المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ}: أَي: وأَصحاب القرابات، - التفسير الوسيط - مجمع البحوث - جـ ٣

[مجموعة من المؤلفين]

الفصل: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ}: أَي: وأَصحاب القرابات،

{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ} :

أَي: وأَصحاب القرابات، بعضهم أَحق ببعض في التوارث بالقرابة، وبذلك النص انتهى حكم التوارث بالمؤاخاة والحلف والمعاهدة والتبنى وثبت حكم التوارث بالقرابة.

{إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} :

أَي أَن علمه تعالى محيط بكل شيء وفي جملة ذلك امتثال المؤمنين وتنفيذهم أمر الله، بالتوريث بالقرابة، أَو مخالفتهم له، فيثيب الأوَّلين ويعاقب الآخرين.

‌سورة التوبة

‌مقدمة

سورة التوبة من السور المدنية، إلا الآيتين الأَخيرتين منها فهما مكيتان على الراجح وتشتمل على تسع وعشرين ومائة آية.

قال ابن كثير: هذه السورة من أَواخر ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أَخرجه البخاري عن أَبي إِسحق قال: سمعت البراءَ يقول آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ في الْكَلَالَةِ} . وآخر سورة نزلت "براءَة" وقد جاءَ ترتيبها في المصحف بعد الأَنفال لما يلى:

1 -

أَن في سورة الأَنفال حثا على الوفاءِ بالعهود وفي سورة التوبة دعوة إلى نبذها مع الكفار الناكثين لها.

2 -

أَن الأَنفال قد اختتمت بفرض الموالاة بين المؤمنين وأَن التوبة قد بدئت بوجوب قطعها بينهم وبين الكفار.

3 -

أَن التوبة تشتمل على تفصيل كثير للإِجمال الذي جاءَت به الأَنفال.

4 -

أَن كلتا السورتين نزلتا في القتال، وأَنهما دعامتا النظام العسكري في الإِسلام، وفيهما تقرير لأصول إِسلامية كثيرة. ودعوة إِلى تكوين المجتمع الإِسلامى المعتمد على القوة، والاستعداد العسكري القائم على الإِيمان والعلم والطاعة، والحرص على تحمل

ص: 1653

المسئولية، والمحافظة على الأَمانة والإِخلاص، وبذل المال في سبيل الله، ومحاربة النفاق والمنافقين.

وسمّيت هذه السورة "سورة التوبة": لما فيها من توبة الله على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأَنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، وعلى الثلاثه الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك - وسيأْتى بيان ذلك.

وفي التوبة تحديد لعلاقة المسلمين بأَعدائهم في آخر عهد النبوة وكانوا ثلاث طوائف:

1 -

طائفة مشركى العرب، وقد دعت السورة إلى نبذ عهود الذين لم يوفوا عهودهم منهم وأُمهلوا فيها أَربعة أَشهر يسيحون في الأرض.

كما دعت إِلى الوفاءِ بالعهد إِلى مدته مع الذين لم ينقضوا عهودهم، لتخلص جزيرة العرب للمسلمين وحدهم، حتى تكون كلمة الله هي العليا في مشرق الإِسلام.

2 -

أَهل الكتاب الناكثين لعهودهم فعلا، ومن قامت الأمارات القوية على أَنهم بصدد خيانتها ونكثها، وقد أَمَر الرسول بقتالهم حتى يخضعوا ويدفعوا الجزية.

3 -

المنافقين وقد فضحوا في هذه السورة وكشفت أَسرارهم، وأُمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بجهادهم والحذر منهم والإِعراض عنهم.

وجملة القول: أَن الله - تعالى - أَعلن في سورة التوبة وجوب انتهاءِ الشرك من الجزيرة العربية، وحرب أَهل الكتاب وقتالهم إِن لم يؤمنوا أَو يدفعوا الجزية.

وتحدث عن الذين جاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ومنزلتهم في الدنيا والآخرة، وعن الذين تخلَّفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظم جريمتهم، ثم توبة الله على ثلاثة منهم اعترفوا بزلتهم وأَحسنوا التوبة منها.

وحارب النفاق حربا شديدة تماثل حربه للشرك أَو تزيد، كما بين الله فيها منزلة الشهداءِ ومكانتهم عند الله، ودعا إِلى تعلم العلم وجعل طلبه فريضة.

ص: 1654

وقد ختم الله سورة التوبة ببيان حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على المؤمنين، ووجوب الإِقبال على الإِسلام وعدم التولى عنه.

وتسمى هذه السورة بأَسماءٍ أُخرى. منها: سورة براءَة. وسورة العذاب. وسورة الفاضحة لأَنها فضحت المنافقين، وكشفت نفاقهم الذي أجهدوا أَنفسهم في إِخفائه، إِلى غير ذلك من أَسمائها.

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)} .

المفردات:

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} : المراد من البراءَة قطع العهد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الناكثين للعهد من المشركين.

{عَاهَدْتُمْ} : عاقدتم.

ص: 1655

{فَسِيحُوا في الْأَرْضِ} : فسيروا فيها أَحرارا.

{غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} : أَي غير مفلتين من انتقامه.

{مُخْزِي الْكَافِرِينَ} : مذلُّهم في الدنيا والآخرة.

{وَأَذَانٌ} : الأَذان، الإِعلام بأَمر مهم، وشاع إِطلاق الأَذان على النداءِ للصلاة.

{يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ} : المراد به يوم عيد النحر وقيل، يوم عرفة.

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} : أَي وأَنذرهم بعذابه فإِن التبشير كما يستعمل كثيرًا في الإِخبار بما يسرُّ، يستعمل قليلًا في الإِخبار بما يسوءُ، لغرض الإِهانة والتحقير.

{وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ} : أَي ولم يعينوا عليكم

التفسير

1 -

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} :

انفردت سورة التوبة بترك البسملة في أَولها، دون باقى سور القرآن، لأَنها بدئت بالبراءَة من المشركين الناقضين لعهودهم وإِنذارهم، والبسملة فيها رحمة لا تلتقى مع هذا الإِنذار.

روى أَنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى تبوك، جعل المشركون ينقضون

العهود التي كانت بينهم وبين رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم، إِلا بعض القبائل، منهم بنو ضَمْرة وبنو كنانة، فأَمره الله بنبذ عهود الناكثين، وأُمهلوا أَربعة أَشهر يسيرون في الأَرض أَحرارًا كيف شاءُوا.

والمعنى: براءَة صادرة من الله أَمرًا، ومن رسوله صلى الله عليه وسلم تبليغًا إِلى المشركين، الذين خانوا عهودهم ونقضوها.

والمقصود من هذه البراءة، إِنهاء حكم الأَمان الذي تتضمنه هذه العهود بسبب سبق المشركين إِلى نكثها.

2 -

{فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} :

ص: 1656

أَي فسيروا في الأَرْض آمنين على أَنفسكم من قتال المسلمين مدَّة أَربعة أَشهر، لا تتعرضون للإِيذاءِ فيها، واعلموا أَنكم غير معجزى الله بسياحتكم في الأَرض أَو قتالكم المسلمين، وأن الله مخزى الكافرين في الدنيا بالهزيمة، وفي الآخرة بسوءِ العذاب.

وقد عُلِم من الآية الكريمة أَن الناكثين لعهودهم يمهلون أَربعة أَشهر، سواء أَكانت مدتهم كذلك، أَم أقل منها أَم أَكثر، وابتداء هذا الأَجل من يوم الحج الأَكبر، وانقضاؤه بعد تمام أَربعة أَشهر كوامل.

3 -

{وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} :

أَي وإِعلام من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إِلى الناس كافة مسلمهم وكافرهم في يوم الحج الأَكبر، أَن الله برىءٌ من عهود المشركين الناكثين، وأَن رسوله صلى الله عليه وسلم برىءٌ منهم كذلك (1)، والمراد بيوم الحج الأَكبر يوم النحر، أَما العمرة فهي الحج الأَصغر، وقد تولى إِبلاع هذا الإِعلام أَبو بكر وعلى رضي الله عنهما، كما رواه البخاري وغيره، وخلاصة تلك الروايات أَنه صلى الله عليه وسلم أَمَّر أَبا بكر رضي الله عنه على موسم الحج سنة تسع، ثم أَتبعه عليا رضي الله عنه على ناقته العضباء، ليقرأَ صدر سورة التوبة على أَهل الموسم، فقيل له عليه الصلاة والسلام: لو بعثت بها إِلى أَبي بكر فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤَدِّى عَنِّي إِلَاّ رَجُلٌ مِنِّي" وذلك لأَن عادة العرب أَن لا يتولى أَمر العهد والنقض على القبيلة إِلا رجل منها، فلما قَرُبَ عَلىٌّ سمع أَبو بكر صوت ناقة مقبلة فقال هذا رغاءُ (2) ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لحقه علىٌّ قال له أَبو بكر: أَمير أَم مأْمور، قال بل مأْمور، ومضيا، فلمَّا كان قبل يوم التروية خطب أَبو بكر رضي الله عنه وحدثهم عن مناسك الحج، وقام على رضي الله عنه يوم النحر عند جَمْرَة العقبة فقال:

يأَيها الناس إِنى رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إِليكم فقالوا بماذا؟ فقرأَ عليهم ثلاثين أَو أَربعين آية من أَول سورة التوبة ثم قال: أُمرت بأَربع: أَن لا يقرب

(1) ولا تكرار بين ما جاء في هذه الآية، وما جاء في الآية الأولى، فإن الأولى فيها إخبار بثبوت البراءة من الناكثين لعهدهم وأما هذه ففيها وجوب إعلام جميع الناس بذلك، ولم يخصه بالمعاهدين.

(2)

الرغاء: صوت الإبل.

ص: 1657

البيت بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إِلا كل نفس مؤمنة، وأَن يُتَمَّ إِلى كل ذى عهد عَهْدُه.

والمقصود من براءَة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين الناكثين لِعهودهم، هو مقابلتهم بمثل ما فعلوا، وذلك بقطع عهودهم بعد مهلة أَربعة أَشهر، يتدبرون فيها أَمرهم، حتى لا يؤخذوا على غِرَّة، ولكى يكون لديهم وقت كاف في التدبر في قبول الإِسلام - وترك الشرك.

{فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ} :

أَي فإِن رجعتم خلال هذه المهلة عمَّا أَنتم فيه من الشرك وسائر المعاصي، فرجوعكم هذا أَنفع لكم في دنياكم وأُخراكم، وإِن أَعرضتم عن الإِيمان، وآثرتم البقاءَ على ما أَنتم عليه من الشرك وآثامه، فاعلموا أَنكم لا تعجزون الله عن الانتقام منكم، فهو قادر عليكم وقاهر لكم.

{وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} :

أَي وأنذر يا محمَّد أُولئك الذين كفروا بالإِسلام وعادَوْه ووقفوا له بالمرصاد، أَنذرهم بعذاب شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والخزى والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأَغلال.

والتعبير بالتبشير عن الإِنذار، لغرض التهكم والسخرية بمن يتولى عن الإِيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مع وضوح الحق في جانبه.

كما أَن العدول عن خطابهم بالوعيد، إِلى تكليف الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه إياهم، يشعر أُولئك المنذَرِين بأَن الوعيد أَمر تقرر نزوله بهم ولا بد منه، إِلى جانب إِيلامهم بالإِعراض عنهم.

4 -

{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا

} الآية.

أَمر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أَن ينبذ المسلمون عهود المشركين، وجاءَت هذه الآية، لتبين أَن هذا النبذ ليس عامًّا لهم جميعًا، بل هو خاص بأُولئك الذين تلاعبوا بعهودهم، وظاهروا على المسلمين.

ص: 1658

والمعنى: ولا تمهلوا الناكثين لعهودهم فوق أَربعة أَشهر، لكن الذين عاهدتموهم، ثم لم ينقصوكم شيئًا مما عاهدوكم عليه، ولم يعينوا عليكم أَحدًا من أَعدائكم، فلا تعاملوهم معاملة الناكثين لعهودهم، بالمسارعة إِلى قتالهم بعد هذه المهلة المضروبة للناكثين، بل أَتموا إِليهم عهدهم مهما كانت مدتهم، وقد ختم الله الآية بقوله:

{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} : للتنبيه على أنَّ عدم مراعاة حقوق العهد مع الوفى ولو كان مشركًا ليست من التقوى في شيءٍ.

والآية تدل على أَن الوفاءَ بالعهد من فرائض الإِسلام، ما دام العهد معقودًا، وعلى أَن العَهْدَ المؤقت لا يجوز نقضه إِلا بانتهاءِ وقته، وأَنَّ شرط وجوب الوفاء به علينا أَن يحافظ العدو عليه بحذافيره فإِن أَخل بشىء منه أَو عاون أَحدًا من الأَعداءِ ضدنا وجب نبذ عهده.

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)} .

المفردات:

{انْسَلَخَ} : انقضى.

{وَخُذُوهُمْ} : وَأْسِرُوهم، والأَخيذ؛ الأَسير.

{وَاحْصُرُوهُمْ} : وضيقوا عليهم وامنعوهم من الإِفلات.

{وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} : وراقبوهم في كل مكان يرى فيه تحركهم، حتى تمنعوهم من التجمع ضدكم، أَو الفكاك منكم.

ص: 1659

{فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} : أَي فاتركوهم أَحرارًا.

{اسْتَجَارَكَ} : أَي سأَل جوارك ليكون في حماك وأَمانك.

{فَأَجِرْهُ} : أَي فأَمَّنْه.

التفسير

5 -

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ

} الآية.

المراد بالأَشهر الحرم، الأَشهر الأَربعة التي أُبيح للمشركين الناكثين لعهدهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم أَن يسيحوا فيها في الأَرض آمنين، وجعلت حُرُمًا لأَن الله حرم قتالهم فيها، وقد علمت من قبل أَنها بدأَت من يوم النحر.

والمعنى: فإِذا انقضت الأَشهر الأَربعة التي حرم فيها قتال المشركين الناكثين العهودهم - لعلهم يثوبون فيها إِلى رشدهم - فاقتلوهم حيث وجدتموهم في حل أَوحرم، لإِصرارهم على الخيانة والشرك.

{وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} :

وَأْسروهم وضيقوا عليهم، وترصدوا لهم في كل مكان لئلا ينتشروا في البلاد.

ويستثنى من هؤلاءِ النساءُ والرهبان والشيوخ والصبيان والضعفاءُ فهؤلاءِ لا يتعرض لهم بقتل ولا تضييق إِلا إِذا عاونوا أُولئك الناكثين.

{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} :

أَي فإِن رجعوا عن الشرك فأَسلموا وأَقاموا الصلاة بشروطها في أَوقاتها، وأَدُّوا الزكاة لمستحقيها، برهانًا على صدق توبتهم وإِيمانهم، فخلوا سبيلهم ولا تتعرضوا لهم بشىءٍ مما تقدم، إِن الله عظيم الغفران والرحمة، فلهذا يقبل توبتهم من الغدر والكفر.

وقد جاء بمعنى هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لَاّ إِلهَ إِلَاّ الله وَأَنَّ محمدًا رَسُولُ الله وَيُقيمُوا الصَّلاة ويُؤتوُا الزَّكاة" الحديث. أَخرجه الشيخان.

وقد استند أَبو بكر رضي الله عنه إِلى الآية والحديث فحارب مانعى الزكاة.

ص: 1660

6 -

{وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ

} الآية.

أَي وإِن أَحد من المشركين طلب جوارك ليكون في حماك وأَمانك، فأَجبه إِلى طلبه حتى يسمع كلام الله، أَي القرآن تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من أَمر الدين تقيم به عليه حجة الله، ثم أَبلغه مكان أَمنه إِن لم يسلم.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} :

أَي أَنَّ تأْمينهم وإِسماعهم كلام الله بسبب أَنهم قوم يجهلون حقيقة الإِيمان وما تدعوهم إِليه، فلا بد من تمكينهم من ذلك ببذل الأَمان لهم، حتى يزول عذرهم وتقوم لك الحجة عليهم، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}

الآية.

والآية تظهر سَماحة الإِسلام وحرصه على السلام وتهيئة أَسباب الوصول إِلى الحق في غير إِكراه ولا إِعْنَاتٍ، قال تعالى:{لَا إِكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} .

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)} .

المفردات:

{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ} : فما وفوا بعهدهم لكم.

{يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ} : يغلبوكم.

{لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً} : لا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدًا.

ص: 1661

التفسير

7 -

{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

} الآية.

هذه الآية الكريمة شروع في بيان الحكمة في البراءَة من عهود المشركين بعد أَن نكث بعضهم عهودهم، والغرض من الاستفهام (بكيف) استبعاد أَن يكون لهم عهد مع الله ورسوله ولا ينقضوه مع أَن صدورهم مليئة بكراهية المسلمين، أَو استبعاد أَن يفى الله ورسوله بالعهد وهم ناكثوه.

والمعنى على هذا: كيف يوجد لهؤلاءِ المشركين عهد معتد به عند الله وعند رسوله يستحق أَن تراعى حقوقه، ويحافظ عليه إِلى إتمام المدة؟ لكن الذين عاهدتم عند المسجد الحرام، فتربصوا بهم، وانظروا أَحوالهم، وعاملوهم حسب تصرفهم، والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أَصحابها (1)، والإِشعار بسبب توكيد احترامها وتنفيذها.

{فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} :

فَأَىَّ وَقْتٍ استقام أُولئك المشركون الذين عاهدتموهم عند المسجد الحرام، وكانوا أَوفياء بمعاهدتهم، فاستقيموا لهم بإِتمام عهدهم إِلى مدتهم، فإِن هذا من التقوى، والله يحب المتقين.

8 -

{كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً

} الآية.

في تكرار الاستفهام بكيف، تكرار وتأْكيد لاستبعاد ثباتهم على العهد أَو بقاء حكمه مع التنبيه على السبب.

والمعنى على الثاني: كيف يكون للمشركين عهد مُعْتَدٌّ به، ومراعاةٌ لأَحكامه عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، وحالهم أَنهم إِن يظفروا بكم أَيها المؤمنون ويظهروا عليكم ويغلبوكم، لا يراعوا في شأنكم قرابة ولا عهدًا، فإِذا كانوا لا يراعون عهودهم وقرابتهم معكم، فكيف تحافظون على عهود ضيعوها ونكثوها، وشرط وجوب مراعاة حقوق العهد، أَن تكون محترمة من المتعاقدين، فإِن ضيعها أَحدهما، حلَّ للآخر معاملته بالمثل.

(1) وهم بنو بكر - كما قال محمَّد بن إسحاق - أَي ليس العهد إلا لهؤلاء الذين لم ينقضوا عهدهم بعد.

ص: 1662

{يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} :

يرضيكم أُولئك المشركون بإِظهار الوفاءِ والمصافاة بأَفواههم، ويؤكدون ذلك بالأَيْمَانِ الفاجرة، ويتعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة، وتمتنع قلوبهم عن إِقرار ما نطقت به أَلسنتهم، وأَكثرهم متمردون على الفضائل، فلا عقيدة تكفهم ولا مروءَة تردعهم.

وتخصيص الأَكثر بِوصْفِ الفِسْقِ والغدر لما في بعض الكفرة من البعد عن الغَدْرِ، والتعفف عما يؤدى إِلى سوء الأُحدوثة وقبح السيرة.

{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)} .

المفردات:

{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ} : استبدلوا بالقرآن.

{فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ} : فأَعرضوا عن دينه الموصل إِليه.

التفسير

9 -

{اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا

} الآية.

استبدل المشركون بالقرآن الذي هو أَعظم آيات الله التنزيلية، استبدلوا به شيئًا حقيرا من حطام الدنيا هو اتباع أهوائهم وشهواتهم، فأَعرضوا عن دين الله الموصل إِلى مرضاته، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأَنوا إِليها، إِنهم بئس الذي كانوا يعملونه من إِعراضهم عن الحق وإِقبالهم على الباطل.

ص: 1663

10 -

{لَا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} :

هذه الآية الكريمة نعت على المشركين عدم مراعاتهم لحقوق المؤمنين على الإِطلاق، أَما مثيلتها السابقة، فقد نعت عليهم ذلك عندما يظهرون عليهم، كما أَن في هذه الآية توكيدًا لما جاءَ في الآية السابقة.

والمعنى: لا يراعى المشركون في مؤمن قرابة ولا عهدًا في أَي حال، فقلوبهم مفعمة بكراهيتهم، وأولئك هم المغالون في الاعتداء، بعدم مراعاة حقوق أَهل الدين الحق.

{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)} .

التفسير

11 -

{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ في الدِّينِ

} الآية.

فإِن رجعوا عما هم عليه من الكفر ومعاداة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والتزموا إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة في مواقيتهما، وفق ما شرعه الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم إِخوانكم في الدين، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، ونبيَّن الآيات المتعلقة بأَحوال المشركين من الناكثين وغيرهم، الموضحة لأَحكامهم حالتى الكفر والإِيمان، نبيِّنها لقوم يعلمون ويفهمون ما فيها من الأَحكام فيطبقونها عند مقتضياتها.

ص: 1664

{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)} .

التفسير

12 -

{وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا في دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ

}.

بينت الآية السابقة كيف نعامل المشركين إِن تابوا عن الشرك وأَقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وجاءَت هذه الآية لتبين كيف نعاملهم إِن ظلوا على شركهم ونقضوا العهد بيننا وبينهم.

والمعنى: وإِن نقض هؤلاء المشركون ما وثقوه من العهود بالأَيمان ولم يوفوا بها وطعنوا في دينكم وعابوه بصريح التكذيب وتقبيح الأَحكام، فقاتلوا أَئمة الكفر وأَصحاب القدوة فيه، لنقضهم عهدهم وحنثهم في أَيمانهم، إِنهم لا يقصدون بأَيمانهم توثيق عهدهم حقيقة بل يقصدون بها الخداع والمكر مع تبييت نية الشر، فهم لا أَيمان لهم يوثق بها ويركن إِليها، وليكن غرضكم من قتالكم لهم أَن ينتهوا عما هم فيه من الشرك والطعن في الدين، لا إِيصال الإيذاءِ لهم كما هي طريقة أَهل الإِيذاء والشر.

{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)} .

التفسير

13 -

{أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ....... } الآية.

ص: 1665

في هذه الآية تحريض على قتال أُولئك الناكثين لعهودهم، مؤكد للأَمر السابق بقتالهم.

والمعنى: لا ينبغي أَن تتأَخروا عن قتالهم، بل تقبلون عليه: أَلا تقاتلون قوما نقضوا عهودكم وطعنوا في دينكم وظاهروا عليكم أَعداءَكم، وهموا بإِخراج الرسول حين تشاوروا في دار الندوة على التخلص منه.

ونسب إِليهم الهمُّ بإِخراج الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينسب إِليهم إِخراجه، لأَن الله تعالى هو الذي أمره بالخروج، بعد أَن أَعلمه بما دبروه من قتله.

{وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} : بالقتال في بدر. {أَتَخْشَوْنَهُمْ} : أَتخافونهم أَيها المؤمنون فتتركوا قتالهم خوفا على أَنفسكم لا ينبغي ذلك منكم.

{فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ} : أَي فالله أَجدر بأَن تخافوا عقابه إِذا تركتم قتالهم، وأَن تحذروا سخطه عليكم فإِن هؤلاءِ المشركين لا يملكون لكم نفعا ولا خيرا والله تعالى وحده هو الذي بيده النفع والضر.

{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} : فاخشوه وحده، فإِن شأْن الإِيمان أَن يدفع أَصحابه، إِلى عدم الخوف إِلا من الله تعالى.

{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)} .

التفسير

14 -

{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} :

ص: 1666

بعد أَن بين الله فيما سبق ما يستوجب قتال المشركين، ووبخ على التراخى فيه، وتوعد على تركه، أَتبعه الأَمر بقتالهم والتبشير بالنصر عليهم في هذه الآية.

والمعنى: قاتلوا المشركين، ولا تخافوهم واحرصوا على النصر، فإِنكم إِن صدقتم في القتال:{يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ} : قتلا. {وَيُخْزِهِمْ} : أَسْرًا {وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ} : عاقبة {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} : موتورين من هؤلاءِ المشركين.

وقيل المراد من القوم المؤمنين هنا؛ بطون من اليمن وسبإِ. قدموا مكة فأَسلموا فلقوا من أَهلها أَذى كثيرا، فبعثوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إِليه فقال صلى الله عليه وسلم "أَبشروا فإِن الفرج قريب" وعزى هذا القول لابن عباس.

وقيل هم خزاعة فإِن قريشًا أَعانت بني بكر عليهم، وكانت خزاعة حلفاءَ النبي صلى الله عليه وسلم، فأَنشد رجل من بني بكر هجاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل من خزاعة لئن أَعدته لأَكسرن فمك، فأَعاده فكسر فاه وثار بينهم قتال: فقتلوا من الخزاعيين أَقوامًا، فخرج عمرو بن سالم الخزاعى في نفر إِلى النبي صلى الله عليه وسلم وأَخبره بما حدث، فدخل منزل ميمونة وقال:"اسكبوا إِليَّ ماءً" فجعل يغتسل وهو يقول: "لا نُصِرت إِن لم أَنْصُر بني كعب" ثم أَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجهز والخروج إِلى مكة فكان الفتح.

ونسب هذا القول إِلى مجاهد - ولكن العبرة بعموم اللفظ، فقد فعل المشركون مع المؤمنين بمكة منذ أَول الدعوة الإِسلامية حتى الفتح، ما يقتضي الثأْر منهم للمؤمنين.

15 -

{وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} : أَي ويذهب الله بنصركم على المشركين غيظ قلوبكم أَيها المؤمنون بسبب ما نالكم منهم من متاعب ومشاق، وقد أَنجز الله سبحانه جميع ما وعدهم به على أَحسن الوجوه، فكان إِخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قبل وقوعه معجزة عظيمة له.

{وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} : هذا كلام مستأْنف يُنبِىءُ عما سيكون من إِيمان بعض

ص: 1667

المشركين؛ حسب مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة، وقد تحقق ذلك حيث أَسلم كثير منهم.

{وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} : والله شامل العلم فيعلم تحول قلوب هؤلاءِ من الكفر إِلى الإِيمان فيعينهم على توبتهم وإِيمانهم، والله عظيم الحكمة في إِقامة دينه وإِظهاره على الدين كله، وإِعانة التائبين على متابهم.

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)} .

المفردات:

{وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ} : لما حرف يفيد نفى وقوع الفعل إِلى زمن التكلم مع توقع وقوعه في المستقبل، والمراد أَنه إِلى الآن لم يتحقق وقوع الجهاد منكم، لعدم حصوله وقت نزول الآية، ولكنه ينتظر وقوعه وفق ما في علم الله.

{وَلِيجَةً} : الوليجة الصديق الذي تطلعه على سرك وخفايا أَمرك من الولوج وهو الدخول، ويطلق عليه لفظ بطانة أَيضًا، لأَنك تباطنُهُ بأَسرارك.

التفسير

16 -

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ

} الآية.

هذه الآية إِلى خاتمة السياق في الآيات التالية، جاءَت كسابقتها للحث على جهاد المشركين لتطهير جزيرة العرب من الشرك حتى يسلم المسلمون ودينهم من أَذى أَهله.

ص: 1668

وفي الآية توبيخ للمسلمين ولوم لهم على ظنهم أَن يتركوا دون أَن يبلوهم الله بجهاد المشركين، ليتبين المخلص في إِيمانه وجهاده من غيره، إِثر توبيخهم في الآية السابقة على تراخيهم في الجهاد.

والمعنى: بل أَظننتم أَن تتركوا على ما أَنتم عليه من القعود عن الجهاد دون اختبار منا بتكليفكم به، ولما يتحقق بعد الذين جاهدوا في سبيل الله بإِخلاص وهمة، غير متخذين لهم أَولياءَ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين يباطنونهم بأَسراركم الخفية، ويطلعونهم على عوراتكم.

{وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} : أَي والله عظيم العلم بما يعمله عباده، فلا تخفى عليه منهم خافية، فإِن هم جاهدوا - بإِخلاص؛ أَحسن مثوبتهم، وإِن هم قعدوا عنه أَو قَصَّروا فيه أَو أَبلغوا أَسراره وخططه إِلى أَعداءِ الإِسلام أَغلظ عقوبتهم.

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)} .

المفردات:

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} : أَي ما صح ولا استقام لهم.

{شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} : المراد من شهادتهم على أَنفسهم إِظهارهم آثاره، من نصب الأَوثان حول البيت وعبادتها - وإِن أَبوا أَن يعترفوا بكونهم كفارًا.

ص: 1669

{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} : أَي بطلت فلا ينتفعون بها.

{مَسَاجِدَ اللهِ} : أَي أَماكن عبادته.

التفسير

17 -

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} :

أَمر الله تعالى قبل هذه الآية بقتال المشركين الذين أَخرجوهم من ديارهم وأَلا يتخذوا منهم بطانة، وفي هذه الآية يبين الله تعالى أَن هؤلاءِ المشركين ليسوا أَهلا لعمارة المسجد الحرام ولا للإِقامة حوله، وإِنما أَهل ذلك هم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويخشون الله تعالى فلذا ينبغي أَن يبعدوا المشركين عن جوار البيت وشرف عمارته، بقتالهم ما لم يهتدوا إِلى دين ربهم.

والمعنى: ما صح ولا استقام في دين الله وشرعه أَن يتولى المشركون عمارة الأَماكن المعدة لعبادة الله المبنية على اسمه وحده لا شريك له، فضلًا عن عمارتهم المسجد الحرام الذي هو أَشرفها وأَعزها، إِذ كيف تستقيم عمارتهم له وهم معترفون بكفرهم شاهدون به على أَنفسهم، بما قَدَّسُوه من أَوثان، وما قدموه لها من قربان، وإِن زعموا أَنهم بذلك غير كافرين.

{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} :

أُولئك الذين يفخرون بعمارة المسجد الحرام والقيام على خدمته، بطلت أَعمالهم البارَّة جميعًا فصارت هباءً منثورًا، لاقترانها بالشرك وكبائر الذنوب، فلا هم عليها يثابون بل هم في النار خالدون.

روى أَن المهاجرين والأَنصار أَقبلوا على أَسارى "بدر" يعيرونهم بالشرك، وطفق على رضي الله عنه يوبِّخ عمه العباس بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم، وأَغلظ له في القول، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، فقال: ولكم محاسن؟ قالوا نعم: إِنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج ونفك العانى (1) فنزلت هذه الآية وما بعدها ردًّا عليهم.

(1) العانى: بمعنى الأسير.

ص: 1670

18 -

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ

} الآية.

المعنى: إِنما الجدير بأَن يعمر مساجد الله ويثاب على عمارتها، من آمن بالله - وحده - ربًّا ومعبودًا، وصدَّق باليوم الآخر موعدًا ومصيرًا، وحسابًا وجزاءً، وأَدى الصلاة على وجهها المشروع في مواقيتها، وأَعطى الزكاة بأَنواعها ومقاديرها لمستحقيها، وفقًا لما جاءَ به الرسول صلى الله عليه وسلم وامتثالا لأَمره وإِيمانًا به، ولم يخف في الحق غير الله تعالى، فهؤلاءِ الجديرون وحدهم بعمارة مساجد الله دون من أَشرك بالله وكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم.

{فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} :

كلمة (عَسَى) من الله تفيد وقوع ما بعدها حتما، قال ابن عباس وغيره:"عسى" من الله واجبة، وقال محمَّد بن إِسحق: عسى من الله حق.

نقول: ومن ذلك قوله تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} .

أَي أَنه تعالى سيبعث نبيَّنا يوم القيامة ذا مقام يحمده له الأَولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة العظمى وأَن ذلك حاصل بفضل الله ولا بد من حصوله.

والمعنى: فعسى أُولئك المؤمنون باللهِ واليوم الآخر المقيمون الصلاة المؤتون الزكاة الخائفون من الله - وحده - عسى هؤلاءِ أَن يكونوا من المهتدين إِلى ما يحبون، من الجنة وما فيها من المطالب العلية.

وإِنما عبر عما ينتظر هؤلاءِ الكرماءَ على الله، من الاهتداءِ إِلى مطالبهم العليَّة، بعبارة تفيد التوقع دون القطع، لتنحسم أَطماع المشركين في الانتفاع بأَعمالهم التي حسبوا أَنها نافعة لهم، ولتوبيخهم بقطعهم أَنهم مهتدون، فإِن المؤمنين - على ما بهم من الكمالات - إِذا كان أَمرهم دائرا بين "لعل وعسى" فما بال الكفرة، كما أَن فيه ترغيبًا للمؤمنين في أَن يكون لهم مع الرجاءِ في فضل الله خوفٌ من عقابه على ما عسى أَن يكون لهم من تقصير في العمل أَو النية.

ص: 1671

والآية شاهد على فضل عمارة المساجد بالبناءِ أَو العبادة، وفي ذلك يروى الترمذي بسنده عن أَبي سعيد الخدرى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا رأَيْتُم الرَّجُلَ يعتادُ المسْجدَ فاشْهدوا لَهُ بالإِيمان".

{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)} .

المفردات:

{سِقَايَةَ الْحَاجِّ} : المراد من الحاج جنس الحجاج ومن سقايتهم إِعطاؤهم ما يَشْرَبون.

التفسير

19 -

{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ} :

لما زعم المشركون أَن لهم محاسن تقتضى فضلهم على المؤمنين، أَنكر الله عليهم حتى مجرد المساواة بهم فضلا عن سبقهم، ووبَّخهم على زعمهم الفاسد الذي خدعوا به أَنفسهم، روى أَن المشركين سأَلوا اليهود قائلين: نحن سقاة الحاج وعمَّار المسجد الحرام، أَفنحن أَفضل أَم محمَّد وأَصحابه، فقالت اليهود عنادًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أَنتم أَفضل - فردَّ الله على الجميع مُنْزِلًا هذه الآية الكريمة.

والمعنى: أَجعلتم أَصحاب سقاية الحجاج في طريقهم إِلى مناسكهم أَو عند عودتهم منها وهم مشركون بالله، أَجعلتموهم مشابهين لمن آمن باللهِ ورسوله وآمن باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاءِ، وجاهد الكفار في سبيل الله وطلبًا لمرضاته.

ص: 1672

وبعد أَن أَنكر الله على المشركين زعمهم أَفضليتهم على المؤمنين، عن طريق إِنكاره لما هو أَخف منه من المشابهة، حكم الله تعالى بعدم تساويهما عنده، وتوعَّد المشركين فقال:

{لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} :

أَي: لا يستوى المشركون - وإِن تقربوا إِلى الله بالسقاية وعمارة المسجد الحرام - مع المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر المجاهدين في سبيل الله، فالأَولون خالدون في النار أبدًا، والآخرون خالدون في الجنة أَبدًا، والله - تعالى - لا يهدى إِلى الرشد من ظلم نفسه، وظلم الحق بإِصراره على الشرك بالله، والكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد جاءَ في سبب نزول هذه الآية رواية أُخرى في صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال:

"كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَسقى الحاج، وقال آخر: ما أُبالى أَن لا أَعمل عملا بعد الإِسلام إِلا أَن أَعْمُرَ المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أَفضل مما قلتم: فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أَصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة ولكن إِذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه فأَنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

} الآية.

وهذا المساق يقتضي أَن الآية نزلت عند اختلاف المسلمين في الأَفضل من هذه الأَعمال، وأَن الآية نزلت بتمامها إِلى قوله تعالى:{وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} في شأْن خلافهم، وهذا مشكل بالنسبة إِليهم. فإِنهم مهديون وليسوا بظالمين.

وأُجيب عن هذا الإِشكال بأَنه لما قرأَ النبي صلى الله عليه وسلم الآية ظن الراوى أَنها نزلت حينئذ فقال إِنها نزلت بهذا السبب في حين أَن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا استفتاه عمر فيما اختلفوا فيه قرأَ النبي صلى الله عليه وسلم الآية التي نزلت من قبل بشأْن المشركين، مستدلًا بها على أَن الجهاد أَفضل من سقاية الحاج وعمارة المسجد

ص: 1673

الحرام، ليعلم المختلفون الحكم، فالآية في الحقيقة لم تنزل بسبب هذا الخلاف، والراوى أَخطأَ في ظنه نزولها بسببه أَو تسامح في التعبير.

قال القرطبى: نقلا عن غيره: لا يستبعد أَن ينتزع ممَّا أُنزل في المشركين أَحكام تليق بالمسلمين، قال عمر: إِنا لو شئنَا لاتخذنا سلائق وشواءً وتُوضَعُ صَحْفَةٌ، وتُرْفَعُ أُخرى، ولكنَّا سمعنا قول الله تعالى:{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} (1).

وهذه الآية نص في الكفار ولكن عمر رضي الله عنه فهم منها زجر المسلمين أيضًا عمَّا يناسب أَحوال الكافرين بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أَحد من الصحابة فهذه الآية من هذا النوع - قال القرطبى: وهذا تأْويل نفيس وبه يزول الإِشكال اهـ.

{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)} .

المفردات:

{وَهَاجَرُوا} : تركوا مكة إِلى المدينة خوفًا على دينهم وأَمنا على أَنفسهم من أَذى المشركين.

{يُبَشِّرُهُمْ} : البشارة الإِعلام بالخبر السَّار، وسمَّيت بذلك لظهور أَثرها على البشرة.

(1) سورة الأحقاف من الآية: 20

ص: 1674

التفسير

20 -

{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا في سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ

} الآية.

لما أَنكرت الآية السابقة استواءَ الذين يسقون الحجاج ويعمرون المسجد الحرام - وهم مشركون - مع المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، جاءَت هذه الآية وما بعدها لبيان عظيم درجاتهم عند الله، بسبب ما اتصفوا به من الكمالات:

والمعنى: الذين آمنوا بالله تعالى ربًّا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وهجروا وطنهم مكة إِلى المدينة، حماية لدينهم وأَمنا على أَنفسهم وعقيدتهم، وجاهدوا الكفار بأَموالهم وأَنفسهم، في طريق مرضاة الله وإِعزاز دينه، لا طلبًا للشهرة والاتسام بالشجاعة والفتوة، ولا تهافتًا على نيل الغنيمة من غير تطلع إِلى جانب الله، أُولئك {أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ} . أَعلى رتبة وأَكثر كرامة ممن لم يتصف بها من هؤلاءِ الذين أَشركوا بالله، وخلطوا بشركهم سقاية الحجاج وعمارة المسجد الحرام.

وأَفعل التفضيل في قوله تعالى: {أَعْظَمُ دَرَجَةً} على غير بابه، فليس للمشركين أَي درجة من الفضل والثواب بسبب شركهم، ولذلك عقبه بقوله:

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} :

وأُولئك المنعوتون بهذه الكمالات هم المختصون بالفوز العظيم والظفر بالبغية دون سواهم، فكيف يزعم أُولئك المشركون علوهم في الفضل على المؤمنين، من أَجل سقايتهم الحجاج وعمارتهم المسجد الحرام وهم بربِّهم يشركون:

ثم يبين الله عظيم درجاتهم وفوزهم ويبشِّرهم فيقول:

21 -

{يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ} :

يخبرهم الله مُبَشِّرًا برحمة عظيمة منه في دنياهم وأُخراهم، ورضوان كريم عن فضائلهم، وجنات يقصر الوصف عن بيان عظمتها، لهم فيها نعيم لا يقادر قدره، دائم لا نفاذ له ولا شك في أَن الإِخبار بذلك يسرُّهم ويرضى قلوبهم ويَغيظ عدوهم.

ص: 1675

22 -

{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} :

أَي أَن الله تعالى يبشرهم بدخولهم تلك الجنات خالدين فيها لا يخرجون منها أَبدًا، فإِن الله لديه أَجر عظيم، فلا يبخل به على أَوليائه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)} .

المفردات:

{أَوْلِيَاءَ} : أَحباءَ وأَصفياء.

{وَعَشِيرَتُكُمْ} : أَي أَقرباؤكم، من العشرة وهي الصحبة.

{فَتَرَبَّصُوا} : فانتظروا.

{لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} : أَي لا يعينهم على الهدى لخروجهم عن طاعة الله بموالاة أَعدائه.

ص: 1676

التفسير

23 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} :

بعد أَن بين الله فيما تقدم أَن المشركين لا يستوون عند الله مع المؤمنين مهما قدَّموا من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وغيرهما، - وأَن المؤمنين أَعلى منزلة وأَعظم كرامة لديه منهم، فهم الفائزون دونهم برحمة الله ورضوانه ونعيمه المقيم.

بعد أَن بيَّن الله ذلك أَتبعه في هذه الآية نهى المؤمنين عن موالاة أَقاربهم إِن هم استمروا على كفرهم وشركهم، وهذه الآية نزلت في المهاجرين، فإِنهم لما أُمروا بالهجرة قالوا إِن هاجرنا قطعنا آباءَنا وأَبناءَنا وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا وهلكت أَموالنا، وخربت ديارنا وبقينا ضائعين، فنزلت: فهاجروا، فجعل الرجل يأْتيه ابنه أَو أَبوه أَو أَخوه أَو بعض أَقاربه فلا يلتفت إِليه، ولا ينزله ولا ينفق عليه، ثم رخص لهم في ذلك: والآية عامة الحكم وإِن كان السبب خاصًّا.

والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا يَتَّخذ أَحد منكم أَباه أَو أَخاه حبيبًا يصافيه ويخلص له الودَّ إِن استحب الكفر وآثره على الإِيمان، وأَصرَّ عليه إِصرارًا لا يرجى منه الإِقلاع عنه. والنهي عن موالاتهم في تلك الحالة يقتضي جواز موالاتهم قبلها، على أَمل أَن تؤدي بهم إِلى الإِسلام، بسبب شعورهم بسماحته.

{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} :

ومَن يحبهم ويخلص لهم الودَّ، وهم على ما هم عليه من الإِصرار على الكفر بالله ورسوله، فأُولئك هم الظالمون - وحدهم - دون سواهم فإِن ظلم غيرهم يتلاشى أَمام ظلمهم، لأَنهم أَحبُّوا من كفر باللهِ ورسوله، وليس بعد الكفر ذنب، فكيف يحبون من يتصف به.

24 -

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ في سَبِيلِهِ .. } الآية.

ص: 1677

تضمنت هذه الآية أَمرًا للنبي صلى الله عليه وسلم أَن يقوى عزائم المؤمنين على الانتهاءِ عما نهوا عنه، من موالاة الأَقربين من المشركين ومن يجرى مجراهم.

والمعنى: قل أَيها الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين إِن كانَ آباؤكم وأَبناؤكم وإِخوانكم وأَزواجكم وأَقرباؤكم الذين نهيتم عن موالاتهم لكفرهم، وأَموالكم التي اكتسبتموها بسعيكم، وبضاعتكم التي اشتريتموها لتجارتكم وتخشون كسادها بهجرتكم أَو بجهادكم، ومنازل تعجبكم الإِقامة فيها، وتودون أَن لا تبرحوها. إِن كان كل ذلك أَو بعضه أَحب إِليكم من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن الجهاد في سبيله.

{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} : فانتظروا حتى يأْتى الله بما يأْمر به من عقوبة عاجلة أَو آجلة لكم.

{وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} :

والله لا يوفق إِلى الرشد القوم الخارجين عن طاعته فيما أَمرهم به، من ترك موالاة أَقاربهم الكافرين، والهجرة لإِعزاز الدين، والجهاد لحماية الإِسلام والمسلمين، وقد استفيد من الآية الكريمة، وجوب أَن يكون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أَحب، إِلى المسلم مما سواهما، وأَن يكون لهذا الحبِّ أَثره من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيما أَمر به الله أَو نهى عنه، أَخرج الإِمام أَحمد بسنده عن زهرة بن معد عن جده قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، قال: واللهِ لأَنت يا رسول الله أَحب إِلىَّ من كل شيء إِلا من نفسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أَحدكم حتى أَكون أَحب إِليه من نفسه، فقال عمر: فأَنت الآن والله أَحب إِلىَّ من نفسى فقال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر".

ص: 1678

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)} .

المفردات:

{حُنَيْنٍ} : وادٍ بين مكَّة والطائف، حدثت فيه المعركة التي نسبت إِليه وكانت عقب فتح مكة.

{بِمَا رَحُبَتْ} : أَي برحبها وسعتها، والباءُ فيه بمعنى "مع".

{سَكِينَتَهُ} : رحمته التي تسكن عندها النفوس.

التفسير

25 -

{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ

} الآية.

بيَّن الله في الآيات السابقة فضل الجهاد، وأَنذر المؤمنين عاقبة التقصير فيه وفي حبِّ الله ورسوله بقوله:{فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} وبيَّن في هذه الآية أَنه تعالى عودهم النصر حين يخلصون في جهادهم، ويعتمدون فيه على ربهم، وأَن كثرة الجنود لا تنفع بغير معونة الله وإِخلاص النية لله.

والمعنى: لقد نصركم الله - أَيها المؤمنون - في مواقع كثيرة خصم فيها معارك مع أهل الشرك، كبدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر ومكة، وذلك لأَنكم نصرتموه بصدق

ص: 1679

جهادكم فهيأَ لكم ثمار النصر، وفاءً بوعده الكريم في قوله تعالى:{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ} وقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .

{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} :

أَي ونصركم يوم حنين مع أَنكم قصَّرْتُم فيه، إِذ أَعجبتكم كثرتكم، فتراخَيْتَم في القتال اعتمادا عليها، فلم تفدكم هذه الكثرة شيئًا في دفع العدو.

{وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} :

وضاقت عليكم الأَرض مع رحبها واتساعها من شدَّة الرعب والفزع، فقد خيِّل إِليكم أَن رحابها أَغلقت في وجوهكم، فلا تجدون فيها موضعا تطمئنون فيه وتثبتون، فصرتم بذلك كمن ضاقت عليم الأَرض مع اتساعها، فلا يجدون فيها مكانا يسعهم ثم انصرفتم من وجه العدو متقهقرين.

وكانت هذه الغزوة بعد فتح مكة مباشرة، وسببها: أَن أَشراف هوازن وثقيف اجتمعوا وتشاوروا قائلين: إِن محمدا قد فَرَغَ من قتال قومه ولا ناهِيَةَ له عنَّا، فلنبدأْه بالغزو قبل أَن يغزونا، وأَجمعوا أَمرهم على ذلك، واجتمعت إِليهم عدة قبائل، منهم قبيلة سعد بن بكر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم مسترضعا فيهم، وجعلوا قيادتهم لمالك بن عوف النصرى (1)، وكانوا عددًا كثيرًا، فلما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، أَزمع المسير إِليهم، وخرج معه اثنا عشر أَلفا، منهم عشرة آلاف ممن شهد فتح مكة من المهاجرين والأَنصار، والباقون من الطلقاءِ، أَي من أَهل مكة الذين أَسلم كثير منهم، وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال لهم: اذهبوا فأَنتم الطلقاءُ، وكان فيهم بعض المشركين.

فلما التقوا قال رجل من المسلمين اسمه سلمة بن سلامة الأَنصارى: لن نغلب اليوم من قلة، فساءَت هذه الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاقتتلوا قتالا شديدًا، فانهزم المشركون وتركوا ذرياتهم ونساءَهم وأَموالهم، وكانوا قد جعلوهم خلفهم في المعركة

(1) من بنى نصر بن مالك.

ص: 1680

ليقاتلوا مستبسلين دفاعًا عنهم فأَكبَّ المسلمون على الغنائم، فنادى المشركون يا حماة السوءِ: اذكروا الفضائح، فتراجعوا يحملون على المسلمين فانكشف المسلمون منهزمين، فقد أَدركهم شؤم إِعجابهم بكثرتهم وتراخيهم بسبب ذلك في القتال إِلى جانب اشتغالهم بجمع الغنائم والسبايا، ووجود عناصر مشركة وأُخرى حديثة العهد بالإِسلام من أَهل مكة، لم يزل للشرك أَثر في نفوسهم، حتى قال أَبو سفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر وقال أَخ لصفوان بن أُمية: الآن بطل السحر، فقال له صفوان وهو على شركه: اسكت فَضَّ الله فَاكَ، والله لأَن يَرُبَّنى رجل من قريش خير من أَن يَرُبَّنى رجل من هوازن.

26 -

{ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} :

ثم بعد أَن ضاقت عليكم الأَرض بما رحبت ووليتم مدبرين منهزمين، أَنزل الله رحمته التي تسكن بها القلوب، أَنزلها على رسوله وعلى المؤمنين، فأَما سكينته التي أَنزلها على رسوله، فقد كان من أَثرها ثباته في أَرض المعركة، وأَمره العباس أَن ينادى المنهزمين ليعودوا إِلى لقاءِ العدو، وأَمَّا سكينته التي أَنزلها على المؤمنين فقد كان من أَثرها بقاءُ عدد منهم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعودة المنهزمين إِلى أَرض المعركة، حين رأَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال فيها يُنَازل العدو، وحوله نحو مائة من أَصحابه وقد سمعوا العباس بن عبد المطلب يناديهم بأَعلى صوتة - وكان جَهْوَرِىَّ الصوت - ليعودوا إِلى أَرض المعركة، وكان الرجل من المهزومين، إِذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع، لبس درعه ثم انحدر عنه وأَرسله، ورجع بنفسه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجعت شرذمة منهم، أَمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، أَن يصدقوا الحملة، وأَخذ قبضة من التراب ودعا ربه واستنصره قائلا:"اللهم أَنجز لي ما وعدتنى"، ثم رمى بها القوم، فما بقى إِنسان إِلا أَصابه منها في عينه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فتبعهم المسلمون يقتلون ويأْسرون، ثم جاءُوا بالأَسارى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك هي خلاصة القصة مستقاة من مصادرها من السنَّة (1).

(1) راجعها مفصلة في ابن كثير والقرطبى وأبى السعود وسيرة الخضرى.

ص: 1681

ومما جاءَ عنها في الصحيحين: أَن البراءَ بن عازب قال له رجل: يا أَبا عمارة: أَفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إِن هوازن كانوا قوما رماة، فلمَّا لقيناهم وحَمَلْنا عليهم انهزموا، فأَقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَبو سفيان بن الحرث آخِذٌ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاءِ وهو يقول:"أَنا النبي لا كذب، أَنا ابن عبد المطلب"(1).

وأَخرج مسلم عن أَنس قال: "قال العباس: وأَنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّهَا إِرادةَ أَلَاّ تسرع، وأَبو سفيان (2) آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَي عباس: ناد أَصحاب السَّمُرةِ (3) - وكان رجلًا صَيِّتًا - فقلت بأَعلى صوتى: أَين أَصحاب السَّمُرة، قال: فوالله لكأَن عَطْفَتَهُمْ حين سمعوا صوتى، عطفةُ البقر على أَولادها، فقالوا: "يا لبيك يا لبيك: قال: فاقتتلوا والكفار" .. الحديث - وفيه قال - ثم أَخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزَمُوا وربِّ محمَّد، قال: فذهبت أَنظر، فإِذا القتال على هيئته فيما أَرى، قال: فوالله ما هو إِلا أَن رماهم بحصياته، فما زلت أَرى جَدَّهم - أَي حظَّهم - كليلا وأَمرَهُم مُدْبِرًا قال أَبو عمر: روينا من وجوه عن بعض من أَسلم من المشركين ممن شهد حنينا أَنه قال: وقد سئل عن يوم حنين: "لقينا المسلمين فما لبثنا أَن هزمناهم واتبعناهم حتى انتهينا إِلى رجل راكب على بغلة بيضاء، فلمَّا رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا وأَخذ بكفه حصى وترابا فرمى به وقال: شاهت الوجوه فلم تبق عين إِلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أَنفسنا أَن رجعنا على أَعقابنا" (4).

(1) ابن كثير ج 4 ص 70 طبعة الشعب.

(2)

هو أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وليس أبا سفيان بن حرب والد معاوية.

(3)

واحدة من شجر السمر، وكانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية.

(4)

انظر القرطبى - 8 ص 98 مطبعة دار الكتب.

ص: 1682

{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} :

المراد بهؤلاءِ الجنود الملائكة، أَنزلهم الله تعالى ليُقَوّوا المؤمنين بما يُلقون في قلوبهم من الخواطر والتثبيت، ويضعفوا الكافرين بالتجبين لهم من حيث لا يرونهم ومن غير قتال، أَخرج البيهقي عن مصعب بن شيبة عن أَبيه قال:"خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والله ما أَخرجنى إِسلام ولا معرفة به ولكنى أَبيت أَن تظهر هوازن على قريش فقلت وأَنا واقف معه: يا رسول الله: إِنى أَرى خَيلا بُلْقًا، فقَال: يا شيبة إِنه لا يراها إِلا كافر، فضرب بيده في صدرى، ثم قال: اللهم اهدِ شيبة، ثم ضربها الثانية ثم قال: اللهم اهد شيبة، ثم ضربها الثالثة ثم قال: اللهم اهد شيبة، قال: فوالله ما رفع يده عن صدرى في الثالثة حتى ما كان أَحد من خلق الله أَحبّ إِلىَّ منه" الحديث.

وهو يدل على أَن الملائكة نزلت على خيل بلق، وأَن المسلمين لم يروها مصداقا لقوله تعالى:{وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} بل كان يراها الكافرون، ولذا رآها - شيبة راوى هذا الحديث - رآها قبل أَن يسلم فضربه النبي صلى الله عليه وسلم على صدره ودعا له فاهتدى، وكان الغرض من إِنزالها إِلقاء الرعب في قلوب الكافرين، حين يرونهم في صفوف المؤمنين، قال سعيد بن السائب بن يسار عن أَبيه قال:"سمعت يزيد بن عامر السوائى وكان شهد حنينا مع المشركين يوم حنين، فكان يأْخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فَيَطِنُّ (1)، فيقول: كنا نجد في أَجوافنا مثل هذا" يقصد بذلك تصوير أَثر الرعب في قلوبهم.

{وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} :

المراد بتعذيبهم ما حدث لهم من القتل والجرح، والسبى وغنيمة الأَموال، والهزيمة بعد الانتصار، روى أَن عليًّا رضي الله عنه قتل بيده أَربعين رجلًا في هذه الغزوة وذلك غير ما فعله سواه من المقاتلين، وكان قتلاهم عددًا كبيرًا، وسبق أَصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَربعة آلاف نفس وغنموا اثنتى عشرة أَلف ناقة، سوى مالًا يحصى

(1) أَي فيحدث طنينا، والطنين الصوت كالرنين.

ص: 1683

من الغنائم كما روته السنن، وفي هذه الغزوة قال النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل قتيلا له عليه بيِّنة فله سلَبهُ" وجرح خالد بن الوليد في هذه الغزوة جراحات بالغة، وأَسلم ناس كثيرون من مشركى مكة، لما رأَوه من عناية الله بالمسلمين.

والذي حدث في هذه الغزوة كان درسا استفاد منه المسلمون، فإِن الأَخلاط من حديثى العهد بالإِسلام والمشركين والأعراب، كانوا من أَسباب الهزيمة فيها أَول الأَمر، فلذا ينبغي أَن لا يكون في جيش المسلمين مَنْ لم يخالط الإِسلام دمه، ويثبت في أَعماق نفسه.

27 -

{ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ...... } الآية.

أَي ثم يوفق الله من بعد تلك الغزوة من يشاءُ من هؤلاءِ ومن غيرهم، ليتوب من تركه ويؤمن بالله ورسوله.

{وَاللهُ غَفُورٌ} : يتجاوز عما سلف من الكفر والمعاصي بقبول توبتهم.

{رَحِيمٌ} : فيتفضل بقبول توبتهم.

لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين بالجعرانة، أَتاه وفد هوازن مسلمين، راغبين في عطفه عليهم، وقالوا: يا رسول الله إِنك خير الناس وأَبَرُّ النَّاس، قد أَخذت أَبناءَنا ونساءَنا وأَموالنا، فقال لهم: إِنى قد استأْنيت بكم، وقد وَقَعت الْمَقَاسِمُ وعندى من ترون، وإِنَّ خَيْرَ القول أَصدقُه، فاختاروا إِمَّا ذراريكم وإِمَّا أَموالكم فقالوا: لا نعدل بالأَنساب شيئًا، فقام خطيبا وقال:"هؤلاءِ جاءُونا مسلمين وخيَّرناهم، فلم يعدلوا بالأَنساب، فَرَضُوا بِرَدِّ الذرية، وما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لهم، وقال المهاجرون والأَنصار، أَمّا ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وامتنع الأَقرع ابن حابس وعيينة بن حصن في قومهما من أَن يردُّوا عليهم شيئًا ممَّا وقع لهم في سهامهم، وامتنع العباس بن مِرداس السُّلَمىُّ كذلك، وطمع أَن يساعده قومه، كما ساعد الأَقرعَ وعُيينةَ قومُهُمَا، فقالوا ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤيدوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "من ضَنَّ منكم بما في يديه فإِنا نعوضه منه" فرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءَهم وأَولادهم، وعوَّض مَنْ لم تَطِبْ نفسُه بترك نصيبه أَعْوَاضًا رضوا بها.

ص: 1684

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)} .

المفردات:

{نَجَسٌ} : المراد بنجاستهم خبث باطنهم: فكأَنهم عين النجاسة، لشدة خبثهم وكراهتهم للإِسلام والمسلمين.

{عَيْلَةً} : فقرًا.

التفسير

28 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} :

المقصود من خطاب المؤمنين بذلك أَن لا يمكنوا المشركين من دخول المسجد الحرام بعد العام الذي نزلت فيه هذه الآية، وهو العام الهجرى التاسع الذي كان أَبو بكر رضي الله عنه يحج فيه بالناس، واختلف في المراد من نجاستهم، فقيل هي خبث طويتهم وشركهم - وهو الراجح - وقيل هو عدم تطهرهم من النجاسات العينية.

والمراد من عدم قربهم من المسجد الحرام بعد هذا العام أَلا يحجوا ولا يعتمروا بعده، وأَن تختص شعائر الحج والعمرة بالمسلمين، ولهذا نادى علي بن أَبي طالب بعد قراءَته التوبة في موسم الحج المذكور بأَمر النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: أَلا لا يحج البيت بعد عامنا هذا مشرك (1).

(1) والتعبير عن ذلك بالنهي عن قربهم من المسجد الحرام للمبالغة في منعهم من أداء المناسك.

ص: 1685

أَما دخول الكفار الحرم والمسجد الحرام لغير الحج والعمرة فجائز عند الحنفية كسائر المساجد أَما الشافعية فيمنعونهم من المسجد الحرام خاصة، وعند مالك يمنعون من جميع المساجد (1).

والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا لا تمكنوا المشركين من أَداءِ مناسك الحج والعمرة بعد عامهم هذا، حتى لا يحج البيت إِلا من يوحد الله ويمجده وحده دون سواه.

ولما كان هذا المنع سيترتب عليه حرمانهم من الأَرزاق التي تأْتى مع هؤلاءِ المشركين، طمأَنهم الله وبشرهم بالغنى من فضله فقال سبحانه وتعالى:

{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} :

أَي وإِن خفتم فقرا بسبب انقطاع المشركين عن الحج والعمرة، وفقدان ما كانوا يجلبونه من الأَرزاق والمكاسب، فاطمئنوا فسوف يغنيكم الله من فضله بوجوه أُخرى - إِن شاءَ - إِن الله محيط العلم، بليغ الحكمة، فلهذا شرع لكم ما شرع ودبر لكم من الأَرزاق، أَوسع مما فاتكم.

ولقد بَرَّ الله تعالى بوعده، فأَرسل السماءَ عليهم مدرار، ووفق أَهل تبالة وجرش فأَسلموا وجاءُوهم بالأَرزاق والنعم وكانت أَرضهم مخصبة، ثم فتح الله عليهم البلاد والغنائم، وتوجه إِليهم الناس من أَطراف الأَرض قاصيها ودانيها.

(1) ذكر ذلك العلامة أبو السعود: والصحيح أن الشافعية كالمالكية يحرمون دخول الكفار جميع المساجد إلا بإذن لمجرد المرور، وذكر القرطبى أنه يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم كله، فإذا جاء رسول منهم خرج الإِمام إلى الحل ليسمع ما يقول ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات، نبش قبره وأخرجت عظامه، وهذا هو المفهوم من مذهب عطاء وفي المسألة آراء نفيسة تراجع في الموسوعات. ويلاحظ أن المراد بالمشرك فيما تقدم كل كافر.

ص: 1686

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)} .

المفردات:

{الْجِزْيَةَ} : هي ضريبة لنا على أَهل الكتاب جزاءَ حمايتهم وحقن دمائهم.

{عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} : أَي عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون.

{يُضَاهِئُونَ} : المضاهأَة والمضاهات المشابهة.

{أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : كيف يصرفون عن الحق إِلى الباطل.

التفسير

29 -

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ

} الآية.

يأْمر الله المؤمنين في هذه الآية الكريمة بقتال أَهل الكتاب، بعد ما أَمرهم من قبل بقتال المشركين، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أَو عمرة.

والتعبير عن أَهل الكتاب بالذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لأَن إِيمانهم بهما كالعدم، فاليهود قالوا عزير ابن الله وأَنكروا أَن يعذبهم الله في الآخرة بذنوبهم،

ص: 1687

والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وإِن الله ثالث ثلاثة، وإِن قتل المسيح وصلبه سبب لغفران ذنوبهم يوم القيامة، فضلا عن قولهم جميعًا نحن أَبناءُ الله وأَحباؤه، وغير ذلك من العقائد الفاسدة.

والمعنى: قاتلوا أَيها المؤمنون برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين لا يصدقون باللهِ ولا باليوم الآخر، على الوجه الذي يعتبره الله إِيمانا وتصديقا، ولا يلتزمون تحريم ما حرم الله ورسوله محمَّد صلى الله عليه وسلم، أَو رسوله الذي يزعمون أَنهم أَتباعه وأَنهم يعملون بشرعه، مع أَنهم يخالفونه اعتقادا وعملًا، فأَقوالهم مناقضة لعقائدهم وأَفعالهم، ولا يدينون دين الإِسلام الحق الناسخ لدينهم، قاتلوا هؤلاءِ الذين اجتمعت فيهم كل هذه النقائص من الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم يهودا أَو نصارى.

{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} :

أَفاد هذا النص الكريم أَننا لا نكف عن قتالهم إِلا إِذا استسلموا وأَعطوا الجزية وهم أَدلاءُ مغلوبون، حتى لا تكون لهم شوكة ضد المسلمين فيفتنوهم عن دينهم.

والجزية مأْخوذة من جزى دينه إِذا قضاه، والمقصود أَنها جزاء مقابل للعفو عن القتل وحمايتهم من الأَذى وتوفير الحرية لهم في دينهم ودنياهم، ويقابلها في الإِسلام الزكاة على المسلمين.

والمراد من إِعطاءِ الجزية عن يد، دفعها بانقياد. وطاعة وأَنهم يسلمونها بأَيديهم مباشرة بغير توكيل، أَو اليد بمعنى الغنى، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز، أَو عن يد من المسلمين أَي إِنعام منهم عليهم، فإِن إِبقاءَهم بالجزية نعمة من المسلمين على أَهل الكتاب.

المعنى: قاتلوا أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا ويدفعوا الجزية منقادين أَو منعما عليهم منكم وهم أَذلاءُ لا شوكة لهم.

ص: 1688

ويرى الشافعية أَن الجزية لا تؤخذ إِلا من أَهل الكتاب والمجوس، أَما أَهل الكتاب فمن هذه الآية، وأَما المجوس فمن السنة قال صلى الله عليه وسلم:"سُنُّوا بهم سنة أَهل الكتاب" أَخرجه مالك في الموطَّأ (1) فلا تقبل عندهم من المشركين لقوله تعالى:

{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (2) ورأَى الحنفية رأْيهم.

أَما المالكية فإِنهم يرون أَخذ الجزية من جميع أَصناف الشرك والجحد عربا كانوا أَو عجما إِلا المرتد، وقال الأَوزاعى مثل قولهم فقد قال: تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أَو نار أَو جاحد أَو مكذب.

وقال ابن القاسم وأَشهب وسحنون، تؤخذ الجزية من مجوس العرب والأُمم كلها، وأَما عبدة الأَوثان من العرب فلم يستن الله فيهم جزية، ولا يبقى على الأَرض منهم أَحد وإِنما لهم القتال أَوالإِسلام، ولابن القاسم رأى آخر بأَخذ الجزية منهم كمالك، ونقل القرطبى عن الشافعى أَنه يؤخذ من الغنى والفقير من الأَحرار البالغين دينار لا ينقص منه شيء، وإِن صولحوا على أَكثر من دينار جاز.

ولأَهل المذاهب فيما تقدم آراء مفيدة يرجع إِليها في الموسوعات.

30 -

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ} :

بعد أَن شرع الله في الآية السابقة قتال أَهل الكتاب إِلى أَن يستسلموا أَو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أَتبعه بيانا لبعض ما كفروا به واستوجبوا بسببه القتال وفرض الجزية.

وقد أَفادت الآية، أَن كلا من اليهود والنصارى كفروا بادعاء البُنُوَّة لله تعالى، فأَما اليهود فقد زعموا أَن عزيرا ابن الله، وأَما النصارى فقد زعموا أن المسيح ابن الله، وسبب قول اليهود مقالتهم، أَن بختنصر أَخذ جميع نسخ التوراة منهم وأَعدمها لمَّا غزاهم، ولم يوجد فيهم بعد حين من يحفظها، حتى ظهر عزير فأَملاها عليهم حفظا كما

(1) وذلك لأن لهم شبهة كتاب: قال ابن عطية: روى أنه قد كان بعث فيهم نبى اسمه زرادشت والله أعلم.

(2)

سورة التوبة من الآية: 5

ص: 1689

زعموا، فتعجبوا من ذلك وقالوا: ما ذاك إِلا أَنه ابن الله، والدليل على أَن هذا القول كان فيهم؛ أَن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب، فإِن كانوا ينكرون ذلك اليوم ويدعون أَنهم أَهل التوحيد، فذلك رجوع منهم عما كانوا يقولونه من قبل.

والمحققون من المؤرخين يقولون إِن عزيرا (عزرا) جمع محفوظات من صدور القوم ومن أَوراق متناثرة، وسماها التوراة، ولا يوجد دليل على أَنها طبق الأَصل، فإِن الأَصل مفقود، كما أَن فيها وصف الله بما لا يليق به كالندم والضعف أَمام إِسرائيل وغير ذلك مما يقطع بوضعها.

وسبب قول النصارى ذلك، ادعاؤهم أَن عيسى عليه السلام ما كان يستطيع إِبراءَ الأَكمه والأَبرص وإِحياءَ الموتى إِلا لأَنه ابن الله، لأَن ذلك من خصائص الأُلوهية، ولهذا ملأُوا كتبهم المقدسة لديهم بدعوى البنوة، وقد شاءَ الله أَن يكذبهم ويكشف جهلهم وزيفهم بما تضمنته أَناجيلهم من التصريح بأَنه ابن الإِنسان، وتكرار هذا التصريح عشرات المرات في كل إِنجيل من أَناجيلهم.

{ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} :

يريد الله بهذه الجملة الإِشعار بأَنه قول مجرد عن البرهان وخال عن الدليل، فإِن مجىء عزير بالتوراة - على فرض صحته - لا يقتضي بنوته لله، فلم لا يكون بإِلهام أَو بوحى، وقد علمت أَنه لم يصح، وإِحياء عيسى للميت وإِبراؤه الأَكمه والأَبرص، معجزة لتأْييد نبوته - كشأْن معجزات الأَنبياء، فكلها بفعل الله وخلقه، وليس جريانها على يديه بفعله لأَنه ابن الله، كما ادعى النصارى ولذا كانت حوادثها محدودة على قدر قيام المعجزة المؤيدة لرسالته، وشأْنه في ذلك كشأْن (موسى) في أَمر عصاه، بل هي أَعظم إِعجازا، فإِن جعل الحياة في العصا حتى تبتلع السحر، أَبلغ من إِحياءِ الميت، لأَن العصا ليست أَهلا للحياة بخلاف الميت فإِنه أَهل لها، كما أَنها أَعظم من إِبراءِ الأَكمه والأَبرص بالأَولى.

{يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} :

أَي يشابه أَهل الكتاب المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم فيما قالوه في عزير

ص: 1690

وعيسى من سبقهم من أَهل ملتهم، فالكفر قديم فيهم، أَو يشابهون المشركين الذين قالوا الملائكة بنات الله.

{قَاتَلَهُمُ اللهُ} :

هذا التعبير ظاهره الدعاء عليهم بالإِهلاك، فإِن من قاتله الله هلك، والمقصود منه التعجب من شناعة قولهم، حكى النقاش أَن أَصل (قاتله الله) الدعاءُ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر، وهم لا يريدون الدعاء، وأَنشد الأَصمعى:

يا قاتَلَ اللهُ ليلى كيف تعجبنى

وأَخبر الناس أَنى لا أُباليها

{أَنَّى يُؤْفَكُونَ} :

كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه، والغرض من الاستفهام هنا التعجيب والتوبيخ.

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} .

ص: 1691

المفردات:

{أَحْبَارَهُمْ} : جمع حبر بكسر الحاء وفتحها لغتان كما قال الفراء - ويطلق على العالم مطلقا وغلب في عالم اليهود.

{وَرُهْبَانَهُمْ} : جمع راهب مأْخوذ من الرهبة وهي الخوف، والمراد به هنا عابد النصارى الذي اعتزل ملذات الحياة.

التفسير

31 -

{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ

} الآية.

لا يزال الكلام متصلًا في عقائد أَهل الكتاب التي كفروا بسببها فقد بينت هذه الآية أَنهم تجاوزوا زعم البنوة لعزير والمسيح إِلى ما هو أَشد وهو اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم أَربابا.

والمعنى: اتخذ اليهود علماءَ دينهم أَربابا من دون الله فأَطاعوهم في تحريم ما أَحلّ الله وتحليل ما حرّم الله وجعلوهم بطاعتهم لهم كأَنهم آلهة لهم يطاعون فيما يشرعون، ظانين أَنهم مقدسون، مع أَن كثيرا منهم آثمون، كما سيبينه الله تعالى، قال الربيع: قلت لأَبى العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إِسرائيل قال: ربما وجدوا في كتاب الله - يعني التوراة - ما يخالف قول الأَحبار، فكانوا يأْخذون بأَقوالهم، ويتركون حكم كتاب الله: اهـ. واتخذ النصارى رهبانهم - أَي علماءَهم المتعبدين - اتخذوهم آلهة من دون الله بأن أَطاعوهم فيما لم يحل، كما يطاع الله فيما شرعه لعباده مع أَنهم آثمون.

روى الترمذي عن عدى بن حاتم قال أَتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقى صليب من ذهب (وكان نصرانيا وقتئذ) فقال: ما هذا يا عدى اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأُ في سورة براءَة {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} ثم قال:"أَما إِنهم لم يكونوا يعبدونهم كانوا إِذا أَحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإِذا حرموا عليهم شيئًا حرموه" وقد أَسلم عدى بعد ذلك وكان من خيرة الصحابة.

ص: 1692

{وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} :

أَي واتخذ النصارى المسيح، ابن مريم إِلهًا (1)، وكان ذلك على صور شتى فمرَّة عبدوه على أَنه ابن الله، وأُخرى عبدوه على أَنه إِله، وثالثة على أَنه ثالث آلهة ثلاثة، وكل ما فعله هؤلاءِ لم يأْمر به الله ولذا قال سبحانه وتعالى:

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} :

أَي وما أَمرهم الله في كتبه التي أَنزلها إِليهم، إِلا ليطيعوا إِلها واحدا فيما أَمرهم به أَو نهاهم عنه، هو الله لا إِله إِلا هو، فلا يصلح أَن يطاع أَو يعبد غيره - سبحانه - وتنزيها له عن أَن يكون له شريك بأَية صورة مما يفعلون.

32 -

{يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} :

المقصود بنور الله، إِما حجته النيرة الدالة على وحدانيته، وتنزهه عن الشركاء والأَولاد، أَو القرآن العظيم الناطق بذلك، فهو الذي أَنار العقول والقلوب بالحق كما تنير الشمس وجه الأَرض.

والمعنى: أَن أَهل الكتابين يريدون أَن يطفئوا نور القرآن الذي أَوضح الله به وجه الحق، وكذبهم في دعاوى بنوة عزير وعيسى لله وربوبية الأَحبار والرهبان والمسيح ابن مريم، وبين شرائع الله على وجهها الحق، حيث يحاربونه بأَلسنتهم وأَقاويلهم الباطلة الخارجة من أَفواههم، وأَنى لهم إطفاؤه وهو نور الله تعالى.

ويجوز أَن يكون المقصود تشبيه حالهم في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، بحال من يريد طمس نور عظيم نشره الله في الآفاق وإِطفاءَه بنفخة بالفم، والمقصود بهذا التشبيه إِقناطهم من نيلهم ما يبتغون من هدم الإِسلام ورسالته الهادية، ولهذا قال سبحانه عقب ذلك:

(1) راجع ما كتبناه عن السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام في ربع (إن الله اصطفى) وما بعده من سورة آل عمران، وفي ربع (إنا أوحينا إليك) في آخر سورة النساء، وفي الربع الأخير من سورة المائدة.

ص: 1693

{وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} :

أَي ولا يريد الله إِلا أَن يتم نوره بإِعلاءِ كلمة الإِسلام، وإِتمام مجده ولو كره الكافرون ذلك، فسواء رضي أَهل الكتاب أَم كرهوا، فنور الإِسلام سيتم ويعم المشارق والمغارب فهذا ما يريده الله ويأْبى نقيضه.

33 -

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} :

هذه الآية جاءَت لتؤكد ما تضمنه قوله تعالى في الآية السابقة: {وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} مع بيان ظهوره على جميع الأَديان.

والمعنى: هو الله الذي بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن الذي يهدى الناس إِلى معرفة ربهم، وبدين الإِسلام المشتمل على الحق الواضح الذي لا يعتريه شك، أَرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك ليظهر دين الحق على الأَديان كلها ولو كره المشركون، وإِظهاره عليها إِما بالنسخ، وإِما بالحجة والبرهان إِلى جانب النسخ وإِما بالغلبة والقهر لأَهلها، وقد حدث كل هذا وسيحدث بعون الله تعالى:

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الْأَرْضِ} .

طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

رئيس مجلس الادارة

محمَّد حمدى السعيد

رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1979

الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

1548 -

1979 - 25004

ص: 1694

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)} .

المفردات:

{لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} : المراد بأَكلها بالباطل: أَخذها بغير حق.

{يَكْنِزُونَ} : أَي يجمعون، والكنز لغة: الضم والجمع، ويطلق أَيضا على كل شيءٍ مجموع بعضه إِلى بعض في بطن الأَرض أَو على ظهرها.

{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} : أَي فأَنذرهم، والتعبير بالتبشير عن الإِنذار للتهكم وتشديد الوعيد.

{جِبَاهُهُمْ} : جمع جبهة، وهي من الوجه ما بين الحاجبين إِلى منابت شعر الناصية.

التفسير

34 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ

} الآية.

بعد أَن عاب الله على أَهل الكتاب اتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَولياءَ، وتقديسهم كأَنهم أَرباب، وكراهيتهم الإِسلام الذي هو نور الله، بَيَّن سوءَ أَخلاق أُولئك الأَحبار والرهبان، حتى يعلم أَهل الكتاب أَنهم غير جديرين بتقديسهم لهم والأَخذ عنهم.

ص: 1695

والمعنى: يَا أَيُّهَا الذَّيِنَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِن أَحبار اليهود ورهبان النصارى ليأْخذون أَموال الناس بالباطل، حيث يرتشون بها للتخفيف والمسامحة في تنفيذ شرع الله.

وتغيير الأَحكام والشرائع إِرضاءً لمن يرشونهم، كما كانوا يأْخذون من أَتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وشئون الدين، ويستولون عليها أَو على بعضها لشهواتهم وأَغراضهم، ولا يكتفون بذلك بل يصدون أَتباعهم ويمنعونهم عن الدخول في دين الإِسلام واتباع محمَّد صلى الله عليه وسلم.

{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} :

المقصود بهم أُولئك الأَحبار والرهبان الذين يأْكلون أَموال الناس بالباطل، مبالغة في وصفهم بالحرص على المال، والاهتمام بكنزه وجمعه بأَى صورة. ويجوز أَن يراد بهم أَهل الكتاب والمسلمون الذين لا يزكون، فالمراد بعدم إِنفاقهم لها في سبيل الله أَنهم لا يخرجون زكاتها.

ولما نزلت هذه الآية ظن المسلمون أَنه لا يحل كنز المال وأَنه يجب إِنفاقه كله في سبيل الله، فكبر ذلك على المسلمين فقال صلى الله عليه وسلم "مَا أُدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكنزٍ"(1) أَي فليس بكنز معاقب عليه بما جاءَ في الآية.

وروى البخاري من حديث الزهرى عن خالد بن أَسلم قال: "خرجنا مع عبد الله بن عمر فقال: هذا قبل أَن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طهرًا للأَموال".

وقال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} .

وكان أَبو ذر الغفارى يرى أَن الكنز ما فضل عن الحاجة، وقد حدث خلاف بين معاوية وبينه في تفسير الآية، رواه البخاري في حديثه عن زيد بن وهب قال: "مررت

(1) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة.

ص: 1696

بالربذة (1) فإِذا أَنا بأَبى ذر فقلت له: ما أَنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أَنا ومعاوية في:{الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ} فقال معاوية: نزلت في أَهل، الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إِلى عثمان يشكونى، فكتب إِلىَّ عثمان أَن اقْدَمِ المدينة فقدمتُها، فأكثر علىَّ الناس حتى كأَنهم لم يرونى قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال: إِن شئت تنحَّيت فكنتَ قريبا، فذاك الذي أَنزلنى هذا المنزل، ولو أَمَّروا علىَّ حبشيًّا لسمعتُ وأَطعتُ".

وقد علمتَ ممَّا تقدم مذهبه الذي اختلف بموجبه مع معاوية وهو أن الكنز ما فضل عن الحاجة وأَن الآية في المسلمين وأَهل الكتاب، وتفسير الكنز بذلك انفرد به أَبو ذر، وهو من شدائده المنقولة عنه كما قال القرطبى، وقد عرفت آراءَ غيره في الآية قبل الحديث عن مذهبه. وقيل: الكنز مَا لَمْ تُؤَدَّ منه الحقوق العارضة، كفك الأَسير وإِطعام الجائع وغير ذلك من الحقوق، والله تعالى أَعلم.

والمعنى: والذين يجمعون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله، وهو ما تشتد حاجة المسلمين إليه من زكاة وفك أَسير وإِطعام جائع وتفريج ضائقة، وغير ذلك من الحقوق التي أَوجبها الشرع في المال، فأَنذرهم بعذاب أَليم، وهو ما بينه الله بقوله:

35 -

{يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ

} الآية.

أَي يعذب الكانزون يوم يوقد على أَموالهم من الذهب والفضة، في نار جهنم، فتكوى بها بعد إِحمائِها واتقادها جباههم التي يترفعون بها على الناس، وجنوبهم التي يعرضون بها عن الفقراء وظهورهم التي أَداروها لهم، ويقال لهم تأْنيبا وتوبيخا:

{هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} : أَي هذا جزاءُ كنزكم المال لأَنفسكم، دون أَن تؤَدوا حق الله فيه.

{فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} : فذوقوا وبال كنزكم للمال وتأَلموا بعذاب حرمانكم للمستحقين فيه.

ولما كان الكى في الوجوه أَشنع، وفي الجنوب والظهور أَوجع، خصت من بين سائر الأَعضاءِ، وقال بعض العلماءِ: إِنما خصت هذه الأَعضاءُ؛ لأَن الغنى إذا رأَى الفقير جمع

(1) الربذة: موضع قريب من المدينة.

ص: 1697

ما بين عينيه وقبض وجهه، وإِذا سأَله طوى كشحه - أَي جنبه - فأَعرض عنه، وإِذا زاده في السؤَال وأَكثر عليه ولاه ظهره، فرتب الله العقوبة على حسب حال المعصية، والله تعالى أَعلم.

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)} .

المفردات:

{عِدَّةَ الشُّهُورِ} : أَي عددها. {في كِتَابِ اللهِ} : المراد به، إِمَّا علمه تعالى، أَو اللوح المحفوظ، أَو ما كتبه وأَوجبه. {حُرُمٌ}: جمع حرام، والمراد من كون الشهر حراما أَن القتال محرم فيه. {الدِّينُ الْقَيِّمُ}: الدين المستقيم السليم من العوج {كَافَّةً} : جميعًا.

التفسير

36 -

{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ .... } الآية.

بعد أَن أَوجب الله تعالى قتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وبيَّن أَنهم يريدون أَن يطفئوا نور الله وهو الإِسلام، بدعايتهم المسمومة الخارجة من أَفواههم، وأَنهم مشركون باتخاذهم أَحبارهم ورهبانهم أَربابا من دون الله، عقب ذلك بذكر آثام المشركين تمهيدا للأَمر بقتالهم.

والمعنى: إِن عدد المشهور المعتبر عند الله تعالى اثنا عشر شهرا فيما كتبه الله وقدَّره يوم أَبدع السموات والأَرض، وأَوجد الليل والنهار، وأَضاءَ الليل بالقمر، ونوَّر النهار

ص: 1698

بالشمس، فلا يصح أَن يزاد عليها كما كان يفعله المشركون، والمراد منها الشهور القمرية التي يعرفها العرب، وعليها يدور كثير من الأَحكام الشرعية.

{مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} :

من هذه الشهور الإِثنى عشر، أَربعة حرم، حرم الله فيها القتال منذ شريعة إِبراهيم وإِسماعيل عليهما السلام، وهي ثلاثة متتالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد هو رجب الذي بين جمادى وشعبان، قال صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:"أَلا إِنَّ الزمانَ قَدِ استَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوَم خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرضَ، السنة اثنا عشر شهرا، منها أَربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" إِلى آخر الحديث - وقد أَخرجته كتب الصحاح.

ومعنى: استدارة الزمان كهيئته، رجوع الأَشهر إِلى ما كانت عليه من الحل والحرمة كل منها في موضعه من الزمان، وعاد الحج إِلى ذى الحجة في حجة الوداع سنة عشر وكانت حجة أَبي بكر في ذى القعدة سنة تسع قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة.

{ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} :

الإِشارة هنا راجعة إِلى تحريم الشهور الأَربعة المحرمة في مواضعها.

والمعنى: ذلك التحريم لهذه الشهور في مواضعها التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم هو الدين القويم الذي دان به إِبراهيم وإِسماعيل عليهما السلام وتوارثه العرب منهما.

{فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} :

المراد من عدم ظلمهم أَنفسهم فيها: أَن لا يهتكوا حرمتها بارتكاب ما حرم فيها من القتال ومحرمات الإِحرام، ما لم يعتد العدو على بلادنا أَو يكون وشيك الاعتداءِ عليها فيحل قتاله.

عن عطاءِ: أَنه لا يحل للناس أَن يغزوا في الحرم ولا في الأَشهر الحرم، إِلا أَن يُقاتَلوا، لقوله تعالى:{الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ

ص: 1699

كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} أَي وقاتلوا المشركين مجتمعين غير متفرقين، كما يقاتلونكم كذلك.

ومن العلماءِ من قال: إِن الآية أَوجبت القتال على كل قادر، ثم نسخ ذلك فجعل فرض كفاية، وقد أَنكر ذلك ابن عطية قائلا: لم يعلم قط عن شرع النبي صلى الله عليه وسلم أَنه أَلزم الأُمة جميعًا النفر، وإِنما معنى هذه الآية الحض على قتال المشركين وجمع الكلمة.

{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} : هذه بشارة وضمان لنصر المؤمنين بسبب تقواهم، أَي واعلموا أَيها المؤمنون أَن الله تعالى مع أَهل التقوى بالنصر والمعونة على الأَعداءِ.

{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)} .

المفردات:

{النَّسِيءُ} : تأْخير حرمة الشهر إِلى شهر آخر. {لِيُوَاطِئُوا} : ليوافقوا. {عِدَّةَ} : عدد.

التفسير

37 -

{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا

} الآية.

كان العرب إِذا جاءَ شهر حرام وهم محاربون أَحلوه واستمروا في القتال، وحرموا شهرا آخر مكانه، حتى رفضوا خصوص الأَشهر الأَربعة، واعتبروا مجرد العدد، وربما

ص: 1700

زادوا في عدد الشهور، بأَن يجعلوها ثلاثة عشر أَو أَربعة عشر، ليتسع لهم الوقت ويجعلوا أَربعة أَشهر من السنة حرما كما يريدون، ولذلك نص على العدد المعين في كتاب الله حتى يتركوا ما هم عليه.

والمعنى: إِنما تأْخير حرمة شهر إِلى شهر آخر زيادة في الكفر، لما فيه من تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أَحله الله، فهو كفر آخر مضموم إِلى كفرهم، يُضَلُّ به المرءوسون الذين كفروا من رؤسائهم، حيث يأْتمرون في التحريم والتحليل بأَمرهم.

فيزدادون بذلك ضلالا فوق ضلالهم.

{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ} :

أَي: يحلون الشهر الحرام عاما ويجعلون مكانه في التحريم شهرا حلالًا، ويحافظون على حرمته كما كان في شرع إِبراهيم عاما آخر، إِذا لم يتعلق بتغييره غرض من أغراضهم، يفعلون ذلك لكي يوافقوا عدد ما حرَّم الله كل من الأَشهر الحرم، وهو أَربعة أَشهر، فينتهى أَمرهم فيما فعلوا إِلى أَن يحلوا ما حرم الله، وهو تغيير حكم الشهور من حرمة إلى حل، ومن حل إِلى حرمة.

{زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} :

أَي جُعِلت لهم أَعمالهُم السيئة حسنة، بأَن زينها لهم رؤساؤهم وشياطينهم، فعدوها حسنة مع أَنها قبيحة، لمخالفتها أَحكام الله تعالى والله لا يهدى القوم المصرين على كفرهم.

قيل أَول من أَحدث النسىء جنادة بن عوف الكنانى، وكان مطاعا في الجاهلية كان يقوم على جبل في الموسم فينادى بأَعلى صوته: إِن آلهتكم قد أَحلت لكم المحرم فأَحلوه، ثم يقوم في العام القابل فيقول: إِن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه، وقيل غير ذلك.

ص: 1701

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)} .

المفردات:

{انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ} : اخرجوا للجهاد في سبيله. {اثَّاقَلْتُمْ} : تباطأْتم.

{مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} : المراد من متاعها التمتع بلذائذها.

التفسير

38 -

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ..... } الآية.

لما ندب الله المؤمنين قبل هذه الآية لقتال أَهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وقتال المشركين كافة، جاءَت هذه الآية وما بعدها لحث المؤمنين وتقوية عزائمهم على قتال هؤلاءِ وأُولئك.

وسبب نزول هذه الآية وما بعدها: أَن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر أَصحابه ليخرجوا معه في غزوة تبوك، وكان الحر شديدا وبالناس عسر وقحط، وقد أَدركت ثمار المدينة وطلبت ظلالها، وكانت تبوك تبعد عن المدينة، والعدو قوى وكثير فشق عليهم ذلك وتباطأُوا في الاستجابة.

ص: 1702

ويروى أَن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج في غزوة غزاها إِلا ورَّى بغيرها، ما عدا تبوك، فإِنه صلى الله عليه وسلم بين المقصود فيها؛ ليستعدوا لها، والخطاب لعموم المؤمنين، وإِن كان التثاقل في طائفة منهم ليشعر من تثاقل منهم بالتقصير، وليزداد حرص من نفروا للقتال على دوام الاستجابة للجهاد مهما كانت الأَحوال، حتى لا يقعوا تحت طائلة اللوم والتوبيخ كهؤلاءِ المقصرين، وليجتهدوا في أَن لا يكون بينهم من يتكاسَل في تلبية نداءِ الجهاد في سبيل الله.

والمعنى: يا أَيها الذين آمنوا، أَي شيء حصل لكم فثبطكم عن النهوض للجهاد، حين قال لكم النبي صلى الله عليه وسلم انفروا واخرجوا للقتال في سبيل الله في غزوة تبوك، تثاقلتم وتباطأْتم وحرصتم على البقاءِ في الأَرض التي أَنتم بها، مائلين إِلى لذائذ الدنيا وشهواتها السريعة الفناءِ، وكرهتم مشاق الغزو ومتاعبه، وتعللتم للتخلف بِأَعذار ليس من شأْنها أَن تمنعكم من شرف الجهاد.

{أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} :

أَرضيتم بمتاع الحياة الدنيا ولذائذها الزائلة، بدلا من متاع الآخرة ونعيمها الدائم، إِن ذلك فساد في الرأْى والاختيار، فما متاع الحياة الدنيا في جنب متاع الآخرةِ إِلا قليل لا ينبغي أَن يحرص عليه.

39 -

{إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ

} الآية.

أَي إِلا تخرجوا للقتال في سبيل الله حين يطلب منكم الخروج إِليه، يعذبكم الله عذابًا شديدا بما يصيبكم به في الدنيا من البلايا والمحن، ويأْت بقوم آخرين بدلا منكم، يسارعون إِلى نصرة الحق وتأْييد رسوله ويؤثرون الآخرة على الدنيا.

{وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} :

أَي ولَا تضروا الله شيئًا بتخلفكم وتثاقلكم، فهو الغنى عنكم وعن جهادكم والله على كل شيء قدير، فلا يصعب عليه أَن يؤيد دينه بغيركم، كما لا يشق عليه أَي شيء يريده في ملكه.

ص: 1703

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} .

المفردات:

{ثَانِيَ اثْنَيْنِ} : أَي أَحد اثنين، هما الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأَبو بكر رضي الله عنه. {الْغَارِ}: هو في اللغة فجوة في الجبل تشبه البيت، كالمغارة والكهف، والمراد به هنا غار جبل ثور الواقع على بعد ساعة سيرا من مكة، وقد مكثا فيه ثلاثة أَيام.

{سَكِينَتَهُ} : طمأْنينته التي تسكن عندها القلوب.

التفسير

40 -

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا

} الآية.

أَي إِلا تنصروا الرسول صلى الله عليه وسلم حين يطلب منكم الجهاد معه فسينصره الله بغيركم، فقد نصره في وقت أَشد وأَقسى مما هو فيه، وذلك حين أَخرجه الذين كفروا من مشركى مكة، حيث حملوه بمؤامرتهم وتوالى إِيذائهم له على الهجرة، وهو واحد من اثنين فحسب، إِذ كان معه أَبو بكر رضي الله عنه فقد حماهما الله تعالى وهما يسيران وحدهما نحو الغار للاختفاءِ فيه حتى ينقطع الطلب عنهما، ثم حماهما وحرسهما بينما كانا في الغار ثلاث ليال، حين كان يقول الرسول لصاحبه أَبي بكر الصديق وهو مشفق عليه من أَن يصل إِليه المشركون:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} بالعون والحماية من المكاره، فلن تصل إِلينا أَيديهم بسوءٍ.

ص: 1704

روى أَن المشركين طلعوا فوق الغار، فأَشفق أَبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما ظنك باثنين الله ثالثهما" فأَعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه.

وفي ذلك أَخرج البخاري ومسلم عن أَنس أَن أَبا بكر حدثه قال: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار - لو أَن أَحدهم نظر إِلى قدميه لأَبصرنا تحت قدميه، قال: فقال: "يا أَبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما".

{فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} :

أَي فأَنزل الله طمأْنينته على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال لصاحبه ما قال، وأَيده بجنود خفية لم تقع عليها أَبصاركم، فلم يستطع أَعداؤه بسبب هذه الحراسة الربانية، أَن يصلوا إِلى مأْربهم فيه، وإِن وصلوا إِلى الغار الذي يؤْويه وعادوا خائبين.

{وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} :

أَي وكان من تمام نصره لرسوله صلى الله عليه وسلم أَنه تعالى جعل كلمة الشرك التي يتمسك بها المشركون ويحرصون عليها، جعلها هي السفلى، حيث غلبت على أَمرها، وكلمة الله التي يفادى بها الإِسلام هي العليا، التي تغلب ولا تُغلب.

وذلك بتمكينه من الهجرة إِلى المدينة ونصره على أَهل الشرك، في المعارك التي حدثت بينه وبينهم قبل غزوة تبوك، والله عزيز يقهر كل جبار عنيد، حكيم في أَمره وتدبيره، فلا تخالفوا أَمره وأَمر رسوله.

ص: 1705

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)} .

المفردات:

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} : أَي اخرجوا للجهاد على أَي حال، سواءٌ سهل على نفوسكم فخفت ونشطت، أَو شق عليها فثقلت. {عَرَضًا قَرِيبًا}: نفعًا سهل المأْخذ.

{سَفَرًا قَاصِدًا} : سفرًا قريبًا سهلًا. {الشُّقَّةُ} : المسافة التي تقطع بمشقه.

التفسير

41 -

{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبِيلِ اللهِ

} الآية.

قيل: المراد من الخفاف والثقال الشباب والشيوخ، روى ابن عباس عن أَبي طلحة في قوله تعالى:{خِفَافًا وَثِقَالًا} قال: شبانًا وكهولا، ما سمع الله عذر أَحد (1)، فخرج إِلى الشام فجاهد حتى مات.

ويروى بعض المفسرين أَن ذلك إِنما يجب إِذا غلب العدو على بلد من بلاد الإِسلام أَو كاد، فيتعين الجهاد على الشباب والشيوخ من أَهله جميعًا كل على حسب طاقته، كما يتعين مثل ذلك على من قارب هذا البلد، إِذا عجز أَهله عن دفعه.

أَما في غير هذه الحالة، فالجهاد قد يكون فرض كفاية، وقد يكون سنة، وتفصيل ذلك في الموسوعات.

(1) أَي ما قبل الله عذر أحد في التخلف عن القتال.

ص: 1706

وفسر بعض العلماءِ الخفة بالغنى والثقل بالفقر وقيل: إِن الخفاف هم الذين يسبقون إِلى الحرب كالطليعة وهم مقدمة الجيش، والثقال الجيش بأَسره.

والمعنى: اخرجوا للجهاد في سبيل الله على أَي حال كنتم شبانًا أَو شيوخًا، أَغنياءً أَو فقراءَ، نفوسكم خالية مما يشغلها، أَو لديها من الشواغل ما يثقلها، وارضوا بمواقعكم في الجيش كيف كانت، وجاهدوا في سبيل الله بأَموالكم وأَنفسكم، ولا تدخروا وسعًا في تجريد نياتكم لله والحصول على النصر، ذلكم الذي أَمرناكم به خير لكم وأَنفع من تركه، إِن كنتم تعلمون مصلحتكم فاعملوا به ونفذوه، ففيه عز الإِسلام ومجد المسلمين.

42 -

{لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ

} الآية.

أَي لو كان ما دعوا إِليه نفعًا دنيويًا قريب المنال سهل المأْخذ، وسفرًا متوسطًا لا مشقة فيه، لاتَّبعوك طمعًا في الحصول على المغانم السهلة القريبة، ولكن بعدت عليهم المسافة الشاقة من المدينة إِلى تبوك، فلهذا تخلفوا عن اتباعك، وآثروا الراحة والدعة.

{وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} :

وسيحلف بالله أُولئك المتخلفون عن تبوك، بعد رجوعك منها، قائلين على سبيل الاعتذار عن تخلفهم: لو كنا نستطيع الخروج معك إِلى تبوك لخرجنا إِليها، يريدون بذلك أَنهم لم تكن لهم قدرة على الجهاد لضعف الصحة، أَو عدم وجود المال أَو الراحلة، أَو غير ذلك من الأَعذار، يهلكون أَنفسهم بهذه اليمين الفاجرة يقسمون بها على الادعاءِ الكاذب، والله يعلم إِنهم لكاذبون في أَيمانهم واعتذارهم، فقد كانوا يستطيعون الخروج ولم يكن لهم عذر في التخلف، فكيف يجرءُون على الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 1707

قال صلى الله عليه وسلم: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع"(1).

{عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)} .

المفردات:

{عَفَا اللهُ عَنْكَ} : لم يؤاخذك بالإِذن لهم في التخلف. {ارْتَابَتْ} : وقعت في الريب وهو الشك. {يَتَرَدَّدُونَ} : يتحيرون.

التفسير

43 -

{عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} :

قال مجاهد أُنزلت هذه الآية في أُناس قالوا: استأْذنوا رسول الله فإِن أَذن لكم فاقعدوا وإِن لم يأْذن لكم فاقعدوا.

وهؤلاءِ المعتذرون كانوا منافقين ولذا قال الله في شأْنهم:

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

} الآية. وسيأْتى الحديث عنها.

(1) وفي مجمع الزوائد للهيثمى حديث طويل عن أبي هريرة جاء في آخره "اليمين الغموس تذهب المال وتثقل في الرحم وتذر الديار بلاقع"، وفي المتفق والمفترق للخطيب عن علي رضي الله عنه إياكم واليمين الفاجرة فإنها تدع الديار بلاقع والكذب كله إثم.

ص: 1708

وتصدير الآية بقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ} قَبْل عتاب النبي صلى الله عليه وسلم على الإِذن لهم بالتخلف، من باب التلطف في العتاب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أَذن لهؤلاءِ المنافقين بالتخلف من غير وحى نزل فيه، قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بهما، إِذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه، ولم يكن له أَن يمضي شيئًا إلا بوحى، وأَخذة من أَسارى بدر الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون.

قال المحققون: وهذا ترك للأَولى، وليس من باب ارتكاب المحرم؛ لأَنه لم يكن هناك أَمر خالفه الرسول صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: عفا الله عنك أَيها النبي فلم يؤاخذك في الإِذن لبعض المنافقين في التخلف عن الغزو، لماذا أَذنت لهم بذلك بعد اعتذارهم، ولم تنتظر حتى يظهر لك الصادقون فيما أَبدوه من المعاذير، وتعلم الكاذبين فيها منهم، ثم شاءَ الله تعالى أَن يفضحهم بعد أَن تستروا بمعاذيرهم الكاذبة فقال سبحانه:

44 -

{لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ .. } :

أَي ليس من عادة المؤمنين الصادقين أَن يستَأْذنوك في الجهاد بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله، بل يبادروا إِليه من غير إِذن، إِذا سمعوا النداءَ العام إِلى الجهاد، فضلا عن أَنهم لا يستأْذنونك في التخلف، وحيث استأْذنك هؤلاءِ في التخلف كان ذلك دليلًا على نفاقهم، فكان الأَولى أَن لا تأْذن لهم فيه حتى يتخلفوا دون إِذن فينكشف حالهم لك وللمؤمنين، ويتجلى للجميع أَنهم غير صادقين في إِيمانهم لتخلفهم عن الجهاد بدون عذر.

{وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} :

أَي أَنه تعالى محيط علمه بالمتقين وما اشتملت عليه قلوبهم من الإِخلاص في سبيل الله والاستجابة لداعى الجهاد بنشاط وهمة، فيجزيهم على ذلك الجزاءَ الأَوفى.

45 -

{إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} :

ص: 1709

أَي إِنما يطلب منك الإِذن بالتخلف عن الجهاد، الذين لا يصدقون في قرارة نفوسهم بالله ولا باليوم الآخر، وارتابت قلوبهم فيما جاءَ به النبي صلى الله عليه وسلم فهم في شكهم يترددون بين الإِقدام على الجهاد والإِحجام عنه، ويتحيرون في قبول الحق الذي جاءَ به القرآن أَو رَدِّه، ولهذا تخلصوا من حيرتهم بطلب الإِذن بالتخلف عن الجهاد، محافظة منهم على الشكل الظاهرى وقلوبهم لا تستقر على حال.

{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)} .

المفردات:

{انْبِعَاثَهُمْ} : نهوضهم للخروج. {فَثَبَّطَهُمْ} : فحبسهم وعوَّقهم. {خَبَالًا} : فسادًا وشرًّا.

{وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} : ولسعوا فيما بينكم بالنميمة والوشاية، وهومأْخوذ من أَوضعتُ البعير أَي حملته على السرعة، يقال: وضع البعير أَي أَسرع، وأَوضعته أَنا، أَي جعلته يسرع.

{يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} : يطلبون لكم الفتنة والشر بإِيقاع الخلاف بينكم.

التفسير

46 -

{وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ

} الآية.

لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين الذين اعتذروا عن الخروج، في غزوة تبوك، زاعمين أَنهم كانوا يريدون الخروج ولكن منعهم أَن أَسبابه لم تتيسر لهم.

والمعنى: ولو أَراد هؤلاءِ المعتذرون أَن يخرجوا معكم في غزوة تبوك لأَعدوا له مبكرين ما ينبغي من الزاد والراحلة والسلاح، وغير ذلك مما لا بد منه للسفر، وهو مقدور لهم،

ص: 1710

ولكنهم لم يريدوه لأَن الله - تعالى - كره انبعاثهم ونهوضهم للخروج معكم، لما فيه من المفاسد التي سيأْتى بيانها، فلذلك ثبطهم وحبسهم عن الخروج، بما استقر في نفوسهم من الجبن والكسل وكراهة الغزو في سبيل الله.

{وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} :

يحتمل أَن يكون هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لهم للإِذن بالتخلف بعد اعتذارهم، وهو يحمل في طيات عبارته اللوم والذم، وكأَنه يقول لهم: اقعدوا مع القاعدين بعذر أَو بغير عذر، فأَنتم لا تستحقون شرف الجهاد في سبيل الله والثواب المترتب عليه.

ويحتمل أَن تكون العبارة من قول بعضهم لبعض متأَثرين بجبنهم الكامن في نفوسهم، وكراهيتهم للدفاع عن الإِسلام قالوها تنفيذًا لتثبيط الله لهم.

والمعنى على هذا: وقال بعضهم لبعض: اقعدوا عن الخروج في هذه الغزوة مع القاعدين، فلا مصلحة لنا فيها، ولا يهمنا الغرض الذي خرج الغزاة من أَجله، وقيل: غير ذلك وحسب القارىءُ ما تقدم.

47 -

{لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} :

أَي لو خرج هؤُلاءِ المنافقون فيكم وأَنتم ذاهبون إِلى تبوك، ما زادوكم بخروجهم إِلا شرًّا وفسادًا، ولم يزيدوكم قوة وتأْييدًا، فهم دعاة فتنة وليسوا أَسباب قوة.

{وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} :

هذا تصوير للخبال والفساد الذي كان ينتظر من المنافقين لو خرجوا في غزوة تبوك. بجعلهم كالذين يسرعون بركائبهم خلالهم، مبالغة في إِسراعهم بالنميمة والوشاية بينهم.

والمعنى: لو خرجوا فيكم لأَسرعوا بركائبهم بينكم، يسعون بالنمائم والوشايات وإِفساد الصلات، رغبة في توهين عزائمكم، وصرفكم عن الجهاد أَو هزيمتكم، وفيكم ضعاف خفاف يتأَثرون ويهتمون بسماعهم ونقل نمائمهم، والله عليم بهؤلاءِ الظالمين فهو محيط - بضمائرهم وظواهرهم، وما فعلوه فيما مضى وما سيفعلونه فيما سيأْتى.

ص: 1711

وقد تضمنت هذه الآية أمرين: (أَحدهما) أن من أَذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج من المنافقين كانوا دعاة فتنة، وأَنهم لو خرجوا فيهم زادوهم خبالا، وإِذا كان أَمرهم كذلك فلماذا عاتب الله رسوله على الإِذن لهم بالتخلف مع أَن تخلفهم فيه مصلحة للجيش، والجواب: أَنهم كانوا سيتخلفون عن الغزوة قطعًا، وقد تآمروا على ذلك، إِذ قال بعضهم لبعض:{اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} وكان الأَولى أَن لا يأْذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم ليكون قعودهم بغير إِذن، حتى يظهر نفاقهم بين المسلمين من أَول الأَمر، فلا يقدروا على مخالطتهم والسعى فيما بينهم بالأَراجيف، ولا يتسنى لهم التمتع بالعيش إِلى أَن يظهر حالهم بنزول الآيات التي كشفتهم.

(والأَمر الثاني) الذي تضمنته الآية: أَن الجيش الذي سافر لغزوة تبوك كان فيه بعض ضعاف الإِيمان بدليل وصفهم بقوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} فلماذا أَخذهم النبي صلى الله عليه وسلم معه مع خطورتهم على الجنود.

والجواب: أَنهم لم يكونوا في كيفية الفساد وكمية العدد بحيث يخل مكانهم بين المؤْمنين بأَمر الجهاد، وكأَن وجودهم فيه منفعة تكثير سواد المسلمين، على أَن الرسول صلى الله عليه وسلم معذور في استصحابهم فإِنه لم يكن يعلم بحالهم قبل أَن يكشفهم الله تعالى له فهو الذي يعلم أَسرار القلوب.

{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)} .

المفردات:

{ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ} : طلبوا تفريق المسلمين. {وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ} : اجتهدوا في استعراضها لتدبير المكايد من أَجلك. {وَلَا تَفْتِنِّي} : ولا توقعنى في المعصية بتخلُّفِى من غير إِذن.

ص: 1712

التفسير

48 -

{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ} :

أي لقد رغبوا في فتنة المسلمين من قبل هذه الغزوة، فقد أَرادوا تشتيت أَصحابك أَيها الرسول وتفريقهم من حولك، وكان ذلك يوم أُحد حين انصرف رأْس المنافقين عبد الله بن أُبى بن سلول من الطريق، بعد أَن خرج مع الجيش للمشاركة في غزوة أُحد يريد بذلك أَن تضعف قلوب المجاهدين، وتتحلل عزائهم برجوعه ومن تبعه من المنافقين، وقد كرروا هذه المأْساة في غزوة تبوك، فقد تخلف ابن سلول بمن معه بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم إِليها مع أَصحابه، ووصولهم إِلى ذى جُدَّةٍ أسفل من ثنية الوداع، وقد كانت لهم في الفتنة صفحات سوداءُ يطول الحديث عنها، وحسبنا ما ذكرنا.

{وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ} :

أَي: وقلبوا من أَجلك الأُمور ورددوها، ليدبروا لك الحيل والمكايد، وعرضوا الآراءَ المختلفة لإِبطال أَمرك، حتى ظهر الحق على الباطل وانتصر عليه، على الرغم منهم وهم لذلك كارهون.

وهذه الآية والتي قبلها لتسلية الرسول والمؤْمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله لأَجله، وهتك أَستارهم وإِزاحة أَعذارهم.

49 -

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا في الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} :

أَي ومن هؤلاءِ المنافقين من يقول لك أَيها الرسول: ائذن لي في التخلف عن الغزوة ولا توقعنى في الفتنة - أَي المعصية - إِذا تخلفتُ بدون إِذنك (1)، متظاهرًا بالحرص على رضاه، وهو خبيث النية سىءُ الطوية - أَلا فليعلم هو وأَمثاله أَنهم في الفتنة الكاملة المهلكة سقطوا، وذلك بعقدهم العزيمة على التخلف بلا عذر، والجراءَة على الاستئذان بهذه الطريقة الشنيعة والتماسهم الأَعذار الكاذبة، ونفاقهم وعدم إِخلاصهم.

(1) ومن العلماء من فسر "ولا تفتنى" بمعنى ولا تلقنى في الهلكة فإنى إن خرجت هلك مالى وعيالى لعدم من يقوم بمصالحهم.

وقيل: أن الجد بن قيس قال للرسول: قد علمت الأنصار أنى مشتهر بالنساء فلا تفتنى ببنات الأصفر - يعني الروم - ولكن أعينك بمالى فاتركنى: فنزلت الآية.

ص: 1713

{وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} :

هذا وعيد لهم على ما فعلوا، أَي: وإِن جهنم لجامعة لهؤُلاءِ المنافقين يوم القيامة محيطة بهم من كل جانب لكفرهم، ويجوز أَن يكون المعنى: وإِن جهنم لمحيطة بهم الآن، تنزيلا للعذاب المحقق وقوعه مستقبلا منزلة الواقع، أَو وضعًا لأَسباب التعذيب بجهنم موضع جهنم، فإِن مبادىءَ إِحاطة النار بهم من الكفر والمعاصي محيطة بهم من كل جانب وقت نزول الآية - وقيل غير ذلك.

{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)} .

المفردات:

{حَسَنَةٌ} : نعمة، والمراد بها هنا: النصر والغنيمة.

{مُصِيبَةٌ} : شدة، كهزيمة أُحد. {كَتَبَ اللهُ}: أثبت في علمه أَو في اللوح المحفوظ.

{مَوْلَانَا} : متولى أُمورنا. {تَرَبَّصُونَ} : أَصله تتربصون فخفف بحذف إِحدى التاءَين، ومعناه تنتظرون. {الْحُسْنَيَيْنِ}: الغايتين المستحسنتين النصر والشهادة في سبيل الله.

التفسير

50 -

{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ

}:

ص: 1714

هؤُلاءِ المنافقون الذين استأْذنوك في التخلف عن الجهاد ليس عندهم شىءٌ من الميل نحوك، ولا الرغبة في مرضاتك كما يزعمون، ذلك أَنه إِن تصبك نعمة من الله بنصر وغنيمة تسؤْهم وتحزنهم، لفرط حسدهم وكراهتهم لك، وإِن تُصِبْكَ مصيبة تؤْلمك كالذى أَصابك يوم أُحد من الجراح والهزيمة، يقولوا مغتبطين لتخلفهم، حامدين لرأْيهم وسياستهم، قد احتطنا وأَخذنا أَمرنا من قبل المصيبة بتلافى ما يهمنا، حيث اعتزلنا المقاتلين، وقعدنا عن الحرب، ودارينا الكفرة بذلك، حيث اعتزلنا المسلمين وهم في قوتهم قبل أَن يهزموا، وسلمنا مما أَصاب المقاتلين من قتل وجرح.

{وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} :

أَي وينصرفوا عن المجلس الذي كانوا يتحدثون فيه حديثهم هذا، وهم كثيرو الفرح بهزيمة المسلمين، ونجاة أَنفسهم بأَخذهم حذرهم واحتياطهم بالتخلف عنهم، ...... وقيل: المراد بتوليهم إِعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة.

51 -

{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} :

قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين ردًّا على شماتتهم: لن يحدث لنا إِلا ما قدره الله علينا، لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم، فإِن نصرنا فلا أَثر لكم في النصر إِن وجدتم معنا، وإِن هزمنا فلا أَثر لكم في الهزيمة إِن تخلفتم عنا، والله وحده هو ناصرنا، وعليه لا على غيره فليعتمد المؤْمنون.

52 -

{قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}

قل أَيها الرسول لهؤُلاءِ المنافقين الشامتين إِمعانًا في الرد عليهم، وبيانًا لحسن عاقبة المؤْمنين المجاهدين: ما تنتظرون بنا إِلا إِحدى العاقبتين الحسنيين - وهما النصر والشهادة - وما تتمنونه لنا وتفرحون به من القتل لتتخلصوا منا، هو أَنفع لنا من النصر والغنيمة اللذين تعدونهما منفعة لنا، وتتأَلمون من حصول المجاهدين عليهما.

{وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} :

ص: 1715

ونحن ننتظر بكم أَن يصيبكم الله بعذاب من عنده، كما أَصاب من قبلكم من الأُمم المهلكة كعاد وثمود، أَو بعذاب بأَيدينا هو القتل، وهذا أَو ذاك بسبب كفركم الذي انطوت عليه قلوبكم، وتربصكم بنا الموت والهزيمة، وكراهتكم للإِسلام والمسلمين، وإِذا كان أَمرنا وأَمركم ما تقدم فانتظروا بنا ما ترونه شرًّا ونراه خيرًا - وهو الشهادة في سبيل الله -، إِنا معكم منتظرون ما تستحقونه من عذاب الله أَو العذاب بأَيدينا.

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)} .

المفردات:

{طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} : أَي طائعين أَو كارهين. {فَاسِقِينَ} : متمردين خارجين على حدود الله بإِبطان الكفر مع إِظهار الإِيمان وبغير ذلك من المعاصي.

{وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ} : وتخرج بصعوبة، والزهوق الخروج بمشقة.

التفسير

53 -

{قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} :

لا يزال الكلام متصلًا بشأْن المنافقين.

ص: 1716

والمعنى: قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وعرضوا المساهمة في تفقاتها بأَموالهم: أَنفِقوا أَموالكم في سبيل الله طائعين راضين، أَو متورطين كارهين، فلن يتقبل الله منكم ما تنفقون، ولن يثيبكم عليه، ولن يشفع لكم في تخلفكم عن تبوك لأَغراض خبيثة في نفوسكم، إِنكم كنتم وما زلتم قومًا عتاة متمردين، فقد أَبطنتم الكفر ونافقتم الإِسلام، فكيف يتقبل الله من الكافرين المرائين، وقد بين الله فسقهم الذي كان سببًا في عدم قبول إِنفاقهم بقوله:

54 -

{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ} . الآية.

أَي: وما منعهم شىءٌ من قَبُول نفقاتهم إِلا كفرهم القلبى باللهِ وبرسوله، وأَنهم لا يؤدون الصلاة في نشاط وإِقبال بل يؤدونها وهم كسالى متثاقلون، ولا ينفقون من أَموالهم في سبيل الله عن رضا وراحة نفس، بل يفعلون ذلك وهم كارهون، لأَنهم لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا.

55 -

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} :

فلا تستحسن أَموالهم ولا أَولادهم يأَيها المتأَمل ولا تكن مغتبطا مسرورا بحالهم، فكل ذلك وبال عليهم واستدراج لهم، فما يريد الله بتلك النعم إِلا تعذيبهم بها في الحياة الدنيا، بما يكابدون من المشقة في تحصيل الأَموال وحفظها، ومن المتاعب في تربية الأَولاد، وما يريد لله بها أَيضا إِلا أَن تخرج أَنفسهم وأَرواحهم من أَجسادهم بعد ذلك بمشقة شديدة، وهم كافرون باللهِ ورسوله، حيث شغلتهم دنياهم عن أُخراهم، وغفلوا عما أُعد لهم فيها من عذاب مقيم.

ص: 1717

{وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} .

المفردات:

{يَفْرَقُونَ} : يخافون. {مَلْجَأ} : مكانا حصينًا يلجأُون إِليه.

{مَغَارَاتٍ} : كهوفًا في الجبال. {مُدَّخَلًا} : (1) نفقا في الأَرض.

{لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} : لانصرفوا نحوه.

{وَهُمْ يَجْمَحُونَ} : وهم يسرعون أَشد الإِسراع.

التفسير

56 -

{وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ} :

ويحلف هؤلاءِ المنافقون بالله تعالى إِنهم من جملتكم في الدين والعمل، يريدون بذلك أَن يدلسوا على المؤْمنين بعد افتضاح أَمرهم، والحقيقة أَنهم ليسوا منكم أَيها المؤْمنون، فقلوبهم خالية من الإِيمان الذي امتلأَت به قلوبكم، ولكنهم قوم يخافون خوفا شديدا من أَن يفعل بهم ما يفعل بالمشركين، فلهذا يظهرون الإِسلام ويشاركونكم في شعائره ويؤَيدون ذلك بالأَيمان الفاجرة، ولو استطاعوا لهربوا منكم وفي ذلك يقول الله تعالى:

57 -

{لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} :

هذه الآية مقررة لما جاءَ في الآية التي قبلها من أَن المنافقين ليسوا من المؤمنين، وأَن نسبتهم أَنفسهم إِلى المسلمين أَرادوا بها أَن يحموا أَنفسهم من القتل.

والمعنى: لو يجد أُولئك المنافقون مكانا حصينا في جبل أَو قلعة أَو نحوهما يلجأُون إِليه، أَو كهوفا خفية يخفون فيها أَنفسهم، أَو نفقا في الأَرض يدخلون فيه ويندسون،

(1) على وزن مفتعل من الدخول.

ص: 1718

لانصرفوا إِليه عنكم، وهم يسرعون إِسراع الفرس الجموح الذي لا يثنيه اللجام، إِيثارا للإِقامة في هذه الأَماكن على الإِقامة مع المؤمنين، حتى يكونوا فيها على سجيتهم من الكفر، ولا يخشون من المؤمنين انتقاما.

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ (59)} .

المفردات:

{يَلْمِزُكَ} : يعيبك سرا. {في الصَّدَقَاتِ} : في شأْن قسمة أَموال الزكاة.

{يَسْخَطُونَ} : يغضبون. {حَسْبُنَا اللهُ} : أَي كافينا.

التفسير

58 -

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا

} الآية.

نزلت هذه الآية في أَبي الجواظ المنافق قال: أَلا ترون إِلى صاحبكم إِنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل.

وقال أَبو سعيد الخدرى: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مالًا إِذ جاءَه حُرْقُوص بن زهير - أَصل الخوارج - ويقال له: ذُو الخُوَيْصِرة التميمى، فقال: أَعدل يا رسول الله، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"ويلك ومن يعدل إِذا لم أَعدل"؟ فنزلت الآية - حديث صحيح أَخرجه مسلم بمعناه - وعندها قال عمر رضي الله عنه: دعنى يا رسول الله فأَقتلَ هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أَن يتحدث الناس أَنى

ص: 1719

أَقتل أَصحابى، إِن هذا وأَصحابة يقرأُون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمِيَّةِ".

المعنى: ومن هؤلاءِ المنافقين من يعيبك في قسم الصدقات زاعمين أَنك تركت بعض من يستحقون وأَنهم منهم، وأَعطيت بعض من لا يستحقون، وهذا زور وبهتان، فإِن هؤلاءِ الكاذبين لو أُعطوا منها كما يشتهون رضوا ولم يلمزوا ولم يعترضوا، وإِن لم يعطوا منها كما يحبون يفاجئون الناس بالسخط والغضب، ويعيبون على النبي صلى الله عليه وسلم في تقسيمها، فرضاهم وسخطهم ليسا لوجه الحق والدين، بل لحظوظ أَنفسهم، وإِيثارهم لها على أَهل الاستحقاق.

59 -

{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} :

ولو أَن هؤلاءِ اللامزين المعترضين أَخذوا ما أَعطاهم الله ورسوله من الصدقات ونفوسُهم راضية بما أَخذوه وإِن قل، وقالوا: كافينا فضل الله وما قسمه لنا في هذه المرة، سيعطينا الله من فضله ورسوله بعدها من صدقات أَو مغانم أُخرى حسبما نرجو ونأْمل، إِنا إِلى الله راغبون في زيادة الخير والفضل، لو أَن ذلك كله حدث منهم، لكان خيرا لهم وأَزكى مما قالوه، واستحقوا غضب الله من أَجله.

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)} .

المفردات:

{لِلْفُقَرَاءِ} : جمع فقير وهو من لا مال له، أَو له مال لا يقع موقعا من كفايته.

{وَالْمَسَاكِينِ} : جمع مسكين، وهو من لا مال له، أو له مال يقع موقعًا من كفايته، فالفقير أَسوأُ حالًا من المسكين وقيل بالعكس.

ص: 1720

التفسير

لما عاب المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسم الصدقات بقولهم: أَترون إِلى صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أَنه يعدل، جاءَ القرآن الكريم يقرر صواب طريقته وأَنه أَعطاها لمن يستحقونها، ولم يأْخذ لنفسه شيئًا منها فقال تعالى:

60 -

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية.

أَي إِنما تصرف الصدقات للفقراءِ والمساكين، والمراد بالصدقات ما يشمل أَنواع البر المختلفة من زكاة مفروضة، أَو صدقة متطوع بها، والفقير والمسكين كلاهما لا يجد ما يكفيه، وهل الفقير أَسوأُ حالا من المسكين أَو العكس خلاف بين الفقهاءِ.

{وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} : أَي وتصرف الصدقات أَيضا للذين يعملون في جمعها وتحصيلها، ويقومون بكتابة ما أَعطاه أَرباب الأَموال، وجمع المستحقين لها وتوزيعها عليهم.

{وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} : وهم أَصناف، فمنهم قوم أَسلموا ولم يستقر الإِسلام بعد في قلوبهم، فكان رسول صلى الله عليه وسلم يؤلف قلوبهم بإِجزال العطاءِ لهم، ومنهم أَشراف من العرب كان الرسول يتأَلفهم ليسلموا، ومنهم آخرون أَقوياءُ الإِيمان كانوا يُعطون أَملا في إِسلام نظرائهم، فينتصر، بهم الإِسلام.

{وَفِي الرِّقَابِ} : أَي ويصرف منها في فك الرقاب وذلك بإِعانة المكاتبين بشىء منها على أداء مال الكتابة وتخليص الأَسارى من أَيدى الكفار، وشراءِ الأَرقاءِ وعتقهم، لتحرير رقاب الجميع من ربقة الرق والعبودية. {وَالْغَارِمِينَ}: وهم الذين استدانوا في غير معصية، فيعطون منها ليتمكنوا من أَداءِ ديونهم إِذا لم يكن لهم مال يفى بديونهم، أَو هم الذين غرموا في سبيل الإِصلاح بين الناس وإِن كانوا أَغنياء.

{وَفِي سَبِيلِ اللهِ} : أَي ويصرف منها للغزاة القائمين بالجهاد، ليستعينوا بها على القتال في سبيل نصرة الدين.

{وَابْنِ السَّبِيلِ} : وهو المسافر الذي قطعه السفر عن أَهله وماله، فيأْخذ منها ما يستعين به على الوصول إِلى غرضه.

هؤلاءِ الثمانية تصرف لهم الصدقات وتختص بهم وحدهم، لا يعطى منها أَحد سواهم، وإِذا كانت الصدقات لا تعطى لغيرهم، فما لهؤلاءِ الذين لا يستحقون شيئًا منها يعيبون قاسمها ويتكلمون في شأْنه وشأْنها بما لا يليق.

ص: 1721

{فَرِيضَةً مِنَ اللهِ} : أَي فرض الله لهؤلاءِ المذكورين الصدقات فريضة محكمة ثابتة لإِصلاح شئونهم، فلا يعطى منها غيرهم ولا يمنع منها من وجد منهم.

{وَاللهُ عَلِيمٌ} : أَي والله محيط علمه بكل شيء فيعلم أَحوال الناس وما يصلح شئونهم.

{حَكِيمٌ} : يفعل كل شيء بحكمة بالغة ومنها وضع الصدقات في مواضعها النافعة.

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)} .

المفردات:

{أُذُنُ} : يسمع كل ما يقال ويصدقه، كأَنه من فرط استماعه صار آله للسماع.

{يُحَادِدِ} : يجانب ويخالف ويعادى. {الْخِزْيُ} : الذل والهوان.

التفسير

كان جماعة من المنافقين يعيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتكلمون في شأْنه بما لا ينبغي، فقال بعضهم لا تفعلوه خشية أَن يبلغه ذلك فيعاقبنا، وقال بعضهم: قولوا ما شئتم ثم إِذا بلغه ذلك ذهبنا إِليه وأَنكرناه وحلفنا فيصدقنا، فإِنه أُذن يسمع كل ما يقال له فيصدقه، فأَنزل الله قوله تعالى:

61 -

{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ

} الآية.

ص: 1722

أَي ومن المنافقين جماعة يؤْذون النبي صلى الله عليه وسلم بتعييبه والطعن في رسالته فيما بينهم، ويزيدون في تعييبه وتنقيصه أَن يسموه فيما بينهم أُذنًا، يريدون بذلك أَنه يسمع كل كلام يلقى إِليه ويقتنع به ويصدقه.

فأَمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يقول لهم: {هُوَ أُذُنٌ} كما تقولون ولكن لا من الجهة التي تذمونه بها وهي سماعه كل ما يقال، بل من حيث إِنه كثير الاستماع إِلى الخير والحق يقبله ويعمل به.

ثم بين القرآن الكريم كونه أَذن خير بقوله:

{يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} : أَي يصدق باللهِ الذي لا يشك فيه عاقل، ويصدق المؤْمنين ويُسَلِّمُ لَهُمْ، لظهور إِخلاص نياتهم واطمئنان قلوبهم.

وكان إِيمانه صلى الله عليه وسلم باللهِ واطمئنانه إِلى المؤمنين خيرًا للمخاطبين ولسائر العالمين، لأَنه الإِمام الداعى إِلى التوحيد وإِلى كل خير.

{وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} : أَي وهو صلى الله عليه وسلم رحمة للذين أَظهروا الإِيمان منكم، إِذ قبله لا تصديقًا لهم، بل رفقا بهم، فلم يهتك لهم سترا، ولم يكشف لهم سرًّا، بل أَحسن إِليهم وتجاوز عن سيئاتهم، رجاءَ أَن يتوبوا من نفاقهم، ويخلصوا الإِيمان لربهم.

{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ} صلى الله عليه وسلم بتهوين شأْنه والانتقاص من قدره بما قالوا. {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : شديد الإِيلام بسبب إِيذائه.

والإِخبار في نهاية الآية عن شدة عذاب الذين يؤْذون رسول الله صلى الله عليه وسلم للتهديد والوعيد على إِيذائه، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسول الله تعالى إِعظام لشأْنه وإِجلال لقدره، وتنبيه على أَن إِيذاءَه موجب لسخط الله تعالى.

وكان المنافقون يتحدثون بما يؤْذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعيبه وينتقص من قدره، ثم يجيئون إِلى المؤمنين وينكرون ذلك ويؤكدون إِنكارهم بالإِيمان ليرضوا عنهم، فبين القرآن الكريم أَنهم كاذبون في إِنكارهم بقوله تعالى:

ص: 1723

62 -

{يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} :

أَي يقسم هؤُلاءِ المنافقون باللهِ لكم أَيها المؤْمنون، أَنهم ما أَساءُوا إِلى الرسول صلى الله عليه وسلم، بكلام يعيبه وينتقص من قدره، يريدون بذلك أَن ترضوا عنهم، بتصديقهم في نفى ما نقل عنهم من قالة السوءِ في حقه صلى الله عليه وسلم، ولا يعنيهم إِرضاءُ الله ورسوله باتباع سبيل المؤْمنين، مع أَنه هو الواجب كما قال الله تعالى:

{وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} :

أَي والله أَحق أَن يرضوه بإِرضاءِ رسوله إِن كانوا صادقين في إِيمانهم، وذلك باتباعه فيما جاءَ به عن ربه، والقيام بما يجب له من الإِجلال والإِكبار حاضرا وغائبًا، فطاعته طاعة لله تعالى:{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} .

63 -

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} :

أَي أَغاب عن هؤُلاء المنافقين ولم يصل إِلى علمهم، أَنه من يعادى الله ورسوله فإِن له نار جهنم، يعذبه الله بها ماكثًا فيها لا يخرج منها، ذلك العذابُ الدائمُ الذي بلغ الغاية في الهول والشدة، هو العار الفاضح والذل الدائم، والهوان الشديد، حين يفتضح أَمرهم وينكشف حالهم يوم القيامة على رءُوس الأَشهاد.

{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)} .

ص: 1724

المفردات:

{يَحْذَرُ} : يخاف. {اسْتَهْزِئُوا} : استخفوا واسخروا. {مُخْرِجٌ} : مظهر.

{نَخُوضُ} : ندخل ونمضى في الكلام نشغل به أَنفسنا. {وَنَلْعَبُ} : ونعبث.

{لَا تَعْتَذِرُوا} : لا تطلبوا قبول المعذرة والحجة التي تبرئون بها أَنفسكم.

{مُجْرِمِينَ} : مرتكبين للجرم وهو الذنب العظيم.

التفسير

64 -

{يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا في قُلُوبِهِمْ

} الآية.

أَي: يخشى المنافقون ويفزعون أَن ينزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في شأْنهم سورة تتلى عليهم وتخبرهم بما أَخفوه في قلوبهم، وبما كانوا يتحدثون به فيما بينهم، من سخرية واستهزاءٍ بالرسول، وبما أَنزل الله عليه من كتاب، واستخفاف بالمؤْمنين، وفي إِنزالها على الرسول وتلاوتها عليهم، إِعلام للناس تنكشف به أَستارهم، وتفتضح به أَحوالهم، فهم لذلك يخافون نزولها ولا ينفعهم حذرهم هذا بشىءٍ.

{قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} :

أَي قل لهم أَيها الرسول: استهزئوا واسخروا من النبي والمؤْمنين ما شئتم، وبالغوا في حذركم وتخفيكم ما أَردتم إِن الله معلن ومظهر ما تخافون إِظهاره، وتخشون انكشافه، من مخازيكم التي تضمرونها في قلوبكم وتخفونها في صدوركم.

أَخرج ابن المنذر وابن أَبي حاتم عن قتادة قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إِلى تبوك، إِذ نظر إِلى أُناس بين يديه من المنافقين يقولون: أَيرجو هذا الرجل أَن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأَطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك، فقال: احبسوا علىَّ الركبَ، فأَتاهم، فقال صلى الله عليه وسلم: قلتم كذا وكذا، قالوا يا نبى الله: إِنما كنا نخوض ونلعب فنزلت.

وفي رواية: قالوا: يا نبى الله - لا - والله ما كنا في شيءٍ من أَمرك ولا من أَمر أَصحابك، ولكن كنا في شيءٍ مما يخوض فيه الركب ليُقَصِّر بعضنا على بعض السفر فكشف الله أَحوالهم في قوله تعالى:

65 -

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ

} الآية.

ص: 1725

أَي: والله لَئِن سألتهم يا محمَّد عما كانوا يتحدثون به استهزاء وهم سائرون معك إِلى تبوك، بعد أَن فضح الله أَمرهم بما أَوحاه الله إِليك.

{لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} : أَي ليقولن معتذرين كذبًا، إِنما كنا ندخل ونمضى في أَحاديث مختلفة للتسلية وتقصير السفر، ولم نكن جادين فيما تحدثنا به، بل كنا لاهين ولاعبين، لا نقصد بذلك سخرية ولا استهزاء، فلما قالوا ذلك أَمر الله تعالى، رسوله صلى الله عليه وسلم، أَن يقول لهم ردًّا لاعتذارهم:

{أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} : أَي قل أَيها النبي لهؤلاءِ المنافقين، غير ملتفت إِلى اعتذارهم فليسوا فيه بصادقين، - قل لهم - تقريعا: أَبالله القادر على كشف أَسراركم، وآياته المجيدة ورسوله الصادق، كنتم تلهون وتعبثون وتسخرون، إِنّ هذا منكم لمنكر وعجيب لا يصدر إِلا عن كفر عميق وعقل مريض.

66 -

{لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ

} الآية.

أَي: لا تشغلوا أَنفسكم بتلمس المعاذير وانتحالها، رغبة في دفع اللوم والعتاب عنكم، لتحقق كذبها وظهور بطلانها، فإِنكم قد كفرتم بالاجتراءِ على الله والاستهزءِ به وبآياته وبرسوله، بعد أَن أَعلنتم الإِيمان وأَظهرتم الإِسلام.

{إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ} : أَي إِن نتجاوز عن ذنوب جماعة منكم - فلا نعاقبهم بها - لصدق توبتهم وإِخلاص إِيمانهم، وابتعادهم عن الإِيذاءِ والاستهزاءِ، بعد أَن خاضوا في ذلك مع الخائضين.

{نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} :

أَي نعاقب جماعة أُخرى بالعذاب الشديد لإِصرارهم على الكفر والنفاق ومضيهم في السخرية والاستهزاءِ.

ص: 1726

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)} .

المفردات:

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ} : هم الذين يظهرون غير ما يضمرون.

{بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} : أَي متشابهون في النفاق والبعد عن الإِيمان.

{يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} كناية عن شدة بخلهم. {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} : أَي تركوا حق الله عليهم فحرمهم فضله. {الْفَاسِقُونَ} : الخارجون عن دين الله.

التفسير

67 -

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ .. } الآية.

بعد أَن بينت الآية السابقة عدم قبول أَعذار المنافقين لبطلانها وكذبها واجترائهم على الله واستهزائهم بآياته ورسوله، بيَّن سبحانه هنا صفات المنافقين وشرح طريقتهم وأَخلاقهم مع الله ورسوله كاشفًا سبب عقابهم فقال:

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} : أَي متشابهون في أَخلاقهم وسلوكهم، وشرح تشابههم في ذلك بقوله سبحانه:{يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} : أَي يأْمرون بالمعاصى وكل ما هو قبيح في الشرع والطبع السليم وينهون عما عرف حسنه من الإِيمان والطاعة. {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} : على المال ضنا به وحرصًا عليه وشُحًّا به، فقبض اليد كناية عن شدة بخلهم بالإِنفاق في أَي وجه من وجوه البر والخير والطاعات، وأَنهم لا يخرجون من أَموالهم واجبًا ولا مندوبًا {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ}: أَي تركوا حق الله عليهم وأَغفلوا أَمره حتى لم يعد يخطر لهم على بال فتركهم الله تعالى ولم يُقم لهم وزنًا، فهم بمعزل عن فضله ورحمته.

{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} : أَي إِن المنافقين الذين تقدم شرح حالهم، هم الذين بلغوا الغاية في الخروج عن دين الله وطاعته والتمرد عليه.

ص: 1727

{وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)} .

المفردات:

{حَسْبُهُمْ} : كافيهم. {وَلَعَنَهُمُ} : وطردهم من رحمته. {مُقِيمٌ} : دائم لا يزول ولا يتحول.

{فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ} : فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من الملاذ والشهوات.

{وَخُضْتُمْ} : ومضيتم في أَحاديث الاستهزاءِ والسخرية. {حَبِطَتْ} : بطلت وضاع ثوابها.

التفسير

68 -

{وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ

} الآية.

بعد أَن بين القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين والمنافقات جاءَت هذه الآية ببيان جزائهم وعقابهم في الآخرة وكذلك عقاب الكفار الصرحاء في الكفر فقال تعالى:

{وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ

}:

والمعنى: وعد الله المرائين بالإِيمان والمبطنين للكفر، من الرجال والنساء، كما وعد الكفار الصرحاء {نَارَ جَهَنَّمَ} يصلون سعيرها، {خَالِدِينَ فِيهَا} لا يبرحونها، ولا ينقطع عنهم عذابها {هِيَ حَسْبُهُمْ} أَي جهنم وحدها تكفيهم عقابًا وعذابًا على نفاقهم وكفرهم، {وَلَعَنَهُمُ اللهُ} أَي وأَبعدهم عن رحمته وطردهم منها {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} أَي ولهؤلاءِ نوع شديد من العذاب في النار دائم لا يفارقهم، جزاءَ ما اقترفوا من جرائم وآثام.

ص: 1728

69 -

{كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا

} الآية.

أَي: أَنتم أَيها المنافقون وكفار مكة حالكم مثل حال الذين مضوا من المنافقين والكفار من الأُمم المهلكة قبلكم، في الاستمتاع بالحياة الدنيا والغفلة عن الآخرة، والجرأَة على الحق، واستحقاق العقاب، وذلك أَنهم كانوا أَعظم منكم قوة أَيها المخاطبون، وأَكثر أَموالًا وأَولادًا، فتمتعوا بنصيبهم الذي قدر لهم من حظوظ الدنيا وطيباتها، وأَفرغوا كل جهد لهم في التمتع بالملذات والشهوات، ونسوا حق الله عليهم ولم يلتزموا بطاعته، واستخفوا بأَنبيائهم وسخروا منهم، فكذلك كنتم بعدهم مثلهم انتفعتم بنصيبكم الذي قدر لكم من متاع الدنيا وزينتها، وحرصتم عليه وجعلتم الاشتغال به غاية الغايات، كما تمتع الذين من قبلكم. {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا}: أَي ودخلتم أَيها المنافقون والكافرون في الباطل وانغمستم فيه كانغماس الذين مضوا قبلكم من الأُمم.

{أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : أَي أُولئك الذين انغمسوا في الباطل إِلى الأَذقان من الفريقين، وجعلوا كل همهم التمتع بالشهوات - أُولئك المذكورون - بطلت أَعمالهم المشتملة على الخير، فلم تنفعهم في الدنيا والآخرة، إِذ لا اعتبار للعمل الطيب بغير إِيمان وتصديق.

{وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} : أَي وأُولئك هم الذين خسروا خسرانًا مبينا لا خسران بعده، إِذ قضوا حياتهم فيما يضرهم ولا ينفعهم.

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)} .

المفردات:

{نَبَأُ} : خبر له شأْن. {الْمُؤْتَفِكَاتِ} : المنقلبات وهي قرى قوم لوط.

{بِالْبَيِّنَاتِ} : بالحجج الواضحات.

ص: 1729

التفسير

70 -

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ

} الآية.

بعد أَن حكى القرآن الكريم طائفة من جرائم المنافقين ووعيد الله لهم بالعذاب بالنار وحكى مشابهتهم لمن قبلهم في النفاق وتوعدهم بالعقاب انتقل في هذه الآية إِلى توبيخهم على عدم اعتبارهم بإِهلاك من قبلهم حين كذبوا برسلهم فقال تعالى:

{أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ} :

والمعنى: أَلم يصل إِلى علم هؤُلاءِ المنافقين والكافرين خبر الذين كفروا من قبلهم، الجدير بأَن يكون عبرة لهم ولغيرهم كما يتضح مما يأْتى: وهؤُلاءِ هم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إِبراهيم وأَصحاب مدين والمؤْتفكات.

{أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} : أَي جاءَ كل رسول قومه بالآيات الظاهرة والحجج الواضحة، الدالة على وحدانية الله، الشاهدة بصدق رسالته، فلم يؤْمنوا، وكذبت كل أُمة برسولها، وآذته، فأَهلكهم الله بذنوبهم، وما كان الله ليعذب أَحدًا بغير ذنب.

{فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} :

أَي فما صَحَّ وما استقام في سنة الله في خلقه أَن يعاقبهم بغير ذنب فيظلمهم بذلك، ولكن هؤُلاءِ الطغاة ظلموا أَنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان، حيث عرضوها بذلك لأَشد العقاب، وظلم النفس أَشدُّ أَنواعِ الحمق والقبح.

وقد أَهلك الله قوم نوح بالطوفان، وعاد - وهم قوم هود - بالريح العقيم، وثمود - وهم قوم صالح - بالرجفة، وعاقب قوم إِبراهيم بنصره عليهم والانتقام منهم، وأَصحاب مدين - وهم قوم شعيب - بالنار يوم الظلمة.

(والمؤْتفكات): أَي المنقلبات هي قرى قوم لوط التي قلبها الله عليهم، فجعل الله عاليها سافلها، وأَمطر عليهم حجارة من سجيل؛ والأُمم المعاقبة أَكثر من هذه الست، ولكنه تعالى اقتصر عليها لأَن آثارهم وبلادهم بالشام والعراق واليمن وهي قريبة من أَرض العرب فكانوا يقرون عليها ويعرفون أَهلها.

ص: 1730

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)} .

المفردات:

{أَوْلِيَاءُ} : جمع ولى وهو المحب. {خَالِدِينَ فِيهَا} : ماكثين فيها مكثًا دائمًا.

{جَنَّاتِ عَدْنٍ} : أَي جنات إِقامة وخلود، يقال عدن بالمكان عدنا وعدونا أَقام به.

التفسير

بعد أَن بين القرآن الكريم سوءَ حال المنافقين والكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بيان حسن حال المؤْمنين في الدارين تنفيرًا من اتباع أُولئك وترغيبًا في التأَسى بهَؤُلاءِ، فقال - تعالى:

71 -

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .. } الآية.

أَي: والمؤْمنون والمؤْمنات بعضهم محب لبعض، يجمعهم الإِيمان وحسن الصحبة والتناصر، ويتولى بعضهم بعضًا بما يعود عليه بصلاح الحال في الدنيا والآخرة، ومن مظاهر ولاية بعضهم لبعض أَنهم يأْمرون بما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه حَسَنٌ مباح، وينهون عما عرف من الشرع والطبع السليم أَنه مُنْكَر وقبيح، ويؤَدون الصلاة قويمة

ص: 1731

سليمة مستوفية الشروط والأَركان، ويعطون الزكاة لمستحقيها، ويطيعون الله ورسوله بامتثال أَوامره واجتناب نواهيه.

{أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ} : أَي أُولئك الموصوفون بتلك الفضائل العظيمة سيفيض الله عليهم من آثار رحمته ما به ينصرهم على أَعدائهم، ويؤيدهم في كفاحهم وجميع أَحوالهم، ويسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.

{إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

أَي إِنَّ الله غالب قوى لا يمتنع عليه شيء، فهو قادر على إِعزاز أَوليائه وقهر أَعدائه.

{حَكِيمٌ} : يضع كل شيء في موضعه بحكمة بالغة، فينعم على المؤْمنين بسعادة الأُولى والآخرة ويعاقب الكافرين والمنافقين بخسران الدارين.

72 -

{وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} الآية:

أَي: وعد الله المصدقين والمصدقات باللهِ ورسوله وبما أَنزله من شرع وأحكام، أَن يجزيهم على إِيمانهم الصادق وعملهم الصالح جنات تجرى من تحت قصورها وأَشجارها الأَنهار، إِتماما لنعيمها وتكريما لأَصحابها، وقدر لهم الخلود فيها ووعدهم - سبحانه - مساكن طيبة في جنات خلود وإِقامة، يسرون بجمالها وسعتها وما فيها من نعيم مقيم.

وأَعظم من ذلك كله رضوان الله تعالى عنهم، فإِن الشعور بلذة رضوان الله أَكبر من الشعور بلذة نعيم الجنة.

{ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} : أَي ذلك الذي وعدهم الله إِياه من النعيم المقيم في دار الخلود الدائم، وما تفضل به عليهم من رضاه هو الفوز الذي بلغ الغاية في العظم فينبغى الحرص عليه والعمل له والتنافس فيه.

ص: 1732

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)} .

المفردات:

{وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} : واشدد عليهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ورحمة. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} : أَي ومكانهم ومقرهم الذي يأْوون إِليه وينزلون فيه جهنم. {الْمَصِيرُ} : المآل والمرجع.

{قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ} : أَي نطقوا بما يدل عليه من الأَلفاظ. {وَهَمُّوا} : المراد من الهم هنا العزم - أَي عزموا. {بِمَا لَمْ يَنَالُوا} : بما لم يستطيعوا الوصول إِليه.

{نَقَمُوا} : كرهوا وأنكروا. {وَلِيٍّ} : صديق ينفعهم، أَو سيد متولى أَمرهم.

التفسير

73 -

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ

} الآية.

يا أَيها النبي جاهد الكفار الصرحاءَ الذين يجهرون بالكفر، وجاهد المنافقين الذين يظهرون الإِيمان ويبطنون الكفر، أُولئك الكفار بالسيف والسلاح، وهؤلاءِ المنافقين بالحجة والبرهان وإِقامة الحدود {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ}: أَي وكن أَيها النبي شديدًا عليهم في جهادك فلا تلاينهم ولا تأْخذك بهم رأْفة ولا رحمة، هذا جزاؤهم في الدنيا.

{وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : ومقرهم الذي يأْوون إِليه في الآخرة جهنم يعذبون فيها بالنار، وبئس المرجع الذي سيصيرون إِليه والنهاية التي سينتهون إِليها - نار جهنم.

ص: 1733

ثم انتقل القرآن الكريم يحكى ما ارتكبوه من جرائم استوجبوا بها ما مر، من الأَمر بجهادهم والغلظة عليهم فيه، ودخول جهنم في الآخرة فقال تعالى:

74 -

{يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا

} الآية.

روى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَقَام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه، فقال الجلاس بن سويد لئن كان ما يقول محمَّد حقا لإِخواننا الذين خلَّفْناهم - وهم ساداتنا وأشرافنا - لنحن شر من الحمير، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحضره فحلف بالله ما قاله، فنزلت الآية فتاب الجلاس وحسنت توبته.

والمعنى: يقسم هؤلاءِ المنافقون بالله أنه ما صدر عنهم ما نسب إِليهم من القول السَّيَّىِء والنطق بكلمة الكفر، وهُمْ كاذبون في دعواهم حانثون في يمينهم، ولهذا كذبهم الله قائلا:{وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ} :

أَي: ولقد صرحوا بكلمة تدل على كفرهم الذي كتموه وتفضح نفاقهم، إِذ قالوا لو كان ما يقوله محمَّد في حق إِخواننا حقا لنحن شر من الحمير، وأعلنوا ما خبأُوه في قلوبهم من الكفر بعد أَن قالوا كلمة الإِسلام بأَفواههم.

{وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} :

أَي وهموا بفعل ما لم يصلوا إِليه ولم يقدروا عليه من قَتْل النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أَن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادى إِذا تَسنَّم العَقبَة بالليل، فأَخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة يسوقها فبينما هما كذلك إِذ سمع حذيفة بوقع أَخفاف الإِبل وقعقعة السلاح، فقال: إِليكم يا أَعداءَ الله، فهربوا. وقيل هموا بإِخراج الرسول والمؤمنين من المدينة، أَو بأَن يُتَوِّجوا عبد الله ابن أُبَىٍّ ملكا عليها فأَحبط الله مُؤَامرتهم.

{وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} :

أَي وما حَمَل هؤلاءِ المنافقين والكفار على بغض الرسول والذين آمنوا معه وكراهتهم لهم - ما حملهم على ذلك - شيء يستوجب البغض والكفر، بل المحبة والإِيمان، فقد كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إِلى المدينة في غاية من ضنك العيش وشدة الحياة

ص: 1734

فأَغناهم الله تعالى من خيره الوفير بمقدم نبى الرحمة، ووسع عليهم أَرزاقهم من الغنائم وغيرها، وقتل للجلاس مولى، فأَمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثنى عشر ألف درهم فاستغنى، وعرفهم بآياته على لسان رسوله فأَسلموا فحملهم لؤم الطبع وظلام القلب على البغض والحقد والكراهية، بدل أن يشكروا هذا الإِنعام بطاعة الرسول والدخول في دين الإِسلام.

{فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} :

أَي ومع ذلك فإن يرجع هؤُلاءِ الكفار عما هم عليه من الكفر إِلى الإِيمان ويتوبوا إلى الله من جرائمهم يقبل توبتهم ويكن ذلك خيرا لهم في الدنيا والآخرة.

{وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} : أَي وإِن يعرض هؤُلاءِ عن الإِيمان والتوبة، ويستمروا على ما هم عليه من الكفر والنفاق، يعذبهم الله عذابا شديد الإِيلام في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بأَشد العذاب في النار.

{وَمَا لَهُمْ في الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} : أَي وليس لهم في الأَرض على سعتها وكثرة أَهلها صديق ولا ناصر يدفع عنهم عذاب الله.

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)} .

المفردات:

{مِنْ فَضْلِهِ} : زيادة خيره وإِنعامه. {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا} : أَي جعل الله عاقبة بخلهم نفاقا، أَو أورثهم البخل نفاقا. {أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ}: جعلوا وعدهم لله بالتَّصدُّق خلفهم،

ص: 1735

والمراد أَنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من الصدق والصلاح. {سِرَّهُمْ} : أَي ما انطوت عليه قلوبهم من النفاق. {نَجْوَاهُمْ} : أَي ما تحدثوا به علنا فيما بينهم بعيدا عن المؤمنين.

التفسير

بعد أَن بين القرآن الكريم فيما سبق طائفة من جرائم جماعات من المنافقين جاءَت هذه الآيات تحكى قبائح خاصة بفريق منهم. روى أَن ثعلبة بن حاطب أَتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أَن يرزقنى مالا، فقال عليه الصلاة والسلام:"يَا ثَعْلَبَةُ قَلِيلٌ تؤَدِّى حَقَّهُ، خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ" فراجعه وقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقنى الله مالًا لأُعطين كل ذى حق حقة، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتخذ غنما فنمت وكثرت حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديًا وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأَل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل،: كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ فقال: يا ويح ثعلبة، ثم بعث اثنين ممن يعملون في جمع الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسأَلاه الصدقة وأَقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه الفرائض فقال: ما هذه إِلا جزية ما هذه إِلا أُخت الجزية، فارجعا حتى أَرى رأْيى، فنزلت فيه وفي أَمثاله من المنافقين تلك الآيات.

75 -

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ

} الآية.

أَي ومن المنافقين من أقسم وأعطى العهد لله قائلا: والله لئِن أعطانا الله من واسع رزقه ومزيد خيره، لنتصدقن على الفقراءِ وعلى من يستحقون الصدقة، ولنكونن في عداد الصالحين الذين يقيمون حدود الله، فنعمل في أَموالنا ما يعمله أَهل الصلاح في أموالهم من الإِنفاق في سبيل الله وسائر وجوه البر والخير وصلة الأَرحام.

76 -

{فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} :

أَي فلما حقق الله لهم ما سأَلوه وأَعطاهم من واسع فضله ما كثرت به أَرزاقهم ضنوا بما أَنعم الله بهِ عليهم، ومنعوا حق الله فيه فلم يعطوا منه لأَهل الاستحقاق شيئا.

ص: 1736

{وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} : أَي وأعرض هؤُلاءِ مدبرين عن طاعة الله، وشأْنهم دائما التولى والإِعراض عما يجب الاتجاه إِليه من مقاصد الخير، والإِقبال على صنائع المعروف.

77 -

{فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} :

أَي فجعل الله عقب بخلهم بما رزقهم الله إِياه من واسع فضله، نفاقا متمكنا فِي قلوبهم كالداءِ العضال، يظل فيها إِلى يوم يموتون ويلقون الله وهذا النفاق المتمكن:

{بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ} : أَي بسبب أنهم لم يوفوا بما وعدوا الله به من التصدق على المستحقين حتى كأَنهم جعلوه خلف ظهورهم.

{وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} : وكذلك بسبب استمرارهم على الكذب في جميع أَقوالهم، ومنها كذبهم فيما عاهدوا الله عليه.

78 -

{أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} :

أَى أَغاب عن علم هؤُلاءِ المنافقين الذين حنثوا في أيمانهم، ونقضوا ما عاهدوا الله عليه، أن الله يعلم ما يخفونه في صدورهم من النفاق، وما يجهر به بعضهم لبعض بعيدا عن المسلمين من الطعن فيما شرعه الله للناس، ومن ذلك طعنهم في الزكاة والصدقات بتسميتها جزية أَو أُختها.

{وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} :

أَي وهل غاب عنهم أيضًا أن الله محيط علمه بكل ما يغيب عنهم وعن غيرهم فلا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماءِ، فكيف يتوهمون أنه تعالى يغيب عنه نفاقهم وسرهم ونجواهم.

ص: 1737

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)} .

المفردات:

{يَلْمِزُونَ} : يعيبون بالكلام الواضح أَو بالإِشارة بالعين أَو الرأْس، مع كلام خفى.

{سَبْعِينَ مَرَّةً} : المراد به المبالغة في العدد {الْمُطَّوِّعِينَ} : المتصدقين تطوعا.

التفسير

79 -

{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .. } الآية.

روى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم حَثَّ الناس على الصدقة ودعاهم إِلى إِخراجها فجاءَ عبد الرحمن بن عوف بأَربعة آلاف درهم وقال: كان لي ثمانية آلاف فأقرضت ربي أَربعة، وأَمسكت لعيالي أَربعة، فقال صلى الله عليه وسلم بارك الله لك فيما أَعطيت وفيما أَمسكت، فبارك له حتى صولحت تماضر رابعة نسائه عن رُبْع الثُّمُن على ثمانين أَلفا، وتصدق عاصم بن عدى بمائة وسق من تمر، وجاءَ أَبو عقيل الأَنصارى بصاع تمر فقال: بِتُّ ليلتى أَجُرُّ بالجَرير (1) على صاعين، فتركت صاعا لعيالى وجئت بصاع، فأَمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن ينثره على الصدقات، فلمزهم المنافقون، أَي عابوهم، وقالوا: ما أَعطى عبد الرحمن وعاصم إِلا رياء، وإِن الله ورسوله لغنيان عن صاع أَبي عقيل ولكنه أَحب أَن يُذكَر بنفسه ليعطى من الصدقات، فنزلت هذه الآية.

(1) الجرير: حبل يحمل للبعير ليجر به، فهو كالزمام للدابة.

ص: 1738

والمعنى: هؤلاءِ المنافقون البخلاءُ، الحانثون في أيمانهم، الناقضون لعهودهم مع الله بالتصدق والصلاح والاستقامة، هم الذين يعيبون المتبرعين الأَغنياءَ، فيتهمونهم بالرياءِ فيما بذلوه بسخاءٍ، ويعيبون الفقراءَ فيما تبرعوا به من طعام قليل حصلوا عليه بجهد ومشقة وعيالهم بحاجة إِليه، فيسخرون منهم ومن تبرعهم القليل، زاعمين أَنهم يذكرون بأَنفسهم ليعطوا من الصدقة.

{سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ} : أَي جزاهم على سخريتهم بالإِذلال والإِهانة في الدنيا، ليكونوا موضع سخرية الناس واستهزائهم حزاءً لهم من جنس عملهم.

{وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أَي ولهم يوم القيامة عذاب شديد الإِيلام.

80 -

{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} :

روى أَن عبد الله بن عبد الله بن أَبىٍّ وكان من المخلصين الصادقين، سأَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أَن يستغفر لأَبيه في مرض موته ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إِكراما لهذا الصحابي الجليل، وذلك قبل النهي عن ذلك فنزلت الآية:

{اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} : أَي سواءٌ طلبت المغفرة يا محمَّد لهؤلاءِ المنافقين أَو لم تطلبها لهم فإِن الله لا يغفر لهم، حتى إِن بالغت في الاستغفار لهم بأَكثر من هذا العدد. فلن يغفر الله لهم.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ} : أَي ذلك الوعيد بعدم المغفرة لهم، بسبب أَنهم كفروا بالله ورسوله، حين أَشركوا مع الله غيره وكذبوا رسوله ولم يؤمنوا بالدين الذي جاءَ به هدى للناس، وكان أَمرهم معه نفاقا في الظاهر وفسوقا وخروجا عليه في الباطن.

{وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} : والله لا يهدى القوم المتمردين الذين تجاوزوا الحدود، بل يتخلى عن معونتهم وتوفيقهم لإِصرارهم على الضلالة مع وضوح الحجة.

والتعبير بسبعين مرة يراد به الكثرة لا خصوص العدد، فلو زاد على السبعين في الاستغفار فلن يغفر الله لهم، لقوله تعالى:{إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .

ص: 1739

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)} .

المفردات:

{الْمُخَلَّفُونَ} : الذين تخلفوا عن الجهاد بأَعذار كاذبة. {بِمَقْعَدِهِمْ} : بقعودهم.

{خِلَافَ رَسُولِ اللهِ} : أَي بعده أَو مخالفة له.

التفسير

81 -

{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللهِ .. } الآية.

أَي فرح المنافقون الذين حملهم الكسل والنفاق على الاعتذار الكاذب عن الخروج إِلى غزوة تبوك، فرح هؤلاءِ بقعودهم عن الغزو بعد خروجه صلى الله عليه وسلم وكرهوا أن يجاهدوا بأَموالهم وأَنفسهم في سبيل الله لا إيثارًا للراحة والسلامة فحسب، بل استجابة أَيضًا لما استقر في قلوبهم من النفاق الذي أَورثهم بغض الجهاد الذي تتحقق به أَشرف الغايات، ولم يكتفوا بتخلفهم عن الجهاد وفرحهم بهذا القبح، بل كانوا يثبطون غيرهم عن الخروج بقولهم لا تخرجوا في الحر وتتركوا بيوتكم، فإنكم لا تطيقون شدته، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أَن يرد على جهلهم بقوله تعالى:

{قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} : أَي قل لهم أيها النبي: نار جهنم التي سيدخلونها بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهاد هي أَشد حرا من الصيف الذي تخافونه وتحذَّرون الناس منه.

{لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} : أَي لو كان هؤلاءِ المنافقون يدركون أَن نار الآخرة أَشد حرا،

لما فعلوا ما يستوجب العقاب بها، من تخلفهم عن الجهاد والاعتذار عنه بالأَباطيل، وحث غيرهم على عدم الجهاد في الحر.

ص: 1740

82 -

{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} : أَي فليضحك هؤلاءِ المنافقون سرورا بقعودهم وتثبيطهم غيرهم وسخرية من المؤمنين فليضحكوا ضحكا قليلًا مهما طال وكثر، لقصر زمنه بفنائهم {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا}: أَي وليبك هؤلاء بعد انتهاء حياتهم بكاء كثيرًا في الآخرة، حينما ينزل بهم عذاب الله ويقاسون شدائده أَبدًا.

{فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)} .

المفردات:

{رَجَعَكَ اللهُ} : ردك، والمراد هنا الرجوع من تبوك إِلى المدينة، حيث بقيت فيها جماعة من المتخلفين.

{فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ} : طلبوا منك أَن تأْذن لهم في الخروج إِلى غزوة أُخرى.

{فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} : فاقعدوا مع المتخلفين، لعدم لياقتهم للجهاد، كالنساءِ والأَطفال والعجزة.

التفسير

83 -

{فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ

} الآية.

أَي فإِن ردك الله أَيها النبي إِلى المدينة، حيث تقيم جماعة من هؤلاءِ المتخلفين المنافقين، ثم أَردت الخروج إِلى غزوة أُخرى، فاستأَذنك الذين أقعدهم النفاق عن غزوة تبوك، لتسمح لهم بالخروج معك، فقل لهم أيها الرسول: لن تنالوا شرف الخروج معى أبدا، ولن تقاتلوا معى عدوا، فلستم أهلًا لنيل هذا الشرف، ولأَنكم رضيتم بالقعود عن الغزو وفرحتم بذلك في غزوة تبوك {فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}: أَي فاقعدوا عقوبة لكم مع الذين لا يصلحون للقتال من الشيوخ العاجزين والنساءِ والأَطفال.

ص: 1741

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوالطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)} .

المفردات:

{أُولُو الطَّوْلِ} : أصحاب الغنى والسعة. {ذَرْنَا} : اتركنا.

{وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} : أَي ختم عليها بطابع، والمقصود أَنها لما لم تقبل هدى الله.

التفسير

84 -

{وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ

} الآية.

روى أَنه لما مرض رأْس المنافقين عبد الله بن أُبَىِّ بن سلول، أَرسل إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأْتيه، فلما دخل عليه قال عليه الصلاة والسلام:"أَهلكت حب يهود" فقال يا رسول الله: أَرسلت إِليك لتستغفر لي لا لتُؤَنِّبَنى، وسأَله أَن يكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلى عليه، فلما مات دعاه ابنه عبد الله - وكان مؤْمنا صالحا - فأَجابه عليه السلام تسلية له، ومراعاة لجانبه، وأَرسل إِليه قميصه فكفن فيه، فلما هم بالصلاة عليه نزلت الآية.

ص: 1742

والمعنى: ولا تصل أَيها النبي أبدًا على من مات من المنافقين ولا تدع له في أَي وقت كان.

{وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} : أَي ولا تقف عند قبره لدفنه، ولا تذهب لزيارته والدعاءِ له، لأَنهم جحدوا وحدانية الله تعالى وكذبوا رسوله، وأَنكروا شريعته وانتهت حياتهم بالموت، وهم خارجون عن الإِيمان وطاعة الرحمن.

85 -

{وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ

} الآية.

أَي لا تنل إِعجابك وتقديرك أَيها العاقل أَموالُ المنافقين الكثيرة، ولا أَولادهم الذين يعتزون بهم، ولا تحسبن ذلكِ إِكراما لهم، فقد جعله الله استدراجا لهم ووبالا عليهم.

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا في الدُّنْيَا} : أَي إِنما قدر تعذيبهم بهذه الأَموال والأَولاد في الدنيا، بسبب ما يقاسونه في جمعها وحفظها من المتاعب، وفي رعاية الأَولاد من المشاق والصعاب.

{وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} : أَي وتخرج أَرواحهم من أَبدانهم عند انتهاءِ آجالهم بشدة وصعوبة، والحال أَنَّهم كارهون للموت، لتعلقهم بالدنيا وزينتها، والاشتغال بذلك عن الإِيمان بالله والعمل للدار الآخرة، فكان ذلك نقمة لا نعمة.

وقدمت الأَموال على الأَولاد في هذه الآية وفي آيات أَخرى مع أَن الأَولاد أَعزّ لحاجة كل فرد إِلى المال في كل وقت وزمان، بخلاف الولد فلا يطلب إِلا بعد بلوغ مبلغ الأُبُوَّة.

86 -

{وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ

} الآية.

أَي وإِذا أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من القرآن، يأْمرهم فيها بالإِيمان بالله والتصديق بوحدانيته، ويدعوهم إِلى الجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم إِعزازا لدين الله وإِعلاءً لكلمته.

{اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} : أَي طلب منك أَيها النبي أَصحاب الغنى والسعة والقدرة على الجهاد بأَنفسهم وأموالهم، - طلب منك هؤُلاءِ - أَن تأْذن لهم في التخلف عنه وقالوا اتركنا يا محمَّد نقعد مع الذين قعدوا في المدينة، لأَعذار تخلفوا بسببها.

ص: 1743

ثم بين القرآن الكريم سوءَ صنيعهم وعدم امتثالهم لما أُمروا به في قوله تعالى:

87 -

{رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ

} الآية.

أَي اختار هؤُلاءِ المنافقون القادرون، وقبلوا أَن تنحط أَقدارهم، بقعودهم في المدينة مع العجزة والضعفاءِ من الرجال والنساءِ والأَطفال.

{وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} : أَي وختم الله على قلوبهم بخاتم أَغلقها دون الخير لسوءِ اختيارهم، فهم بسبب ذلك لا يدركون ما في الإِيمان بالله تعالى واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم من خير وسعادة، وما في الجهاد من رفعة وشرف، وما في التخلف عنه من هوان وهلاك.

{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)} .

المفردات:

{لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} : لهم أنواع خيِّرة من نعم الدنيا وثواب الآخرة. {الْمُفْلِحُونَ} : الفائزون.

التفسير

88 -

{لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ

} الآية.

هذه الآية مرتبطة بما قبلها ارتباطا واضحًا لا يحتاج إِلى بيان.

والمعنى: أَن ذاك الذي تقدم حديث عن الذين انحطت أَقدارهم ورضوا بالخسارة والدناءَة، لكن الرسول والذين آمنوا معه بالله وبما جاءَ به من شرائع وأَحكام كان لهم شأْن آخر يعلى أَقدارهم، ويعظم الخير لهم، إِذ جاهدوا ببذل أَموالهم وأنفسهم رخيصة في سبيل الله، فنالوا الشرف والرفعة، وأُولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة لهم الخيرات، من النصر والغنيمة وغير

ص: 1744

ذلك في الدنيا، والتمتع في الآخرة بأَنواع من النعيم لا تحصى، وأُولئك هم الفائزون حقا بما يقصده ويطلبه أَصحاب الفطر السليمة، دون من رضوا بمتاع الدنيا غرضا ومقصدا.

ويستفاد من الآية الكريمة أَنه وإِنْ تخلف هؤُلاءِ المنافقون عن الجهاد، فقد نهض به وأَخلص فيه مَنْ هم خير منهم وأَصدق نِيَّة، ومن كانوا فيه كأَعظم ما يكون المجاهدون، حين بذلوا أَموالهم وأَنفسهم، ثم خصَّ القرآن الكريم فوزهم وفلاحهم في الآخرة بالبيان في قوله تعالى:

89 -

{أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} : هؤُلاءِ المؤمنون مع ما يفوزون به في الدنيا من النصر والغنيمة، هيأَ الله لهم في الآخرة جنات من نعيمها أَن الأنهار تجرى من تحت قصورها وأشجارها {خَالِدِينَ فِيهَا}: أَي ماكثين فيها أَبدا فلا ينقطع عنهم نعيمها بالموت أَو الخروج منها {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} : أَي ذلك الجزاءُ المذكور من إِعزازهم في الدنيا وإِنعام الله عليهم في الآخرة، هو الفوز العظيم والذى أَعلى الله به قدرهم ورفع ذكرهم.

{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)} .

المفردات:

{الْمُعَذِّرُونَ} : المقصرون المعتذرون بالباطل. {الْأَعْرَابِ} : سكان البوادى.

التفسير

بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال منافقى أَهل المدينة، جاءَ ببيان أَحوال منافقى الأَعراب في قوله تعالى:

90 -

{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ

} الآية.

ص: 1745

جاءَ فيما روى أن أَسدا وغطفان جاءوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأْذنون في التخلف عن الخروج للجهاد معتذرين كذبا بالجهد وكثرة العيال، فأَذن لهم فنزلت الآية تكشف كذبهم.

{وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ} : أَي وجاءَ إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصرون من سكان البادية، الذين يظهرون أَن لهم عذرا ولا عذر لهم، جاءُوا يطلبون منه صلى الله عليه وسلم ، أَن يأْذن لهم في التخلف عن الجهاد، ويعتذرون بكثرة عيالهم وما بهم من جهد ومشقة {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ}: أَي وقعد فريق آخر من منافقى الأَعراب حيث كانوا فلم يجيئوا ليعتذروا ويطلبوا الإِذن بالتخلف، وقد ظهر بذلك أَنهم كذبوا على الله ورسوله في ادعاءِ الإِيمان والطاعة.

ثم بين سبحانه عقاب من كفروا منهم بقلوبهم بقوله:

{سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} : أَي سيقع على الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله من هؤُلاءِ الأَعراب عذاب مؤْلم شديد الإِيلام، في الدنيا بالقتل والأَسر والإِذلال، وفي الآخرة بعذاب السعير.

{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)} .

المفردات:

{حَرَجٌ} : المراد به الإِثم والذنب، ومعناه في الأَصل: الضيق ويطلق على الذنب لأَنه

ص: 1746

تضيق به صدور المؤمنين. {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} : أَي إذا قاموا بما استطاعوا من قول وفعل يعود بصلاح الحال على الإِسلام والمسلمين.

{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} : أَي ما عليهم من طريق إِلى عقابهم أَو عتابهم {تَوَلَّوْا} : انصرفوا راجعين {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} : أَي تسيل عيونهم دمعا غزيرا فياضا.

التفسير

بعد أَن بين القرآن الكريم أَحوال الذين اعتذروا كذبا والذين لم يعتذروا من منافقى الأَعراب جاءَت هاتان الآيتان لبيان حال الذين أَعفاهم الله من وجوب الجهاد لقيام أَعذارهم فقال تعالى:

91 -

{لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ

} الآية.

أَي: ليس على الضعفاءِ - كالشيوخ والنساءِ والصبيان - ولا على الذين طرأَ عليهم المرض أَو بهم مرض ملازم - كالعمى والعرج - ولا على الذين لا يجدون ما ينفقونه في شراءِ أُهبة السفر وعدة الجهاد، ليس على هؤلاءِ جميعا إِثم ولا عتاب في التخلف.

{إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} .

أَي إِذا أَخلصوا النصح لله ورسوله، بصدق الإِيمان واتباع شريعة الإِسلام، وقاموا بما يستطيعون من قول وفعل يعود بصلاح الحال على المجاهدين، وبهذا يكونون قد أَحسنوا في جميع أَعمالهم وأَقوالهم حسب طاقتهم، فليس عليهم سبيل إِلى عقاب أَو عتاب، لدخولهم في عداد المحسنين.

{وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

أَي والله عظيم المغفرة واسع الرحمة يغفر للمسىءِ التائب وتسعه رحمته إِن شاءَ فكيف بالمحسنين؟

92 -

{وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ

} الآية.

ص: 1747

أَي: وكذلك لا حرج ولا إِثم في التخلف عن الجهاد على المؤْمنين الذين إذا ما جاءُوك يطلبون منك أَن تحملهم على ظهور الخيل والإِبل والدواب، أَو تعينهم بما يمكنهم من الغزو معك وليس عندك ما يحقق رغبتهم، فقلت لهم تطييبا لقلوبهم واعتذارا لهم: لا أَجد من الدواب ما أَحملكم عليه، وعندما قلت ذلك انصرفوا وأَعينهم تسيل دمعا غزيرا لحزنهم الشديد بسبب أنهم لا يجدون من المال ما ينفقونه في شراء سلاح الحرب وعدة القتال وأُهبة الجهاد ومراكبه.

وهؤُلاءِ الذين جاءُوا النبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم، هم سبعة من الأَنصار، معقل بن يسار، وصخر بن خنساءِ، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن مغفل، وعُلْبَةُ بن زيد، أَتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال عليه السلام: لا أَجد ما أَحملكم عليه، فتولوا وهم يبكون وكان يطلق عليهم (البكاءُون).

طبع بالهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

رئيس مجلس الإدارة

محمَّد حمدى السعيد

رقم الإيداع بدار الكتب 1679/ 1979

الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية

7441 -

1979 - 25004

ص: 1748