الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إِذا مرَّت تلك المدة، أَمرهم الله بجهاد الجبارين في تلك القرية، التي تعتبر عاصمة لإِقليمها، فإِذا سقطت في أَيديهم سقط إِقليمها معها. وكان موسى قد أَمرهم بدخولها بقوله:{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} ، ولما كان دخولها يستلزم قتال أَهلها، وهم جبناء لا يحبون القتال فلذا أَجابوه بقولهم:{يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} فانظر إلى فساد عقلهم حيث تمنوا خروج الجبارين طواعية بغير قتال ليحلوا محلهم بعد خروجهم، ولما أَجابوا موسى بهذا الجواب الحقير:{قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فأَصروا على موقفهم وقالوا: {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} فطلب موسى عقابهم بقوله: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فأَجابه بقوله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} راجع الآيات من 21 إِلى 26 من سورة المائدة.
فلمَّا مرَّت مدة التيه، دعاهم يوشع لقتال الجبارين بعد وفاة موسى (على الراجح) فاستجابوا له فنصرهم الله تعالى عليهم.
موازنة بين ما في البقرة وما هنا
جاء الأَمر هنا بالسكنى حيث قيل: {اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا} ولكنه في البقرة أَمر بالدخول حيث قيل: {ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا} ولا تناقض في ذلك، فإِن الدخول لغرض السكنى، وعطف الأَكل هناك بفاء الترتيب (فكلوا) لأَنه يكون بعد الدخول، وعطف بالواو "وكلوا" لأَن السكنى أَمر ممتد، والأَكل يكون معها لا بعدها، والواو للمعية وذكر هناك "رَغَدًا" ولم يذكر هنا، لأَن الأَكل بعد الدخول عقب النصر يكون أَلذ، أَما بعد السكنى والاعتياد على المكان، فإِنه يكون أَقل لذة فلذا لم يذكر معها، ولا تنافى بين قوله هنا:{وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} بتقديم القول على الدخول، وقوله في البقرة {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} بتقديم الدخول على القول، لأَن المأمور به في الآيتين
هو الجمع بين الفعلين من غير اعتبار الترتيب بينهما، فإِن الواو لمطلق الجمع فلا تفيد ترتيبًا ولا تعقيبا.
162 -
أَي فبدل الذين ظلموا من هؤُلاء - وكلهم كانوا ظالمين (1) - قولًا غير الذي قيل لهم، فقد أُمروا بالتوبة والاستغفار بأَن يقولوا حطة لذنوبنا وغفران لها، فوضعوا مكان ذلك قولًا آخر لا خير فيه تكبرًا وعتوا، ولم يذكروا فضل الله عليهم في الانتصارات ونعمته عليهم بالإِسكان في تلك القرية بعد التشريد في التيه أَربعين عامًا وهكذا يفعل عتاة الجيوش المنتصرة، يتكبرون في الأَرض، ويستَعْلون على الناس وينسبون الانتصار لأَنفسهم، وينسون فضل الله - تعالى - عليهم.
ومن المفسرين من ذكروا أَنهم قالوا بدل (حطة) حنطة بزيادة النون، استخفافًا باللهِ واستهزاءً بموسى - لعنهم الله - ولكنا لم نجد نصًا في ذلك يمكن الاعتماد عليه، سوى قوله - تعالى - عقب ذلك:{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} فَهُو يفيد أَن التبديل كان بِقَوْلٍ ظالم شديد الظلم بحيث استحقوا بسببه أَن ينزل الله عليهم عقبه (رِجْزًا) أَي عذَابا {مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} أَما حقيقة العبارات التي قالوها وظلموا بها ظلمًا فظيعًا، فلم يرد بها نص، فلهذا لم نشأْ أَن نتحمل عهدته ونقدمه للقارىء تفسيرًا لما قالوه.
ولا تنافى بين قوله هنا: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ} ، وَقوله في البقرة:{فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} فإِن ظلمهم يستلزم فسقهم، فهم ظالمون فاسقون فكلا الوصفين فيهم.
(1) لأن (من) في (منهم) للبيان وليست للتبعيض.
المفردات:
{الْقَرْيَةِ} : مدينة أَيلة، {حَاضِرَةَ الْبَحْرِ}: قريبة منه.
{يَعْدُونَ في السَّبْتِ} : يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت.
{حِيتَانُهُمْ} : المراد بها أَنواع السمك المختلفة.
{شُرَّعًا} : جمع شارع أَي: ظاهرة على وجه الماءِ. من شرع علينا إِذا دنا وأَشرف.
التفسير
163 -
{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ
…
} الآية:
لا يزال الحديث عن سيئات اليهود وآثامهم موصولا، فقد أَمر الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أَن يسأَل يهود زمانه المعاصرين له سؤَال تقرير وتقريع بما يفيد أَنهم عريقون في تجاوزهم لحدود الله تعالى.
والمراد: إِعلانهم بأَن ما أَخفوه عن غيرهم من مآثمهم، أَطلع الله رسوله عليه ولك شاهد بنبوته صلى الله عليه وسلم فإِن مثل ذلك لا يقوله إِلا من اطلع على كتبهم، أَو سمعه من علمائهم، ومحمد صلى الله عليه وسلم أُمى لا يقرأُ ولا يكتب، فلا سبيل له إِلى اطلاعه عليها، وعلماؤُهم لا يصرحون له ولا لغيره بما يفضح أَسرار أَصولهم وأَجدادهم من المخازى والسيئات، فلا سبيل إِلى معرفتها إِلا أَن يوحى الله إِليه بها، والقرية التي كانت حاضرة البحر هي أَيلة، وهي قريبة بين مدين والطور، وهذا هو ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن ابن شهاب هي طبرية. وقيل غير ذلك والمعنى: واسأَل أَيها الرسول
من عاصرك من اليهود عن حال أَهل القرية التي كانت مشرفة عل البحر، حين يظلمون ويتجاوزون حدود الله في يوم السبت بالصيد فيه وهو محرم عليهم، تعظيمًا لهذا اليوم الذي كان يوم راحة وعبادة لديهم، كما حرم عليهم فيه الاشتغال بغيرها، وكانت تأْتيهم حيتانهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماءِ، حيث أَدركت بغريزتها هدوء حركة الصيد في هذا اليوم، فكانت تطفو على وجه الماءِ آمنة. وكأَن الله تعالى - يبعثها على الظهور في هذا اليوم ابتلاء لهم، وحين لا يكونون في يوم السبت لا تظهر على وجه الماءِ ولا تكون كثيرة لديهم.
{كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} :
أَي مثل ذلك الابتلاء الشديد نبتليهم بسبب فسقهم وخروجهم على طاعة الله - تعالى - السبت اسم لليوم المعروف، وأضيف إِليهم في قوله تعالى:"يوم سبتهم" لاختصاصهم بأَحكامه، ويجوز أَن يكون مَصْدَرَ سَبَتَ اليهود إِذا عظمت السبت بالتجرد للعبادة فيه ويؤيده قراءة:"يَوْمَ إِسْبَاتِهمْ" وكذا قوله تعالى "وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ": أَي ويوم لا يعظمون السبت، لأَنهم في يوم آخر سواه.
المفردات:
{مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ} : قال الأَزهرى؛ المعذرة بمعنى الاعتذار، وَعُدَّىَ بإِلى متضمنة معنى الإِنهاء والإِبلاغ.
{بَئِيسٍ} : شديد، {عَتَوْا}: تكبروا وأَعرضوا.
{خَاسِئِينَ} : أَذلاء صاغرين.
التفسير
164 -
لا يزال الحديث موصولا عن مساوئ اليهود منذ عهد بعيد، فقد بينت هذه الآية الكريمة: أَن جماعة صالحة من أَهل القرية التي كانت حاضرة البحر ومشرفة عليه، دأَبوا على وعظ أَهلها وتذكيرهم بوجوب تنفيذ أَوامر الله والانتهاءِ عن محارمه، وفي جملة ذلك الصيد في يوم السبت الذي جعله الله يوم عبادة، وحرم الاشتغال فيه بغير العبادة من صيد وسواه، كما بَيَّنَتْ أَن جماعة أُخرى من أَهل الصلاح رأَوا أَن لا فائدة من وعظ أولئك القوم المُصِرِّين على المخالفة والعصيان فقالوا للواعظين: لماذا تشتغلون بوعظ هؤلاءِ المقيمين
على العصيان، الذين سيهلكهم الله ويستأْصلهم بذنوبهم، أو يعذبهم عذابًا شديدًا دون استئصال. يريدون بمقالهم هذا أَن يكف الواعظون عن وعظهم لعدم فائدته في قومهم فيجيبهم أولئك الوعاظ قائلين: إِنما نواصل وعظهم اعتذارًا إِلى الله ورجاء أَن يتقى قومنا ربهم بتوالى وعظهم، يقصدون أَنهم باستمرارهم على وعظ أولئك المعرضين، يهدفون إِلى تحقيق غرضين، (أَولهما): أَن يقدموا معذرة إِلى الله حتى لا ينسبهم إلى نوع من التفريط في النهي عن المنكر، فإن الله أَخذ العهد على أَهل العلم أَن يعلموا الناس وأَن لا يقنطوا من عدم الاستجابة السريعة إِلى تعليمهم وإِرشادهم (وثانيهما): أَن يستجيب الناس إِلى الوعظ فكم من عاص تاب إِلى الله بعد حين من وعظه.
والموعظة: العذر الذي يُتَنصَّل به من الذنب.
وهذا التقاول الذي حدث، إِما أَن يكون بين فريقين من الوعاظ، كأَنه قال بعضهم لبعض: لماذا نشتغل بما لا يفيد، وإِما أَن يكون بين فريق صالح من الأُمة لم يرضهم رفض قومهم للوعظ، وبين طائفة الوعاظ إِشفاقًا عليهم من جهدهم الضائع في أُمتهم، كأَنهم يقولون لهم: كفوا عن وعظهم فإِنه عدم الفائدة.
أَما قولهم: {اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} فالمقصود منه أَن المعاصي والذنوب مآلها الاستئصال بالهلاكِ في الدنيا، أَو العذاب الشديد في الدنيا بدون هلاك، أَو في الآخرة وقد يجمع الله في الدنيا على العصاة الأَمرين الإهلاك وتعذيبهم عذابًا شديدًا، دون الاستئصال أو المراد تعذيبهم في الآخرة، أَو الجمع بين ذلك كله.
وليس المقصود من قول السائلين: {لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ
…
} إلخ: مجرد السؤال عن سبب وعظهم أولئك المعرضين أَو عن حكمته، بل المقصود منه نهيهم عن وعظهم لعدم فائدته كما تقدم بيانه، وقد عدل به إِلى هذا الأُسلوب، لأَنه آكد في النهي، كأنه قيل: أَي حكمة من الاستمرار في وعظهم مع أَنهم مصرّون على الذنب ومعاقبون من الله عليه أَي: لا حكمة فيه فكفّوا عنه.
{قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} :
أَي قال المرشدون للعصاة مجيبين من أنكر عليهم وعظ العصاة ومعتذرين عن مواصلة وعظهم: إِنما نفعل ذلك ليكون معذرة لنا عند الله، حتى لا نكون من المقصرين في النهي عن المنكر، ولعل ذلك يكون سببًا لإِقلاعهم عما هم فيه من المعاصي.
165 -
أَي فلما تركوا ما ذكرهم به وعاظهم ترك الشىء المنسى، وأَعرضوا عنه إِعراضًا تامًّا، أَنجينا الذين ينهون عن المعصية التي من شأْنها أَن تسوءَ فاعلها وعاقبنا الذين ظلموا أَنفسهم بمخالفة أَوامر الله ونواهيه، بعذاب شديد لا رحمة فيه، بسبب استمرارهم على الفسق والخروج عن طاعة الله تعالى.
166 -
{فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} :
بينت الآية السابقة أَن الله تعالى عذبهم بعذاب بئيس لا رحمة فيه بسبب معاصيهم لعلهم يرتدعون، وجاءت هذه الآية لتقرر أَنهم لم يتأَثروا بهذا العذاب، بل استمروا في ارتكاب ما نهوا عنه وزادوا في طغيانهم فعوقبوا بمسخهم قردة في خلقهم أَو أَخلاقهم أذلاء بعيدين عن الإِنسانية صورة أو معنى.
وتحويل من عصى بالصيد يوم السبت، إلى قردة حقيقة هو رأْى جمهور المفسرين، ومن العلماء من يرى: أَن ذلك من باب التمثيل لسوءِ رأيهم وعدم اعتبارهم بالمواعظ، فكما أَن القردةَ لا تهتم بما وراء طعامها وإِشباع غريزتها فكذلك هؤلاء فكأَنه تعالى قال لهم: كونوا مثل القردة في عدم الفهم والإدراك وسوء تقدير العواقب.
المفردات:
{تَأَذَّنَ رَبُّكَ} : تأَذن بمعنى آذن أَي أَعلم، كتوعد بمعنى أَوعد.
{مَنْ يَسُومُهُمْ} : من يذيقهم.
التفسير
167 -
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ
…
} الآية.
لا توجد أُمة تلاعبت بشريعتها وعبثت بها، ما بين إِيمان وكفر، وطاعة وعصيان مثل بنى إِسرائيل.
ونظرا لتأَصُّل الشر فيهم، وسريانه في دمائهم، وتنقله في أَجيالهم سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إِلى يوم القيامة، كما تشير إِليه هذه الآية الكريمة:
{وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ
…
}:
أَي: واذكر يا محمَّد وقت أَن أَعلم ربك الناس بما قضاه على بنى إسرائيل جزاء سيئاتهم وتمردهم المستمر، ليسلطن عليهم إلى يوم القيامة من يذيقهم سوء العذاب، من إِجلاءٍ وتشريد، وقد بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر، فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم، وضرب الجزية على من بقى منهم ثم سلط عليهم الرومان مرة بعد أخرى - بسبب جرائمهم - فشردوهم، وهدموا هيكلهم، وقتلوا منهم خلقًا كثيرًا (1).
ولما جاء نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق تآمروا على قتله، وعاهدوا قريشًا عليه في غزوة الخندق، فقاتلهم وأَجلى من بقى منهم، ثم توالى عليهم الإِذلال والتشريد والقتل بعد ذلك، أَما نشاطهم الحالى في كثير من المجتمعات - فإِلى حين، ولسوف يعود إِليهم الإِذلال والتشريد، وما ربك بغافل عما يعملون.
ثم ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ليشير بذلك إِلى أَنه لا ينبغي لأَحد عصى الله أَن يأْمن جانبه ويطمئن إِلى حلمه فيستمر في معاصيه، فهو سريع العقاب لمن رأَى الحكمة في تعجيل عقابه، ويشير بذلك أيضًا إِلى أَنه عظيم الغفران واسع الرحمة لمن تاب وآمن.
168 -
{وَقَطَّعْنَاهُمْ في الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ .. } الآية:
توعدهم الله في الآية السابقة بأَن يبعث عليهم - إِلى يوم القيامة - من يذيقهم سوءَ العذاب، وجاءت هذه الآية لتبين أثرا من آثار هذا الوعيد وهو تفريقهم في الأَرض حتى لا تكون لهم شوكة، وهذا التفريق والتقطيع في الأَرض بتسليط الله عليهم من يفرقهم فيها بسبب عصيانهم لله وإيذائهم للأُمم التي يعيشون فيها.
والمعنى: وفرقناهم في الأَرض فرقًا وقطعًا (2) كل فرقة في قطر من أَقطارها، وقلما يخلو قطر فيها منهم، حتى لا تكون لهم شوكة ومنعة باجتماعهم في قطر واحد يترتب عليه أَذى
(1) ولما جاءت المسيحية لقوا من أهلها أذى كثيرًا، بغير شفقة ولا رحمة، حيث شردوهم في أنحاء الأرض، وأحرقوهم وفرضوا عليهم أفدح الضرائب واستعبدوهم وكل ذلك بسبب جرائمهم ومؤامراتهم.
(2)
والتعبير عن فرقهم بالأمم في قوله تعالى: "وقطعناهم في الأرض أمما" للإشارة إلى أنهم حينما يتفرقون في الأرض يكونون أمما أَي جماعات، فتراهم يتجمعون ولا يسمحون بدخيل يكون بينهم، يتعرف مكرهم ويطلع على مكايدهم، وينبه الدولة التي هم فيها إلى مؤامراتهم وخطرهم.
كثيرًا لعباد الله، أَلا ترى أَنهم لما اجتمعوا وصارت لهم دولة في فلسطين تنفيذًا لوعد - بلفور - الإِنجليزى في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادى، آذوا جيرانهم من عرب فلسطين والأُردن وسوريا ومصر، وعدوا على أَراضيهم، ولكن الله العلى القدير، سلط عليهم جيش مصر وجيش سوريا في العاشر من رمضان سنة 1393 الموافق 6 من أُكتوبر سنة 1973، فدكا حصونهم وأَوقعا بجيشهم، فقتلا منهم وجرحا وأَسرا عددًا كبيرًا، وحطما أَسلحتهم وأَجهزة الحرب لديهم، من طائرات ودبابات وغيرها، في حرب خاطفة أَذهلت أُمم العالم، وحملتهم على تأييد العرب ضدهم في استردادهم الأَرض التي سلبوها منهم وسيتحقق بإِذن الله للعرب والمسلمين مزيد من النصر عليهم، حتى تزول دولتهم من أَرض العرب، وتنتهى شوكتهم ومنعتهم، ويعودوا إِلى سوءِ العذاب والنكال الذي توعدهم الله به في قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ
…
} الآية.
أَمَّا الصالحون منهم في قوله تعالى: {مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ} فالمقصود بهم كما قال الطبرى من آمنوا بالله ورسله الذين أرسلوا إِليهم، وثبتوا على دينهم قبل عيسى عليه السلام. وقيل: هم الذين أَدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به، ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله عنهما.
وأَما من هم دون ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ} فالمقصود بهم كفارهم وفساقهم فهم دون الصالحين وأَحط منهم.
{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} :
أَي وامتحناهم بالنعم المختلفة من مال وخصب وعافية وولد وغير ذلك من الحسنات، كما امتحناهم بالمحن المتنوعة من الجدب والتشريد، والقتل والأَسر وغير ذلك من السيئات التي تسوءهم لعلهم يرجعون إِلى طاعة ربهم، ويتوبون من غيهم.
المفردات:
{خَلْفٌ} : المراد بهم هنا الأَولاد، وأَكثر ما يستعمل الخلْف بسكون اللام في الشر ومنه: سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا، وأَكثر ما يستعمل الْخَلَفُ بفتح اللام في الخير وأَصل الخلف بصيغتيه ما يكون وراء غيره أَو بعده.
{عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} : الْعَرَضُ: ما لا ثبات له، وفي النهاية: العرَض - بالفتح - متاع الدنيا وحطامها. والمراد بهذا الأَدنى: الدنيا. وأُشير إِليها "بهذا" وهو للمذكر، على تقدير: هذا الشىءُ الأَدنى (1).
{مِيثَاقُ الْكِتَابِ} : المراد بالكتاب: التوراة. وبميثاقه: عهده الوثيق المؤكد.
{يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ} : يتمسكون به.
التفسير
169 -
{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى
…
} الآية:
(1) ويصح أن يكون المشار إليه ملحوظا، وهو متاع الدنيا، والأدنى: صفة لعرض، والمعنى: يأخذون العرض الأدنى من متاع الدنيا وهو الحرام، ولا يقتصرون على حلاله.
أَي: فجاء من بعد الصالحين والطالحين الأَولين من بنى إِسرائيل ذرية خلفهم ورثوا كتاب التوراة عن أَسلافهم - وهم الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم يتعاطون العرض الأَدنى من هذا المتاع الدنيوى، وهو ما حرمه الله في كتابهم من الأَموال والعروض والوجاهة القائمة على الأَضاليل، ولا يقتصرون على ما أَحله الله منها، فقد كانوا يأْخذون الرشوة على القضاء لصالح من يدفعها وعلى تغيير حكم الله في التوراة عند الفتوى لقاء عرض زائل (1) وعلى تحريفها وسوء تأْويلها لصالح زعمائِهم ليحتفظوا بوجاهتهم لديهم، ويقولون في أَنفسهم لا يؤاخذنا الله بما نأخذ ولا بما نقول، بل سيغفر لنا، زاعمين أَنهم أَبناء الله وأَحباؤُه، ولهذا يصرون على الذنب، وهذا هوالمقصود بقوله تعالى:{وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} أَي يرجون المغفرة والحال: أَنهم إن يأْتهم عرض محرم مثل الذي أَخذوه يعودون لأَخذه مصرَّين على الذنب، زاعمين المغفرة مع الاستمرار فيه، فهم لا يرعوون ولا يتوبون {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ}:
أَي أَلم يؤخذ على بنى إِسرائيل ميثاق التوراة وعهدها أَن لا يقولوا على الله إِلا الحق ودرسوا ما فيه دراسة تامة، فعرفوا حلاله وحرامه، فما بالهم يتعاطون الحرام ويصرون عليه، ويقطعون بمغفرة الله لذنوبهم.
{وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} :
أَي وثواب الدار الآخرة خير للذين يتقون الله فيتوبون إِليه من كفرهم ومعاصيهم وقولهم على الله غير الحق وأَخذهم ما لا يحل لهم، فإِن متاع الدنيا قليل ومتاع الآخرة كثير دائم.
170 -
أَي: والذين يتمسكون في أُمور دينهم بالكتاب، يقال مَسَّك بالشىءِ وتمسك به بمعنى واحد والمراد بهم - كما قال مجاهد وابن زيد - الذين آمنوا من أَهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأَصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى عليه السلام فلم يحرفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة.
(1) قيل: كان يأتيهم المحق برشوة فيخرجون كتاب الله فيحكمون له به، فإذا جاءهم المبطل أخذوا منه الرشوة وأخرجوا له كتابهم الذي كتبوه بأيديهم تحريفا وتبديلا لما في التوراة - فحكموا له به.
وقد كان تمسكهم بكتابهم على هذا طريقًا إِلى إِيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله تعالى، وذلك أَنهم رأَوا ما فيه من أَوصاف خاتم النبيين، فوجدوها منطبقة عليه صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به من الهدى، فسارعوا إلى الإيمان به، والعمل بكتابه، تمسكًا منهم بكتابهم الذي يوجب عليهم حينما يتحققون من أَمارات نبوته، أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به والعمل بكتابه، فهو مهيمن على جميع الكتب السماوية، مشتمل على أُصول ما جاءَ فيها، فمن عمل بالقرآن، فقد تمسك بجميع الكتب السماوية لاشتماله عليها وانفراده عنها بما جاءَ فيه من الفروع المناسبة لحال الأُمة الإِسلامية، التي جعلها الله خير أُمة أُخرجت للناس.
ويئول الأَمر إِلى أَنهم يتمسكون بالقرآن الكريم (1).
وقال عطاء: المراد من الذين يمسكون بالكتاب أمة محمَّد صلى الله عليه وسلم والمراد من الكتاب القرآن الكريم.
ومعنى الآية: والذين يتمسَّكون في أمرهم كله بكتاب الله تعالى ويعلمون بما فيه دائما واهتموا بالصلاة خاصة فأَقاموها في أَوقاتها بأَركانها وشروطها، إِن الله لا يضيع أَجرهم فهم مصلحون، والله لا يضيع أَجر المصلحين.
وتخصيص إِقامة الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات مع دخولها في التمسك بالكتاب: لأَنها تنهى عن الفحشاءِ والمنكر، فإِن من يقف مخلصًا بين يدي ربه خمس مرات في اليوم والليلة يناجيه ويدعوه، يستحى أَن يفعل ذلك وهو مرتكب للفحشاءِ والمنكر، ولهذا اعتبرت عماد الدين (2).
(1) لأن العمل بالتوراة بعد نزول القرآن قد نسخ بوجوب العمل بما في القرآن، فقد اشتمل على فروع تناسب مصالح المجتمع بعد بعثة محمَّد إلى يوم القيامة.
(2)
والتعبير عن التمسك بالكتاب بصيغة المضارع (يمسكون) للدلالة على أن التمسك به يجب أن يستمر ويتجدد في جميع الأزمنة، أما التعبير عن إقامة الصلاة بصيغة الماضي (وأقاموا الصلاة) فلأنها مختصة بأوقاتها الخمسة.
المفردات:
{نَتَقْنَا} : رفعنا - {ظُلَّةٌ} : الظلة ما أَظلك.
{بِقُوَّةٍ} : بجد وعزيمة - {وَظَنُّوا} : أَي تيقنوا - وكثيرًا ما يستعمل الظن بمعنى التيقن كما هنا.
التفسير
171 -
{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ .. } الآية:
الربط: هذه الآية الكريمة متصلة بالآيات السابقة التي سجلت على بنى إِسرائيل عنادهم وكفرهم بعد ما رأَوا الآيات، وبعد أَن حقق الله لهم كثيرًا من الرغبات التي كانت تقتضى منهم الإيمان والشكر، بدلا مما هم عليه من العصيان والكفر، وقد كان مما طلبوا أَن يأْتيهم نبى الله موسى بكتاب من عند الله، فيه بيان للتشريعات، وتوضيح لمعالم الحلال والحرام، وقد جاءَهم موسى بالتوراة مكتوبة في الأَلواح، قال تعالى:{وَكَتَبْنَا لَهُ في الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} (1).
فلما قرأَ عليهم التوراة، بادروا نبيهم بأَن ما فيها لا يتحملونه، لأنه إِصر وحمل ثقيل عليهم لا يطيقونه، وكان هذا منهم عنادًا، فحملهم الله على العمل بما في التوراة بعد أَن لم يجد معهم اللين، بأَن نتق الجبل فوقهم ورفعه رفعا حقيقيا كأَنه ظُلَّة.
(1) الأعراف: من الآية 145 وقد مضى تفسيرها.
المعنى:
واذكر يا محمَّد وقت أَن رفعنا الجبل فوق بنى إِسرائيل فظللهم وتيقنوا أَنه واقع بهم وساقط عليهم لعدم ثبات الأَجسام الثقيلة في الفضاءِ، وقلنا لهم في هذه الحالة المخيفة تقبلوا ما فرضناه عليكم في التوراة، وخذوه بجد وعزيمة وصدق، {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: أَي تدارسوا تعاليمه وأَحكامه واذكروها، واعملوا بما فيها حتى لا تنسوها فإِن الدراسة والعمل تجعل كتابكم غير منسىّ ولا متروك، وفي دراسته على هذا النحو تطهير لقلوبكم وتزكية لنفوسكم وسلوك بكم سبيل الوصول إِلى درجة المتقين.
وقد يقال: إِن إِيمانهم بعد رفع الجبل فوقهم حاصل بالإِلجاءِ والإِكراه وهو مناف للإِيمان الصادق، لأَنه إِنما يكون بالاختيار.
ويردُّ على ذلك بأَن الله قد ترك لهم فرصة الاختيار مدة كافية قبل رفع الجبل، ولم يؤمنوا لقسوة قلوبهم، فكان هذا الإِلجاء في آخر أَمرهم بمنزلة جهاد الكافرين والمشركين بعد أَن وجهت الدعوة إِليهم ليؤمنوا اختيارًا فأعرضوا وفي كلا الأَمرين مصلحة لهم.
المفردات:
{مِنْ ظُهُورِهِمْ} : من أَصلابهم - {الْمُبْطِلُونَ} : المتبعون للباطل.
التفسير
172 -
{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ .... } الآية:
الربط جاء فيما سبق بيان أَخذ العهد على بنى إِسرائيل ليأْخذوا التوراة ويعملوا بما فيها، وفي هذه الآيات بيان أَخذ العهد على بنى آدم جميعًا ويدخل فيهم بنو إِسرائيل لتتأَكد مسئوليتهم عن عهدهم بدخولهم في العهد العام.
المعنى: واذكر يا محمَّد الوقت الذي أَخذ الله فيه العهد على ذرية آدم في عالم الغيب.
{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} : أَي طلب منهم أَن يعترفوا ويقروا بأَن الله ربهم ومالك أمرهم، وأَنه لا إِله إِلا هو، بعد أَن غرس في نفوسهم ذلك وفطرهم عليه، قال تعالى:{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (1) وفي الصحيحين: عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة
…
" وبعد أَن هيأَهم الله لقبول ذلك وجَّه إِليهم الخطاب بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فكان جوابهم أَن {قَالُوا بَلَى} أَي أَنت ربنا وحدك لا شريك لك، وبذلك الاستفهام التقريرى من الله بقوله:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} والإِجابة منهم بقولهم: (نعم) تَمَّ أَخْذُ الميثاق من الله على عباده.
{شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} :
أَي: قال الله شهدنا عليكم بما اعترفتم به حتى لا ترجعوا يوم القيامة فيما أَقررتم به معتذرين بقولكم: إِنا كنا عن هذا العهد غافلين - أَي لا علم لنا به - ولا ندرى أَننا عاهدنا هذا العهد، ويجوز أَن يكون بنو آدم هم الذين قالوا {شَهِدْنَا} تأْكيدًا لموافقتهم على العهد بقولهم {بَلَى} فتكون هذه الشهادة من جملة مقول القول.
ويقول بعض المحققين: إن هذا العهد تمثيل لخلقه تعالى إِيَّاهم على الفطرة السليمة، الصالحة للاستدلال بالآيات الكونية على وجوده وربوبيته لهم، وأن ذلك هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يُولد على الفِطْرة .. " الحديث.
(1) سورة الروم: من الآية 30
173 -
{أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ .. } الآية:
أَي أَن الله تعالى أَخذ عليهم العهد بربوبيته حتى لا يعتذروا عن شركهم بغفلتهم، كما مر في الآية السابقة، أَو يعتذروا بأَن يقولوا: إِنما أشرك، آباؤُنا من قبلنا وكنا ذرية لهم من بعد شركهم، فأَشركنا بشركهم، ونشأْنا نقتدى بهم - كما قالوا:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (1).
والمراد بيان أَن الله أَثبت بالحجة على كل نفس أَنه أَخذ الميثاق عليهم بتوحيده وأَنه لا يقبل منهم عن الشرك الاعتذار بالغفلة والجهل أَو التقليد للآباء.
{أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} : أَي أَتؤَاخذنا فتعذبنا بما فعل المشركون من آبائنا والذنب ذنبهم وتجعل عذابنا مثل عذابهم، مع قيام عذرنا بتقليدنا لهم وحسن الظن بهم؟ ولكن هذا الاعتذار لا يجديهم، بعد إِرسال الرسل مرشدين لهم، مؤيدين لفطرة الله فيهم.
174 -
{وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} : أَي ومثل هذا البيان البليغ الواضح نبين الآيات الناطقة بمصير المقلدين لآبائهم ليتفكروا هم ومن على شاكلتهم، ولعلهم يرجعون عن غيهم وجهلهم وتقليدهم، ويعودون إِلى الرشد والهداية الصحيحة، بحيث يعرفون ما وجب عليهم نحو خالقهم.
(1) سورة الزخرف من الآية 23.
المفردات:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} : واقرأ عليهم - {نَبَأَ} : خبر - {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} : فخرج منها وتركها {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} : أَدركه وتمكن من الوسوسة له.
{الْغَاوِينَ} : المُبْعَدِين في الضلال - {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} : مال وسقط.
{يَلْهَثْ} اللهث: التنفس الشديد مع إِخراج اللسان.
{سَاءَ} : كلمة ذمٍّ مثل بئس ومعناها قبح.
التفسير
175 -
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا (1) ..... } الآية: أَي واقرأ يا محمَّد على من بعثت إِليهم ومنهم اليهود، خبر الذي آتاه الله الدلائل والبراهين الدالة على الهدى والداعية إِلى الرشاد فترك العمل بها كلية ونبذها وراء ظهره ولم يعرها التفاتًا وتفكرا، فأَدركه الشيطان بالوسوسة والغواية، وصار قرينًا وملازما له، وازداد عصيانًا وضلالا بذلك {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}: أَي فصار من الراسخين في الغواية والضلال بإِعراضه عن الآيات البينات التي آتاه الله إياها.
176 -
{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا .. } الآية: أَي ولو أَردنا هدايته إِلى الحق بما أَعطيناه من الآيات، لرفعناه إِلى الانتفاع بها والعمل بمقتضاها والوصول إِلى الدرجات العالية والمنازل الرفيعة.
{وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ} : أَي ولكنه مال إِلى الهبوط بسوءِ اختياره.
{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} : بالإِعراض عن تلك الدلائل الواضحة، فانحط أَشد انحطاط وارتدَّ أَسفل سافلين. وحرم بذلك من مشيئتنا هدايته، ورفعه من كبوته.
(1) اختلف في تعيين الشخص الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فقيل هو بلعم بن باعوراء، أو بلعام بن ياعر من الكنعانيين، أوتى علم بعض كتب الله تعالى، فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، وقيل هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل في هذا الزمان رسولًا ورجا أن يكون ذلك الرسول، فلما بعث نبينا محمَّد صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وقد أغفلنا ذكر اسم هذا الغاوى في التفسير، نظرًا للاختلاف فيه، ولأنه ليس هناك سند مقبول يعتمد عليه. في تعيينه، والله أعلم به والمهم هو مغزى قصته لا شخصه لأن شخصه لا يتعلق بتعيينه غرض، فلذا غفل القرآن ذكر اسمه، وقد تبعناه في ذلك.
ثم ضرب الله لصاحب هذه القصة مثلا يصور مبلغ تسفله وانحطاطه فقال:
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} :
أَي فصفة وحال هذا العالم في الخسة والدناءَة كصفة وحال أَخس الحيوانات في أَخس أَحواله، وهي اللهث دائمًا في حالتى الراحة والتعب، كما قال سبحانه:{إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} : أَي إِن تطارده بالضرب والإِهانة يخرج لسانه من آثار الإِرهاق والمطاردة وإِن تتركه دون مطاردة وإِيذاء يخرج لسانه كذلك، فشأَنه واحد في الحالين، كذلك شأن ذلك العالم الذي آتاه الله علم آياته ولم يعمل بعلمه، فإِنه لم ينتفع بما علمه سواء أَوَعَظْتَهُ أَم تركته فهو في الحالين باق في ظلمات الجهل، والمراد من التشبيه ذم هذا الذي آتاه الله الآيات البينات، فترك العمل بها.
{ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : أَي ذلك المثل الذي تقدم هو صفة وحال كل الذين كذبوا بآياتنا التي أَوضحت لهم سبل الهداية والرشاد فلحقهم الذم لهذا الوصف القبيح {فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} : أَي فاذكر يا محمَّد لقومك المخالفين لك والمكذبين لرسالتك قصص المكذبين السابقين عن عناد واستكبار رجاءَ أَن يتدبروا أَمرهم ويعتبروا بما في القصص من عبر ومواعظ {لَقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (1) ثم ختم الله هذه الآيات بقوله:
177 -
{سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
…
} الآية: أَي قَبُح مثلا حالُ المكذبين لآياتنا التاركين لها عنادا واستكبارا مع وضوحها، وقد ظلموا أَنفسهم دون غيرهم حيث عرضوها للعذاب والعقاب بسبب ما اختاروا من التكذيب والعصيان. والمراد من هذه الآية المبالغة في ذم هؤُلاءِ الذين جمعوا بين التكذيب بالآيات وظلم أَنفسهم بالمعاصى.
(1) سورة يوسف: من الآية 111
المفردات:
{ذَرَأْنَا} : خلقنا - {لَا يَفْقَهُونَ} : لا يفهمون ولا يدركون.
{الْغَافِلُونَ} : التاركون لما ينفعهم الساهون عنه.
التفسير
178 -
{مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} :
لما أَمر الله النبي عليه الصلاة والسلام بأَن يقص على أُمته - عظة واعتبارا - قصص الذي آتاه الله الآيات فتركها عنادا واستكبارا، عقب ذلك بقوله:{مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ليبين أَن الهداية إِلى الحق بتوفيق الله للعبد؛ وذلك لا يكون إِلا لمن نظر في آيات الله، وسلك سبيل هداه.
والمعنى: من يهده الله إِلى دينه الحق بعد أَن سلك طريق هداه، فهو المهتدى دون سواه، ممن سلك سبيل هواه، ومن يتركه في ضلاله لغفلته عن هداه، فأولئك هم الخاسرون دنياهم وأُخراهم.
179 -
{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
…
} الآية: أَي والله لقد خلقنا لدخول جهنم والتعذيب فيها خلقا كثيرا من الثقلين؛ الجن والإِنس، بسبب صرف وسائل الإِدراك والمعرفة التي أَودعناها فيهم إِلى طريق الشر، لسوءِ اختيارهم، وكان من الممكن أَن يسلكوا بها طريق الخير لو استعملوا عقولهم وأَسماعهم وأَبصارهم فيما ينفعهم، فاستعملوا عقولهم في فهم الآيات التي أَنزلها الله إِليهم، وأَسماعهم في سماع الحجج التي أَتتهم على لسان رسلهم، وأَبصارهِم في النظر في آيات الله التي نصبها لهم في الآفاق، وحثهم على النظر فيها والاعتبار بها ولكنهم لم يفعلوا فاستحقوا الخلود في جهنم.
{أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} : أَي هؤلاءِ الموصوفون بتلك الصفات المتقدمة، الذين أَوغلوا في الضلالة من الجن والإِنس، قد انحطت منزلتهم إِلى الحضيض، فأَشبهوا الأَنعام التي لا تعقل ولا تدرك إِلا بعض وسائل معيشتها {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}: أَي بل هم أَكثر ضلالا منها؛ لأَن الأَنعام عندها شعور بالحاجة إِلى الغذاءِ، والبعد عما يضرها، وهؤلاءِ ليسوا كذلك، حيث عرفوا ما يؤدى إِلى هلاكهم ووقعوا فيه، {أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}: أَي أُولئك المماثلون للأَنعام بل الأضل منها هم الكاملون في الغفلة، عما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه الآية الكريمة تقرير لمضمون ما سبق في قوله: {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
التفسير
180 -
{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا
…
} الآية:
بعد أَن بين القرآن الكريم غفلة الغافلين التامة عن الله سبحانه وتعالى، وما يحيق بهم من العذاب، جاء يعلم المؤْمنين كيف يذكرونه تعالى، وكيف يعاملون
المخلين بذلك، الغافلين عن الله، وعما يليق بمقامه العظيم؟ فقال:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا .... } الآية:
أَي ولله تعالى وحده أَجمل الأَسماءِ الدالة على أَحسن المعانى وأَشرفها فسموه أَيها المؤمنون بتلك الأَسماء العظيمة التي علمكم إِياها في دعائكم إِياه وندائكم له إِجلالا لقدره وتعظيما لمقامه {قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمَائِهِ} : أَي واجتنبوا الذين يميلون عن الحق في أَسمائه تعالى - حيث اشتقوا منها أَسماء لآلهتهم، كاشتقاقهم "اللَاّت" من الله، "والعُزْى" من العزيز، "ومَنَاةَ" من المنان - أَو معنى يلحدون في أَسمائه، يسمونه سبحانه بغير ما سمى الله تعالى نفسه به، مما لم يرد به كتاب ولا سنة، لأَن أَسماءَ الله تعالى توقيفية - فيجوز أَن يقول المؤمن في دعائه مثلا: يا جواد - ولا يجوز أَن يقول يا سخى، ويجوز أَن يقول: يا عالم، ولا يجوز أَن يقول: يا عاقل، وهكذا ....
{سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} :
أَي سيعاقبون بإِلحادهم فلا تتبعوا سبيلهم كى لا يحل بكم من العقاب ما سينزله الله بهم عقوبة ضلالهم المبين، وانحرافهم عن الحق بتسميته بما لم يأْذن به الله.
وبعد أَن أَوضح القرآن حال الملحدين ومصيرهم، شرع يبيَّن حال المهتدين الداعين إِلى الخير وإِلى الصراط المستقيم، القائمين بالعدل بين الناس فقال تعالى:
المفردات:
{أُمَّةٌ} : جماعة، {كَذَّبُوا}: جحدوا. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} : والاستدراج النقل درجة بعد أخرى صعودا ونزولا والمراد منه هنا نقلهم وتقريبهم إِلى الهلاك بالنعم التي اغترُّوا بها ولم يؤدُّوا حقها. {كَيْدِي} : تدبيرى.
{مَتِينٌ} : قوى. {وَأُمْلِي} : أمهل.
التفسير
181 -
{وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ .. } الآية: أَي وممن خلق الله من الثقلين جماعة تمسكوا بالحق، وعملوا به، ودعوا الناس إِلى اتباعه والتزام طريقه، فكانوا كاملين في أَنفسهم مكملين لغيرهم. {وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: أَي وبالحق يقيمون العدل بين الناس والوزن في قضاياهم بالقسطاس المستقيم، حتى يكونوا على الحق في كل شئونهم، وأطلق على الطائفة الهادية المهتدية كلمة - أُمة - لأَنها تطلق على الطائفة، التي توحدت كلمتها، واتخذت منهجا واحدا في طريقها إِلى الحق، فسلكت سبيل الله المستقيم الذي دعا إِليه.
182 -
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} :
بعد أَن ذكر القرآن الكريم حال الهادين المهديين، بين حال المكذبين بآيات الله التنزيلية والكونية ومآلهم، ترغيبا في طريق الأولين وتنفيرا من سبل المكذبين فقال تعالى:{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} : أَي والذين أَنكروا وجحدوا آياتنا ولم يعملوا بها، بعد أَن علموا عظيم نفعها وعلو شأْنها، وأنها معيار الحق، ومصداق الصدق، وميزان العدل، كما يستفاد من إضافة الآيات إِلى نون العظمة في - آياتنا - {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}: أَي جزاؤهم أَننا سننقلهم ونقربهم إِلى الهلاك شيئًا فشيئا وقليلا قليلًا بسبب النعم التي اغتروا بتواليها عليهم فقد كانوا كلما أَتوا ذنبا أعطوا نعمة (1) استدراجًا لهم (2) فظنوا لعظم غفلتهم عن الله وعن سننه في خلقه أَن ذلك إِكرام لهم، حتى يكون أَخذه على حين غفلتهم عن العبرة به أَخذا قويا، كما يشير إِليه قوله تعالى:{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} : أَي وامهل
(1) ونسوا الشكر عليها.
(2)
قال في الشهاب: إذا رأيت الله أنعم على عبده وهو مقيم على معصيته فاعلم أنه استدراج.
هؤلاء المكذبين وأَمدّ لهم في حبل النعم. {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} : أَي إِن انتقامى للممستدرَجين قوى لا يدافع، وسمّى الانتقام كيدًا لأَن فيه أَخذ الظالمين المكذبين وعقابهم على خلاف ما كانوا يظنون، فقد كانوا مغرورين بتوالى العطاء، ويظنونه لطفًا بهم وإِكرامًا لهم، ليكون العقاب شديدًا ومضاعفا عند المفاجأَة، وتلك نتيجة الغفلة عن الله، فيكون الجزاء من جنس العمل حيث يأْتيه على حين غفلة منه فينزل به بأْس الله {بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} . أَي في الوقتين اللذين هما مظنة الراحة والأَمن والطمأْنينة.
المفردات:
{جِنَّةٍ} : بكسر الجيم جنون، {مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أَي العوالم التي اشتملت عليها السموات والأَرض {يَذَرُهُمْ} : يتركهم، {يَعْمَهُونَ}: يتحيرون.
التفسير
بعد أَن بين القرآن الكريم تكذيبهم بالآيات التي جاءَت بها الرسل لهدايتهم، شرع ينكر عليهم عدم تدبرهم في رسالة الرسول مع قيام الأَدلة على صحة رسالته وسلامة عقله فقال تعالى:
184 -
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ
…
} الآية: أَي أَغفلوا عما امتاز به الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم من رجاحة العقل، وصدق القول، والأَمانة الكاملة
فقد عرفوه بالصادق الأَمين والمفكر السليم، ولم يسبق منه ما يقتضي وصفه بخلاف ما عرفوه به، فكيف أجازوا لأَنفسهم وصفه بالجنون، بعد أن جاءهم بالهدى والبينات من ربه؟ إِن هذا لشىء عجاب، فقد صاحبوه أربعين سنة قبل البعثة عرفوه فيها بسلامة العقل وصدق الحديث، وبما أن وصفه بالجنون صادر عن حقد وحسد دون تدبر ودون إنصاف فلذا أنكره الله عليهم، وخصه بكونه منذرا ومبلغا لهم عن ربهم بقوله تعالى:{إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} : أَي ما محمَّد إلا محذر ومخوف من عقاب الله مُبين شرع الله بالحجة الواضحة والبرهان الصادق.
ثم وجه الله تعالى أَنظارهم إِلى ما في الكون من آيات مرئية تثبت قدرته تعالى وحكمته في إرسال الرسل لتصحيح عقائدهم الباطلة، والسير بهم إِلى ما يوصلهم إِلى نعيم الآخرة التي أَنكروا مجيئها، وكذبوا بالبعث بعد الموت فقال تعالى:
185 -
{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ
…
} الآية: أَي أعَمُوا عن التدبر فيما بين أَيديهم من آثار قدرته تعالى، ولم ينظروا نظر اعتبار وتدبر فيما يشاهدونه في عالم السموات، وعالم الأَرض، وفي مخلوقات الله جميعًا {وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ}: أَي أَغفلوا كذلك ولم ينظروا إِلى انتهاء حياتهم بالموت الذي يقتربون منه يوما بعد يوم ولحظة بعد لحظة فيقطع عليهم آجالهم وآمالهم قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (1).
وفي هذا حث أَكيد على المبادرة إِلى التدبر فيما يرشدهم ويردهم إِلى الصواب، ويردعهم عما هم فيه من ضلال قبل ذوات الأَوان بحلول الموت الذي يعقبه الثواب والعقاب.
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} : أَي وإِذا لم يؤمن هؤلاء بالله ولم يصدقوا بالقرآن الكريم فبأَى حديث بعد القرآن يصدقون؟ - ولا حديث أَصدق منه -، فقد اشتمل على ما يحقق سعادة العباد في الدنيا والآخرة، فقد كثر فيه الحديث عن ثواب الطائعين ترغيبا في الطاعة، كما أَنذر العصاة كثيرًا ليقوِّم اعوجاج العاصين، قال تعالى:{اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} .
186 -
{مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ
…
} الآية: أَي - من يوقعه الله في الضلال الذي اختاره فلا يجد هاديا يهديه من دون الله لأَنه وحده يهدى من يشاء ويضل من يشاء
(1) الأنبياء: الآية 1
{وَيَذَرُهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} : أَي ويتركهم في تجبرهم الذي جاوزوا به حدود الله التي بينها لعباده وأَرشدهم إِلى الوقوف عندها - يعمهون - يتحيرون ويتخبطون في ظلمات البغى والضلال {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} .
المفردات:
{السَّاعَةِ} : المراد بها هنا يوم القيامة وقد يراد بها لغة جزء من الزمن.
{أَيَّانَ مُرْسَاهَا} : أَي متى حصولها. أَو متى وقوعها؟ {لَا يُجَلِّيهَا} : لا يظهرها ويكشفها على وجه التحديد.
{ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} : عظم أَمرها على أَهل السموات والأَرض لما فيها من الأَهوال.
{بَغْتَةً} : فجأَة.
{حَفِيٌّ عَنْهَا} : بالغ العلم بها.
التفسير
بعد أَن تحدث القرآن الكريم في الآيات السابقة عن المهتدين والضالين، تحدث عن الساعة التي هي مبدأ القيامة، وبعدها يكون الثواب والعقاب فقال تعالى:
187 -
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا .... } الآية: أَي يسأَلك الناِس يا محمَّد عن وقت مجىء الساعة التي يموت فيها الناس جميعًا استبعادا لحصولها وتكذيبا لوقوعها إِن كان السؤال من المشركين أَو اختبارًا لصدق نبوتك إِن كان السؤال من جهة أَهل الكتاب، {أَيَّانَ مُرْسَاهَا} أَي متى يكون مجيئها وثبوتها.
وليس لهم من هذا السؤال هدف صحيح، وإنما قصدوا التهكم والإِنكار أَو امتحان محمَّد صلى الله عليه وسلم في صدق رسالته كما تقدم وفي ذلك يقول الله تعالى حكاية عنهم:{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (1)، وقد أَمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أَن يجيب السائلين بقوله تعالى:{قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ} : أَي قل لهم يا محمَّد: لا يعلم وقت مجيئها واستقرارها إِلا الله وحده لا يتعداه إِلى أَحد من خلقه، حتى الأَنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ}: أَي لا يظهرها ولا يأتى بها في وقتها غير الله تعالى وحده، وفي هذا القول تأكيد بليغ وزيادة تقرير لما سبق من اختصاص علم الله تعالى بذلك {ثَقُلَتْ في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}: أَي عظم أَمرها واشتد وقعِها على أَهل السموات والأَرض بعد أَن أَعلمهم الله تعالى بما سيكون فيها من الشدائد والأَهوال كما قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3)} وقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)} ، {لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً}: أَي لا تأْتيكم إلا فجأَة وعلى حين غفلة، وحينئذ تشعرون بثقلها لهول المفاجأَة بها، وبشدائدها وعقابها وفي هذا تقرير لنفى العلم بوقتها عمّن سوى الله تعالى واختصاصه سبحانه، به وحده. {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا}: أَي يسأَلك الناس يا محمَّد عن وقت وقوع الساعة، مقدرين أَن علمك بها كعلم من أَحاط بالشيء وأَدركه على حقيقته، وهم مخطئون، في تقدير إحاطتك بوقت وقوعها، يوضح ذلك أَمره تعالى لنبيه بإعادة ما سبق أَن ردّ به عليهم حيث قال:{قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ} : لا يعلم وقت مجىء الساعة إلا الله وحده دون سواه، وفي هذا تأْكيد وتعميق للمعنى المستفاد من الرد الأَول مع ما يفيده ذكر لفظ الجلالة من هيبة ورهبة في مقابلة جهلهم وتعنتهم في طلب أُمور لا يعلمها إلا الله وحده. وفي ختم الآية بقوله تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} إِشعار بأَن منشأَ السؤال هو جهل أَكثرهم وأَنهم لا يعلمون اختصاص الله بالعلم بها كما تقرر فيما سبق ولا يعلمون حكمة هذا الاختصاص، وكلمة {أَكْثَرَ} ، تدل على أن القليل من الناس يعلمون تلك الحكمة بإِرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) سورة الملك: الآية 25
وفي إِخفاء أَمر الساعة حمل للمكلفين على العمل والجد في الطاعة قبل أَن تأْتيهم بغتة، إذ لو علموا وقتها لأَهملوا واستمروا في لهوهم وعصيانهم إلى أَن يقترب وقتها فيتوبوا وقد لا يستطيعون ذلك لمفاجأة الموت لهم أَو لتمكن عادة العصيان في نفوسهم، ومن هذا القبيل إِخفاءُ وقت الموت، وإِخفاء قبول الدعاء، وإِخفاء ليلة القدر، ليظل المكلف مقيما على عبادة الله تعالى وطاعته، وقد استأْثر الله بعلم الساعة لمصلحة المكلفين كما فهم مما تقدم، غير أَنه ورد في "السُّنَّةِ" ذكر علامات تدل على قرب وقوعها منها ضياع الأَمانة.
المفردات:
{نَذِيرٌ} : منذر بوعيد الله للعصاة والكافرين.
{وَبَشِيرٌ} : ومبشر بوعد الله لكل من يؤمن بالله.
التفسير
188 -
{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ .... } الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء الذين يسأَلونك عن وقت مجىء الساعة لا أَملك جلب نفع لنفسى ولا دفع ضر عنها، {إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ}: أَي إلا الشىء الذي أراد الله تعالى تمكينى من فعله، فإنى أَقدر عليه وأَستطيعه باختيارى إِياه، وبهذا الاستثناء لا يقال: كيف لا يملك الإنسان لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، مع مشاهدته. يفعل ما يصلح شأنه، ويبتعد عما يضره؟ {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}: أَي ولو كنت أَعلم الغيب، والمناسبات التي تربط بين الأَشياءِ، ويصح بها ترتيب المسببات على أَسبابها لحصلت كثيرًا من الخير الذي ينفعنى ويمكن للإِنسان تحصيله بأَفعاله الاختيارية، وفي هذا القول الكريم برهان واضح
على نفى علم الأَنبياء بالغيب، إذ لو ثبت لهم ذلك لاستكثر صلى الله عليه وسلم من الخير الذي ينفعه، وابتعد عما وقع له من ضرر وسوء وبخاصة في سبيل تبليغ الدعوة، وفي جهاد الكفار والمشركين، {إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}: أَي ما أَنا إِلا رسول من البشر اصطفاه الله لإنذار العصاة والكفار من النار، وبشارة الذين يؤمنون باللهِ بالجنة، خصنى الله بمعرفة ما يتعلق بهما من العلوم الدينية والدنيوية لا أَتعدى ذلك إِلى العلم بالغيب الذي لا يتوقف العلم بالأَحكام والشرائع عليه، قال تعالى:{هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} .
وقد كشف الله من أَمر الساعة ما يتعلق بمصلحة الإِنذار من أَنها آتية لا ريب فيها وأَنها اقتربت. وأَما تعيين وقتها فليس مما يقتضيه الإِنذار، بل مما يضربه؛ لأَن إِيهام وقتها أَدعى إِلى التخويف والترهيب، ويجوز أن يكون قوله تعالى {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} متعلقا بالوصفين [النذارة والبشارة]، ولا يقال حينئذ إِذا كان الله قد أَرسله بشيرًا ونذيرا للناس كافة، فما وجه التقييد بقوله:{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} لأَن ثمرة الرسالة بالبشارة والنذارة إِنما ظهرت في المؤمنين خاصة، فنص القرآن على محل النفع والفائدة، على حد قوله تعالى:{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ، وقوله:{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} .
المفردات:
{زَوْجَهَا} : الزوجة والمراد بها حواء.
{لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} : ليطمئن إِليها.
{تَغَشَّاهَا} : غشيها وهو كناية عن الوقاع.
{حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} : أَي كان حملها خفيفا لا يمنعها من القيام والقعود وقضاء المصالح.
{فَمَرَّتْ بِهِ} : فمضت به وترددت في قضاء مصالحِها من غير مشقة ولا كلفة.
{فَلَمَّا أَثْقَلَتْ} : صارت ذات ثقل بسبب كبر الولد وقرب وضعه.
{دَعَوَا اللهَ} : تضرُّعا إِليه.
التفسير
189 -
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .... } الآية.
بَيَّن الله في أَول السورة إِجمالا كيفية خلق الناس، وتصويرهم ضمن خلق آدم أَبي البشر وتصويره، ثم حتمها بنوع من التفصيل لكيفية هذا الخلق فقال تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} :
أَي هو الله العظيم الذي بدأَ خلقكم وحده أَيها الناس، من نفس واحدة، هي نفس آدم عليه السلام، دون أَن يكون له شريك في ذلك، فتمت بهذا أَعظم نعم الله على عباده، أَلا وهى إِخراجهم من العدم إِلى الوجود، فالخلق هو النعمة الأولى على الإِنسان.
والخطاب في {خَلَقَكُمْ} لبنى آدم، و {مِنْ} هنا ابتدائية كما أُشير إِليه في المعنى كما أَفادت الجملة الحصر - أَي هو وحده الذي خلقكم.
ووصف النفس بواحدة للإِشارة إِلى وحدة الأبوة، وللتعجيب بقدرته تعالى:{وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أَي وصيّر من جنسها زوجها وهى حواء، وكانت من جنس النفس إِتماما للنعمة، إِذ الجنس إِلى الجنس أَميل، حتى يتم الإنس بين الزوجين، والزوج يطلق على الاثنين اللذين بينهما تزاوج، {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} أَي ليستقر نفسًا ويطمئن قلبا إليها، وتزول الوحشة الحاصلة بالانفراد، ويصير منهما بعد ذلك الذكر والأنثى، فيبقى الجنس كما شاءَ الله بسبب التزاوج بين الرجل والمرأَة، وفي هذا النص بيان للغاية المقصودة من الزوجة المجانِسة، وهي سكون الروح وإِيناس النفس وبقاء الجنس وعمارة الأَرض
فأَنت ترى أنه لما أَراد الله تعالى بقاءَ العمران في الدنيا وشاءَ له أَن يكون منظمًا ومستقرًّا جعل السكن بين الزوجين، حتى لا يملَاّ من الاختلاط، فينصرف كل منهما عن الآخر فينقطع النسل، {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا}: أَي فلما غَشى الزوج منكم زوجته {حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا} : أَي حملت حملا خفيفا في بادئ الأَمر، لا يمنعها من القيام والقعود وقضاءِ المصالح، فإن كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة أَخف مما يكون في المراتب التي بعد ذلك.
{فَمَرَّتْ بِهِ} : أَي فمضت به، وترددت في قضاء المصالح من غير مشقة ولا عناء {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ}: أَي فلما صارت ذات ثقل، وقرب وقت وضع حملها، وأَشفقا أَن يكون غير سوى، واهتمت هي وآدم بهذا الأَمر الذي لم يعهداه من قبل، تضرعا إِلى الله ربهما كما قال تعالى:{دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} : أَي تضرعا إلى الله ربهما المتولى وحده شئونهما بالتربية والرعاية، القادر دون سواه على تحقيق رجائهما وإِجابة دعائهما أَن يعطيهما ولدا صالحا، إِذ قالا مقسمين: والله لئن أَعطيتنا ورزقتنا ولدا صالحا سويا مستقيم الخلقة لنكونن من المخلصين لك في الشكر على نعمائك التي لا تحصى، ومن أَعظمها تلك النعمة الجليلة، نعمة الولد الصالح السوى.
190 -
{فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا
…
} الآية.
أَي فلما استجاب الله تعالى دعاءَ الزوجين من ذرية آدم وحواء، وأَعطاهما ولدا صالحا، أَي كامل التكوين والخلقة {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}: أَي جعل الزوجان من ذرية آدم وحواءَ لله تعالى شركاءَ في الولد الصالح في تكوينه، حيث نسباه لبركة أوثانهم مع الله تعالى فالاشتراك وقع من ذرية آدم وحواء.
ويجوز أن يكون التأْويل في قوله: {جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} بتقدير مضاف محذوف أَي جعل أَولادهما لله شركاءَ، وجعل الكلام على حذف مضاف كثير ومعهود. ومنه قوله تعالى:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} : أَي واسأَل أَهل القرية - وبهذا التفسير أو ذاك يندفع ما عساه يفهم من ظاهر الآية الكريمة من أَن آدم وحواءَ هما اللذان جعلا لله شركاءَ فيما آتاهما، وذلك يتنافى مع مقام خليفة الله في الأَرض الذي يقتضي التوحيد والشكر على إِنعام الله باستجابة دعائه وزوجه.
ومما يدل على استبعاد وقوع الشرك من آدم وحواءَ أَنفسهما قوله تعالى: {فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإِنه يدل على أَن الذين وقع منهم الشرك جماعة أَكثر من اثنين، وكذلك قوله تعالى:{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .
{فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} : أَي فَعَلا مقام الله وارتفع، وسما قدره وتنزه اسمه عمَّا يشركه معه هؤلاء الأَغبياء، ويسوونهم به في إِطلاق اسم الله عليهم ومن أوثانهم، حيث اعتبروها شريكة الله في الولد الذي أَتاهما.
ولصاحب الانتصاف تأويل في الآية قال: وأسلم الأَقوال أَن يكون المراد بالتثنية جنس الذكر والأنثى من غير قصد إِلى معين بالشخص، فكأَنه قال جل شأنه، خلقكم جنسا واحدًا، وجعل أزواجكم منكم أيضًا لتسكنوا إِليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى وقع من هذين الجنسين ما قد كان من شركَ، وكَيْتُ وكَيْتُ، فالتثنية في قوله:{جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ} مراد بها الجنسان من ذكر وأنثى وليس المراد خصوص آدم وحواء اهـ وهذا التأْويل هو الذي نرتضيه ويشبه ما قلناه أولا.
ثَم بيَّن الله بعد هذا جهلهم وسخافة عقولهم، وفساد آرائهم بهذا الشرك فقال تعالى:
المفردات:
{صَامِتُونَ} : تاركون دعوتهم.
التفسير
191 -
{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا} : أَي أَبعد أَن منح الله هؤلاء المشركين العقل وأَرسل إِليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، داعيا إِلى توحيد الله، وسراجا منيرا، أَبعد هذا كله يشركون معه سبحانه في الألوهية صنما أَو غيره من مخلوقات الله مما ليس له قدرة على أَن يخلق شيئًا ولو كان ذبابا {وَهُمْ يُخْلَقُونَ}: أَي والحال أَن ما عبدوهم يُخْلَقُون، والمخلوق يكون محتاجا إلى غيره فلا يصلح أَن يكون إِلهًا معبودا.
وقد أَفاد أسلوب الاستفهام في الآية الكريمة الإِنكار عليهم، والتعجيب من حالهم وتوبيخهم على أَن أَشركوا مع الله ما لا يصلح أَن يكون إِلهًا، كما نَبَّه على سخافة عقولهم، وبطلان عقيدتهم.
ثم بين القرآن الكريم: أَن هذه الأَصنام التي لم تخْلُقْ شيئًا بل إِنها مخلوقة وعاجزة، لا تنفع غيرها ولا تدفع التفسير عن نفسها فقال تعالى:
192 -
{وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} :
أَي ولا يستطيع هؤلاء الشركاء دفع أَي ضر ينزل بمن عبدوهم مع الله ولا تحقيق أَي نفع لهم، بل ولا يستطيعون نصر أَنفسهم بدفع أَي معتد عليهم، وإِن بلغ هذا المعتدى غاية الضعف كالذباب أَو ما هو دون الذباب قال تعالى:{وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ} (1) وفي هذا بيان لتمام عجزهم وغاية ضعفهم.
ثم انتقل القرآن الكريم يبين عجزهم عما هو أَيسر من نصر أَنفسهم وعابديهم، وهو مجرد إِرشاد عابديهم إِلى طريق مطالبكم دون تحصيلها فقال تعالى:
193 -
{وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ} :
أَي وإِن تدعوا أَيها المشركون آلهتكم من دون الله لهدايتكم وإِرشادكم إلى مصالحكم .... لا يَتبعوكم إِلى مرادكم ولا يجيبوا لكم طلبا بإِرشادكم، ولا يحققوا لكم رغبة، كما يحقق الله رغبة العباد إِذا لجأُوا إِليه، فالخطاب للمشركين، وضمير "هم" لآلهتهم،
(1) سورة الحج: الآية 73
ويجوز أَن يكون الخطاب للمؤمنين، والضمير "هم" في تدعوهم للمشركين.
أَي وإِن تدعوا أَيها المؤمنون هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والعمل الصالح لا يتبعوكم، ولا يستجيبوا لكم، لأَن الله طمس على بصيرتهم، وختم على قلوبهم، والقول الأَول هو الظاهر المناسب للسياق، ليكون الكلام سائرا على نمط واحد في مرجع الضمائر
…
{سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} أَي سواءٌ عليكم أَيها المشركون في عدم الإِفادة من هذه الآلهة طلبكم منها، وعدم طلبكم، فحالكم لا يتغير في الحالتين، كما أَن حالها لا يتغير فإِنها لا تضر ولا تنفع
…
وفي هذا الأسلوب البليغ إِرشاد إلى عدم اتباع هذه المعبودات الباطلة.
المفردات:
{تَدْعُونَ} : تعبدون. {وَلِيِّيَ اللهُ} : متولى أَمرى وناصرى.
التفسير
194 -
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... } الآية:
في الآيات السابقة طائفة من الحجج والبراهين جاءَت لإبطال الشرك وتسفيه عقول المشركين.
ونظرًا لتأصل عادة الشرك في نفوس المشركين بتقليد من قبلهم واتباعهم إِياهم، فقد جاءَت هذه الآيات الكريمة، تحكى طائفة اخرى من الحجج التي تدحض الشرك وتدمغ المشركين بالخزى والجهل والعار، مع بيان الفرق بين من تجب عبادته لقدرته، وما لا تصح عبادته لعجزه، حتى يمكن اقتلاع تلك العقيدة الفاسدة عن جذورها واستئصالها من منابتها، لتنتصر كلمة التوحيد وتعلو على أَساس ثابت، وتتضح بدليل قاطع فقال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ .... } الآية: أَي إِن الأَصنام وسائر الآلهة التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله وتنادونهم لنصرتكم في الشدائد، عباد مماثلون لكم في العبودية، لأَنهم مخلوقون لله ومسخرون وخاضعون لما خلقوا له مثلكم، والأَصنام جمادات، مسخرة لأَمر الله كما سخرت الأَرض والسموات لأَمره سبحانه وسنته في الكون.
وإِذا كانوا أَمثالكم فإِنه يمتنع عقلا، أَن تطلبوا منهم ما قد عجزتم عن مثله. وإِذا كان الذين تدعون من دون الله أَحياء مثلكم، فالمماثلة تقتضى عجزهم كما عجزتم، وإِن كان ما تدعونه جمادا فهو أَقل منكم حيث لا حياة له ولا عقل، بل هو دون المماثلة لكم حينئذ، فكيف ترفعونهم إلى مقام الألوهية، وهم مثلكم أو أَعجز منكم وأَقل شأْنا، وفي قوله تعالى:{فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} : تقرير لعجزهم أَي فنادوا أَيها المشركون هذه الأَصنام، فإِذا سمعوا نداءَكم فلتكن منهم الإِجابة لكم، إِن كنتم صادقين في زعمكم أَنهم قادرون على النفع والضر - ولام الأَمر في "فليستجيبوا" للتعجيز والسخرية والتهكم بهم.
وبعد أَن قرعهم القرآن الكريم على عبادة عباد مماثلين لهم في التسخير والخضوع لأَمر الله، عاجزين عما عجز عنه العابدون لهم، أَكد تقريعهم ببيان غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم، إِذ أَوضح أَنهم أَحط منهم مرتبة وأَقل درجة لفقدانهم وسائل جلب النفع ودفع التفسير في قوله تعالى:
أَي ليس لهؤلاءِ الأَصنام أَرجل يمشون بها كما تمشون بأَرجلكم إِلى أَغراضكم، بل ليس لهم أَيد يأخذون بها بالعنف والقوة ما يريدون من غيرهم أويدفعون بها عن أنفسهم وعابديهم بل ليس لهم أَعين يبصرون بها أَحوالكم ليحققوا لكم أَغراضكم، بل ليس لهم آذان يسمعون بها كلامكم، ليستجيبوا لرغباتكم، وإذا كان هذا هو شأن الجمادات التي تعبدونها من دون الله، فلماذا ترفعونهم إِلى مقام الألوهية، ثم ترفضون الاستماع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستجابة لأَمر الله تعالى؛ ومن كان هذا شأنه فهو أَحط منزلة من مستوى المماثلة بينكم وبينهم، فكيف يكون لهم مقام الألوهية والعبودية، {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ، تعالى الله عما يشركون.
وبعد أَن بين القرآن الكريم أَن شركاءَهم لا يقدرون على شيء أَصلا، وأَنهم أَحط منهم درجات، أَمر الرسول صلى الله عليه وسلم أَن يلزم المشركين ويفحمهم بعجزهم وعجز آلهتهم. فطلب منهم أَن يلحقوا به ضررا ما فقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ .... } الآية: أَي قل يا محمَّد لهؤلاء المشركين للتهكم بهم وإفحامهم وإِلزامهم الحجة، نادوا شركاءَكم وأَحضروهم واستعينوا بهم علىَّ، ثم اجتمعوا أَنتم وهُمْ وبالغوا في بذل أَقصى ما تستطيعون في تدبير الكيد والمكر فلا تمهلونى ساعة بعد ترتيب أُموركم وإِحكام مكركم، ولا تؤخروا مما قررتم إنزاله بى من عقاب فإِنى لا أبالى بكم ولا أَعبأ بمكركم، وأَساس هذا القول عظم الثقة باللهِ تعالى وأَنه ولى الصالحين، كما قال تعالى. حكاية عن حال نبيه {إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: أَي لا أَبالى بكم وبشركائكم، لأَن المتولى لأَمرى وناصرى هو الله وحده، الذي نزل الكتاب الناطق بأَنه وليَّى وناصرى وأَن شركاءَكم لا يستطيعون نصر أَنفسهم فضلا عن نصركم {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}: أَي وقد جرت سنته تعالى، أَن يتولى وحده رعاية الصالحين من عباده، وحفظهم، وأَنه ينصرهم ولا يخذلهم.
وممّا تقدم يتبين أَن الاستفهام في قوله: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ}
…
الخ للإِنكار المراد منه النفى، كما أَفاد الأسلوب غاية التهكم بهم والسخرية من تدبيرهم.
المفردات:
{تَدْعُونَ} : تعبدون.
التفسير
197 -
{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ .... } الآية:
بعد أَن بيَّن الله في الآية السابقة، أَن الرسول صلى الله عليه وسلم، عزيز بولاية الله ومعتصم بنصرته، جاءَ ببيان أَن الأَصنام التي يعبدها المشركون من دون الله عاجزة لا تستطيع نصرهم في الشدائد، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذ قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ
…
} الآية: أَي والأَصنام التي تعبدونها أَيها المشركون من دون الله لا تستطيع نصركم في الشدائد والنوازل، بل ولا تستطيع دفع التفسير عن نفسها إِذا هو لحق بها.
وهذه الآية وإِن تقدم معناها، إِلا أَن تكرار هذا المعنى مطلوب لاقتلاع جذور الشرك التي تأَصلت في نفوس المشركين، ثم ذكر القرآن الكريم حالة أخرى من أَحوال ضعفها وهوانها تنفرهم من عبادتها، والاعتماد عليها فقال تعالى:
198 -
أَي وإِن تنادوا أَيها المشركون آلهتكم من الأَصنام لترشدكم إِلى ما تطلبون من صلاح الحال لا يسمعوا نداءَكم ولا يستجيبوا لطلبكم لتمام عجزهم وضعفهم: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} .
أَي وتراهم أَيها الناظر يقابلونك بعيون وصورة كأنها ناظرة إِليك وهى لا تنظر، إِذ هي جماد لا يرى ولا يبصر.
ويجوز أَن يكون الخطاب في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وضمير {تَدْعُوهُمْ} للمشركين أَي وإِن تدعو أَيها النبي هؤلاءِ المشركين إِلى الهدى والإِيمان لا يسمعوا لك سماع فهم وإِدراك، لأَن سبل الهداية قد سدَّت عليهم بسوء اختيارهم، وتراهم أَيها النبي ينظرون إليك وهم لا يبصرون رفعة مقامك وجلال قدرك لعمى قلوبهم وطمس بصيرتهم فلم يدركوا ما في دعوتك من الهدى والرشاد.
وعلى هذا تكون الآية السابقة للتنديد بنفس الأَصنام، وهذه الآية للتنديد بعبَدة الأَصنام والأَوثان.
وفي هذا التفسير - على الرأْى الثاني - إشارة لطيفة تؤخذ من قوله تعالى: {وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} : لإِدراك الفرق بين طمس البصيرة في الكافرين حتى ينظروا وهم لا يبصرون، وبين ما منحه الله للمؤمنين من منارة الإِيمان التي تنير للبصيرة ما هو كامن مستتر في بعض النفوس بمجرد النظر إِليها ثم يتبين له صدق فراسته بالمخالطة والمعاشرة، كما يشير إِلى ذلك قول الله عز وجل في خطابه لنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم:{وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} (1) فالكافر ينظر ببصره، وهو أَعمى البصيرة، بسبب ما ران على قلبه من حجب الكفر والمعاصي والمؤمن ينظر بالفطرة مع فراسة الإِيمان، فيرى ببصيرته بعض صفات المرئى، قبل أَن ينطق ويتكلم، ولهذا كان يوجّه إِلى الرسول صلى الله عليه وسلم سؤال واحد في الأُسلوب من عدة أَشخاص، فيجيب بعضهم بقوله:"اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ" ويجيب آخر بقوله: "أطِعُ أَبَوَيْكَ"، ويجيب ثالثا بقوله:"أَحْسِنْ إلَى جَارِكَ"، ومنشأ ذلك أَن النبي صلى الله عليه وسلم لهم كالطبيب، فيوصى كل شخص بما يناسبه حسب ما انكشف له من التقصير والعيوب بإِلهام من الله، ونور بصيرته، وهكذا من هذا القبيل نظرة سيدنا أَبي بكر رضي الله عنه إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجاب له من غير تردُّدٍ، لأَنه رأَى منه بأَصل الفطرة ما لم يَرَهُ غيره، وكذلك السيدة
(1) سورة محمَّد، من الآية: 30
خديجة رضي الله عنها حينما أَدركت فضل النبي صلى الله عليه وسلم ولمست فيه كمال صفاته، فآمنت به، وكانت من قبل قد اختارته زوجًا لها مع فقره وغناها، وكان ذلك بعد أَن رفضت كثيرا من أَشراف قريش ليكون أَحدهم زوجًا لها.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} .
المفردات:
{الْعَفْوَ} : السهل اليسير من أَخلاق الناس.
{بِالْعُرْفِ} : بالمعروف وهو ما شرعه الله لعباده وعرف حسنه شرعا وعقلا من عادات الناس.
التفسير
199 -
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} :
لما بين الله في الآيات السابقة فساد عبادة الأَصنام وعناد الكافرين جاءَ بعد ذلك بإِرشاد نبيه صلى الله عليه وسلم، إِلى اللين في معاملة الناس عامَّةً تيسيرا عليهم وتأْليفا لقلوب الجاحدين، وتسكينا لثورة جماحهم لعلهم يعودون إِلى الحق وحسن الاستماع فقال تعالى:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} : أَي أَقبل يا محمَّد السهل اليسير من أَخلاق الناس، وتساهل معهم فيما اعتادوه، من أَعمال وعادات لا تخالف ما جئت به، وأْمرهم بما شرعه الله لهم، وهو ما تقر بحسنه وصلاحيته العقول السليمة وذهب بعض المفسرين إِلى أَن معنى العفو: الفضل الزائد عن حاجة الناس من أَموالهم، ليكون الأَخذ مستعملا في المُحَسّ دون تجوز، كما في قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} . أَي الزائد عن حاجتهم.
والأَظهر حمل الآية على المعنى الأَول، وهو العفو بمعنى القبول .... مع مراعاة تقييده بقوله تعالى:{وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أَي بالمعروف لك عن طريق الوحى، فلا عفو حينئذ فيما هو مطلوب شرعا، ويبقى العفو عامًّا فيما يجوز التسامح فيه.
قال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ في الْمَعْرُوفِ" والمعروف مأْمور به في العبادات والمعاملات، ومنها المبايعات وأَحكام النكاح، ولأَن المعروف هو شريعة الله للناس، وعليه يتوقف إِصلاح حالهم في الدنيا والآخرة جاءَ القرآن الكريم مقررا له في آيات كثيرة، من ذلك: ما حكاه عن التوراة والإِنجيل من وصف النبي صلى الله عليه وسلم. وذلك في قوله:
{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وما جاءَ في قوله تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} ، وفي مبايعة النساء:{وَلَا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ} وفي معاشرتهن بالمعروف، وفي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} .
ولما كان الأَمر بالمعروف قد يؤدى إِلى سفاهة بعض الجاهلين وإِيذائهم للنبي عليه السلام أمره الله تعالى بالتسامح في قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} : أَي وأَعرض عن سفاهة الجاهلين الناشئة عن حقدهم وحسدهم، وجهلهم، واترك مؤاخذتهم بمثل سفههم، فقد يؤثر الحلم والعفو في السفيه فيرجع إِلى الصواب ويلوم نفسه.
ولقد كان لحلمه صلى الله عليه وسلم وإِعراضه عما يسوءه من قومه أثر كبير في إِسلام من كان يسفّه ويعارض، بعد أَن لمسوا منه صلى الله عليه وسلم، هذا الخلق الكريم، قال تعالى:{وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّمَا بُعِثْتُ لأِتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ" وإِنما يحسن العفو إِذا لم يؤد إِلى تعطيل ما شرعه الله.
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)} .
المفردات:
{يَنْزَغَنَّكَ} : يَجُرَّنَّك للشر والإِفساد، ونَزْغُ الشيطان وساوسه.
{فَاسْتَعِذْ} : استَجِرْ باللهِ وتحصن.
التفسير
200 -
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} :
روى عن ابن زيد قال: لما نزل قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَكَيْفَ الغَضَبُ يَا رَب؟ " فنزل قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
أَي وإن يوسوس لك الشيطان أَيها المؤْمن وسوسة شديدة ويدفعك إلى فعل الشر والإِفساد دفعا قويا بالتشكيك في الحق وتزيين الباطل، {فَاسْتَعِذْ بِاللهِ}: أَي فالتجئ إِلى الله وتحصن واستعن به على دفع وساوسه ونزغاتك {إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَي إِنه تعالى وحده عظيم السمع لكل مسموع، {عَلِيمٌ} محيط علمه بكل شيءٍ فيسمع دعاءَك ويعلم إخلاص قلبك وصدق نيتك فإِذا صدقت في القول وأَخلصت في التضرع إِليه عصمك من شره، والخطاب في الآية للرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته لأَن الله قد عصم رسوله صلى الله عليه وسلم من نزغات الشيطان وقبول وسوسته. وفيما يلى بيانه:
فإِن العبد إِذا التجأَ إِلى الله واستعان به، دخل في مقام العبودية الخاصة، فيتحصن بها من الشيطان، وقد قال جل شأْنه:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} . فالشيطان لا سبيل له يسلكه إِلى قلب العبد إِلا إِذا وجد في عمله ثلمة يدخل منها إِلى قلبه، كما يؤخذ ذلك من قوله تعالى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} . فالانسلاخ من الآية ثُلْمة نَفَذَ منها الشيطان لمن انسلخ عن آياته
ثم أتبع هذه الآية قوله تعالى:
المفردات:
{مَسَّهُمْ} : أَي أَصابهم. {طَائِفٌ} : أَي خاطر. {الْغَيِّ} : الضلال والفساد.
التفسير
201 -
أَي إِن الذين اتقوا ربَّهم وخافوا عذابه فامتثلوا أَوامره واجتنبوا نواهيه، من عادتهم أَنهم إِذا نالهم وأَصابهم خاطر من خواطر الشيطان، وأَصابتهم منه وسوسة تزين لهم المعصية، تذكروا مقام ربهم، واستحضروا هيبته وجلاله، وتذكروا أَوامره ونواهيه، ووعده، ووعيده، فإذا هم مبصرون بنور ربهم طريق الهدى والرشاد. والمراد بالشيطان شيطان الجن.
202 -
{وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} :
بعد أَن نبه الله، وحذر من وسوسة شياطين الجن، جاءَت هذه الآية للتحذير من إِخوانهم شياطين الإنس.
أَي وإخوان شياطين الجن من شياطين الإِنس مثلهم في الإِفساد يساعدونهم في الإِغواء فما يزالون يعضدونهم بتزيين المعاصي لبعض الناس، {ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}: أَي لا يمسكون عن إِغوائهم، حتى يُصِرَّ من وقع في حبائلهم على تنفيذ غوايتهم، وسلوك طريق الضلال.
المفردات:
{اجْتَبَيْتَهَا} : طلبتها. {بَصَائِرُ} : ما تبصر به عقولكم من الآيات.
{فَاسْتَمِعُوا} : فاقصدوا سماعه. {وَأَنْصِتُوا} : واسكتوا متأَملين معناه.
{تَضَرُّعًا} : تذللا. {وَخِيفَةً} : وخوفًا. {الْغُدُوِّ} : أَول النهار.
{الْآصَالِ} : جمع أَصيل: وهو آخر النهار والمقصود من الغدو والآصال هنا جميع الأَوقات.
التفسير
203 -
{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا
…
} الآية.
بدأَت هذه الآيات ببيان نوع من الغيِّ المشار إِليه في الآية السابقة {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} وذلك ما حكاه الله بقوله تعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} الآية.
أَي وإذا لم تجىء إِليهم أَيها الرسول بما طلبوا من الآيات والمعجزات قال هؤلاءِ المتعنتين ساخرين: هلَاّ جئتنا بما طلبناه من الآيات كى نصدق رسالتك.
فأَمر الله نبيه أَن يسمعهم الجواب الشافى ردًّا على سخريتهم بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي} : أَي قل لهم يا محمَّد ليس لى طريق أَتبعه سوى اتباع ما يوحى به الله إِليَّ من شرائعه أَعمل بها وأَبلغها وليس لى أَن أَقترح شيئًا من المعجزات والآيات، ثم أَرشِدْهم يا محمَّد إلى أَن هذا القرآن هو أَعظم المعجزات وقيل لهم:{هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} : أَي هذا القرآن الذي أَوحاه الله إليَّ يبصِّر عقولكم ويهدى قلوبكم إِلى قبول الحق {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} : وهذا القرآن أَيضا بما اشتمل عليه من الحجج الواضحة والدلالات الظاهرة يوصلكم إِلى أَعلى درجات الإِيمان وهو كذلك رحمة شاملة جاءَ بها نبى الرحمة المهداة.
وتلك الهداية وهذه الرحمة لا ينالهما ساخر ولا مستهزىء. {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} .
204 -
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} :
أَشار الله تعالى إلى القرآن وثمراته في نفع العباد بقوله في الآية السابقة: {هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . وفي ذكر هذه الفوائد حمل للناس على أَن يقرأوا القرآن ليتعبدوا بتلاوته، وليتبصروا في آياته، حتى يكون لهم هدى ورحمة. وأَشار في هذه الآية إِلى ما ينبغي إِذا قرئ القرآن من الاستماع والإِنصات إِليه توصلا إِلى الانتفاع به.
أَي وإِذا قرئ القرآن من أَي قارئ، فيجب على من حضر مجلس القرآن، أَن يحسن الاستماع إليه بوعى وقصد وتدبر، وأَن ينصت فلا يتكلم احتراما لكلامه العزيز، وتعظيما له، راجين بحسن الاستماع والإِنصات إِليه رحمة الله.
وإِنما جمع بين الاستماع والإِنصات، لأنهما معا أَعون على الفهم والتدبر وأَتمُّ في الانتفاع وأَرجى لرحمة الله سبحانه وتعالى، فضلا عما فيه من الأَدب مع الله واحترام كلامه جلّ شأْنه؛ والأمر بالاستماع والإِنصات عند قراءة القرآن عام في جميع الأَحوال التي يقرأ فيها القرآن.
205 -
{وَاذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ .... } الآية.
بعد أَن أَمرنا الله تعالى بالاستماع والإِنصات لتلاوة القرآن، أَمرنا بذكره تعالى بصفة عامة، تزكية للنفس.
أَي واذكر ربك أَيها المسلم في نفسك بينك وبين ربك، بعيدا عن الرياءِ والسمعة: متذلِّلًا، خاشعا لربك، خائفا من عذابه، واذكره بلسانك ذكرا وسطا بين السر والجهر: كما تذكره في نفسك، وليكن ذكرك له في الغدو والآصال، أَي في أَول النهار وآخره، والمراد بهما هنا جميع الأَوقات، حسبما يتيسر للذاكرين، ثم ختم الله الآية الكريمة بقوله:{وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} : أَي ولا تكن أَيها المسلم من جملة الغافلين عن ذكر ربك بأَن لا تذكره تعالى، أَو بأَن تكون غائب القلب حين الذكر.
206 -
أَي: إِن الملائكة الذين هم في مكان الرفعة عند ربك، والقرب من رضاه، لا يستكبرون عن عبادته، بل يؤدونها حسبما أُمروا بها كاملة وافية كما أَمر الله، وينزهونه عن كل ما لا يليق به سبحانه، وله وحده يخضعون. ويتذلَّلون.
والمقصود من ذكر الملائكة حث البشر على أَن لا يستكبروا عن عبادته، ولا يقصروا في أَدائها في أَوقاتها، فإِنهم أَولى بالتزلف إِلى الله لشدة احتياجهم إِلى عفو الله عن ذنوبهم، من الملائكة الذين خلقوا للطاعة:{لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} .