الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التفسير
1 -
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ .. } الآية.
وجه المناسبة بينها وبين سورة الأَعراف:
جاءَ في الأَعراف بيان حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أَقوامهم، وجاءَ في الأَنفال: ذكر ما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومه.
وجاءَ في الأعراف: أَن القرآن هدى ورحمة، وذلك في قوله تعالى:{هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، كما جاءَ فيها الأَمر بالاستماع له إِذا قرئ، وذلك في قوله تعالى:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .
وجاءَ في الأَنفال: ذكر حال المؤمنين عند ذكر الله فيه، وذلك قوله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ، إِلى غير ذلك من المناسبات.
وقدمت سورة الأَنفال على التوبة لتصديرها بالبسملة، وحذفها من التوبة ليكونا كسورة واحدة فإِن موضوعهما واحد.
سبب النزول:
أَن المسلمين اختلفوا في قسمة غنائم "بدر" فسأَلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم، ولمن الحكم في قسمتها، للمهاجرين، أَم للأَنصار، أَم لهم جميعًا، فنزلت الآية لبيان أَن الحكم في قسمتها بين المقاتلين يرجع إِلى الله ورسوله.
والأَنفال الغنائم، وسميت الغنائم أَنفالا، لأَنها زيادة فيما أَحلَّ الله لهذه الأُمة، مما كان محرما على غيرها، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث له:"وَأُحِلَّتْ لى الْغَنَائِمُ وَلمْ تُحلَّ لِأَحدٍ قَبْلىِ" أَو لأَنها عطية من الله تعالى زائدة على ما هو أَصل الأَجر في الجهاد من الثواب الأُخروى أَو زيادة على السهم لمصلحة يراها الإِمام.
والسائلون هم أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد سأَلوه عن قسمة الغنائم، وعمّن له الحكم فيها كما تقدم في بيان سبب النزول، فأُجيبوا بقوله تعالى:{قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أَي حكمها مختص بالله ورسوله، يحكم الله فيها بحكمته، والرسول يقسمها بحسب حكم الله تعالى، وليس الأَمر في قسمتها مفوضا إلى رأْى أَحد.
وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم غنائم بدر بالسواءِ.
{فَاتَّقُوا اللهَ} : أَي إِذا كان أَمر الغنائم لله وللرسول، فاجعلوا لكم وقاية تقيكم من شر الاختلاف والتخاصم والتنازع وذلك بالرضوخ لحكم الله ورسوله، لتنجوا من عذاب الله تعالى، أَو فاتقوه تعالى في كل ما تأْتون وتذرون من النِّيَّات والعقائد والأَعمال، {وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أَي: وأَصلحوا ما بينكم من الأَحوال والصلات التي تربط بعضكم ببعض، وإِصلاحها بالوفاق والتعاون، والمساواة، وترك الأثرة، لأَن إِصلاح ذات البين واجب، يتوقف عليه قوة الأُمة وعزتها، ومنعتها، وتحفظ به وحدتها.
{وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} : أَي في أَمر الغنائم وغيرها بامتثال أَمر الله، واجتناب نهيه حسبما أبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول يطاع في أَمر الدين، لأَنه مبلغ عن الله تعالى، ومبين لوحيه بالقول والفعل والحكم.
ويتوقف على طاعة الله ورسوله النجاة والفوز بالثواب في الآخرة.
عن أَبي أمامة الباهلى قال: سأَلت عبادة بن الصامت عن الأَنفال فقال: "فِينَا مَعْشرَ أَصحابِ بدرٍ، نزلتْ حين اختلفنَا في النَّفَل، وساءَت فيه أَخلاقُنا فنزعه اللهُ من أَيدينا، وجعله إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسَّمه عن بَوَاءٍ - يقول على السواء" يفسر الراوى البواءَ بالسواءِ، فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وإصلاح ذات البين.
وعن عطاء: كان الإِصلاح بينهم أن دعاهم وقال: اقسموا غنائِمكم بالعدل فقالوا: قد أَكلنا وأَنفقنا فقال: لِيَرُدَّ بعضُكم على بعضَ، {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}: أَي إِن كنتم مؤْمنين، فاتقوا الله، وأَصلحوا ذات بينكم وأَطيعوا الله، ورسوله، فإن كمال الإِيمان يدور على امتثال هذه الأَوامر.
ولأَهمية إصلاح ذات البين، وكمال العناية به وسط الأَمر به، بيْن الأَمر بالتقوى والأَمر بطاعة الله ورسوله. وفي التعبير بقوله تعالى:{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} تنشيط للمخاطبين، وحث لهم على المسارعة إِلى الامتثال.
2 -
قال العلماءُ: هذه الآية تحريض على التزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أَمر به من قسمة الغنيمة، والمراد بالمؤمنين الكاملو الإِيمان، والمراد بذكرهم الله تعالى ذكرهم بقلوبهم لعظمته وسلطانه وجلاله، أَو لوعده ووعيده، ومحاسبته لخلقه، سواء صحب ذلك ذكر اللسان أَم لم يصحبه، وسواء ذكروه بأَنفسهم أَم ذُكِّرُوا به.
وقد وصف الله تعالى المؤْمنين بخمس صفات:
الأُولى: أَنهم إِذا ذكر الله تعالى، خافت وفزعت قلوبهم، استعظاما لشأْنه الجليل وتهيبا منه، ولا شىءَ أَعظم من القرآن في التذكير بالله والتخويف من مخالفته، قال تعالى في سورة الزمر:{اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (1) والاطمئنان المذكور في قوله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (2) لا ينافى الخوف من الله تعالى، لأَنه عبارة عن شرح الصدور بنور المعرفة والتوحيد، وهو يجامع الخوف، وقيل ذكر الله: هو أَن الرجل يهم بمعصيه فيقال له: اتق الله، فيبتعد عنها خوفا من عقابه عز وجل.
الصفة الثانية: أَنه إذا تليت عليهم آيات الله تعالى قوى إِيمانهم وتصديقهم وتيقنهم بربهم، ونشاطهم في أَعمالهم، وزيادة الإِيمان ثابتة بنص القرآن، قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} (3)، والآيات كثيرة في ذلك، وأَيضا فإِن كثرة الأَدلة تقوى المدلول عليه، وتثبته.
الصفة الثالثة: أَنهم على ربهم يتوكلون، فلا يعتمدون على غيره ولا يفوضون أُمورهم لسواه، والتوكل أَعلى مقامات التوحيد، فالمؤْمن يتوجه إليه، وإِياه يدعو فيما يطلب منه، مع الأَخذ بالأَسباب وعدم تركها، ومراعاة سنن الله في الكون التي لا تتبدل، ولا تتغير، ومن تركها كان جاهلا مؤَاخذا.
(1) الزمر: الآية 23
(2)
الرعد الآية: 28
(3)
الفتح: الآية 4
الصفة الرابعة: إِقامة الصلاة، وإِقامتهم الصلاة، قيامهم بها مستوفية لأَركانها من قيام وركوع وسجود، وقراءَة وذكر، ومحافظتهم على مواقيتها، مع الخشوع لله، والاتعاظ بتلاوة القرآن، وهذه هي الإقامة التي يستفيد بها صاحبها ما جعله الله تعالى ثمرة للصلاة، الانتهاءُ عن الفحشاءِ والمنكر.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} : أَي ومما أَعطيناهم من الرزق، ينفقون في وجوه البر والخير، امتثالا لأَمر الله عز وجل، ثم وصف الله تعالى إِيمانهم بقوله:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} : أَي أُولئك الذين ذكرت صفاتهم الحميدة، هم المؤْمنون حيث جمعوا، بين أَفاضل الأَعمال القلبية، وأَعمال الجوارح، وفي التعبير بقوله تعالى:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} إِشارة إِلى علو مكانة أُولئك المؤْمنين، المتصفين بتلك الصفات، وانحصار الإِيمان فيهم، حتى كأَن سواهم ليسوا بمؤْمنين، لأَن الإِيمان بلا ثمرة، هو والعدم سواء، ثم بين جزاءهم بقوله عز وجل:{لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} من الكرامة والزلفى، والدرجات العلية في الجنة، وفي التعبير بقوله:{عِنْدَ رَبِّهِمْ} إيذان بأَن ما وعدهم الله به من الدرجات، متيقن الحصول، مأْمون الفوات حيث إِنه ربهم ومالك أَمرهم.
{وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أَي وستر لذنوبهم وعطاء كريم لا ينقضى أَمده، ولا ينتهى عدده، وهو ما أَعده لهم في الجنة مما لا عين رأَت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والكريم من كل شيءٍ أحسنه.
المفردات:
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ} : أَي أَخرجك من بيتك بالمدينة إلى بدر {بِالْحَقِّ} : أَي بالحكمة والصواب {يُجَادِلُونَكَ} : يراجعونك، {في الْحَقِّ} المراد بالحق هنا القتال - وسيأتى بيانه {إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ}: العير أَو النفير.
{غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ} : الشوكة الشدة والقوة، ويقال: السلاح، وغير ذات الشوكة: العير التي ليس فيها قتال.
{يُحِقُّ الْحَقَّ} : يظهره ويعلنه - {بِكَلِمَاتِهِ} : بأَمره لكم بالقتال أَو بوعده لكم بإِظهار الدين وإِعزازه.
{لِيُحِقَّ الْحَقَّ} : ليظهر الإِسلام - {وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} : المراد بإبطال الباطل أَن لا يجعل له شوكة.
التفسير
5 -
هذه الآية الكريمة هي بداية الحديث عن غزوة بدر، وقد تقدمها بيان حكم الأَنفال، أَي الغنائم، لأَن السورة نزلت بعد اختلاف المسلمين على قسمة أَنفالها - كما تقدم بيانه - فكانَ بيان حكمها أَهم ليحسم الخلاف بين المسلمين.
قال المبرد في معنى الآية ما يلى:
الأَنفال ثابتة لله والرسول وإِن كرهوا، كما أَخرجك ربك من بيتك بالحق وإِن كرهوا، وقال غيره: امض لحكم ربك في الغنائم وإِن كرهوا، كما مضيت لأَمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وإِن كرهوا.
وأَقرب المعانى في وصل هذه الآية بما قبلها أَن يقال: حال المؤْمنين في كراهتهم قسمة الغنائم بحكم الله بعد اختلافهم عليها كحالهم في كراهتهم القتال حينما أَخرجك ربك من بيتك بالحق - وهو الظفر بإِحدى الطائفتين العير أَو النفير - وهم لقتال النفير كارهون - وسبب كراهتهم لقتال الكفار في غزوة بدر، أَنهم خرجوا وهم غير مستعدين استعدادا كاملا للقتال، فإِنهم خرجوا للقاءِ أَبي سفيان ومن معه للاستيلاء على القافلة التي قدموا بها من الشام بتجارتهم، ولم يكن فيها سوى قلة من الرجال وكان الاستيلاء عليها أَمرا يهم المسلمين، لأَن ذلك يقصم ظهور المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَموالهم واستولوا عليها، وتفصيل ذلك أَن عير قريش لما أَقبلت أَخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمها، فعرض النبي صلى الله عليه وسلم على المسلمين أَن يخرجوا للاستيلاءِ عليها، فأَعجبهم تلقى العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أَهل مكة خبر خروجهم فنادى أَبو جهل فوق الكعبة: يا أَهل مكة. النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أَموالكم إِن أَصابها محمَّد لم تفلحوا بعدها أَبدا، فخرج أَبو جهل بجميع أَهل مكة، فقيل له: إِن العير أَخذت طريق الساحل ونجت فأرجع بالناس إِلى مكة فقال: واللات والعزى لا يكون ذلك أَبدا حتى ننحر الجزر ونشرب الخمور، ونقيم القينات والمعازف بِبَدْرٍ، فيتسامع جميع العرب بخروجنا وأَنَّ محمدا لم يصب العير، وأَنَّا قد أَخفناه، فمضى بهم إِلى "بدر"(1)، فنزل
(1) بدر: اسم بئر حفرها بدر بن قريش بين مكة والمدينة، كان العرب مجتمعون حولها في سوق سنوية لهم.
جبريل عليه السلام، وقَال يا مُحَمِدُ إِنَّ اللهَ وعَدكم إِحدى الطائفتينِ، إِمّا العيرُ، وإِمّا النفير - أَي مشركى مكة - فاستشار النبىُّ صلى الله عليه وسلم أَصحابه فقال ما تقولون؟ إِن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول، فالعير أَحب إِليكم أَم النفير .. ؟ فقالوا: بل العير أَحب إِلينا من لقاءِ العدو، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رد عليهم فقال: "إِنَّ العيرَ قد مضَت على سَاحِل البحر، وَهَذا نَفِيرُ قريشٍ قَد أَقبَلَ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ عَليَك بالعيرِ ودعِ العدو
…
فقام أَبو بكر وعمر رضي الله عنهما فتحدثا فأَحسنا، ثم قال المقداد بن عمرو رضي الله عنه: يا رسول الله، امض لما أَمرك الله فإِنا معك حيثما أَحببت، لا نقول لك كما قال بنو إِسرائيل لموسىِ عليه السلام: "اذْهَب أَنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا هَاهنَا قَاعِدونَ؛ وَلَكنِ اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ .... ، فوالَّذِى بعثَك بالحقِّ لو سِرتَ بنَا إِلى بَرْك الغِماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له ثم قال: أَشِيرُوا عَلىَّ أَيُّها الناسُ - وهو يريد الأَنصار - لأَنهم قالوا له حين بايعوه عند العقبة، إِنَّا برآء من ذمتك (1) حتى تصل إِلى ديارنا، فإِذا وصلت إِلينا فأَنت في ذِمَّتِنا، نمنعك مما نمنع منه أَبناءَنا ونساءَنا، فكان صلى الله عليه وسلم يتخوف أن تكون الأَنصار لا ترى عليهم نصرته، إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال: لكأَنك تريدنا يا رسول الله: قال: أَجل، قال: آمنَّا بِك، وصدَّقناك وشهدنا أَنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ وأَعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمعِ والطاعةِ، فامضِ يا رسولَ اللهِ لما أَردتَ فنحنُ معك، فوالَّذى بعَثك بالحقَّ لَوْ استعرضتَ بِنَا هذا البحرَ فخضتَه لخضنَاه معك ما تخلف منَّا رجل واحد، وما نكره أَن تَلقى بِنَا عدونا، وإِنَّا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاءِ، ولعلَ الله يُريك منَّا مَا تقرّ به عينُك، فَسِر بِنَا على بركة الله
…
ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسرّه قول سعد بن معاذ ثم قال: سيروا على بركة الله، وأَبشروا فإِن الله قد وعدنى إِحدى الطائفتين والله لكأَنى الآن أَنظر إِلى مصارع القوم.
6 -
المعنى: يراجعونك في الحق - وهو لقاءِ النفير - أَي جيش العدو - ويؤثرون عليه لقاءَ العير للاستيلاءِ على تجارتهم، مع أن في لقاءِ النفير عز المسلمين وإِلقاء الرعب في قلوب أَعدائهم، فلقد قال بعضهم: إِنما خرجنا للقاءِ العير، ولم نستعد للقاءِ العدو.
(1) الذمة: العهد.
وقد وعدهم الله تعالى إِحدى الطائفتين من غير تعيين، فتعلقت آمالهم بطائفة العير القادمة من الشام لأَنها كسب عظيم لهم لا يحتاج إلى مشقة كبيرة، في إحرازه والحصول عليه لضعف حاميته، ولذلك لم يستعدوا للقاءِ العدو، وتخلف كثير من الصحابة بالمدينة.
ثم ظهر لهمَ أنَّها فاتتهم وقد بنت، وأَن طائفة النفير قد خرجت من مكة بكل ما عند قريش من قوة، وقد قربتَ منهم، وأَنه تعيّن عليهم قتالها، وأَنها هي الطائفة التي وعدهم الله - تعالى - لأَنه لم يبق غيرها، فصعب على بعضهم لقاؤها لقلة عددهم وعُدَدِهم، ولعدم استعدادهم، فطفقوا يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تبين لهم الحق، فقالوا ما قالوه من عبارات الإِقدام على لقاءِ العدو كما مرّ بيانه.
{كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} :
أَي كأنهم لفرط جزعهم ورعبهم يساقون إِلى الموت سوقا لا مهرب منه، وهم ينظرون إِليه بأَعينهم، ولم يدر بخلدَهم أَن الله تعالى وعد رسوله والمؤمنين الظفر بالمشركين وذلك ما حكاه الله بقوله:
7 -
{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} :
هذا كلام مستأْنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما هم فيه من الجزع وقلة الحزم، لعدم استعدادهم الحربى لقتال جيش فاجأَهم، ولم يكونوا يدرون أَنه ملاقيهم، فقد خرجوا للقاءِ - العير كما تقدم -.
والمعنى: واذكروا وقت أَن وعدكم الله إِحدى الطائفتين - العير أَو النفير - أَنها لكم تتسلطون عليها، وتتصرفون فيها كيف شئتم: طائفة أَبي سفيان مع التجارة، أَو طائفة أَبي جهل مع الرجال الذين خرجوا من مكة لحربكم.
{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} :
المراد بغير ذات الشوكة: العِير، فإنها لم يكن لها شوكة أَي قوة لقلة الرجال فيها حيث لم يكن فيها إلا أَربعون فارسا.
وفي هذا التعبير تعريض بكراهيتهم للقتال وطمعهم في المال.
{وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} : هذا معطوف على تودون منتظم معه في سلك التذكير ....
والمعنى: واذكروا وقت وعده تعالى إِياكم إِحدى الطائفتين، وأَنتم تحبون ملاقاة أَدناها، والله يحب أَن تلاقوا أَعلاها ليظهر الحق الذي أَراده بوعده لكم إِحدى الطائفتين من غير تعيين، وبينه بكلماته المنزلة على رسولهِ صلى الله عليه وسلم في محاربة ذات الشوكة، أَو يريد الله ذات الشوكة ليثبت الحق ويعليه بأَمره الملائكة بإِمدادكم، وبما قضى من أَسر المشركين وقتلهم وطرح صناديدهم في قليب بدر، وإِظهار الدين وإعزازه.
{وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} : أَي ويفنى آخر مشركى مكة وأَعوانهم ويستأْصلهم فإِن دابر القوم آخرهم الذي يكون من ورائهم، ولن يصل إِليه الهلاك إِلا بهلاك من قبله، والمراد إِهلاكهم جميعا، وقد هلك أَكابرهم وعصابة المستهزئين، وهم أَئمة الكفر في مكة
…
والمعنى: أَنكم تريدون سَفْسَافَ الأُمور، والله يريد معاليها، فإِنه يريد ما يُعْلِى كلمة الحق، ويسمو برتبة الدين وأنتم تريدون الغنائم السهلة، وشتَّان بين المرادين.
8 -
{لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ} : أَي يقره ويُثَبَّتهُ لأَنه الحق والمراد به الإِسلام أَي أَنه تعالى اختار لكم ذات الشوكة: ليظهر الإِسلام - وهو الحق - ويبطل الباطل - وهو الشرك، بنصركم على أَهله.
{وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} : أَي ولو كره المشركون أَصحاب الاعتداءِ والطغيان.
وليس في الآية تكرار، فالحق الأَول هو القتال لطائفة النفير مع ضمان النصر، والحق الثاني هو الإِسلام، وهو المقصد: والأَول هو الوسيلة له.
المفردات:
{تَسْتَغِيثُونَ} : تطلبون الغوث والنصر على عدوكم، والغوث التخليص من الشدة.
{فَاسْتَجَابَ} : فأَجاب دعاءَكم.
{مُرْدِفِينَ} : أَي مُتْبِعين بعضهم بعضا، بأَن يكون بعضهم في إِثر بعض، أَو مُتْبِعين المؤْمنين لهم، بأَن يكونوا خلفهم.
{وَلِتَطْمَئِنَّ} : لتسكن.
{عَزِيزٌ} : لا يغالَب في حكمه.
{حَكِيمٌ} : يفعل ما تقتضيه الحكمة والمصلحة.
التفسير
9 -
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} : سبب النزول: عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إِلى أَصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا، ونظر إِلى المشركين فإِذا هم أَلف وزيادة، فاستقبل نبى الله القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أَنجز لى ما وعدتنى، اللهم إِن تَهْلَكْ هذه العصابةُ لا تُعْبدْ في الأَرض، فما زال يهتف مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أَبو بكر رضي الله عنه فأَخذ رداءه فأَلقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه، وقال يا نبى الله: كفاك مُنَاشدَتَك ربّك فإِنه سينجز لك ما وعدك. فأَنزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الآية .... فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلا وأُسر سبعون.
وقد جاءت هذه الآية الكريمة تذكيرًا للمؤمنين بأَنه تعالى لم يتخل عنهم حين لجأْوا إِليه واستغاثوا به، وقتما رأَوا قلتهم وضعف استعدادهم أمام جيش المشركين الكثير العدد، القوى الاستعداد، بل أَمدهم بالملائكة من عنده.
وقد أسندت الاستغاثة في الآية إِلى المؤمنين، مع أَن سبب النزول الذي تقدم ذكره يحكى أنها كانت من النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعبّر باستغاثته عمّا في نفوس المؤمنين، وجرت به أَلسنتهم من لجوئهم إِلى الله - تعالى - لينصرهم.
والمعنى:
واذكروا أَيها المؤمنون حين كنتم تستغيثون ربكم، وتطلبون منه النصر على عدوكم الذي جاء بخيله ورجله، وعَدَدِه، وعُدَّتهُ، وأَنتم لم تكونوا مستعدين للقائه حيث كنتم تريدون العِير، ولا علم لكم بالنفير، فأَجاب استغاثتكم ودعاءَكم بأَنى ممدكم بأَلف من الملائكة مردفين أَي متتابعين، بعضُهم في إِثر بعض، كأَنما يردف بعضهم بعضا، أَي يتبعه إِياه .... ويجوز أَن يكون معنى {مُرْدِفِينَ} متبعين المؤمنين لهم بأَن يتقدموهم في المعركة ليطمئنوهم ويثبتوهم.
10 -
{وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} : أَي وما جعل الله إِمدادكم بالملائكة عيانا لأَمر من الأُمور، إِلا ليبشركم بأَنكم منتصرون، ولتطمئن به قلوبكم، وتسكن به نفوسكم، ويزول خوفكم واضطرابكم. فتثبتوا ويتم لكم النصر.
وفي قصر الإِمداد بالملائكة على البشرى والطمأْنينة: إِشعار بعدم مباشرتهم للقتال وأَن الغرض منه هو تقوية قلوب المؤمنين المقاتلين، وتكثير عددهم. أَمام المشركين، وسيأْتى بسط الكلام في ذلك قريبا.
{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ} : أَي وما النصر في الحقيقة إلا من عند الله تعالى، ولكنه - سبحانه - أَجرى سنته على ربط المسببات بالأَسباب، ليأْخذ بها العباد.
{إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ} : لا ينَازَعُ في حُكْمِه، ولا يغالَبُ في أَقضيته.
{حَكِيمٌ} : يفعل كل ما يفعله لحكمة ومصلحة، ولذا أَمدكم بأَسباب النصر على عدوكم، فتمَّ لكم بفضله النصر عليهم، وكذلك يسلط الله الحق على الباطل ليدمغه فإِذا هو زاهق، فثقوا باللهِ وتوكلوا عليه، ولا تقنطوا من حصول النصر إذا كثر أَعداؤكم، بل أَدوا واجبكم من الثبات والصبر، والكفاح على قدر طاقتكم، والله يعينكم وينصركم، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1).
(1) البقرة: الآية 249
المفردات:
{يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ} : أَي يُغَطِّيكم الله ويشملكم بالنعاس، والنعاس فتور في الحواس وأَعصاب الرأْس، يعقبه النوم، يضعف الإِدراك ولا يزيله.
{أَمَنَةً مِنْهُ} : أَي أَمنا من الله وطمأْنينة.
{رِجْزَ الشَّيْطَانِ} : أَي وسوسته وتخويفه لهم.
{وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} : الربط الشد، ويقال لكل من صبر على أَمر ربط على قلبه.
{الرُّعْبَ} : الخوف والفزع.
{كُلَّ بَنَانٍ} : أَي كل طرف من أَطراف الأَصابع من اليدين والرجلين، وقيل:
كل أصبع من الأَصابع، وتطلق البنان أيضًا على كل طرف من أَطراف الإِنسان كاليد والرجل.
{شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} : المشاقة: المعاداة والمخالفة.
التفسير
11 -
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} الآية.
بعد أَن ذكر الله سبحانه استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم والمؤْمنين بربهم في غزوة بدر، واستجابته لهم، بإِمدادهم بالملائكة للبشرى بالنصر، ولاطمئنان قلوبهم، ذكر منَّةً أُخرى، هي جعله النعاس غالبا عليهم، مغطيا لمشاعرهم، تأْمينا لهم من الخوف الذي كان يساورهم، من الفَرْق العظيم بينهم وبين عدوهم، في العدد والعدة.
وإِنما كان النعاس مانعا من الخوف، لأَنه ضرب من الذهول والغفلة عن الخطر، وكان في الليلة السابقة للقتال، لتستريح أَعصابهم، فيصبحوا مقبلين على المعركة بجد ونشاط، وقد جاء في هذا النعاس عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أَنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد بن الأَسود ولقد رأَيناه وما فينا إِلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصلى تحت شجرة حتى أَصبح.
{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ .... } الآية.
تحكى هذه الجملة نعمة أُخرى، كان لها شأْن كبير في النصر على المشركين، وكان جيش المسلمين قد نزل بعدوة الوادى القريبة من المدينة، بعيدا عن الماءِ في أَرض رملية وسبخة، أَمّا المشركون فقد نزلوا على ماءِ بدر بالعدوة القصوى في أَرض جلدة، فأَصبح المسلمون لا يجدون الماء ليشربوا ويغتسلوا ويتوضأُوا.
فكان هذا الموقف مزرعة لأَحاديث الشيطان النَّفْسِيَّة، المحطمة للعزائم المدمرة للقلوب، فلقد حدثهم أَن العطش سوف يضعف قواهم، ويساعد المشركين في القضاء عليهم، فأَدرك الله المؤمنين بلطفه، وأَنزل عليهم من السماءِ مطرا سال به الوادى، فشربوا واتخذوا الحياض على عدوة الوادى الدنيا، واغتسلوا وتوضأُوا وملأُوا الأَسقية وتلبدت الأَرض السبخة حتى ثبتت عليها الأَقدام، على حين كان المطر كارثة على المشركين، فقد تحولت به أَرضهم الجلدة إلى أَو حال لا يقدرون معها على الحركة في القتال.
وبهذه النعمة أَذهب الله عن المسلمين رجز الشيطان ووسوسته وحقق لهم النصر، والمعنى: وينزل عليكم من السماءِ غيثا، لكي يطهركم به من الأَحداث، ومن وعثاءِ السفر، ولكى
يذهب عنكم وسوسة الشيطان، وليربط على قلوبكم ويشدها بالصبر والطمأْنينة وليثبت به الأَقدام عند لقاءِ المشركين.
12 -
أَي واذكر يا محمَّد للمؤمنين نعمة أُخرى أَنعم الله بها عليهم، حين يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى معكم في تثبيتكم للمؤمنين، فثبِّتوا الذين آمنوا لينتصروا على أَعدائهم.
واختلفوا في كيفية تثبيت الملائكة للمؤمنين في غزوة بدر الكبرى، فقال جماعة: إِنهم ثبَّتوهم بالبشارة وتكثير عددهم، ونحوهما، مما تقوى به قلوبهم، وتشتد عزائمهم في القتال، فإِن الآية لم تصرح بأُسلوب التثبيت حتى يحمل عليه فيها، ولم يكن تثبيتهم بالقتال معهم، لأَن الملك الواحد كفيل بإِهلاك قريش لو كان يقاتل المشركين مع المؤْمنين، فحيث كان المثبتون من الملائكة أَلفا أَو أَكثر، فلا بد أَن تثبيتهم معنوى لا قتالى، ولذا - قال تعالى -، عقب الأَمر بالتثبيت:{سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} وقد روى أن الملك كان يتشبه بالرجل الذي يعرفونه، فيقول: أَبشروا فإِن الله ناصركم. وقال آخرون: أُمروا بمحاربة المشركين، وجعلوا قوله تعالى:{فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسيرًا لقوله سبحانه: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} روى أَنهم كانوا يرَوْن رءُوسا تسقط عن الأَعناق من غير ضارب، وروى عن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال: لقد رأَيتُنا يوم بدر، وإن أَحدنا ليشير بسيفه إِلى المشرك، فتقع رأْسه عن جسده قبل أَن يصل إِليه السيف.
والمتأَمل في هذه الروايات يجدها بلا أَسانيد صحيحة، فلا يمكن التعويل عليها، فالراجح أَن الملائكة لم يقاتلوا، بل كانوا يثبتون المؤمنين بالقول ويكثرون عددهم أَمام العدو، ليُصابُوا بالرعب منهم.
وعلى هذا يكون قوله تعالى: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} خطابا للمؤمنين، فكأَنه - تعالى - يقول لهم: سأُلقى في قلوب الذين كفروا الفزع والخوف منكم، لتتمكنوا من إِصابتهم، فاضربوهم فوق الأَعناق، واضربوا منهم كل بنان،
فلن يقدروا عليكم، والمراد بالضرب فوق الأَعناق، ضربهم في أَعاليها سواء أَكان الضرب في الرقاب أَم في الرءوس، والمراد بضرب كل كان: أَن يضربوا أَصابعهم أَو أَطراف أَبدانهم، كالأيدى والأَرجل، فكل ذلك يطلق عليه كان، حقيقة أَو مجازا.
13 -
أَي ذلك الذي تقدم من الجمع بين ضرب الرقاب وضرب الأَطراف، حاصل بسبب أَنهم خالفوا الله ورسوله، ومن يخالف الله ورسوله ويتنكر لدينه، عاقبه الله فإِن الله شديد العقاب وقد عاقبهم الله بذلك في الدنيا، وسوف يعاقبون بأَشد منه في الآخرة، ولذا عقبه - تعالى - بقوله:
14 -
{ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} : أَي ذلكم العقاب العاجل في الدنيا فذوقوه، وأَن لكم في الآخرة عذاب النار بسبب كفركم.
المفردات:
{زَحْفًا} : الزحف في الأَصل مصدر زحف الصبى إِذا دبَّ قليلًا قليلًا وهو جالس، أَو حبا وهو يجُرُّ رجليه، ثم أُطلق على المشى الثقيل المتوالى وعلى الجيش إذا كثر، لأَن حركته بطيئة بالنسبة لحركة الفرد، والمراد به في الآية المعنى الأَخير.
{فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} : فلا تديروا ظهوركم لهم، والمقصود نهيهم عن الفرار من قتال العدو بأَية صورة.
{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} : قال في مجمع البيان: التَّحرُّفُ في الأَصل الزوال عن جهة الاستواء إِلى جهة الحرف. اهـ والمقصود من قوله: {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ} إباحة استدبار العدو والفرار من وجهه لغرض حربى، كالوقوف في موقف أَصلح للقتال، أَو قتال طائفة أُخرى أَهم ممن يلاقونهم.
{أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} : أَي منحازا ومنضما إلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم.
{بَاءَ} : أَي رجع.
التفسير
15 -
هذا خطاب للمؤمنين الذين هم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن سيأْتى بعدهم إِلى يوم القيامة، كلفهم الله فيه بالثبات عند لقاءِ الكفار في حروبهم معهم، جىءَ به في تضاعيف قصة بدر، إظهارًا للاعتناء به، وحثًّا على المحافظة عليه، فإِن فيه عزّ المسلمين وسلامتهم وسلامة دينهم.
والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا إذا لقيتم في القتال أَعداءكم الكفرة، وهم جمع كثير، وأنتم عدد قليل - كما كان الحال في غزوة بدر - أَو كنتم مثلهم أَو أكثر منهم عددا، فلا تولوهم أَدباركم، ولا تَفرُّوا من لقائهم، بل اصبروا واثبتوا، فإِن النصر مع الثبات والصبر.
16 -
ومن يولّ الكفار يوم اللقاء دبره، ويفر من القتال، إِلا متحرفا لقتال بأَن يترك موقفه إلى موقف أصلح منه للظفر بالعدو، أَو يتجه إِلى قتال طائفة أُخرى من الأَعدءِ، أَو كان منحازا إِلى جماعة أُخرى من المؤمنين ليقاتل معهم: من يول الكفار في القتال دبره في غير هذه الأَحوال المستثناة، فقد رجع من الغزو بغضب عظيم من الله، ومرجعه في الآخرة ومآله جهنم وبئس المرجع والمصير.
وفي الآية دليل على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف لقتال أَو المتحيز إِلى فئة - أَخرج الشيخان وغيرهما عن أَبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنه قاله: "اجْتَنِبُوا السَّبعَ الموبقَاتِ، قالوا يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: "الشِّرْكُ بالله، والسِّحْرُ، وقتلُ النفسَ الَّتي حرَّم اللهُ تَعَالَى إِلَّا بالحقِّ، وَأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، والتولىّ يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المحصَناتِ الغافِلَاتِ المؤمِناتِ".
واعلم أَن أَكثر أَهل العلم ذهبوا إِلى أَن حرمة الفرار إذا لم يكن العدو أَكثر من الضعف، لقوله تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1) وأَخرج الشافعى وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أَنه قال: من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن فر من اثنين فَقَدْ فَرَّ.
وعن محمَّد بن الحسن: أَن المسلمين إذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار أصلا لحديث ورد في ذلك (2).
والظاهر أَن الأمر متروك لقائد المعركة الأَمين الشجاع، فإِن رأَى الثبات أمام العدو: ثبت، وإِن رأَى غير ذلك: انسحب بجيشه حتى تتاح فرصة الاستعداد القَوِىِّ للقاء العدو، لئلا يلقى بجنود الله إلى التهلكة في معركة غير متكافئة بسبب كثرة العدد، أَو قوة الأَسلحة وفتكها الذريع.
(1) سورة الأنفال الآية: 66
(2)
جاء في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة" وأحد رواة هذا الحديث أبو سلمة العاملى، وهو متروك الحديث.
المفردات:
{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} : أَي وليعطى الله المؤمنين إعطاءً حسنا من عنده، فهو من الإِبلاء بمعنى الإِعطاء، ومنه قول زهير:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
…
فَأَبْلَاهمَا خير البلاء الذي يُبْلَى (1)
{مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} : أَي مُضعِفُ كيد الكافرين ومبطل حيلهم.
التفسير
17 -
{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ} :
عادت هذه الآية بالحديث إِلى غزوة بدر.
والمعنى: إِذا كان الله تعالى: قد أَمدكم أَيها المؤمنون بأَسباب النصر، من إِنزال الملائكة لتأْييدكم وإِنزال المطر عليكم، وأَمره لكم بالثبات وغير ذلك، فأَنتم لم تقتلوهم بقوتكم وقدرتكم، ولكن الله قتلهم بتأْييدكم وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتسليطكم عليهم.
وقيل إِن المعنى: إِن افتخرتم بقتلهم فلا وجه لافتخاركم، فأَنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وذلك لما روى أَنهم حين انصرفوا من معركة بدر غالبين غانمين، أَقبلوا يتفاخرون، بقول قائلهم: قتلت وأَسرت، وفعلت وتركت، فنزلت الآية لينتهوا عن الافتخار، وليعْزُوا النصر إِلى الفاعل المختار سبحانه وتعالى.
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} : بعد أَن خاطب الله المؤمنين بما تقدم، خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، ليبين للمؤمنين أَن الأَمر لله في شأْن رسوله، كما أَن الأَمر له - سبحانه - في شأْنهم، حتى يتمكن هذا المعنى من نفوسهم، ويستقر في قلوب المؤمنين إِلى يوم الدين.
والمقصود من رميه صلى الله عليه وسلم، ما حدث منه من قذف التراب في وجوه المشركين كما ذكره الحافظ بن حجر وأيَّده بعدة طرق، فعن حكيم بن حزام (2) قال: (لما كان يوم بدر،
(1) أَي فأعطاهما خير العطاء الذي يعطى.
(2)
كان حكيم بن حزام مشركا في وقت غزوة بدر، ثم من الله تعالى عليه بالإِسلام، وكان من خيرة المسلمين.
أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فأَخذ كفًّا من الحصى فاستقبلنا به، فرمى به وقال:(شاهت الوجوه) فانهزمنا، فأَنزل الله عز وجل:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} أَخرجه الطبرانى وإسناده حسن.
وعن ابن عباس أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلى: نَاوِلنى كفًّا من حصى، فناوله فرمى به وجوه القوم، فما بقى أَحد من القوم إِلا امتلأَت عيناه من الحصباء، فنزلت:{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} الآية. أَخرجه الطبرانى، ورجاله رجال الصحيح (2).
وقد اشتمل النص الكريم على نفى الرمى من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ} وإِثباته له بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} وليس هذا من باب التناقض بنفى الشىءِ وإِثباته، فإِن النفى منصب على الرمى من جهة خلقه وخلق آثاره، فِإنه فعل الله وليس فعل الرسول، والإِثبات موجه إِلى كسب الرسول أَي إلى فعله الظاهر.
المعنى:
وما رميتَ يا محمَّد الحصباء المخلوطة بالتراب بقدرتك الذاتية، حين رميتها يوم بدر في وجوه المشركين، فامتلأَت بها عيونهم، وشغلوا بها عن قتالكم، ولكن الله تعالى هو الذي أَلهمك إِلقاءها، وأقدرك على رميهم بها، وأَوصلها مع قلتها إلى عيون المشركين جميعهم، - وهم نحو الأَلف - فالله تعالى هو الذي رماهم بها حقيقة، وأَما رميك لهم فهو بإِقدار الله، ربطا للمسببات بأَسبابها الظاهرة، ولولا ذلك ما حدث الرمى ولا آثاره، واستدل بالآية على أَن أَفعال العباد بخلقه تعالى، وإِنما لهم كسبها ومباشرتها، قال الإِمام الرازى: أَثبت - سبحانه - كونه صلى الله عليه وسلم راميا، ونفى كونه راميا، فوجب حمله على أنه صلى الله عليه وسلم رمى كسبا، والله رمى خلقا.
وقال ابن المنبر: علامة المجاز أَن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته، ثم قال: فلمَّا أَثبت الله سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم، دل على أن نفيه على الحقيقة، وثبوته على المجاز بلا شبهة.
(1) أَي أمر عليا رضي الله عنه بإحضار كف من حصباء الوادى فأحضرها فأخذها الرسول - الخ وسيأتى في الحديث التالى ما يدل على ذلك.
(2)
مجمع الزوائد جـ 6 ص 84
وقد كتب علماء التوحيد في خلق أَفعال العباد، وكتب علماء التفسير في هذه الآية كلاما طويلًا، فمن شاءَ المزيد فليطلبه في المطولات.
{وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : أَي ولكى يعطى المؤمنين عطاء حسنًا في غزوة بدر، سمع استغاثتهم وعلم إِخلاصهم فنصرهم، إن الله سميع لدعائهم واستغاتهم ولكل مسموع، عليم بنياتهم وإِخلاصهم وبكل معلوم.
18 -
{ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} : الإِشارة بـ {ذَلِكُمْ} راجعة إِلى ما تقدم من البلاء الحسن، والبلاء بمعنى العطاء كما تقدم بيانه.
والمعنى: ذلكم البلاء أَي العطاء الحسن للمؤمنين، وتوهين الله كيد الكافرين وإِبطاله، هما المقصودان من تهيئة أَسباب النصر للمؤمنين على الكافرين.
المفردات:
{تَسْتَفْتِحُوا} : تطلبوا الفتح وهو النصر. {فِئَتُكُمْ} : جماعتكم.
التفسير
19 -
{إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
…
} الآية.
الخطاب في هذه الآية للمشركين، نزلت بعد غزوة بدر وسبب خطابهم بما جاءَ فيها، أَنهم حين أَرادوا الخروج تعلقوا بأَستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أَعلى الجُنْديْن، وأَهدى الفئتين، وأَكرم الحزبين، وفي رواية أَن أَبا جهل قال حين التقى الجمعان: اللهم ربنا، ديننا القديم، ودين محمَّد الحديث، فأَى الدينين كان أَحب إليك وأَرضى عندك، فانصر أَهله اليوم.
والمعنى: إِن تطلبوا - أَيها المشركون - الفتح - أَي النصر - فقد جاءَكم النصر على خلاف ما تشتهون - حيث نصر الله رسوله ودينه - عليكم وعلى دينكم، وإِن تنتهوا عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاداته، فالانتهاء خير لكم من مواصلة حربه، فقد ذقتم بسببها القتل والأَسر والهوان، وإِن تعودوا إِلى قتاله، نعد إِلى نصره عليكم، وتمكينه من إِذلالكم، ولن تدفع عنكم جماعتكم شيئًا من الأَضرار ولو كثرت حشودكم ومقاتلوكم، وحقيقة الأَمر أَن الله مع المؤمنين بالنصر والتأْييد.
التفسير
20 -
بعد أَن بين الله تعالى في آخر الآية السابقة أَنه سبحانه مع المؤمنين، أَمرهم بطاعته.
والمعنى: يأَيها الذين آمنوا أَطيعوا الله ورسوله، بالعمل بما أَنزله الله إِليكم في كتابه، وبينه لكم رسوله، ولا تنصرفوا عن رسوله فيما بيَّنه لكم عن الله، وأَنتم تسمعون القرآن الناطق بالحثِّ على طاعته والثواب عليها، والزجر عن مخالفته والعقاب عليها.
21 -
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} :
أَي ولا تكونوا أَيها المؤمنون مثل المنافقين الذين قالوا بأَفواههم، سمعنا القرآن موهمين بذلك القول أَنهم تَقبَّلُوا ما سمعوه وآمنوا به، وهم في الحقيقة لا يسمعونه سماع تقبُّل وإِذعان، بل سماع نفاق وإِدهان.
المفردات:
{الدَّوَابِّ} جمع دابة، وتتناول الإِنسان والحيوان، مأْخوذة من دبَّ على الأَرض أَي مشى على هِينتِهِ. {الصُّمُّ}: الذين لا يسمعون. {الْبُكْمُ} : الذين لا ينطقون.
{لَتَوَلَّوْا} : لانصرفوا.
التفسير
22 -
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} :
تضمنت هذه الآية الكريمة، بيان سوء حال المشبه بهم في الآية السابقة، وهم الذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، مبالغة في تحذير المؤمنين من التشبه بهم.
والمعنى:
إِن شر من يدب على الأَرض ويمشى عليها، هم أُولئك الصم الذين لا يسمعون، البكم الذين لا ينطقون، الذين لا يعقلون شيئا لفقدهم عقولهم، وقد وصف الله الكافرين بتلك الأَوصاف مع أَنهم يسمعون ويتكلمون ويعقلون، تنزيلا لهم منزلة مَنْ حُرِم من هذه المزايا العظيمة، لأَنهم تركوا الاهتداءَ بها إِلى الحق، وأَهدروا الانتفاع بها فيما يسعدهم في الدنيا والآخرة، فكانوا كمن فقدها، وقد جاءَ وصفهم بأنهم لا يعقلون، بعد وصفهم بالصم البكم تأْكيدًا لسوءِ حالهم، فإِن الأَصم الأَبكم إِذا كان له عقل، يستطيع أَن يَفْهم ويُفهِم غيره بالإِشارة، فإِن فقد العقل فقد بلغ الغاية في سوءِ الحال.
23 -
أَي ولو علم الله في هؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، خيرًا يؤدى بهم إلى الحق، لأَسمعهم سماع تدبر، ينتهى بهم إِلى أَن يعقلوا الحق وينطقوا به، ويسيروا على منهاجه، ولو أَسمعهم القرآن مع ما هم فيه من فقدان الخير وسوء الحال، لانصرفوا وهم معرضون عن تقبُّله والإِيمان به، والعمل بموجبه.
التفسير
24 -
بعد أَن تحدث الله عن الكافرين بأَنهم صم بكم لا يعقلون، عاد بالحديث إِلى المؤمنين، ليرشدهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، وقد تكرر نداؤهم بوصف الإِيمان لتنشيطهم حتى يقبلوا على امتثال ما يَرِدُ بَعْدَهُ من الأَوامر، وتنبيههم إِلى أَن اتصافهم بالإيمان يستوجب ذلك.
والمعنى:
يأَيها الذين شرفهم الله بالإِيمان المستوجب لكل خير، استجيبوا لله وللرسول بحسن الطاعة، إِذا دعاكم الله على لسان رسوله لما يحييكم في الدارين حياة طيِّبة، من الجهاد والاستقامة على منهاج الحق والعدل، والعلم النافع، والعمل الصالح، وثواب الآخرة.
واستدل بعض العلماء بالآية على وجوب إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا نادى أَحدًا وهو في الصلاة، فإِن الأمر يشملها، وعن الشافعى أَن ذلك يبطلها، وأَيد القول بذلك
بما أَخرجه الترمذي والنسائى عن أَبي هريرة أَنه صلى الله عليه وسلم مرَّ على أُبىِّ بن كعب وهو يصلى، فدعاه فعجل في صلاته، ثم جاءَ فقال له النبي:(ما منعك من إِجابتى؟) قال: كنت أصلى، قال:"أَلَمْ تُخْبَرْ فيما أُوحِىَ {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال: بلى ولا أَعود إِن شاء الله تعالى، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "لأُعلمنَك سورةً أَعظمَ سورةٍ في القرآن: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثانى".
ورأَى بعض العلماء أَن إِجابة الرسول في الصلاة، وإِن كانت واجبة كما دل عليه الحديث والآية، إِلا أَنه لا دلالة فيهما على أَنها لا تقطع الصلاة، بل يجب استئنافها من جديد بعد أَن قطعت بإِجابة الرسول صلى الله عليه وسلم وحكى الرويانى أَنها لا تجب، وتبطل الصلاة بها، فإِن المصلى قائم بين يدي ربه، وهو مشغول بطاعته، وما جاءَت الرسالات إِلا لذلك، وإِنما تجب الاستجابة التي دعت الآية إِليها، فيما عدا وقت الاشتغال بالصلاة، ولعل القائلين بذلك لم يطلعوا على هذا الحديث
…
وتوسط بعض العلماءِ بين الرأْيين فقال: إِذا نادى النبي صلى الله عليه وسلم أَحدًا وهو يصلى فإنه يقطع صلاته إذا كان الدعاء لأَمر يفوت بالتأْخير، ومثل ذلك مثل ما إِذا رأَى المصلى رجلًا أَعمى وصل إلى بئر، ولو لم يحذره لهلك، فإِنه يقطع صلاته ويحذره، ثم يستأْنفها، وحمل أَصحاب هذا الرأْى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأُبى بن كعب الذي ورد في الحديث على أَنه كان لأَمر هام بدليل قوله تعالى:{إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} ، فلذلك قال له الرسول:(ما منعك من إجابتى؟) يريد بذلك أَنه كان عليه أَن يقطع صلاته ليجيبه صلى الله عليه وسلم.
ونحن نقول: إن الظاهر أَن ذلك كان في صلاة النافلة، فإِنها لو كانت فرضا لكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى بالمسلمين جماعة وفيهم أُبَىُّ بن كعبِ راوى الحديث، فلا يكون حينئذ مجال لنداء الرسول له، فالأَولى قصر الكلام على صلاة النافلة.
{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} :
قبل الكلام على تفسير هذا النص الكريم نقول:
الحول بين الشيئين الفصل بينهما، تقول هذا الشىء يحول بينى وبينك، تعنى أَنه يفصل بينكما، قال صاحب القاموس:(كل ما حجز بين شيئين فقد حال بينهما) يعني فقد فصل بينهما.
وهذا المعنى غير مُتَصَوَّرٍ في حق الله تعالى، فإِنه - سبحانه - ليس جسما متوسطا بين المرءِ وقلبه، يحول بينهما ويفصل اتصالهما، ولهذا يجب تأْويل قوله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} بما يتفق مع القواعد الشرعية، وقد ذهب المفسرون في تأْويلها مذاهب نختار منها ما يلى:
يرى الحسن وقتادة: أَن هذه مجاز عن شدة قربه - تعالى - من عبده بعلمه فهى، مثل قوله تعالى:{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وفي هذا المعنى تنبيه إِلى أَنه - تعالى - مطلع على مكنونات القلوب، حتى ما يغفل عنه أَصحابها، وأَنه ينبغي أن يبادر العباد إلى تصفيتها من علائق الشيطان، حتى تكون مخلصة لوجه الله الكريم، فكأَنه - سبحانه - بعد أَن أَمرهم في صدر الآية بالاستجابة لله ورسوله، أشار لهم هنا إِلى وجوب الإخلاص في الاستجابة، لأَنه تعالى قريب من قلوبهم بعلمه، يعلم إِخلاصها ونظافتها، ويعلم ضد ذلك، فيجزى كلاًّ منهم حسب حالهم.
والمعنى على هذا: واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله - تعالى - قريب من قلب عبده، يعلم إِخلاصه ونفاقه في الاستجابة لله ولرسوله، واعلموا أَنكم إِليه يوم القيامة تحشرون لا إِلى غيره، فيجزيكم حسب مراتب أَعمالكم التي أَحاط بها علمه.
ويجوز أَن يكون المراد من الآية الحث على المبادرة إِلى الاستجابة لله ورسوله، بالعمل الصالح والنية الطيبة قبل أَن يدرك الإِنسان الموت، فيندم على التقصير.
وكأَنه قيل: واعلموا أَن الله يحول بين المرءِ وقلبه بمنع إِمداده له بالدم الذي هو مادة الحياة، إِذ يقبض روحه، ويبطل نبضه ويمنعه بذلك من التصرف، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من العمل الصالح، وإِخلاص النية، فليبادر المرءُ إِلى الاستجابة لله ورسوله، قبل فوات الفرصة، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون للحساب والجزاءِ.
ويمكن أَيضا أَن يكون المعنى: واعلموا أن الله يحول بين المرءِ وقلبه إِن لم يستجب لله ورسوله، وذلك بأَن يطمس على قلبه فلا يهتدى إِلى رشاد، واعلموا أَنكم إِليه تحشرون، فلا يجد المسىء ما ينقذه من عقابه.
25 -
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} :
أَي واتخذوا لكم وقاية من ذنب لا يقتصر وباله على الذين ظلموا أَنفسهم، بتوريطها في المعاصي، بل يعمهم وغيرهم بشؤمهم. {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: يعاقب من خالفه ولم ينفذ أَوامره، أَو وافق على مخالفته، أَو ترك الإِنكار على المخالفين، وأَهمل وعظهم وتذكيرهم.
والآية الكريمة خطاب للمؤْمنين في كل عصر، فلا يقتصر حكمها على أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمقصود من الآية أَن لا يترك العصاة بدون زجر، بل يؤْخذ على أَيديهم، كما قال صلى الله عليه وسلم:"من رأَى منكم منكرا فليغيره بيده فإِن لم يستطع فبلسانه، فإِن لم يستطع فبقلبه وذلك أَضعف الإِيمان"(1) فإِن لم يفعل المؤْمنون ذلك، وقعوا في الفتنة، أَي أثموا وأَذنبوا، لأَنهم قَصَّرُوا في الأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك لم تقتصر الفتنة - أَي الذنب - على من باشر المعصية وحده، بل عمته وغيره، قال صلى الله عليه وسلم:"إن الناس إِذا رأَوا الظالم فلم يأْخذوا على يده، أَوشك أَن يعمهم الله - تعالى - بعقاب" أَخرجه الترمذي وأَبو داود عن قيس بن حازم عن أَبي بكر رضي الله عنه، وأَخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إِسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤُهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم، {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ".
(1) أخرجه الإِمام مسلم.
التفسير
26 -
{وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ
…
} الآية.
الخطاب هنا للمهاجرين من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: واذكروا أَيها المؤمنون من أهل مكة وقتما كنتم مستضعفين من مشركيها، يؤْذونكم بالقول والفعل، لضعفكم وقلّتكم وهوانِكم عليها، فكنتم لذلك تخافون دائما أَن يتخطفكم مشركو مكة، ويأخذوكم بالإِيذاءِ وسلب الأَموال من آن لآخر، فآواكم الله بالمدينة حين هاجرتم إِليها، إِذ أَنزلكم من أَهلها في مأوى يقيكم شرَّ من استضعفوكم وآذوكم، وأَيدكم وقواكم بنصره بمظاهرة الأَنصار، والإِمداد بالملائكة في بدر، فثأَرتم بذلك ممن أَخرجوكم وآذوكم، ورزقكم الله من الطيبات بما نلتم من المغانم، ولم تحل لأَحد قبلكم، منحكم الله كل هذه النعم لكي تشكروه على إِسدائها.
وقيل: الخطاب عام للمؤمنين في كل عصر، يذكرهم الله فيه بإِنعامه عليهم حين يكون عدوهم أَكثر منهم، يخافون أَن يتخطفوهم لكثرتهم، فإِنه - تعالى - حينئذ يؤويهم، أَي يحل لهم مأْوى يتحصنون به من أَعدائهم، ويؤَيدهم وينصرهم عليهم، ويرزقهم من طيبات الأَرض التي يستولون عليها منهم، كما يرزقهم من مغانمهم.
والرأى الأَول أنسب بالحديث عن غزوة بدر التي جاءت هذه السورة لتفصيل شئونها.
المفردات:
{لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ} : الخيانة بمعنى الانتقاص ممّا ائتمنت عليه، والمراد بها هنا عدم العمل بما أَمر الله به ورسوله.
{فِتْنَةٌ} : أَي ابتلاء وامتحانا، أو سبب فتنة، أَي سبب إثم وعذاب إِذا خولف أَمر الله في الأَموال والأَولاد.
التفسير
27 -
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ .... } الآية.
لا يزال الحديث موصولا مع المؤمنين، وسبب نزول الآية، على ما رواه الزهرى وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود بنى قريظة واحدا وعشرين ليلة وفي رواية البيهقي خمسا وعشرين ليلة، فسأَلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح كما صالح إِخوانهم بنى النضير، على أَن يسيروا إِلى إِخوانهم بأَذرعات من أَرض الشام، فأَبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أَن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ (1)، فأَبوا وقالوا أَرسل لنا أبا لبابة رفاعة بن عبد المنذر، وكان مناصحا لهم؛ لأَن ماله وعياله كانوا لديهم فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَتاهم، فقالوا: يا أَبا لبابة ما ترى؟ أَننزل على حكم سعد بن معاذ، فأَشار بيده إِلى حلقه - يعني أنه الذبح فلا تفعلوا - قال أبو لبابة: والله ما زالت قَدمَاىَ عن مكانهما، حتى عرفت أَنى قد خنت الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، ثم انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشد نفسه على سارية من سوارى المسجد، وقال: والله لا أَذوق طعاما ولا شرابا حتى أَموتَ أو يتوب الله علىَّ، فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره قال: أَمَا لو جاءنى لاستغفرت الله له، أما إِذ فعل ما فعل، فإنى لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أَيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خرَّ مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أَبا لبابة قد تيب عليك، فقال والله لا أَحل نفسى حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلنى، فجاءه عليه الصلاة والسلام فحله بيده، ثم قال أَبو لبابة: إِن تمام توبتى أَن أَهجر دار قومى التي أَصبت فيها الذنب، وأَن أَنخلع من مالى، فقال صلى الله عليه وسلم: يَجْزيك الثلث أَن تصَّدَّق به، ونزلت هذه الآية.
(1) وسبب امتناع الرسول عن إجابتهم، أنهم خانوا عهدهم معه وانضموا إلى قريش في غزوة الخندق، وكادت تحصل بانضمامهم لهم كارثة للمسلمين، لولا لطف الله، راجع قصتهم في السيرة.
وذكر آخرون في سبب النزول غير ما تقدم، ولا مانع أَن تنزل الآية لعدة أَسباب من نوع خيانة الأَمانة.
ومضمون الآية شامل لجميع المؤمنين، ولكل مأمور به أَو منهى عنه، فإِن أمانات الله ورسوله تشمل جميع التكاليف ولذا جاءت بالأسلوب العام.
والمعنى:
يا أَيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا ما كُلِّفتم به من التكاليف فهي أمانات الله لديكم، فلا تتركوا فريضة فرضها عليكم، ولا تباشروا منهيا عنه حرمه عليكم كإِفشاء سرٍّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أَو للمسلمين، أَو إِنكار أَمانة مودعة لديكم، أَو غُلول في مغنم، وأَنتم تميزون الحلال من الحرام، والحسن من القبيح والضر من النفع، وتعلمون تبعة خيانة الأَمانة وعقابها.
التفسير
28 -
{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} :
أَي وليكن معلوما لديكم ومستقرا في نفوسكم أَن أموالكم وأولادكم امتحان من الله لكم، فلا تجمعوا أَموالكم من مصادر أَثيمة، ولا تصرفوها في أَغراض محرمة، ولا يحملنكم حبكم لأَولادكم على معصية الله تعالى بسرقة مال أَو طلب رشوة، أَو سوء تربية أو غير ذلك مما حرمه الله، واعلموا أن الله عنده أجر عظيم وثواب جزيل، لمن مال إِليه وآثر رضاه على محارم الله، فكسبوا أَموالهم من حلال، وصرفوها في غير معصية، وربوا أَولادهم على طاعة الله وحذروهم من نقمته.
المفردات:
{يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} : يجعل لكم هداية تفرقون بها بين الحق والباطل، أَو نصرا يفرّق بين حقكم وباطل سواكم.
التفسير
29 -
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ..... } الآية:
بعد أَن نهى الله المؤمنين عن خيانة الله ورسوله، وخيانة الأَمانات، وحذرهم من الفتنة بالأَموال والأَولاد، كلفهم هنا بأَن بتقوه في أَمرهم كله، ووعدهم على ذلك خير الجزاء.
والمعنى: يأَيها الذين آمنوا إِن تتقوا عقاب الله وتخافوا غضبه وسخطه، يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، من الإِلهام إِلى الخير والطاعة والإِعانة عليهما وكراهة الشر والمعصية والوقاية منهما، ومن النصر الذي يفرق بين حقكم وباطل سواكم بإِعزازكم وتكثير سوادكم، وتوسعة رقعة أَرضكم، وإِذلال الكافرين وانتقاص عددهم والاستيلاء على بلادهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يكفر عنكم سيئاتكم ويسترها لكم في الدنيا، ويغفرها لكم ولا يعاقبكم عليها في الأخرى، والله صاحب الفضل العظيم على عباده، فلا يضيق فضله عن تكفير سيئاتكم، وغفران ذنوبكم، وأنتم أَولياؤه.
المفردات:
{يَمْكُرُ} : المكر؛ تبييت نية الشرِّ، {لِيُثْبِتُوكَ}: ليحبسوك ويوثقوك.
{وَيَمْكُرُ اللهُ} : أَي يحبط مكرهم.
التفسير
30 -
{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ .... } الآية.
هذه الآية نقلت الحديث من تحذير المؤمنين من مخالفة الله ورسوله، إِلى بيان عداوة الكافرين وسوء مقاصدهم نحو رسولهم ودينهم، وأن الله محبط كيدهم.
وسبب نزولها: أَن قريشا لما رأَت أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصبحت له شيعة وأَصحاب من أَهل المدينة، ورأَوا هجرة مسلمى مكة إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأَصابوا من أَهلها منعةً، فَحَذِرُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفوا أَنه قد أَجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، وهي دار قصى بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضى أَمرا إِلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون في أمره عليه الصلاة والسلام فقال بعضهم لبعض: إِن هذا الرجل كان من أَمره ما رأَيتم، وإنا والله ما نأمنه، فتشاوروا ثم قال قائل منهم: احبسوه في الحديد وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به أَن يصيبه ما أصاب أَشباهه الشعراء قبله من الموت، فاعترض آخر قائلا: لئن حبستموه كما تقولون، ليخرجن أَمره من وراء هذا الباب إِلى أَصحابه، فَلأوْشكوا أَن يثبُوا عليكم فينزعوه من أَيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أَمركم. ما هذا برأى، فقال آخر: نخرجه من أَرضنا وننفيه من بلادنا، فإِذا خرج عنا؛ فلا نبالى أَين ذهب، وفرغنا منه فأَصلحنا أَمرنا، فرد قائل: والله ما هذا برأى، أَلم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأْتى به، والله
لو فعلتم ما أَمِنْتُم أَن يحل على حىٍّ من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يبايعوه، ثم يسير بهم إِليكم، فيطؤكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم منكم، ثم يفعل بكم ما أَراد، فَكِّروا في رأى آخر، فقال أَبو جهل: أَرى أَن نأْخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدًا، نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى سيفا صارما، ثم يعمدون إِليه، فيضربونه بسيوفهم ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه، فإِنهم إِن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فرضوا عنا بالعقل (1) فعقلناه لهم فقال قائل: هذا هو الرأى؛ فوافقوا عليه، وتفرَّقوا على ذلك.
فأَتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة (2) من الليل، اجتمعوا على داره يرصدونه متى ينام؟ فيثبون عليه، فلما رأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم، قال لعلىٍّ - كرم الله وجهه -: ثم على فراشى وتَسَجَّ ببردى (3) فإِنه لن يخلص إِليك شيء تكرهه منهم وكان الرسول إِذا نام ينام في برده هذا - انتهى: من ابن إِسحاق بتصرف.
والمعنى:
واذكر يا محمَّد حين يمكر بك الذين كفروا من مشركى مكة ويُبِيَّتُون نية الشرّ نحوك ليجعلوك حبيسا في محبس يعدونه لك ويقيِّدونك فيه بالحديد، حتى لا يتصل بك أَحد ممن تدعوهم إِلى الإِسلام، أَو يقتلوك بسيوفهم على أَيدى شبان أَقوياء أَنسباءَ منهم، فيتفرَّق دمك في القبائل، فلا يستطيع بنو عبد مناف أَن ينتقموا لك منهم، أَو يخرجوك من مكة، ويمنعوك بذلك من الاتصال بأَهلها لدعوتهم إِلى الإِسلام، ويحرموك بهذا الإِبعاد من وطنك {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}:
المكر: تبييت نية الشر مع قصد الضرر بالخصم، فإِذا استعملت هذه الكلمة في جانب الله فالمقصود بها المجازاة على المكر كما هنا؛ لأَنه - تعالى - لا يبيِّت نية الشرّ لعباده، ويحب أَن يتوبوا فيرضى عنهم ويغفر لهم.
(1) العقل: الدية.
(2)
العتمة: ثلث الليل الأول.
(3)
أَي تغط ببردى، والبرد: ثوب مخطط.
والمعنى:
ويمكر مشركو مكة برسول الله صلى الله عليه وسلم، بتبييت نية قتله بأَيدى شبان من جميع القبائل، ليتفرق دمه بينها، فلا يقدر بنو عبد مناف على قتال جميع العرب، ويرضون بديته، ولكن الله محبط مكرهم، بتيسير خروجه من بين أولئك الشبان الذين اجتمعوا أَمام بابه ليقتلوه عند خروجه.
وذلك أَنه صلى الله عليه وسلم خرج عليهم ليلا وهم أَيقاظ وبأَيديهم سيوفهم، وكان يقرأ قوله تعالى:{وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} فعموا عنه ولم يبصروه، وسار حتى التقى برفيق هجرته - أَبي بكر رضي الله عنه وسارا حتى بلغا الغار الذي أَويا إِليه حتى ينقطع الطلب، ثم استأنف رحلته مع أَبي بكر على ظهر ناقتين وافاهما بهما عبد الله بن أريقط - وكان هاديا ماهرا أَمينا وكان على دين قومه - حتى وصلا إلى المدينة بسلامة الله تعالى، وبذلك أحبط اللهُ مكرَ قريشٍ، والله خير من يحبط المكر ويجزى أَهله (1).
المفردات:
{أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : ما سطره الأَولون من القَصَص.
التفسير
31 -
{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا
…
} الآية:
المعنى: وإِذا تتلى على قريش آياتنا التي أنزلناها على محمَّد صلى الله عليه وسلم، قالوا
(1) انظر تفصيل قصة الهجرة في كتب السيرة، فقد حدثت فيها أحداث نجى الله رسوله منها "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين".
عنادا وإِباءً للحق: لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن الذي جئتنا به، ما هذا إِلا ما سطَّرهُ الأَولون من القصَصِ والحكايات، وليس كلام الله تعالى، وحيث كان كذلك فنحن قادرون على الإِتيان بمثله. وجمهور المفسرين على أَن قائل هذا هو النضر بن الحرث، كان يذهب إِلى أَرض فارس والروم يتسمع أَخبارهم عن كبارهم، ويذهب إِلى اليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل، وإِسناد هذا القول إِلى قريش، لأَنه كان من زعمائهم وكانوا موافقين على ما يقول.
وهذا القول واضح البطلان، فإنه تحداهم عشر سنين أَن يأتوا بمثله، وجعل يتحداهم حتى نزل بهم إلى سورة واحدة، فلم يستطيعوا إِلى تحقيق زعمهم سبيلا، ثم قارعهم بالسيف فعجزوا عن تحقيق زعمهم، ولو كانوا قادرين لأَبطلوا حجته في إِعجازه وبذلك ينتهى أمره، ولم يزل يكافحهم حتى دانوا للقرآن، ودخلوا في دين الله أَفواجا هم وغيرهم من العرب وسواهم.
ولا يزال هذا التحدى باقيا إِلى أَن تقوم الساعة، وسوف يعجز غيرهم كما عجزوا بل غيرهم أَجدر بالعجز منهم، فهم فرسان البلاغة، والمالكون لأَزمة الفصاحة فكيف بسواهم، وإِعجاز القرآن ليس مقصورا على بلاغته وفصاحته، بل لأنه أيضًا شامل لأَخبار الأَنبياء، مصحح لما جاءَ عنها خطأ في التوراة والإِنجيل، كما هو شامل لما جاءَ فيهما من تشريعات صالحة للبقاء ويزيد عليهما ما هو صالح للجنس البشرى إِلى أَن تقوم الساعة ومن إِعجازه أنه تحدث عن خلق هذا الكون من دخان (غاز) ولم يعرف ذلك العلماء إِلا حديثا، كما تحدث عما سوى ذلك من الكونيات التي أَقرها العلمُ الحديث، إِلى غير ذلك مِن فنون إِعجازه، وكل ذلك جاءَ به سيَّدٌ كريم لا يعرف القراءَة ولا الكتابة كما قال تعالى:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)} (1).
(1) العنكبوت الآية: 48، 49
المفردات:
{يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} : أَي يمنعون المسلمين من الطوافِ بالمسجد الحرام عام الحديبية، حيث كانوا يريدون العمرة.
التفسير
32 -
لا يزال الحديث موصولا في بيان معارضة قريش للدعوة الإِسلامية.
وقائل هذا الكلام هو أَبو جهل بن هشام، كما أَخرجه البخاري والبيهقي في الدلائل، وقيل: قائله النضر بن الحارث، روى أَنه لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} قال له: ويلك إِنه كلام الله تعالى فقال:
{
…
اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ
…
} الآية.
والمعنى:
واذكر أَيها الرسول حين قالت قريش تهكما وكذبا، على لسان زعمائهم: اللهم إن كان هذا الذي جاءَنا به محمَّد هو الحق المنزل من عندك فأَنزل علينا حجارة كثيرة من السماءِ،
أَو ائتنا بعذاب شديد الإِيلام غير إِنزال الحجارة، ليكون ذلك برهانا لنا على أَنه من عندك، أَو ليكون عقوبة لنا على إنكاره ولو كان هؤلاء طلاب حق لطلبوا الهداية إِليه، بدل طلبهم إِنزال العذاب بهم، ولكنه العناد والتكبر على حق جاءَ به سواهم، وإسناد القول إليهم جميعًا مع أن القائل أحدهم، لموافقتهم على ما قال:
33 -
{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} :
جاءَت هذه الآية لبيان السبب في إِمهالهم وعدم التعجيل بعقوبتهم استجابة لدعائهم والمعنى:
وما كان الله ليستأصلهم بالعذاب الذي طلبوه وأَنت بينهم، فقد أَكرمهم الله برسالتك فيهم، فمنع عنهم عذاب الاستئصال الذي كان ينزل بمن قبلهم لكفرهم برسلهم.
والمقصود من الآية الكريمة الإِخبار بأَن تعذيب قريش بعذاب الاستئصال - والنبى صلى الله عليه وسلم بين أَظهرهم - غير مستقيم في حكم الله وقضائه.
{وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} :
أَي وما استقام في حكمنا وقضائنا أيضًا أن يعذبهم الله وفيهم من يستغفره، وإِسناده الاستغفار إِلى جميعهم، مع أَنه صادر من المؤمنين وحدهم، لأَنهم موجودون بينهم.
وعن ابن عباس أَن المراد بالاستغفار استغفار من سيؤمن بعد: والمقصود من كلام ابن عباس أَن السبب الثاني لعدم تعذيبهم، هو أَن الله ادخر لهم الإِيمان، وأَنهم سوف يستغفرون الله تعالى بعده، وقد حدث ذلك عام فتح مكة.
34 -
{وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} :
وأَى سبب لهم يقتضي أَن لا يعذبهم الله، وهم يصدون المؤمنين عن المسجد الحرام، ويمنعونهم منه حقيقة كما كان ذلك عام الحديبية، أَو حكمًا كما فعلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه، حتى أَلجئوهم إِلى الهجرة، وحرموهم بذلك من المسجد الحرام، ولكن الله تعالى إِنما حماهم من عذاب الاستئصال لوجود الرسول فيهم، واستغفار المؤمنين منهم، ولولا ذلك لاستحقوا العذاب لصدهم عن بيت الله وعن دينه.
{وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} : وما كان أولئك المشركون الصادون عن المسجد الحرام مستحقين ولاية أَمره حتى يصدوا المؤمنين عنه بحكم ولا يتهم له، وما المستحقون لولايته إلا المتقون الذين آمنوا بالله ورسوله، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك، فلذا كان منهم ما كان من صدهم المؤمنين عنه.
ونسبة عدم العلم إِلى أَكثرهم، يؤذن بأَن بعضهم يعلمون ذلك، ولكن يجحده عنادا، أَو المراد بالأَكثر الجميع، كما يراد بالقلة العدم، يقال: هذه أَرض قلَّما تنبت، أَي لا تنبت أصلًا.
المفردات:
{صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ} : المراد بالبيت الكعبة، وبصلاتهم عنده الصلاةُ في المسجد الحرام حوله. {مُكَاءً}: صفيرا، من مكا يمكو إذا صفر. {تَصْدِيَةً}: تَصفيقًا، من الصَّدى، وهو رجع الصوت، أَو منِ الصَّدِّ وهو المنع معَ قَلْب إِحدى الدالين ياء. {لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ}: ليمنعوا الناس عن دينه، فهو سبيل موصل إلى رضوانه. {حَسْرَةً}: نَدَمًا وَغمًّا. {يُحْشَرُونَ} : يساقون.
التفسير
35 -
تضمنت الآية السابقة أَن المشركين لا يصلحون لولاية المسجد الحرام، وجاءَت هذه الآية والتي تليها لبيان السبب في عدم صلاحيتهم لذلك، وهو عدم استقامتهم في عبادة ربهم، وصدَّهم الناس عن دين الله.
روى أَنهم كانوا يطوفون عراة رجالا ونساءً، مشبكين بين أَصابعهم، يصفرون فيها ويصفقون، فنزلت الآية لذلك، وعلى هذا تكون تسمية الطواف صلاة لأَنهم يفعلون ذلك عبادة وصلاة في زعمهم، أَو لعلَّهم كانوا يدعون الله - تعالى - أَثناء ذلك والدعاء يسمى في اللغة صلاة.
وروى أَنهم كانوا يفعلون ذلك عندما يصلى النبي صلى الله عليه وسلم، يزعمون أَنهم يصلون، في حين أَنهم كانوا يزيدون بذلك أَن يخلطوا على الرسول صلاته، فنزلت الآية تحكى قبح ما صنعوا.
والمعنى:
وما كان دعاؤهم عند البيت الحرام، أَو ما يسمونه صلاة ويضعونه موضعها، إِلا صفيرا وتصفيقا، ومن كانوا كذلك فلا يصلحون لولاية أَمر البيت ولا يصح لهم أَن يصدُّوا ويمنعوا الناس عنه، إذ أَنهم لا يعرفون ما ينبغي في عبادة رب هذا البيت.
{فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} :
قيل: المراد بالعذاب القتلُ والأَسر يوم بدر، وقيل: عذاب الآخرة ويبدو من إطلاق العذاب، أَن الآية وعيد لهم بما يعمُّ عذاب الدنيا والآخرة، لا بأَحدهما.
والمعنى:
وحيث كانت صلاتكم عند البيت على هذه الصورة من الصفير والتصفيق فإنكم تستحقون عذاب الله، فذوقوا العذاب بسبب كفركم باللهِ وبما يجب له من الإِعظام والإِجلال، في العقيدة والعبادة.
36 -
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ .... } الآية.
نزلت هذه الآية في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنى عشر رجلًا، يطعم كل منهم يوما يذبح فيه عشرا من الإِبل، والآية عامة الحكم وإِن نزلت بسببٍ خاص.
والمعنى:
إِن الذين كفروا بما جاءَ به دين الإِسلام، ينفقون أَموالهم الآن في حرب المسلمين، ليصدُّوا الناس عن دين الله، فسينفقونها مستقبلا في هذا الغرض، ثم تكون عاقبتها عليهم ندما وغمًّا، لضياعها وتلفها دون تحقيق مرادهم، ثم يغلبون آخر الأَمر.
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} :
بعد أَن بين الله في صدر الآية المصير الدنيوى للذين ينفقدن أَموالهم ليصدّوا عن سبيل الله، وهو الحسرة والندامة والهزيمة بيّن - سبحانه - في عجزها المصير الأخروى للكافرين، محاربين وغير محاربين.
والمعنى:
والذين أَصرُّوا على الكفر، إلى جهنم يُساقون لا يبرحونها، فليس بعد الكفر ذنب.
المفردات:
{لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ} : ليعزله ويفرزه: {فَيَرْكُمَهُ} : فيجمعه ويضم بعضه إِلى بعض، قال صاحب القاموس: مازَه يَمِيزُه مَيْزًا عزله وفرزه.
التفسير
37 -
{لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
…
} الآية.
هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة.
والمعنى:
والذين كفروا يُحشرون ويُساقون إِلى جهنم لكي يميز الله الكافر والخبيث المستحق للعقاب، ويفرقه ويعزله عن المؤمن الطيِّب المستحق للثواب، ويجعل الله الخبيث من الكفار بعضه على بعض، فيجمع هذا الصنف الخبيث كله، فيجعله في جهنم جزاء وفاقا لما فعلوا، أولئك هم الخاسرون الكاملون في الخسران، لأَنهم خسروا أَنفسهم والنعيم المقيم الذي فاتهم.
ويجوز أن يكون المعنى: والذين كفروا يُحشرون إِلى جهنم، ليميز الله الخبيث من الطَّيِّب من الناس والأَموال، ويجعل الخبيث من الكفار وأَموالهم، بعضه على بعض، فيجمعه جميعًا، فيجعله في جهنم .... الخ.
وإِنما جمعت أَموالهم معهم على هذا الرأْى ليزداد بها عذابُهم، كما هو الشأْن فيمن يكنزون الذهب والفضة، كما قال تعالى: {
…
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} (1).
المفردات:
{سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} : طريقتهم في انتقام الله منهم، {فِتْنَةٌ}: شركٌ وضلال، {مَوْلَاكُمْ}: ناصركم.
(1) سورة التوبة الآيتان: 34، 35
التفسير
38 -
تحدثت الآيات السابقة عن مساوئ الكافرين، من الصدِّ عن المسجد الحرام وعن الإِسلام، وإِنفاقهم المال في سبيل ذلك، كما بيَّنت عقوبتهم عليهما.
وجاءَت هذه الآية لتفتح لهم باب الأَمل في رحمة الله وغفرانه إن انتهوا عن غيهم، وتتوعَّدهم إِن هم أَصرُّوا على كفرهم بالانتقام منهم.
والمعنى:
قل أيها الرسول للذين كفروا فأَشركوا باللهِ وأَنفقوا المال ليصدوا عن سبيله - وهو الإِسلام - قل لهم: إِن ينتهوا عمَّا هم فيه ويتركوه ويؤمنوا بما جئتهم به، يغفر لهم ما قد مضى من شركهم ومعاصيهم - فإِن الإِسلام يطهرهم من ذنوبهم قبله - وإِن يعودوا إِلى مناوأة الإِسلام، مصرِّين على عداوته والكفر به، فلينتظروا انتقام الله منهم، فقد مضت سنة عقاب الأَولين الذين تَحزَّبُوا على رسلهم وكفروا بهم إِذ عاقبهم الله بشتى العقوبات، ونصر أَنبياءَهم عليهم، وأَعلى كلمتهم، ولستم بأَعظم شأْنا منهم، وقد رأَيتم باكورة انتقامه منكم في غزوة بدر.
39 -
وقاتلوا أَيها المؤمنون هؤلاء المشركين إِن لم ينتهوا عمَّا هم عليه من الشرك - وقاتلوهم - حتى لا يوجد شرك بالقرب منكم، ويكون الدين حولكم لله لتأمنوا غدرهم وشرَّهم، فإِن انتهوا عن الكفر بعد ما أَظهرتم الشدة عليهم، وكَفُّوا عن القتال فكُفُّوا عنهم ودعوهم لله، فإِن الله بما يعملون بصير، فيجازيهم على إِسلامهم، وما يحدث منهم بعده من طاعة ومعصية.
40 -
{وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} :
وإِن استمَروا على توليهم وإِعراضهم عن الإِسلام، فاستمِروا على قتالهم، واعلموا أن الله - تعالى - متولّ أُموركم، فثقوا به وتوكلوا عليه ولا تبالوا بهم، نعم المولى لا يضيع من تولى أَمره، ونعم النصير لا يغلب من نصره.
بسم الله الرحمن الرحيم
المفردات:
{غَنِمْتُمْ} : الغَنِيمَةُ؛ من الغنم وهو الفوز، والمراد بها هنا ما أُخذ من أَموال الكفار بالقتال.
{الْجَمْعَانِ} : جمع المؤمنين وجمع الكفار.
{الْعُدْوَةِ} : طرف الوادى وحافته.
{الدُّنْيَا} : أَي القريبة من المدينة.
{الْقُصْوَى} : البعيدة من المدينة.
{الرَّكْبُ} : العير وراكبوها وهم أَبو سفيان ومن معه.
{عَنْ بَيِّنَةٍ} : أَي عن حُجَّة واضحة.
{لَفَشِلْتُمْ} : لجبنتم وتهيبتم لقاءَ العدو: من الفشل وهو ضعف مع جبن.
{بِذَاتِ الصُّدُورِ} : أَي بما تنطوى عليه القلوب.
التفسير
41 -
أَمر الله رسوله بقتال الكفار حتى تنقطع فتنتهم، بقوله قبل هذه الآية:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} الآية.
وجاءَت هذه الآية تبين حكم الغنائم المتخلفة من قتالهم، وطريق قسمها.
والمعنى: واعلموا أَيها المقاتلون في سبيل الله أَن ما أَخذتموه من الكفار قهرا فواجب أَن لله تعالى وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل خُمْسَهُ، أَما أَخماسه الأَربعة، فهى للمقاتلين.
وذِكرُ الله تعالى مع الرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل مع أَنه تعالى لا يأْخذ من الغنائم شيئًا، لتعظيم حق هذه الجهات في الخمس، ولهذا كان الخمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُخَمَّسُ خمسةَ أَسهم تُوَزَّعُ على هذه الجهات الخمس وأَما بعده صلى الله عليه وسلم فيسقط سهمه، أما سهم ذوى القربى فقد اختلف فيه، فقيل إِنه باق بعده، فيعطى منه للغنى والفقير منهم، وقيل إنه لا يعطى منه لغنيهم، بل يدخلون في سهم اليتامى والمساكين ويسقط سهمهم، فيعطون لفقرهم، وقيل إِن الأَمر مفوض في شأْنهم إِلى اجتهاد الإِمام، وقيل غير ذلك.
ورأَى بعض الفقهاءِ أَن سهم الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق في مصالح المسلمين، كشراءِ السلاح، وتحصين الحدود، وبناءِ المدارس والمستشفيات وغير ذلك، والمراد بذوى القربى بنو هاشم وبنو المطلب دون من عداهم، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إِنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبَّك بين أَصابعه". ولاقتصاره صلى الله عليه وسلم في القسم عليهم دون غيرهم من بني نوفل وعبد شمس قال صلى الله عليه وسلم: "إنهم لم يفارقونى في جاهلية ولا إِسلام" كما في البخاري.
واليتامى: هم أَطفال المسلمين الذين مات آباؤهم.
والمساكين: أَهل الفاقة والحاجة من المسلمين.
وابن السبيل: هو المسافر المحتاج، بشرط أَن يكون سفره في غير معصية.
وقد اختلف العلماءُ في قسمة الأَربعة الأَخماس التي يستحقها المقاتلون، فالذي عليه عامة أَهل العلم، فيما ذكره ابن المنذر أَنه للفارس منهم سهمان، وللراجل سهم، وممن قال بذلك الإِمام مالك والشافعى وأَبو حنيفة، ويرى الصاحبان أَن للفارس ثلاثة أَسهم وهو رأَى ابن عمر، وقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأَخرجه البخاري.
ثم أَكد الله تعالى قسمة الغنائم على هذا النحو بقوله تعالى:
{إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ} :
أَي إِن كنتم مؤمنين باللهِ فانقادوا وسلموا الأَمر لله فيما أَعلمكم به من حال قسمة الغنيمة: بأَن يكون خمسها لله وللرسول وذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وأَربعة أَخماسها للمقاتلين، فاقنعوا بذلك ونفذوا أَمر الله في شأْن الخمس.
{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} :
أَي إِن كنتم آمنتم باللهِ وبما أنزلناه على عبدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم من الآيات والملائكة والنصر في يوم بدر، الذي جعله الله فرقانا بين الحق والباطل، يوم التقى الجمعان من المؤمنين والكافرين، وكان أولَ مَشْهَدٍ شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه، وكان فيه رؤوس المشركين، التقوا يوم الجمعة لسبع عشرة من
رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة وأَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلثمائة وبضعة عشر رجلا والمشركون ما بين ألف وتسعمائة فهزم الله المشركين وقُتل منهم سبعون وأُسر منهم مثل ذلك، وانتصر الإِسلام على الشرك وأَصبحَت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى: ومن هنا سمى يوم الفرقان، والإِضافة في (عبدنا) لتشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نسبه إِليه تعالى بالعبودية له، ثم ختمت الآية بقوله سبحانه:
{وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} :
ليعلموا أَن نصرهم على أَعدائهم، ما كان يمكن تحقيقه إلا بمعونة الله الذي هو على كل شيء قدير، فقد كانوا قليلى العدد، ولم تكن معهم أَسلحة كافية، ولا مراكب، كما أَنهم لم يخرجوا للقتال، بل لتلقى العير، فلذا يعتبر نصرهم على المشركين من خوارق العادات، التي لا يقدر عليها إِلا الله القادر على كل شيء.
ولما علَّم سبحانه عباده المؤمنين كيفية قسم الغنائم وتوزيعها وبيان المستحقين لها، ذكر شيئًا من نعمه تعالى عليهم في غزوة بدر ليبين أَن عونه تعالى وتأْييده لهم كان ظاهرا في هذه الغزوة حيث خرجوا إِلى هذا المكان لأَخذ العير واجتمعوا على غير ميعاد ولم يكونوا مستعدين للقتال، فقال سبحانه:
42 -
والمعنى: اذكروا نعمة الله عليكم معشر المسلمين إذ كنتم بشط الوادى القريب من المدينة، والمشركون بطرف الوادى المقابل البعيد عن المدينة، وركب أبي سفيان وأَصحابه أَسفل منكم أَيها المؤمنون، حيث كانوا ناحية الساحل ومعهم عيرهم على بعد ثلاثة أَميال من بدر.
{وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ في الْمِيعَادِ} :
أَي ولو تواعدتم مع المشركين على القتال، ثم علمتم ضعفكم وقوتهم، لاختلفتم أنتم في الميعاد، هيبة منهم، ويأْسا من الظفر عليهم.
{وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} :
ولكن جمع الله بينكم على غير ميعاد، ليبرز أَمرا كان لا بد من وقوعه طبقا لعلم الله تعالى وقضائه، وهو نصر أَوليائه، وإِعزاز دينه.
قال الزمخشرى: فإِن قلت - ما فائدة هذا التوقيت وذكر مراكز الفريقين: وأَن العير كانت أَسفل منهم - قلت - الفائدة فيه: الإِخبار عن الحال الدالة على قوة شأْن العدو وشوكته وتكامل عدته وتمهيد أَسباب الغلبة له وضعف شأْن المسلمين والْتبَاس أَمرهم (1) وأَن غلبتهم في مثل هذه الحال ليست إِلا صنعا من الله سبحانه ودليلا على أَن ذلك أَمر لم يتيسر إلا بحوله وقوته وباهر قدرته.
وذلك أَن العدوة القصوى التي أَناخ بها المشركون. كان فيها الماء. وكانت أَرضا لا بأْس بها للحرب. ولا ماءَ بالعدوة الدنيا وهي رملية سبخة تسوخ فيها الأَرجل ولا يمشي فيها أَحد إِلا بتعب ومشقة وكانت العير وراءَ ظهور العدو مع كثرة عددهم، فكانت الحماية دونها (2) تضاعف حميتهم، وتشحذ في المقاتلة عنها ثباتهم.
وفي ذلك تصوير ما دبر الله سبحانه من أَمر وقعة بدر، ليقضى الله أَمرا كان مفعولا من إِعزاز دينه، وإِعلاء كلمته، حين وعد المسلمين إِحدى الطائفتين مبهمة غير مبينة، حتى خرجوا ليأْخذوا العير راغبين في الخروج وشخص (3) بقريش مرعوبين مما بلغهم، من تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَموالهم، حتى نفروا ليمنعوا عيرهم، فأَناخ المسلمون بالعدوة الدنيا وأَناخ المشركون بالعدوة القصوى ووراءَهم العير. يحامون عليها حتى قامت الحرب على ساق وكان ما كان. اهـ من الكشاف باختصار.
(1) التباس الأمر اختلاطه والتفافه عل صاحبه، ويطلق الالتباس أيضًا على الضعف.
(2)
أَي الدفاع عنها.
(3)
أَي أَتى الله بهم إلى المعركة بأشخاصهم.
وإِنما فعل الله ذلك:
42 -
أَي فعل الله لقاءَكم من غير ميعاد، ليموت من يموت عن بيِّنة وعبرة شاهدها، وحجة قامت عليه بأَن الله ينصر أَولياءَه على أَعدائهم، وليعيش من يعيش عن بينة كذلك.
وقال محمَّد بن إِسحاق في معنى الآية: ليصدر كُفر من كَفر وإِيمان، من آمن عن وضوح وبينة، فقد فسر ابن إسحاق الهلاك بالكفر، والحياة بالإِيمان، إِذ الكفر طريق الهلاك، والإِيمان طريق الحياة الأَبدية. فإِن واقعة بدر من الآيات البينات التي من كفر بعدها كان مكابرًا للحق، ظالمًا لنفسه وهالكا، ومن أسلم فقد أَسلم عن يقين وعلم بأَن الإِسلام دين الحق الذي يجب التمسك به، للتأْييد الواضح له من الله - تعالى - في هذه الغزوة فأَحيا بهذا الإِسلام نفسه {وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}: أَي وإِن الله لعظيم السمع لكل مسموع، محيط علمه بكل معلوم، ومن ذلك كفر الكافرين، وإِيمان المؤمنين، فيجزى كلا حسب حاله.
43 -
واذكر لهم يا محمَّد عظيم صنع الله وبالغ علمه بمصالح من اتبعك من المسلمين، وقت أَن أَراك الله المشركين في منامك قليلًا، فأَدركت بذلك قلَّة شأْنهم عند الله، لتخبر بذلك أَصحابك تَثْبِيتًا لهم، وتشجيعًا على عدوهم. ولو أَراكهم كثيرًا كواقع أَمرهم لفشل أَصحابك وهابوهم وجَبُنوا عن لقائهم، وتنازعوا في الرأْى وتفرقت كلمتهم فيما عساهم أن يصنعوهُ مع عدوهم.
أَي سلَّمكم من القتل والتنازع وعصمكم من الاختلاف، وأَنعم عليكم بما أَراه لنبيه ليخبركم به.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} :
يعني أَنه يعلم بكل ما سيكون في قلوبكم من الجراءَة والجبن والصبر والجزع، فلذا لطف الله بكم، فأَرى النبي صلى الله عليه وسلم أَعداءَكم في منامه قليلًا، لتثبتوا ولا تجزعوا.
44 -
{وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ} :
أَي: واذكر يا محمَّد ومن معك من المؤمنين وقت أَن أَراكم الله إِياهم عند لقائكم بهم في المعركة عددًا قليلًا في رؤيا العين، ليتحقق لكم صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أَخبركم به مما رآه في النوم فيزداد يقينكم فتجدّوا وتثبتوا في لقاءِ عدوكم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قُلِّلوا في أَعيننا حتى قلت لرجل إِلى جنبى أَتراهم سبعين.
قال: أَراهم مائة فأَسَرْنا رجلًا منهم فقلت له كم كنتم؟ قال: أَلفًا.
فعل الله ذلك مع المسلمين عند اللقاء ليزدادوا ثباتًا، كما قلل المسلمين في أَعين الكافرين قبل القتال ليجترئوا عليهم، ولا يستعدوا لهم، ثم كثرهم عند اللقاءِ حتى رأَوهم مثليهم، لتفاجئهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم.
روى أَن أَبا جهل حين رأَى المسلمين قبل القتال، استقلَّهم وقال: إِنما هم أَكَلة جزور خذوهم أَخدًا، واربطوهم بالحبال، فلما أَخذوا في القتال عظم المسلمون في أَعينهم فكثروا كما قال تعالى:{يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} (1).
وفي هذا المعنى يقول الزمخشرى: فإِن قلت: الغرض من تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهر، فما الغرض من تقليل المؤمنين في أعين الكفار؟
قلت: قد قللهم في أَعينهم قبل اللقاءِ ليجترىءَ الكفار على المؤمنين لقلة عددهم وعدم المبالاة بهم ثم كثركم في أَعينهم عند اللقاءِ لتفجأَهم الكثرة فَيُبْهتُوا ويهابوهم وتقل شوكتهم
(1) سورة آل عمران من الآية: 13
حين يرون ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم وذلك قوله: {يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} . ولئلا يستعدوا لهم. وليعظم الاحتجاج عليهم باستيضاح الآية البيِّنة من قلتهم أَولا - وكثرتهم آخرًا.
{لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} :
أَي قلل الله المؤمنين في نظر الكافرين أَولا ثم كثَّرهم عند اللقاءِ لِيُنَفِّذَ الله قضاءَه بهزيمة الكافرين ونصر المؤمنين، وقد كرَّر قوله تعالى:{لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} . لأَنَّ ما عَلَّل له أَوَّلًا هو اجتماعهم على غير ميعاد، وما عَلَّلَ له ثانيًا، هورؤية المؤمنين قلة في أَعين الكافرين أَولا وتكثيرهم ثانيًا، فاختلفت الجهتان فلزم التكرار.
والأَمر المفعول الذي قضاه الله هو أَن يَنْصر المؤمنين فكان ما قضى وحكم.
{وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} :
أَي وإلى الله - وحده - ترجع أُمور الناس لا إِلى غيره، فيدبرها كما يشاءُ ويحاسب عليها يوم القيامة حسبما يشاءُ.
ولما انتهى الحديث عن المدد المعنوىِّ الذي قوَّى به نفوسهم وقت التقاءِ الجمعين استعداد كلٍّ منهما للقتال أَخذ يعلّمهم فنون الحرب فقال جل شأْنه:
{تَفْشَلُوا} : تجبنوا وتضعفوا والفشل في الأَصل: الخيبة والنكول عن إِمضاءِ الأَمر وأَكثر أَسبابه: الضعف والجبن ولذلك فسَّروه هنا بهما.
{تَذْهَبَ رِيحُكُمْ} : تذهب قوتكم.
{بَطَرًا} : طغيانًا وتجبرًا - والبطر في اللغة: الفخر والاستعلاء بنعمة الغنى أَو الرياسة أَو غيرهما، يعرف في الحركات المتكلفة والكلام الشاذ.
{رِئَاءَ النَّاسِ} : مرائين الناس. والرياء والمراءَاة: إِظهار العمل رغبة في ثناء الناس والإِعجاب به وهو محبط للأَعمال الأُخروية.
{نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} : رجع القهقرى، أَي تولى إِلى الوراء جهة العقبين، والمراد كف الشيطان عن وسوسته وذهب ما خيله من المعونة لهم.
{جَارٌ لَكُمْ} : أَي مجير وناصر، والجار الذي يجير غيره أَي يؤمنه ممَّا يخاف.
{غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} : أَي خدع هؤلاءِ المسلمين دينهم، فظنوا أَنهم ينصرون به فأَقدموا على ما أَقدموا عليه مما لا طاقة لهم به.
التفسير
45 -
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} :
ينادى الله - تعالى - المؤمنين مبيِّنًا لهم آداب الحروب في الإِسلام فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} : بالله وبرسوله وبكتابه إِذا جاهدتم جماعة من الكفار فأثبتوا لقتالهم ولا تفروا أَمامهم، أَمَّا قتال المسلمين بعضهم لبعض فله حكم آخر مذكور في قوله تعالى:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (1).
(1) سورة الحجرات الآيتان: 9، 10
أَي واذكروا الله - تعالى - عند لقاءِ العدو، بأَن تتذكروا نصرته للمؤمنين، فتتضرعوا إِليه كثيرًا، مع اليقين بأَنه لا يعجزه شىءٌ وذلك أَن تقولوا كما قال مَنْ قبلكم:{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (1).
ثم ذكر الغاية من ذكره - سبحانه - فقال: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أَي رجاءَ أَن تظفروا بمرادكم من النصرة والمعونة على أَعدائكم.
وكان رسول الله وأَصحابه يكثرون من الدعاءِ خصوصًا عند اللقاءِ. رجاءَ النصر من الله - تعالى - ولما أَمرهم الله تعالى بذكره ودعائه عند اللقاءِ، أَتبعه الأَمر بطاعة الله ورسوله وعدم التنازع لتتوفر لهم أَسباب النصر، فقال - سبحانه -:
46 -
أَي واستجيبوا لأَمر الله ورسوله واعملوا به، فإِن طاعة القائد من أَهم أَسباب النصر. والاختلاف عليه يُفضى إِلى الهزيمة، فما ظنُّكم إِذا كان القائد رسول الله المنفذ لأَوامر الله فلا تختلفوا عليه ولا تتنازعوا فما بينكم، فتتفرق كلمتكم وتذهب قوتكم ودولتكم، وتجرى الأُمور على غير ما تريدون من النصر.
{وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} :
أَي واصبروا على ما تكرهون وما تلاقون من بأْس العدو، إِن الله مع الصابرين بالعون والنصر.
قال - تعالى - يمدح الصابِرين في الشدائد: {وَالصَّابِرِينَ في الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (2).
(1) سورة البقرة الآية: 250
(2)
سورة البقرة (177)
47 -
أَي امتثلوا ما أُمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه، ولا تكونوا كأَعدائكم المشركين الذين خرجوا يوم بدر لنصرة العير ومعهم القيان والمغنيات، فأَتاهم رسول أَبي سفيان وهم بالجحفة أَن ارجعوا فقد سَلِمَتْ عِيرُكم. فأَبى أَبو جهل وقال:"والله لا نرجع عن قتال محمَّد حتى نَرِدَ بَدْرًا، فنشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القيان، وننحر الجُزُرَ ونطعم بها من حضرنا من العرب" فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس بإِطعامهم. قال الزمخشرى: فوافوها فسُقُوا كؤوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. فنهاهم الله أَن يكونوا مثلهم بطرين طربين مرائين الناس بأَعمالهم، وأَمرهم أَن يكونوا من أَهل التقوى مخلصين أَعمالهم لله.
ثم ختمت الآية الكريمة بقوله:
{وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} :
أَي والله - وحده - محيط علمًا بجميع ما يعمله هؤلاءِ المشركون، من البطر والمراءَاة والصدِّ عن سبيل الله، والمكر والتدبير لإِحباط دعوة الرسول فيجازيهم عليه، وقد جازاهم في الدنيا بالقتل والأَسر وأَخذهم أَخذًا شديدًا بالهزيمة يوم بدر ولهم في الآخرة عذاب أليم لا نهاية له.
وقد أَتبع الله تعالى هذه الآية، بيان ما أَصاب المشركين من الهزيمة، بعد تزيين الشيطان لهم بالنصر، واغترارهم بذلك فقال:
48 -
أَي واذكر لهم يا محمَّد وقت أَن حسن الشيطان للمشركين أَعمالهم في معاداة الرسول، وبلغ به التزيين أَن قال: لا غالب لكم اليوم من المؤمنين وإنى معين لكم وناصر.
{فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ} :
العقب: مؤخر القدم، ونكوصه على عقبيه، رجوعه إِلى الوراءِ، والمراد به بطلان كيده.
والمعنى: فلما أَبصر كلٌّ من الفريقين الآخر، وقد رجحت كفة المؤمنين بإِمداد الملائكة لهم، بطل كيد الشيطان وتزيينه، بظهور عجزه عن نصرتهم وتبرئه منهم، وانتحاله العذر لنفسه في خلف وعده، وذلك ما يحكيه الله بقوله:
{إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ} :
أَي إني برىءٌ من نصرتكم لأَننى أَرى من أَسباب نصرة المسلمين ما لا ترون.
{إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} :
أَي إِنى أَخشى عقاب الله، والله شديد العقاب، ذكر الكشاف عن الحسن رحمه الله: كان ذلك على سبيل الوسوسة ولم يتمثل لهم.
وقيل: لما اجتمعت قريش على السير ذكرت الذي بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الشاعر الكنانى - وكان من أَشرافهم - في جند من الشياطين معه راية. وقال: لا غالب لكم اليوم إِنى مجيركم من بني كنانة فلما رأَى الملائكةَ تَنْزل نكص.
وفي موطأ مالك أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما رأَى الشيطان نفسه يومًا هو فيه أَصغر ولا أَحقر ولا أَدحر ولا أَغْيَظَ منه في يوم عرفة، وما ذاك إِلا لِما رأَى من تنزل رحمة الله، وتجاوزه عن الذنوب العظام، إلا ما رأَى يوم بدر - قيل وما رأَى يوم بدر يا رسول الله؟ قال: أَما إِنه رأَى جبريل يَزَع (1) الملائكة".
ثم ذكَّر الله المؤمنين بموقف المنافقين ليحذروهم فقال:
(1) يزع الملائكة: أَي يصفهم ويغريهم، والوازع في الأصل الذي يتقدم الصف فيصلحه ويقدم ويؤخر ويطلق أيضًا على الرادع الذي يزجر غيره.
49 -
{إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} :
المنافقون: هم الذين أظهروا الإِيمان وأَبْطنوا الكفر. والذين في قلوبهم مرض: إِما المنافقون والعطف للتفسير، وإِما أَنهم قوم أَسلموا حديثًا، ولم تطمئن قلوبهم بالإِيمان، وإِما أَنهم المشركون لمرض قلوبهم.
والمعنى: واذكر يا محمَّد حين يقول المنافقون ومرضى القلوب من هؤلاءِ أَو أُولئك، خدع هؤلاءِ المؤمنين دينهم، فخرجوا مع قلتهم وضعف استعدادهم لقتال المشركين مع كثرتهم وقوة استعدادهم، إِذ كان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ولم تكن معهم أَسلحة كافية ولا إِبل ولا خيل إِلا قليلًا فقد خرجوا للقاءِ عير قريش، ولم يخرجوا لقتالهم كما تقدم بيانه، وكان عدد المشركين ثلاثة أَمثالهم. وقد جاءُوا مستعدين تمام الاستعداد لقتال المسلمين، فزعم المنافقون كما زعم مرضى القلوب أَن المسلمين خرجوا مغترين بدينهم ظانِّين أَنهم ينصرون به فيرد الله - تعالى - عليهم قائلًا:
{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} :
أَي ومن يكل أَمره إِلى الله مؤمنًا بأَنه ناصره، ينصره الله فهو - سبحانه - يكفى المؤمنين ما أَهمهم، وينصرهم على أَعدائهم وإِن كثروا وعظم استعدادهم، وهو كذلك حكيم يضع كل أَمر في موضعه، على ما جرى عليه النظام والتقدير في سننه، ومنه نصر الحق على الباطل، وكثيرًا ما تدخل عنايته بالمتوكلين في باب الآيات وخوارق العادات.
وكم لله من لطفٍ خفىّ
…
يدق خفاه عن فهم الذكىِّ
50 -
أَي ولو عاينت يا محمَّد وشاهدت حال هؤلاءِ الكفار حين تتوفاهم الملائكة ببدر وتنتزع أَرواحهم، وهم يضربون وجوههم عند اللقاءِ وظهورهم عند الفِرار، لشاهدت أمرًا فظيعًا يدل على شدّة ما أَصابهم من الخزى والعار والهزيمة.
{وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} :
أَي تضرب وجوههم وظهورهم، وتقول لهم: ذوقوا عذاب اللهيب المحرق، والمراد بضرب وجوههم وأَدبارهم، ضربهم من كل ناحية.
51 -
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} :
ويقولون لهم أَيضا: ذلك العذاب الذي حل بكم بسب ما فعلتموه من الآثام، وأَن الله عادل في جزائه، وليس بظالم لعبيده، حين يعاقبهم على معاصيهم الَّتي حذَّرتهم منها رسلهم.
جاءَ في الحديث القدسى: "يا عِبَادِى إِنَّى حَرَّمْتَ الظُّلْمَ عَلىَ نَفْسى، وَجَعلْتُه بيْنكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا .. إِنَّما هِى أَعْمالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ فَمَنْ وَجَد خَيْرًا فَمِنَ اللهِ، وَمَنْ وَجَد غَيْرَ ذَلكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَاّ نَفْسَه" أَخرجه مسلم.
المفردات:
{كَدَأْبِ} الدأْب: العادة التي يدأَب عليها الإِنسان ويعتادها.
التفسير
52 -
المعنى: شأْن هؤلاءِ في عنادهم المستمر ومقاومتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم كشأْن آل فرعون والأُمم التي كانت قبلهم، في استمرارهم على كفرهم باللهِ ورسوله
إِذْ كذبوهم وعاندوهم وكفروا بآيات الله وعظيم الدلائل على قدرته ووحدانيته، فأَخذهم الله بسبب ذنوبهم وكفرهم، أَخذا شديدا، ثم أَكد ذلك وقواه وعلله فقال:
{إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ} : غالب لا يغلبه أَحد.
{شَدِيدُ الْعِقَابِ} : لمن خرج عن طاعته وأَصر على كفره وعناده.
53 -
المعنى: ذلك العذاب الذي نزل وينزل بهم، بسبب أَنهم غيَّروا وبدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فقابلوا الأَمن والعافية والسَّعة بالكفر والصدِّ عن سبيل الله، فبدَّل الله نعيمهم عذابا، والله لا يغيِّر نعمةً أَنعمها على قوم بنقمة، إلَاّ لأَنهم بدَّلوا نعمة الله عليهم كفرا، فوضعوه مكان الشكر.
{وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} : أَي ذلك الجزاءُ على كفرهم بسبب تبديلهم نعمة الله كفرا، وبسبب أَنَّ الله قوى السَّمع لِمَا يقولون محيط علمًا بما يعملون.
54 -
قارىءُ هذه الآية يظن أَنها مكررة مع مثيلتها السابقة، والذي يبدو لنا أَنها لا تكرار فيها، فقد جاءَت الآية السابقة لبيان أَن عادة هؤلاءِ وأُولئك الكفر، أَما هذه الآية فقد أَفادت أَن الله تعالى غيَّر نعمته عليهم لأَنهم لم يغيِّروا ما هم فيه من التكذيب، بدليل قوله تعالى قبل هذه الآية:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} . فكأَنه قال عقبها: كدأَب آل فرعون. غير الله نعمته عليهم لمداومتهم التكذيب بآيات الله فأَهلكهم وانتقم منهم، فقوله تعالى في الآية الأُولى:{كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} تفسير لدأْبهم الذي فعلوه من تغييرهم لحالهم، وقوله سبحانه في الآية الثانية:{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} تفسير لدأْبهم الذي فُعِل بهم، من تغييره - تعالى - ما بهم من نعمته بإِهلاكهم، وأَما دأْب قريش في العقوبة، فمستفاد من تشبيههم بآل فرعون، والمقصود جنس العقوبة لا نوعها، فإن آل فرعون أُهلكوا بالإِغراق، أَما قريش فقد أُنذروا بعقوبة مطلقة، ويرى بعض المفسرين: أَنها مؤكدة ومقررة لِما أَفادته مثيلتها السابقة.
والمعنى: أَن أَمر كفار قريش، مثل ما اعتاده قوم فرعون والذين من قبلهم من الكفار، كذبوا بآيات ربهم المنزلة على رسلهم وبآياته الكونية، واستمروا على ذلك فأَهلكهم الله جميعًا بذنوبهم، وكان عقاب آل فرعون الإِغراق، وكل من هؤلاءِ الكفار المكذِّبين كانوا ظالمين:{وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
ولسوف يعاقب الله أَشباههم من قريش إِن استمرُّوا على تكذيبهم، كما عاقب آل فرعون، فليسوا أَشد منهم قوة، ولا أَكثر جمعا.
المفردات:
{الدَّوَابِّ} : جمع دابة وهي كل ما يدب على وجه الأَرض.
{يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ} : أَي يفكُّونه، والمراد أَنهم لا يوفون له.
{تَثْقَفَنَّهُمْ} : تلقاهم وتجدهم.
{فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} : فافعل بهم فعلا يخيف مَنْ وراءَهم ويشُرِّدُهم.
والتشريد: التبديد والتفريق.
{تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} : أَي تتوقع من قوم خيانة بنقض العهد ونكثه.
{فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} : فاطرح إِليهم عهدهم على طريق سوى من العدل بأَن تخبرهم بذلك.
{سَبَقُوا} : فاتوا وأَفلتوا من عقابنا.
{لَا يُعْجِزُونَ} : لا يفوتون ولا يفلتون من عقاب الله بل هو قادر عليهم.
{مِنْ قُوَّةٍ} : من كل ما يتقوى به في الحرب.
{رِبَاطِ الْخَيْلِ} : المكان الذي ترابط فيه الخيل المعدَّة للقتال.
{تُرْهِبُونَ} : تُخَوِّفون.
{لَا تَعْلَمُونَهُمُ} : لا تعرفونهم بأَعيانهم أَو لا تعلمونهم كما هم عليه من العداوة.
التفسير
55 -
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :
نزلت الآيات في بني قريظة. عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن لا يمالئوا عليه أَعداءَه فنكثوا بأَن أَعانوا مشركى مكة بالسلاح وقالوا نسينا وأَخطأَنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالوا مع الكفار يوم الخندق، وكان كعب بن الأَشرف قد انطلق إِلى أهل مكة قبل غزوة الخندق فحالفهم على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزو المدينة، فأَنزل الله هذه الآيات، ليبيِّن أَنهم شرّ من دب على وجه الأَرض في حكم الله وقضائه، لا شرُّ الناس فقط، وفي ذلك إِشارة إِلى أَنهم بمعزل عن الناس، فهم من جنس الدَّواب ومع ذلك فهم شرُّ من جميع أَفرادها، ومثله:{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} .
والمعنى: إِن شر جميع ما يدب على وجه الأَرض، هم اليهود الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما جاءَ به، فهم مستمرُّون على عدم إِيمانهم به، مع قيام الحجة عليهم
وثبوت أَماراته في كتبهم، ثم استمر في بيان قبائح هؤلاءِ الكفار الموصوفين بأَنهم شرُّ الدواب فقال:
56 -
{الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ في كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ} :
بيَّنت هذه الآية الكريمة أَن هؤلاءِ اليهود الذين هم شر الدواب عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم فغدروا، ثم عاهدهم فغدروا، وتكرَّر منهم نقض العهد في كل مرة، وهم لا يتقون الله، ولا يخشون عقابه لهم على نكث العهد، وما يجره عليهم من نكبات تحلُّ بهم.
57 -
{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ في الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} :
المراد من (ما) في قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} التأْكيد، والمعنى: إِذا كان حالهم ما ذكر من نقض العهود، ففي أَي وقت أَو مكان تصادفهم وتظفر بهم في الحرب فشتِّت بقتالهم والتنكيل بهم مَنْ خلفهم من الناكثين للعهود، والمتربصين لقتال المسلمين، لعل الأَعداءَ من ورائهم يتعظون بما فعلت مع هؤلاءِ من حرب ونكاية وتشريد.
58 -
المراد من لفظ (ما) في قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ} التأْكيد كسابقتها.
والمعنى: وإِن خفت في أَي وقت، من قوم خيانة في عهد بينك وبينهم، بأَمارة تلوح لك كما ظهر من بني قريظة وبنى النضير، فاطرح إِليهم عهدهم وأَعلمهم بذلك وأَنه لا عهد بعد اليوم، ولتكن أَنت وهم في ذلك العلم وطرح العهد على سواءٍ، أَي مستويًا أَنت وهم في ذلك، لئلَاّ يتهموك بالغدر إِن أَخذتهم بغتة قبل أَن تبلغهم. ثم علل هذا الأَمر بقوله:
{إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} :
أَي لا يرضى عن الغادرِين الذين يغدرون بمن كان في أَمانٍ وعهدٍ، هذا إِذا لم يتحقق نقضهم للعهد، وإِلَاّ حاربهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقريش، حينما
نقضوا عهد الحديبية، حيث لم يوجه إِليهم من يعلمهم بنقض العهد، بل توجه بجيشه إِلى مكة حتى فتحها، دون سابق إِنذار بذلك، بل أَخفى قصده إِليها.
ثم أَخبر أَن من أَفلت يوم بدر من القتل أَو الأَسر لن يعجز الله أَن يوقع به فقال:
59 -
{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} :
أَي: ولا يظنَّن الذين كفروا من قريش أَنهم سبقوا عقاب الله بأَن أَفلتوا ونجوا منه؛ كلَاّ إِنهم لا يعجزون الله في الدنيا والآخرة، فلسوف يذيقهم الله ذلّ الهزيمة والقتل والأَسر في الدنيا، وعذاب النار في الآخرة، خالدين فيها أَبدا، وفي الآية بشرى للنبي صلى الله عليه وسلم بما يطمئن قلبه على مستقبل الدعوة الإِسلامية، وأَنها إِلى نصر وأَن أَعداءَه إِلى هزيمة، ثم أَمر الله - تعالى - بإِعداد العدة للقاءِ أَعداءِ الإِسلام حتى لا يؤخذ المسلمون على غرَّة وضعف فقال:
60 -
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} :
أَي وأَعدوا لهؤلاءِ الكفار الناقضين للعهد، كل ما تستطيعون إِعداده لقتالهم، من
أَنواع السلاح وأَدوات الدفاع، حسب المتقدم العلمى في جميع ما يتقوى به على العدو في
الحرب، فكل ما يستعان به في الجهاد فهو من جملة القوة المأْمور بإِعدادها.
ومن ذلك إِحكام التدبير، وتدريب الجنود على استعمال الأَسلحة، وتقوية الروح المعنوية، ببيان فضل الثبات والاستشهاد في سبيل الله.
رباط الخيل: هو المكان الذي ترابط فيه الخيل عند الحدود، ليحرس فرسانه الثغور، ويراقبوا العدو، وقد كان رباط الخيل في عهد نزول الآية الكريمة، أَهم الأَسباب لتحقيق ذلك، فلذا نص عليه فيها، ولكن الحروب تطورت، ورباط الخيل لا يكفى فلذا يعتبر ضربَ مثل لكيفية حراسة الثغور، والمناسب في عصرنا هذا هو إِقامة حصون
ثابتة، مزودة بأَحدث الأَسلحة والمناظير القوية البعيدة المدى، لإِحكام مراقبة تصرفات العدو عن بُعد، وتنبيه قيادة الجيش إِلى خططه، والمسارعة إِلى ردِّه إِن باغتهم، وأَمَّا تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقوة بقوله:"أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْى" كما رواه مسلم.
فالمقصود به ما يعم الرمى بالسهام والنبال - كما كان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم والرمى بالقنابل والصواريخ وغير ذلك مما يرمى به العدو لكسب المعركة منه.
أَي تُرهْبُون وتخيفون بما أَعددتم من أَسباب القوة، عدوَّ الله وعدوَّكم من الكافرين الذين يجاهرونكم بالعداوة، وترهبون به أَيضًا أَعداءً آخرين من وراءِ أُولئك المجاهرين، لا تعلمونهم لتستّرهم في عداوتهم، والله - تعالى - يعلمهم، ويعلم ما انطوت عليه جوانحهم، ولا شك أَن العدو المجاهر والمستخفى إِذا عرف قوة استعدادنا الحربى فإِنه يجبن عن قتالنا، وأَن يجرب حظه في الهزيمة منا.
{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سَبِيلِ اللهِ} :
أَي وأَى شيءٍ تقدمونه من مال قل أَو كثر في إِعداد الجيوش ومراعاة أُسرهم بما يحتاجون إِليه.
{يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} : أَي تعطون جزاءَه وافيًا من الله - تعالى -:
{وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} :
أَي وأَنتم لا تنتقصون شيئًا من ثواب أَعمالكم مهما قلت وقد جاءَ في فضل تجهيز الغزاة في سبيل الله أَحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: "من جهَّز غازيا فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيا في أَهله بخير فقد غزا" رواه البخاري أَي أَن تجهيز الغازى أَو رعاية أَهله من ورائه يعتبر في الثواب كالجهاد في سبيل الله تعالى، وثواب الجهاد شىءٌ عظيم.
المفردات:
{جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} : مالوا إِلى المسالمه والصلح.
{فَاجْنَحْ لَهَا} : فصل إِليها.
{يَخْدَعُوكَ} : يظهروا لك السلم ويبطنوا الغدر والخيانة.
{حَسْبَكَ اللهُ} : كافيك الله.
{أَيَّدَكَ} : قواك.
{أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} : جمع بين قلوب الأَوس والخزرج.
التفسير
61 -
يقول الله سبحانه وتعالى: وإِن مال الذين يحاربونك من الكفار إِلى المسالمة ونبذ الحرب، بالدخول في الإِسلام أَو المهادنة أَو المصالحة، فاجنح لما جنحوا إِليه من السلام، وعاهدهم عليه، وتوكل على الله وفوض أَمرك إِليه فهو وحده الذي يستطيع أَن ينصرك ويحفظك من خياناتهم، على أَن يقترن ذلك بالحذر منهم.
{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} :
أَي إِنه تعالى هو العظيم السمْع لكل مسموع، الواسع العلم لكل معلوم، ومن ذلك أَقوالكم وأَقوالهم وأَعمالكم وأَعمالهم من وفاءٍ وغَدْر، والآية أَصل عظيم من أُصول الإِسلام فهو دين سلام لا حرب، سلام لمن سالمنا حرب لمن حاربنا أَو مكر بنا.
62 -
{وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} :
يقول الله سبحانه وإِن يريدوا أَن يخدعوك بجنوحهم إِلى السلم ظَاهرًا، فلا تخف من إِبطانهم المكر والخديعة، فإِن الله كافيك وعاصمك من مكرهم وخديعتهم، ومن تولى الله كفايته وحفظه لا يضره شيء.
{هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} :
أَي هو الذي قضى بأَن يؤيدك بنصره في حربك معهم، ويؤيدك بالمؤمنين من الأَنصار والمهاجرين ونفَّذَ ما قضى به وحقَّقَه.
63 -
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} :
إِذ أَلف بين قلوب الأَوس والخزرج من الأَنصار، وقد كانت الحرب سجالا بينهما فكان تأْليف قلوبهم وجمعها من آيات الله الكبرى. كما أَلف بالإِيمان بين قلوب المؤمنين من الأَنصار والمهاجرين، وجعلهم حربًا على أَعدائك، حتى قاتَل الرجل أَباه وأَخاه بسبب الدين، ثم بين عظم هذه الآية فقال:
أَي: لو جمعت يا محمَّد ما في الأَرض من مال وأَنفقته في سبيل جمع قلوبهم على كلمة واحدة، ما ألفت بينهم ولكن الله أَلف بينهم بفضله وكرمه، لأَن قلوبهم بين يديه يقلبها كيف يشاء، فلذا نزع ما في قلوبهم من غل وحقد، وملأَها حبًّا ورحمة ومودة وعطفًا، فأَصبحوا بنعمة الله إِخوانًا.
{إِنَّهُ عَزِيزٌ} غالب لا يعجزه أمرٌ أَراده.
{حَكِيمٌ} لا يخرج شيء عن حكمته، وإِذا كان الله تعالى قد أَكرمك؛ بالنصر في بدر وتأْليف قلوب المؤمنين، فلا تخف من خديعتهم لك إِن جنحت لمسالمتهم بعد أَن يجنحوا لها، فإِنه تعالى سيحفظك من مكرهم وخداعهم.
ثم نزل في بدر بالبيداء قبل بدء القتال في غزوة بدر.
المفردات:
{حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} : حثهم وحضهم.
{لَا يَفْقَهُونَ} : لا يدركون ولا يفهمون.
التفسير
64 -
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} :
المعنى: يأَيها النبي كافيك الله تعالى ومن معك من المؤمنين في تحقيق النصر الذي وعدك به على أَعدائك المخادعين.
والآية وما بعدها رفع لروح المؤمنين المعنوية بالوعد بتأْييد الله لرسوله عند الجهاد.
65 -
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} :
بعد ما بين الله كفايته إِياهم بالنصر، أَمر نَبيَّه صلى الله عليه وسلم بترتيب مبادئ نصره وإِمداده.
والمعنى: يأَيها النبي رغِّب المؤمنين في القتال وسهل لهم مشقته ببيان فائدته وعظيم أَثره من الفوز أَو الشهادة. ثم قال تعالى:
{إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} :
يعني: أن الله معكم بنصره وعونه ولو قل عددكم وضعفت عدتكم: فإِن وجد منكم عشرون صابرون عند لقاء العدو فيهم قوة وشجاعة يغلبوا مائتين من الكفار، لأَنهم وإِن كثروا فلا قوَّة لهم، لأَنهم يحاربون للدنيا لا للآخرة، وللطاغوت لا لمالك الملك والملكوت.
{وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} :
وهذا وما قبله خبر بمعنى الأَمر أَي ليقاتل العشرون منكم مائتين والمائة الأَلف ثم علل هذا الأَمر بقوله:
{بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} :
أَي ما ذكر من كفاية الواحد منكم لعشرة منهم، بسبب أَنهم جهلة بالله واليوم الآخر، فهم لا يقاتلون احتسابًا وامتثالا لأَمر الله تعالى وإِعلاءً لكلمته وابتغاءَ رضوانه كما يفعله المؤمنون طالبين الفوز أَو الشهادة، وإِنما يقاتل أولئك الكفار لحمية الجاهلية، واتباع خطوات الشيطان فلا تثبت أَقدامهم في القتال أَمامكم - مع قلتكم وكثرتهم - ثم لما شق ذلك على المسلمين خفف الله عنهم فقال:
66 -
بين الله في الآية السابقة أَنه أَوجب على المسلمين أَن يثبت الواحد منهم لعشرة، لقوة الواحد بالإِيمان، وضعف العشرة بالكفر، ولما شق ذلك عليهم خفف عنهم بما جاءَ في هذه الآية من وجوب ثبات الواحد لاثنين.
والمعنى: الآن خفف الله عنكم إِيجاب ثبات الواحد لعشرة، وقد علم أَن فيكم ضعفا يستوجب التخفيف، فإِن يكن منكم مائة صابرة عند اللقاءِ ثابتة في محاربة الأَعداء مطمئنة إِلى نصر الله للصابرين، فإِنهم يغلبون مائتين من الأَعداء، وإِن يكن منكم أَلف صابرون يغلبوا أَلفين، بالنصر والمعونة الإِلهية.
فإِن قلت: قد علم الله ضعف المؤمنين في الحالين، فلماذا أَوجب اللهِ عليهم أَولًا الثبات لعشرة أَمثال من الكفار، ثم عاد فخفف عنهم بإِيجاب الثبات لمثلين.
فالجواب: أَن الضعف وإِن كان موجودًا في الحالين، لكن الأَعداءَ كانوا شديدى الطمع - أَولا - في المسلمين لقلتهم، فلما ثبتوا لهم وهم عشرة أَمثالهم، وقهروهم وظهرت قوتهم عليهم مع قلتهم، تفضل الله فخفف عنهم، فقد نصروا بالرعب وآن أَوان التخفيف عنهم؛ ومع هذا يجب على القائد أَن يقدر الموقف، ويفعل ما فيه المصلحة، فإِن كانت في الثبات وجب الثبات، وإِن كانت في الانسحاب لترقب فرصة أَفضل فله أَن يتخذ القرار الملائم.
المفردات:
{أَسْرَى} : جمع أَسير وهو من يؤخذ في الحرب حيًّا، وتُشَدُّ يده بالإِسار وهو القيد.
{يُثْخِنَ في الْأَرْضِ} : أَي يبالغ فيها بالقتل والجرح حتى تظهر شوكة المسلمين وقوتهم.
{عَرَضَ الدُّنْيَا} : حطامها - سمى عرضا لسرعة زواله.
{لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} : أَي لأَصابكم بسبب ما أَخذتموه من الفدية.
{خِيَانَتَكَ} : أَي الغدر بك بنقض العهد.
{فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} : لأَقدرك عليهم قتلًا وأَسرًا.
التفسير
67 -
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الْأَرْضِ .... } الآية.
سبب نزول هذه الآية: أَن الرسول صلى الله عليه وسلم، استشار أَصحابه في أَسارى بدر بعد انتهاء وقعتها، فقال أَبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله: أَهلك وعشيرتك فَمُنَّ عليهم بالفداء، وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله: لقد آذوك وأَخرجوك فاقتلهم فإِنهم أَئمة الكفر، فأَخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأى أَبي بكر وأَطلق سراحهم في مقابل فدية من كل واحد منهم، فنزلت الآية، وظاهرها أَنها عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين الذين وافقوا على قبول الفدية، ولكن المقصود بها الإِيذان باستحقاق أولئك الأَسرى أَن يقتلوا بسبب موقفهم من الدعوة الإِسلامية ومن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بمكة وبعد الهجرة، وأَنهم ليسوا أَهلا لهذه المنَّة التي مَنَّ بها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: ما ينبغي لنبى ومن معه من المؤمنين، أَن يستبقوا الأَسرى أَحياءً، قبل أَن يثخنوا في الأَرض ويغلظوا فيها بقتل الأَعداء، حتى تتربى المهابة في نفوس المشركين وكان هذا مشروعًا في أَول فرض الجهاد، ثم أَنزل الله تعالى بعد ذلك:
وبهذه الآية شرع الفداء للأَسرى بعد أَن ذاق المشركون بأْس المؤمنين وعرفوا قوتهم، ووقر في قلوبهم الرعب منهم.
{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} :
أَي: تريدون أَيها المؤمنون عرض الدنيا وحطامها بأَخذ الفداءِ والرضا به، والله يرضى لكم الآخرة أَي ثوابها بقتلهم، إِعزازًا لدين الله بتخويف المشركين وإِذلالهم بالقتل، والله غالب عظيم الحكمة، ولذلك دعاكم إِلى ما فيه عزتكم وذل أَعدائكم.
68 -
{لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} :
لولا قضاء مكتوب من الله سبق بأَنه لا يعذب قومًا حتى يبين لهم ما يتقون من المحاذير، لأَصابكم بسبب ما أَخذتم من فداء الأَسرى عذاب عظيم.
69 -
{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
روى أَنهم أَمسكوا عن الغنائم، ولم يمدوا أَيديهم إِليها حتى نزلت الآية لتبيح لهم الغنائم، وقد كانت الغنائم لا يحل أَخذها لأَحد قبل هذه الآية. فلما نزلت أَباحت لهم أَخذ الغنائم، والانتفاع بها أَكلا وغير أَكل، وإِنما عبر بلفظ الأَكل لأَنه المقصود المهم.
{وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :
أَي وخافوا الله في أَمركم كله، فإِنكم إِذا اتقيتموه بعد ما فرط منكم من استباحة الفداء قبل أن يؤذن لكم فيه غفر لكم ورحمكم وتاب عليكم.
70 -
أَي: يأَيها النبي قل لمن وقع في أَيديكم من الأَسرى إِن يعلم الله في قلوبكم خيرًا وحبًّا للدين وخلوصَ إِيمانٍ ونيَّة. يؤتكم في الدنيا والآخرة خيرًا مما أُخذ منكم من الفداء ويغفر لكم ما فرط منكم من الذنوب، والله تعالى عظيم الغفران والرحمة.
71 -
أَي: وإِن يُرِدِ الأَسرى خيانتك حينما وعدوا أَن لا يحاربوك ولا يعاونوا عليك أَحدًا من المشركين، فقد خانوا الله من قبل بدر بالكفر، فأَمكنك منهم في بدر فليتوقعوا مثل ذلك إِن عادوا إِلى خيانتهم لله ورسوله، والله عليم بخلقه، حكيم في صُنعِه، ثم تحدث القرآن عن الروابط بين المهاجرين والأَنصار ومن تصح موالاتهم ومن لا تصح فقال:
المفردات:
{آوَوْا} : أَي آووا المهاجرين في المدينة وأَسكنوهم.
{مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} : أَي ما لكم من توليهم في الميراث وإِن كانوا من أَقرب أَقاربكم حتى يهاجروا.
{تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ} : تحصل فتنة بظهور الشرك.
{وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} : في الجنة.
{فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} : أَي من جملتكم أَيها المهاجرون والأَنصار.
{أُولُو الْأَرْحَامِ} : أَصحاب القرابات.
التفسير
72 -
المعنى: إِن الذين آمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهاجروا من مكة إِلى المدينة فرارًا بدينهم، وبذلوا أَموالهم ونفوسهم في سبيل الله دفاعًا عن الدين بقتال أَعدائه. والذين آوَوْا النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين من أَهل المدينة، فأَسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أَموالهم، وآثروهم على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ونصروا دين الله بنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم.
{أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} :
أَي أُولئك المهاجرون والأَنصار بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، وكان المهاجرون والأَنصار، يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأَقارب (1)، حتى نزل قوله تعالى:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} فتوارثوا بالقرابة مع الإِسلام، ونسخ التوارث بالهجرة والمؤاخاة، وكان الأَنصار يؤثرون المهاجرين على أَنفسهم ولو كان بهم خصاصة، كما كانوا يتعاونون معهم في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك في أَن ذلك كله كان فيه عز الإِسلام ومجد المسلمين.
(1) أَي دون الأقارب الذين لم يهاجروا أو كانوا مشركين.
والذين آمنوا باللهِ ورسوله صلى الله عليه وسلم وأَقاموا بمكة فلم يهاجروا إِلى المدينة ولم يلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتركوا مع المؤمنين المهاجرين والأَنصار في نصر الدين وحرب الكافرين ما لكم شيء من توليهم، فلا إِرث بينكم وبينهم - أَيها المهاجرون والأَنصار - وإِن كان بينكم وبينهم قرابة حتى يهاجروا، والحكمة في عدم التوارث بينهم مع قرابتهم. إِيثار المؤاخاة التي تمت بين المهاجرين والأَنصار عليها، لما كان لها من أَثر بعيد في عز الإِسلام والمسلمين.
المعنى: أَن المؤمنين الذين لم يهاجروا من أَهل مكة إِن استنصروكم في الدين يجب عليكم أَن تنصروهم على أَعدائهم، ما لم يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم معاهدة سلام، فلا تعينوهم حتى لا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين الكفار، وهذا ما حدث في صلح الحديبية، فقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على عهدهم معهم، وردوا من لجأَ إِليهم من المسلمين الذين كانوا بمكة قبل صلح الحديبية.
{وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} :
فلا تخالفوا أمره حتى لا يحل بكم عقابه.
73 -
المعنى: والذين كفروا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم بعضهم أَولياءُ بعض في الميراث، فلا يرثهم المسلمون، ولا يرثون المسلمين، كما أَنهم أولياءُ بعض في المؤازرة والنصرة، فلا تستعينوا بهم - أَيها المؤمنون - فإِنهم لا يوالونكم ولا يحبون الخير لكم، وإِنما يوالى بعضهم بعضا، فكونوا على حذر منهم.
{إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} :
أَي: إِلا تفعلوا ما أَمرتكم به من التناصر والتوارث والتواصل والتعاون، وقطع الصلات بينكم وبين الكفار حتى تجعلوا قرابتهم كلا قرابة، إِلا تفعلوا ذلك كله، تحصل
فتنة في الأَرض وفساد كبير، لظهور الشرك وغلبَته، لأَن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على أَعدائهم، طمع فيهم أولئك الأَعداء واستولوا على ديارهم، كما حدث في الحقبة التي غفل فيها المسلمون عن موالاة بعضهم لبعض، واتخذوا أَعداءَهم أولياءَ لهم.
74 -
المعنى: والذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا من وطنهم وجاهدوا أعداء الإِسلام في سبيل طاعة الله ونصرة دينه، والذين آووا رسول الله والمهاجرين وأنزلوهم في ديارهم.
ونصروهم على من أَخرجوهم من وطنهم، أُولئك هم المؤمنون المستكملون لعناصر الإِيمان حقا لأَنهم حققوا من إِيمانهم مقتضاه، من هجرة الوطن ومفارقة الأَهل، والانسلاخ عن الأَموال لأَجل الدين، كما حقق الأَنصار نصرة النبي وإِيواءَه والمهاجرين في بيوتهم.
وقد ختمت الآية الكريمة بقوله تعالى: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وعدا سخيًّا من الله لهم على ما تقدم من صفاتهم، والمراد من الرزق الكريم، الثواب الجزيل الذي ينعمون به في رياض الجنة، أَكلا وتفكها من غير منة ولا تبعة ولا مسئولية، ويلاحظ أَن هذه الآية ليست متكررة مع ما قبلها، فإِن هذه للثناء عليهم والشهادة بفضائلهم، مقترنة بالوعد الكريم بالمغفرة والرزق الكريم، أَما تلك فهي للأَمر بالتواصل والتوارث والنصرة بينهم.
75 -
{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} :
أَي: والذين آمنوا وهاجروا من بعد هجرة الرسول إِلى المدينة، كالذين هاجروا بعد بيعة الرضوان في الحديبية، ثم جاهدوا معكم فهؤلاءِ من جملتكم أيها المهاجرون، فلهم مثلكم حق النصر والموالاة، وقد رفع عنهم إِثم التأَخر في الهجرة.
وبقى وجوب الهجرة على المسلمين حتى فتحت مكة، قال صلى الله عليه وسلم:"لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" وهذا عندما يكون المسلم آمنا على عقيدته، فإِن خاف الفتنة وجبت عليه الهجرة إِلى مكان يأمن فيه على نفسه وأَهله ودينه وماله.