل رضي الله عنهما قال: "يا رسول الله
أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا طاعة لمن لم يُطع الله عز وجل"(1)، وأخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سيلي أموركم بعدي رجال يُطفئون السنة بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها"، فقلت: يا رسول الله إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: "لا طاعة لمن عصى الله"(2).
وفي أمره صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا دليل على أن سنة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعَة كاتباع السنة، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.
وفي "مسند الإمام أحمد"، و"جامع الترمذي"، و"سنن ابن ماجه" عن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم جلوسًا، فقال: إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي -وأشار إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه"، وفي رواية: "فتمسكوا بعهد ابن أم عبد، واهتدوا بهدي عمار" (3). فنص رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره على من يُقتَدَى به مِن بعده.
وقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة هل هو إجماع، أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا، وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو خازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يَعتَدّ بمن خالف الخلفاء، ونفذ حكمه بذلك في الآفاق.
ولو قال بعض الخلفاء الأربعة قولًا، ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فهل يُقَدَّم قوله على قول غيره؟ فيه قولان أيضا للعلماء، والمنصوصُ عن
(1) أخرجه أحمد 3/ 213 وحسّن بعضهم إسناده، وفيه عمرو بن زنيب، وثقه ابن حبّان.
(2)
حديث صحيح سيأتي للمصنّف برقم 2865.
(3)
حديث صحيح، أخرجه أحمد 5/ 382 - 399 و400 والترمذيّ برقم 3663 ويأتي للمصنّف مختصرًا برقم 97.
أحمد أنه يُقَدَّم قوله على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيره، وكلام أكثر السلف يدل على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"(1).
وكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه". وقال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها اعتصامٌ بكتاب الله، وقوةٌ على دين الله، وليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر في أمر خالفها، من اهتدى بها فهو المهتدي، ومن استنصر بها فهو المنصور، ومن تركها، واتّبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم، وساءت مصيرا. وحَكَى عبد الله بن عبد الحكم عن مالك أنه قال: أعجبني عزم عمر على ذلك -يعني هذا الكلام-. وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يَحكِه عن عمر. وقال خلف بن خليفة: شَهِدتُ عمر بن عبد العزيز يخطب الناس، وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وصاحباه فهو وظيفةُ دينٍ، نأخذ به، وننتهي إليه.
ورَوَى أبو نعيم من حديث عَرْزَب الكنديّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنه سيحدُث بعدي أشياء، فأحبّها إليّ أن تلزموا ما أحدث عمر"(2).
وكان عليّ رضي الله عنه يَتَّبع قضاياه وأحكامه، ويقول: إن عمر كان رشيد الأمر. ورَوَى الأشعث عن الشعبي قال: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا فيه كيف قَضَى عمر، فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يُقْضَ فيه قبله حتى يُشاور. وقال مجاهد: إذا اختلف الناس في شيء، فانظروا ما صنع عمر فخذوا به. وقال أيوب عن الشعبي: انظروا ما اجتمعت عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله لم يكن يجمعها على ضلالة، فإذا اختلفت فانظروا ما صنع
(1) صحيح، أخرجه أحمد 2/ 401 والترمذيّ رقم 3682 وصححه ابن حبان.
(2)
ذكره في "أُسد الغابة" 4/ 20 وقال: أخرجه ابن منده. ويحتاج إلى النظر في إسناده.
عمر بن الخطاب فخذوا به. وسئل عكرمة عن أم الولد، فقال: تَعتِق بموت سيدها، قل له: بأيّ شيء تقول؟ قال بالقرآن، قال: بأيّ القرآن؟ قال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، وعمر رضي الله عنه من أولي الأمر. وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعلي على شيء فهو الأمر. ورُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يحلف أن الصراط المستقيم هو الذي ثَبَتَ عليه عمر رضي الله عنه حتى دخل الجنّة.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وبكل حال فما جَمَع عمر عليه الصحابة، فاجتمعوا عليه في عصره، فلا شك أنه الحق، ولو خالفه مِنْ بعد ذلك مَن خالفه، كقضائه في مسائل من الفرائض كالعول، وفي زوج وأبوين، وزوجة وأبوين أن للأم ثلث الباقي، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه، وعليه القضاء والهدي، ومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا، ومثل ما جَمَع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم متعة النساء، ومثل ما فعله من وضع الدِّيوان، ووضع الخراج على أرض الْعَنْوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم، ونحو ذلك (1).
ويَشهَد لصحته ما جَمَع عليه عمر أصحابه، فاجتمعوا عليه لون، ولم يُخالَف في وقته قول النبي صلى الله عليه وسلم:"رأيتني في المنام أَنزع على قليب، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب، فاستحالت غَرْبًا، فلم أر أحدا يَفْرِي فَرْيَه، حتى رَوِيَ الناسُ، وضربوا بعطن"(2). وفي رواية: "فلم أر عَبْقَرِيّا من الناس يَنْزع نزع ابن الخطاب"، وفي رواية أخرى:"حتى تَوَلَّى، والحوضُ يتفجر"(3).
(1) قال "الجامع" في بعض ما قاله نظرٌ لا يخفى، كمثل ما قاله في الطلاق الثلاث، وقد بينته في شرح النسائيّ، فليُراجع في مَحَلِّه من كتاب الطلاق.
(2)
"الْعَطَنُ" بفتحتين: مبارك الإبل حول الماء.
(3)
متّفقٌ عليه.
وهذا إشارة إلى أن عمر لم يَمُت حتى وضع الأمور في مواضعها، واستقامت الأمور، وذلك لطول مدته، وتفرغه للحوادث، واهتمامه بها، بخلاف مدة أبي بكر، فإنها كانت قصيرة، وكان مشغولا فيها بالفتوح، وبَعْثِ البعوث للقتال، فلم يتفرغ لكثير من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه، ولا يُرفَع إليه حتى رفعت تلك الحوادث إلى عمر، فرد الناس فيها إلى الحقّ، وحملهم على الصواب.
وأما ما لم يَجمَع عمر الناس عليه، بل كان له فيه رأي، وهو يُسَوِّغ لغيره أن يرى رأيا يخالف رأيه، كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة، فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة رضي الله عنهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن رجب تحقيق نفيس، إلا أن في بعض ما مَثَّل به لما جَمَع عمر الناس عليه، كالطلاق الثلاث نظرًا لا يخفى، وقد ذكرت تحقيقه في شرح النسائيّ، فليُراجع في محلّه من "كتاب الطلاق"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
43 -
(حَدَّثَنَا إِسماعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّ هَذه لمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: "قَدْ تَرَكْتكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بَما عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّمَا المُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
1 -
(إِسماعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ) السَّلِيميُّ -بفتح المهملة، وبعد اللام ياء
تحتانيّة- أبو بِشْر البصري، صدوقٌ تُكُلّم فيه للقدر [10].
رَوَى عن أبيه، وفضيل بن سليمان النميري، وابن مهدي، وعمر بن عليّ المُقَدَّميّ، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو داود، وابن ماجه، والنسائي بواسطة، وزكرياء السِّجْزي، وإبراهيم بن أبي طالب، والبخاري في "التاريخ الصغير"، وابن خزيمة، وجماعة.
قال الآجري: سألت أبا داود عنه، فقال: صدوق، وكان قدريّا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري في "التاريخ الصغير": حدثني إسماعيل بن بِشْر بن منصور قال: مات أبي سنة (80) يعني ومائة، وأنا ابن ست عشرة سنة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة (255). روى عنه أبو داود، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، والمصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (43) وحديث رقم (2294).
2 -
(وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ) بن داود السَّوّاق البصري، صدوقٌ [11].
رَوَى عن ابن مهديّ، والقطان، وأبي عاصم. وروى عنه ابن ماجه، وعبد الرحمن ابن محمد بن حماد الطِّهْرَاني، والفضل بن الحسن بن محمد الأَهْوَزايّ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث. تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (43) وحديث رقم (494).
3 -
(عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام الحافظ الحجة الثبت [9] 3/ 25.
4 -
(معاوية بن صالح) بن حُدير الحضرميّ الحمصيّ، صدوقٌ له أوهام [7] 2/ 12.
5 -
(ضمرة بن حبيب) بن صُهَيب الزُّبَيديّ -بضم الزاي- أبو عُتْبة الحِمْصيّ، ثقة [4]. رَوَى عن شداد بن أوس، وأبي أُمامة الباهليّ، وعوف بن مالك، وعبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ، وعبد الله بن زغب الإيادي، وغيرهم. وروى عنه ابنه عُتبة، ومعاوية ابن صالح الحضرمي، وأبو بكر بن أبي مريم، وأرطاة بن المنذر، وعبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، وهلال بن يساف.
قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله.
وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: شامي تابعيّ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاثين ومائة، وكان مؤذن المسجد الجامع بدمشق. أخرج له الأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا (43) وحديث رقم (4250).
6 -
(عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ) بن عَبَسَةَ السَّلَمي، الشامي، لا بأس به (1)[3].
رَوَى عن العرباض بن سارية، وعُتبة بن عبد السَّلَمي. ورَوَى عنه ابنه جابر، وخالد بن معدان، وضمرة بن حبيب، ومحمد بن زياد الألهاني، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: مات سنة عشر ومائة، وذكره مسلمة في الطبقة الأولى من التابعين. تفرّد به أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله عندهم، حديث الباب، صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، في "المستدرك"، وزعم القطان الفاسيّ أنه لا يصح؛ لجهالة حاله. والصحابيّ تقدّم في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، ولكن نشير هنا إلى حَلّ بعض ما يُستَشكَل فقط، فنقول:
قوله: (فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟)"ما" اسم استفهام مبتدأ، و"ذا" اسم موصول بمعنى الذي خبر "ما"، و"تعهد" -بفتح الهاء من باب عَلِم- صلة الموصول، والتقدير ما الذي تعهد إليه: أي تأمرنا به، ويحتمل أن تُجعل "ما" مع "ذا" كلمة واحدة للاستفهام، وهي مبتدأ، والجملة خبره، وإلى ما ذُكر أشار ابن مالك رحمه الله تعالى في "الخلاصة" بقوله:
وَمِثْلُ "مَا""ذَا" بَعْدَ "مَا" اسْتِفْهَامِ
…
أَوْ "مَنْ" إِذَا لَمْ تُلْغَ في الْكَلَامِ
وقوله: "قَدْ تَرَكْتكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ": أي على الملّة الواضحة، والحجة الساطعة التي لا تَقبل الشُّبَه، فإيراد الشُّبَه عليها كحال كشف الشُّبَه عنها ودفعِهَا، كما أوضح ذلك بقوله:"لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا".
(1) قال في "ت": مقبول، وما قلته أولى -كما قاله بعض المحققين-؛ لأنه روى عن جماعة، وروى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وصحح حديثه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، فمن كان بهذه المنزلة لا يقلّ عن درجة الحسن. فتأمل. والله تعالى أعلم.
وقوله: "لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلا هَالِكٌ": "يَزِيغ" بفتح أوله، من باب باع: أي يَمِيل، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيغًا: إذا مالت، وزاغت تزوغ زَوغًا من باب قال لغة فيه، ويتعَدّى بالهمزة، فيقال: أزاغه إزاغة. أفاده الفيّوميّ (1).
والمعنى: لا يميل، ولا يخرُج عن الملّة، ويعمل بخلافها متعمّدًا إلا الهالك الذي مأواه جهنم وبئس المصير.
وقوله: "فَإِنَّمَا المُؤْمِنُ كَالجمَلِ" بفتحتين "الْأَنِفِ" بفتح الهمزة، وكسر النون: أي المأنوف، وهو الذي عَقَرَ الْخِشَاشُ (2) أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوَجَع الذي به. وقيل: الأَنِفُ: الذَّلُول، يقال: أَنِفَ البعيرُ يَأْنْف أَنفًا، فهو آنفٌ: إذا اشتكى أنفَهُ من الْخِشَاش، وكان الأصل أن يقال: مأنوفٌ، لأنه مفعول به، كما يقال: مصدُورٌ، ومَبْطُونٌ للذي يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذّا. ويُروَى كالجمل الآنف بالمدّ، وهو بمعناه. قاله ابن الأثير (3).
وقال في "اللسان" بعد ذكره كلام ابن الأثير: وقال أبو سعيد: الجمل الأنِف: الذلول المؤاتي الذي يَأْنَف من الزجر، ومن الضرب، ويُعطي ما عنده من السَّيْر عَفْوًا سَهْلًا، كذلك المؤمن لا يَحتاج إلى زجر، ولا عِتَاب، وما لزمه من حقّ صَبَر عليه، وقام به. انتهى (4).
يعني أن المؤمن كالجمل الذي جُعل الزمام في أنفه، فيجُرّه من شاء من صغير وكبير، ورجال ونساء إلى حيث يشاء، كما أوضحه بقوله:"حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ". و"حيثما" اسم شرط جازمة تجزم شرطها وجوابها، و"قيد" بكسر القاف مبنيّا للمفعول فعل شرطها، و"انقاد" مطاوع قاد جوابها: أي إلى أيّ مكان جُرّ انجرّ إليه، ولا يستعصي على
(1)"المصباح" 1/ 261.
(2)
"الْخِشَاش" بالكسر: عُودٌ يُجعل في عظم أنف البعير، والجمع أَخِشَّةٌ، مثلُ سِنَانٍ وأَسِنَّة. قاله في "المصباح" 1/ 169.
(3)
"النهاية" 1/ 75.
(4)
"لسان العرب" 9/ 13.
من أراد قيادته.
والمعنى: أن من شأن المؤمن تركَ التكبّر، ولزومَ التواضع، فلا يَأْنَف عن قبول الحقّ، من أي شخص كان، بل يخضع له، ويستجيب، ويقول:{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (6/ 43 و44) و (أبو داود) رقم (4607) و (الترمذيّ)(2676) و (أحمد) في "مسنده"(4/ 126 - 127) و (الدارميّ) في "سننه"(96) و (ابن حبّان) في "صحيحه"(5) و (الطحاويّ) في "مشكل الآثار"(1185 و1186) و (الطبرانيّ) في "المعجم الكبير"(18/ 245 رقم 617) و (الحاكم) في "المستدرك"(1/ 95) و (البيهقيّ) في "الكبرى"(6/ 541) و (البغويّ) في "شرح السنة" رقم (102)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: " فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قِيد انقاد" قد تقدّم أنه قد أنكر طائفة من الحفّاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مُدرجة فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصريّ وغيره، وقد أخرجه الحاكم في "المستدرك" 1/ 96 وقال في آخره: وكان أَسَدُ بن وَدَاعة يزيد في هذا الحديث: "فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قِيد انقاد". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتَّصل إلى الإمام ابن ماجة رحمه الله في أول الكتاب قال:
44 -
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ ابْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَوَعَظنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً
…
"، فَذَكَرَ نَحْوَهُ) *.
رجال هذا الإسناد: ستة:
1 -
(يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ) المُقَوِّم -بتشديد الواو المكسورة- ويقال: المُقَوِّميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقة حافظٌ عابدٌ مصنّف [10].
رَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، وابن عيينة، ويحيى القطان، وأبي بكر الحنفي، وابن مهدي، وغندر، وعبد الملك بن الصباح، وغيرهم.
ورَوى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وروى النسائي أيضا في "مسند علي" عن زكريا السِّجْزيّ عنه، وعبد الله بن عروة الهرويّ، وغيرهم.
قال أبو داود: كان حافظا متقنًا. وقال النسائي: ثقة حافظ. وقال أبو عروبة: ما رأيت بالبصرة أثبت من أبي موسى، ومن يحيى بن حكيم، وكان يحيى بن حكيم ورِعًا مُتَعَبِّدًا. وقال مسلمة بصري ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جَمَع وصَنَّف، مات سنة ست وخمسين ومائتين. وله في هذا الكتاب (39) حديثًا.
2 -
(عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ (1)) أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [9].
رَوَى عن أبيه، وابن عون، والأوزاعي، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد الحمصي، وغيرهم. ورَوى عنه إسحاق بن راهويه، وبندار، وأبو موسى، وأبو غسان
(1) بكسر الميم الأولى، وفتح الثانية، بينهما مهملة ساكنة-: نسبة إلى المسامعة محلّة بالبصرة، نزلها المسْمَعُونَ، فنسبت إليهم. قاله في "اللباب" 3/ 212.
المسمعي، ويحيى بن حكيم المقوِّم، والذُّهْلي، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح. وقال ابن قانع: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وتسعين ومائة في ذي القعدة. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة مائتين. أخرج له البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا (43) وحديث (332) و (3489).
[تنبيه]: قال الخليليّ: عبد الملك بن الصبّاح عن مالك مُتَّهَمٌ بِسَرِقة الحديث. قال الحافظ: كذا قال، ولم أَرَ في الرواة عن مالك للخطيب، ولا للدارقطني أحدًا، يقال له: عبد الملك بن الصبّاح، فإن كان محفوظًا، فهو غير المسمعيّ. انتهى (1).
3 -
(ثور بن يزيد) بن زياد الْكَلاعيُّ ويقال: الرَّحَبِيّ، أبو خالد الحمصيّ، ثقة ثبتٌ، إلا أنه يرى القدر [7].
رَوَى عن مكحول، ورجاء بن حيوة، وصالح بن يحيى بن المقدام، وعطاء، وعكرمة، وأبي الزبير، وابن جريج، وأبي الزناد، وخالد بن معدان، وغيرهم.
ورَوَى عنه بَقِيّة، وصفوان بن عيسى، والسفيانان، وعيسى بن يونس، وابن إسحاق، ومالك، والوليد بن مسلم، ويحيى بن حمزة الحضرمي، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم النبيل، وعبد الملك بن الصباح، وجماعة.
قال ابن سعد: كان ثقة في الحديث، ويقال: إنه كان قدريا، وكان جده قُتل يوم صفين مع معاوية، فكان ثور إذا ذَكَر عليا قال: لا أحب رجلا قتل جدي. وقال أحمد: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي، وكان ثقة. وكان أبو أسامة يحسن الثناء عليه. وعده دُحَيم في أثبات أهل الشام، مع أَرْطاة، وحَرِيز، وبَحِير بن سَعْد. وفي رواية يعقوب بن سفيان عنه: ثور بن يزيد أكبرهم، وكل هؤلاء ثقة. وقال عثمان الدارمي عن دُحيم: ثور بن يزيد ثقة، وما
(1) راجع "تهذيب التهذيب" 2/ 614 - 615.
رأيت أحدا يَشُكّ أنه قدريّ، وهو صحيح الحديث حمصي. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذَكَر رجال الشام، فقال: وثور بن يزيد ثقة، إلا أنه كان يرى القدر. وقال عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد: ما رأيت شاميا أوثق من ثور بن يزيد. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ليس في نفسي منه شيء أتَتَبَّعُه. وقال علي عن يحيى أيضًا: كان ثور عندي ثقة. وقال وكيع: ثور كان صحيح الحديث. وقال أيضا: رأيت ثور بن يزيد، وكان أعبدَ مَنْ رأيت. وقال عيسى بن يونس: كان ثور من أثبتهم. وقال أيضًا: جيد الحديث. وقال الوليد بن مسلم: ثور يحفظ حديث خالد بن معدان. وقال سفيان الثوري: خذوا عن ثور، واتقوا قرنيه. قال عبد الرزاق: ثم أخذ الثوري بيد ثور، وخلا به في حانوت يحدثه. وقال الثوري بعد ذلك لرجل رَأَى عليه صوفًا: ارم بهذا عنك فإنه بدعة، فقال له الرجل: ودخولك مع ثور الحانوت، وإغلاقك الباب عليكما بدعة. وقال أبو عاصم: قال لنا ابن أبي رَوّاد: اتقوا لا يَنْطَحَنَّكم بقرنيه. وقال أبو مسهر وغيره: كان الأوزاعي يتكلم فيه ويهجوه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثور بن يزيد الكلاعي كان يرى القدر، كان أهل حمص نفوه لأجل ذلك، ولم يكن به بأس. وقال أبو مسهر عن عبد الله بن سالم: أدركت أهل حمص، وقد أخرجوا ثور بن يزيد، وأحرقوا داره لكلامه في القدر. وقال ابن معين: كان مكحول قدريا ثم رجع، وثور بن يزيد قدري. وقال أبو زرعة الدمشقي عن مُنَبِّه بن عثمان: قال رجل لثور بن يزيد: يا قدريُّ، قال: لئن كنتُ كما قلتَ إني لَرَجُلٌ سَوْء، وإن كنتُ على خلاف ما قلتَ، فأنت في حِلّ. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ثور بن يزيد ثقة. وقال في موضع آخر: أزهر الحَرَازي، وأسد بن وَدَاعة كانوا يجلسون، ويسبون علي بن أبي طالب، وكان ثور لا يسبه، فإذا لم يسب جَرُّوا برجله. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن يحيى القطان: كان ثور إذا حدثني عن رجل لا أعرفه، قلت: أنت أكبر أم هذا، فإذا قال: هو أكبر مني كتبته، وإذا قال: هو أصغر مني لم أكتبه. وقال محمد بن عوف، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق حافظ. وقال نعيم بن حماد: قال عبد الله بن المبارك [من مجزوّ الرمل]:
أَيُّهَا الطَّالِبُ عِلْمًا
…
ائتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدِ
فَاطْلُبَنَّ الْعِلْمَ مِنْه
…
ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ
لَا كَثَوْرٍ وَكَجَهْمِ
…
وَكعَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ
وقال ابن عديّ بعد أن رَوَى له أحاديث: وقد رَوَى عنه الثوريّ، ويحيى القطان، وغيرهما من الثقات، ووثّقوه، ولا أرى بحديثه بأسا إذا رَوى عنه ثقة، أو صدوق، ولم أر في أحاديثه أنكر من هذا الذي ذكرته، وهو مستقيم الحديث، صالح في الشاميين.
وقال الآجري عن أبي داود: ثقة، قلت: أكان قدريا؟ قال: اتُّهِم بالقدر، وأخرجوه من حمص سَحْبًا. وقال ابن حبان في "الثقات": كان قدريا، ومات وله سبعون سنة. وقال العجلي: شامي ثقة، وكان يرى القدر. وقال الساجي: صدوق قدري، قال فيه أحمد: ليس به بأس، قَدِمَ المدينة، فَنَهَى مالك عن مجالسته.
قال الحافظ: وليس لمالك عنه رواية لا في "الموطإ"، ولا في الكتب الستة، ولا في غرائب مالك للدارقطني، فما أدرى أين وقعت روايته عنه مع ذمه له؟. وقال ابن خزيمة في "صحيحه": هو أصغر سنا من المدني. يعني ثور بن زيد الديليّ.
قال أبو عيسى الترمذي: مات سنة (150). وقال ابن سعد وخليفة وجماعة: مات سنة (53) ببيت المقدس. وقال يحيى بن بكير: سنة (55).
أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، وله في هذا الكتاب (15) حديثًا.
4 -
(خالد بن معدان) بن أبي كريب الْكَلاعِيّ، أبو عبد الله الشاميّ الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، يرسل كثيرًا [3].
رَوَى عن ثوبان، وابن عَمْرو، وابن عُمَر، وعتبة بن عبد السُّلَميّ، ومعاوية بن أبي سفيان، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، وعبد الرحمن بن عمرو السَّلَميّ، وغيرهم.
ورَوى عنه بَحِير بن سَعْد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وثور بن يزيد،
وحَرِيز بن عثمان، وحسان بن عطية، وفضيل بن فَضالة، وجماعة.
قال يعقوب بن شيبة: لم يلق أبا عُبيدة، وهو كَلَاعيّ يُعَدُّ من الطبقة الثالثة من فقهاء الشام بعد الصحابة. وقال العجلي: شامي تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وابن خِرَاش، والنسائي: ثقة. وقال أبو مسهر، عن إسماعيل بن عياش: حدثتنا عبدة بنت خالد بن معدان، وأم الضحاك بنت راشد أن خالد بن معدان قال: أدركت سبعين رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بَقِيّة عن بَحِير بن سَعْد: ما رأيت أحدا ألزم للعلم منه، كان علمه في مصحف، له أَزرارٌ وعُرًى، قال بقية: وكان الأوزاعي يُعَظِّم خالدًا، فقال لنا: أله عقب؟ فقلنا: له ابنة، فقال: ائتوها فسلوها عن هدي أبيها، قال: فكان ذلك سبب إتياننا عَبْدة. وقال إسماعيل بن عياش، عن صفوان ابن عمرو: رأيت خالد بن معدان إذا كبرت حلقته قام؟ مخافة الشهرة. وقال يزيد بن هارون: مات وهو صائم. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه توفي سنة (103). وقال دُحَيم وغيره: مات سنة (4). وقال يحيى بن صالح عن إسماعيل بن عياش: مات سنة (5). وقيل عن إسماعيل: سنة ست. وقال أبو عبيد وخليفة: سنة (108). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله، مات سنة (4) وقيل: سنة (8)، وقيل: سنة (103).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (19) حديثًا. والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: "فذكر نحوه" ببناء للفعل للفاعل، والضمير يعود لخالد بن معدان: أي ذكر خالد متن الحديث بنحو رواية ضمرة بن حبيب. والله تعالى أعلم.
[فائدة]: الفرق بين قولهم: "فذكر مثله"، وقولهم:"فذكر نحوه"، أن "مثله" يقال: فيما إذا اتّحد الحديثان لفظًا ومعنى، بخلاف "نحوه"، فإنه يقال فيما إذا اتحدا معنى فقط.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ، صاحب "المستدرك": إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يُفرّق بين "مثله" و"نحوه"، فلا يَحِلّ أن يقول:"مثله" إلا إذا علم
أنهما اتفقا في اللفظ، ويحلّ أن يقول: نحوه إذا كان بمعناه (1).
وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
الْحَاكِمُ اخْصُصْ "نَحْوَهُ بِالْمَعْنَى
…
"وَمِثْلَهُ" بِاللَّفْظِ فَرْقٌ يُعْنَى
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبيّ عفا الله تعالى عنه، وعن والدين آمين:
انتهى الجزء الأول من شرح "سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه رحمه الله تعالى المسمّى" مشارق الأنوار الوهّاجة، ومطالع الأسرار البهّاجة، في شرح سنن الإمام ابن ماجه" وذلك يوم السبت المبارك بتاريخ 19/ 11/ 1422 هـ الموافق 2 (فبراير) 2002 م.
وآخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} ، {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه الجزء الثاني مفتتحًا بـ (7)(بَابُ اجْتِناَبِ البِدَعِ وَالجَدَلِ) رقم (45).
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك، وأتوب إليك".
(1) انظر "التدريب" 2/ 120.