المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في محرمات الإحرام] - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٢

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌[فصل في محرمات الإحرام]

(فَصْلٌ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الْمَرْأَةِ: لُبْسُ قُفَّازٍ، وَسَتْرُ وَجْهٍ: إلَّا لِسَتْرٍ

ــ

[منح الجليل]

[فَصْلٌ فِي محرمات الْإِحْرَام]

(فَصْلٌ) فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ (حَرُمَ بِ) سَبَبِ (الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فِيهِ أَوْ مَعَهُ وَالْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ يُفِيدَانِ أَنَّ مَبْدَأَ الْحُرْمَةِ مُجَرَّدُ الْإِحْرَامِ، بِخِلَافِ الْوَسَطِ إذْ قَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ أَوْسَعَ مِنْ مَظْرُوفِهِ (عَلَى الْمَرْأَةِ) وَلَوْ أَمَةً أَوْ صَغِيرَةً وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِوَلِيِّهَا، وَمُحَرَّمَاتُ الْإِحْرَامِ: ضَرْبَانِ ضَرْبٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَاللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ، وَضَرْبٌ مُفْسِدٌ وَفِيهِ الْهَدْيُ كَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ.

وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ (لُبْسُ) مُحِيطٍ بِيَدِهَا إحَاطَةً خَاصَّةً كَ (قُفَّازٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَشَدِّ الْفَاءِ آخِرُهُ زَايٌ شَيْءٌ يُصْنَعُ بِهَيْئَةِ الْأَصَابِعِ وَالْكَفِّ، خَصَّهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِمَّا يُحِيطُ بِالْيَدِ إحَاطَةً خَاصَّةً بِنَسْجٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَذَلِكَ، وَكَذَا الْمُحِيطُ بِأُصْبُعٍ. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ يَدِهَا بِغَيْرِ مُحِيطٍ كَخِمَارٍ وَمِنْدِيلٍ أَوْ بِمُحِيطٍ إحَاطَةً عَامَّةً كَإِدْخَالِ يَدِهَا فِي قَمِيصِهَا وَلُبْسُ بِضَمِّ اللَّامِ مَصْدَرُ لَبِسَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ فِي الْمَاضِي وَفَتْحِهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَأَمَّا مَفْتُوحُ اللَّامِ فَمَعْنَاهُ الْخَلْطُ. وَفِعْلُهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] .

(وَ) حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ (سَتْرُ وَجْهٍ) بِأَيِّ سَائِرِ مُحِيطٍ إحَاطَةً خَاصَّةً أَوْ لَا وَكَذَا بَعْضُهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي سَتْرِ بَعْضِ وَجْهِ الرَّجُلِ إلَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سَتْرُ رَأْسِهَا وَمَقَاصِيصِهَا الْوَاجِبُ (إلَّا لِ) قَصْدِ (سَتْرٍ) لِوَجْهِهَا عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَلَوْ الْتَصَقَ السَّاتِرُ بِوَجْهِهَا، وَإِنْ عَلِمَتْ أَوْ ظَنَّتْ الِافْتِتَانَ بِكَشْفِ وَجْهِهَا وَجَبَ عَلَيْهَا سَتْرُهُ لِصَيْرُورَتِهِ عَوْرَةً حِينَئِذٍ، فَلَا يُقَالُ كَيْفَ تَتْرُكُ الْوَاجِبَ وَهُوَ كَشْفُ وَجْهِهَا وَتَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَهُوَ سَتْرُهُ لِأَجْلِ أَمْرٍ لَا يُطْلَبُ مِنْهَا إذْ وَجْهُهَا لَيْسَ عَوْرَةً عَلَى أَنَّهَا مَتَى قَصَدَتْ السَّتْرَ عَنْ الرِّجَالِ فَلَا يَحْرُمُ وَلَا يَجِبُ الْكَشْفُ كَمَا يُفِيدُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَنَصُّهَا وَوَسَّعَ لَهَا مَالِكٌ " رضي الله عنه "

ص: 301

بِلَا غَرْزٍ وَرَبْطٍ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ.

وَعَلَى الرَّجُلِ مُحِيطٌ بِعُضْوٍ، وَإِنْ بِنَسْجٍ أَوْ زَرٍّ أَوْ عَقْدٍ: كَخَاتَمٍ وَقَبَاءٍ

ــ

[منح الجليل]

أَنْ تَسْدُلَ رِدَاءَهَا مِنْ فَوْقِ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا إذَا أَرَادَتْ سَتْرًا، فَإِنْ لَمْ تُرِدْ سَتْرًا فَلَا تَسْدُلُ اهـ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ أَصْلًا.

وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْأَمْرَدِ سَتْرُ وَجْهِهِ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ وَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ فَفِي الْإِحْرَامِ أَوْلَى. وَشَرْطُ جَوَازِ سَتْرِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ كَوْنُهُ (بِلَا غَرْزٍ) بِنَحْوِ إبْرَةٍ (وَ) بِ (لَا رَبْطٍ) لِطَرَفَيْ السَّاتِرِ عَلَى رَأْسِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَبِسَتْ قُفَّازًا أَوْ سَتَرَتْ وَجْهَهَا لِغَيْرِ قَصْدِ سَتْرٍ عَنْ الرِّجَالِ أَوْ غَرَزَتْ مَا سَتَرَتْهُ بِهِ أَوْ رَبَطَتْهُ (فَ) عَلَيْهَا (فِدْيَةٌ) إنْ انْتَفَعَتْ بِهِ أَوْ بِرَدٍّ أَوْ طَالَ.

(وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ (عَلَى الرَّجُلِ) أَيْ: الذَّكَرِ وَلَوْ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا وَتَتَعَلَّقُ الْحُرْمَةُ بِوَلِيِّهِ (مُحِيطٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِالْبَدَنِ كَقَمِيصٍ أَوْ (بِعُضْوٍ) كَالتَّاسُومَةِ وَالْقَبْقَابِ عَرِيضِ السَّيْرِ لَا الْمَدَاسِ رَقِيقِ السَّيْرِ وَإِنْ كَانَ مُحِيطًا لِلضَّرُورَةِ إنْ كَانَتْ إحَاطَتُهُ بِخِيَاطَةٍ بَلْ (وَإِنْ) كَانَتْ إحَاطَتُهُ (بِ) سَبَبِ (نَسْجٍ) عَلَى صُورَةِ الْمَخِيطِ كَدِرْعِ حَدِيدٍ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّيهِ مَنْسُوجًا. وَشَرَابٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمَنْسُوجُ بِالْإِبْرَةِ عَلَى هَيْئَةِ الرِّجْلِ وَالسَّاقِ أَوْ لَصْقِ لَبَدٍ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ سَلْخِ جِلْدِ حَيَوَانٍ بِلَا شَقٍّ كَالْقِرْبَةِ وَلُبْسِهِ مُحِيطًا بِبَدَنَةِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ.

(أَوْ) كَانَتْ إحَاطَتُهُ بِسَبَبِ (زَرٍّ) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيْ: إدْخَالُ زِرٍّ بِكَسْرِ الزَّايِ فِي عُرْوَتِهِ كَاَلَّذِي يَجْعَلُهُ الْعَسْكَرِيُّ عَلَى سَاقِهِ وَيُزَرِّرُهُ (أَوْ) بِسَبَبِ (عَقْدٍ) يُرْبَطُ أَوْ تَخْلِيلٍ يَعُودُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ سَتْرُ بَدَنِهِ بِمَخِيطٍ غَيْرِ مُحِيطٍ كَإِزَارٍ مُرَقَّعٍ بِرِقَاعٍ وَبُرْدَةٍ مُلَفَّقَةٍ مِنْ شُقَّتَيْنِ، وَكَارْتِدَاءٍ أَوْ ائْتِزَارٍ بِنَحْوِ قَمِيصٍ.

وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ وَوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَقَالَ (كَخَاتَمٍ) فَيَحْرُمُ لُبْسُهُ عَلَى الرَّجُلِ وَلَوْ فِضَّةً زِنَةَ دِرْهَمَيْنِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ إنْ طَالَ (وَقَبَاءٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودًا وَمَقْصُورًا مُشْتَقٌّ مِنْ الْقُبُورِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ سُمِّيَ بِهِ لِانْضِمَامِ أَطْرَافِهِ، وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ عليه الصلاة والسلام -

ص: 302

وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا، وَسَتْرُ وَجْهٍ

ــ

[منح الجليل]

إنْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا) بِضَمِّ الْكَافِ وَشَدِّ الْمِيمِ فِي يَدٍ بِشَرْطِ إدْخَالِ مَنْكِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي مَحَلِّهِ الْخَاصِّ الْمُحِيطِ بِهِ، فَإِنْ جَعَلَ أَسْفَلَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ وَلَمْ يُدْخِلْ رِجْلَيْهِ فِي كُمَّيْهِ وَلَا إحْدَاهُمَا فَلَا يَحْرُمُ لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ حِينَئِذٍ وَفِي عِبَارَةِ الْمَتْنِ قَلْبٌ وَالْأَصْلُ وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ كُمًّا أَوْ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ وَكُمًّا يَنْزِع الْخَافِضَ أَيْ: يَدَهُ فِي كُمٍّ.

(وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ (سَتْرُ وَجْهٍ) جَمِيعِهِ وَأَمَّا بَعْضِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ حُمِلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا أَحَدُهُمَا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِيهِ، وَالثَّانِي عَدَمُ وُجُوبِهَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ لِقَرْنِهِ بِالرَّأْسِ الْوَاجِبِ فِي تَغْطِيَةِ بَعْضِهِ الْفِدْيَةُ وَنَصُّ حَجِّهَا الثَّالِثُ وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ فِي وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ وَالْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَالذَّقَنُ مِنْهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَتِهِ لَهُمَا وَإِنْ غَطَّى الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا، فَإِنْ نَزَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ افْتَدَى اهـ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِمَا جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ " رضي الله عنه "، وَفِي الثَّالِثِ مِنْهَا لَا بَأْسَ بِتَغْطِيَةِ الذَّقَنِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَفِيهِ أَيْضًا وَلَوْ نَامَ فَغَطَّى رَجُلٌ وَجْهَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ انْتَبَهَ فَلْيَنْزِعْ ذَلِكَ وَلْيَغْسِلْ الطِّيبَ عَنْهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَانْظُرْ كَيْفَ أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ بِالنَّائِمِ إذَا غَطَّى وَجْهَهُ وَأَسْقَطَهَا عَنْ الذَّقَنِ وَعَمًّا فَوْقَ الذَّقَنِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ عُثْمَانَ " رضي الله عنه ".

فَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ حَمَلَ الْمُدَوَّنَةَ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ تَغْطِيَةَ جَمِيعِ الْوَجْهِ بَلْ مَا حَوَالِي الذَّقَنِ وَأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ فِي مَنْعِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ وَأَنَّ الْفِدْيَةَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْرَبُ إلَى لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ اهـ. فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِهَا الْعَامِّ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَتَأَمَّلْهُ. وَنُقِلَ فِي تَوْضِيحِهِ كَلَامُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَقَرَّهُ قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ سَتْرُ وَجْهٍ إنْ سَتَرَ مَا أُسْدِلَ مِنْ لِحْيَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. وَبِهِ صَرَّحَ سَنَدٌ.

ص: 303

أَوْ رَأْسٍ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا: كَطِينٍ، وَلَا فِدْيَةَ فِي سَيْفٍ، وَإِنْ بِلَا عُذْرٍ وَاحْتِزَامٍ، أَوْ اسْتِثْفَارٍ لِعَمَلٍ فَقَطْ.

وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ

ــ

[منح الجليل]

وَ) أَيْ: حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ سَتْرُ (رَأْسٍ) وَصِلَةُ سَتْرُ (بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا) عُرْفًا وَلُغَةً بِقَرِينَةٍ قَوْلُهُ (كَطِينٍ) ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْحَرَّ فَأَوْلَى غَيْرُهُ مِنْ عِمَامَةٍ وَخِرْقَةٍ وَقَلَنْسُوَةٍ وَالْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا أَوْ لِلتَّمْثِيلِ؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ سَاتِرًا فِي هَذَا الْبَابِ.

(وَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ (فِي) تَقْلِيدِ (سَيْفٍ) بِعُنُقِهِ عَرَبِيٍّ أَوْ رُومِيٍّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ وَالْأَوْلَى قَصْرُهُ عَلَى الْأَوَّلِ إذْ عَلَّاقَةُ الرُّومِيِّ عَرِيضَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ فَهُوَ حَرَامٌ إنْ تَقَلَّدَ بِهِ لِعُذْرٍ بَلْ (وَإِنْ) تَقَلَّدَهُ (بِلَا عُذْرٍ) وَحَرُمَ وَوَجَبَ نَزْعُهُ فَوْرًا إنْ تَقَلَّدَهُ بِلَا عُذْرٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ. أَحْمَدُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّكِّينَ لَيْسَتْ كَالسَّيْفِ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مَوْرِدِهَا.

(وَ) لَا فِدْيَةَ فِي (احْتِزَامٍ) بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ خِلَافًا لتت. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ قَوْلِهَا الْمُحْرِمُ لَا يَحْتَزِمُ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ إذَا لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى، وَإِنْ أَرَادَ الْعَمَلَ فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَحْتَزِمَ وَعَلَى ظَاهِرِهَا حَمَلَهَا أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَفِي الْجَوَاهِرِ وَافْتَدَى إنْ احْتَزَمَ بِحَبْلٍ أَوْ خَيْطٍ لِغَيْرِ عَمَلٍ فَإِنْ كَانَ لِعَمَلٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ الِاحْتِزَامَ بِكَوْنِهِ بِلَا عَقْدٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَطّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَا الْمُوَضِّحُ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ. (وَ) لَا فِدْيَةَ فِي (اسْتِثْفَارٍ) أَيْ لَيُّ طَرَفَيْ الْمِئْزَرِ بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَغَرْزِهِمَا فِي وَسَطِهِ فَيَصِيرُ الْإِزَارُ كَالسَّرَاوِيلِ بِلَا عَقْدٍ، فَإِنْ عَقَدَهُمَا فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ (لِعَمَلٍ فَقَطْ) قَيَّدَ فِي الِاحْتِزَامِ وَالِاسْتِثْفَارِ، فَإِنْ كَانَا لِغَيْرِ عَمَلٍ فَفِيهِمَا الْفِدْيَةُ. .

(وَجَازَ) لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (خُفٌّ) أَيْ: لُبْسُهُ وَمِثْلُهُ جُرْمُوقٌ وَجَوْرَبٌ (قُطِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَوْ ثَنَى فِيمَا يَظْهَرُ (أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ) لِلرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ قَطَعَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ وَمِثْلُهُ فِي أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ، وَنَقَلَ ابْنُ عُمَرَ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ إنَّمَا يُغْتَفَرُ لِمَنْ قَطَعَهُ لَا لِمَنْ اشْتَرَاهُ كَذَلِكَ. وَحَكَى الشَّاذِلِيُّ الثَّانِي يُقْبَلُ

ص: 304

لِفَقْدِ نَعْلٍ أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا، وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ، أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ وَتَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ، وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ، وَفِي كُرْهِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ

ــ

[منح الجليل]

وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ، وَشَرْطُ التَّرْخِيصِ فِي لُبْسِ الْخُفِّ الْمَقْطُوعِ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ كَوْنُ لُبْسِهِ (لِفَقْدِ) أَيْ: عَدَمِ وُجُودِ (نَعْلٍ) بِالْكُلِّيَّةِ (أَوْ) لِ (غُلُوِّهِ) أَيْ: النَّعْلِ غُلُوًّا (فَاحِشًا) بِأَنْ يَزِيدَ ثَمَنُهُ عَلَى قِيمَتِهِ الْمُعْتَادَةِ فَوْقَ ثُلُثِهَا فَلَوْ لَبِسَهُ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ، وَقَدْ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ كَشُقُوقٍ بِرِجْلَيْهِ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ اعْتِبَارُ الْفَقْدِ أَوْ الْغُلُوِّ حِينَ الْإِحْرَامِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعْدَادُهُ قَبْلَهُ إذَا عَلِمَ فَقْدَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَ سَنَدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ إنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ.

(وَ) جَازَ لَهُ (اتِّقَاءُ شَمْسٍ) عَنْ وَجْهِهِ (أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ) ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا وَأَوْلَى بِبِنَاءٍ أَوْ خِبَاءٍ أَوْ مَحَارَةٍ كَمَا يَأْتِي (أَوْ مَطَرٍ) وَمِثْلُهُ الْبَرْدُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا ابْنِ الْقَاسِمِ " رضي الله عنه "(بِ) شَيْءٍ (مُرْتَفِعٍ) عَنْ رَأْسِهِ مِنْ نَحْوِ ثَوْبٍ.

وَأَمَّا الْخَيْمَةُ فَيَجُوزُ الدُّخُولُ تَحْتَهَا بِلَا عُذْرٍ وَلَا يَلْصَقُ الْمُظَلِّلَ بِرَأْسِهِ وَاتِّقَاءٌ بِالْيَدِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَلَا يَلْصَقُهَا بِرَأْسِهِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ إنْ طَالَ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْيَدُ يَجُوزُ الِاتِّقَاءُ بِهَا مُرْتَفِعَةً وَمُتَّصِلَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا فَلَا فِدْيَةَ فِيهَا بِحَالٍ قَالَهُ ابْنُ عَاشِرٍ. سَنَدٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَسُدَّ أَنْفَهُ مِنْ جِيفَةٍ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا مَرَّ بِطِيبٍ.

(وَ) جَازَ (تَقْلِيمُ ظُفْرٍ انْكَسَرَ) نَحْوَهُ فِيهَا أَبُو إِسْحَاقَ وَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِتَأَذِّيه مِنْ كَسْرِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ قَلْمُهُ، وَإِنْ قَلَّمَهُ جَرَى فِيهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَفِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ إلَخْ، وَبِالِاقْتِصَارِ فِي تَقْلِيمِهِ عَلَى قَلْمِ مَا يَزُولُ بِقَلْمِهِ الضَّرَرُ كَقَطْعِ الْمُنْكَسِرِ وَمُسَاوَاتِهِ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى هَذَا ضَمِنَ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ انْكَسَرَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْكَسِرْ فَإِنْ كَانَ قَلَّمَهُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَفِيهِ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَحَفْنَةٌ كَمَا يَأْتِي هَذَا فِي الْوَاحِدِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا (وَ) جَازَ (ارْتِدَاءٌ) وَائْتِزَارٌ (بِقَمِيصٍ) لِعَدَمِ إحَاطَتِهِ (وَفِي كُرْهِ) ارْتِدَاءِ (السَّرَاوِيلِ) لِقُبْحِ هَيْئَتِهِ وَجَوَازِهِ (رِوَايَتَانِ) وَمُقْتَضَى تَعْلِيلِ الْكُرْهِ الْمُتَقَدِّمِ

ص: 305

وَتَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ وَخِبَاءٍ

ــ

[منح الجليل]

جَرَيَانُهُمَا فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ لُبْسُهُ لِمُحْرِمٍ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا. وَبَحَثَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ كَلَامَهُ فِي مَنَاسِكِهِ وَنَحْوِهِ لِلْبَاجِيِّ يُفِيدُ أَنَّ الْجَوَازَ قَوْلٌ لِغَيْرِ الْإِمَامِ لَا رِوَايَةٌ عَنْهُ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ مِئْزَرًا فَلَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَلَوْ افْتَدَى، وَفِيهِ جَاءَ النَّهْيُ وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَلْبَسُهُ وَيَفْتَدِي نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.

وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " رضي الله عنهما قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَخْطُبُ وَيَقُولُ السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ، وَالْخُفَّانِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ» . وَقَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " فِي الْمُوَطَّإِ فِي السَّرَاوِيلِ لَمْ يَبْلُغْنِي هَذَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نَصَّ الْإِمَامُ " رضي الله عنه " عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُ إذَا قَالَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ إنَّهَا صَحَّتْ فَيَجِبُ عَلَى مُقَلِّدِي الْإِمَامِ " رضي الله عنه " الْعَمَلُ بِهَا كَهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَذِنَ الْإِمَامُ لِأَهْلِ الْعَوَالِي إذَا وَافَقَ الْعِيدُ الْجُمُعَةَ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَابْنَ غَازِيٍّ.

وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلَ الْإِمَامِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " فِي رِوَايَةِ رَبِيبَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى قَالَ سَمِعْت مَالِكًا " رضي الله عنه " يَقُولُ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ، فَانْظُرُوا فِي رَأْيِي فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وَمَا لَمْ يُوَافِقْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِنْ ذَلِكَ فَاتْرُكُوهُ اهـ. ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ مَعْنٌ أَشَدَّ النَّاسِ مُلَازَمَةً لِمَالِكٍ " رضي الله عنه ". وَقَالَ الرَّازِيّ أَوْثَقُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَثْبَتُهُمْ مَعْنٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ وَهْبٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ " رضي الله عنه " قَالَ الْحَمِيدِيُّ حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ تَرَ عَيْنِي مِثْلَهُ وَهُوَ مَعْنٌ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

(وَ) جَازَ (تَظَلُّلٌ بِبِنَاءٍ) كَحَائِطٍ وَسَقْفٍ (وَخِبَاءٍ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودًا أَيْ خَيْمَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَثْبُتُ إلَّا زَمَنَ وُقُوفِ عَرَفَةَ فَيُكْرَهُ التَّظَلُّلُ مِنْ الشَّمْسِ قَالَهُ فِي الشَّامِلِ، وَلَعَلَّهُ لِتَكْثِيرِ الثَّوَابِ كَاسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ بِهِ إلَّا لِتَعِبٍ. الْبُنَانِيُّ مِثْلُهُ فِي الْمَنَاسِكِ وَنَقَلَهُ الْحَطّ عَنْ النَّوَادِرِ وَانْظُرْهُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْمَنْعُ لَا الْكَرَاهَةُ؛ وَنَصُّهُ مِنْ النَّوَادِرِ وَلَا يَسْتَظِلُّ فِي الْبَحْرِ وَلَا يَوْمَ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا فَيَفْتَدِي. الْمَازِرِيُّ

ص: 306

وَمَحَارَةٍ لَا فِيهَا:

ــ

[منح الجليل]

وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الرِّيَاشِيِّ قُلْت لِابْنِ الْمُعَدَّلِ ضَاحِيًا فِي شِدَّةِ حَرٍّ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا فَلَوْ أَخَذْت بِالتَّوْسِعَةِ فَقَالَ:

ضَحَّيْت لَهُ كَيْ أَسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ إذْ

الظِّلُّ أَضْحَى فِي الْقِيَامَةِ قَالِصَا

فَيَا أَسَفَا إنْ كَانَ سَعْيُك بَاطِلًا

وَيَا حَسَرَتَا إنْ كَانَ حَجُّك نَاقِصَا

(وَ) بِ (مَحَارَةٍ) فِي الْقَامُوسِ الْمَحَارَةُ شِبْهُ الْهَوْدَجِ قَالَ وَالْهَوْدَجُ مَرْكَبٌ لِلنِّسَاءِ. عب وَهِيَ الشِّقَّةُ وَمِثْلُهَا الْمُوهِيَةُ تت يَجُوزُ تَظَلُّلُهُ بِالشِّقَّةِ عَلَى الْأَرْضِ وَكَذَا سَائِرَةٌ عب وَكَذَا يَجُوزُ تَحْتَهَا بِأَنْ يَكُونَ دَاخِلَهَا عَلَى الْمَذْهَبِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا الْبَنَوْفَرِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، وَإِنْ قَالَ الْحَطّ إنَّهُ خِلَافُ مَا لِلَّخْمِيِّ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ أَيْضًا يَجُوزُ التَّظَلُّلُ بِالبَلَالِيجِ وَالدُّخُولُ فِيهَا وَهِيَ بُيُوتٌ تُجْعَلُ فِي الْمَرْكَبِ الْكَبِيرِ وَبِشِرَاعِهَا يُوزَنُ كِتَابٌ أَيْ: قَلْعُهَا اهـ.

وَيَجُوزُ دُخُولُ الْمُحْرِمِ فِي الْمِحَفَّةِ قِيَاسًا عَلَى الْبَلَالِيجِ وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْ الْجُوخَ الَّذِي عَلَيْهَا وَعَلَى مَا لِلَّخْمِيِّ إنْ لَمْ يَكْشِفْ الْمَحَارَةَ افْتَدَى. وَظَاهِرُ كَلَامِهَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ جَمِيعِهَا وَفَهِمَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ آخَرُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا فَوْقَهَا دُونَ كَشْفِ جَوَانِبِهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ الِاسْتِظْلَالِ بِجَانِبِ الْمَحَلِّ وَهُوَ جَائِزٌ.

فَقَوْلُهُ (لَا فِيهَا) مَعْنَاهُ عَلَى مَا لِابْنِ فَرْحُونٍ لَا يَجُوزُ التَّظَلُّلُ بِشَيْءٍ زَائِدٍ حَالَ كَوْنِهِ فِيهَا أَيْ: الْمَحَارَةِ وَلَوْ مِنْ مَطَرٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَذَلِكَ كَالسَّاتِرِ غَيْرِ الْمُسَمَّرِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحِمْلِ الْمُغَطَّى. وَأَمَّا مَا سُمِّرَ أَوْ خِيطَ فَيَجُوزُ التَّظَلُّلُ فِيهَا وَهُوَ عَلَيْهَا وَلَا يُطْلَبُ بِنَزْعِهِ إذْ هُوَ أَوْلَى مِنْ الْخَيْمَةِ. وَنَصُّ ابْنِ فَرْحُونٍ إنَّمَا يَضُرُّ مَا غُطِّيَتْ بِهِ، وَأَمَّا مَا عَلَيْهَا مِنْ لَبَدٍ فَلَا يَضُرُّ، وَيَجُوزُ الرُّكُوبُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا كَالْبَيْتِ وَالْخَيْمَةِ انْتَهَى، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ دُخُولِ الْمِحَفَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْجُوخَ عَنْهَا وَبَيْنَ الشِّقَّةِ إنْ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهَا غَيْرَ الْمُسَمَّرِ أَنَّ الشُّقَّةَ تَقِي الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالْمَطَرَ بِمُجَرَّدِ مَا سُمِّرَ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمِحَفَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَقِيهِمَا بِغَيْرِ جَعْلِ الْجُوخِ عَلَيْهَا فَكَأَنَّهُ مُسَمَّرٌ عَلَيْهَا انْتَهَى عب.

ص: 307

كَثَوْبٍ بِعَصَا، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلَافٌ.

وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ أَوْ فَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ، وَإِبْدَالُ ثَوْبِهِ

ــ

[منح الجليل]

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَهِيَ الشِّقَّةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ إحْدَى شِقَّتِي الْمَحْمَلِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَحْمَلُ شُقَّتَانِ عَلَى الْبَعِيرِ يُحْمَلُ فِيهِمَا الْعَدِيلَانِ. قَوْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ نَصُّهُ بَعْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي الِاسْتِظْلَالِ بِشَيْءٍ عَلَى الْمَحْمَلِ وَهُوَ فِيهِ بِأَعْوَادٍ قَوْلَانِ، احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بِأَعْوَادٍ مِمَّا لَوْ كَانَ الْمَحْمَلُ مَقْبِيًّا كَالْمَحَارَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْبِنَاءِ وَالْأَخْبِيَةِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ الْحَطّ عَقِبَهُ وَلَهُ وَجْهٌ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَثَوْبٍ) يُرْفَعُ (بِعَصًا) أَيْ: عَلَيْهَا أَوْ عَلَى أَعْوَادٍ فَلَا يَجُوزُ سَاتِرًا اتِّفَاقًا وَلَا نَازِلًا عِنْدَ مَالِكٍ " رضي الله عنه "؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْخِبَاءِ. الْحَطّ هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا رَبَطَ الثَّوْبَ بِأَوْتَادٍ وَحِبَالٍ حَتَّى صَارَ كَالْخِبَاءِ الثَّابِتِ فَالِاسْتِظْلَالُ بِهِ جَائِزٌ.

(فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ) فِي التَّظَلُّلِ فِي الْمَحَارَةِ أَوْ بِثَوْبٍ بِعَصًا وَنَدْبِهَا (خِلَافٌ) تَعَقَّبَهُ الْبِسَاطِيُّ بِأَنَّهُ لَمْ يُرَ مِنْ شَهْرٍ الْقَوْلَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ. قُلْت ذَكَرَ فِي مَنَاسِكِهِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ وُجُوبُهَا. وَنُقِلَ عَنْ مَنَاسِكِ ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ الْأَصَحَّ اسْتِحْبَابُهَا، فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ هَذَيْنِ الصَّحِيحَيْنِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَا فِي الْوُجُوبِ وَالسُّقُوطِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ.

(وَ) جَازَ لِمُحْرِمٍ (حَمْلٌ) لِخُرْجِهِ أَوْ جِرَابِهِ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ وِقْرِهِ الَّذِي فِيهِ مَتَاعُهُ عَلَى ظَهْرِهِ مَشْدُودًا حَبْلُهُ عَلَى صَدْرِهِ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْمَحْمَلُ (لِحَاجَةٍ) أَيْ احْتِيَاجٍ لِلْحَمْلِ وَلَوْ غَنِيًّا حَيْثُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ، أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدْ أُجْرَةً (أَوْ فَقْرٍ) يَحْمِلُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِهِ حُزْمَةَ حَطَبٍ مَثَلًا يَتَمَعَّشُ بِثَمَنِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ بِأُجْرَةٍ لِعَيْشِهِ (بِلَا تَجْرٍ) وَلَا يَجُوزُ لِحَمْلِهِ لِغَيْرِهِ لِغَيْرِ عَيْشِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا وَلَا غَنِيٌّ لِنَفْسِهِ بُخْلًا بِأُجْرَتِهِ، فَإِنْ حَمَلَ افْتَدَى. أَشْهَبُ مَا لَمْ يَكُنْ تَجْرُهُ لِعَيْشِهِ كَالْعَطَّارِ الْمُصَنِّفِ فِي مَنْسَكِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَقْيِيدٌ وَكَلَامُ ابْنِ بَشِيرٍ يُفِيدُ أَنَّهُ خِلَافٌ.

(وَ) جَازَ (إبْدَالُ) جِنْسِ (ثَوْبِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ مِنْ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَلَوْ تَعَدَّدَ أَوْ نَوَى بِذَلِكَ طَرْحَ الدَّوَابِّ الَّتِي فِيهِ إذْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شُعُوثَةُ لِبَاسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ

ص: 308

أَوْ بَيْعُهُ، بِخِلَافِ غَسْلِهِ، إلَّا لِنَجَسٍ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ

ــ

[منح الجليل]

مَالِكًا " رضي الله عنه " رَأَى نَزْعَ ثَوْبِهِ بِقَمْلِهِ بِمَثَابَةِ مَنْ ارْتَحَلَ مِنْ بَيْتٍ وَأَبْقَاهُ بِبَقِّهِ حَتَّى مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. وَأَمَّا نَقْلُ الدَّوَابِّ إلَى الثَّوْبِ الَّذِي يُرِيدُ طَرْحَهُ مِنْ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ فَهُوَ كَطَرْحِهَا (أَوْ بَيْعُهُ) أَيْ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ وَلَوْ لِإِذَايَةِ قَمْلِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.

وَقَالَ سَحْنُونٌ إنَّهُ كَطَرْدِ الصَّيْدِ مِنْ الْمُحْرِمِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ طَرْدَ الصَّيْدِ إخْرَاجٌ لِغَيْرِ مَأْمَنٍ، وَالْقَمْلُ يَجُوزُ قَتْلُهُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ. مَالِكٌ " رضي الله عنه " لَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُلَ الْقَمْلَةَ مِنْ مَكَان مِنْ بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْهُ وَإِنْ سَقَطَتْ مِنْ رَأْسِهِ قَمْلَةٌ فَلْيَدَعْهَا وَلَا يَرُدَّهَا فِي مَكَانِهَا. وَسُئِلَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَنْ الْمُحْرِمِ يَجِدُ عَلَيْهِ الْبَقَّةَ وَمَا أَشْبَهَهَا فَيَأْخُذُهَا فَتَمُوتُ قَالَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي هَذَا.

(بِخِلَافِ غَسْلِهِ) أَيْ: ثَوْبِ الْمُحْرِمِ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ بَلْ لِتَرَفُّهٍ أَوْ وَسَخٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَيُكْرَهُ عَلَى ظَاهِرِهَا حَيْثُ شَكَّ فِي قَمْلِهِ، قَالَ قَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ قَمْلُهُ مُنِعَ غَسْلَهُ لِمَا ذُكِرَ فَإِنْ غَسَلَهُ وَقَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ مَا فِيهِ (إلَّا) غَسْلَهُ (لِنَجَسٍ) أَصَابَهُ (فَ) يَجُوزُ (بِالْمَاءِ فَقَطْ) لَا بِنَحْوِ صَابُونٍ. وَلَوْ شَكَّ فِي قَمْلِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ. وَفِي الطِّرَازِ يُنْدَبُ إطْعَامُهُ وَلَا يَجُوزُ بِنَحْوِ صَابُونٍ فَإِنْ غَسَلَهُ بِهِ وَقَتَلَ شَيْئًا أَخْرَجَ وَاجِبَهُ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُ قَمْلِهِ جَازَ مُطْلَقًا وَلَوْ بِنَحْوِ صَابُونٍ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ. الْبُنَانِيُّ صَرَّحَتْ الْمُدَوَّنَةُ بِكَرَاهَةِ غَسْلِهِ لِغَيْرِ نَجَاسَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ: إنَّهَا عَلَى بَابِهَا وَتَعَقَّبَا بِذَلِكَ ظَاهِرَ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّذِي هُوَ كَظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ. الْحَطّ ظَاهِرُ الطِّرَازِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَلَيْهِ فَيَسْقُطُ تَعَقُّبُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) جَازَ ب (بَطُّ جُرْحِهِ) أَيْ: فَتْحُهُ وَإِخْرَاجُ مَا فِيهِ بِعَصْرٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا وَضْعُ لَزْقَةٍ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ الدُّمَّلُ وَنَحْوُهُ لِحَاجَتِهِ لَهُ (وَ) جَازَ (حَكُّ مَا خَفِيَ) عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهِ كَرَأْسِهِ

ص: 309

بِرِفْقٍ، وَفَصْدٌ إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإِضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وَإِلَّا فَفِدْيَةٌ: كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ،

ــ

[منح الجليل]

وَظَهْرِهِ (بِرِفْقٍ) يَأْمَنُ مَعَهُ قَتْلَ الدَّوَابِّ وَطَرْحَهَا وَكُرِهَ بِشِدَّةٍ وَأَمَّا مَا يَرَاهُ فَلَهُ حَكُّهُ وَإِنْ أَدْمَاهُ (وَ) جَازَ (فَصْدٌ) لِحَاجَةٍ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا كُرِهَ (إنْ لَمْ يَعْصِبْهُ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ فَإِنْ عَصَبَهُ وَلَوْ لِضَرُورَةٍ افْتَدَى.

(وَ) جَازَ (شَدُّ مِنْطَقَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ ابْنُ فَرْحُونٍ أَيْ: هِمْيَانٍ مِثْلِ الْكِيسِ تُجْعَلُ الدَّرَاهِمُ فِيهِ وَشَدُّهَا جَعْلُ سُيُورِهَا فِي ثُقْبِهَا أَوْ فِيمَا يُقَالُ لَهُ إبْزِيمٌ، رَوَى الْبَاجِيَّ مُسَاوَاةَ كَوْنِهَا مِنْ جِلْدٍ أَوْ خُرْقٍ فَإِنْ عَقَدَهَا افْتَدَى وَشَرْطُ جَوَازِ شَدِّهَا كَوْنُهُ (لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ تَحْتَ إزَارِهِ، وَالْهِمْيَانُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ. ابْنُ حَجَرٍ يُشْبِهُ تِكَّةَ السَّرَاوِيلِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا بَأْسَ بِرَبْطِ مِنْطَقَتِهِ تَحْتَ إزَارِهِ وَجَعْلِ سُيُورِهَا فِي ثُقْبِهَا. (وَ) جَازَ (إضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ) لِنَفَقَتِهِ الَّتِي فِي مِنْطَقَتِهِ الَّتِي شَدَّهَا عَلَى جِلْدِهِ، بِأَنْ يُودِعَهُ رَجُلٌ نَفَقَتَهُ بَعْدَ شَدِّهَا لِنَفَقَةِ نَفْسِهِ فَيَجْعَلُهَا مَعَهَا بِلَا مُوَاطَأَةٍ عَلَى الْإِضَافَةِ قَبْلَ شَدِّهَا وَرُبَّمَا يَدُلُّ لَهُ كَلَامُهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمُوَاطَأَةَ عَلَى الْمَمْنُوعِ مَمْنُوعَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَشُدَّهَا لِنَفَقَتِهِ بِأَنْ شَدَّهَا فَارِغَةً أَوْ لِمَالِ تِجَارَةٍ أَوْ لَهُ وَلِنَفَقَتِهِ أَوْ فَوْقَ إزَارِهِ أَوْ لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ أَوْ تَجْرِ غَيْرِهِ، أَوْ لِنَفَقَتِهِ وَإِضَافَةُ تَجْرِ غَيْرِهِ أَوْ شَدُّهَا لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ غَيْرِهِ مَعًا ابْتِدَاءً، أَوْ شَدُّهَا مُجَرَّدَةً عَنْ قَصْدِهِ (فَفِدْيَةٌ) فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ أُمُورًا جَائِزَةً فَقَالَ (كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ) لَعَلَّهُ بِخِرْقَةٍ وَلَوْ صَغِيرَةً؛ لِأَنَّ الْعَصْبَ مَظِنَّةُ الْكِبَرِ.

وَفَصَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْعَصْبِ بَيْنَ الْخِرَقِ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ كَمَا فِي اللَّصْقِ. وَفَرَّقَ التُّونُسِيُّ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعَصْبَ وَالرَّبْطَ أَشَدُّ مِنْ اللَّصْقِ إذْ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ عَلَى الْجِسْمِ الصَّحِيحِ بِخِلَافِ اللَّصْقِ، وَلِذَا صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّ صَغِيرَ خِرَقِ الْعَصْبِ وَالرَّبْطِ كَكَبِيرِهَا.

ص: 310

أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ: كَدِرْهَمٍ أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ، أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أَوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ؛ أَوْ رَدِّهَا لَهُ.

وَلِمَرْأَةٍ خَزٌّ وَحُلِيٌّ وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ،

ــ

[منح الجليل]

أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ) عَلَى جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ (كَدِرْهَمٍ) بِغَلْيٍ بِمَوْضِعٍ أَوْ مَوَاضِعَ لَوْ جُمِعَتْ كَانَتْ قَدْرَهُ. وَظَاهِرُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ الْحَاجِبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي جَمْعِهِ مِنْ مَوَاضِعَ وَلَا فِدْيَةَ فِي لَصْقِ خِرْقَةٍ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ. ابْنُ عَاشِرٍ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَاصٌّ بِجِرَاحِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ يَجِبُ كَشْفُهُمَا كَمَا عَلَّلَ بِهِ التُّونُسِيُّ (أَوْ لَفِّهَا) أَيْ: الْخِرْقَةِ (عَلَى ذَكَرٍ) لِمَنْعِ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ أَوْ وَدْيٍ أَوْ بَوْلٍ مِنْ وُصُولِهِ لِثَوْبٍ، بِخِلَافِ جَعْلِ ذَكَرِهِ فِيهَا عِنْدَ نَوْمِهِ بِلَا لَفٍّ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي كِيسٍ فَالْفِدْيَةُ بِالْأَوْلَى.

(أَوْ) جَعْلِ (قُطْنَةٍ) وَلَوْ بِلَا طِيبٍ أَوْ صَغِيرَةً (بِأُذُنَيْهِ) أَوْ إحْدَاهُمَا، وَعُورِضَ هَذَا بِعَدَمِ الْفِدْيَةِ بِلَصْقِ خِرْقَةٍ دُونَ دِرْهَمٍ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لِعِظَمِ النَّفْعِ بِهِ أُعْطِيَ حُكْمَ الْكَبِيرِ (أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ) أَوْ بِوَاحِدٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ ذِكْرِهِ كَوْنُ حُكْمِهِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْكِبَرِ لِعِظَمِ نَفْعِهِ (أَوْ تَرْكِ ذِي) أَيْ: صَاحِبِ (نَفَقَةٍ) مُضَافَةٍ لِنَفَقَتِهِ فِي مِنْطَقَتِهِ الْمَشْدُودَةِ عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى (ذَهَبَ) بَعْدَ فَرَاغِ نَفَقَتِهِ وَلَمْ يَرُدَّهَا لَهُ عَالِمًا بِإِرَادَتِهِ الذَّهَابَ وَأَبْقَى الْمِنْطَقَةَ مَشْدُودَةً عَلَى جِلْدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَهَابِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ هُنَا أَنَّ عَدَمَ إضَافَتِهَا لِنَفَقَتِهِ مَالًا كَعَدَمِ إضَافَتِهَا لَهَا ابْتِدَاءً (أَوْ) تَرْكِ (رَدِّهَا) أَيْ: نَفَقَةِ الْغَيْرِ (لَهُ) وَإِبْقَائِهَا عَلَى جِلْدِهِ بَعْدَ فَرَاغِ نَفَقَتِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.

(وَ) جَازَ (لِلْمَرْأَةِ خَزٌّ) أَيْ لُبْسُهُ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَكَذَا حَرِيرٌ فَحُكْمُهَا فِي اللِّبَاسِ حُكْمُهَا حَلَالًا إلَّا فِي وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عَلَى مَا سَبَقَ (وَحُلِيٌّ) يَشْمَلُ الْخَوَاتِمَ فَلَهَا لُبْسُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَإِنْ سَتَرَتْ بَعْضَ أَصَابِعِهَا نَقَلَهُ الْحَطّ ضِدُّ قَوْلِهِ كَخَاتَمٍ خِلَافًا لِابْنِ عَاشِرٍ.

(وَكُرِهَ) وَبِضَمٍّ فَكَسْرٍ (شَدُّ نَفَقَتِهِ) الَّتِي فِي مِنْطَقَتِهِ (بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ) أَوْ سَاقِهِ

ص: 311

وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ، وَشَمٌّ كَرَيْحَانٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَ) كُرِهَ (كَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّرَفُّهِ وَصَوَابُهُ إبْدَالُ رَأْسٍ بِوَجْهٍ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ اسْمَ الرَّأْسِ يُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ بِتَمَامِهِ فَهِيَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْجُزْءِ الَّذِي هُوَ الْوَجْهُ بِاسْمِ كُلِّهِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْكُرْهُ بِالْمُحْرِمِ لِقَوْلِ الْجُزُولِيِّ النَّوْمُ عَلَى الْوَجْهِ نَوْمُ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ النَّارِ وَالشَّيْطَانِ، وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ خَدِّ الْمُحْرِمِ عَلَيْهَا وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ شَاسٍ بِتَوَسُّدِهِ جَائِزٌ.

(وَ) كُرِهَ (مَصْبُوغٌ) بِعُصْفُرٍ وَنَحْوَهُ مِمَّا لَا طِيبَ فِيهِ، وَيُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ كَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ (لِ) مُحْرِمٍ (مُقْتَدًى بِهِ) مِنْ إمَامٍ وَعَالِمٍ وَحَاكِمٍ غَيْرِ مُقَدَّمٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، فَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا وَهُوَ الَّذِي صُبِغَ بِالْعُصْفُرِ مِرَارًا حَتَّى صَارَ ثَخِينًا قَوِيًّا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ فَيَحْرُمُ لُبْسُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَالْمُطَيَّبِ. وَكُرِهَ الْمَصْبُوغُ بِقَيْدِهِ لِلْمُقْتَدَى بِهِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْجَاهِلُ بِفِعْلِهِ إلَى لُبْسِ الْمُطَيَّبِ تَأَسِّيًا بِالْمُقْتَدَى بِهِ لِظَنِّهِ أَنَّ مَلْبُوسَهُ مُطَيَّبٌ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا يُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الْمَصْبُوغِ بِالطِّيبِ لِإِخْرَاجِ مَا لَا يُشْبِهُ لَوْنُهُ لَوْنَ الطِّيبِ كَالْأَسْوَدِ وَالْأَخْضَرِ فَيَجُوزُ لُبْسُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ مُقْتَدًى بِهِ، خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ التِّلِمْسَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ مِنْ كَرَاهَةِ مَا سِوَى الْأَبْيَضِ لِمُقْتَدًى بِهِ.

وَتَقْيِيدُنَا الْكَرَاهَةَ بِالْإِحْرَامِ لِإِخْرَاجِ غَيْرِ الْمُحْرِمِ فَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الْمُزَعْفَرِ وَالْمُورِسِ وَالْمُعَصْفَرِ غَيْرِ الْمُقَدَّمِ. وَأَمَّا الْمُقَدَّمُ فَصَرَّحَ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " بِكَرَاهَتِهِ لِلرِّجَالِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَخَبَرُ نَهْيٍ عَنْ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ حَمَلَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ " رضي الله عنه " عَلَى تَلْطِيخِ الْجَسَدِ بِزَعْفَرَانٍ. اللَّخْمِيُّ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا وَالْعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ.

(وَ) كُرِهَ (شَمٌّ كَرَيْحَانٍ) مِنْ كُلِّ طِيبٍ مُذَكَّرٍ وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ كَيَاسَمِينٍ وَوَرْدٍ، وَكَذَا شَمُّ مُؤَنَّثِهِ بِلَا مَسٍّ بِالْأَوْلَى وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ وَيَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ تَعَلَّقَا شَدِيدًا كَالزَّبَدِ وَالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ.

ص: 312

وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ، وَاسْتِصْحَابُهُ

ــ

[منح الجليل]

(وَ) كُرِهَ (مُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ) مُؤَنَّثٌ (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (اسْتِصْحَابُهُ) أَيْ: الطِّيبُ الْمُؤَنَّثُ وَسَيَذْكُرُ حُرْمَةَ مَسِّهِ بِقَوْلِهِ وَتَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ، وَلَا يُكْرَهُ مُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ مُذَكَّرٌ بِحَيْثُ لَا يَشُمُّهُ وَلَا يُكْرَهُ اسْتِصْحَابُهُ وَلَا مَسُّهُ بِغَيْرِ شَمٍّ، وَهَذِهِ مَفْهُومُهُ مِنْ قَوْلِهِ شَمٌّ، فَأَقْسَامُ الْمُؤَنَّثِ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ مَكْرُوهَةٌ وَهِيَ شَمُّهُ بِلَا مَسٍّ وَاسْتِصْحَابُهُ وَالْمُكْثُ بِمَكَانِهِ وَوَاحِدٌ مُحَرَّمٌ وَهُوَ مَسُّهُ.

وَأَقْسَامُ الْمُذَكَّرِ أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ جَائِزَةٌ وَهِيَ الْمُكْثُ بِمَكَانِهِ وَاسْتِصْحَابُهُ وَمَسُّهُ بِلَا شَمٍّ، وَوَاحِدٌ مَكْرُوهٌ وَهُوَ شَمُّهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ الْبَيْتُ الشَّرِيفُ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ قُرْبَةٌ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطِّيبِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ قَالَهُ تت هُنَا. وَذَكَرَ فِي كِفَايَةِ الطَّالِبِ عِنْدَ قَوْلِ الرِّسَالَةِ وَتَجْتَنِبُ أَيْ: الْمُعْتَدَّةُ الطِّيبَ كُلَّهُ مُذَكَّرَهُ وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَتْ رَائِحَتُهُ كَالْوَرْدِ، وَمُؤَنَّثَهُ وَهُوَ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَته كَالْمِسْكِ انْتَهَى، وَهُوَ أَقْرَبُ مِمَّا لتت. وَقَوْلُهُ فِي الْمُذَكَّرِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ أَيْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْوَرْدَ لَهُ رَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ. قَوْلُهُ فِي الْمُؤَنَّثِ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ أَيْ: الْغَالِبُ خَفَاءُ لَوْنِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ كَالزَّعْفَرَانِ. وَقَوْلُهُ وَظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ أَيْ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ظُهُورُهَا كَالْمِسْكِ أَفَادَهُ عبق.

الْبُنَانِيُّ كَوْنُ شَمِّ الْمُؤَنَّثِ مَكْرُوهًا كَشَمِّ الْمُذَكَّرِ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، لَكِنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى كَرَاهَةِ شَمِّ الْمُذَكَّرِ بِمَا يَقْتَضِي حُرْمَةَ شَمِّ الْمُؤَنَّثِ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِلْمَذْهَبِ. الْقَلْشَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِي شَمِّ الْمُؤَنَّثِ كَالْمِسْكِ دُونَ مَسٍّ هَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، وَعَنْ الْبَاجِيَّ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَابْنُ الْقَصَّارِ قَالَ بِالثَّانِي وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ شَمِّهِ أَيْ الْمُؤَنَّثِ دُونَ مَسِّهِ مَمْنُوعًا أَوْ مَكْرُوهًا نَقْلًا الْبَاجِيَّ عَنْ الْمُذَهَّبِ وَابْنِ الْقَصَّارِ. قُلْت هَذَا نَصُّهَا قَوْلُهُ وَلَا مَسُّهُ بِغَيْرِ شَمٍّ إلَخْ يَعْنِي لَا كَرَاهَةَ فِي مَسِّ الْمُذَكَّرِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَشَمِّهِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِهِ كَمَا فِي الْحَطّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، بَلْ يُقَيَّدُ بِغَيْرِ الْحِنَّاءِ لِمَا يَأْتِي فِيهَا. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ الْمُذَكَّرُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مَكْرُوهٌ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ كَرَيْحَانٍ، وَقِسْمٌ مُحَرَّمٌ وَفِيهِ فِدْيَةٌ وَهُوَ الْحِنَّاءُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

ص: 313

وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وَغَمْسُ رَأْسٍ

ــ

[منح الجليل]

قَوْلُهُ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ قَالَهُ تت، هَذَا هُوَ الَّذِي فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ كِفَايَةِ الطَّالِبِ هُوَ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ ذُكُورَةُ الطِّيبِ مَا لَيْسَ لَهُ رَدْغٌ أَيْ: مَا لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ، وَقَالَ فِيهِ الرَّدْغُ أَثَرُ الطِّيبِ فِي الْجَسَدِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُؤَنَّثَ مَا لَهُ رَدْغٌ أَيْ: أَثَرٌ إلَّا أَنَّ جَعْلَهُمْ الْحِنَّاءَ مِنْ الْمُذَكَّرِ مَعَ أَنَّ لَهَا رَدْغًا فِي الْجَسَدِ يُخَالِفُ اللُّغَةَ.

هَذَا وَفِي الْحَدِيثِ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «أَنَّ خَيْرَ طِيبِ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَخَيْرَ طِيبِ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ» ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.

وَفَسَّرَ ابْنُ حَجَرٍ طِيبَ الرِّجَالِ بِالْمِسْكِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ ابْنُ وَحْشِيٍّ فِي شَرْحِ الشِّهَابِ طِيبُ الرِّجَالِ كَالْمِسْكِ يَشْتَرِكُ فِي مَنْفَعَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ عِنْدَ الْخُرُوجِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَطِيبُ النِّسَاءِ هُوَ الَّذِي تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ مِثْلُ الْكُحْلِ لِلْعَيْنِ وَحُمْرَةِ الْعُصْفُرِ لِلْوَجْهِ وَالسَّوَادِ لِلْحَاجِبَيْنِ، وَهُوَ أَمْرٌ تَنْفَرِدُ بِهِ النِّسَاءُ اهـ. وَفِيهِ إضَافَةُ الْمُؤَنَّثِ لِلرِّجَالِ وَالْمُذَكَّرِ لِلنِّسَاءِ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّ مَا لِلْفُقَهَاءِ اصْطِلَاحٌ خَاصٌّ بِبَابِ الْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) كُرِهَ (حِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ) خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُهَا فَلَا تُكْرَهُ بِلَا عُذْرٍ وَتَقَيُّدُ الْكَرَاهَةِ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يَزُلْ بِسَبَبِهَا شَعْرٌ وَإِلَّا حُرِّمَتْ بِلَا عُذْرٍ وَافْتَدَى كَانَتْ لِعُذْرٍ أَمْ لَا انْتَهَى عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي فِي الْحَطّ أَنَّ الْحِجَامَةَ بِلَا عُذْرٍ تُكْرَهُ مُطْلَقًا خَشِيَ قَتْلَ الدَّوَابِّ أَمْ لَا زَالَ بِسَبَبِهَا شَعْرٌ أَمْ لَا. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا لِعُذْرٍ فَتَجُوزُ مُطْلَقًا هَذَا هُوَ الْحُكْمُ ابْتِدَاءً. وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَتَجِبُ إنْ أَزَالَ شَعْرًا أَوْ قَتَلَ قَمْلًا كَثِيرًا وَالْقَلِيلُ فِيهِ الْإِطْعَامُ، وَسَوَاءٌ احْتَجَمَ لِعُذْرٍ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ لُزُومَ الْفِدْيَةِ إذَا احْتَجَمَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَزَالَ الشَّعْرُ، فَالْكَرَاهَةُ حِينَئِذٍ مُشْكِلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَ) كُرِهَ (غَمْسُ رَأْسٍ) فِي الْمَاءِ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ إسْقَاطَهُ لِكَلَامِهَا وَمِثْلُهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ

ص: 314

أَوْ تَجْفِيفُهُ، بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ، وَلُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دُهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلَعًا وَإِبَانَةُ ظُفْرٍ أَوْ شَعْرٍ أَوْ

ــ

[منح الجليل]

وَانْظُرْ هَلْ الْإِطْعَامُ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ مَكْرُوهٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الْإِطْعَامَ فِي الْحِجَامَةِ وَلَا فِي تَجْفِيفِ الرَّأْسِ بِشِدَّةٍ، مَعَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِمَا خِيفَةُ قَتْلِ الدَّوَابِّ، وَقَيَّدَ اللَّخْمِيُّ الْكَرَاهَةَ بِمَا إذَا كَانَتْ لَهُ وَفْرَةٌ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ وَغَمْسُ بِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ عَلَيْهِ لَا يُكْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ انْتَهَى.

عب قَوْلُهَا فَإِنْ فَعَلَ أَطْعَمَ إلَخْ اسْتَدَلَّ بِهِ طفي عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ، قَالَ إذْ لَا إطْعَامَ فِي كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَوْلَ صَاحِبِ الطِّرَازِ بِالِاسْتِحْبَابِ خِلَافُهَا انْتَهَى الْبُنَانِيُّ. قُلْت لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ الْإِطْعَامَ فِيهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَبَعًا لِلطِّرَازِ وَحِينَئِذٍ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى التَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ وَانْظُرْ هَلْ الْإِطْعَامُ إلَخْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ سَنَدًا حَمَلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (أَوْ تَجْفِيفُهُ) أَيْ: الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ بَعْدَ غَمْسِهِ فِي الْمَاءِ (بِشِدَّةٍ) خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، قَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " وَلَكِنْ يُحَرِّكُهُ بِيَدِهِ.

(وَ) كُرِهَ (نَظَرٌ بِمِرْآةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَمْدُودًا أَيْ: الْآلَةُ الَّتِي يُرَى بِهَا الْوَجْهُ خِيفَةَ أَنْ يَرَى شَعَثًا فَيُزِيلُهُ (وَ) كُرِهَ (لُبْسُ امْرَأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهَا مُحْرِمَةً أَوْ حُرَّةً مَظِنَّةَ أَنْ يَصِفَ عَوْرَتَهَا.

(وَ) حَرُمَ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ (دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَ) شَعْرِ (الرَّأْسِ) أَيْ تَسْرِيحُهُمَا بِالدُّهْنِ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّينَةِ إنْ كَانَ الرَّأْسُ تَامَّ الشَّعْرِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الرَّأْسُ (صَلَعًا) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ أَيْ ذَا صَلَعٍ أَيْ: خُلُوُّ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ أَوْ بِسُكُونِ اللَّامِ مَمْدُودًا، وَصَحَّ الْإِخْبَارُ بِهِ وَهُوَ مُؤَنَّثٌ عَنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ بِتَأْوِيلِهِ بِالْهَامَةِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ.

(وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (إبَانَةُ) أَيْ إزَالَةُ (ظُفْرٍ) لِغَيْرِ عُذْرٍ فَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ آنِفًا انْكَسَرَ (أَوْ) إزَالَةُ (شَعْرٍ) وَلَوْ قَلَّ بِنَتْفٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ نَوْرَةٍ أَوْ قَرْضٍ بِأَسْنَانٍ (أَوْ)

ص: 315

وَسَخٍ إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ بِمُزِيلِهِ، وَتَسَاقُطُ شَعْرٍ لِوُضُوءٍ أَوْ رُكُوبٍ، وَدَهْنُ الْجَسَدِ كَكَفٍّ وَرِجْلٍ بِمُطَيِّبٍ أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَلَهَا قَوْلَانِ، اُخْتُصِرَتْ عَلَيْهِمَا،

ــ

[منح الجليل]

إزَالَةُ (وَسَخٍ) إلَّا مَا تَحْتَ الظُّفْرِ وَلَا فِدْيَةَ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - (إلَّا غَسْلَ يَدَيْهِ) مِنْ وَسَخٍ (بِمُزِيلِهِ) أَيْ: الْوَسَخِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا مِنْ صَابُونِ غَيْرِهِ مُطَيَّبٍ أَوْ طَفْلٍ أَوْ خِطْمِيٍّ أَيْ: بِزْرِ خُبَّيْزَى أَوْ حُرُضِيٍّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ أَوْ سُكُونِهَا وَإِعْجَامِ الضَّادِ أَيْ: إشْنَانٌ بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِهِ لُغَةً، وَقَالَ سَنَدٌ الْحُرُضُ هُوَ الْغَاسُولُ.

(وَ) إلَّا (تَسَاقَطَ شَعْرٌ) وَلَوْ كَثُرَ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ (لِوُضُوءٍ) أَوْ غُسْلٍ وَاجِبَيْنِ أَوْ مَنْدُوبَيْنِ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ وَلَا شَيْءَ فِيمَا قَتَلَهُ فِي وَاجِبٍ، وَكَذَا فِي مَسْنُونٍ أَوْ مَنْدُوبٍ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَوْ كَثُرَ، وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ لِتَبَرُّدٍ وَلَوْ تَسَاقَطَ فِيهِ شَعْرٌ، فَإِنْ قَتَلَ فِيهِ كَثِيرًا افْتَدَى وَإِنْ قَلَّ فَفِيهِ قَبْصَةٌ بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَنَامِلِ مِنْ طَعَامٍ (أَوْ) تَسَاقَطَ شَعْرٌ مِنْ سَاقِهِ ل (رُكُوبٍ) فَحَلَفَهُ الْإِكَافُ أَوْ السَّرْجُ.

(وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (دَهْنُ الْجَسَدِ) أَيْ: مَا عَدَا بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُشَبِّهًا فِي الْمَنْعِ (كَ) دَهْنِ بَطْنِ (كَفٍّ وَرِجْلٍ) وَظَاهِرُهُمَا دَخَلَ فِي الْجَسَدِ، وَنَصَّ عَلَيْهِمَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّرْخِيصِ فِي دَهْنِهِمَا (بِطِيبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَسَدِ وَمَا بَعْدَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ وَافْتَدَى فِي دَهْنِهِمَا (بِمُطَيِّبٍ) رَاجِعٌ لِلْجَسَدِ وَمَا بَعْدَهُ، وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: وَافْتَدَى فِي دَهْنِهِمَا بِمُطَيِّبٍ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْعُذْرِ (أَوْ) بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (لِغَيْرِ عِلَّةٍ) بَلْ لِلتَّزَيُّنِ فِي الْجَسَدِ وَبَطْنِ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ (وَ) فِي دَهْنِ الْجَسَدِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ (لَهَا) أَيْ: الْعِلَّةِ وَالضَّرُورَةِ مِنْ شُقُوقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ قُوَّةِ عَمَلٍ (قَوْلَانِ) بِالْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا لَمْ يَطَّلِعْ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا (اُخْتُصِرَتْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْمُدَوَّنَةُ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْقَوْلَيْنِ.

قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: وَإِنْ دَهَنَ قَدَمَيْهِ وَعَقِبَيْهِ مِنْ شُقُوقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ دَهَنَهُمَا لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْ دَهَنَ ذِرَاعَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ لِيُحَسِّنَهُمَا لَا لِعِلَّةٍ افْتَدَى فَأَفَادَ بِقَوْلِهِ لَا لِعِلَّةٍ إنْ دَهَنَ الذِّرَاعَيْنِ

ص: 316

وَتَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ، أَوْ لِضَرُورَةٍ كُحْلٍ وَلَوْ فِي طَعَامٍ

ــ

[منح الجليل]

وَالسَّاقَيْنِ لِعِلَّةٍ لَا فِدْيَةَ فِيهِ، وَاخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَلَى الْوُجُوبِ مُطْلَقًا فِي الذِّرَاعَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ فَقَالَ لِيُحَسِّنَهُمَا أَوْ مِنْ عِلَّةٍ افْتَدَى، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ الذِّرَاعَانِ وَالسَّاقَانِ وَكَأَنَّهُمْ فَهِمُوا أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْجَسَدِ سِوَى بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ، وَأَمَّا دَهْنُ بَطْنِ الْكَفِّ وَالرِّجْلِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِعِلَّةٍ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ اتِّفَاقًا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الدَّهْنَ بِمُطَيِّبٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَانَ لِعِلَّةٍ أَمْ لَا بِالْجَسَدِ أَوْ بَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَأَنَّ الدَّهْنَ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فِيهِ الْفِدْيَةُ فِي الْجَسَدِ أَوْ بَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، وَلِعِلَّةٍ لَا شَيْءَ فِيهِ بِبَطْنِ كَفٍّ أَوْ رِجْلٍ، وَفِي الْجَسَدِ فِيهِ قَوْلَانِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أُخْرَى.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَفِي الْمَنَاسِكِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَيْنَ اخْتِصَارِ الْبَرَادِعِيِّ وَابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي دَهْنِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِغَيْرِ مُطَيِّبٍ لِعِلَّةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي دَهْنِ السَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ لَا فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ لَفْظُ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ اُنْظُرْهُ فِي الْحَطّ.

(وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (تَطَيُّبٌ بِكَوْرَسٍ) مِنْ كُلِّ طِيبٍ مُؤَنَّثٍ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَيَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِمَاسِّهِ وَالْوَرْسُ نَبْتٌ كَالسِّمْسِمِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ صَبْغُهُ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ يَبْقَى نَبْتُهُ فِي الْأَرْضِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَدَخَلَ بِالْكَافِ زَعْفَرَانٌ وَمِسْكٌ وَكَافُورٌ وَعَنْبَرٌ وَعُودٌ. وَمَعْنَى تَطَيُّبِهِ بِهِ إلْصَاقُهُ بِالْبَدَنِ عُضْوًا أَوْ بَعْضَهُ أَوْ بِالثَّوْبِ، فَلَوْ عَبَقَ الرِّيحُ دُونَ الْعَيْنِ عَلَى جَالِسٍ بِحَانُوتِ عَطَّارٍ أَوْ بَيْتٍ تَطَيَّبَ أَهْلُهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَيُكْرَهُ تَمَادِيهِ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ.

وَبَالَغَ عَلَى الْحُرْمَةِ بِدُونِ فِدْيَةٍ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ ذَهَبَ رِيحُهُ) وَعَلَى هَذَا قُلْنَا شَيْءٌ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَهُوَ الطِّيبُ الْمُؤَنَّثُ ذَاهِبُ الرِّيحِ وَافْتَدَى إنْ تَطَيَّبَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ (أَوْ) تَطَيَّبَ (لِضَرُورَةِ كُحْلٍ) فَفِيهِ الْفِدْيَةُ بِلَا إثْمٍ، هَذَا مُرَادُهُ بِهَاتَيْنِ الْمُبَالَغَتَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ وَتَطَيَّبَ بِكَوْرَسٍ تَضَمَّنَ حُكْمَيْنِ الْحُرْمَةَ وَوُجُوبَ الْفِدْيَةِ فَالْمُبَالَغَةُ الْأُولَى نَاظِرَةٌ لِلْأَوَّلِ وَالثَّانِيَةُ نَاظِرَةٌ لِلثَّانِي (أَوْ) وُضِعَ (فِي طَعَامٍ) أَوْ شَرَابٍ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ

ص: 317

أَوْ لَمْ يَعْلَقْ؛ إلَّا قَارُورَةً سُدَّتْ، وَمَطْبُوخًا، وَبَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ،

ــ

[منح الجليل]

أَوْ) مَسَّهُ وَ (لَمْ يَعْلَقْ) بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: يَتَعَلَّقُ أَثَرُهُ بِهِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (إلَّا) مَنْ مَسَّ أَوْ حَمَلَ (قَارُورَةً) أَوْ خَرِيطَةً أَوْ خُرْجًا بِهَا طِيبٌ (سُدَّتْ) عَلَيْهِ سَدًّا وَثِيقًا مُحْكَمًا بِحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا رِيحُهُ فَلَا فِدْيَةَ.

ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا فِدْيَةَ فِي حَمْلِ قَارُورَةٍ مُصْمَتَةِ الرَّأْسِ وَنَحْوِهَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَعَلَّ مُرَادَهُ بِنَحْوِ الْقَارُورَةِ فَارَةُ الْمِسْكِ غَيْرُ مَشْقُوقَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ طِيبٌ. الْحَطّ فَالْأَحْسَنُ أَنَّ مُرَادَهُ بِنَحْوِهَا الْخَرِيطَةُ وَالْخُرْجُ وَشَبَهُهُمَا كَمَا فِي الطِّرَازِ.

(وَ) إلَّا طِيبًا (مَطْبُوخًا) فِي طَعَامٍ بِنَارٍ أَمَاتَهُ الطَّبْخُ فَلَا فِدْيَةَ فِي أَكْلِهِ وَلَوْ صَبَغَ الْفَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ فَإِنْ لَمْ يُمِتْهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ قَالَهُ الْحَطّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِمَاتَتِهِ اسْتِهْلَاكُهُ فِي الطَّعَامِ وَذَهَابُ عَيْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ غَيْرُ رِيحِهِ كَمِسْكٍ أَوْ وَلَوْنُهُ كَزَعْفَرَانٍ بَارِزٍ اهـ. الْبُنَانِيُّ، هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْبِسَاطِيِّ وَاعْتَمَدَهُ الْحَطّ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ. ابْنُ بَشِيرٍ الْمَذْهَبُ نَفْيُ الْفِدْيَةِ أَيْ: فِي الْمَطْبُوخِ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمُوَطَّإِ وَالْمُخْتَصَرِ الْجَوَازَ فِي الْمَطْبُوخِ وَإِبْقَاءَ الْأَبْهَرِيِّ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَيَّدَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بِغَلَبَةِ الْمُمَازِحِ وَابْنِ حَبِيبٍ بِغَلَبَتِهِ وَأَنْ لَا يَعْلَقَ بِالْيَدِ وَلَا بِالْفَمِ مِنْهُ شَيْءٌ.

ابْنُ عَرَفَةَ وَمَا مَسَّهُ نَارٌ فِي إبَاحَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ إنْ اسْتَهْلَكَ ثَالِثَهَا وَلَمْ يَبْقَ أَثَرُ صَبْغِهِ بِيَدٍ وَلَا فَمٍ الْأَوَّلُ لِلْبَاجِيِّ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ، وَالثَّانِي لِلْقَاضِي، وَالثَّالِثُ لِلشَّيْخِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ. فَقَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ مُطْلَقًا اسْتَهْلَكَ أَمْ لَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ، وَبِهِ اعْتَرَضَ طفى عَلَى الْحَطّ.

(وَ) إلَّا طِيبًا يَسِيرًا (بَاقِيًا) أَثَرُهُ أَوْ رِيحُهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ (مِمَّا) تَطَيَّبَ بِهِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ اهـ عب. الْبُنَانِيُّ الْمُرَادُ بِالْأَثَرِ اللَّوْنُ مَعَ ذَهَابِ الْجُرْمِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَنَدٍ إذَا قُلْنَا لَا فِدْيَةَ فِي الْبَاقِي مَعَ كَرَاهَتِهِ فَيُؤْمَرُ بِغُسْلِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ بِصَبِّ الْمَاءِ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ بِهِ غَسَلَهُ

ص: 318

وَمُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ خَلُوقِ كَعْبَةٍ، وَخُيِّرَ فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى:

ــ

[منح الجليل]

بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِفِعْلِهِ مَا أُمِرَ بِهِ اهـ. فَأُمِرَ بِغَسْلِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَاقِيَ مِمَّا يُغْسَلُ، لَكِنْ لَمَّا شَمَلَ كَلَامُهُ الْجُرْمَ أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ فَتَجِبُ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ وَهُوَ بَيِّنٌ اهـ. إذْ الَّذِي تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ هُوَ جُرْمُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.

وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ مَالِكٍ " رضي الله عنه " سُقُوطَ الْفِدْيَةِ فِي بَقَاءِ لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ، قَالَ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَجِبُ وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ إلَّا فِي بَقَاءِ الرَّائِحَةِ دُونَ الْأَثَرِ، وَنَصُّ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يَتَطَيَّبُ قَبْلَهُ بِمَا تَبْقَى بَعْدَهُ رَائِحَتُهُ طفي. الْبَاجِيَّ إنْ تَطَيَّبَ لِإِحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَهُ الرَّائِحَةُ، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ أَوْ لَمْسِهِ. وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِرِيحِهِ فَلَا تَجِبُ فِيهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ.

وَلَا يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِمَا يَبْقَى رِيحُهُ بَعْدَهُ. الْبَاجِيَّ إنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِهِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يَكْثُرَ بِحَيْثُ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يُوجِبُهَا. وَقَوْلُ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ مَا يَبْقَى بَعْدَهُ رِيحُهُ كَفِعْلِهِ بَعْدَهُ إنْ أَرَادَ فِي الْمَنْعِ فَقَطْ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ فِي الْفِدْيَةِ فَلَا.

(وَ) إلَّا (مُصِيبًا مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ) شَخْصٍ (غَيْرِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ (أَوْ) مُصِيبًا مِنْ (خَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ طِيبِ (كَعْبَةٍ) فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ كَثُرَ لِطَلَبِ الْقُرْبِ مِنْهَا.

(وَخُيِّرَ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ مُثَقَّلَةً (فِي نَزْعِ يَسِيرِهِ) أَيْ الْخَلُوقِ وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُصِيبُ مِنْ إلْقَاءِ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجِبُ نَزْعُ يَسِيرِهِ فَوْرًا كَكَثِيرِهِ فَإِنْ تَرَاخَى افْتَدَى فَلَا يَدْخُلَانِ تَحْتَ قَوْلِهِ (وَإِلَّا) يَكُنْ الْخَلُوقُ وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ يَسِيرًا (افْتَدَى إنْ تَرَاخَى) فِي نَزْعِ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ فَيَفْتَدِي فِي كَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فِي نَزْعِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي عج وَالْحَطّ، فَيَخُصُّ قَوْلُهُ فِي نَزْعِ

ص: 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

يَسِيرِهِ بِشَيْئَيْنِ وَيَخُصُّ التَّرَاخِي بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فَلَا فِدْيَةَ مَعَ وُجُوبِ نَزْعِهِ فَوْرًا لِلْكَثِيرِ قَالَهُ عبق.

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ أَيْ الْخَلُوقِ وَالْبَاقِي إلَخْ تَبِعَ فِيهِ عج وَأَحْمَدُ وَجَعَلَهُ سَالِمٌ رَاجِعًا لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ بَاقِيًا مِمَّا قَبْلَ إحْرَامِهِ وَمَا بَعْدَهُ وَتَبِعَهُ الْخَرَشِيُّ، وَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْخَلُوقِ كَمَا قَالَ الْحَطّ وتت وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَاشِرٍ وطفى؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَ مِنْ إلْقَاءِ الرِّيحِ أَوْ الْغَيْرِ يَجِبُ نَزْعُهُ فَوْرًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَإِنْ تَرَاخَى افْتَدَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَصَرَّحَ بِهِ الْحَطّ، وَالْبَاقِي مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ لَوْنًا أَوْ رَائِحَةً لَمْ يَتَأَتَّ نَزْعُهُ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ.

وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ وَهُوَ جُرْمُ الطِّيبِ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ مُطْلَقًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ أَوْ لَا كَمَا أُخِذَ مِنْ كَلَامِ الْبَاجِيَّ وَغَيْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا افْتَدَى إنْ تَرَاخَى هَذَا أَيْضًا خَاصٌّ بِالْخَلُوقِ كَمَا فِي الْحَطّ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْبَاقِي مِنْ جُرْمِ الطِّيبِ مِمَّا قَبْلَ الْإِحْرَامِ يَجِبُ نَزْعُهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ أَمْ لَا، نَعَمْ تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إلْقَاءِ الرِّيحِ أَوْ الْغَيْرِ أَنَّهُ إنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ افْتَدَى وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ وَإِلَّا افْتَدَى لَهُمَا كَانَ حَسَنًا لَكِنْ يَأْبَاهُ كَلَامُهُ، وَقَدْ تَكَلَّفَ ابْنُ عَاشِرٍ رُجُوعَهُ لَهُمَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ لُزُومِ الْفِدْيَةِ إنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِ كَثِيرِ الْخَلُوقِ قَدْ تَعَقَّبَهُ عَلَيْهِ طفي بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ لِغَيْرِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَفِي التَّوْضِيحِ قَالَ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا لَصَقَ بِهِ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ إذْ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ.

وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلْيَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ تَرْكُهُ إنْ كَانَ يَسِيرًا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اجْتَمَعَ مِمَّا فِيهَا وَكِتَابُ مُحَمَّدٍ إنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ خَلُوقِ الْكَعْبَةِ، وَزَادَ مُحَمَّدٌ غَسَلَ الْكَثِيرَ وَصَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّ الْغَسْلَ عَلَى وَجْهِ الْأَحْبِيَةِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا وَلَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْفِدْيَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ فَقَطْ، وَلَا قَائِلَ بِالْفِدْيَةِ إلَّا مَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ وَهْبٍ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ، ثُمَّ قَالَ وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ فَهِمَ وُجُوبَهَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْهُ.

ص: 320

كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ نَائِمًا.

وَلَا تُخْلَقُ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَيُقَامُ الْعَطَّارُونَ فِيهَا مِنْ الْمَسْعَى، وَافْتَدَى الْمُلْقِي الْحِلُّ إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ بِلَا صَوْمٍ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ كَأَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَرَجَعَ بِالْأَقَلِّ.

ــ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ مَعَ التَّرَاخِي فَقَالَ (كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ (نَائِمًا) فَإِنْ تَرَاخَى فِي نَزْعِهِ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ افْتَدَى، وَإِنْ نَزَعَهُ عَاجِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ فِعْلَ غَيْرِهِ وَنَزَعَهُ عَاجِلًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَلْزَمُ الْمُغَطَّى.

(وَلَا تُخْلَقُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامُ مُثَقَّلَةً أَيْ: لَا تُطَيَّبُ (الْكَعْبَةُ أَيَّامَ الْحَجِّ) أَيْ: يُكْرَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِئَلَّا يُصِيبَ الطَّائِفِينَ (وَيُقَامُ) أَيْ: يُؤْمَرُ بِالْقِيَامِ نَدْبًا (الْعَطَّارُونَ) أَيْ: الَّذِينَ يَبِيعُونَ الطِّيبَ الْمُؤَنَّثَ (فِيهَا) أَيْ: أَيَّامِ الْحَجِّ (مِنْ الْمَسْعَى وَافْتَدَى) أَيْ: أَخْرَجَ الْفِدْيَةَ وُجُوبًا نِيَابَةً عَنْ الْمُحْرِمِ (الْمُلْقِي) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ (الْحِلُّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: غَيْرُ الْمُحْرِمِ طِيبًا مُؤَنَّثًا عَلَى مُحْرِمٍ نَائِمٍ أَوْ ثَوْبًا عَلَى رَأْسِهِ (إنْ لَمْ تَلْزَمْهُ) أَيْ الْفِدْيَةُ الْمُحْرِمَ الْمُلْقَى عَلَيْهِ لِنَزْعِهِ عَقِبَ انْتِبَاهِهِ وَصِلَةُ افْتَدَى (بِلَا صَوْمٍ) ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ لَا تَكُونُ عَنْ الْغَيْرِ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ يَذْبَحُ شَاةً فَأَعْلَى.

(وَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الْمُلْقِي مَا يَفْتَدِي بِهِ (فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ) الْمُلْقَى عَلَيْهِ بِصَوْمٍ أَوْ إطْعَامٍ أَوْ نُسُكٍ؛ لِأَنَّهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَشَبَّهَ فِي الْفِدْيَةِ عَلَى الْفَاعِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فَقَالَ (كَأَنْ حَلَقَ) الْحِلُّ (رَأْسَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمِ النَّائِمِ فَالْفِدْيَةُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَالِقِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَفْتَدِ الْمُحْرِمُ (وَرَجَعَ) الْمُحْرِمُ الْمُفْتَدِي إنْ شَاءَ عَلَى الْفَاعِلِ (بِالْأَقَلِّ) مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ مِثْلِ كَيْلِ الطَّعَامِ إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ عِنْدَهُ أَوْ ثَمَنِهِ إنْ اشْتَرَاهُ.

ص: 321

إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِصَوْمٍ وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْمُلْتَقِي فِدْيَتَانِ عَلَى الْأَرْجَحِ.

وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا بِإِذْنٍ فَعَلَى الْمُحْرِمِ؛ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ، وَإِنْ حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ حِلٍّ أَطْعَمَ، وَهَلْ حَفْنَةٌ أَوْ فِدْيَةٌ

ــ

[منح الجليل]

وَذَكَرَ شَرْطَ الرُّجُوعِ فَقَالَ (إنْ لَمْ يَفْتَدِ) الْمُحْرِمُ (بِصَوْمٍ) بِأَنْ افْتَدَى بِإِطْعَامٍ أَوْ نُسُكٍ بِشَاةٍ فَإِنْ افْتَدَى بِصَوْمٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِشَيْءٍ (وَعَلَى الْمُحْرِمِ) بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ (الْمُلْقِي) طِيبًا عَلَى مُحْرِمٍ نَائِمٍ وَنَزَعَهُ عَقِبَ انْتِبَاهِهِ (فِدْيَتَانِ) فِدْيَةٌ لِمَسِّهِ الطِّيبَ وَفِدْيَةٌ لِتَطْيِيبِهِ النَّائِمَ، فَإِنْ تَرَاخَى النَّائِمُ بَعْدَ انْتِبَاهِهِ فِي نَزْعِهِ فَفِدْيَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمَسَّ الْمُلْقِي الطِّيبَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِإِلْقَائِهِ إنْ بَادَرَ الْمُلْقَى عَلَيْهِ، فَإِنْ تَرَاخَى فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْقِي (عَلَى الْأَرْجَحِ) هَذَا قَوْلُ الْقَابِسِيِّ وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ وَسَنَدٌ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ.

(وَإِنْ حَلَقَ حِلٌّ مُحْرِمًا) أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ أَوْ طَيَّبَهُ (بِإِذْنٍ) مِنْ الْمُحْرِمِ فِي الْحَلْقِ أَوْ التَّقْلِيمِ أَوْ التَّطْيِيبِ وَلَوْ حُكْمًا كَرِضَاهُ بِفِعْلِهِ (فَعَلَى الْمُحْرِمِ) الْفِدْيَةُ وَلَوْ أَعْسَرَ وَلَا تَلْزَمُ الْحِلَّ، وَقَدْ يُقَالُ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ بِإِذْنِهِ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُحْرِمِ إنْ أَيْسَرَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُحْرِمُ بِأَنْ كَانَ نَائِمًا أَوْ مُكْرَهًا (فَ) الْفِدْيَةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْحِلِّ، وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ كَأَنْ حَلَقَ حِلٌّ رَأْسَهُ أَعَادَهُ هُنَا لِلتَّصْرِيحِ بِمَفْهُومٍ بِإِذْنٍ وَدَفَعَهُ الْحَطّ بِأَنَّ مَا هُنَا بَيَانٌ لِمَوْضِعِ لُزُومِهَا لِلْحِلِّ وَمَا مَرَّ بَيَانٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَالِقِ إذَا لَزِمَتْهُ حُكْمُ الْمُلْقِي طِيبًا. ابْنُ عَاشِرٍ هَذِهِ مُحَاوَلَةٌ لَا تَتِمُّ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ التَّشْبِيهِ تَامًّا حَتَّى يُسْتَفَادَ مِنْهُ الْمَعْنَى الْمُفَادُ هُنَا.

(وَإِنْ حَلَقَ) شَخْصٌ (مُحْرِمٌ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (رَأْسَ) شَخْصٍ (حِلٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَشَدِّ اللَّامِ أَيْ: غَيْرِ مُحْرِمٍ (أَطْعَمَ) الْمُحْرِمُ وُجُوبًا لِاحْتِمَالِ قَتْلِهِ دَوَابَّ، فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهَا فَلَا يُطْعِمُ.

(وَهَلْ) إطْعَامُهُ (حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ (أَوْ) إطْعَامُهُ (فِدْيَةٌ) أَيْ: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ إطْعَامُ سِتَّةِ

ص: 322

تَأْوِيلَانِ، فِي الظُّفْرِ الْوَاحِدِ، لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى حَفْنَةٌ:

ــ

[منح الجليل]

مَسَاكِينَ أَوْ نُسُكٌ بِشَاةٍ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) فِي قَوْلِ الْإِمَامِ يَفْتَدِي، وَقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ " رضي الله عنهما "، فَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي بِالْخِلَافِ لِلْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ، وَالْأَوَّلُ بِالْوِفَاقِ لِغَيْرِهِمَا. وَتَرَدَّدَ ابْنُ يُونُسَ فِيهِمَا فَلَوْ قَالَ افْتَدَى وَهَلْ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْ حَفْنَةٌ لَكَانَ أَوْلَى. سَنَدٌ إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمُذَهَّبِ، وَإِنْ قَتَلَ يَسِيرًا أَطْعَمَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ وَكَثِيرًا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ وَلَمْ يُدْرَ مَأْثَمٌ فَقَالَ مَالِكٌ " رضي الله عنه " يَفْتَدِي، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُطْعِمُ اهـ.

وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْلِيلِ الْفِدْيَةِ بِقَتْلِ الْقَمْلِ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَسَنَدٍ وَاللَّخْمِيِّ. وَعَلَّلَهَا الْبَغْدَادِيُّونَ بِالْحَلْقِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ قَمْلًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا أَوْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُهُ. وَعَلَى الْإِطْلَاقِ حَمَلَ سَالِمٌ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْحَلْقِ وَصَوَّبَهُ طفي. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ لِتَعْلِيلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِقَتْلِ الْقَمْلِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ، وَلِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ. وَلِقَوْلِ سَنَدٍ إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلِقَوْلِهِمْ فِي تَقْلِيمِ الْمُحْرِمِ ظُفْرَ حَلَالٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَهُوَ يُرَجِّحُ أَنَّ الْفِدْيَةَ لِلْقَمْلِ لَا لِلْحَلْقِ إذْ لَوْ كَانَتْ لِلْحَلْقِ لَوَجَبَتْ الْفِدْيَةُ هُنَا اهـ. وَهُوَ ظَاهِرٌ.

(وَفِي) قَلْمِ (الظُّفْرِ الْوَاحِدِ لَا لِإِمَاطَةِ الْأَذَى) وَلَا لِانْكِسَارِهِ بِأَنْ قَلَّمَ الْمُحْرِمُ ظُفْرَ نَفْسِهِ عَبَثًا وَتَرَفُّهًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَطّ (حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَعَامٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ وَالْقَبْضَةُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مِلْؤُهَا مَقْبُوضَةً فَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ، وَالْقَبْصَةُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْأَخْذُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهِيَ، دُونَ الْقَبْضَةِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى مَا هُنَا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ، وَمَفْهُومُ الْوَاحِدِ أَنَّ فِي قَصِّ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فِدْيَةً سَوَاءٌ كَانَ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَمْ لَا إنْ أَبَانَهُمَا فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَبَانَ الثَّانِي قَبْلَ الْإِخْرَاجِ لِلْأَوَّلِ وَإِلَّا فَفِي كُلٍّ حَفْنَةٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَلْمِ ظُفْرِ الْحَلَالِ أَوْ الْمُحْرِمِ بِإِذْنِهِ وَالْحَفْنَةُ أَوْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْمَقْلُومِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالذَّخِيرَةِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ أَوْ قَلَّمَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَعَلَى الْقَالِمِ الْمُحْرِمِ أَوْ الْحَلَالِ.

ص: 323

كَشَعْرَةٍ أَوْ شَعَرَاتٍ، أَوْ قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ، وَطَرْحِهَا كَحَلْقِ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ؛ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ نَفْيُ الْقَمْلِ، وَتَقْرِيدِ بَعِيرِهِ، لَا كَطَرْحِ عَلَقَةٍ أَوْ بُرْغُوثٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَشَبَّهَ فِي الْحَفْنَةِ فَقَالَ (كَ) إزَالَةِ (شَعْرَةٍ) وَاحِدَةٍ مِنْ جَسَدِهِ فَفِيهَا حَفْنَةٌ (أَوْ) إزَالَةِ (شَعَرَاتٍ) عَشْرَةٍ لِغَيْرِ إمَاطَةِ أَذًى فَفِيهَا حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَلِإِمَاطَتِهِ فِيهَا فِدْيَةٌ كَإِزَالَةِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى عَشَرَةٍ فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ.

(وَ) قَتْلِ (قَمْلَةٍ) وَاحِدَةٍ فِيهَا حَفْنَةٌ (وَقَمَلَاتٍ) عَشْرَةٍ فِيهَا حَفْنَةٌ وَلَوْ لِإِمَاطَتِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لَمْ نَعْلَمْ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي قَمْلَةٍ أَوْ قَمَلَاتٍ (وَطَرْحِهَا) أَيْ: الْقَمْلَةِ أَوْ الْقَمَلَاتِ بِالْأَرْضِ فِيهِ حَفْنَةٌ كَقَتْلِهَا بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى قَتْلِ الْمُقَدَّرِ قَبْلَ قَمْلَةٍ، أَوْ بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: كَقَتْلِهَا فِي إيجَابِ الْحَفْنَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ قَطْعِ الْعَطْفِ، إنْ أُمِنَ اللُّبْسُ كَمَا قَالَ الرَّضِيُّ لِتَأْدِيَتِهِ لِمَوْتِهَا لِخَلْقِهَا مِنْ جَسَدِ الْآدَمِيِّ.

وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْحَفْنَةِ أَيْضًا فَقَالَ (كَحَلْقِ) شَخْصٍ (مُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (لَ) شَخْصٍ (مِثْلِهِ) فِي كَوْنِهِ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِإِذْنِهِ (مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ) فَيَلْزَمُ الْحَالِقَ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ) الْحَالِقُ (نَفْيَ الْقَمْلِ) عَنْ مَوْضِعِ الْحَلْقِ فَلَا حَفْنَةَ عَلَى الْحَالِقِ وَعَلَى الْمَحْلُوقِ شَعْرُهُ فِي الْحَالَيْنِ الْفِدْيَةُ.

(وَ) كَ (تَقْرِيدِ) أَيْ إزَالَةِ الْقُرَادِ عَنْ (بَعِيرِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ فِيهِ حَفْنَةٌ إنْ لَمْ يَقْتُلْهُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ قَتَلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ. وَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ وَالْمَوَّاقُ عَنْهَا أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي طَرْحِهِ، وَلَمَّا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي تَقْرِيدِ بَعِيرِهِ يُطْعِمُ عَلَى الْمَشْهُورِ تَعَقَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الَّذِي حَكَاهُ غَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا إذَا قَتَلَ الْقُرَادَ (لَا) شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي (كَطَرْحِ عَلَقَةٍ) عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعِيرِهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ النَّمْلَ وَالدُّودَ وَالذُّبَابَ وَالسُّوسَ وَغَيْرَهَا سِوَى الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ فَلَا شَيْءَ فِي طَرْحِهَا.

(أَوْ) طَرْحِ (بُرْغُوثٍ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ فِي الشَّامِلِ وَلَهُ طَرْحُ

ص: 324

وَالْفِدْيَةُ فِيمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ أَوْ يُزِيلُ أَذًى: كَقَصِّ الشَّارِبِ أَوْ ظُفْرٍ وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ، وَخَضْبٍ بِكَحِنَّاءٍ، وَإِنْ رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ وَمُجَرَّدُ

ــ

[منح الجليل]

بُرْغُوثٍ. وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ وَقِيلَ يُطْعِمُ (وَالْفِدْيَةُ) وَاجِبَةٌ (فِيمَا) أَيْ: الْفِعْلِ الَّذِي (يُتَرَفَّهُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ: يَتَنَعَّمُ (بِهِ أَوْ) فِيمَا يُزِيلُ بِهِ (أَذَى) الْحَطّ لَمْ يُبَيِّنْ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا هِيَ إمَاطَةُ الْأَذَى، وَجَعَلَهَا الْبَاجِيَّ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْلَقَ مِنْ طُولِ ظُفْرِهِ فَيُقَلِّمُهُ وَهَذَا أَذًى مُعْتَادٌ، وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ مُدَاوَاةَ جُرْحٍ بِأُصْبُعِهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ إلَّا بِهِ (كَقَصِّ الشَّارِبِ) جَعَلَهُ ابْنُ شَاسٍ مِثَالًا لِمَا يُزَالُ بِهِ أَذًى وتت مِثَالًا لِمَا يُتَرَفَّهُ بِهِ وَهُوَ صَالِحٌ لَهُمَا.

(أَوْ) قَصِّ (ظُفْرٍ) وَاحِدٍ لِإِمَاطَةِ أَذًى فَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ آنِفًا لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى أَوْ مُتَعَدِّدٍ لِإِمَاطَةِ أَذًى أَوْ لَا، فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ لِقَلْمِ الظُّفْرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ قَلَّمَهُ مُنْكَسِرًا لَا شَيْءَ فِيهِ قَلَّمَهُ لَا لِإِمَاطَةِ أَذًى فِيهِ حَفْنَةٌ قَلَّمَهُ لِإِمَاطَةِ أَذًى فِيهِ فِدْيَةٌ، وَأَدْخَلَ بِالْكَافِ حَلْقَ الْعَانَةِ وَنَتْفَ الْإِبْطِ وَالْأَنْفِ.

(وَقَتْلِ قَمْلٍ كَثُرَ) بِأَنْ زَادَ عَلَى اثْنَيْ عَشْرَ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ " رضي الله عنه " قَالَ فِي الْبَيَانِ رَآهُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُطْعِمُ كِسْرَةً اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ وَمِثْلُ قَتْلِهِ طَرْحُهُ (وَخَضْبٍ) لِرَأْسِهِ أَوْ لِحْيَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا (بِكَحِنَّاءٍ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ مِثَالٌ صَالِحٌ لِلْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُطَيِّبُ الرَّأْسَ وَيُفَوِّحُهُ وَيَقْتُلُ دَوَابَّهُ وَيُرَجِّلُ شَعْرَهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَبِدُونِ هَذَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ قَالَهُ سَنَدٌ، وَدَخَلَ بِالْكَافِ الْوَسِمَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِهَا لُغَةً نَبْتُ شَجَرَةٍ كَالْكُزْبَرَةِ يُدَقُّ وَيُخْلَطُ مَعَ الْحِنَّاءِ مِنْ الْوَسَامَةِ أَيْ: الْحُسْنِ؛ لِأَنَّهَا تُحَسِّنُ الشَّعْرَ قَالَهُ فِي تَوْضِيحِهِ وَفِيهِ الْفِدْيَةُ.

وَلَوْ نَزَعَهُ مَكَانَهُ إنْ عَمَّ رَأْسَهُ مَثَلًا بِالْخَضْبِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْمَخْضُوبُ (رُقْعَةً إنْ كَبُرَتْ) بِأَنْ كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ فَإِنْ صَغَرَتْ فَلَا فِدْيَةَ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ خَضْبٍ أَنَّهُ إنْ جَعَلَهَا فِي فَمِ جُرْحٍ أَوْ حَشَى بِهَا شُقُوقًا أَوْ شَرِبَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ (وَمُجَرَّدُ) بِضَمِّ الْمِيمِ

ص: 325

حَمَّامٍ عَلَى الْمُخْتَارِ.

وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ، أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا بِفَوْرٍ،

ــ

[منح الجليل]

وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ مُشَدَّدَةً صَبُّ مَاءٍ حَارٍّ عَلَى جَسَدِهِ فِي (حَمَّامٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَشَدِّ الْمِيمِ عَنْ تَدَلُّكٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) وَلَوْ لِرَفْعِ جَنَابَةٍ وَأَسْقَطَ مِنْ كَلَامِهِ تَقْيِيدَهُ بِجُلُوسٍ فِيهِ حَتَّى يَعْرَقَ وَأَوْلَى إنْ دَلَّكَ أَوْ أَزَالَ وَسَخًا، وَأَمَّا صَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِيهِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَدُخُولُهُ التَّدَفِّي بِلَا غُسْلٍ جَائِزٌ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى دَاخِلِهِ إلَّا إذَا تَدَلَّكَ وَأَنْقَى الْوَسَخَ وَاقْتَصَرَ عَلَى مُخْتَارِ اللَّخْمِيِّ لِاخْتِيَارِهِ الْأَشْيَاخَ لَا مَا فِيهَا قَالَهُ الشَّارِحُ.

(وَاتَّحَدَتْ) الْفِدْيَةُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ وَتَتَعَدَّدُ فِي غَيْرِهَا بِتَعَدُّدِ سَبَبِهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا فَتَتَّحِدُ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهَا (إنْ ظَنَّ) الشَّخْصُ (الْإِبَاحَةَ) لِأَسْبَابِ الْفِدْيَةِ كَمَنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَى وَتَحَلَّلَ وَفَعَلَ أَسْبَابًا لِلْفِدْيَةِ مِنْ لُبْسِ مُحِيطٍ وَتَطَيُّبٍ وَإِزَالَةِ شَعْرٍ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ فَسَادُ طَوَافِهِ أَوْ سَعْيِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ. وَكَمَنْ رَفَضَ إحْرَامَهُ وَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَإِبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِهِ بِرَفْضِهِ وَفِعْلَ أَسْبَابِهَا كَذَلِكَ فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَمَنْ وَطِئَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَظَنَّ خُرُوجَهُ مِنْهُ وَإِبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِهِ فَفَعَلَ أَشْيَاءَ مِنْ مُوجِبَاتِهَا فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.

وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ إبَاحَةَ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ فِي ظَنِّهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ وَفَعَلَ أَسْبَابًا فِي أَوْقَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ سَبَبٍ فِدْيَةٌ، وَكَذَا مَنْ ظَنَّ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ لِتَعَدُّدِ أَسْبَابِهَا وَفَعَلَ أَسْبَابًا كَذَلِكَ فَقَوْلُهُ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ أَيْ: فِي صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الْمُتَقَدِّمَةُ.

(أَوْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: سَبَبُ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ كَلُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ وَحَلْقٍ وَقَلْمٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ (بِفَوْرٍ) وَاحِدٍ فَفِيهَا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِصَيْرُورَتِهَا كَشَيْءٍ وَاحِدٍ إنْ لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ فِعْلِ الثَّانِي وَإِلَّا فَتَتَعَدَّدُ وَالْفَوْرُ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ اتِّصَالُ الْأَسْبَابِ وَفِعْلُهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، كَذَا يُفِيدُهُ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَأَقَرَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا اقْتَضَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ تت مِنْ أَنَّ الْيَوْمَ فَوْرٌ وَأَنَّ التَّرَاخِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ لَا أَقَلُّ.

ص: 326

أَوْ نَوَى التَّكْرَارَ، أَوْ قَدَّمَ الثَّوْبَ عَلَى السَّرَاوِيلِ وَشَرْطُهَا فِي اللُّبْسِ انْتِفَاعٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، لَا إنْ نَزَعَ مَكَانَهُ، وَفِي صَلَاةٍ قَوْلَانِ.

ــ

[منح الجليل]

أَوْ) تَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ (وَنَوَى) عِنْدَ فِعْلِ الْأَوَّلِ (التَّكْرَارَ) لِأَسْبَابِ الْفِدْيَةِ وَلَوْ طَالَ مَا بَيْنَ السَّبَبَيْنِ أَوْ اخْتَلَفَا كَاللُّبْسِ وَالتَّطَيُّبِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي وَإِلَّا تَعَدَّدَتْ، وَشَمِلَ كَلَامُهُ نِيَّةَ فِعْلِ جَمِيعِ مُوجِبَاتِ الْفِدْيَةِ وَفِعْلَهَا كُلَّهَا أَوْ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا. وَنِيَّةُ فِعْلِ كُلِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْهَا، وَفَعَلَ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا، وَنِيَّةُ فِعْلِ مُعَيَّنِهِ وَفَعَلَهَا كُلَّهَا أَوْ مُتَعَدِّدًا مِنْهَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ النِّيَّةُ عِنْدَ فِعْلِ أَوَّلِ مُوجِبٍ أَوْ عِنْدَ إرَادَةِ فِعْلِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ.

(أَوْ قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا مَا نَفْعُهُ عَامٌّ عَلَى مَا نَفْعُهُ خَاصٌّ كَأَنْ قَدَّمَ فِي لُبْسِهِ (الثَّوْبَ) الطَّوِيلَ إلَى أَسْفَلَ مِنْ الرُّكْبَةِ أَوْ الْقَلَنْسُوَةَ (عَلَى السَّرَاوِيلِ) أَوْ الْعِمَامَةَ أَوْ الْجُبَّةَ فَفِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْعَامِّ نَفْعُهُ، وَلَا فِدْيَةَ لِلْخَاصِّ إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ بِالسَّرَاوِيلِ زِيَادَةً عَنْ انْتِفَاعِهِ بِالثَّوْبِ لِطُولِهِ طُولًا لَهُ بَالٌ أَوْ لِدَفْعِهِ حَرًّا أَوْ بَرْدًا فَتَلْزَمُ بِلُبْسِهِ فِدْيَةٌ أُخْرَى لِانْتِفَاعِهِ ثَانِيًا بِغَيْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ أَوَّلًا مُحَمَّدٌ مَنْ ائْتَزَرَ بِمِئْزَرٍ فَوْقَ مِئْزَرٍ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إلَّا أَنْ يَبْسُطَهُمَا وَيَأْتَزِرُ بِهِمَا كَرِدَاءٍ فَوْقَ رِدَاءٍ. ابْنِ عَرَفَةَ الشَّيْخُ إنْ احْتَزَمَ فَوْقَ إزَارِهِ وَلَوْ بِحَبْلٍ أَوْ بِمِئْزَرٍ فَوْقَ آخَرَ افْتَدَى إلَّا أَنْ يَبْسُطَهُمَا فَيَأْتَزِرَ بِهِمَا. وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَائِلًا لَا بَأْسَ بِرِدَاءٍ فَوْقَ رِدَاءٍ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الرِّدَاءَ فَوْقَ الرِّدَاءِ لَيْسَ احْتِرَامًا بِخِلَافِ الِائْتِزَارِ فَوْقَ الْإِزَارِ حَيْثُ لَمْ يَبْسُطْهُمَا قَبْلَهُ فَهُوَ كَالِاحْتِزَامِ عَلَى الْمِئْزَرِ.

(وَشَرْطُ) وُجُوبِ (هَا) أَيْ: الْفِدْيَةِ (فِي اللُّبْسِ) لِمُحِيطٍ مَمْنُوعٍ لُبْسُهُ بِالْإِحْرَامِ (انْتِفَاعٌ) بِالْمَلْبُوسِ (مِنْ) دَفْعِ (حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ) أَيْ شَأْنًا، وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالْفِعْلِ فَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا شَفَّافًا لَا يَقِي حَرًّا وَلَا بَرْدًا وَتَرَاخَى زَمَنًا طَوِيلًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. فَفِي الْجَوَاهِرِ الْفِدْيَةُ إذَا انْتَفَعَ بِاللُّبْسِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ دَامَ عَلَيْهِ كَالْيَوْمِ (لَا) فِدْيَةَ عَلَيْهِ (إنْ) لَبِسَ مُحِيطًا مَمْنُوعًا وَ (نَزَعَ) هـ (مَكَانَهُ) أَيْ: فَوْرًا وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مِنْ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ (وَفِي) الْفِدْيَةِ بِانْتِفَاعِهِ بِالْمَلْبُوسِ فِي (صَلَاةٍ) وَلَوْ رَبَاعِيَةً طَوَّلَ فِيهَا وَعَدَمُهَا (قَوْلَانِ) لَمْ يَطَّلِعْ

ص: 327

وَلَمْ يَأْثَمْ إنْ فَعَلَ لِعُذْرٍ، وَهِيَ نُسُكٌ بِشَاةٍ فَأَعْلَى، أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلٍّ مُدَّانِ: كَالْكَفَّارَةِ

ــ

[منح الجليل]

الْمُصَنِّفُ عَلَى أَرْجَحِيَّةِ أَحَدِهِمَا.

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تُعَدُّ طُولًا أَمْ لَا، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّارِحِينَ. وَفِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ " رضي الله عنهما " قَالَ فَمَرَّةً نَظَرَ إلَى حُصُولِ الْمَنْفَعَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَظَرَ مَرَّةً إلَى التَّرَفُّهِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالطُّولِ. الْحَطّ هَذَا هُوَ التَّوْجِيهُ الظَّاهِرُ لَا مَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ بِطُولٍ لِمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ اهـ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّ الطُّولَ كَالْيَوْمِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَغَيْرِهِمَا وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ سَوَاءٌ طُولٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ لَا خِلَافًا لِمَا فِي عب عَنْ الشَّارِحِ. .

(وَلَمْ يَأْثَمْ) الْمُحْرِمُ (إنْ فَعَلَ) مُوجِبَ الْفِدْيَةِ (لِعُذْرٍ) حَاصِلٍ أَوْ خِيفَ حُصُولُهُ هَذَا قَوْلُ التَّاجُورِيِّ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ عب، وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ. وَظَاهِرُ نَقْلِ الْمَوَّاقِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ وَمَفْهُومٌ لِعُذْرِ إثْمِهِ إنْ فَعَلَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا تَرْفَعُ الْفِدْيَةُ إثْمَهُ كَمَا أَنَّ الْعُذْرَ لَا يَرْفَعُ الْفِدْيَةَ (وَهِيَ) أَيْ: الْفِدْيَةُ (نُسُكٌ) بِضَمِّ النُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: عِبَادَةٌ مُضَافٌ أَوْ مُنَوَّنٌ مُبْدَلٌ مِنْهُ (شَاةٍ) بِالْجَرِّ عَلَى الْأَوَّلِ وَالرَّفْعِ عَلَى الثَّانِي، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِشَاةٍ الْبَدْرِ يُشْتَرَطُ فِيهَا سِنٌّ وَسَلَامَةُ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا تُفِيدُهُ الْمُدَوَّنَةُ وَالظَّاهِرُ اشْتِرَاطُ ذَبْحِهَا وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي إعْطَاؤُهَا لِلْمَسَاكِينِ حَيَّةً (فَأَعْلَى) أَيْ: أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَهِيَ الْبَقَرَةُ، وَأَعْلَى مِنْ الْبَقَرَةِ الْبَدَنَةُ قَالَهُ الْبَاجِيَّ وَالْآبِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَارْتَضَى أَبُو الْحَسَنِ فِي مَنْسَكِهِ أَنَّ الشَّاةَ أَفْضَلُ فَالْبَقَرَةُ فَالْبَدَنَةُ، فَعَلَى هَذَا مَعْنَى أَعْلَى أَكْثَرُ لَحْمًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا.

(أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) أَيْ: لَا يَمْلِكُونَ قُوتَ عَامٍ فَشَمِلَ الْفُقَرَاءَ (لِكُلٍّ) مِنْهُمْ (مُدَّانِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مُثَنَّى مُدٍّ نَبَوِيٍّ مِلْءُ جِفَانٍ مُتَوَسِّطٍ لَا مَقْبُوضٍ وَلَا مَبْسُوطٍ فَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ (كَالْكَفَّارَةِ) لِلْيَمِينِ فِي كَوْنِهَا مِنْ غَالِبِ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا غَالِبِ قُوتِهِ، وَكَوْنُهَا بِمُدِّهِ عليه الصلاة والسلام إذْ بِهِ تُؤَدَّى جَمِيعُ الْكَفَّارَاتِ سِوَى كَفَّارَةِ الظِّهَارِ الْبَدْرُ الظَّاهِرُ، أَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَيَأْتِي حُكْمُهَا فِي بَابِ الْيَمِينِ فِي قَوْلِهِ فَلَا تُجْزِئُ

ص: 328

أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان؛ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالذَّبْحِ الْهَدْيَ فَكَحُكْمِهِ، وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ إنْ لَمْ يَبْلُغْ مُدَّيْنِ.

وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ وَأَفْسَدَ مُطْلَقًا:

ــ

[منح الجليل]

مُلَفَّقَةٌ وَلَا مُكَرَّرٌ لِمِسْكِينٍ وَنَاقِصٌ كَعِشْرِينَ لِكُلٍّ نِصْفٌ لَا الصَّوْمُ وَلَا الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهَا مُرَتَّبَةٌ.

(أَوْ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) إنْ كَانَتْ غَيْرَ أَيَّامِ مِنًى بَلْ (وَلَوْ) كَانَتْ (أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ (وَلَمْ يَخْتَصَّ) النُّسُكُ ذَبْحًا أَوْ نَحْرًا أَوْ إطْعَامًا أَوْ صِيَامًا (بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان) قَالَهُ تت، وَمُقْتَضَاهُ إطْلَاقُ النُّسُكِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَمُقْتَضَى الْمُصَنِّفِ وَالْآيَةِ اخْتِصَاصُهُ بِالشَّاةِ فَأَعْلَى (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) الْمُفْتَدِي (بِالذِّبْحِ) بِكَسْرِ الذَّالِ أَيْ الْمَذْبُوحُ وَمِثْلُهُ الْمَنْحُورُ (الْهَدْيَ) أَوْ يُقَلِّدَ وَيُشْعِرَ مَا يُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْهَدْيَ كَمَا يُفِيدُهُ الْمَوَّاقُ (فَ) يَصِيرُ حُكْمُهُ (كَحُكْمِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ فِي أَنَّ مَحَلَّهُ مِنًى إنْ وَقَفَ بِهِ فِي عَرَفَةَ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَسَاقَهُ فِي حَجٍّ وَبَقِيَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ وَإِلَّا فَعَلَهُ فِي مَكَّةَ، وَشُرِطَ جَمْعُهُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ (طفى) نِيَّةُ الْهَدْيِ كَافِيَةٌ فِي كَوْنِ حُكْمِهِ كَالْهَدْيِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبَاجِيَّ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَالتَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْفَاكِهَانِيُّ وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ فَكَحُكْمِهِ الْأَكْلُ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَحَلِّ وَلَوْ جُعِلَتْ هَدْيًا.

(وَلَا يُجْزِئُ) عَنْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينِ لِكُلٍّ مُدَّانِ (غَدَاءً وَعَشَاءً) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا وَإِهْمَالِ الدَّالِ وَلَا غَدَاءَانِ وَلَا عَشَاءَانِ (إنْ لَمْ يَبْلُغْ) مَا ذَكَرَ (مُدَّيْنِ) لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَإِنْ بَلَغَهُمَا أَجْزَأَ وَالْأَفْضَلُ الْأَمْدَادُ كَمَا يُفِيدُهُ فِي الظِّهَارِ وَلَا أُحِبُّ الْغَدَاءَ وَالْعَشَاءَ كَفِدْيَةِ الْأَذَى. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِدْيَةِ وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّهَا مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي أَكْلِ شَخْصٍ فِي يَوْمِ الْفِدْيَةِ لِكُلٍّ مُدَّانِ فَهُمَا قَدْرُ أَكْلِهِ فِي يَوْمَيْنِ.

(وَ) حَرُمَ عَلَيْهِمَا (الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ) وَلَوْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ (وَأَفْسَدَ) الْجِمَاعُ الْإِحْرَامَ حَالَ كَوْنِهِ (مُطْلَقًا) عَنْ التَّقْيِيدِ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا أَوْ إكْرَاهًا فِي قُبُلٍ

ص: 329

كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ، وَإِنْ بِنَظَرٍ، وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ مُطْلَقًا، أَوْ بَعْدَهُ إنْ وَقَعَ قَبْلَ إفَاضَةٍ وَعَقَبَةٍ: يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا فَهَدْيٌ: كَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً

ــ

[منح الجليل]

أَوْ دُبُرٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ بَعْدَ فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ بَالِغٍ وَمُوجِبًا لِلْغُسْلِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ. وَيُفْسِدُ الْحَجَّ مَغِيبُ الْحَشَفَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْغُسْلِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْجِمَاعُ وَالْمَنِيُّ فِي الْإِفْسَادِ عَلَى نَحْوٍ مُوجِبٍ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ التَّوْضِيحُ كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ يُوجِبُ الْفَسَادَ هُنَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُوجِبَ الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ هُوَ الْجِمَاعُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ.

وَشَبَّهَ فِي الْإِفْسَادِ فَقَالَ (كَاسْتِدْعَاءِ مَنِيٍّ) بِقُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ بَلْ (وَإِنْ) اسْتَدْعَاهُ فَخَرَجَ (بِنَظَرٍ) أَيْ: إدَامَتِهِ وَكَذَا بِإِدَامَةِ فِكْرٍ فَإِنْ لَمْ يَدُمْ فَلَا يَفْسُدُ وَيُنْدَبُ الْهَدْيُ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْأَبْهَرِيِّ وَفِي الْحَطّ مَا يُفِيدُ أَنَّ هَذَا مُقَابِلُ الرَّاجِحِ مِنْ وُجُوبٍ لِهَدْيٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَيَّدَ الْإِفْسَادَ بِقَوْلِهِ (إنْ وَقَعَ) الْجِمَاعُ (قَبْلَ الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ فَيُفْسِدُهُ (مُطْلَقًا) أَيْ: فَعَلَا شَيْئًا كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ أَمْ لَا. الْحَطّ بَعْدَمَا فَسَّرَ الْإِطْلَاقَ بِمَا ذَكَرَ لَمَّا كَانَ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ شَبِيهَيْنِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَاجِبًا وَرُكْنًا. وَفَصَّلَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ حَسُنَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ بِالْإِطْلَاقِ.

(أَوْ) وَقَعَ الْجِمَاعُ (بَعْدَهُ) أَيْ الْوُقُوفِ فَيَفْسُدُ (إنْ وَقَعَ) الْجِمَاعُ (قَبْلَ) طَوَافِ (إفَاضَةٍ وَ) رَمْيِ جَمْرَةِ (عَقَبَةٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ) لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ. الْحَطّ لَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ اللَّفْظَةِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصَاصُ الْفَسَادِ بِيَوْمِ النَّحْرِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قَبْلَهُمَا يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنْ وَقَعَ قَبْلَهُمَا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَ أَحَدِهِمَا يَوْمَ النَّحْرِ (فَهَدْيٌ) وَاجِبٌ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ إفْسَادٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا مَا وَقَعَ بَعْدَهُمَا يَوْمَ النَّحْرِ لِقَوْلِهِ سَابِقًا وَحُلَّ بِهِ مَا بَقِيَ.

وَشَبَّهَ فِي الْهَدْيِ فَقَالَ (كَإِنْزَالِ) الْمَنِيِّ (ابْتِدَاءً) أَيْ بِمُجَرَّدِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ وَلَوْ

ص: 330

وَإِمْذَائِهِ، وَقُبْلَتِهِ، وَوُقُوعِهِ بَعْدَ سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ، وَإِلَّا فَسَدَتْ.

وَوَجَبَ إتْمَامُ الْمُفْسَدِ، وَإِلَّا فَهُوَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَحْرَمَ،

ــ

[منح الجليل]

قَصَدَ بِهِمَا لَذَّةً، فَإِنْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ (وَإِمْذَائِهِ) فِيهِ الْهَدْيُ سَوَاءٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً أَوْ بِإِدَامَةِ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَقُبْلَتِهِ) بِدُونِ مَنِيٍّ وَمَذْيٍ فِيهَا هَدْيٌ إذَا كَانَتْ عَلَى الْفَمِ لِغَيْرِ وَدَاعٍ وَرَحْمَةٍ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ فَحُكْمُهُ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْجَسَدِ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُلَامَسَةِ إنْ خَرَجَ بِهَا مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ أَوْ كَثُرَتْ فَهَدْيٌ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ فِيهَا وَلَوْ قَصَدَ اللَّذَّةَ أَوْ وَجَدَهَا.

(وَوُقُوعِهِ) أَيْ: الْجِمَاعِ مِنْ مُعْتَمِرٍ (بَعْدَ) فَرَاغِ (سَعْيٍ فِي عُمْرَتِهِ) قَبْلَ تَحَلُّلِهِ مِنْهَا فَلَا يُفْسِدُهَا لِتَمَامِ أَرْكَانِهَا وَفِيهِ هَدْيٌ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ سَعْيٍ فِيهَا بِأَنْ وَقَعَ فِي السَّعْيِ أَوْ قَبْلَهُ (فَسَدَتْ) عُمْرَتُهُ فَاَلَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فِي بَعْضٍ آخَرَ وَهُوَ الْجِمَاعُ، وَالْإِنْزَالُ يُفْسِدُ الْعُمْرَةَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فِي بَعْضٍ آخَرَ. وَأَمَّا مَا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ فَقَطْ فَلَا يُوجِبُهُ فِي الْعُمْرَةِ إذْ هِيَ أَخَفُّ، هَذَا ظَاهِرُ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ، وَاسْتَظْهَرَ س إيجَابَ الْهَدْيِ فِيهَا. أَيْضًا الْبُنَانِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ كَلَامِ الْبَاجِيَّ الَّذِي فِي الْحَطّ وَالتَّوْضِيحِ.

(وَوَجَبَ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (إتْمَامُ) النُّسُكِ (الْمُفْسَدِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ مِنْ عُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ أَدْرَكَ وُقُوفَهُ وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ قَبْلَهُ فَيُتِمُّهُ بِالْوُقُوفِ وَنُزُولِ مُزْدَلِفَةَ وَمَبِيتِهَا وَوُقُوفِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ عَقِبَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَهُ، وَمَبِيتِ مِنًى وَرَمْيِهَا وَالتَّحْصِيبِ فَإِنْ فَاتَهُ وُقُوفُهُ وَجَبَ تَحَلُّلُهُ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ الْفَاسِدِ لِعَامٍ قَابِلٍ فَإِنَّهُ تَمَادَى عَلَى فَاسِدٍ يُمْكِنُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ أَفْسَدَ ثُمَّ فَاتَ أَوْ بِالْعَكْسِ وَإِنْ بِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ تَحَلَّلَ وَقَضَاهُ دُونَهَا فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا هُنَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ سَوَاءٌ ظَنَّ إبَاحَةَ قَطْعِهِ أَمْ لَا (فَهُوَ) أَيْ: الْإِحْرَامُ الْفَاسِدُ بَاقٍ (عَلَيْهِ) إنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْقَضَاءِ بَلْ.

(وَإِنْ أَحْرَمَ) بِغَيْرِهِ فَهُوَ لَغْوٌ وَلَوْ قَصَدَ بِهِ قَضَاءَ الْمُفْسَدِ فَلَا يَكُونُ مَا أَحْرَمَ بِهِ قَضَاءً

ص: 331

وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثِهِ، وَفَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ وَإِنْ تَطَوُّعًا، وَقَضَاءُ الْقَضَاءِ، وَنَحْرُ هَدْيٍ فِي الْقَضَاءِ

ــ

[منح الجليل]

عَنْهُ عِنْدَ إمَامِنَا مَالِكٍ " رضي الله عنه "، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ وَإِتْمَامُهُ إتْمَامٌ لِلْمُفْسَدِ (وَلَمْ) الْأَوْلَى وَلَا (يَقَعْ قَضَاؤُهُ) أَيْ: الْمُفْسَدَ (إلَّا فِي) سَنَةٍ (ثَالِثَةٍ) إنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ وُقُوفِ الثَّانِي وَإِلَّا أُمِرَ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ الْفَاسِدِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَلَوْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَقْضِيهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي. وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَإِنْ لَمْ يُتِمَّهُ ثُمَّ أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَهُوَ عَلَى مَا أَفْسَدَ وَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهُ إلَّا فِي ثَالِثَةٍ.

(وَ) وَجَبَ (فَوْرِيَّةُ الْقَضَاءِ) لِمَا أَفْسَدَهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ فَاسِدِهِمَا وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِتَرَاخِي الْحَجِّ وَلَمْ يَخَفْ فَوَاتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مَا أَفْسَدَهُ فَرْضًا بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (تَطَوُّعًا) ؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ النَّفْلِ الَّذِي يَجِبُ تَكْمِيلُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَالْقَضَاءُ مِنْ جُمْلَةِ التَّكْمِيلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ تَقْدِيمُ قَضَاءِ التَّطَوُّعِ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.

(وَ) وَجَبَ (قَضَاءُ الْقَضَاءِ) مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ أَفْسَدَهُ فَيَأْتِي بِحَجَّتَيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إحْدَاهُمَا قَضَاءٌ عَنْ الْحَجَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ قَضَاءٌ عَنْ قَضَائِهَا الَّذِي أَفْسَدَهُ، وَيُهْدِي مَعَ كُلِّ حَجَّةٍ هَدْيًا. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ كَثُرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَفِي قَضَاءِ الْقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مَعَ الْأَوَّلِ قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدٍ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. قَالَ التَّوْضِيحُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا قَضَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ هُنَا الْقَضَاءُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا كَانَتْ كُلْفَتُهُ شَدِيدَةً شَدَّدَ فِيهِ بِقَضَاءِ الْقَضَاءِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِهِ، وَفَرْقٌ آخَرُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْفَوْرِ صَارَتْ حَجَّةُ الْقَضَاءِ كَأَنَّهَا حَجَّةٌ مُعَيَّنَةٌ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ إنْ أَفْسَدَهَا كَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا زَمَانُ قَضَاءِ الصَّوْمِ فَلَيْسَ بِمُعَيَّنٍ.

(وَ) وَجَبَ (نَحْرُ هَدْيٍ فِي) زَمَنِ (الْقَضَاءِ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَا يُقَدِّمُهُ زَمَنَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ فَيُؤَخِّرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِيَجْتَمِعَ الْجَابِرُ وَالنُّسُكِيُّ وَالْمَالِيُّ وَالْوُجُوبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْهَدْيِ

ص: 332

وَاتَّحَدَ، وَإِنْ تَكَرَّرَ لِنِسَاءٍ، بِخِلَافِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ، وَأَجْزَأَ إنْ عَجَّلَ، وَثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ قَارِنًا ثُمَّ فَاتَهُ وَقَضَى، وَعُمْرَةٌ إنْ وَقَعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ،

ــ

[منح الجليل]

وَعَلَى كَوْنِ نَحْرِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ شَرْطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَأَجْزَأَ إنْ عَجَّلَ. وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وُجُوبُهُ لِلْقَضَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لِلْفَسَادِ. فَلَوْ قَالَ: وَنَحَرَ هَدْيَهُ فِيهِ وَيَكُونُ ضَمِيرُ هَدْيِهِ لِلْفَسَادِ وَفِيهِ لِلْقَضَاءِ لَكَانَ أَحْسَنَ (وَاتَّحَدَ) هَدْيُ الْفَسَادِ إنْ اتَّحَدَ مُوجِبُ الْفَسَادِ بَلْ (وَإِنْ تَكَرَّرَ) مُوجِبُهُ بِوَطْءٍ (لِنِسَاءٍ) أَيْ: فِيهِنَّ (بِخِلَافِ صَيْدٍ) فَيَتَعَدَّدُ جَزَاؤُهُ بِتَعَدُّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَنْهُ وَالْعِوَضُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمُعَوَّضِ (وَ) بِخِلَافِ (فِدْيَةٍ) فَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ سَبَبِهَا إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَوْلِهِ وَاتَّحَدَتْ إنْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ إلَخْ.

(وَأَجْزَأَ) هَدْيُ الْفَسَادِ (إنْ عُجِّلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مَعَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ (وَ) وَجَبَ هَدَايَا (ثَلَاثَةٌ إنْ أَفْسَدَ) الْحَجَّ حَالَ كَوْنِهِ (قَارِنًا) أَوْ مُتَمَتِّعًا (ثُمَّ) بَعْدَ أَخْذِهِ فِي إتْمَامِهِ (فَاتَهُ) وُقُوفُهُ أَوْ فَاتَهُ وُقُوفُهُ ثُمَّ أَفْسَدَهُ (وَقَضَى) قَارِنًا أَوْ مُتَمَتِّعًا بِهَدْيٍ لِلْإِفْسَادِ وَهَدْيٍ لِلْفَوَاتِ وَهَدْيٍ لِلْقُرْآنِ أَوْ التَّمَتُّعِ الصَّحِيحِ الَّذِي جَعَلَهُ قَضَاءً، وَسَقَطَ هَدْيُ الْقُرْآنِ أَوْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَسَدَ وَفَاتَ لِانْقِلَابِهِ عُمْرَةً فَلَمْ يَحُجَّ الْقَارِنُ بِإِحْرَامِهِ وَلَا الْمُتَمَتِّعُ مِنْ عَامِهِ، وَسَيُفِيدُ هَذَا بِقَوْلِهِ لَا دَمَ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ.

فَإِنْ قُلْت: قَوْلُهُ وَقَضَى صَادِقٌ بِقَضَائِهِ قَارِنًا وَبِقَضَائِهِ مُفْرِدًا فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ الْأَوَّلُ. قُلْت مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي لَا قِرَانَ عَنْ إفْرَادٍ إلَخْ (وَعُمْرَةٌ) عَطْفٌ عَلَى هَدْيٌ مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَهَدْيٌ فَلَوْ وَصَلَهُ بِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ إذْ ذِكْرُهُ هُنَا يُوهِمُ اتِّصَالَهُ بِمَا قَبْلَهُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، أَيْ: حَيْثُ قُلْنَا بِعَدَمِ الْفَسَادِ فَهَدْيٌ وَيَجِبُ مَعَهُ عُمْرَةٌ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى (إنْ وَقَعَ) الْوَطْءُ غَيْرُ الْمُفْسِدِ لِلْحَجِّ (قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ) لِلْإِفَاضَةِ صَادِقٌ بِهِ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَبِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ، وَكَذَا إنْ وَقَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يَسْعَ

ص: 333

وَإِحْجَاجُ مُكْرَهَةٍ وَإِنْ نَكَحَتْ غَيْرَهُ،

ــ

[منح الجليل]

عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَفِي مَفْهُومِ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ تَفْصِيلٌ لِيَأْتِيَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ لَا خَلَلَ فِيهِمَا.

فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لِمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ بَعْدَ السَّعْيِ لِمَنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ لِسَلَامَةِ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ مِنْ الْخَلَلِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إذَا لَمْ نَقُلْ بِالْإِفْسَادِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا.

وَاخْتُلِفَ فِي الْعُمْرَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ. أَنَّ عَلَيْهِ عُمْرَةً كَانَ وَطْؤُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ. الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا بِأَنْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْهَا أَوْ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا عُمْرَةَ عَلَيْهِ اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ وَتَضْعِيفُهُ إسْمَاعِيلَ بِأَنَّ عُمْرَتَهُ تُوجِبُ طَوَافَهَا فَلَا يَصِحُّ لَهَا. وَلِلْإِفَاضَةِ مَعًا يُرَدُّ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إتْيَانُهُ بِطَوَافٍ فِي إحْرَامٍ لَا ثَلَمَ فِيهِ لَا يُقَيِّدُ أَنَّهُ إفَاضَةٌ. وَرَدَّهُ أَيْضًا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ جَبْرَ الْأَوَّلِ فَلَا نُسَلِّمُ إيجَابَهَا طَوَافًا غَيْرَ الْأَوَّلِ.

(وَ) وَجَبَ عَلَى مَنْ أَكْرَهَ امْرَأَةً عَلَى جِمَاعِهِ إيَّاهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً أَذِنَ لَهَا فِي الْإِحْرَامِ أَمْ لَا (إحْجَاجُ مُكْرَهَةٍ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ وَهَدْيٌ عَنْهَا مِنْ مَالِهِ، وَمَفْهُومُ وَمُكْرَهَةٍ أَنَّ الطَّائِعَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْجَاجُهَا وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ مِنْ مَالِهَا، وَطَوْعُ أَمَتِهِ إكْرَاهٌ إلَّا أَنْ تَطْلُبَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَيْ: أَوْ تَتَزَيَّنَ لَهُ إنْ كَانَتْ الْمُكْرَهَةُ بَاقِيَةً فِي عِصْمَتِهِ أَوْ مِلْكِهِ.

بَلْ (وَإِنْ) طَلَّقَهَا وَ (نَكَحَتْ) الزَّوْجَةُ الْمُكْرَهَةُ (غَيْرَهُ) أَيْ: الْمُكْرِهِ وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى إذْنِهِ لَهَا فِي قَضَاءِ الْمُفْسَدِ أَوْ بَاعَ الْأَمَةَ الَّتِي أَكْرَهَهَا وَبَيْعُهَا جَائِزٌ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَيَجِبُ بَيَانُ وُجُوبِ قَضَاءِ الْمُفْسَدِ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهَا بِهِ. ابْنُ يُونُسَ فَإِنْ فَلِسَ الزَّوْجُ الْمُكْرَهُ حَاصَّتْ زَوْجَتُهُ الْمُكْرَهَةُ غُرَمَاءَهُ بِمُؤْنَةِ حَجِّهَا وَهَدْيِهَا وَوَقْفِ

ص: 334

وَعَلَيْهَا إنْ أَعْدَمَ وَرَجَعَتْ عَلَيْهِ: كَالْمُتَقَدِّمِ وَفَارَقَ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ

ــ

[منح الجليل]

مَا يَصِيرُ لَهَا حَتَّى تَحُجَّ بِهِ وَتُهْدِيَ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ مَا نَابَهَا لِمُؤْنَةِ الْحَجِّ لِغُرَمَائِهِ وَنَفَذَ الْهَدْيُ، وَإِنْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى وَطْءِ امْرَأَةٍ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ إلَّا الْإِثْمُ وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ، وَعَلَى الرَّجُلِ الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ إحْجَاجُهَا؛ لِأَنَّ انْتِشَارَهُ دَلِيلٌ اخْتِيَارِهِ قَرَّرَهُ عج الْبُنَانِيُّ يُمْكِنُ إدْخَالُ هَذِهِ الصُّورَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُكْرَهَةٍ بِأَنْ يُقَالَ مُكْرَهَةٌ لَهُ سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، وَفِي قَوْلِهِ وَعَلَى الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ إحْجَاجُهَا إلَخْ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اهـ.

(وَ) يَجِبُ الْحَجُّ وَالْهَدْيُ (عَلَيْهَا) أَيْ الْمُكْرَهَةِ بِالْفَتْحِ مِنْ مَالِهَا (إنْ أَعْدَمَ) مُكْرِهُهَا بِالْكَسْرِ (وَرَجَعَتْ) الْمُكْرَهَةُ بِالْفَتْحِ بِعِوَضِ مَا أَنْفَقَتْهُ مِنْ مَالِهَا فِي حَجِّهَا وَهَدْيِهَا عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ إنْ أَيْسَرَ (كَ) الرُّجُوعِ (الْمُتَقَدِّمِ) فِي رُجُوعِ مَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ طِيبٌ أَوْ عَلَى رَأْسِهِ سَاتِرٌ وَهُوَ نَائِمٌ وَلَمْ يَجِدْ الْمُلْقِي شَيْئًا يَفْتَدِي بِهِ عَنْهُ فَافْتَدَى الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ثُمَّ أَيْسَرَ الْمُلْقِي فِي كَوْنِهِ بِالْأَقَلِّ فَتَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ كِرَاءِ الْمِثْلِ وَمَا اكْتَرَتْ بِهِ إنْ اكْتَرَتْ، وَبِالْأَقَلِّ مِمَّا أَنْفَقَتْهُ، وَمِنْ نَفَقَةِ مِثْلِهَا فِي السَّفَرِ بِلَا إسْرَافٍ وَفِي الْهَدْيِ بِالْأَقَلِّ مِنْ ثَمَنِهِ وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ اشْتَرَتْهُ وَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِهَا.

وَفِي الْفِدْيَةِ بِالْأَقَلِّ مِنْ مِثْلِ كَيْلِ الطَّعَامِ وَقِيمَةِ الشَّاةِ إنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ عِنْدِهَا أَوْ ثَمَنِهِ إنْ اشْتَرَتْهُ هَذَا إنْ افْتَدَتْ بِطَعَامٍ، وَإِنْ افْتَدَتْ بِشَاةٍ مِنْ عِنْدِهَا فَبِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الطَّعَامِ، وَإِنْ كَانَتْ اشْتَرَتْهَا فَبِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْأَقَلِّيَّةِ يَوْمُ الرُّجُوعِ لَا يَوْمُ الْإِخْرَاجِ فِي التَّوْضِيحِ التُّونُسِيُّ لَوْ كَانَ النُّسُكُ بِالشَّاةِ أَرْفَقَ لَهَا حِينَ نَسَكَتْ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ وَقَدْ غَلَا النُّسُكُ وَرَخُصَ الطَّعَامُ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ الطَّعَامُ إذْ هُوَ الْآنَ أَقَلُّ قِيمَةً مِنْ قِيمَةِ النُّسُكِ الَّذِي نَسَكَتْ بِهِ.

(وَفَارَقَ) وُجُوبًا وَقِيلَ نَدْبًا (مَنْ) أَيْ الْمَرْأَةَ الَّتِي (أَفْسَدَ) الْوَاطِئُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ (مَعَهُ) أَيْ: الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ، وَذَكَرَ ضَمِيرَهَا مُرَاعَاةً لِلَفْظِ مَنْ، وَأَجْرَى الصِّلَةَ عَلَى

ص: 335

مِنْ إحْرَامِهِ لِتَحَلُّلِهِ، وَلَا يُرَاعَى زَمَنُ إحْرَامِهِ، بِخِلَافِ مِيقَاتٍ إنْ شُرِعَ، وَإِنْ تَعَدَّاهُ؛ فَدَمٌ.

ــ

[منح الجليل]

غَيْرِ مَا هِيَ لَهُ وَلَمْ يُبْرِزْ لَا مِنْ اللَّبْسِ، وَصِلَةُ فَارَقَ (مِنْ) حِينِ (إحْرَامِهِ) بِالْقَضَاءِ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً (لِتَحَلُّلِهِ) مِنْهُ بِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَرَكْعَتَيْهِ وَالسَّعْيِ إنْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ الْقُدُومِ وَحَلْقِهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِئَلَّا يَعُودَ إلَى مِثْلِ مَا كَانَ مِنْهُ وَأَشْعَرَ إتْيَانُهُ بِالْمَبْدَأِ وَالْغَايَةِ بِأَنَّهَا فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا إتْمَامُ الْمُفْسَدِ فَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَتُفِيدُهُ عِلَّتُهَا فِي الْقَضَاءِ بَلْ تُفِيدُ أَنَّهَا فِي الْإِتْمَامِ أَوْلَى لِمَظِنَّةِ التَّسَاهُلِ فِيهِ. وَظَاهِرُ الطِّرَازِ خِلَافُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ الْفَسَادُ حَصَلَ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَاسِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ وُجُوبُ الْإِتْمَامِ يُوجِبُ كَوْنَهُ بِصُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا إفْسَادٌ آخَرُ، وَمَفْهُومُ مَنْ أَفْسَدَ مَعَهُ عَدَمُ وُجُوبِ مُفَارَقَةِ غَيْرِهَا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا زَرُّوقٌ.

(وَلَا يُرَاعَى) بِفَتْحِ الْعَيْنِ إحْرَامُهُ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ (زَمَنَ إحْرَامِهِ) بِالْمُفْسَدِ أَيْ: لَا يَلْزَمُهُ إنْ تَحَرَّمَ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مِنْ مِثْلِ الزَّمَنِ الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ فِيهِ بِالْمُفْسَدِ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ فِي مِثْلِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ وَأَفْسَدَهُ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِقَضَائِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ الْحِجَّةِ.

(بِخِلَافِ مِيقَاتٍ) مَكَانِيٍّ أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ (إنْ شُرِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ طُلِبَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ شَرْعًا كَالْحُلَيْفَةِ لِمَدَنِيٍّ وَالْحُجْفَةِ لِمِصْرِيٍّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِحْرَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْهُ. وَلَوْ أَقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ إتْمَامِ الْمُفْسَدِ لِلْقَابِلِ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ (وَإِنْ تَعَدَّاهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ بِقَضَاءٍ لِمُفْسَدِ الْمِيقَاتِ الَّذِي كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ وَأَحْرَمَ بِالْقَضَاءِ بَعْدَهُ (فَ) عَلَيْهِ (دَمٌ) وَلَوْ تَعَدَّاهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَإِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ لِقَابِلٍ، وَهَذَا يُخَصِّصُ قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ وَمَكَانُهُ لَهُ أَيْ: لِمَنْ بِمَكَّةَ مَكَّةُ. وَنُدِبَ بِالْمَسْجِدِ كَخُرُوجِ ذِي النَّفْسِ لِمِيقَاتِهِ.

وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ شُرِعَ مِنْ إحْرَامِهِ بِالْمُفْسَدِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ كَمِصْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِقَضَائِهِ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ كَالْجُحْفَةِ وَمِنْ تَعَدِّيهِ بِإِحْرَامِ الْمُفْسَدِ وَالْإِحْرَامِ بِهِ بَعْدَهُ فَلَا يَتَعَدَّاهُ فِي الْقَضَاءِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ الشَّرْعِيِّ. وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ " رضي الله عنه "

ص: 336

وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ عَنْ إفْرَادٍ وَعَكْسِهِ، وَلَا قِرَانَ عَنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ وَعَكْسِهِمَا. وَلَمْ يَنُبْ قَضَاءُ

ــ

[منح الجليل]

أَنَّهُ يُحْرِمُ بِقَضَاءِ الْمُفْسَدِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْمُفْسَدِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمِيقَاتَ الشَّرْعِيَّ أَوْ بَعْدَهُ وَتَأَوَّلَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ لِعَدَمِ إرَادَتِهِ مَكَّةَ حِينَ مُرُورِهِ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ دُخُولُهَا. وَأَمَّا مَنْ تَعَدَّاهُ أَوَّلًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَتَعَدَّاهُ ثَانِيًا إلَّا مُحْرِمًا وَنَحْوَهُ لِلْبَاجِيِّ وَالتُّونُسِيِّ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إنْ شُرِعَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْعُذْرِ.

ابْنُ عَرَفَةَ وَفِيهَا يُحْرِمُ مُفْسِدُ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ لِلْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا إلَّا إنْ كَانَ أَحْرَمَ أَوَّلًا قَبْلَ الْمِيقَاتِ فَمِنْهُ فَإِنْ تَعَدَّى الْمِيقَاتَ فِي الْقَضَاءِ فَدَمٌ. التُّونُسِيُّ إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا قَبْلَ مِيقَاتِهِ جَهْلًا فَيَكُونُ قَضَاؤُهُ مِنْهُ صَوَابًا وَإِنْ كَانَ تَقَرُّبًا فَالصَّوَابُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا. اللَّخْمِيُّ مَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ أَوَّلًا غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ شَاسٍ الْقَضَاءُ مِنْ الْمِيقَاتِ مُطْلَقًا.

(وَأَجْزَأَ تَمَتُّعٌ) قَضَاءً (عَنْ إفْرَادِ) مُفْسَدٍ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ إفْرَادٌ وَزِيَادَةٌ (وَ) أَجْزَأَ (عَكْسُهُ) أَيْضًا وَهُوَ إفْرَادُ قَضَاءٍ عَنْ تَمَتُّعِ مُفْسِدٍ إذْ الْمُفْسَدُ إنَّمَا هُوَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ قَدْ تَمَّتْ قَبْلَهُ صَحِيحَةً، وَمِثْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ النَّوَادِرِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ يُونُسَ قَالَ وَهُوَ الظَّاهِرُ، خِلَافُ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ بَشِيرٍ مِنْ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ (لَا) يُجْزِئُ (قِرَانٌ) قَضَاءً (عَنْ إفْرَادٍ) مُفْسَدٍ لِنَقْصِ الْقِرَانِ عَنْ الْإِفْرَادِ فِي الْفَضْلِ.

(أَوْ) أَيْ: وَلَا يُجْزِئُ قِرَانٌ قَضَاءً عَنْ (تَمَتُّعٍ) مُفْسَدٍ؛ لِأَنَّ الْقِرَانَ عَمَلٌ وَاحِدٌ وَالتَّمَتُّعَ عَمَلَانِ (وَ) لَا يُجْزِئُ (عَكْسُهُمَا) أَيْ الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ وَهُوَ إفْرَادٌ عَنْ قِرَانٍ وَتَمَتُّعٌ عَنْ قِرَانٍ، فَالصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ سِتٌّ الْإِجْزَاءُ فِي اثْنَتَيْنِ وَعَدَمُهُ فِي أَرْبَعٍ وَأَصْلُهَا تِسْعٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ الْإِفْرَادُ وَالْقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ فِي مِثْلِهَا أَسْقَطَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ صُوَرٍ الْمَائِلَةَ لِظُهُورِهَا وَتَعْبِيرُهُ بِأَجْزَأَ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ابْتِدَاءً وَنَحْوَهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.

(وَلَمْ يَنُبْ) بِفَتْحٍ فَضَمٍّ لِمَنْ أَحْرَمَ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ قَبْلَ حَجَّةِ الْفَرْضِ وَأَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ (قَضَاءُ)

ص: 337

تَطَوُّعٍ عَنْ وَاجِبٍ، وَكُرِهَ حَمْلُهَا لِلْمَحْمَلِ، وَلِذَلِكَ اُتُّخِذَتْ السَّلَالِمُ، وَرُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا لَا شَعْرِهَا، وَالْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ

ــ

[منح الجليل]

حَجِّ (تَطَوُّعٍ) مُفْسَدٍ (عَنْ) حَجِّ (وَاجِبٍ) عَلَيْهِ أَصَالَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ بِالنَّذْرِ بِدَلِيلِ تَعْبِيرِهِ بِوَاجِبٍ دُونَ فَرْضٍ، سَوَاءٌ نَوَى عِنْدَ إحْرَامِ الْقَضَاءِ الْقَضَاءَ وَالْوَاجِبَ أَوْ الْقَضَاءَ فَقَطْ وَنَوَى نِيَابَتَهُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ فِي الصُّورَتَيْنِ قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ عَنْ وَاجِبٍ، وَنَظَرَ فِيهِ تت، وَاسْتَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْقَضَاءِ أَيْضًا. وَيُؤَيِّدُ الْبِسَاطِيَّ قَوْلُهُ وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ أَجْزَأَ عَنْ النَّذْرِ فَقَطْ، فَإِنْ نَوَى الْوَاجِبَ فَقَطْ أَجْزَأَ عَنْهُ وَبَقِيَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مُفْسَدِ التَّطَوُّعِ وَمَفْهُومُ تَطَوُّعٍ أَنَّ مَنْ نَذَرَ حَجًّا وَأَفْسَدَهُ وَقَضَاهُ يَنُوبُ لَهُ عَنْ الْوَاجِبِ إذَا نَوَاهُمَا مَعًا، وَلَكِنَّ تَعْلِيلَ الشَّارِحِ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ، وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْوَاجِبِ أَصَالَةً وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ إلَخْ، وَأَنَّ قَضَاءَ النَّذْرِ مُسَاوٍ لِقَضَاءِ التَّطَوُّعِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ أَصَالَةً.

(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الزَّوْجُ الْمُحْرِمُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (حَمْلُهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ مُحْرِمَةً أَمْ لَا (لِلْمَحْمِلِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا مَحْرَمُهَا كَأَبِيهَا فَلَا يُكْرَهُ لَهُ حَمْلُهَا كَمَا يَظْهَرُ مِنْ نَقْلِ الْمَوَّاقِ عَنْ الْجَوَاهِرِ مِنْ اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِالزَّوْجِ وَظَاهِرٌ وَلَوْ مِنْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ يُكْرَهُ لَهُ كَالزَّوْجِ وَالْأَجْنَبِيِّ حَمْلُهُ لَهَا مَمْنُوعٌ حَلَالًا أَكَانَ أَوْ مُحْرِمًا (وَلِذَلِكَ) أَيْ: كُرِهَ حَمْلُ الْمَرْأَةِ لِلْمَحْمِلِ (اُتُّخِذَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (السَّلَالِمُ) الَّتِي تَرْقَى النِّسَاءُ عَلَيْهَا لِلْمَحَامِلِ فِي الْأَسْفَارِ (وَ) كُرِهَ لَهُ (رُؤْيَةُ ذِرَاعَيْهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَالظَّاهِرُ حُرْمَةُ مَسِّهِمَا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي مَظِنَّةِ اللَّذَّةِ مِنْ رُؤْيَتِهِمَا (لَا) يُكْرَهُ رُؤْيَةُ (شَعْرِهَا) أَيْ: الزَّوْجَةِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَةُ مَسِّهِ.

(وَ) لَا يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (الْفَتْوَى فِي أُمُورِهِنَّ) وَلَوْ الْمُتَعَلِّقَةَ بِفُرُوجِهِنَّ كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ هَذَا ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِ الْجَوَاهِرِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَحْمِلَهَا لِلْمَحْمِلِ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْتِيَ الْمُفْتِي فِي أُمُورِ النِّسَاءِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. طفى الْمُرَادُ بِلَا

ص: 338

وَحَرُمَ بِهِ وَبِالْحَرَمِ مِنْ نَحْوِ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ لِلتَّنْعِيمِ، وَمِنْ الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ لِلْمَقْطَعِ، وَمِنْ عَرَفَةَ تِسْعَةٌ، وَمِنْ جُدَّةَ

ــ

[منح الجليل]

بَأْسَ الْإِبَاحَةُ بِدَلِيلِ مُقَابَلَةِ الْأَئِمَّةِ بِالْمَكْرُوهِ، وَمَا فِي الْجَوَاهِرِ هـ هُوَ لَفْظُ الْمَوَّازِيَّةِ كَمَا فِي مَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ.

(وَحَرُمَ بِ) سَبَبِ (هـ) أَيْ: الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ صَحِيحًا كَانَ أَوْ فَاسِدًا عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ (وَبِالْحَرَمِ) أَيْ: فِيهِ وَلَوْ لِغَيْرِ مُحْرِمٍ وَفَاعِلُ حَرُمَ تَعَرُّضُ الْآتِي، وَلَمَّا كَانَ لِلْحَرَمِ حُدُودٌ حَدَّدَهَا سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُرَيْشٌ بَعْدَ قَلْعِهَا، ثُمَّ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ " رضي الله عنه " ثُمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ بَيْنَ الْمُعْتَمَدِ مِنْهُ مُحَدِّدًا لَهَا بِالْمَوَاضِعِ وَالْأَمْيَالِ فَقَالَ وَحَدُّهُ (مِنْ نَحْوِ) أَيْ جِهَةِ (الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ بِأَنْوَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ (لِ) مَبْدَأِ (التَّنْعِيمِ) مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّى بِمَسْجِدِ عَائِشَةَ الْآنَ، فَمَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَالتَّنْعِيمِ حَرَمٌ.

وَاخْتُلِفَ فِي مِسَاحَتِهِ فَقِيلَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، وَقِيلَ خَمْسَةٌ فَأَوْ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ وَالتَّنْعِيمِ مِنْ الْحِلِّ بِدَلِيلِ مَا مَرَّ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ مِنْهُ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْخِلَافُ فِي قَدْرِ الْمِيلِ وَفِي الذِّرَاعِ هَلْ هُوَ ذِرَاعُ الْآدَمِيِّ أَوْ الْبَزِّ الْمِصْرِيِّ.

(وَ) حَدُّهُ (مِنْ) نَحْوِ (الْعِرَاقِ ثَمَانِيَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ (لِلْمَقْطَعِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالطَّاءِ بَيْنَهُمَا قَافٌ سَاكِنَةٌ وَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءُ مُشَدَّدَةٌ أَيْ: ثَنِيَّةُ جَبَلٍ بِمَكَانٍ يُسَمَّى الْمَقْطَعُ.

(وَ) حَدُّهُ مِنْ نَحْوِ (عَرَفَةَ تِسْعَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ لِطَرْفِ نَمِرَةَ مِنْ جِهَةِ مَكَّةَ وَتُسَمَّى عُرَنَةَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَادٍ بَيْنَ الْحَرَمِ وَعَرَفَةَ بِالْفَاءِ. وَحَدُّهُ مِنْ جِهَةِ الْجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ إلَى شِعْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَحَدُّهُ مِنْ جِهَةِ الْيَمَنِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ إلَى أَضَاةَ بِوَزْنِ نَوَاةٍ.

(وَ) مِنْ نَحْوِ (جُدَّةَ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَشَدِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ قَرْيَةٌ بِسَاحِلٍ الْبَحْرِ غَرْبِيِّ مَكَّةَ

ص: 339

عَشْرَةٌ لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ تَعَرُّضُ بَرِّيٍّ، وَإِنْ تَأَنَّسَ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ، أَوْ طَيْرَ مَاءٍ.

وَجُزْأَهُ وَبَيْضَهُ،

ــ

[منح الجليل]

بَيْنَهُمَا مَرْحَلَتَانِ (عَشَرَةٌ) مِنْ الْأَمْيَالِ (لِآخِرِ الْحُدَيْبِيَةِ) بِشَدِّ التَّحْتِيَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ " رضي الله عنه " بِالتَّخْفِيفِ، وَالْمُرَادُ لِآخِرِهَا مِنْ جِهَةِ الْحِلِّ، فَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ " رضي الله عنه " وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَةٌ وَاحِدَةٌ.

(وَ) أَشَارَ لِسَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ تَحْدِيدُ الْحَرَمِ بِأَنَّهُ (يَقِفُ سَيْلُ الْحِلِّ دُونَهُ) أَيْ السَّيْلِ الْجَارِي مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ لَا يَدْخُلُهُ وَأَمَّا السَّيْلُ الْجَارِي مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ فَيَخْرُجُ إلَيْهِ وَهَذَا أَغْلَبِيٌّ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْأَزْرَقِيِّ يَدْخُلُهُ مِنْ جِهَةِ التَّنْعِيمِ، وَكَذَا قَوْلُ الْفَاكِهِيِّ مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ وَفَاعِلُ حَرُمَ (تَعَرُّضُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ آخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ حَيَوَانٍ (بَرِّيٍّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: مَنْسُوبٍ لِلْبَرِّ اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْبَحْرِيِّ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ التَّعَرُّضُ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] وَفِيهِ حُذِفَ النَّعْتُ أَيْ: وَحْشِيٍّ بِدَلِيلِ الْمُبَالَغَةِ إنْ اسْتَمَرَّ وَحْشِيًّا.

بَلْ (وَإِنْ تَأَنَّسَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: تَطَبَّعَ بِطِبَاعِ الْإِنْسِيِّ وَشَمِلَ الْبَرِّيُّ الْجَرَادَ وَالضُّفْدَعَ الْبَرِّيَّ وَالسُّلَحْفَاةَ الْبَرِّيَّةَ الَّتِي مَقَرُّهَا فِي الْبَرِّ، وَإِنْ عَاشَتْ فِي الْمَاءِ بِخِلَافِ الْبَحْرِ يَأْتِ الَّتِي مَقَرُّهَا الْبَحْرُ، وَإِنْ عَاشَتْ فِي الْبَرِّ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا تَفْسِيرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ " رضي الله عنه " وَلَيْسَ مِنْ الصَّيْدِ الْكَلْبُ الْبَرِّيُّ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَسَوَاءٌ أُكِلَ لَحْمُ الْبَرِّيِّ (أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ كَخِنْزِيرٍ وَقِرْدٍ وَسَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحًا (أَوْ) كَانَ الْبَرِّيُّ (طَيْرَ مَاءٍ) أَيْ طَيْرًا بَرِّيًّا يُلَازِمُ الْمَاءَ لِأَكْلِهِ السَّمَكَ الصَّغِيرَ، وَلِذَا أُضِيفَ لِلْمَاءِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَطِيرُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ لِإِبَاحَتِهِ لِلْمُحْرِمِ.

(وَ) حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ تَعَرُّضُ (بَيْضِهِ) أَيْ: الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ. (وَ) حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ وَفِي الْحَرَمِ (جُزْؤُهُ) أَيْ: الْبَرْيِ الْوَحْشِيِّ بِالزَّايِ، أَيْ: يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِبَعْضِهِ أَيْضًا، وَضَبَطَهُ ابْن غَازِيٍّ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ، غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَبَيْضَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لِبَيْضِهِ فَأَوْلَى لِجَرْوِهِ وَلِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ بَرِّيٍّ.

ص: 340

وَلِيُرْسِلْهُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ، وَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ

ــ

[منح الجليل]

وَلِأَنَّهُ سَيَنُصُّ عَلَى الْجَرْوِ فِي قَوْلِهِ وَالصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ شُرْبُ لَبَنِ صَيْدٍ وَحْدَهُ مَحْلُوبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْبُهُ إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ إمْسَاكُهُ، فَإِنْ حَلَبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

(وَ) إنْ مَلَكَ حِلٌّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ شِرَائِهِ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّتِهِ مِنْ صَائِدِهِ الْحِلِّ فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ فَ (لْيُرْسِلْهُ) أَيْ: يُطْلِقْ الْمَالِكُ الصَّيْدَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ إنْ كَانَ (بِيَدِهِ) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ كَانَ بِقَفَصٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (أَوْ) كَانَ مَعَ (رُفْقَتِهِ) فِي قَفَصٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ وَتَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ (وَزَالَ مِلْكُهُ) أَيْ: مَنْ أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَالصَّيْدُ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ (عَنْهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ فَلَوْ أَرْسَلَهُ أَحَدٌ فَلَا يَضْمَنُهُ أَوْ أَطْلَقَهُ الْمُحْرِمُ فَأَخَذَهُ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِالْوَحْشِ فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَ.

فَإِذَا تَحَلَّلَ الْمُحْرِمُ مِنْ إحْرَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبْقَاهُ الْمُحْرِمُ بِيَدِهِ وَرُفْقَتِهِ حَتَّى تَحَلَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ. فَإِنْ ذَبَحَهُ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَأَمَّا مَنْ اصْطَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ الْحَرَمُ فَلَمْ يَمْلِكْهُ حَتَّى يُقَالَ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. وَأَمَّا الْحَلَالُ إذَا اصْطَادَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ آفَاقِيًّا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ الْحَرَمَ، وَلَوْ كَانَ أَقَامَ بِمَكَّةَ إقَامَةً قَاطِعَةً حُكْمَ السَّفَرِ قَبْلَ اصْطِيَادِهِ.

فَإِنْ ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ فَمَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَإِنْ كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْحَرَمِ فَلَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَلَهُ ذَبْحُهُ فِي الْحَرَمِ وَأَكْلُهُ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ آفَاقِيٌّ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ وَسَيَأْتِي هَذَا فِي قَوْلِهِ وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ. وَفِي تت أَنَّ مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ زَمَنًا طَوِيلًا صَارَ كَأَهْلِهَا فِي هَذَا وَصَرَّحَ بِمَفْهُومِ بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ فَقَالَ

ص: 341

لَا بِبَيْتِهِ، وَهَلْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ؟ تَأْوِيلَانِ، فَلَا يَسْتَجِدُّ مِلْكَهُ وَلَا يَسْتَوْدِعُهُ،

ــ

[منح الجليل]

لَا) يَزُولُ مِلْكُ مَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ اصْطِيَادِهِ صَيْدًا أَوْ شِرَائِهِ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّتِهِ حَلَّ فِي حِلٍّ عَنْ الصَّيْدِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ إنْ كَانَ الصَّيْدُ (بِبَيْتِهِ) أَيْ الْمُحْرِمِ.

(وَهَلْ) عَدَمُ وُجُوبِ إرْسَالِهِ وَعَدَمُ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ مُطْلَقٌ إنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ (وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ) أَيْ: الْبَيْتِ كَأَهْلِ الْمِيقَاتِ وَمَنْ مَنْزِلُهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ أَوْ مُقَيَّدٌ بِإِحْرَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهُ زَالَ مِلْكُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) أَيْ: فَهْمَانِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ أَحْرَمَ وَفِي بَيْتِهِ صَيْدٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ، الْأَوَّلُ لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ، وَالثَّانِي نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَ مَا بِيَدِهِ أَوْ رُفْقَتِهِ وَبَيْنَ مَا بِبَيْتِهِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ أَنَّ الْبَيْتَ يُرْتَحَلُ عَنْهُ وَلَا يُصَاحِبُهُ وَغَيْرَهُ مُنْتَقِلٌ بِانْتِقَالِهِ وَمُصَاحِبٌ لَهُ (فَلَا يَسْتَجِدُّ) الْمُحْرِمُ أَوْ الْآفَاقِيُّ فِي الْحَرَمِ (مِلْكَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ بِشِرَاءٍ أَوْ قَبُولِ عَطِيَّةٍ أَوْ إقَالَةٍ، فَإِنْ وَرِثَهُ أَوْ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ زَالَ مِلْكُهُ وَأَرْسَلَهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ وَقَبُولُ عَطِيَّتِهِ.

(وَلَا يَسْتَوْدِعُهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الدَّالِ، أَيْ: لَا يَقْبَلُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَدِيعَةً لَا مِنْ مُحْرِمٍ وَلَا مِنْ حَلَالٍ، قَالَ فِي الطِّرَازِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْخُذَ صَيْدًا وَدِيعَةً فَإِنْ فَعَلَ رَدَّهُ إلَى رَبِّهِ، فَإِنْ غَابَ فَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَهُ وَيَضْمَنَ قِيمَتَهُ لِرَبِّهِ. وَمَعْنَاهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ يُودِعُهُ عِنْدَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ فَلَا يُرْسِلُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ: لَا يَجْعَلُهُ وَدِيعَةً عِنْدَ غَيْرِهِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامِهِ.

ص: 342

وَرُدَّ إنْ وَجَدَ مُودِعَهُ وَإِلَّا بَقِيَ، وَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ قَوْلَانِ؛ إلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا، وَغُرَابًا، وَحِدَأَةً،

ــ

[منح الجليل]

وَ) مَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ وَدِيعَةً مِنْ حَلَالٍ فِي الْحِلِّ (رَدَّهُ) لِمُودِعِهِ وُجُوبًا (إنْ وَجَدَ مُودِعَهُ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْحَلَالَ أَوْ الَّذِي أَحْرَمَ بَعْدَ الْإِيدَاعِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمًا يُجْبِرُهُ عَلَى قَبُولِهِ أَرْسَلَهُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ وَلَا يَضْمَنُهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُودِعَهُ وَلَا حَلَالًا يُودِعُهُ عِنْدَهُ (بُقِّيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: الصَّيْدُ بِيَدِ مُودَعِهِ بِالْفَتْحِ، وَلَا يُرْسِلُهُ لِقَبُولِهِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، فَإِنْ مَاتَ عِنْدَهُ ضَمِنَ جَزَاءَهُ لَا قِيمَتَهُ قَالَهُ عج. فَإِنْ قَبِلَهُ مُحْرِمٌ مِنْ حَلَالٍ وَلَمْ يَجِدْهُ وَجَبَ إيدَاعُهُ عِنْدَ حَلَالٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ أَرْسَلَهُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ لِمُودِعِهِ الْحَلَالِ وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ إيدَاعِهِ وَمُفَارَقَتِهِ الْمُودَعَ بِالْفَتْحِ. وَإِنْ قَبِلَهُ مُحْرِمٌ مِنْ مُحْرِمٍ أَرْسَلَهُ وَلَوْ حَضَرَ الْمُودِعُ وَلَا يَرُدُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَصُوَرُهَا تِسْعٌ ذَكَرَهَا عج؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُودِعَهُ حَلَالٌ عِنْدَ حَلَالٍ ثُمَّ يُحْرِمُ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ، أَوْ حَلَالٌ عِنْدَ مُحْرِمٍ أَوْ مُحْرِمٌ عِنْدَ مُحْرِمٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَجِدَ الْمُودَعُ بِالْفَتْحِ رَبَّ الصَّيْدِ أَوْ حَلَالًا يُودِعُهُ عِنْدَهُ أَوْ لَا يَجِدُ أَحَدَهُمَا.

(وَفِي صِحَّةِ اشْتِرَائِهِ) أَيْ: الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ مِنْ حَلَالِ الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ مِنْ سَاكِنِهِ الصَّائِدِ فِي الْحِلِّ وَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ فَإِنْ رَدَّهُ لَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَفَسَادُهُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِبَائِعِهِ إنْ لَمْ يَفُتْ (قَوْلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَالثَّانِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَعَلَى الصِّحَّةِ لِلْبَائِعِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي وَضْعِ يَدِ الْمُحْرِمِ عَلَيْهِ وَإِرْسَالِهِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ فِي عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي مَالِيَّتِهِ فَيَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ قَالَهُ سَنَدٌ فَيُلْغِزُ بِهِ بَيْعٌ صَحِيحٌ مَضَى بِالْقِيمَةِ وَاسْتَظْهَرَ الْحَطّ رُجُوعَهُ بِثَمَنِهِ.

وَاسْتَثْنَى مِنْ الْبَرِّيِّ فَقَالَ (إلَّا الْفَأْرَةَ وَالْحَيَّةَ) تَاؤُهُمَا لِلْوَحْدَةِ (وَالْعَقْرَبَ مُطْلَقًا) صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً (وَغُرَابًا) أَسْوَدَ أَوْ أَبْقَعَ (وَحِدَأَةً) كَعِنَبَةٍ فَيَجُوزُ قَتْلُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ لَا بِنِيَّةِ ذَكَاتِهَا، فَإِنْ نَوَى ذَكَاتَهَا فَلَا يَجُوزُ نَقَلَهُ سَنَدٌ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَفِيهَا الْجَزَاءُ. تت وَأَلْحَقَ بِالْفَأْرِ بِنْتَ عُرْسٍ وَمَا يَقْرِضُ الثِّيَابَ مِنْ الدَّوَابِّ، وَدَخَلَ فِيهِ الْحَيَّةُ الْأَفْعَى وَأَلْحَقَ

ص: 343

وَفِي صَغِيرِهِمَا خِلَافٌ: كَعَادِي سَبُعٍ كَذِئْبٍ إنْ كَبُرَ: كَطَيْرٍ خِيفَ؛ إلَّا بِقَتْلِهِ، وَوَزَغًا لِحِلٍّ بِحَرَمٍ: كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ وَاجْتَهَدَ،

ــ

[منح الجليل]

بِالْعَقْرَبِ الرُّتَيْلَى دَابَّةً صَغِيرَةً سَوْدَاءَ وَالزُّنْبُورَ.

وَفِي جَوَازِ قَتْلِ (صَغِيرِهِمَا) أَيْ: الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَهُوَ مَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الْإِيذَاءِ نَظَرًا لِلَفْظِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ، وَمَنَعَهُ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَهُوَ انْتِفَاءُ الْإِيذَاءِ. وَعَلَى هَذَا الْإِجْزَاءُ مُرَاعَاةً لِلْأَوَّلِ (خِلَافٌ) وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ فَقَالَ (كَعَادِي سَبُعٍ) كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَفَهْدٍ وَبِهِ فَسَّرَ حَدِيثَ «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك فَعَدَا عَلَيْهِ السَّبُعُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ عُتَيْبَةُ بْنُ أَبِي لَهَبٍ» (كَذِئْبٍ) مِثَالٌ لِعَادِي السَّبُعِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ لَا تَذْكِيَتُهُ (إنْ كَبِرَ) بِكَسْرِ الْبَاءِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ قَتْلِ كُلِّ عَادٍ وَلَا يُقَالُ قَاعِدَتُهُ إرْجَاعُ الشَّرْطِ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ؛ لِأَنَّهَا فِي كَافِ التَّشْبِيهِ لِإِفَادَةِ حُكْمٍ فِي غَيْرِ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَا فِي كَافِ التَّمْثِيلِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، فَإِنْ صَغُرَ كُرِهَ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ.

وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ أَيْضًا فَقَالَ (كَطَيْرٍ) غَيْرِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ (خِيفَ) مِنْهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ لَهُ بَالٌ وَلَا يَنْدَفِعُ وَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ (إلَّا بِقَتْلِهِ) فَيَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ (وَ) إلَّا (وَزَغَا) فَيَجُوزُ قَتْلُهُ (لِحِلٍّ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: غَيْرِ مُحْرِمٍ (بِحَرَمٍ) أَيْ: فِيهِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الْإِيذَاءُ، وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ مُطْلَقًا وَيُطْعِمُ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مَا جَازَ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ لَكَثُرَتْ فِي الْبُيُوتِ وَحَصَلَ مِنْهَا الْإِضْرَارُ بِإِفْسَادِ مَا تَصِلُ إلَيْهِ، وَمُدَّةُ الْإِحْرَامِ قَصِيرَةٌ قَالَهُ فِي مَنْسَكِهِ.

وَفِي الشَّارِحِ يُمْنَعُ قَتْلَهَا الْمُحْرِمُ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ. وَصَرَّحَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ بِالْمَنْعِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ بِالْكَرَاهَةِ. طفى الْمُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَإِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ أَطْعَمَ كَسَائِرِ الْهَوَامِّ وَالْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى الْإِطْعَامِ.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَزَاءِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ عَمَّ الْجَرَادُ) أَيْ: كَثُرَ بِحَيْثُ لَا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ فِعْلًا جَزَاءً وَلَا حُرْمَةَ فِي قَتْلِهِ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (وَاجْتَهَدَ) الْمُحْرِمُ فِي

ص: 344

وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ.

أَصَابَ جَرَادَةً فَعَلَيْهِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَفِي الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ، وَإِنْ فِي نَوْمٍ: كَدُودٍ.

وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ

ــ

[منح الجليل]

التَّحَفُّظِ مِنْ قَتْلِهِ وَاوُهُ لِلْحَالِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ وَقَتَلَهُ مُفَرِّطًا (فَقِيمَتُهُ) أَيْ الْجَرَادِ طَعَامًا تَلْزَمُ قَاتِلَهُ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ ظَاهِرُهُ كَالْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ بِلَا حُكُومَةٍ. وَلِابْنِ الْقَاسِمِ بِحُكُومَةٍ وَلَا مَانِعَ مِنْ عَوْدِ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ لِلْوَزَغِ أَيْضًا إذَا قَتَلَهُ مُحْرِمٌ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَطْعِمْ كَسَائِرِ الْهَوَامِّ. وَعَلَى ظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادُ قِيمَتُهُ بِنَظَرِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَعَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَخْرَجَ بِلَا حُكُومَةٍ فَلَا يُجْزِئُ.

(وَفِي) الْجَرَادَةِ (الْوَاحِدَةِ حَفْنَةٌ) أَيْ: مِلْءُ يَدٍ وَاحِدَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَا مَقْبُوضَةٍ وَلَا مَبْسُوطَةٍ، وَمَفْهُومُ الْوَاحِدَةِ أَنَّ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا قِيمَتَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْجَلَّابِ، وَفِي الْمَوَّاقِ مَا يُفِيدُ أَنَّ فِي الْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الْوَاحِدَةِ حَفْنَةً، وَأَنَّ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا قِيمَتَهُ. وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ تَعَيُّنُ الْحَفْنَةِ وَالْقِيمَةِ مِنْ الطَّعَامِ. وَقَالَ الْبَاجِيَّ فِي شَرْحِ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ مَنْ أَصَابَ جَرَادَةً فَعَلَيْهِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الصِّيَامَ لَحُكِمَ عَلَيْهِ بِصَوْمِ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ هَذَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا تَسَارُعُ الْفُقَهَاءِ إلَى إيجَابِ قَبْضَةٍ مِنْ طَعَامٍ لَعَلَّهُ؛ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَى مَنْ أَصَابَ الْجَرَادَةَ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ الْإِعْلَانِ بِالتَّخْيِيرِ وَالْقَبْضَةُ دُونَ الْحَفْنَةِ، لَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَالْخَطْبُ سَهْلٌ.

وَمِثْلُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِحُكْمِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَحَيْثُ كَانَتْ الْقَبْضَةُ هِيَ الْحَفْنَةُ أَوْ قُرْبُهَا سَقَطَ اعْتِرَاضُ عج عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ كَدُودٍ بِأَنَّ الَّذِي فِيهِ قَبْضَةٌ لَا حَفْنَةٌ إنْ قَتَلَهَا يَقَظَةً عَمْدًا بَلْ (وَإِنْ) قَتَلَهَا (فِي نَوْمٍ) أَوْ نِسْيَانٍ. وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْحَفْنَةِ فَقَالَ (كَدُودٍ) وَذَكَرٍ وَنَمْلٍ وَذُبَابٍ فَفِي قَتْلِهَا حَفْنَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَغَيْرِهَا، وَتَعْبِيرُهُ بِاسْمِ الْجِنْسِ. يُوهِمُ أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا مَعَ أَنَّ فِيهَا مَا فِي الْكَثِيرِ وَلَوْ جِدًّا مِنْ الْحَفْنَةِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَوْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي الْحَفْنَةِ، مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْمَوَّازِيَّةِ قَبْضَةٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ دُونَ الْحَفْنَةِ كَمَا مَرَّ وَلَكِنَّهُمَا مُتَقَارِبَانِ وَالْخَطْبُ سَهْلٌ وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْجَرَادَ وَالدُّودَ لَيْسَا كَالْقَمْلَةِ وَالْقَمَلَاتِ.

(وَالْجَزَاءُ) وَاجِبٌ (بِقَتْلِهِ) أَيْ: الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْوَحْشِيِّ إنْ قَتَلَهُ لِغَيْرِ مَخْمَصَةٍ بَلْ

ص: 345

وَإِنْ لِمَخْمَصَةٍ وَجَهْلٍ وَنِسْيَانٍ، وَتَكَرَّرَ كَسَهْمٍ مَرَّ بِالْحَرَمِ، وَكَلْبٍ تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ،

ــ

[منح الجليل]

وَإِنْ) قَتَلَهُ (لِمَخْمَصَةٍ) أَيْ شِدَّةِ جُوعٍ عَامَّةً أَوْ خَاصَّةً تُبِيحُ الْمَيْتَةَ وَتُقَدَّمُ الْمَيْتَةُ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي، قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقَاضِي. وَهَلْ يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ حِينَئِذٍ أَوْ لَا قَوْلَانِ.

(وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ وَيَنْتَفِي الْإِثْمُ لِأَجْلِ (جَهْلٍ) لِعَيْنِ الصَّيْدِ أَوْ حُكْمِ قَتْلِهِ لِحَدَاثَةِ إسْلَامٍ (وَنِسْيَانٍ) وَسَوَاءٌ كَانَ لِاتِّحَادِ قَتْلِ الصَّيْدِ أ (وَتَكَرَّرَ) فَيَتَكَرَّرُ الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ قَتْلِهِ، وَلَوْ نَوَى التَّكَرُّرَ أَوْ كَانَ فِي فَوْرٍ أَوْ ظَنَّ الْإِبَاحَةَ فَلَيْسَ كَالْفِدْيَةِ فَفِيهَا وَمَنْ قَتَلَ صُيُودًا فَعَلَيْهِ بِعَدَدِهَا كَفَّارَاتٌ.

وَشَبَّهَ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَسَهْمٍ) رَمَاهُ فِي حِلٍّ عَلَى صَيْدٍ فِي حِلٍّ وَالْحَرَمُ بَيْنَهُمَا فَ (مَرَّ) السَّهْمُ (بِالْحَرَمِ) وَأَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَمَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَخَالَفَهُ أَشْهَبُ (وَكَلْبٍ) أَرْسَلَهُ حِلٌّ فِي حِلٍّ عَلَى صَيْدٍ فِي حِلٍّ وَمَرَّ الْكَلْبُ بِالْحَرَمِ وَقَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَمَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ إنْ (تَعَيَّنَ طَرِيقُهُ) أَيْ: الْكَلْبِ إلَى الصَّيْدِ مِنْ الْحَرَمِ

ص: 346

أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهِ، أَوْ أَرْسَلَ بِقُرْبِهِ فَقَتَلَ خَارِجَهُ،

ــ

[منح الجليل]

فَطَرِيقُهُ بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ وَمَفْهُومُ تَعَيَّنَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ طَرِيقُهُ مِنْ الْحَرَمِ يُؤْكَلُ، وَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ غَازِيٍّ سَوَّى اللَّخْمِيُّ مَسْأَلَتَيْ السَّهْمِ وَالْكَلْبِ فِي الْخِلَافِ وَاخْتَارَ فِيهِمَا جَوَازَ الْأَكْلِ وَعَدَمَ الْجَزَاءِ وَالتَّقْيِيدُ فِي الْكَلْبِ تَبِعَ فِيهِ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ.

(أَوْ قَصَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ: فَرَّطَ الْمُحْرِمُ أَوْ مَنْ فِي الْحَرَمِ (فِي رَبْطِهِ) أَيْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُصَادُ بِهِ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ فَانْفَلَتَ وَقَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَلَا يُؤْكَلُ فَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (أَوْ أَرْسَلَ) الصَّائِدُ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ (بِقُرْبِهِ) أَيْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُدْرِكُهُ فِي الْحَرَمِ (فَقَتَلَ) الْجَارِحُ الصَّيْدَ (خَارِجَهُ) أَيْ الْحَرَمِ بَعْدَ إدْخَالِهِ فِيهِ فَمَيْتَةٌ لَا يُؤْكَلُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ وَأَوْلَى إنْ قَتَلَهُ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ خَارِجَهُ وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِيهِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَيُؤْكَلُ حَيْثُ كَانَ الصَّائِدُ حَلَالًا. وَمَفْهُومُ بِقُرْبِهِ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ فِي بَعِيدٍ مِنْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إدْرَاكُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فِيهِ أَوْ خَارِجَهُ بَعْدَ إدْخَالِهِ فِيهِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ.

أَبُو إبْرَاهِيمَ لَوْ أَجْرَى الشَّخْصُ أَوْ الْكَلْبُ الصَّيْدَ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ وَتَرَكَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْكَلَ كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ.

وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الِاصْطِيَادِ قُرْبَ الْحَرَمِ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّهُ مُبَاحٌ إذَا سَلِمَ مِنْ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إمَّا مَنْعًا أَوْ كَرَاهَةً بِحَسَبِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «كَالرَّاتِعِ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» . الْحَطَّابُ الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ، ثُمَّ إنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ مِنْهُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِقُرْبِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -. التُّونُسِيُّ وَيُؤْكَلُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُصَنِّفِ الصُّورَةُ الْأَخِيرَةُ لَكِنْ لِضَعْفِ الْقَوْلِ بِالْجَزَاءِ فِيهَا تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الثَّانِيَةِ.

ص: 347

وَطَرْدِهِ مِنْ حَرَمٍ، وَرَمْيٍ مِنْهُ أَوْلَهُ، وَتَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ، وَجَرْحِهِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ، وَلَوْ بِنَقْصٍ،

ــ

[منح الجليل]

(وَ) يَلْزَمُ الْجَزَاءُ بِ (طَرْدِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (مِنْ حَرَمٍ) إلَى حِلٍّ فَصَادَهُ صَائِدٌ فِيهِ أَوْ هَلَكَ قَبْلَ عَوْدِهِ لِلْحَرَمِ أَوْ شَكَّ فِي اصْطِيَادِهِ أَوْ هَلَاكِهِ، وَقَيَّدَ ابْنُ يُونُسَ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ الصَّيْدُ لَا يَنْجُو بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ عَلَى طَارِدِهِ. وَلَوْ تَلِفَ أَوْ صِيدَ؛ لِأَنَّ طَرْدَهُ حِينَئِذٍ لَا أَثَرَ لَهُ، وَمَفْهُومُ مِنْ حَرَمٍ أَنَّ طَرْدَهُ عَنْ الرَّحْلِ وَالطَّعَامِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ هَلَكَ بِسَبَبِهِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ.

(وَ) فِي (رَمْيٍ مِنْهُ) أَيْ: الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَلَا يُؤْكَلُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرًا لِابْتِدَاءِ الرَّمْيَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ يُؤْكَلُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ نَظَرًا لِانْتِهَائِهَا (أَوْ) رَمْيٍ مِنْ الْحِلِّ (لَهُ) أَيْ: الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِيهِ فَقَتَلَهُ فَلَا يُؤْكَلُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ اتِّفَاقًا، وَمِثْلُ الرَّمْيِ فِي الْحَالَيْنِ إرْسَالُ الْكَلْبِ، وَيُفْهَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَنْ بِالْحَرَمِ إذَا أَرَادَ صَيْدًا بِالْحِلِّ فَذَهَبَ لَهُ عَازِمًا عَلَى اصْطِيَادِهِ فَرَآهُ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَرْمِهِ وَلَمْ يُرْسِلْ لَهُ كَلْبَهُ وَنَحْوَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ فَصَادَهُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ. وَفِي كَلَامِ سَنَدٍ مَا يُفِيدُهُ اُنْظُرْ الْحَطّ.

وَعَطَفَ عَلَى قَتْلِهِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ أَيْضًا فَقَالَ (وَتَعْرِيضِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ (لِلتَّلَفِ) كَنَتْفِ رِيشِهِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الطَّيَرَانِ بِدُونِهِ وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ، كَذَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ نَتَفَ رِيشَهُ وَأَمْسَكَهُ عِنْدَهُ حَتَّى نَبَتَ رِيشُهُ الَّذِي يَطِيرُ بِهِ وَأَطْلَقَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ أَخْذُهُ مِنْ مَكَّةَ وَإِرْسَالُهُ بِالْأَنْدَلُسِ حَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ وَإِرْسَالُهُ أَيْ: إطْلَاقُهُ وَتَخْلِيَةُ سَبِيلِهِ.

(وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ فِي (جَرْحِهِ) أَيْ الصَّيْدِ جُرْحًا لَمْ يَنْفُذْ مَقْتَلَهُ وَغَابَ مَجْرُوحًا (وَلَمْ تَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ) قَيَّدَ فِي تَعْرِيضِهِ وَجَرْحِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ سَلَامَتُهُ أَوْ غَلَبَتْ عَلَى الظَّنِّ بِلَا نَقْصٍ بَلْ (وَلَوْ بِنَقْصٍ) فَلَا جَزَاءَ فِيهِ فَهِيَ مُبَالَغَةٌ فِي مَفْهُومٍ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ سَلَامَتُهُ، وَأَشَارَ بِوَلَوْ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ إنْ سَلِمَ نَاقِصًا لَزِمَهُ مَا بَيْنَ قِيمَتَيْهِ مَثَلًا قِيمَتُهُ سَالِمًا ثَلَاثَةُ أَمْدَادٍ، وَمَعِيبًا مُدَّانِ فَيَلْزَمُهُ مُدٌّ وَهَذَا ضَعِيفٌ.

ص: 348

وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ لِشَكٍّ ثُمَّ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ: كَكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِكِينَ، وَبِإِرْسَالٍ لِسَبُعٍ، أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ.

وَبِقَتْلِ غُلَامٍ أُمِرَ بِإِفْلَاتِهِ فَظَنَّ الْقَتْلَ،

ــ

[منح الجليل]

وَكَرَّرَ) الْجَزَاءَ (إنْ أَخْرَجَ) الْجَزَاءَ (لِشَكٍّ) أَيْ: مُطْلَقٍ تَرَدَّدَ فِي سَلَامَةِ الصَّيْدِ فِي صُورَتَيْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّلَفِ وَجَرْحِهِ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ (ثُمَّ) بَعْدَ إخْرَاجِهِ (تَحَقَّقَ) أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ (مَوْتَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ. التِّلِمْسَانِيُّ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَبْلَ الْوُجُوبِ أَيْ: فِي الْوَاقِعِ، وَمَفْهُومُ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ عَلَى شَكِّهِ لَا يُكَرِّرْهُ وَأَوْلَى إنْ تَحَقَّقَ مَوْتَهُ قَبْلَهُ أَوْ ظَنَّهُ.

وَشَبَّهَ فِي تَكَرُّرِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَكُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرَكِينَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا فِي قَتْلٍ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانُوا مُحْرِمِينَ أَمْ لَا أَوْ فِي الْحِلِّ وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَمَفْهُومُ الْمُشْتَرَكِينَ أَنَّهُ لَوْ تَمَالَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ وَقَتَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَعَلَيْهِ وَحْدَهُ جَزَاؤُهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِي الْمُشْتَرَكِينَ فِي قَتْلِهِ لِمَنْ فِعْلُهُ أَقْوَى فِي تَسَبُّبِ الْمَوْتِ عَنْهُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ أَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ إلَخْ. وَأَمَّا لَوْ تَمَيَّزَتْ جِنَايَاتُهُمْ وَعُلِمَ مَوْتُهُ مِنْ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ لِاسْتِقْلَالِهِ بِقَتْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ ضَرْبَةُ غَيْرِهِ هِيَ الَّتِي عَاقَتْهُ عَنْ النَّجَاةِ، وَلَوْ اشْتَرَكَ حِلٌّ وَمُحْرِمٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَجَزَاؤُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ.

(وَ) الْجَزَاءُ (بِإِرْسَالٍ) مِنْ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ لِكَلْبٍ أَوْ بَازٍ (لِسَبُعٍ) أَيْ: عَلَيْهِ فِي ظَنِّ الصَّائِدِ وَقَتَلَهُ الْكَلْبُ أَوْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَقَرُ وَحْشٍ مَثَلًا (أَوْ نَصْبِ شَرَكٍ لَهُ) أَيْ: السَّبُعِ الَّذِي يَفْتَرِسُ غَنَمَهُ أَوْ طَيْرَهُ أَوْ نَفْسَهُ فَعَطِبَ فِيهِ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ فَالْجَزَاءُ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرًا لِسَبُعٍ فَوَقَعَ فِيهَا غَيْرُهُ فَيَضْمَنُ دِيَتَهُ أَوْ قِيمَتَهُ.

(وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى سَيِّدٍ مُحْرِمٍ (بِقَتْلِ غُلَامٍ) أَيْ رَقِيقٍ الصَّيْدَ الَّذِي (أُمِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْغُلَامُ مِنْ سَيِّدِهِ (بِإِفْلَاتِهِ) أَيْ إطْلَاقِ الصَّيْدِ (فَظَنَّ) الْغُلَامُ أَنَّ (الْقَتْلَ) هُوَ

ص: 349

وَهَلْ إنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ أَوْ لَا؟ تَأْوِيلَانِ، وَبِسَبَبٍ وَلَوْ اتَّفَقَ: كَفَزَعِهِ فَمَاتَ وَالْأَظْهَرُ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ: كَفُسْطَاطِهِ وَبِئْرٍ لِمَاءٍ

ــ

[منح الجليل]

الَّذِي أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِهِ وَعَلَى الْعَبْدِ جَزَاءٌ أَيْضًا إنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ فِي الْحَرَمِ وَلَا يَنْفَعُهُ خَطَأُ ظَنِّهِ أَوْ وَلِيٌّ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ وَعَلَى الْعَبْدِ جَزَاءٌ أَيْضًا إنْ قَتَلَهُ طَائِعًا، فَإِنْ أَكْرَهَهُ فَقَالَ أَبُو عُمَرَ إنَّ عَلَى السَّيِّدِ الْجَزَاءَيْنِ قَالَ سَالِمٌ اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِمْ طَوْعُ الرَّقِيقِ إكْرَاهٌ. وَمِثْلُ الْأَمْرِ بِالذَّبْحِ الْأَمْرُ بِالِاصْطِيَادِ وَمِثْلُ الْغُلَامِ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ وَمَفْهُومُ ظَنَّ الْقَتْلَ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ لَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْعَبْدِ فَقَطْ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ اللَّخْمِيِّ.

(وَهَلْ) لُزُومُ الْجَزَاءِ لِلسَّيِّدِ بِقَتْلِ غُلَامِهِ (إنْ تَسَبَّبَ السَّيِّدُ فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ بِأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي اصْطِيَادِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ السَّيِّدُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ؛ إذْ لَمْ يَفْعَلْ خَيْرًا (أَوْ لَا) يُقَيَّدُ بِذَلِكَ وَالْجَزَاءُ عَلَى السَّيِّدِ مُطْلَقًا فِيهِ (تَأْوِيلَانِ) الْأَوَّلُ لِابْنِ الْكَاتِبِ، وَالثَّانِي لِابْنِ مُحْرِزٍ فَقَوْلُهُ أَوْ لَا بِسُكُونِ الْوَاوِ نَفْيٌ لِقَوْلِهِ إنْ تَسَبَّبَ أَيْ: أَوْ لَا يُشْتَرَطُ تَسَبُّبُ السَّيِّدِ. وَجَوَّزَ ابْنُ غَازِيٍّ شَدَّ الْوَاوِ وَالتَّنْوِينِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَسَبَّبَ، وَعَلَيْهِ فَقَدْ حُذِفَ التَّأْوِيلُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ.

(وَ) يَجِبُ الْجَزَاءُ (بِسَبَبٍ) أَيْ: فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الْحِلِّ مِنْ مُحْرِمٍ إنْ قَصَدَ السَّبَبَ بَلْ (وَلَوْ اتَّفَقَ) كَوْنُهُ سَبَبًا بِلَا قَصْدٍ (كَفَزَعِهِ) أَيْ الصَّيْدِ مِنْ رُؤْيَةِ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ (فَمَاتَ) الصَّيْدُ فَالْجَزَاءُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَالْأَظْهَرُ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفِ لَا ابْنُ رُشْدٍ كَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ (وَالْأَصَحُّ) عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالتُّونُسِيِّ (خِلَافُهُ) أَيْ قَوْلِ أَشْهَبَ بِعَدَمِ لُزُومِ الْجَزَاءِ وَهُوَ مَيْتَةٌ.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَفُسْطَاطِهِ) أَيْ: خَيْمَةِ الْمُحْرِمِ أَوْ مَنْ فِي الْحَرَمِ إذَا تَعَلَّقَ الصَّيْدُ بِهَا بَاطِنًا فَمَاتَ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلِلْجَلَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ كَجَوَازِهِ عَلَى رُمْحِهِ الْمَرْكُوزِ فَعَطِبَ بِهِ قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

(وَ) حَفْرِ (بِئْرٍ لِمَاءٍ) فَوَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ، وَافَقَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى عَدَمِ

ص: 350

وَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ، وَرَمْيِهِ عَلَى فَرْعٍ أَصْلُهُ بِالْحَرَمِ، أَوْ بِحِلٍّ وَتَحَامَلَ فَمَاتَ بِهِ إنْ أَنْفَذَ مَقْتَلَهُ، وَكَذَا إنْ حَلَّ لَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْمُخْتَارِ، أَوْ أَمْسَكَهُ لِيُرْسِلَهُ فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ،

ــ

[منح الجليل]

الْجَزَاءِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ، وَقَالَ بِالْجَزَاءِ فِي فَزَعِهِ فَمَاتَ قِيلَ وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لَا شَكَّ فِيهِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْجَزَاءِ فِي الْبِئْرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَطْفٌ عَلَى فُسْطَاطٍ فَقَالَ (وَدَلَالَةِ مُحْرِمٍ أَوْ حِلٍّ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ وَفَاعِلُهُ الْمَحْذُوفُ مُحْرِمٌ أَيْ: دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ وَقَدْ أَثِمَ وَمِثْلُهَا الْإِعَانَةُ.

(وَ) لَا جَزَاءَ فِي (رَمْيِهِ) أَيْ الصَّيْدِ حَالَ كَوْنِهِ مُسْتَقِرًّا (عَلَى فَرْعٍ) مُمْتَدٍّ فِي هَوَاءِ الْحِلِّ وَ (أَصْلُهُ) أَيْ: الْفَرْعِ نَابِتٌ (بِالْحَرَمِ) وَالْفَرْعُ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْحَرَمِ وَيُؤْكَلُ فَإِنْ كَانَ مُسَامِتًا لِحَدِّ الْحَرَمِ فَفِيهِ الْجَزَاءُ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ أَكْلِ الصَّيْدِ الَّذِي عَلَى فَرْعٍ فِي الْحِلِّ أَصْلُهُ بِالْحَرَمِ وَعَدَمُ الْجَزَاءِ فِيهِ جَوَازُ قَطْعِ ذَلِكَ الْفَرْعِ، فَإِنَّ ابْنَ عَرَفَةَ صَرَّحَ بِعَدَمِ جَوَازِهِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشَّجَرِ أَصْلُهُ وَفِي الصَّيْدِ مَحَلُّهُ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّجَرَ الْمَغْرُوسَ فِي الْحِلِّ يَجُوزُ قَطْعُ فَرْعِهِ الَّذِي فِي الْحَرَمِ وَاَلَّذِي غُرِسَ فِي الْحَرَمِ يَحْرُمُ قَطْعُ فَرْعِهِ الَّذِي فِي الْحِلِّ (أَوْ) رَمَى الْحَلَالُ صَيْدًا (بِحِلٍّ) فَأَصَابَهُ السَّهْمُ فِي الْحِلِّ (وَتَحَامَلَ) الصَّيْدُ بِنَفْسِهِ وَدَخَلَ الْحَرَمَ (فَمَاتَ) الصَّيْدُ (بِهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى الرَّامِي (إنْ) كَانَ (أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَيُؤْكَلُ.

(وَكَذَا) أَيْ: الصَّيْدُ الَّذِي أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقْتَلَهُ فِي الْحِلِّ فِي الْأَكْلِ وَعَدَمُ الْجَزَاءِ الصَّيْدُ الْمُصَابُ بِسَهْمٍ فِي الْحِلِّ الْمُتَحَامِلُ لِلْحَرَمِ الْمَيِّتُ بِهِ (وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ) السَّهْمُ مَقْتَلَهُ (عَلَى الْمُخْتَارِ) اعْتِبَارًا بِأَصْلِ الرَّمْيِ لَا بِوَقْتِ الْمَوْتِ وَاخْتِيَارُ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا لِلتُّونُسِيِّ بِالْجَزَاءِ وَعَدَمِ الْأَكْلِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ بِعَدَمِ الْجَزَاءِ وَلَا يُؤْكَلُ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ بِعَدَمِ الْجَزَاءِ وَيُؤْكَلُ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.

(أَوْ أَمْسَكَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (لِيُرْسِلَهُ) أَيْ: الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ (فَقَتَلَهُ) أَيْ: الصَّيْدَ وَهُوَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ (مُحْرِمٌ) آخَرُ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ عَلَى مُمْسِكِهِ وَجَزَاؤُهُ عَلَى

ص: 351

وَإِلَّا فَعَلَيْهِ وَغَرِمَ الْحِلُّ لَهُ الْأَقَلَّ، وَلِلْقَتْلِ شَرِيكَانِ، وَمَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ مَيْتَةٌ:

ــ

[منح الجليل]

قَاتِلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ مُحْرِمٌ وَقَتَلَهُ حِلٌّ فِي الْحِلِّ (فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُمْسِكِ الْجَزَاءُ (وَغَرِمَ الْحِلُّ) الْقَاتِلُ (لَهُ) أَيْ الْمُمْسِكُ (الْأَقَلَّ) مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ وَجَزَائِهِ لِتَسَبُّبِهِ بِقَتْلِهِ فِي وُجُوبِ جَزَائِهِ عَلَى مُمْسِكِهِ لِإِرْسَالِهِ (وَ) إنْ أَمْسَكَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ (لِلْقَتْلِ) فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ فَهُمَا (شَرِيكَانِ) فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فَعَلَى وَاحِدٍ جَزَاءٌ كَامِلٌ. فِي التَّوْضِيحِ إذَا أَمْسَكَ الْهَرِمُ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهُ لِيُرْسِلَهُ أَوْ لِيَقْتُلَهُ وَالْأَوَّلُ إنْ قَتَلَهُ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِيهِ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْمُمْسِكَ لَمْ يُمْسِكْهُ لِلْقَتْلِ وَإِنَّمَا فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ.

(وَمَا) أَيْ: الْبَرِّيُّ الَّذِي (صَادَهُ) شَخْصٌ (مُحْرِمٌ) مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ وَمَاتَ أَوْ نَفَذَ مَقْتَلَهُ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّى بَعْدَهُ أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ بِأَمْرِ الْمُحْرِمِ، أَوْ إعَانَتِهِ، أَوْ دَلَالَتِهِ، أَوْ إشَارَتِهِ، أَوْ مُنَاوَلَتِهِ نَحْوَ سَوْطٍ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّى بَعْدَهُ، أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ بِدُونِ مَدْخَلِيَّةِ الْمُحْرِمِ ثُمَّ ذَكَّاهُ الْمُحْرِمُ، أَوْ أَمَرَ بِهَا (أَوْ صِيدَ لَهُ) أَيْ الْمُحْرِمِ مُعِينًا أَوْ لَا بِلَا أَمْرِهِ لِيُبَاعَ، أَوْ يُهْدِيَ لَهُ، أَوْ يُضَيِّفَ بِهِ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ بَعْدَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَخَبَرُ مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ (مَيْتَةٌ) لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ وَلَا حَلَالٌ، فَإِنْ صِيدَ لَهُ وَذَكَّى بَعْدَ تَحَلُّلِهِ كُرِهَ أَكْلُهُ قَالَهُ الْحَطّ وَنَحْوَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. وَأَمَّا مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ فَمَيْتَةٌ وَلَوْ ذَكَّى بَعْدَ تَحَلُّلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى حَالَ إحْرَامِهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ وَنُوقِضَ الْمَشْهُورُ بِهِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ إرَاقَةِ خَمْرٍ خَلَّلَهَا مَنْ أُمِرَ بِإِرَاقَتِهَا أَوْ حَبْسِهَا حَتَّى تَخَلَّلَتْ، وَيُجَابُ بِأَنَّ حُكْمَ التَّخْلِيلِ حُرْمَةُ الْإِرَاقَةِ فَرَفَعَتْ وُجُوبَهَا لِمُنَاقَضَةِ مُتَعَلِّقِهَا مُتَعَلِّقَهُ ضَرُورَةَ مُنَاقَضَةِ عَدَمِ الشَّيْءِ وُجُودَهُ، وَحُكْمُ التَّحَلُّلِ جَوَازُ الْإِمْسَاكِ وَالْإِرْسَالِ فَلَمْ يَرْفَعْ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ لِعَدَمِ مُنَافَاةِ مُتَعَلِّقِهِ مُتَعَلِّقَهُ، وَلِذَا قِيلَ الْجَوَازُ جُزْءُ الْوُجُوبِ وَإِذَا نُسِخَ بَقِيَ الْجَوَازُ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الدَّوَامُ كَالْإِنْشَاءِ فَلَا يُرْسِلُهُ بَعْدَ إحْلَالِهِ

ص: 352

كَبَيْضِهِ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، إنْ عَلِمَ وَأَكَلَ،

ــ

[منح الجليل]

كَإِنْشَاءِ صَيْدٍ حِينَئِذٍ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ إرْسَالُ مَا صِيدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ. وَيُجَابُ بِمَا مَرَّ مَعَ الْتِزَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ إنْشَاءِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وُجُوبُ إرْسَالِهِ وَلِلْحَلَالِ جَوَازُ إمْسَاكِهِ وَإِرْسَالِهِ فَلَا يُرْفَعُ وُجُوبُهُ كَمَا مَرَّ.

الْبُنَانِيُّ جَوَابُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ إرْسَالَ مَا صِيدَ وَقْتَ الْإِحْلَالِ جَائِزٌ لَا مَمْنُوعٌ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بِصَيْدِهِ صَارَ مَالًا، وَفِي إرْسَالِهِ إضَاعَتُهُ اهـ. قُلْت الْإِضَاعَةُ الْمُحَرَّمَةُ الْإِتْلَافُ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِإِحْرَاقٍ أَوْ كَسْرٍ أَوْ إغْرَاقٍ فِي عَمِيقِ بَحْرٍ وَالْإِرْسَالُ لَيْسَ إتْلَافًا لِإِمْكَانِ اصْطِيَادِهِ بَعْدَهُ.

وَشَبَّهَ فِي التَّحْرِيمِ فَقَالَ (كَبَيْضِهِ) أَيْ: الصَّيْدِ وَهُوَ جَمِيعُ الطَّيْرِ إلَّا الْإِوَزَّ وَالدَّجَاجَ إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ أَوْ حِلٌّ فِي الْحِلِّ الْمُحَرَّمِ فَمَيْتَةٌ لَا يَأْكُلُهُ حِلٌّ وَلَا مُحْرِمٌ، وَظَاهِرُهُ نَجَاسَتُهُ لَهُمَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ سَنَدٌ أَمَّا مَنْعُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ فَبَيِّنٌ، وَأَمَّا مَنْعُ غَيْرِ الْمُحْرِمِ مِنْهُ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ لَا يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ حَتَّى يَكُونَ بِفِعْلِ الْمُحْرِمِ مَيْتَةً عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَزِيدُ فِعْلُ الْمُحْرِمِ فِيهِ عَلَى فِعْلِ الْمَجُوسِيِّ فِيهِ، وَالْمَجُوسِيُّ إذَا شَوَى بَيْضَ الصَّيْدِ أَوْ كَسَرَهُ فَلَا يَحْرُمُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ لِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَالْمَجُوسِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. الْحَطّ وَهُوَ بَيِّنٌ.

وَوَجْهُ الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْبَيْضَ بِمَنْزِلَةِ الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جَنِينٌ. وَيُرَشِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ وَكْرَ طَيْرٍ فِيهِ فِرَاخٌ وَبَيْضٌ فَعَلَيْهِ فِي الْبَيْضِ الدِّيَةُ وَقِشْرُهُ طَاهِرٌ عَلَى بَحْثِ سَنَدٍ وَنَجِسٌ عَلَى الْمَشْهُورِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ إذْ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ لَا يُفِيدُ إلَّا مَنْعًا مِنْ الْأَكْلِ مُطْلَقًا وَلَا يُفِيدُ أَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَنَصُّهَا عَلَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ شَوَى بَيْضَ نَعَامٍ فَأَخْرَجَ جَزَاءَهُ لَمْ يَصْلُحْ أَكْلُهُ وَلَا لِحَلَالٍ. اهـ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ إذْ كَوْنُهُ مَيْتَةً بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَفِيهِ) أَيْ: مَا صَادَهُ حَلَالٌ لِمُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ (الْجَزَاءُ) عَلَى الْمُحْرِمِ الْآكِلِ مِنْهُ (إنْ عَلِمَ) الْمُحْرِمُ بِأَنَّهُ صِيدَ لِمُحْرِمٍ هُوَ الْآكِلُ أَوْ غَيْرُهُ (وَأَكَلَ) الْمُحْرِمُ مِنْهُ فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ أَكْلُهُ عَالِمًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَيْتَةً. الْبَاجِيَّ اخْتَلَفَ عَنْ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

ص: 353

لَا فِي أَكْلِهَا.

وَجَازَ مَصِيدُ حِلٍّ لِحِلٍّ، وَإِنْ سَيُحْرِمُ) ، وَذَبْحُهُ بِحَرَمٍ مَا صِيدَ بِحِلٍّ،

ــ

[منح الجليل]

هَلْ يُجْزِي كُلُّ الصَّيْدِ أَوْ قَدْرُ مَا أَكَلَ، وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْأَوَّلُ وَأَمَّا مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ سَوَاءٌ أَكَلَ مِنْهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَى غَيْرِهِ الْآكِلِ وَلَوْ مُحْرِمًا عَالِمًا بِأَنَّهُ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ وَأَفَادَ هَذَا بِقَوْلِهِ (لَا) جَزَاءَ (فِي أَكْلِهَا) أَيْ: مَيْتَةِ الصَّيْدِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِأَكْلِ الْمُحْرِمِ مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إذْ لَا يَتَعَدَّدُ وَيَرْجِعُ أَيْضًا لِلْمُحْرِمِ الصَّائِدِ نَفْسِهِ إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِاصْطِيَادِهِ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ مِنْهُ إذْ لَا يَتَعَدَّدُ، وَيَرْجِعُ أَيْضًا لِمَفْهُومِ إنْ عَلِمَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِهِ مِنْهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ. وَافْتَرَقَ صَيْدُ الْمُحْرِمِ مِمَّا صِيدَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ بِاصْطِيَادِهِ وَمَا صِيدَ لَهُ لَمْ يَجِبْ جَزَاؤُهُ عَلَى صَائِدِ الْحَلَالِ.

(وَجَازَ مَصِيدُ) شَخْصٍ وَمَكَانٍ (حِلٍّ لِ) أَجْلِ شَخْصٍ (حِلٍّ) سَوَاءٌ كَانَ الصَّائِدَ أَوْ غَيْرَهُ أَيْ: أَكْلُهُ لِمُحْرِمٍ إنْ كَانَ الْحِلُّ الصَّائِدُ وَالْحِلُّ الْمَصِيدُ لَهُ لَيْسَا نَاوِيَيْنِ الْإِحْرَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ الْحِلُّ الصَّائِدُ أَوْ الْحِلُّ الْمَصِيدُ لَهُ أَوْ هُمَا مَعًا (سَيُحْرِمُ) مَنْ ذَكَرَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إنْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَإِلَّا فَمَيْتَةٌ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ بِإِحْرَامِهِ وَوُجُوبِ إرْسَالِهِ وَدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا ذُبِحَ لِمُحْرِمٍ، فَهَذَا مَفْهُومُ صَادَهُ مُحْرِمٌ أَوْ صِيدَ لَهُ.

(وَ) جَازَ لِحَلَالٍ سَاكِنٍ بِالْحَرَمِ (ذَبْحُهُ بِحَرَمٍ) أَيْ: فِيهِ (مَا) أَيْ: بَرِّيًّا وَحْشِيًّا (صِيدَ بِحِلٍّ) أَيْ: فِيهِ صَادَهُ حِلٌّ لِحِلٍّ كَانَ الصَّائِدَ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا الْآفَاقِيُّ الْحِلُّ إذَا اصْطَادَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذٍ مَقْتَلُهُ وَدَخَلَ بِهِ الْحَرَمَ فَإِنَّهُ يَزُولُ مَالِكُهُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَإِنْ ذَكَّاهُ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ. وَلَوْ أَقَامَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْحَرَمِ إقَامَةً قَطَعَتْ حُكْمَ السَّفَرِ فَجَوَازُ ذَبْحِ الصَّيْدِ بِالْحَرَمِ رُخْصَةٌ لِخُصُوصِ أَهْلِهِ السَّاكِنِينَ بِهِ، وَالرُّخْصَةُ لَا يُقَاسَ عَلَيْهَا نَعَمْ أُلْحِقَ بِالسُّكْنَى طُولُ الْإِقَامَةِ وَمَفْهُومُ بِحِلٍّ أَنَّ مَا صِيدَ بِحَرَمٍ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ بِهِ وَلَا يَحِلُّ وَيَجِبُ إرْسَالُهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَيْتَةٌ وَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَكَذَا مَا صَادَهُ مُحْرِمٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

ص: 354

وَلَيْسَ الْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ بِصَيْدٍ، بِخِلَافِ الْحَمَامِ.

وَحَرُمَ بِهِ قَطْعُ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، إلَّا الْإِذْخِرَ وَالسَّنَا:

ــ

[منح الجليل]

وَلَيْسَ الْإِوَزُّ) الْإِنْسِيُّ الَّذِي لَا يَطِيرُ (وَالدَّجَاجُ) الَّذِي لَا يَطِيرُ وَإِلَّا فَهُوَ صَيْدٌ قَالَهُ سَنَدٌ (بِصَيْدٍ) فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ بِالْحَرَمِ ذَبْحُهُ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْإِنْسِيِّ وَالْغَنَمِ، وَأَمَّا الْإِوَزُّ الْعِرَاقِيُّ فَصَيْدٌ كَالْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ (بِخِلَافِ الْحَمَامِ) الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ وَلَوْ رُومِيًّا مُتَّخَذًا لِلْفِرَاخِ فَهُوَ صَيْدٌ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا وَالْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلِبَيْضِهِ.

(وَحَرُمَ) عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ (بِهِ) أَيْ: فِي الْحَرَمِ (قَطْعُ مَا) أَيْ: الَّذِي (يَنْبُتُ) جِنْسُهُ (بِنَفْسِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ مِنْ آدَمِيٍّ كَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَالطَّرْفَاءِ وَأُمِّ غِيلَانٍ وَلَوْ زَرَعَهُ شَخْصٌ نَظَرًا لِجِنْسِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْضَرِهِ وَيُسَمَّى عُشْبًا وَخَلَى بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَقْصُورًا، وَيَابِسُهُ وَيُسَمَّى كَلَأً بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ مَهْمُوزًا مَقْصُورًا. وَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا ذَكَرَ وَلَوْ لِاحْتِشَاشِ الْبَهَائِمِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْكَافِي وَابْنِ رُشْدٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَوْلَهَا يُكْرَهُ الِاحْتِشَاشُ، وَحَمَلَهَا سَنَدٌ عَلَى ظَاهِرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ.

(إلَّا الْإِذْخِرَ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نَبْتٌ كَالْحَلْفَاءِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ وَاحِدُهُ إذْخِرَةٌ وَجَمْعُهُ أَذَاخِرُ بِفَتْحِ الْهَمْزِ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ وَهُوَ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَثْنَاهُ لَمَّا قَالَ لَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَّا الْإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم إلَّا الْإِذْخِرَ (وَ) إلَّا (السَّنَا) بِالْقَصْرِ نَبْتٌ مُسَهِّلٌ يُتَدَاوَى بِهِ قَاسَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ عَلَى الْإِذْخِرِ فِي جَوَازِ قَطْعِهِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ وَرَأَوْهُ مِنْ، قِيَاسِ الْأَوْلَى بِالْحُكْمِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فِي الْأَدْوِيَةِ. وَفِي الْقَامُوسِ السَّنَا ضَوْءُ الْبَرْقِ وَنَبْتٌ مُسَهِّلٌ لِلصَّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ وَالسَّوْدَاءِ وَيَمُدُّ. اهـ. وَهُوَ أَحَدُ الْمُلْحَقَاتِ بِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاؤُهُ وَهُوَ الْإِذْخِرُ فَقَطْ وَهِيَ السَّنَا وَالْهَشُّ أَيْ: قَطْعُ وَرَقِ الشَّجَرِ بِالْمِحْجَنِ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ عَصًا مُعْوَجَّ الرَّأْسِ كَالْخُطَّافِ، فَيُجْعَلُ عَلَى الْغُصْنِ وَيُسْحَبُ فَيَسْقُطُ وَرَقُهُ، فَهَذَا جَائِزٌ.

ص: 355

كَمَا يُسْتَنْبَتُ، وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ، وَلَا جَزَاءَ كَصَيْدِ الْمَدِينَةِ

ــ

[منح الجليل]

وَأَمَّا ضَرْبُهُ بِالْعَصَا لِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، وَالْعَصَا وَالسِّوَاكُ وَقَطْعُ الشَّجَرِ لِلْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ. وَسَادِسُهَا قَطْعُهُ لِاصْطِلَاحِ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ فَجُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَيَاتِ سَبْعَةٌ. وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى السَّنَا لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اسْتَثْنَى الْإِذْخِرَ فِي الْحَدِيثِ وَزَادَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ السَّنَا لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَرَأَوْهُ مِنْ قِيَاسِ الْأَحْرَى؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ إلَيْهِ فِي الْأَوْدِيَةِ لِكُثْرٍ وَأَشَدُّ مِنْ حَاجَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى الْإِذْخِرِ وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إجَازَةِ بَعْضِهِمْ اجْتِنَاءَ الْكُمَاةِ. وَإِجَازَةِ الشَّافِعِيِّ قَطْعَ الْمَسَاوِيكِ.

زَادَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَجَائِزٌ الرَّعْيُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَحَرَمِ الْمَدِينَةِ فِي الْحَشِيشِ وَالشَّجَرِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَحْتَشَّ فِي الْحَرَمِ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ خِيفَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ، وَكَذَلِكَ الْحَرَامُ فِي الْحِلِّ إلَّا أَنْ يَسْلَمَا مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَأَكْرَهُ لَهُمْ ذَلِكَ وَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَبْطِ وَقَالَ هُشُّوا وَارْعَوْا، قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْهَشُّ، تَحْرِيكُ الشَّجَرِ بِالْمِجَنِّ لِيَقَعَ وَرَقُهُ وَلَا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ وَالْعَضْدُ الْكَسْرُ اهـ.

وَشَبَّهَ فِي الْجَوَازِ الْمُفَادِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ (كَمَا) أَيْ: الَّذِي (يُسْتَنْبَتُ) جِنْسُهُ كَخَسٍّ وَبَقْلٍ وَسَلْقٍ وَكُرَّاثٍ وَحِنْطَةٍ وَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَفَقُّوسٍ وَكَخَوْخٍ وَعُنَّابٍ وَعِنَبٍ وَنَخْلٍ فَيَجُوزُ قَطْعُهُ إنْ اسْتُنِبْتَ بَلْ (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ) بِأَنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ بِمَثَابَةِ مَا تَوَحَّشَ مِنْ الْإِنْسِيِّ (وَلَا جَزَاءَ) عَلَى قَاطِعِ مَا حَرُمَ قَطْعُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى التَّحْرِيمِ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ.

وَشَبَّهَ فِي الْحُرْمَةِ وَعَدَمِ الْجَزَاءِ فَقَالَ (كَصَيْدِ) حَرَمِ (الْمَدِينَةِ) الشَّرِيفَةِ الْمُنَوَّرَة بِأَنْوَارِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَيَحْرُمُ. وَلَا جَزَاءَ فِيهِ كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الْمَاضِيَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرِّمَ لِحَرَمِ الْمَدِينَةِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ عليه الصلاة والسلام وَالْمُحْرِمُ لِحَرَمٍ مَكَّةَ سَيِّدُنَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صلى الله عليه وسلم وَنَبِيُّنَا أَعْظَمُ مِنْهُ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، أَفَادَهُ فِي التَّوْضِيحِ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ الْحَجِّ مِنْ سَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ، مَا نَصُّهُ حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ

ص: 356

بَيْنَ الْحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ.

ــ

[منح الجليل]

لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ، قَالَ عليه الصلاة والسلام «اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمُ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا» . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ صَادَ فِيهَا صَيْدًا فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ الْجَزَاءَ كَحَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى أَنَّ الصَّيْدَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ أَخَفُّ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ. فَلَمْ يَرَ عَلَى مَنْ صَادَ فِيهِ إلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالزَّجْرَ مِنْ الْإِمَامِ قِيلَ لَهُ فَهَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي يُصَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ مَا هُوَ مِثْلُ مَا يُصَادُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَإِنِّي لَأَكْرَهَهُ، فَرُوجِعَ فِيهِ فَقَالَ لَا أَدْرِي وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ.

وَحَرَّمَهَا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ مَا (بَيْنَ الْحِرَارِ) الْمُحِيطَةِ بِهَا جَمْعُ حَرَّةٍ أَيْ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ نَخِرَةٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِنَارٍ فَالْمَدِينَةُ دَاخِلَةٌ فِي حَرَمِ الصَّيْدِ وَالْجَمْعُ لِمَا فَوْقَ الْوَاحِدِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ إلَّا حَرَّتَانِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِكُلِّ حَرَّةٍ طَرَفَيْنِ وَهُمَا الْمُرَادُ بِلَابَتَيْهَا (وَ) كَقَطْعِ (شَجَرِهَا) أَيْ الْمَدِينَةِ (بَرِيدًا) طُولًا مِنْ طَرَفِ بُيُوتِهَا (فِي بَرِيدٍ) أَيْ مَعَ بَرِيدٍ آخَرَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ مِنْ طَرَفِ الْبُيُوتِ أَيْضًا. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ مَسَافَةُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهَا مِنْ طَرَفِ دُورِهَا فَفِي بِمَعْنَى مَعَ عَلَى حَدِّ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ} [الأعراف: 38]، أَيْ: مَعَ أُمَمٍ فَالْمَدِينَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّجَرِ لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَهُوَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ يُرِيدُ وَالْمُعْتَبَرُ الْبُيُوتُ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم وَسُوَرُهَا الْآنَ الدَّاخِلُ هُوَ طَرَفُهَا فِي زَمَنِهِ عليه الصلاة والسلام، فَمَا بَيْنَ سُورَيْهَا مِنْ حَرَمِ الشَّجَرِ أَيْضًا. وَالْمُرَادُ بِالشَّجَرِ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَيُسْتَثْنَى مَا اسْتَثْنَى مِنْ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ اتِّكَالًا عَلَى الْقِيَاسِ بِالْأَوْلَى.

ابْنُ حَبِيبٍ تَحْرِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ، وَأَمَّا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، وَحَكَاهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مَا بَيْنَ هَذِهِ الْحِرَارِ مِنْ الدُّورِ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ أَنْ يُصَادَ فِيهِ صَيْدٌ، وَحَرُمَ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْهَا يُرِيدُ مِنْ كُلِّ شِقٍّ حَوْلَهَا كُلِّهَا اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ وَحَرَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ وَهُمَا حَرَّتَانِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا يُصَادُ

ص: 357

وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ

ــ

[منح الجليل]

الْجَرَادُ بِهَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يُطْرَدَ عَنْ النَّخْلِ. وَقِيلَ إنَّ حَرَّمَهَا بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ مِنْ جَانِبِهَا كُلِّهَا.

وَفِي الْإِكْمَالِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ خَاصَّةً، وَأَمَّا فِي قَطْعِ الشَّجَرِ فَبَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ مِنْ دُورِ الْمَدِينَةِ كُلِّهَا أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنِ وَهْبٍ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا» . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «وَجَعَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حَوْلَ الْمَدِينَةِ حِمًى» ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.

(وَالْجَزَاءُ) سَوَاءٌ كَانَ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ بِكَسْرِ الْمِيمِ أَوْ طَعَامًا أَوْ صِيَامًا مَشْرُوطٌ (بِحُكْمِ) رَجُلَيْنِ (عَدْلَيْنِ) عَدَالَةَ شَهَادَةٍ فَتَتَضَمَّنُ الْحُرِّيَّةَ وَالْبُلُوغَ وَالْعِلْمَ بِالْمَحْكُومِ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مُحَرَّمًا كَخِنْزِيرٍ. وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ طَعَامًا عَلَى تَقْدِيرِ جَوَازِ بَيْعِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ بِلَا حُكْمٍ أَعَادَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَلَا تَكْفِي الْفَتْوَى وَلَا الْإِشَارَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إنْشَاءٌ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اللَّفْظِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إذْنُ الْإِمَامِ. وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا غَيْرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مِثْلًا بِكَسْرِ الْمِيمِ إلَخْ هَذَا التَّعْمِيمُ هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. الْحَطّ مَا عَلِمْت خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِ الْحُكْمِ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَصَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ بِاشْتِرَاطِهِ فِيهِ.

وَذَكَرَ سَنَدٌ فِيهِ خِلَافًا بَعْدَ أَنْ قَالَ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي نَدْبِهِ قَالَ قَالَ الْبَاجِيَّ الْأَظْهَرُ عِنْدِي اسْتِئْنَافُ الْحُكْمِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْأَيَّامِ بِالْأَمْدَادِ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فَقَدْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ فَقَالَ صَوْمُ يَوْمٍ يَعْدِلُ مُدَّيْنِ، وَبِالْحُكْمِ يُتَخَلَّصُ مِنْ الْخِلَافِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُكْمُ. الرَّمَاصِيُّ أَطْلَقَ الْخِلَافَ فَظَاهِرُهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَحَلِّهِ الْفَاكِهَانِيُّ إنْ أَرَادَ ابْتِدَاءَ أَنْ يَصُومَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ فَيَنْظُرَا لَقِيمَةِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ الصَّوْمِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الطَّعَامِ، وَلَا يَكُونُ الطَّعَامُ إلَّا بِحُكْمٍ.

ص: 358

فَقِيهَيْنِ بِذَلِكَ

ــ

[منح الجليل]

وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الطَّعَامَ فَلَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَرَادَ الصِّيَامَ، فَهَا هُنَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِهِمَا بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الطَّعَامِ لَا مِنْ الصَّيْدِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ، وَكَأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالطَّعَامِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحُكْمِ. اهـ. فَيَنْزِلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِمَا قَوْلُهَا وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَا عَلَيْهِ بِجَزَاءِ مَا أَصَابَ مِنْ النَّعَمِ أَوْ بِالصِّيَامِ أَوْ بِالطَّعَامِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ فَالْجَزَاءُ مِنْ النَّعَمِ، فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا فَأَرَادَ بَعْدَ حُكْمِهِمَا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الصِّيَامِ أَوْ الطَّعَامِ يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا فَلِذَلِكَ لَهُ اهـ.

وَكَلَامُ سَنَدٍ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ عَلَى الثَّانِي، وَظَاهِرُ قَوْلِهَا وَإِنْ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الْيَرْبُوعَ وَالضَّبَّ وَالْأَرْنَبَ وَشَبَهُهُ حُكِمَ فِيهِ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، وَخُيِّرَ الْمُحْرِمُ فَإِمَّا أَطْعَمَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا عَدَمُ احْتِيَاجِ الصَّوْمِ لِلْحُكْمِ فِي الثَّانِي.

قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ عِبَارَةُ الْخَرَشِيِّ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَمِثْلُهَا فِي الْحَطّ عَنْ سَنَدٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ يَأْمُرُهُمَا بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، أَيْ: بِأَحَدِ الثَّلَاثَةِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ. وَاَلَّذِي فِي تت قَالَ فِي الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْجَزَاءِ. طفي هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا، وَعِبَارَةُ الشَّامِلِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ، وَهَكَذَا عِبَارَةُ سَنَدٍ الَّتِي نَقَلَهَا الْحَطّ وعج، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَا بِالْجَزَاءِ بَلْ الْحُكْمِ، فَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِرَجُلٍ بِجَنْبِهِ تَعَالَ أَحْكُمُ أَنَا وَأَنْتَ، فَحَكَمَا عَلَيْهِ وَفِيهِ أَيْضًا فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ تَعَالَ نَحْكُمْ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَالْأَمْرِ بِالْجَزَاءِ أَنْ يَأْمُرَهُمَا الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ لَا بِخُصُوصِ لَفْظِ الْجَزَاءِ فَفِيهَا فَإِنْ أَمَرَهُمَا بِالْحُكْمِ بِالْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ فَحَكَمَا بِهِ وَأَصَابَا إلَخْ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ قَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ وَنَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ اُحْكُمَا فَحَكَمَا عَلَيْهِ.

(فَقِيهَيْنِ) أَيْ: عَالِمَيْنِ (بِذَلِكَ) أَيْ حُكْمِ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَخَبَرُ

ص: 359

مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحَلِّهِ. وَإِلَّا فَبِقُرْبِهِ.

وَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ، وَلَا زَائِدَ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ؛ إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فَتَأْوِيلَانِ،

ــ

[منح الجليل]

الْجَزَاءِ (مِثْلُهُ) أَيْ مُقَارِبُ الصَّيْدِ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا كَفَى مُقَارِبُهُ فِي الْقَدْرِ وَبَيَّنَ الْمِثْلَ فَقَالَ (مِنْ النَّعَمِ) أَيْ: الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (أَوْ إطْعَامٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ) نَفْسِهِ حَيًّا كَبِيرًا وَلَا يُقَوِّمُ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، لَكِنْ إنْ فَعَلَ أَجْزَأَ، وَلَا يُقَوِّمُ مِثْلَهُ مِنْ النَّعَمِ بَلْ يُقَوِّمُ نَفْسَ، الصَّيْدِ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ التَّلَفِ) لَا يَوْمَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا يَوْمَ الْأَكْثَرِ مِنْ طَعَامِ جُلِّ عَيْشِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَيُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالتَّقْوِيمِ (بِمَحَلِّهِ) أَيْ التَّلَفِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ فِيهِ وَوَجَدَ بِهِ مَسَاكِينَ.

(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ بِمَحَلِّهِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَسَاكِينُ (فَ) يُقَوِّمُ أَوْ يُطْعِمُ (بِقُرْبِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا بِقُرْبِهِ أَيْضًا فَإِذَا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ حَكَّمَ اثْنَيْنِ وَوَصَفَ لَهُمَا الصَّيْدَ وَذَكَرَ لَهُمَا سِعْرَ الطَّعَامِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِمَا تَقْوِيمُهُ بِطَعَامٍ قَوَّمَاهُ بِدَرَاهِمَ وَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَبَعَثَهُ إلَى مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ.

(وَلَا يُجْزِئُ) الْإِطْعَامُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: مَحَلِّ التَّلَفِ أَوْ قُرْبِهِ مَعَ الْإِمْكَانِ بِهِ. سَنَدٌ جُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ هَدْيًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ أَوْ صِيَامًا فَحَيْثُ شَاءَ أَوْ طَعَامًا اخْتَصَرَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ (وَلَا) يُجْزِئُ (زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ) مِنْ الطَّعَامِ الْمُقَوَّمِ بِهِ الصَّيْدُ أَيْ: دَفْعُهُ (لِمِسْكِينٍ) وَلَهُ نَزْعُهُ إنْ بَقِيَ، وَبَيْنَ وَلَا يُجْزِئُ نَاقِصٌ عَنْ مُدٍّ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ، وَهَلْ إنْ بَقِيَ تَأْوِيلَانِ.

وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُجْزِي بِغَيْرِهِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ) أَيْ: الطَّعَامِ فِي مَحَلِّ الْإِطْعَامِ سِعْرَهُ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ (فَتَأْوِيلَانِ) بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَحْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُطْلَبُ ابْتِدَاءً أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ بِمَحَلِّ التَّقْوِيمِ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ فِي غَيْرِهِ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَصَابَ صَيْدًا بِمِصْرَ وَأَطْعَمَ بِالْمَدِينَةِ

ص: 360

أَوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ، وَالْفِيلُ بِذَاتِ سِنَامَيْنِ،

ــ

[منح الجليل]

أَجْزَأَ؛ لِأَنَّ سِعْرَهَا أَغْلَى، وَإِنْ أَصَابَهُ بِالْمَدِينَةِ وَأَطْعَمَ بِمِصْرَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ سِعْرَاهُمَا.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ تَفْسِيرًا لَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ خِلَافًا لَهَا وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَفِي مَكَانِهِ أَيْ: الْإِطْعَامُ ثَلَاثَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَمُحَمَّدٍ، حَيْثُ يُقَوَّمُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقٌّ، وَيُجْزِئُ حَيْثُ شَاءَ إنْ أَخْرَجَ عَلَى سِعْرِهِ، وَيُجْزِئُ إنْ تَسَاوَى السِّعْرَانِ. وَفِي الْمُوَطَّإِ يُطْعِمُ حَيْثُ أَحَبَّ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْفَرْقُ بَيْنَ كَلَامِ مُحَمَّدٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ الَّذِي شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ هُوَ تَسَاوِي السِّعْرَيْنِ وَاَلَّذِي شَرَطَهُ أَصْبَغُ اعْتِبَارُ سِعْرِ بَلَدِ التَّقْوِيمِ لَا بَلَدِ الْإِخْرَاجِ سَوَاءٌ اتَّفَقَ سِعْرُهُمَا أَوْ اخْتَلَفَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُحَمَّدًا شَرَطَ مُسَاوَاةَ السِّعْرَيْنِ وَأَنَّ أَصْبَغَ لَمْ يَنْظُرْ إلَّا إلَى قِيمَةِ الصَّيْدِ، فَإِنْ اشْتَرَى بِهِمَا طَعَامًا عَلَى سِعْرِ بَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَجْزَأَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ وَهْبٍ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنْ اخْتَلَفَ السِّعْرَانِ أَخْرَجَ قِيمَةَ الطَّعَامِ الَّذِي حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ عَيْنًا حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ فَيَشْتَرِي بِمِثْلِ تِلْكَ الْقِيمَةِ طَعَامًا حَيْثُ أُحِبُّ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ غَلَا بِتِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوْ رَخُصَ فَاعْتَبَرَ قِيمَةَ الطَّعَامِ، وَاعْتَبَرَ أَصْبَغُ قِيمَةَ الصَّيْدِ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا فِي بَلَدِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مُسَاوَاةِ الطَّعَامَيْنِ اهـ.

(أَوْ) صِيَامُ أَيَّامٍ بِعَدَدِ الْأَمْدَادِ (لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ) وَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَثَلَاثَةً قَالَهُ فِيهَا (وَكَمَّلَ) بِشَدِّ الْمِيمِ الْيَوْمَ أَوْ الْمُدَّ (لِكَسْرِهِ) أَيْ الْمُدِّ وُجُوبًا فِي الصَّوْمِ وَنَدْبًا فِي الْمُدِّ قَالَهُ الْبَاجِيَّ (فَالنَّعَامَةُ) جَزَاؤُهَا (بَدَنَةٌ) لِمُقَارَبَتِهَا لَهَا فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ (وَالْفِيلُ) جَزَاؤُهُ بَدَنَةٌ (بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) لِقُرْبِهَا مِنْهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَا نَصَّ فِي الْفِيلِ. ابْنُ مُيَسِّرٍ بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ الْقِيمَةُ. وَقِيلَ قَدْرُ وَزْنِهِ لِغَلَاءِ عَظْمِهِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَصِفَةُ وَزْنِهِ أَنْ يَجْعَلَ فِي مَرْكَبٍ وَيَنْظُرَ إلَى حَيْثُ يَنْزِلُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يُزَالُ مِنْهُ وَيُجْعَلُ

ص: 361

وَحِمَارُ الْوَحْشِ، وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ، وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ: شَاةٌ

ــ

[منح الجليل]

فِيهِ طَعَامٌ حَتَّى يَنْزِلَ ذَلِكَ فِي الْمَاءِ. ابْنُ رَاشِدٍ وَيَتَوَصَّلُ إلَى وَزْنِهِ بِالْقَبَّانِ قِيلَ الْأَوْلَى حَذْفُ الْبَاءِ أَوْ ذَاتِ.

وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَاتَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أَيْ بِبَدَنَةٍ ذَاتِ الْبَدْرِ قَوْلُهُ فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ إلَخْ أَيْ إنْ أَرَادَ إخْرَاجَ الْمِثْلِ إذْ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَوْ يَصُومَ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ عج فِيهِ نَظَرٌ إذْ الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي النَّعَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَقَوْلُهُ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ إلَخْ، فِيمَا يَرِدُ فِيهِ النَّصُّ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَتَبِعَهُ عب. طفي مَا قَالَهُ عج خَطَأٌ فَاحِشٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ كُلِّهِمْ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَمُجُّهُ الْأَسْمَاعُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ الطِّبَاعُ، وَمَا أَدْرِي أَيْنَ هَذَا النَّقْلُ الَّذِي يُفِيدُ مَا زَعَمَهُ. وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ شَيْخُهُ الْبَدْرُ إذْ كُتُبُ الْمَالِكِيَّةِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْبَدَنَةَ الَّتِي فِي النَّعَامَةِ وَالْبَقَرَةَ الَّتِي فِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَالْعَنْزَ الَّذِي فِي الظَّبْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا حَكَمَتْ بِهِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بَيَانٌ لِلْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ الْمُخَيَّرِ فِيهَا، وَلَوْلَا الْإِطَالَةُ لَجَلَبْنَا مِنْ كَلَامِهِمْ مَا يُثْلِجُ لَهُ الصَّدْرَ وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ مَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَكَمَا عَلَى رَجُلٍ أَصَابَ ظَبْيًا بِعَنْزٍ، قَالَ يُرِيدُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْمِثْلَ وَلِذَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ، وَمَنْ تَصَفَّحَ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ ظَهَرَ لَهُ مَا قُلْنَاهُ {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا} [الإسراء: 84] .

(وَحِمَارُ الْوَحْشِ) وَيُقَالُ لَهُ الْعَيْرُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَلِأُنْثَاهُ حِمَارَةٌ وَأَتَانٌ (وَبَقَرُهُ) أَيْ: الْوَحْشِ وَالْإِيَّلِ بِكَسْرِ الْهَمْزِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ قَرِيبٌ مِنْ الْبَقَرِ طَوِيلُ الْعُنُقِ جَزَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا (بَقَرَةٌ) بِتَاءِ الْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيثِ فَتَشْمَلُ الذَّكَرَ أَيْضًا وَجَمْعُهُمَا بَقَرٌ وَبُقْرَانٌ وَبُقُرٌ بِضَمَّتَيْنِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَالضَّبُعُ) الْجَوْهَرِيُّ الضَّبُعُ مَعْرُوفَةٌ وَلَا يُقَالُ ضَبِعَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ ضَبُعَانُ (وَالثَّعْلَبُ) مَعْرُوفٌ. الْكِسَائِيُّ الْأُنْثَى ثَعْلَبَةٌ وَالذَّكَرُ ثُعْلُبَانُ فِي كُلٍّ (شَاةٌ) أَيْ: وَاحِدَةٌ مِنْ غَنَمٍ فَذَكَرٌ وَتُؤَنَّثُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ خِيفَ مِنْهُمَا وَلَا يَنْدَفِعَانِ إلَّا بِقَتْلِهِمَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهُ إلَّا بِقَتْلِهِ. وَفَرَّقَ بِسُهُولَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُمَا بِصُعُودِ نَخْلَةٍ مَثَلًا بِخِلَافِ الطَّيْرِ. الْبُنَانِيُّ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ

ص: 362

كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهَا بِلَا حُكْمٍ،

ــ

[منح الجليل]

كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى غَيْرِ الْمَخُوفِ مِنْهَا إلَّا بِقَتْلِهِمَا وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ.

وَشَبَّهَ فِي الشَّاةِ فَقَالَ (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أَيْ: الْمَصِيدِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ طَارِئًا عَلَيْهَا مِنْ الْحِلِّ (وَالْحَرَمِ) عَطْفٌ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ إلْحَاقًا لِغَيْرِهَا مِنْهُ بِهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْبَغَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ حُكُومَةٌ كَحَمَامِ الْحِلِّ الَّذِي صَادَهُ مُحْرِمٌ (وَيَمَامِهَا) أَيْ الْمَصِيدِ فِي الْحَرَمِ وَمِنْهُ مَكَّةُ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ بِهِ، وَالدُّبْسِيُّ وَالْفَاخِتُ وَالْقُمَرِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ وَذَاتُ الْأَطْوَاقِ كُلُّهَا حَمَامٌ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَفِيهَا أَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِهِ وَتَجِبُ الشَّاةُ فِي حَمَامٍ وَيَمَامٍ الْحَرَمِ (بِلَا حُكْمٍ) كَالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ فَشَاةٌ بِلَا حُكْمٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ لِتَقَرُّرِهِ بِالدَّلِيلِ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا جَارٍ فِي النَّعَامَةِ إلَخْ، فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَيْنَ الْجَزَاءِ وَالصَّيْدِ بَوْنٌ عَظِيمٌ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ لَمْ يُنْظَرْ إلَى تَفَاوُتِ أَفْرَادِ الصَّيْدِ وَبِأَنَّ تَفَاوُتَ أَفْرَادِ الْحَمَامِ يَسِيرٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَكَانَ حَسَنًا، وَقَدْ خَالَفَ حَمَامُ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامُهُمَا سَائِرَ الصَّيْدِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مِثْلٌ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِحُكْمٍ، وَأَنَّهُ لَا إطْعَامَ فِيهِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الشَّاةِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ فِيهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ يَأْلَفُ النَّاسَ فَشَدَّدَ فِيهِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ إلَى قَتْلِهِ، فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي الْحِلِّ وَمَاتَ بِاصْطِيَادِهِ أَوْ ذَكَّاهُ بَعْدَهُ خَارِجَ الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ فِي الْحِلِّ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَفَادَهُ عبق.

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدِّيَاتِ الَّتِي تَقَرَّرَتْ بِالدَّلِيلِ أَيْ لِتَعَيُّنِهَا وَعَدَمِ التَّخْيِيرِ فِيهَا وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا فِيهِ تَخْيِيرٌ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ ذَكَرَهُ الْجُزُولِيُّ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ جَارٍ فِي النَّعَامَةِ وَنَحْوِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا فِيهَا التَّخْيِيرُ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ. وَقَوْلُهُ فَلَوْ فَرَّقَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ، قَالَ لَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ فِي كُلِّ جَزَاءٍ حَتَّى جَزَاءِ الْجَرَادِ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ مَا اُتُّفِقَ

ص: 363

وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ،

ــ

[منح الجليل]

عَلَيْهِ مِنْ الشَّاةِ فِيهِ لَيْسَ بِمِثْلٍ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَحْقِيقِ الْمِثْلِ. قَوْلُهُ فَإِنْ اصْطَادَهُ حِلٌّ فِي حِلٍّ إلَخْ أَيْ: فَيَجُوزُ اصْطِيَادُهُ أَبُو الْحَسَنِ. ظَاهِرُ الْكِتَابِ جَوَازُ اصْطِيَادِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ. ابْنُ نَاجِي إنْ كَانَ لَهُ فِرَاخٌ فِي الْحَرَمِ فَالصَّوَابُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ لِتَعْذِيبِ فِرَاخِهِ حَتَّى يَمُوتُوا.

(وَ) فِي الْحَمَامِ (لِلْحِلِّ) أَيْ الْمَصِيدِ فِيهِ وَإِنْ وُلِدَ بِالْحَرَمِ فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ} [الأعراف: 187] . وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [الأنبياء: 47] .

(وَ) فِي (ضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ) الْمَصِيدِ فِي حِلٍّ لِمُحْرِمٍ أَوْ حَرُمَ مُطْلَقًا وَلَوْ بِمَكَّةَ غَيْرَ حَمَامِ الْحَرَمِ وَيَمَامِهِ وَغَيْرَ مَا أَلْحَقَ بِهِمَا، وَلَوْ قَالَ وَبَاقِي كَانَ أَحْسَنَ (الْقِيمَةُ) مُعْتَبَرَةٌ يَوْمَ الْإِتْلَافِ (طَعَامًا) أَوْ عَدْلُهَا صِيَامًا، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّيْدَ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، وَمَا لَهُ مِثْلٌ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَلَمْ يَفْصِلْ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ بَيْنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، قَالَهُ فِيهَا لَا بَأْسَ بِصَيْدِ حَمَامِ مَكَّةَ فِي الْحِلِّ لِلْحَلَالِ. ابْنُ يُونُسَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ صَادَهُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهِ الشَّاةُ إذَا صَادَهُ فِي الْحَرَمِ.

(وَالصَّغِيرُ) مِنْ الصَّيْدِ فِيمَا وَجَبَ مِنْ مِثْلٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ صِيَامٍ بَدَلًا عَنْ الْأَمْدَادِ قِلَّةً وَكَثْرَةً (وَالْمَرِيضُ) مِنْهُ (وَالْجَمِيلُ) فِي صُورَتِهِ وَالْأُنْثَى وَالْمُعَلَّمُ وَلَوْ مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً (كَغَيْرِهِ) مِنْ كَبِيرٍ وَسَلِيمٍ وَقَبِيحٍ، وَذَكَرُوا مَا لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَتَسَاوِي الْمَذْكُورَاتِ مُقَابِلَاتُهَا فِي الْوَاجِبِ كَالدِّيَاتِ وَلَمْ يَقُلْ وَالْقَبِيحُ مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ لِاقْتِضَائِهِ خِلَافَ الْمَنْصُوصِ مِنْ أَنَّ الْجَمِيلَ يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّهُ قَبِيحٌ لَا الْعَكْسُ. الْقَرَافِيُّ الْفَرَاهَةُ وَالْجَمَالُ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا فِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِأَكْلِهِ وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ اللَّحْمُ فَالْمَعِيبُ عَيْبًا لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ كَالسَّلِيمِ فَيُقَوِّمُ ذَاتَ الصَّيْدِ

ص: 364

وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَ، وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ فَبِهِ.

ــ

[منح الجليل]

بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَلَا تُقَوَّمُ الْأُنْثَى عَلَى أَنَّهَا ذَكَرٌ وَلَا الذَّكَرُ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَهْلُ الْمَذْهَبِ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي الْجَزَاءِ إذَا كَانَ هَدْيًا فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرُوهَا فِي أَحَدِ أَنْوَاعِ الْجَزَاءِ إذَا كَانَ مِثْلًا مِنْ النَّعَمِ أَلْحَقُوا بِهِ بَقِيَّةَ أَنْوَاعِهِ هَذَا فِي الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.

(وَ) لَوْ كَانَ الصَّيْدُ الْمَوْصُوفُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَ مَمْلُوكًا لِشَخْصٍ بِأَنْ كَانَ مُعَلَّمًا مَنْفَعَةً شَرْعِيَّةً أَوْ صَغِيرًا أَوْ جَمِيلًا أَوْ مَرِيضًا قُوِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُعْتَبَرٍ وَصْفُهُ وَ (قُوِّمَ لِرَبِّهِ بِ) اعْتِبَارِ (ذَلِكَ) الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِهِ مِنْ التَّعَلُّمِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْجَمَالِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ ضِدِّهَا (مَعَهَا) أَيْ: الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ لَحِقَ اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: مَعَ إخْرَاجِهَا فَيُعْطِي رَبُّهُ قِيمَتَهُ عَلَى أَنَّهُ مُعَلَّمٌ مَثَلًا وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ أَيْ: جَزَاءَهُ لِلْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَتَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَقِيمَةٌ مَعَ اعْتِبَارِهَا.

(وَاجْتَهَدَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ وُجُوبًا (وَإِنْ رُوِيَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (فِيهِ) أَيْ: الصَّيْدِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِخُصُوصِهِ كَبَدَنَةٍ فِي نَعَامَةٍ وَذَاتِ سَنَامَيْنِ فِي فِيلٍ وَصِلَةٍ اجْتَهَدَا (فِيهِ) أَيْ الْجَزَاءِ الَّذِي يَحْكُمَانِ بِهِ إنْ لَمْ يُرْوَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ الصَّحَابَةِ، بَلْ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُمْ فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ وَلَوْ حُذِفَ أَحَدُهُمَا كَانَ أَحْسَنَ وَكَانَ مِنْ التَّنَازُعِ. وَمَعْنَى اجْتِهَادِهِمَا فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ اجْتِهَادُهُمَا فِي السِّمَنِ وَالْهُزَالِ وَالسِّنِّ، فَمَصَبُّ الرِّوَايَةِ النَّوْعُ وَمَصَبُّ الِاجْتِهَادِ الصِّفَاتُ كَالسِّمَنِ وَالسِّنِّ بِأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ بَدَنَةً سَمِينَةً أَوْ هَزِيلَةً مَثَلًا لِسِمَنِ النَّعَامَةِ أَوْ هُزَالِهَا وَكَأَنْ يَرَيَا أَنَّ فِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا خَمْسُ سِنِينَ لِصِغَرِهَا، وَفِي هَذِهِ النَّعَامَةِ نَاقَةً سِنُّهَا سَبْعُ سِنِينَ لِكِبَرِهَا.

عَبْدِ الْوَهَّابِ لَمْ يَكْتَفِ بِحُكْمِ الصَّحَابَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] أَفَادَهُ عب. الرَّمَاصِيُّ قَوْلُهُ وَاجْتَهَدَا إلَخْ أَمْرٌ لِلْحَكَمَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَزَمَانُهُ زَمَنُ اجْتِهَادٍ، قَالَ فِيهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَا بِاجْتِهَادِهِمَا عَنْ آثَارِ مَنْ مَضَى. اهـ. أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

ص: 365

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

قَضَى فِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَخَالَفَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُحْتَجًّا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِصِغَرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِنْ رُوِيَ فِيهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، أَيْ: عَنْ السَّلَفِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ الْعُدُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الضَّبُعِ أَنَّهُ قَضَى فِيهِ بِكَبْشٍ.

فَإِنْ قُلْت تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ فَلِمَ لَا يَكْتَفِي الْحَكَمَانِ بِمَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. قُلْت لَمْ يَخْرُجْ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ أَصْلِهِ إذْ مَعْنَى قَوْلِهِ فَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِاجْتِهَادِهِمَا لَا بِمَا رُوِيَ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ خِلَافٌ.

وَأَمَّا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا يَحِلُّ الْعُدُولُ عَنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهَا وَلَا يَكْتَفِيَانِ فِي الْجَزَاءِ بِمَا رُوِيَ وَلِيَبْتَدِئَا الِاجْتِهَادَ وَلَا يَخْرُجَانِ عَنْ أَثَرِ مَنْ مَضَى، وَكَذَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ لَا يَكْتَفِي فِي الْجَرَادِ وَلَا فِي غَيْرِهِ أَوْ النَّعَامَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَمَا دُونَهَا بِاَلَّذِي جَاءَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْتَنِفَا الْحُكْمَ فِيهِ وَلَا يَخْرُجَا عَمَّا مَضَى اهـ.

كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اجْتِهَادَهُمَا فِي الْوَاجِبِ لَا فِي سِمَنِهِ وَهُزَالِهِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ إذْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمَا لَا يَتَعَرَّضَانِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَأْتِيَا بِمَا يُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا: الْحُكْمُ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى فِي الْمَرْوِيِّ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ الَّذِي اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {يَحْكُمُ بِهِ} [المائدة: 95] فَأَتَى بِالْمُضَارِعِ الدَّالِّ عَلَى الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَوَقَعَ فِي الْآيَةِ جَوَابُ الشَّرْطِ فَخَلَّصَهُ لِلِاسْتِقْبَالِ.

ثَانِيهِمَا: إذَا حَكَمَا لَا بُدَّ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي مَحَلِّهِ، فَقَدْ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُوَطَّإِ لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ فِي النَّعَامَةِ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةٌ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ شَائِعٌ قَدِيمٌ تَكَرَّرَ حُكْمُ الْأَئِمَّةِ بِهِ وَفَتْوَى الْعُلَمَاءِ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ

ص: 366

وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ؛ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ: فَتَأْوِيلَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا اُبْتُدِئَ، وَالْأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ، وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ: عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ،

ــ

[منح الجليل]

بِهَا وَتَكَرَّرَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ. أَقُولُ حَيْثُ كَانَ الِاجْتِهَادُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الْخُرُوجِ عَمَّا رُوِيَ عَنْ السَّلَفِ لَمْ يَبْقَ مُتَعَلِّقٌ إلَّا الصِّفَاتِ مِنْ السِّنِّ وَالسِّمَنِ وَالْهُزَالِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ مَالِكٍ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْعَنَاقِ وَالْجَفْرَةِ وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

(وَلَهُ) أَيْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِجَزَاءِ صَيْدٍ (أَنْ يَنْتَقِلَ) عَمَّا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ بِأَنْ يُرِيدَ حُكْمًا آخَرَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ) مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ (فَتَأْوِيلَانِ) فِي جَوَازِ الِانْتِقَالِ عَنْهُ وَعَدَمِهِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ، وَمَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ وَالْتَزَمَهُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ لَا إنْ الْتَزَمَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، وَالتَّأْوِيلُ بِعَدَمِ الِانْتِقَالِ لِابْنِ الْكَاتِبِ وَابْنِ مُحْرِزٍ وَالتَّأْوِيلُ بِالِانْتِقَالِ لِلْأَكْثَرِ.

(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْحَكَمَانِ فِي قَدْرِ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ أَصْلِ الْحُكْمِ (اُبْتُدِئَ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْحُكْمُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ غَيْرِ صَاحِبِهِ (وَالْأَوْلَى) بِفَتْحِ الْهَمْزِ (كَوْنُهُمَا) أَيْ: الْحَكَمَيْنِ حِينَ الْحُكْمِ (بِمَجْلِسٍ) وَاحِدٍ لِيَطَّلِعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَأْيِ الْآخَرِ (وَنُقِضَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حُكْمُهُمَا مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا (إنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأَ) تَبَيُّنًا وَاضِحًا كَحُكْمٍ بِشَاةٍ فِيمَا فِيهِ بَقَرَةٌ أَوْ بَدَنَةٌ أَوْ بِبَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ فِيمَا فِيهِ شَاةٌ أَوْ إطْعَامٌ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.

(وَفِي) التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِ (الْجَنِينِ) مَيِّتًا وَأُمُّهُ حَيَّةٌ مِنْ مُحْرِمٍ مُطْلَقًا أَوْ حِلٍّ فِي الْحَرَمِ أَيْ: كُلُّ جَنِينٍ لِوَحْشِيَّةٍ (وَ) فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ (الْبَيْضِ) لِغَيْرِ إوَزٍّ وَدَجَاجٍ غَيْرَ الْمَذَرِ إذَا كَسَرَهَا مُحْرِمٌ مُطْلَقًا أَوْ حِلٌّ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ وَخَرَجَ مَيِّتًا بَعْدَ كَسْرِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَرْخٌ (عُشْرُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (دِيَةِ) أَيْ: جَزَاءُ (الْأُمِّ) لِلْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ إنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ بَلْ (وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ عَقِبَ انْفِصَالِهِ حَرَكَةً ضَعِيفَةً لَا

ص: 367

وَدِيَتُهَا إنْ اسْتَهَلَّ.

وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ

ــ

[منح الجليل]

تَدُلُّ عَلَى اسْتِقْرَارِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ مَوْتُ الْجَنِينِ أَوْ الْفَرْخِ قَبْلَ التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.

(وَ) فِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ (دِيَتُهَا) أَيْ: جَزَاءُ الْأُمِّ (إنْ) مَاتَ بَعْدَ أَنْ (اسْتَهَلَّ) الْجَنِينُ أَوْ الْفَرْخُ صَارِخًا عَقِبَ انْفِصَالِهِ عَنْ أُمِّهِ حَيَّةً أَوْ عَنْ بَيْضَتِهِ أَيْ: جَزَاءٌ كَجَزَاءِ أُمِّهِ فِي كَوْنِهِ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً لِقَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالصَّغِيرُ كَغَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ: دِيَتُهَا وَلَمْ يَقُلْ دِيَتُهُ، وَلِمُنَاسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ اسْتِهْلَالِهِ سَائِرُ مَا تَتَحَقَّقُ حَيَاتُهُ بِهِ كَكَثْرَةِ رَضَاعٍ فِيمَا يُرْضَعُ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ وَمَاتَتْ فَجَزَاءَانِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ انْدَرَجَ فِي جَزَائِهَا فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَسْتَهِلَّ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهَا حَيَّةً أَوْ مَيِّتَةً فَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَا فَدِيَتَانِ، وَإِنْ اسْتَهَلَّ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَدِيَتُهُ فَقَطْ كَمَا إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ وَمَاتَتْ الْأُمُّ، فَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَلَا شَيْءَ فِي الْمَذَرِ. وَكَذَا الْمَمْرُوقُ الَّذِي اخْتَلَطَ صَفَارُهُ بِبَيَاضِهِ أَوْ مَا وُجِدَ فِيهِ نُقْطَةُ دَمٍ عَلَى الظَّاهِرِ إذْ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْهُمَا فَرْخٌ.

وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَالْبَيْضُ وَلَوْ أَتْلَفَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فِي فَوْرٍ وَلَوْ وَصَلَ لِعَشْرٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ، لَوْ كَسَرَ عَشْرَ بَيْضَاتٍ لَكَانَ فِي كُلِّ بَيْضَةٍ عُشْرٌ لَا شَاةٌ عَنْ مَجْمُوعِهَا؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يَتَبَعَّضُ كَمَنْ قَتَلَ مِنْ الْيَرَابِيعِ مَا يَبْلُغُ قَدْرَ شَاةٍ فَلَا تُجْمَعُ فِيهَا، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْبَيْضِ خِلَافَهُ وَأَنَّهُ يُؤَدِّي فِي الْعَشْرِ بَيْضَاتٍ شَاةٌ. وَفَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْيَرَابِيعِ بِأَنَّ الْعَشْرَ بَيْضَاتٍ أَجْزَاءُ كُلٍّ بِخِلَافِ الْيَرَابِيعِ، فَإِنَّهَا جُزْئِيَّاتٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا.

وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَجِنَّةِ، وَيُخَيَّرُ فِي الْجَنِينِ أَوْ الْبَيْضِ بَيْنَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مِنْ الطَّعَامِ وَعُدَّ لَهُ صِيَامًا يَوْمًا مَكَانَ مُدٍّ أَوْ كَسْرِهِ إلَّا بَيْضَ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ يَوْمًا، وَلَمَّا كَانَتْ دِمَاءُ الْحَجِّ ثَلَاثَةً فِدْيَةٌ وَجَزَاءٌ وَهَدْيٌ، وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ.

شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْهَدْيِ فَقَالَ (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ) الْوَاجِبَةِ فِيمَا يُتَرَفَّهُ أَوْ يُزِيلُ أَذًى (وَ) غَيْرُ جَزَاءِ (الصَّيْدِ) وَهُوَ مَا يَجِبُ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (مُرَتَّبٌ) مَرْتَبَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا لَا يَنْتَقِلُ عَنْ أُولَاهُمَا إلَّا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا دَمٌ ثُمَّ

ص: 368

هَدْيٌ، وَنُدِبَ إبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إحْرَامِهِ، وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى

ــ

[منح الجليل]

صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَيُقَالُ لَهُ (هَدْيٌ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ النَّعَمِ (إبِلٌ) فَهُوَ أَفْضَلُ الْهَدَايَا (فَبَقَرٌ) يَلِي الْإِبِلَ فِي الْفَضْلِ فَضَأْنٌ فَمَعْزٌ فَحَذَفَ مَرْتَبَةً لَهَا نَوْعَانِ أَوَّلُهُمَا مُقَدَّمٌ نَدْبًا؛ لِأَنَّهَا لَا أَفْضَلِيَّةَ لَهَا؛ إذْ لَا مَرْتَبَةَ بَعْدَهَا.

(ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الدَّمِ (صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) أَوَّلَ وَقْتِهَا (مِنْ إحْرَامِهِ) بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْعِيدِ (وَ) إنْ فَاتَهُ صَوْمُهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَلِي يَوْمَ الْعِيدِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَيْهَا إلَّا لِعُذْرٍ، وَلَعَلَّ هَذَا حُكْمُهُ قَوْلُهُ وَصَامَ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ وَلَوْ أَيَّامَ مِنًى كَمَا قَالَهُ سَابِقًا. وَتَرَدَّدَ ابْنُ الْمُعَلَّى وَابْنُ فَرْحُونٍ فِي صَوْمِهَا أَيَّامَ مِنًى هَلْ هُوَ أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَنْعِ تَأْخِيرِهِ إلَيْهَا وَكَوْنِهِ أَدَّاهُ، إذْ هُوَ كَالصَّلَاةِ فِي الضَّرُورِيِّ قَالَ فِيهِ وَأَثِمَ إلَّا لِعُذْرٍ وَالْكُلُّ أَدَاءٌ أَفَادَهُ عب.

طفي وَهُوَ قُصُورٌ مِنْهُمَا وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْهُمَا فَفِي الْمُنْتَقَى، قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنَّ صِيَامَ أَيَّامِ مِنًى عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ، وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلُ مِنْ آخِرِهِ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ وَإِنْ أَيِسَ مِنْ وُجُودِ الْهَدْيِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ بِثَلَاثَةٍ لَا يَنْبَغِي تَأْخِيرُ صَوْمِهِ عَنْهَا، فَقَوْلُ عب وعج يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِأَيَّامِ مِنًى لِغَيْرِ عُذْرٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَإِنْ نَسَبَاهُ لِبَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ وَلَمْ يَعْزُهُ لِأَحَدٍ.

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الِاسْتِحْبَابُ كَمَالُ صَوْمِهَا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ لَمْ يَصُمْهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي بَعْدَهُ. اهـ. فَلَوْ كَانَ صَوْمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَاجِبًا وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ مَا قَالَتْ وَلَهُ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَالٌ قَالَ الْبَاجِيَّ إنَّ صِيَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مُفَضَّلٌ لَا

ص: 369

بِنَقْضٍ بِحَجٍّ

ــ

[منح الجليل]

وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاغْتُفِرَ صَوْمُهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. ابْنُ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ فِي الْحَجِّ هَلْ هُوَ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتِّعُ فَقَطْ أَوْ هُمَا، وَمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ أَوْ هُمْ، وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ حَجِّهِ مِنْ يَوْمِ إحْرَامِهِ إلَى حِينِ وُقُوفِهِ رَابِعَهَا أَوْ لِتَرْكِ ذَلِكَ وَلَوْ بَعْدَ وُقُوفِهِ. وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ وُجُوبُ صَوْمِ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَيَّامَ مِنًى وَمَنَعَهُ. اهـ. وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَأَقَرَّاهُ.

(بِنَقْصٍ بِحَجٍّ) تَنَازَعَ فِيهِ صِيَامٌ وَصَامَ فَأَعْمَلَ الثَّانِي فِي اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ وَالْأَوَّلَ فِي ضَمِيرِهِ وَحَذَفَهُ؛ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ فَمُرَادُهُ أَنَّ كَوْنَ النَّقْصِ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ شَرْطٌ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَوْنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ. وَالثَّانِي: كَوْنُهُ إنْ فَاتَهُ ذَلِكَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِصَامَ فَقَطْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ مِنْ إحْرَامِهِ فَبَيَّنَ بِهِ الْمَبْدَأَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ فَأَيْنَ الْغَايَةُ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ. وَيُرَجِّحُ هَذَا أَنَّ مَنْ نَقَصَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ أَوْ مَا بَعْدَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَصُومَ لَهُ قَبْلَهُ فَلَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ بِحَجٍّ يَكُونُ فِيهِ عَلَى هَذَا قَلَقٌ.

وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَمَا أَبَيْنَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ مُتَقَدِّمٍ عَلَى الْوُقُوفِ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ وَتَعَدَّى الْمِيقَاتَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا إلَيْهِ فَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ كَانَ عَنْ نَقْصٍ بَعْدَ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ مَبِيتِ مِنًى أَوْ وَطِئَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ

ص: 370

إنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تَجُزْ إنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ:

ــ

[منح الجليل]

الْحَلْقِ صَامَ مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ صِيَامُ وَهَدْيُ الْعُمْرَةِ كَذَلِكَ مَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَهُ فِيهَا وَإِنَّمَا يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ كَمَا ذَكَرْنَا الْمُتَمَتِّعَ وَالْقَارِنَ مَنْ تَعَدَّى مِيقَاتَهُ أَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَأَمَّا مَنْ لَزِمَهُ ذَلِكَ لِتَرْكِ جَمْرَةٍ أَوْ لِتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ. وَكَذَلِكَ الَّذِي وَطِئَ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصُومُ إذَا اعْتَمَرَ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى. وَمَنْ مَشَى فِي نَذْرٍ إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَ فَلْيَصُمْ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي فِي غَيْرِ حَجٍّ فَكَيْفَ لَا يَصُومُ فِي غَيْرِ حَجٍّ.

أَبُو الْحَسَنِ أَيْ: يَقْضِي مَشْيَهُ أَمَاكِنِ رُكُوبِهِ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ قَبْلَ الْمِيقَاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ يَقْضِي مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ إذَا أَبْهَمَ يَمِينَهُ أَوْ نَذْرَهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النَّذْرِ. اهـ. وَمَا سَلَكَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إحْدَى طُرُقٍ ثَلَاثَةٍ وَقَدْ حَصَّلَهَا فِي التَّوْضِيحِ فَتَأَمَّلْهَا فِيهِ لَعَلَّك تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَا عَقَدَهُ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ.

(إنْ تَقَدَّمَ) النَّقْصُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ طَوَافِ قُدُومٍ (وَسَبْعَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ مَجْرُورٌ عَطْفٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيْ: عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الدَّمِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ (إذَا رَجَعَ) وَلَوْ أَخَّرَ صَوْمَهَا عَنْ رُجُوعِهِ (مِنْ مِنًى) لَمْ يَقُلْ لِمَكَّةَ مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ، وَلَوْ لَمْ يَقُمْ بِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ شُمُولُهُ لِرُجُوعِهِ لَهَا يَوْمَ النَّحْرِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى الثَّلَاثَةَ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْعَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا إنْ كَانَ قَدْ صَامَ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى، وَالْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ مِنْ مِنًى الْفَرَاغُ مِنْ الرَّمْيِ لِيَشْمَلَ أَهْلَ مِنًى وَمَنْ أَقَامَ بِهَا. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ النَّقْصَ إنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ تَرْكِ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ كَانَ وَقْتُهُ كَهَدْيِ الْمَارِّ بِعَرَفَةَ النَّاوِي بِهِ الْوُقُوفَ، وَكَإِنْزَالٍ ابْتِدَاءً وَإِمْذَائِهِ حِينَ وُقُوفِهِ أَوْ أَخَّرَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى فَاتَتْ أَيَّامُ مِنًى فَإِنَّهُ يَصُومُهَا مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ.

(وَلَمْ تُجْزِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لَا تَكْفِي السَّبْعَةُ (إنْ قُدِّمَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا أَيْ: السَّبْعَةُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا (عَلَى وُقُوفِهِ) وَكَذَا الْمُقَدَّمُ مِنْهَا عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى قَالَهُ سَنَدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى

ص: 371

كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ، وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ.

ــ

[منح الجليل]

{إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] وَلَا يُحْتَسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الَّتِي صَامَهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ بِثَلَاثَةٍ قَالَهُ تت مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ. وَقَالَ عج فِيهِ خِلَافٌ فَإِنْ صَامَ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا قَبْلَ وُقُوفِهِ فَقَالَ الْحَطّ الظَّاهِرُ اكْتِفَاؤُهُ بِثَلَاثَةٍ مِنْهَا، وَلَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ تت لِاخْتِلَافِ مَوْضُوعِهِمَا وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ صَوْمِ السَّبْعَةِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] هَلْ الْمَعْنَى لِلْأَهْلِ قَالَهُ غَيْرُ مَالِكٍ، أَوْ لِمَكَّةَ قَالَهُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. فَإِنْ اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ صَامَ بِهَا اتِّفَاقًا.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ شُرُوعِهِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ كَمَالِ يَوْمٍ فَلَا يُجْزِئُهُ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ لِلدَّمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَكْمِيلُ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي أَيْسَرَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَ) مَنْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ (مُسَلِّفًا لِمَالٍ) يَهْدِي بِهِ وَيُنْظِرُهُ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالٍ لَهُ (بِبَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُوسِرًا حُكْمًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ كَذَلِكَ فَيَصُومُ وَلَا يُؤَخِّرُ حَتَّى يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ وَلَا لِمَالٍ يَرْجُوهُ بَعْدَ خُرُوجِ أَيَّامِ مِنًى؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ فِي الْحَجِّ

(وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الرُّجُوعُ) مِنْ الصَّوْمِ (لَهُ) أَيْ: الدَّمِ إنْ أَيْسَرَ بِهِ (بَعْدَ) صَوْمِ (يَوْمَيْنِ) بِأَنْ أَيْسَرَ فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ، وَكَذَا إنْ أَيْسَرَ فِيهِ، وَكَذَا فِي لَيْلَةِ الثَّانِي أَوْ فِيهِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ مِنْ وُجُوبِ الرُّجُوعِ فِيهِمَا، فَاَلَّذِي يَجِبُ رُجُوعُهُ وَلَا يَكْفِيهِ صَوْمُهُ هُوَ الَّذِي أَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ يَوْمٍ، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يُنْدَبُ الرُّجُوعُ بَعْدَ إكْمَالِ يَوْمٍ وَقَبْلَ إكْمَالِ الثَّالِثِ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ إكْمَالِهِ فَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ قَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فَكَأَنَّهَا نِصْفُ الْعَشَرَةِ أَفَادَهُ تت. وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ الرُّجُوعِ لِلدَّمِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْحَطّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ لَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اهـ عب.

طفي قَوْلُهُ وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَلِابْنِ شَاسٍ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَنْ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ، قَالَ وَهَذَا يَحْسُنُ فِيمَنْ قَدَّمَ الصَّوْمَ عَلَى

ص: 372

وَوُقُوفُهُ بِهِ الْمَوَاقِفَ كُلِّهَا، وَالنَّحْرُ بِمِنًى

ــ

[منح الجليل]

الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهَا فِي كِتَابِ الظِّهَارِ وَإِنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ثُمَّ وَجَدَ ثَمَنَ الْهَدْيِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلْيَمْضِ عَلَى صَوْمِهِ، وَإِنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنْ شَاءَ أَهْدَى أَوْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ فَأَمَرَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ بِالتَّمَادِي وَخَيَّرَهُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، وَكُلُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا اهـ الْبُنَانِيُّ.

قَدْ يُقَالُ يَصِحُّ حَمْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَتْبُوعَاهُ عَلَى مَا فِيهَا بِأَنْ يُرَادَ بِاسْتِحْبَابِ الرُّجُوعِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَيْ: وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ كَمَا نَقَلَهُ تت عَنْ ابْنِ نَاجِي خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ الَّذِي فِيهَا عَدَمُ اللُّزُومِ فَلَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ وَبِمَا ذَكَرَ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ز بِوُجُوبِ الرُّجُوعِ لِلْهَدْيِ قَبْلَ كَمَالِ الْيَوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ.

(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (الْمَوَاقِفَ) كُلَّهَا فَالنَّدْبُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ إيقَافَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ شَرْطٌ، وَهَذَا فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى. وَأَمَّا مَا يُنْحَرُ بِمَكَّةَ فَشَرْطُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَيَكْفِي وُقُوفُهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ فِي أَيِّ وَقْتٍ. وَأَرَادَ بِالْمَوَاقِفِ عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى، وَعُدَّتْ مَوْقِفًا لِوُقُوفِهِ بِهَا عَقِبَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمُزْدَلِفَةَ مَبِيتٌ لَا مَوْقِفٌ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ مُنْصَبٌّ عَلَى الْمَجْمُوعِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ وتت، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَاشِرٍ وطفي بِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ لَا يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ وَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَوْقِفٍ مُسْتَحَبٌّ؛ لِأَنَّ وُقُوفَهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِنَحْرِهِ بِمِنًى وَلَيْسَ شَرْطًا فِي نَفْسِ الْهَدْيِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ بَطَلَ كَوْنُهُ هَدْيًا وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ نَدْبِ إيقَافِهِ بِعَرَفَةَ وَكَوْنِهِ شَرْطًا فِي نَحْرِهِ بِمِنًى، وَالنَّحْرُ بِمِنًى غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ إنْ شَاءَ وَقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمِنًى، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَنَحَرَهُ بِمَكَّةَ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

(وَ) نُدِبَ (النَّحْرُ) لِلْهَدْيِ وَمِنْهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ (بِمِنًى) مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ نَهَارًا فَلَا يُجْزِئُ لَيْلًا، وَالْفِدْيَةُ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ. وَلَوْ عَبَّرَ بِذَكَاةٍ كَانَ أَشْمَلَ وَمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ نَدْبِهِ مَعَ الشُّرُوطِ نَحْوُهُ فِي الْحَطّ، فَإِنْ ذَكَّى بِمَكَّةَ مَعَهَا أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ، قَالَ وَهُوَ الْآتِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْسَكِهِ اهـ

ص: 373

إنْ كَانَ فِي حَجٍّ، وَوَقَفَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ: كَهُوَ بِأَيَّامِهَا، وَإِلَّا فَمَكَّةُ،

ــ

[منح الجليل]

وَجَعَلَهُ تت مَعَهَا وَاجِبًا وَنَحْوَهُ لِلشَّارِحِ أَيْضًا وَعَزَيَا عَنْ عِيَاضٍ الْوُجُوبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إجْزَائِهِ بِمَكَّةَ مَعَهَا أَفَادَهُ عب. وَصَوَّبَ الرَّمَاصِيُّ الْوُجُوبَ لِتَصْرِيحِ عِيَاضٍ فِي إكْمَالِهِ بِهِ. وَمَا قَالَهُ الْحَطّ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْلِهَا وَمَنْ وَقَفَ بِهَدْيٍ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ غَيْرِهِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَحَرَهُ بِهَا جَاهِلًا أَوْ تَرَكَ مِنًى مُتَعَمِّدًا أَجْزَأَهُ. اهـ.؛ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ.

وَذَكَرَ شُرُوطَ نَحْرِهِ بِمِنًى فَقَالَ (إنْ كَانَ) الْهَدْيُ سَبَقَ (فِي) إحْرَامِ (حَجٍّ) فَرْضٍ أَوْ مَنْذُورٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَشَمِلَ الْمَسْبُوقُ بِحَجٍّ مَا كَانَ عَنْ نَقْصٍ فِي عُمْرَةٍ (وَوَقَفَ بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ (هُوَ) أَيْ: الْمُهْدِي، فَصَلَ بِهِ لِيَصِحَّ الْعَطْفُ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي وَقَفَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] (أَوْ نَائِبُهُ) أَيْ: الْمُهْدِي كَنَاحِرِهِ وَهُوَ ضَالٌّ مِنْ مُهْدِيهِ وُقُوفًا (كَهُوَ) أَيْ: كَوُقُوفِهِ الرُّكْنِيِّ فِي كَوْنِهِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوْ نَائِبُهُ عَنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ بِنَعَمِهِمْ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنُوبُوا عَنْهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُمْ بِعَرَفَةَ وَيَتْرُكَهُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِهِ مِنًى، وَبِقَوْلِهِ كَهُوَ عَنْ وَقَوْفِهِ بِهِ بِهَا نَهَارًا فَقَطْ وَنَحَرَ (بِأَيَّامِهَا) أَيْ: مِنًى هَذَا ظَاهِرُ سِيَاقِهِ وَقَرَّرَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ وتت. وَقَالَ عج وَأَحْمَدُ الْمُعْتَمَدُ بِأَيَّامِ النَّحْرِ فَقَطْ إذْ الْيَوْمُ الرَّابِعُ لَيْسَ وَقْتًا لِنَحْرٍ وَلَا ذَبْحٍ فَتَجَوَّزَ فِي التَّعْبِيرِ، وَلَوْ قَالَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ لَكَانَ أَوْلَى.

(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ بِأَنْ انْتَفَتْ كُلُّهَا بِأَنْ سَاقَهُ فِي عُمْرَةٍ نَذْرًا أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ أَوْ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ سَبَقَ أَوْ عُمْرَةٍ كَذَلِكَ أَوْ سَاقَهُ لَا فِي إحْرَامٍ كَذَلِكَ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا بِأَنْ فَاتَهُ وُقُوفُ عَرَفَةَ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) مَحَلُّهُ وُجُوبًا وَلَا يُجْزِئُ بِمِنًى وَلَا بِغَيْرِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] . ابْنُ عَطِيَّةَ ذُكِرَتْ الْكَعْبَةُ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ الْحَرَمِ وَأُسُّهُ.

ص: 374

وَأَجْزَأَ إنْ أُخْرِجَ لِحِلٍّ: كَأَنْ وَقَفَ بِهِ فَضَلَّ مُقَلَّدًا، وَنُحِرَ وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ

ــ

[منح الجليل]

وَلَمَّا كَانَ شَرْطُ كُلِّ هَدْيٍ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَكَانَ مَا يُذَكَّى بِمِنًى مَجْمُوعًا فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إذْ شَرْطُهُ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي الْمُذَكَّى بِمَكَّةَ الَّذِي مِنْ صُوَرِهِ مَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَقَالَ (وَأَجْزَأَ) كُلُّ هَدْيٍ يُذَكَّى بِمَكَّةَ (إنْ أُخْرِجَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (لِحِلٍّ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ وَلَوْ بِشِرَائِهِ مِنْهُ وَاسْتِصْحَابِهِ لِمَكَّةَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرِجُ لَهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ حِلًّا أَوْ مُحْرِمًا. قَالَ سَنَدٌ: وَالْأَحْسَنُ إذَا كَانَ الْهَدْيُ مِمَّا يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ أَنْ يُؤَخَّرَ إلَى الْحِلِّ فَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِالْحَرَمِ وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يُحْرِمَ إذَا دَخَلَهُ، قَالَ فِيهَا: فَإِنْ دَخَلَ بِهِ حَلَالًا أَوْ أَرْسَلَهُ مَعَ حَلَالٍ أَجْزَأَهُ.

وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ وَقَفَ) رَبُّ الْهَدْيِ (بِهِ) أَيْ: الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ جُزْءًا مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ (فَضَلَّ) الْهَدْيُ مِنْ رَبِّهِ بَعْدَ وُقُوفِهِ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُشَدَّدَةً (وَنُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ، أَيْ نَحَرَهُ مَنْ وَجَدَهُ بِمِنًى فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا فَقَدْ أَجْزَأَ رَبَّهُ. ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِهَذَا لِقَوْلِهِ فِيهَا وَمَنْ أَوْقَفَ هَدْيَهُ. بِعَرَفَةَ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ بِمِنًى؛ لِأَنَّهُ رَآهُ هَدْيًا فَوَجَدَهُ رَبُّهُ مَنْحُورًا أَجْزَأَهُ. وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَفَ بِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمِنًى لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَقِفَ بِهِ مَنْ وَجَدَهُ بِعَرَفَةَ، كَمَا إذَا ضَلَّ قَبْلَ الْجَمْعِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَوَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَإِنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ وَضَلَّ مُقَلَّدًا بَعْدَ جَمْعِهِ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ثُمَّ وَجَدَهُ مُذَكًّى بِمَكَّةَ فَيُجْزِئُ فِيهَا مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَأَصَابَ رَجُلٌ فَأَوْقَفَهُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ وَجَدَهُ رَبُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ التَّوْقِيفُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ هَدْيًا. اهـ. وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. (وَ) الْهَدْيُ الْمَسُوقُ (فِي) إحْرَامِ (الْعُمْرَةِ) لِنَقْصٍ فِيهَا كَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ تَلْبِيَةٍ أَوْ إصَابَةِ صَيْدٍ أَوْ فِي حَجٍّ سَابِقٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ لِنَذْرٍ يُذَكِّي (بِمَكَّةَ) وَصَرَّحَ بِهَذَا مَعَ

ص: 375

بَعْدَ سَعْيِهَا ثُمَّ حَلَقَ.

إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبٍ وَقْتَ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا وَإِنْ أَرْدَفَ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَوْ لِحَيْضٍ؛ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ لِقِرَانِهِ:

ــ

[منح الجليل]

دُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا وَإِلَّا فَمَكَّةُ لِقَوْلِهِ (بَعْدَ سَعْيِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ فَلَا تُجْزِئُ تَذْكِيَتُهُ قَبْلَهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْوُقُوفِ فِي هَدْيِ الْحَجِّ فِي أَنَّهُ لَا يُذَكِّي إلَّا بَعْدَهُ.

(ثُمَّ حَلَقَ) الْمُعْتَمِرُ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ. الْأَبْهَرِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ أَيْ: عَنْ الْحَلْقِ فَأَتَى بِثُمَّ الْمُرَتِّبَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ تَذْكِيَةِ الْهَدْيِ كَالْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} [البقرة: 196] ، وَالنَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَكَذَا قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخِّرَ نَحْرَهُ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ مَنْدُوبٌ.

(وَإِنْ) أَحْرَمَ شَخْصٌ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ ثُمَّ (أَرْدَفَ) حَجًّا عَلَيْهَا (لِخَوْفِ فَوَاتِ) لِلْحَجِّ إنْ أَخَّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يُتِمَّهَا لِقُرْبِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَصَارَ قَارِنًا (أَوْ) أَرْدَفَتْ امْرَأَةٌ مُحْرِمَةٌ بِعُمْرَةِ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَمَعَهَا هَدْيُ تَطَوُّعٍ (لِحَيْضٍ) أَوْ نِفَاسٍ نَزَلَ بِهَا فَمَنَعَهَا مِنْ إتْمَامِ عُمْرَتِهَا وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ أَخَّرَتْ إحْرَامَهُ إلَى إتْمَامِهَا بَعْدَ طُهْرِهَا لِقُرْبِ وَقْتِ وُقُوفِهِ فَصَارَتْ قَارِنَةً (أَجْزَأَ) الْهَدْيُ (التَّطَوُّعُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يُسَقْ لِشَيْءٍ وَجَبَ أَوْ يَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ (لِقِرَانِهِ) أَيْ: الْمُرْدِفِ مِنْ الشَّخْصَيْنِ.

ابْنُ غَازِيٍّ أَشَارَ بِمَسْأَلَةِ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي امْرَأَةٍ دَخَلَتْ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَمَعَهَا هَدْيٌ فَحَاضَتْ بَعْدَ دُخُولِهَا مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ أَنَّهُ لَا يُنْحَرُ هَدْيُهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَطُوفَ وَتَسْعَى وَتَنْحَرَهُ وَتُقَصِّرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَخَافَتْ الْفَوَاتَ وَلَمْ تَسْتَطِعْ الطَّوَافَ بِحَيْضِهَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَسَاقَتْ هَدْيَهَا وَأَوْقَفَتْهُ بِعَرَفَةَ وَلَا تَنْحَرُهُ إلَّا بِمِنًى وَأَجْزَأَهَا لِقِرَانِهَا وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ مَنْ قَرَنَ اهـ.

قَالَ فِي الْمَعُونَةِ يُسْتَحَبُّ لِلْمُرْدِفَةِ لِحَيْضٍ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ الْقِرَانِ كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِأَمْرِهِ عليه الصلاة والسلام، وَمَفْهُومُ لِخَوْفِ فَوَاتٍ أَوْ لِحَيْضٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ فَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَسَاقَ الْهَدْيَ تَطَوَّعَ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ

ص: 376

كَأَنْ سَاقَهُ فِيهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِمَا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ، وَالْمَنْدُوبُ بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ،

ــ

[منح الجليل]

هَدْيُ التَّطَوُّعِ لِقِرَانِهِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ لِلْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِرْدَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ أَيْضًا خِلَافًا لِقَوْلِ الْبِسَاطِيِّ الْإِجْزَاءُ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يُقَلِّدْ وَيُشْعِرْ لِلْعُمْرَةِ.

وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ فَقَالَ (كَأَنْ) أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَ (سَاقَهُ) أَيْ: الْهَدْيَ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ تَطَوُّعًا (فِي) إحْرَامٍ (فِيهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ وَأَتَمَّهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَتَحَلَّلَ مِنْهَا وَلَمْ يُذَكِّ الْهَدْيَ الَّذِي سَاقَهُ فِيهَا (ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) وَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَيُجْزِئُهُ الْهَدْيُ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْعُمْرَةِ لِتَمَتُّعِهِ سَوَاءٌ سَاقَهُ لَهُ أَوْ لَا (وَتُؤُوِّلَتْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُشَدَّدَةً أَيْ فُهِمَتْ الْمُدَوَّنَةَ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تُؤُوِّلَتْ بِإِجْزَائِهِ مُطْلَقًا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ أَمْ لَا (بِمَا إذَا سِيقَ) الْهَدْيُ فِي الْعُمْرَةِ (لِلتَّمَتُّعِ) أَيْ: لِيَجْعَلَهُ هَدْيًا عَنْ تَمَتُّعِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ سَمَّاهُ تَطَوُّعًا لِذَلِكَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ حُكْمًا، فَلِذَا أَجْزَأَهُ تَمَتُّعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ لَهُ فَلَا يُجْزِئُهُ لَهُ. وَالْمَذْهَبُ تَأْوِيلُ الْإِطْلَاقِ كَمَا هُوَ فِي اصْطِلَاحِهِ فِي قَوْلِهِ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا، فَسَقَطَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لَوْ قَالَ وَهَلْ يُجْزِئُ إنْ سَاقَهُ فِيهَا ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ أَوْ لَا إلَّا إذَا سِيقَ لِلتَّمَتُّعِ تَأْوِيلَانِ، كَأَنْ أَجْرَى عَلَى غَالِبِ عَادَتِهِ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلَيْنِ.

فَإِنْ قِيلَ لِمَ أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ الْمَحْضُ عَنْ الْقِرَانِ وَلَمْ يُجْزِ عَنْ التَّمَتُّعِ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي إذَا لَمْ يُسَقْ لَهُ. قُلْت الْقِرَانُ تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَتَعَلُّقُهَا بِهِ قَوِيٌّ صَارَ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ وَالتَّمَتُّعُ لَا تَنْدَرِجُ الْعُمْرَةُ فِيهِ فِي الْحَجِّ فَضَعُفَ تَعَلُّقُهَا بِهِ فَلَمْ يَكُنْ الْمَسُوقُ فِيهَا كَالْمَسُوقِ فِيهِ (وَالْمَنْدُوبُ) فِيمَا يُنْحَرُ بِمِنًى الثَّابِتُ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ وَلَا يُجْزِئُ النَّحْرُ بَعْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مِنًى وَفِيمَا يُنْحَرُ (بِمَكَّةَ الْمَرْوَةُ) لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» . وَالْمُرَادُ الْقَرْيَةُ نَفْسُهَا فَلَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي طُوَى بَلْ يَدْخُلُ دُورَ مَكَّةَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.

وَدَلَّ قَوْلُهُ وَكُلُّ فِجَاجِ إلَخْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ هَذَا الْمَنْحَرُ أَيْ: الْمَنْدُوبُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ

ص: 377

وَكُرِهَ نَحْرُ غَيْرِهِ كَالْأُضْحِيَّةِ.

وَإِنْ مَاتَ مُتَمَتِّعٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ؛ إنْ رَمَى الْعَقَبَةَ.

ــ

[منح الجليل]

(وَكُرِهَ) بِضَمِّ الْكَافِ لِمَنْ لَهُ هَدْيٌ (نَحْرُ غَيْرِهِ) أَيْ: اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ فِي نَحْرِ هَدْيِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُنْحَرُ أَوْ ذَبْحِهِ إنْ كَانَ مِمَّا يُذْبَحُ إنْ كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ بَدَلُهُ قَالَهُ فِيهَا، فَإِنْ ذَكَّاهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَةٍ فَلَا تَتَعَلَّقُ الْكَرَاهَةُ بِرَبِّهِ.

وَشَبَّهَ فِي الْكَرَاهَةِ فَقَالَ (كَالْأُضْحِيَّةِ) فَتُكْرَهُ الِاسْتِنَابَةُ عَلَى ذَكَاتِهَا فَالسُّنَّةُ تَوَلِّيهَا بِنَفْسِهِ تَوَاضُعًا فِي الْعِبَادَةِ وَاقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْعَالَمِينَ صلى الله عليه وسلم.

(وَإِنْ مَاتَ) شَخْصٌ (مُتَمَتِّعٌ) عَنْ غَيْرِ هَدْيٍ أَوْ عَنْ هَدْيٍ غَيْرِ مُقَلَّدٍ (فَالْهَدْيُ) لِتَمَتُّعِهِ وَاجِبٌ عَلَى وَارِثِهِ إخْرَاجُهُ (مِنْ رَأْسِ) أَيْ: جُمْلَةِ (مَالِهِ) أَيْ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ وَلَوْ اسْتَغْرَقَهُ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ كَزَكَاةِ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الَّتِي مَاتَ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْعَيْنِ لِاحْتِمَالِ إخْرَاجِهَا سِرًّا وَالْهَدْيُ يُقَلَّدُ وَيُشْعَرُ وَيُسَاقُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ فَلَا يَخْفَى، لَكِنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ الدَّيْنِ لِآدَمِيٍّ (إنْ) مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ بَعْدَ أَنْ (رَمَى الْعَقَبَةَ) يَوْمَ الْعِيدِ أَوْ فَاتَ وَقْتُ أَدَاءِ رَمْيِهَا بِغُرُوبٍ يَوْمَ الْعِيدِ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، أَوْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ رَمْيِهَا ثُمَّ مَاتَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ رَمْيِهَا فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لِحُصُولِ مُعْظَمِ الْأَرْكَانِ مَعَ حُصُولِ أَحَدِ التَّحَلُّلَيْنِ، فَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْفَرَاغِ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ قَلَّدَ هَدْيًا تَعَيَّنَتْ تَذْكِيَتُهُ وَلَوْ مَاتَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ. فَإِنْ انْتَفَتْ الثَّلَاثَةُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالٍ وَلَا مِنْ ثُلُثٍ، وَلَا يُعَارِضُ مَا هُنَا قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ وَدَمُ التَّمَتُّعِ يَجِبُ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْوُجُوبُ الْمُوَسَّعُ الْمُعَرِّضُ لِلسُّقُوطِ، وَإِنَّمَا يَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا قَالَ هُنَا. وَنَظِيرُهُ مَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَتِهِ بِالْعَوْدِ وَتَحَتُّمِهَا بِالْوَطْءِ.

وَمَفْهُومُ مُتَمَتِّعٌ أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَارِنٌ فَالْهَدْيُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ حَيْثُ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ إرْدَافًا صَحِيحًا ثُمَّ مَاتَ تَقْرِيرُ. اهـ. عب وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ شَرْطَ دَمِ الْقِرَانِ الْحَجُّ بِإِحْرَامِهِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَمْ يَحُجَّ بِإِحْرَامِهِ، وَأَيْضًا لَمْ يَكْتَفُوا فِي تَحَتُّمِ هَدْيِ التَّمَتُّعِ بِالْوُقُوفِ

ص: 378

وَسِنُّ الْجَمِيعِ وَعَيْبُهُ: كَالضَّحِيَّةِ وَالْمُعْتَبَرِ حِينَ وُجُوبِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ بِعَيْبٍ وَلَوْ سَلِمَ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ

ــ

[منح الجليل]

فَكَيْفَ يُكْتَفَى فِي تَحَتُّمِ دَمِ الْقِرَانِ بِمُجَرَّدِ الْإِرْدَافِ، مَعَ أَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى دَمِ التَّمَتُّعِ وَأَيْضًا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لَا دَمَ قِرَانٍ وَمُتْعَةٍ لِلْفَائِتِ.

(وَسِنُّ) بِكَسْرِ السِّينِ وَشَدِّ النُّونِ أَيْ: عُمْرُ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ دِمَاءِ الْحَجِّ مِنْ هَدْيٍ وَجَزَاءٍ وَفِدْيَةٍ (وَعَيْبُهُ) أَيْ: الْجَمِيعِ الْمَانِعُ مِنْ إجْزَائِهِ أَوْ كَمَالِهِ (كَ) سِنِّ وَعَيْبِ (الضَّحِيَّةِ وَ) الْوَقْتُ (الْمُعْتَبَرُ) فِيهِ السِّنُّ وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْإِجْزَاءِ أَوْ الْكَمَالِ (حِينَ وُجُوبِهِ) أَيْ: تَعْيِينُ النَّعَمِ وَتَمْيِيزُهُ عَنْ غَيْرِهِ لِلْإِهْدَاءِ بِهِ إنْ كَانَ لَا يُقَلَّدُ كَالْغَنَمِ (وَ) حِينَ (تَقْلِيدِهِ) إنْ كَانَ مِمَّا يُقَلَّدُ كَبَدَنَةٍ وَبَقَرَةٍ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوُجُوبِهِ كَوْنَهُ وَاجِبًا، وَكَلَامُهُ فِي مَنَاسِكِهِ يُفِيدُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَالتَّمْيِيزَ لِلْإِهْدَاءِ كَافٍ فِيمَا يُقَلَّدُ أَيْضًا.

الْبُنَانِيُّ مَا فِي الْمَنَاسِكِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا لِقَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ عَقِبَ عِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ الَّتِي هِيَ كَعِبَارَتِهِ هُنَا مَا نَصُّهُ الْمُرَادُ بِالتَّقْلِيدِ هُنَا تَهْيِئَةُ الْهَدْيِ وَإِخْرَاجُهُ إلَى مَكَّةَ. وَقَالَ سَنَدٌ الْهَدْيُ يَتَعَيَّنُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَبِسَوْقِهِ وَبِنَذْرِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ ذَبْحُهُ.

وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُعْتَبَرُ إلَخْ فَقَالَ (فَلَا يُجْزِئُ) هَدْيٌ وَاجِبٌ لِقِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ لِغَيْرِهِمَا أَوْ لِوَفَاءِ نَذْرٍ مَضْمُونٍ (مُقَلَّدٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامُ مُشَدَّدَةٌ حَالَ كَوْنِهِ مُتَلَبِّسًا (بِعَيْبٍ) مَانِعٍ مِنْ الْإِجْزَاءِ كَشِدَّةِ عَرَجٍ أَوْ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ الْإِجْزَاءِ إنْ اسْتَمَرَّ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا إلَى حِينِ تَذْكِيَتِهِ بَلْ (وَلَوْ سَلِمَ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: بَرِئَ مِنْ الْعَيْبِ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ الْمُجْزِئَ قَبْلَ تَذْكِيَتِهِ بِخِلَافِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَخَفِيفِ مَرَضٍ، فَيُجْزِئُ مَعَهُ أَوْ يَمْنَعُهُ فِي مُتَطَوَّعٍ بِهِ أَوْ مَنْذُورٍ مُعَيَّنٍ وَيَجِبُ إنْقَاذُ مَا قَلَّدَهُ مَعِيبًا أَوْ صَغِيرًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ؛ وَإِنْ لَمْ يُجْزِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ لَا وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبُهُ مَانِعًا أَوْ لَا.

(بِخِلَافِ عَكْسِهِ) أَيْ: مُقَلَّدٍ بِعَيْبٍ سَلِمَ وَهُوَ مُقَلَّدٌ سَلِيمًا تَعَيَّبَ فَيُجْزِئُ إنْ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفَرِّطْ فِيهِ، وَإِلَّا ضَمِنَهُ قَالَهُ سَنَدٌ وَلَمْ يَمْنَعْ التَّعَيُّبُ بُلُوغَ الْمَحَلِّ فَلَوْ مَنَعَهُ كَمَوْتِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ ضَمِنَ بَدَلَهُ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّذْرِ الْمَضْمُونِ.

ص: 379

إنْ تَطَوَّعَ، وَأَرْشُهُ وَثَمَنُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَفِي الْفَرْضِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ.

وَسُنَّ إشْعَارُ

ــ

[منح الجليل]

إنْ تَطَوَّعَ بِهِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إجْزَاؤُهُ فِي الْوَاجِبِ أَيْضًا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَاتِبَ حَذَفَ وَاوًا قَبْلَ إنْ وَأَبْدَلَ فَاءً بِوَاوٍ فِي قَوْلِهِ وَأَرْشُهُ، وَالصَّوَابُ وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهِ فَأَرْشُهُ إلَخْ، فَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَا شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَبِأَنَّ قَوْلَهُ إنْ تَطَوَّعَ بِهِ قَدَّمَهُ الْكَاتِبُ عَنْ مَحَلِّهِ وَمَحَلُّهُ عَقِبَ قَوْلِهِ تَصَدَّقَ بِهِ. فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى إجْزَاءِ التَّطَوُّعِ. قِيلَ مَعْنَاهُ صِحَّتُهُ وَسُقُوطُ تَعَلُّقِ النَّدْبِ بِهِ (وَأَرْشُهُ) أَيْ عِوَضُ عَيْبِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ وَلَوْ مُنِعَ الْإِجْزَاءُ (وَثَمَنُهُ) إذَا اُسْتُحِقَّ الَّذِي يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى بَائِعِ الْهَدْيِ يُجْعَلُ (فِي هَدْيٍ) آخَرَ بِهَدْيٍ بِهِ عِوَضًا عَنْ الْمَعِيبِ وَالْمُسْتَحَقِّ (إنْ بَلَغَ) الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ عَنْ هَدْيٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَرْشُ أَوْ الثَّمَنُ ثَمَنَ هَدْيٍ آخَرَ (تَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ: الْأَرْشِ أَوْ الثَّمَنِ وُجُوبًا. وَاسْتَشْكَلَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ بِأَرْشٍ، أَوْ ثَمَنِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ بِأَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِمُعَيَّنٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَبِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَوَهَبَهُ فَاسْتُحِقَّ فَثَمَنُهُ لِوَاهِبِهِ. وَأَجَابَ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ هُنَا نَذَرَ الثَّمَنَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ هَدْيًا وَلَوْ كَانَ تَطَوَّعَ بِالْهَدْيِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُ. الْغِرْيَانِيُّ هَذَا ظَاهِرٌ فِقْهًا بَعِيدٌ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ.

(وَ) أَرْشُهُ وَثَمَنُهُ الْمَأْخُوذُ (فِي) عَيْبِ أَوْ عَيْنِ الْهَدْيِ (الْفَرْضِ) الْأَصْلِيِّ أَوْ الْمَنْذُورِ الْمَضْمُونِ (يَسْتَعِينُ بِهِ فِي) هَدْيِ (غَيْرٍ) إنْ كَانَ الْعَيْبُ مَانِعًا الْإِجْزَاءَ، وَإِلَّا فَيَجْعَلُهُ فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، وَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ إمَّا تَطَوُّعٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمُعَيَّنُ، وَإِمَّا فَرْضٌ وَمِثْلُهُ الْمَنْذُورُ الْمَضْمُونُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ الْعَيْبُ الْإِجْزَاءَ أَوْ لَا، وَمَحَلُّ التَّفْصِيلِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْعَيْبِ الْمَانِعِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَيْرٍ كَالْمُدَوَّنَةِ وُجُوبُهَا. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ يَسْتَعِينُ فِي الْهَدْيِ إنْ شَاءَ.

(وَسُنَّ) بِضَمِّ السِّينِ فِي الْبَدَنِ بِدَلِيلِ ذِكْرِهِ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بَعْدُ لِمَنْ يَصِحُّ نَحْرُهُ (إشْعَارُ)

ص: 380

سَنَمِهَا مِنْ الْأَيْسَرِ لِلرَّقَبَةِ.

ــ

[منح الجليل]

أَيْ: شَقُّ (سَنَمَهَا) بِضَمِّ السِّينِ وَالنُّونِ جَمْعُ سَنَامٍ بِفَتْحِ السِّينِ إنْ كَانَ لَهَا سَنَامٌ، وَكَذَا مَا لَا سَنَامَ لَهَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَرَوَى مُحَمَّدٌ لَا تُشْعَرُ وَشَهَّرَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَخَفِيفٌ فِي السَّنَامِ فَإِنْ أَشْعَرَ مَنْ لَا يَصِحُّ نَحْرُهُ لَمْ تَحْصُلْ السُّنَّةُ. وَهَلْ يُعَادُ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ شَدِيدٌ وَمَا لَهَا سَنَامَانِ تُشْعَرُ فِي أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَفَادَهُ عب. ابْنُ عَرَفَةَ الْإِشْعَارُ شَقٌّ يُسِيلُ دِمَاءً وَالسُّنُمُ بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ سَنَامٍ كَقَذَالٍ وَقُذُلٍ فَلَا يَتَعَدَّى الْإِشْعَارُ السَّنَامَ مِنْ الْعَجْزِ لِجِهَةِ الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ هُوَ الْعَرْضُ (مِنْ) الْجَنْبِ (الْأَيْسَرِ) .

الْحَطّ الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ بِمَعْنَى فِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] وقَوْله تَعَالَى {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ} [فاطر: 40] . وَقَوْلِ ابْنِ غَازِيٍّ لِلْبَيَانِ بَعِيدٌ وَعَلَى أَنَّهَا لِلْبَيَانِ فَالْمَعْنَى سَنَمُهَا الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّ الْبَيَانَ بَعْضُ الْمَبِينِ بِالْفَتْحِ قَالَهُ عب (لِلرَّقَبَةِ) اللَّامُ بِمَعْنَى مِنْ عَلَى الْمُعْتَمَدُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَشُقُّ فِي السَّنَامِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ مُبْتَدِئًا مِنْ نَاحِيَةِ الرَّقَبَةِ إلَى جِهَةِ الْمُؤَخَّرِ فَلَا يَبْدَأُ مِنْ الْمُؤَخَّرِ إلَى الْمُقَدَّمِ وَلَا مِنْ الْمُقَدَّمِ إلَى جِهَةِ رُكْبَتَيْ الْبَعِيرِ، وَلَا بُدَّ فِي النَّدْبِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهُ الدَّمُ وَلَوْ شَقَّ قَدْرَ أُنْمُلَةٍ، كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ مَا نَصُّهُ، وَقُبِلَ قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ، وَأَقْصَرَ تت عَلَيْهِ وَابْن الْحَطّ فِي مَنَاسِكِهِ.

قَالَ الْبَدْرُ وَانْظُرْهُ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَكَاهُ بِقِيلَ وَصَدَّرَ بِالْقَوْلِ بِالِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْإِسَالَةِ اهـ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَنَحْوُهُ فِي مَنْسَكِ الْمُصَنِّفِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ إلَخْ تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ الْمَنَاسِكِ وَلَفْظِهَا وَالْإِشْعَارُ أَنْ يَشُقَّ مِنْ سَنَمِهَا الْأَيْسَرِ، وَقِيلَ الْأَيْمَنِ مِنْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَقِيلَ طُولًا قَدْرَ أُنْمُلَتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ اهـ، فَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَةٍ وَلَيْسَ فِيهَا قَدْرُ أُنْمُلَتَيْنِ مُقَابِلًا لِمَا قَبْلَهُ كَمَا زَعَمَهُ ز فِيهِمَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ وَقِيلَ دَاخِلٌ عَلَى قَوْلِهِ طُولًا مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ إلَى الْمُؤَخَّرِ، وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْبَدْرِ قُصُورٌ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّوَابُ مَا لابن الْحَطّ وتت. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي أَوْلَوِيَّتِهِ أَيْ الْإِشْعَارِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ.

ثَالِثُهَا: أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَيْسَرِ.

وَرَابِعُهَا: هُمَا سَوَاءٌ وَفِي النُّكَتِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ إنَّمَا كَانَ الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ؛ لِأَنَّهُ

ص: 381

مُسَمِّيًا.

وَتَقْلِيدٌ،

ــ

[منح الجليل]

يَجِبُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهَا الْقِبْلَةَ ثُمَّ يُشْعِرَهَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ وَجْهُهُ مَتَى أَشْعَرَهَا فِي شِقِّهَا الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَإِذَا أَشْعَرَهَا فِي الْأَيْمَنِ لَمْ يَكُنْ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ اهـ. وَلَعَلَّ ابْنَ عَرَفَةَ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ إذْ عَزَاهُ لِمَنْ دُونَ الْأَبْهَرِيِّ فَقَالَ وَجَّهَ الْبَاجِيَّ كَوْنَهُ فِي الْأَيْسَرِ بِأَنَّهَا تُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ وَمَشْعَرَهَا كَذَلِكَ فَلَا يَلِيهِ مِنْهَا إلَّا الْأَيْسَرُ. وَابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ السُّنَّةَ كَوْنُ الْمُشْعِرِ مُسْتَقْبِلًا يُشْعِرُ بِيَمِينِهِ وَخِطَامُهَا بِشِمَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْأَيْسَرِ، وَلَا يَكُونُ فِي الْأَيْمَنِ إلَّا أَنْ يَسْتَدِيرَ الْقِبْلَةَ أَوْ يُشْعِرَ بِشِمَالِهِ أَوْ يَمْسِكَ لَهُ غَيْرُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ إنَّمَا يَصِحُّ مَا قَالَا إنْ أَرَادَا تَوَجُّهَهَا لِلْقِبْلَةِ كَالذَّبْحِ لَا رَأْسِهَا لِلْقِبْلَةِ. اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ آخِذًا زِمَامَهَا بِيَدِهِ الْيُسْرَى.

(مُسَمِّيًا) نَدْبًا كَذَا بِطُرَّةٍ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا عَازِيًا لَهُ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ: قَائِلًا بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ. اللَّخْمِيُّ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَرْضًا وَابْنُ حَبِيبٍ طُولًا. ابْنُ عَرَفَةَ لَمْ أَجِدْ لُغَوِيًّا إلَّا فَسَّرَ الطُّولَ بِضِدِّ الْعَرْضِ وَلَا الْعَرْضَ إلَّا بِضِدِّ الطُّولِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَلَامِيِّ الطُّولُ الْبَعْضُ الْمَفْرُوضُ أَوَّلًا قِيلَ أَطْوَلُ الِامْتِدَادَيْنِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ فِي السَّطْحِ وَالْأَخْذُ مِنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ لِقَدَمِهِ وَمِنْ ظَهْرِ ذَاتِ الْأَرْبَعِ لِأَسْفَلِهَا، وَالْعَرْضُ الْمَفْرُوضُ ثَانِيًا، وَالِامْتِدَادُ الْأَقْصَرُ، وَالْأَخْذُ مِنْ يَمِينِ الْإِنْسَانِ لِيَسَارِهِ، وَمِنْ رَأْسِ الْحَيَوَانِ لِذَنَبِهِ، وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ كَمِّيَّتَانِ مَأْخُوذَتَانِ مَعَ إضَافَتَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَلَعَلَّ الْعَرْضَ عِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَنَقْلِ الْبَيْضَاوِيِّ وَهُوَ الطُّولُ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ فَيَتَّفِقَانِ.

(وَ) سُنَّ (تَقْلِيدٌ) أَيْ: جَعْلُ قِلَادَةٍ فِي رَقَبَةِ الْهَدْيِ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْإِشْعَارِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا بِالْإِشْعَارِ لِإِيلَامِهَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَقْلِيدِهَا. وَلَعَلَّهُ اتَّكَلَ عَلَى قَوْلِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَتَقْلِيدِ هَدْيٍ ثُمَّ إشْعَارِهِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ لِإِجْمَالِهِ وَزَمَنُهُمَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ إنْ سَبَقَ الْهَدْيُ عِنْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ عِيَاضٌ وَابْنُ رُشْدٍ يُسْتَحَبُّ لِسَائِقِهِ فِعْلُهُمَا مِنْ مِيقَاتِهِ وَلِبَاعِثِهِ مِنْ حَيْثُ بَعْثُهُ، وَفِي كَرَاهَةِ فِعْلِهِمَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ مُؤَخَّرًا

ص: 382

وَنُدِبَ نَعْلَانِ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ، وَتَجْلِيلُهَا وَشَقُّهَا إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ وَقُلِّدَتْ الْبَقَرُ فَقَطْ؛ إلَّا

ــ

[منح الجليل]

إحْرَامُهُ لِلْجُحْفَةِ نَقْلًا لِلْبَاجِيِّ سَمَاعَ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ، وَرِوَايَةُ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِعْلُهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ.

(وَنُدِبَ) فِي الْمُقَلَّدِ بِهِ (نَعْلَانِ) وَيَكْفِي وَاحِدٌ (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) فَلَا يُجْعَلُ مِنْ وَتَرٍ وَلَا شَعْرٍ وَنَحْوِهِمَا مَخَافَةَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِغُصْنٍ أَوْ جَبَلٍ فَيَخْنُقُهَا، وَنَبَاتُ الْأَرْضِ يَسْهُلُ قُطْعُهُ.

وَحِكْمَةُ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إعْلَامُ الْمَسَاكِينِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَتَّبِعُونَهُ وَوَاجِدُهُ ضَالًّا فَيَرُدُّهُ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالتَّقْلِيدِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الزَّوَالِ. (وَ) نُدِبَ (تَجْلِيلُهَا) أَيْ: الْبُدْنِ فَقَطْ قَالَهُ تت وَالْحَطّ بِأَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ وَنَحْوُ مَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْبَيَانِ، وَفِيهَا تُجَلِّلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ (وَ) نُدِبَ (شَقُّهَا) أَيْ: الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ لِيَظْهَرَ الْإِشْعَارُ وَتُمْسَكُ بِالسَّنَامِ فَلَا تَسْقُطُ (إنْ لَمْ تَرْتَفِعْ) قِيمَتُهَا بِأَنْ كَانَتْ دِرْهَمَيْنِ، فَإِنْ ارْتَفَعَتْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَيْهِمَا اُسْتُحِبَّ عَدَمُ شَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ نَقَصَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي الْبَيَانِ، وَيُؤَخَّرُ تَجْلِيلُهَا حِينَئِذٍ إلَى حِينِ الْغُدُوِّ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ.

قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَنْ أَمَرَ النَّاسِ أَنْ يُشَقَّ الْجِلَالُ عَنْ أَسْنِمَتِهَا وَذَلِكَ يَحْبِسُهُ عَنْ أَنْ يَسْقُطَ، وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَدَعُ ذَلِكَ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشُقُّ وَلَمْ يَكُنْ يُجَلِّلُ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَاتٍ فَيُجَلِّلُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُجَلِّلُ الْجِلَالَ الْمُرْتَفِعَةَ وَالْأَنْمَاطَ الْمُرْتَفِعَةَ، قَبْلُ أَوْ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِبْقَاءً لِلثِّيَابِ، قَالَ: نَعَمْ فَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانَتْ الْجِلَالُ مُرْتَفِعَةً أَنْ لَا يَشُقَّ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِنْ كَانَتْ ثِيَابًا دُونًا فَشَقُّهَا أَحَبُّ إلَيَّ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَحَبُّ إلَيْنَا شَقُّ الْجِلَالِ عَنْ الْأَسْنِمَةِ إنْ كَانَتْ قَلِيلَةَ الثَّمَنِ كَدِرْهَمَيْنِ وَأَنْ لَا يَشُقَّ الْمُرْتَفِعَةَ اسْتِبْقَاءً لَهَا.

(وَقُلِّدَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (الْبَقَرُ فَقَطْ) أَيْ: بِدُونِ إشْعَارٍ فِي كُلِّ حَالٍ (إلَّا)

ص: 383

بِأَسْنِمَةٍ لَا الْغَنَمُ.

وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ عُيِّنَ مُطْلَقًا عَكْسُ الْجَمِيعِ فَلَهُ إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ وَكُرِهَ لِذِمِّيٍّ

ــ

[منح الجليل]

حَالَ كَوْنِهَا (بِأَسْنِمَةٍ) فَتُشْعَرُ أَيْضًا وَفِيهَا تُقَلَّدُ الْبَقَرُ وَلَا تُشْعَرُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشْعَرُ. وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهَا لَا تُجَلِّلُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تُجَلِّلُ فَهُمَا قَوْلَانِ (لَا) تُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ (الْغَنَمُ) وَإِشْعَارُهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ بِالتَّرْخِيصِ، وَتَقْلِيدَهَا مَكْرُوهٌ.

(وَلَمْ يُؤْكَلْ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْكَافِ أَيْ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُهْدِي أَنْ يَأْكُلَ (مِنْ نَذَرَ) أَيْ: مَنْذُورٍ لِ (مَسَاكِينِ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لَهُمْ بِاللَّفْظِ كَهَذَا نَذْرٌ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ بِالنِّيَّةِ كَهَذَا نَذْرٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ فَيُمْنَعُ الْأَكْلُ مِنْهُ (مُطْلَقًا) بَلَغَ مَحَلَّهُ وَهُوَ مِنًى بِشُرُوطِهَا أَوْ مَكَّةَ عِنْدَ انْتِفَائِهَا أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ مُعَيَّنِينَ أَمْ لَا. أَمَّا عَدَمُ أَكْلِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ فَيُتَّهَمُ بِتَعْطِيبِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ قَدْ عَيَّنَ أَكْلَهُ وَهُمْ الْمَسَاكِينُ (عَكْسُ) أَيْ: خِلَافُ حُكْمِ (الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيعِ الْهَدَايَا مُتَطَوِّعًا بِهَا أَوْ وَاجِبَةً مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ وَاجِبٍ لِنَقْصٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ فَوَاتٍ أَوْ تَعَدِّي مِيقَاتٍ أَوْ تَرْكِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ نَهَارًا أَوْ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلًا أَوْ مَبِيتٍ بِمِنًى أَوْ رَمْيِ جِمَارٍ أَوْ طَوَافِ قُدُومٍ أَوْ تَأْخِيرِ حَلْقٍ، وَكَهَدْيِ فَسَادٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ كَنَذْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا مُطْلَقًا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا أَمْ لَا، وَيَتَزَوَّدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} [الحج: 36] ، فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الْقَانِعَ بِالسَّائِلِ لِعَطْفِ الْمُعْتَرِّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ يُعَرِّضُ بِالسُّؤَالِ وَلَا يَسْأَلُ.

وَإِذَا جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي الْجَمِيعِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمُهْدِي (إطْعَامُ الْغَنِيِّ وَالْقَرِيبِ) وَإِنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ وَلَهُ التَّصَدُّقُ بِالْكُلِّ وَالْبَعْضِ بِلَا حَدٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ قَالَهُ سَنَدٌ (وَكَرِهَ) لَهُ الْإِطْعَامُ مِنْهَا (لِذِمِّيٍّ) أَوْ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْجَمِيعِ مَا يُؤْكَلُ فِي حَالٍ دُونَ آخَرَ وَتَحْتَهُ نَوْعَانِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا بَعْدَهُ وَعَكْسُهُ.

ص: 384

إلَّا نَذْرًا لَمْ يُعَيَّنْ، وَالْفِدْيَةَ وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَهَدْيَ تَطَوُّعٍ إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَتُلْقَى قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ:

ــ

[منح الجليل]

وَأَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ (إلَّا نَذْرًا) لِلْمَسَاكِينِ (لَمْ يُعَيَّنْ) كَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ بَدَنَةٌ نَاوِيًا لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ لَهُمْ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ مُطْلَقًا قَبْلَ الْمَحَلِّ وَبَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إلَّا (الْفِدْيَةَ) الَّتِي جُعِلَتْ هَدْيًا وَإِلَّا فَيُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهَا مُطْلَقًا (وَ) إلَّا (الْجَزَاءَ) لِصَيْدٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (بَعْدَ) بُلُوغِ (الْمَحَلِّ) وَهِيَ مِنًى مَعَ الشُّرُوطِ وَمَكَّةُ مَعَ عَدَمِهَا. وَامْتَنَعَ الْأَكْلُ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِوُصُولِهِ لَهُمْ، وَمِنْ الْفِدْيَةِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ التَّرَفُّهِ أَوْ إزَالَةِ الْأَذَى، وَمِنْ الْجَزَاءِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ الصَّيْدِ وَمَفْهُومُ بَعْدَ الْمَحَلِّ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهَا إذَا عَطِبَتْ قَبْلَ مَحَلِّهَا لِوُجُوبِ بَدَلِهَا عَلَيْهِ وَبَعْثِهِ إلَى الْمَحَلِّ، فَلَا يَلْزَمُ الْأَكْلُ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ.

وَأَشَارَ لِثَانِيهِمَا بِقَوْلِهِ (وَ) إلَّا (هَدْيَ تَطَوُّعٍ) لَمْ يَجِبْ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ (إنْ عَطِبَ قَبْلَ مَحَلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ عِوَضُهُ إلَّا أَنْ يُمْكِنَهُ تَذْكِيَتُهُ وَيَتْرُكَهَا حَتَّى مَاتَ فَيَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا وَمُؤْتَمَنٌ عَلَيْهِ قَالَهُ سَنَدٌ. وَمَنَعَ أَكْلَهُ مِنْهُ قَبْلَهُ لِإِتْهَامِهِ عَلَى تَعْطِيبِهِ. وَقِيلَ الْمَنْعُ تَعَبُّدٌ فَإِنْ سَمَّاهُ أَوْ نَوَاهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (فَتُلْقَى) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ: تُطْرَحُ (قِلَادَتُهُ بِدَمِهِ) بَعْدَ نَحْرِهِ عَلَامَةُ كَوْنِهِ هَدْيًا فَلَا يُؤْكَلُ وَلَا يُبَاعُ (وَيُخَلَّى) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا أَيْ: يُتْرَكُ (لِلنَّاسِ) مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ فَقِيرِهِمْ وَغَنِيِّهِمْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَنَحْوِهَا.

قَوْلُهَا وَيُخَلَّى بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُوَضَّحُ خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ سَنَدٌ مِنْ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ مُخْتَصٌّ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ بِالْفَقِيرِ، وَنَقَلَهُ الْحَطّ، وَأَفَادَ قَوْلُهُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ أَمْرَيْنِ إجْزَاءَهُ مَعَ تَوَهُّمِ طَلَبٍ بِبَدَلِهِ وَمَنْعَ أَكْلِهِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ كَالْمُبَالَغَةِ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ جَوَازُ أَكْلِهِ مِنْهُ بَعْدَهُ.

وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ الْهَدَايَا ثَمَانِيَةٌ وَهِيَ أَقْسَامُ النَّذْرِ الْأَرْبَعَةِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَضْمُونِ وَكُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُجْعَلَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لَا، وَهَدْيُ النَّقْصِ وَالْفِدْيَةِ وَالْجَزَاءِ وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ

ص: 385

كَرَسُولِهِ، وَضَمِنَ فِي غَيْرِ الرَّسُولِ بِأَمْرِهِ، بِأَخْذِ شَيْءٍ: كَأَكْلِهِ مِنْ مَمْنُوعٍ بَدَلَهُ،

ــ

[منح الجليل]

وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الْأَكْلِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَمَا يُمْنَعُ أَكْلُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَحَلِّهِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ وَعَكْسُهُ كَمَا أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ، وَنَظَمَهَا ابْنُ غَازِيٍّ بِإِحْكَامِهَا فِي نَظَائِرِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ:

كُلُّ هَدْيٍ نَقْصٌ وَاَلَّذِي ضَمِنْتَا

إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ قَصَدْتَا

وَدَعْ مُعَيَّنًا إذَا فَعَلْتَا

وَقَبْلَ كُلِّ جَزَاءِ صَيْدٍ نِلْتَا

وَهَدْيِ فِدْيَةِ الْأَذَى إنْ شِئْتَا

وَمَا ضَمِنْت قَصْدًا وَصَرَّحْتَا

وَبَعْدَ كُلٍّ طَوْعًا وَمَا عَيَّنْتَا

إنْ لَمْ تَكُنْ سَمَّيْت أَوْ أَضْمَرْتَا

وَشَبَّهَ فِي تَذْكِيَةِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِلْقَاءِ قِلَادَتِهِ بِدَمِهِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ (كَرَسُولِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ الَّذِي أَرْسَلَهُ بِهَدْيِ تَطَوُّعٍ فَعَطِبَ مِنْهُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَيُذَكِّيهِ وَيُلْقِي قِلَادَتَهُ بِدَمِهِ وَيُخَلِّيهِ لِلنَّاسِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ. قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَفْعَالِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فِيهَا وَالْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْهَدْيُ يَأْكُلُ مِنْهُ إلَّا مِنْ الْجَزَاءِ أَوْ الْفِدْيَةِ أَوْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ مِسْكَيْنَا فَجَائِزٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. وَقَالَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَإِنْ بَعَثَ بِهِمَا مَعَ رَجُلٍ فَعَطِبَتْ فَسَبِيلُ الرَّسُولِ سَبِيلُ صَاحِبِهَا لَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّسُولُ.

(وَضَمِنَ) رَبُّ الْهَدْيِ (فِي غَيْرِ) مَسْأَلَةِ (الرَّسُولِ بِ) سَبَبِ (أَمْرِهِ) أَيْ: رَبِّ الْهَدْيِ شَخْصًا (بِأَخْذِ شَيْءٍ) مِنْ هَدْيٍ مَمْنُوعٍ أَكْلُهُ مِنْهُ. وَشَبَّهَ فِي الضَّمَانِ فَقَالَ (كَأَكْلِهِ) أَيْ: رَبِّهِ (مِنْ) هَدْيٍ (مَمْنُوعٍ) أَكْلُهُ مِنْهُ وَمَفْعُولُ ضَمِنَ قَوْلُهُ (بَدَلَهُ) أَيْ الْهَدْيِ هَدْيًا كَامِلًا لَا قَدْرَ أَكْلِهِ أَوْ مَا أَخَذَهُ مَأْمُورُهُ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَمَرَ مُسْتَحِقًّا أَوْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا كَغَيْرِهِ إنْ أَمَرَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الرَّسُولُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُهْدِي إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ تَعَدَّى، وَلَا عَلَى الرَّسُولِ إنْ أَكَلَ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يَأْخُذُ شَيْئًا إنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا وَمَأْمُورُهُ مُسْتَحِقٌّ، وَإِلَّا ضَمِنَ قَدْرَ أَكْلِهِ وَقَدْرَ مَأْخُوذِهِ.

ص: 386

وَهَلْ إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ، فَقَدْ أَكَلَهُ؟ خِلَافٌ، وَالْخِطَامُ وَالْجَلَالُ: كَاللَّحْمِ.

وَإِنْ سُرِقَ بَعْدَ ذَبْحِهِ؛ أَجْزَأَ؛

ــ

[منح الجليل]

وَإِنْ أَبْدَلَهُ رَبُّ الْهَدْيِ صَارَ كَحُكْمِ مُبْدَلِهِ فِي مَنْعِ الْأَكْلِ مِنْهُ وَضَمَانِ الْبَدَلِ إنْ أَكَلَ مِنْهُ.

(وَهَلْ) عَلَى رَبِّهِ الْبَدَلُ كَامِلًا فِي كُلِّ مَمْنُوعٍ كَالْأَرْبَعِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا. وَشَهَّرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي أَوْ (إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ فَقَدْرُ أَكْلِهِ) لَحْمًا إنْ عَرَفَ وَزْنَهُ وَقِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْغَاصِبِ وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (خِلَافٌ) فِي التَّشْهِيرِ وَالثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا. وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ قَدْرَ أَكْلِهِ أَنَّ الْخِلَافَ غَيْرُ جَارٍ فِيمَا أَمَرَ بِأَخْذِهِ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ عج. قَالَ الْبُنَانِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ ز هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْفِقْهِ (وَالْخِطَامُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: الزِّمَامُ لِلْهَدَايَا سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ عَلَى مِخْطَمِهِ أَيْ: أَنْفِهِ (وَالْجِلَالُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جُلٍّ بِضَمِّهَا (كَاللَّحْمِ) فِي الْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ غَيْرُ تَامٍّ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ هَذَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ أَمَرَ بِأَخْذِهَا وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا ضَمِنَ قِيمَةَ مَا أَخَذَ فَقَطْ لِلْفُقَرَاءِ إنْ فَاتَتْ وَإِلَّا رَدَّهُ.

فِي التَّوْضِيحِ وَالْمَطْلُوبُ أَنْ لَا يُعْطِيَ الْهَدْيَ إلَّا بَعْدَ نَحْرِهِ فَإِنْ دَفَعَهُ حَيًّا لِلْمَسَاكِينِ وَنَحَرُوهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَلَوْ تَطَوُّعًا. أَمَّا الْوَاجِبُ فَظَاهِرٌ لِعَدَمِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَقَدْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ.

(وَإِنْ سُرِقَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الْوَاجِبُ كَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ وَنَذْرٍ مَضْمُونٍ لِمَسَاكِين وَمَا وَجَبَ لِقِرَانٍ وَنَحْوَهُ مِنْ صَاحِبِهِ (بَعْدَ ذَبْحِهِ) أَوْ نَحْرِهِ (أَجْزَأَ) فَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحَلَّهُ وَوَقَعَ التَّعَدِّي عَلَى مَحْضِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَتِهِ

ص: 387

لَا قَبْلَهُ، وَحُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى غَيْرٍ ثُمَّ عَلَيْهَا وَإِلَّا

ــ

[منح الجليل]

وَصَرْفُهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ فِيمَا لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ كَالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَأَمَّا مَا لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا وَيَفْعَلُ بِهَا مَا يَشَاءُ قَالَهُ سَنَدٌ.

(لَا) يُجْزِئُهُ إنْ سُرِقَ (قَبْلَهُ) أَيْ: الذَّبْحِ، وَأَمَّا التَّطَوُّعُ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إذَا سُرِقَ قَبْلَهُ. الْبِسَاطِيُّ لَفْظُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى كَلَامِهِ فِي الْوَاجِبِ وَمِثْلُ السَّرِقَةِ الضَّلَالُ وَالْمَوْتُ قَبْلَ نَحْرِهِ كَمَا فِيهَا، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يُجْزِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا أَجْزَأَ. (وَحُمِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (الْوَلَدُ) الْحَاصِلُ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِلْهَدْيِ وُجُوبًا إلَى مَكَّةَ وَحَمَلَهُ (عَلَى غَيْرٍ) أَيْ: غَيْرِ أُمِّهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ سَوْقُهُ كَمَا يُحْمَلُ رَحْلُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهَا، فَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ وَأَمَّا الْمَوْلُودُ قَبْلَ التَّقْلِيدِ فَيُنْدَبُ ذَبْحُهُ وَلَا يَجِبُ حَمْلُهُ، وَهَلْ يُنْدَبُ وَيَكُونُ عَلَى غَيْرِ الْأُمِّ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَنَصُّهَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَهُ مَعَهَا إنْ نَوَى ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي نَوَى بِأُمِّهِ الْهَدْيَ (ثُمَّ) حَمَلَ (عَلَيْهَا) أَيْ الْأُمِّ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا وَلَهَا قُوَّةٌ عَلَى حَمْلِهِ وَإِنْ نَحَرَهُ دُونَ الْبَيْتِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَبْلِيغِهِ بِوَجْهٍ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ هَدْيٌ كَبِيرٌ تَامٌّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى أُمِّهِ لِضَعْفِهَا أَوْ خَوْفِ هَلَاكِهَا وَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِهَا بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ.

ص: 388

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ لِيَشْتَدَّ فَكَالتَّطَوُّعِ.

وَلَا يَشْرَبُ مِنْ اللَّبَنِ وَإِنْ فَضَلَ

ــ

[منح الجليل]

فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) لِكَوْنِهِ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَيْسَ بِهَا ثِقَةٌ عِنْدَ ثِقَةٍ (لِيَشْتَدَّ) ثُمَّ يُرْسَلَ إلَى مَحَلِّهِ (فَكَ) هَدْيِ (التَّطَوُّعِ) الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مُسْتَعْتَبٍ أَيْ: أَمِنَ نَحْرَهُ بِمَحَلِّهِ وَخَلَّاهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنْهُ كَانَتْ أُمُّهُ مُتَطَوَّعًا بِهَا أَوْ عَنْ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ، وَكَذَا إنْ أَمَرَ بِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلٍّ غَيْرِ مُسْتَعْتَبٍ كَطَرِيقٍ فَيُبَدِّلُهُ بِهَدْيٍ كَبِيرٍ وَلَا يُجْزِيهِ بَقَرَةٌ فِي نِتَاجِ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ بَدَلُهُ ذَكَّاهُ وَتَرَكَهُ قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّطَوُّعِ الَّذِي عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ أَنَّهُ يُنْحَرُ وَيُخَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلَ.

(وَلَا يُشْرِبُ) الْمُهْدِي بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ لِهَدْيٍ يُمْنَعُ الْأَكْلَ مِنْهُ (مِنْ اللَّبَنِ) إنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا بَلْ (وَإِنْ فَضَلَ) اللَّبَنُ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا أَيْ يُكْرَهُ إنْ فَضَلَ عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا وَلَمْ يَضُرَّ شُرْبُهُ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ، وَلْيَتَصَدَّقْ بِالْفَاضِلِ

ص: 389

وَغَرِمَ إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ مُوجِبَ فِعْلِهِ وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا بِلَا عُذْرٍ، وَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ وَنَحْرِهَا قَائِمَةً أَوْ مَعْقُولَةً.

ــ

[منح الجليل]

عَنْ فَصِيلِهَا فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ أَوْ أَضَرَّ أَحَدَهُمَا مُنِعَ. وَأَمَّا الْجَائِزُ أَكْلُهُ فَيَجُوزُ شُرْبُ لَبَنِهِ أَفَادَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُكْرَهُ أَيْضًا أَفَادَهُ عب. الْبُنَانِيُّ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُوَافِقُ لِإِطْلَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةُ وَغَيْرُهَا، وَتَعْلِيلُهُمْ النَّهْيَ بِخُرُوجِ الْهَدْيِ عَنْ مِلْكِهِ بِتَقْلِيدِهِ وَإِشْعَارِهِ وَبِخُرُوجِهِ خَرَجَتْ مَنَافِعُهُ فَشُرْبُهُ نَوْعٌ مِنْ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُهَا وَيُضْعِفُ وَلَدَهَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ قَالَهُ طفي.

(وَ) لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الشُّرْبِ الْمَمْنُوعِ أَوْ الْمَكْرُوهِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ ضَرَرٌ، فَإِنْ حَصَلَ (غَرِمَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (إنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ) أَوْ حَلْبِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَبْهُ أَوْ بَقَائِهِ بِضَرْعِهَا (الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ) وَمَفْعُولُ غَرِمَ قَوْلُهُ (مُوجَبَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ: مُسَبَّبِ بِفَتْحِ الْبَاءِ (فِعْلِهِ) أَيْ شُرْبِهِ أَوْ حَلْبِهِ أَوْ إبْقَائِهِ مِنْ نَقْصٍ فَيَغْرَمُ الْأَرْشَ أَوْ تَلِفَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ (وَنُدِبَ عَدَمُ رُكُوبِهَا) أَيْ: الْبَدَنَةِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ عَلَيْهَا (بِلَا عُذْرٍ) فَيُكْرَهُ كَمَا فِي النَّقْلِ وَإِنْ احْتَمَلَ كَلَامُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلَا يُكْرَهُ وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ (فَلَا يَلْزَمُ النُّزُولُ بَعْدَ الرَّاحَةِ) وَيُنْدَبُ وَإِنْ نَزَلَ فَلَا يَرْكَبُهَا ثَانِيًا إلَّا لِعُذْرٍ كَالْأَوَّلِ وَإِنْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَتَلِفَتْ ضَمِنَهَا. وَإِنْ رَكِبَهَا لِعُذْرٍ وَتَلِفَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا إلَّا إنْ تَعَدَّى فِي هَيْئَةِ رُكُوبِهَا قَالَهُ عب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ سَنَدٍ هَذَا مُقَيَّدٌ بِسَلَامَتِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ بِرُكُوبِهِ ضَمِنَهَا.

(وَ) نُدِبَ (نَحْرُهَا) أَيْ الْبَدَنَةِ حَالَ كَوْنِهَا (قَائِمَةً) عَلَى قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ مُقَيَّدَةً أَيْ مَقْرُونَةَ الْيَدَيْنِ بِقَيْدٍ بِلَا عَقْلٍ (أَوْ) قَائِمَةً (مَعْقُولَةً) أَيْ: مَثْنِيَّةً ذِرَاعُهَا الْيُسْرَى إلَى عَضُدِهَا فَتَبْقَى قَائِمَةً عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّ النَّصَّ نَحْرُهَا قَائِمَةً مُقَيَّدَةً إلَّا أَنْ يَخَافَ ضَعْفَهُ عَنْهَا وَعَدَمَ صَبْرِهَا فَيَعْقِلُهَا، فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيُفِيدُ الثَّانِي بِالْعُذْرِ.

وَالْأَصْلُ فِي الصِّفَتَيْنِ الْقِرَاءَتَانِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ} [الحج: 36]

ص: 390

وَأَجْزَأَ إنْ ذَبَحَ غَيْرُهُ مُقَلَّدًا، وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ، وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ، إنْ قُلِّدَ وَقَبْلَ نَحْرِهِ نُحِرَ مَعًا، وَإِنْ قُلِّدَ وَإِلَّا بِيعَ وَاحِدٌ.

ــ

[منح الجليل]

الْحَجَّ، وَقُرِئَ صَوَافِنْ. ابْنُ حَبِيبٍ مَعْنَى صَوَافَّ صَفُّ يَدَيْهَا بِقَيْدٍ حِينَ نَحْرِهَا. ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - صَوَافِنْ مَعْقُولَةٌ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ يَدٌ وَاحِدَةٌ فَتَقِفُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَائِمَ قَالَهُ ابْنُ غَازِيٍّ. سَنَدٌ تُنْحَرُ الْبَقَرُ قَائِمَةً أَيْضًا.

(وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ الْمُقَلَّدُ أَوْ الْمُشْعَرُ (إنْ ذَبَحَ) شَخْصٌ مُسْلِمٌ (غَيْرُهُ) أَيْ: الْمُهْدَى (عَنْهُ) أَيْ الْمُهْدِي صِلَةً أَجْزَأَ لَا كَافِرٌ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرَبِ وَعَلَى صَاحِبِهِ بَدَلُهُ، وَقَوْلُهُ أَجْزَأَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَمَفْعُولُ ذَبَحَ قَوْلُهُ (مُقَلَّدًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ مُثَقَّلًا أَنَابَهُ أَمْ لَا إنْ نَوَى الذَّابِحُ عَنْ رَبِّهِ بَلْ (وَلَوْ نَوَى) الذَّابِحُ الْهَدْيَ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) الذَّابِحُ فِي هَدْيِ غَيْرِهِ وَظَنَّهُ هَدْيَهُ، فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يُجْزِ عَنْ الْمَالِكِ أَنَابَهُ أَمْ لَا وَلَا عَنْ الذَّابِحِ أَيْضًا وَلِرَبِّهِ أَخْذُ قِيمَتِهِ مِنْهُ قَالَهُ سَنَدٌ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ فَتُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا وَلَوْ ذَبَحَهَا النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا بِشَرْطِ إنَابَةِ رَبِّهَا لَهُ فَتُخَالِفُ الْهَدْيَ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.

(وَلَا يُشْتَرَكُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ (فِي هَدْيِ) تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَالْأَجَانِبُ سَوَاءٌ كَمَا فِيهَا. وَلَوْ قَالَ دَمٌ لَشَمِلَ الْفِدْيَةَ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي أَجْرِهِ كَظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَوَاهِرِ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي هَذَا أَيْضًا لِلضَّحِيَّةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي هَدْيٍ لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

(وَإِنْ) ضَلَّ أَوْ سُرِقَ هَدْيٌ وَأُبْدِلَ ثُمَّ (وُجِدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيُ الضَّالُّ أَوْ الْمَسْرُوقُ (بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نُحِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْهَدْيُ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ ضَلَالِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ (إنْ) كَانَ (قُلِّدَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِ هَدْيًا بِتَقْلِيدِهِ (وَ) إنْ وُجِدَ (قَبْلَ نَحْرِهِ) أَيْ: الْبَدَلِ (نُحِرَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ: الْهَدْيَانِ الْأَصْلُ وَالْبَدَلُ مَعًا (إنْ) كَانَا (قُلِّدَا) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا لِتَعَيُّنِهِمَا لِلْهَدْيِ بِتَقْلِيدِهِمَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقَلَّدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِيعَ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (وَاحِدٌ مِنْهُمَا) أَيْ: الْهَدْيَيْنِ غَيْرِ الْمُقَلَّدَيْنِ الَّذِي وُجِدَ أَوْ بَدَلُهُ إنْ شَاءَ الْمُهْدِي، وَإِنْ

ص: 391