المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في بيان أحكام الشركة في الزرع] - منح الجليل شرح مختصر خليل - جـ ٦

[محمد بن أحمد عليش]

الفصل: ‌[فصل في بيان أحكام الشركة في الزرع]

فَصْلٌ)

لِكُلٍّ، فَسْخُ الْمُزَارَعَةِ

ــ

[منح الجليل]

[فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام الشَّرِكَة فِي الزَّرْع]

(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الشَّرِكَةِ فِي الزَّرْعِ (لِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ (فَسْخُ) عَقْدِ (الْمُزَارَعَةِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ابْنُ عَرَفَةَ الْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ فِي الْحَرْثِ، وَبِالثَّانِي عَبَّرَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، وَعَبَّرَ بِالْأَوَّلِ كَثِيرٌ، سَمَعُ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا عَلَى مُزَارَعَةٍ وَرَوَى الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت» وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا يَزْرَعُ مُسْلِمٌ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» . الْبُرْزُلِيُّ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَا يَقُولَن أَحَدُكُمْ زَرَعَتْ وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِعَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى» .

أَبُو هُرَيْرَةَ لِقَوْلِهِ {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63]{أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64] الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْله تَعَالَى {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} [البقرة: 261] الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اتِّخَاذَ الْحَرْثِ مِنْ أَعْلَى الْحِرَفِ الْمُتَّخَذَةِ لِلْمَكَاسِبِ، وَيَشْتَغِلُ بِهَا الْعُمَّالُ، وَلِهَذَا ضَرَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَثَلَ بِهَا قَالَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ «الْتَمِسُوا الرِّزْقَ فِي خَبَايَا الْأَرْضِ» يَعْنِي الزَّرْعَ وَفِي حَدِيثِ مَدْحِ النَّخْلِ «هُنَّ الرَّاسِخَاتُ فِي الْوَحْلِ وَالْمُطْعِمَاتُ فِي الْمَحْلِ» .

قَالَ وَالْمُزَارَعَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُجْبِرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ غَرْسِ الشَّجَرِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ شِهَابٍ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى مَالٍ أُعَالِجُهُ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:

أَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ لَقِيتُهُ

وَقَدْ شَدَّ أَحْلَاسَ الْمَطِيِّ مُشَرِّقَا

اتْبَعْ خَبَايَا الْأَرْضِ وَادْعُ مَلِيكَهَا

لَعَلَّك يَوْمًا أَنْ تُجَابَ فَتُرْزَقَا

ص: 335

إنْ لَمْ يُبْذَرْ

ــ

[منح الجليل]

الْقُرْطُبِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَرْمِي الْبَذْرَ أَنْ يَقُولَ عَقِبَ الِاسْتِعَاذَةِ {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63]{أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 64] بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الزَّارِعُ الْمُنْبِتُ الْمُبَلِّغُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَارْزُقْنَا خَيْرَهُ وَجَنِّبْنَا ضَرَرَهُ، وَاجْعَلْنَا لِأَنْعُمِكَ مِنْ الشَّاكِرِينَ اهـ. قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَمَانٌ لِلزَّرْعِ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ الدُّودِ وَالْجَرَادِ وَغَيْرِهِمَا، سَمِعْته مِنْ ثِقَةٍ وَجُرِّبَ فَوُجِدَ كَذَلِكَ وَاخْتُلِفَ هَلْ الْأَفْضَلُ الزِّرَاعَةُ لِكَثْرَةِ التَّنَاوُلِ مِنْهَا أَوْ الْغِرَاسَةُ لِدَوَامِهَا الْبُرْزُلِيُّ وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ زَرْعِهِ أَوْ غَرْسِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُهُ مَا دَامَ قَائِمًا عَلَى أُصُولِهِ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ. وَلَا تَلْزَمُ الْمُزَارَعَةُ بِمُجَرَّدِ عَقْدِهَا فَلِكُلٍّ فَسْخُهَا (إنْ لَمْ يُبْذَرْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَحْدَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَمْ يُجْعَلْ الْبَذْرُ بِالْأَرْضِ، فَإِنْ بُذِرَ لَزِمَتْ ابْنُ رُشْدٍ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ تَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطِ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْعَمَلِ بَذْرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَبِهِ جَرَتْ الْفَتْوَى بِقُرْطُبَةَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ وَإِجَارَةٌ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُقْتَضِيَةٌ لِلْأُخْرَى بِكُلِّيَّتِهَا لَا فَضْلَ فِيهَا عَنْهَا، فَاخْتُلِفَ أَيُّهُمَا تُغَلَّبُ، فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ لَمْ يَرَهَا لَازِمَةً بِالْعَقْدِ وَلَمْ يُجِزْهَا إلَّا عَلَى التَّكَافُؤِ وَالِاعْتِدَالِ، إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا لَا فَضْلَ لِكِرَائِهِ.

وَمِنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ أَلْزَمَهَا بِالْعَقْدِ وَأَجَازَ التَّفَاضُلَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُرَاعِ التَّكَافُؤَ غَيْرَ ابْنِ حَبِيبٍ، قَالَ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ الْأَمْرُ بِمَا لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ فِي الْبُيُوعِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ تَفَاحَشَ الْفَضْلُ فِي قِيمَةِ الْكِرَاءِ مَا لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ لَهُ بَالٌ لَمْ يُخْرِجْ صَاحِبُهُ عِوَضًا عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْقَوْلِ بِتَغَلُّبِ الْإِجَارَةِ وَإِلْزَامِ الْعَقْدِ أَنْ يَجُوزَ التَّفَاضُلُ بِكُلِّ حَالٍ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ خَلِيلٌ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ دَوَرَانُهَا بَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالْإِجَارَةِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهَا شَرِكَةٌ حَقِيقِيَّةٌ إلَّا أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْمَالِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ أَوْ الشُّرُوعِ ثَالِثُهَا بِالْأَبْذَارِ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ

ص: 336

وَصَحَّتْ، إنْ سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَمْنُوعٍ، وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ، وَتَسَاوَيَا

ــ

[منح الجليل]

وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمَبْسُوطَةِ وَبِهِ جَرَتْ الْفُتْيَا بِقُرْطُبَةَ. وَهُوَ عَلَى قِيَاسِ رِوَايَةِ عَلَى لُزُومِ الْجُعْلِ بِالشُّرُوعِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ سَمَاعِهِ أَصْبَغَ وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى انْعِقَادِهَا بِالْعَمَلِ أَفَادَهُ الْحَطّ.

(وَصَحَّتْ) الْمُزَارَعَةُ (إنْ سَلِمَا) بِكَسْرِ اللَّامِ أَيْ الْمُتَزَارِعَانِ أَيْ عَقْدُهُمَا الشَّرِكَةَ فِي الزَّرْعِ (مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِ) شَيْءٍ (مَمْنُوعٍ) كِرَاؤُهَا بِهِ، وَهُوَ الطَّعَامُ، وَلَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ الْأَرْضُ كَالسَّمْنِ وَعَسَلِ النَّحْلِ وَمَا تُنْبِتُهُ وَلَا تَطُولُ إقَامَتُهُ بِهَا وَلَوْ غَيْرَ طَعَامٍ، كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ (وَ) إنْ (قَابَلَهَا) أَيْ الْأَرْضَ شَيْءٌ (مُسَاوٍ) لِكِرَائِهَا مِنْ عَمَلِ يَدٍ أَوْ بَقَرٍ عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَصْحَابِهِ. سَحْنُونٌ وَهُوَ صَوَابٌ. فَالْمُسَاوَاةُ شَرْطٌ، وَعَدَمُهَا مَانِعٌ، وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ الشَّرْطَ عَلَى عَدَمِ الْمَانِعِ، وَمَفْهُومُ مُسَاوٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ قَابَلَهَا أَكْثَرُ مِنْ كِرَائِهَا بِكَثِيرٍ فَسَدَتْ وَبِيَسِيرٍ اُغْتُفِرَ أَفَادَهُ تت.

(وَ) إنْ (تَسَاوَيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ فِيمَا يُخْرِجَانِهِ وَالْأَرْضُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مُبَاحَةٌ لِعُمُومِ النَّاسِ، أَوْ لِأَحَدِهِمَا وَكِرَاؤُهَا يَسِيرٌ لَا خَطْبَ لَهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا كِرَاءٌ " ق " فِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ فِي الزَّرْعِ إلَّا أَنْ يُخْرِجَا الْبَذْرَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَتَسَاوَيَا فِي قِيمَةِ أَكْرِيَةِ مَا يُخْرِجَانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَلِلْآخِرِ الْبَقَرُ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَيْهِمَا إذَا تَسَاوَيَا وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ وَالْعَمَلُ بَيْنَهُمَا وَقِيمَةُ الْبَذْرِ وَكِرَاءُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ أَكْرَى نِصْفَ أَرْضِهِ بِطَعَامٍ، وَلَوْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْبَقَرَ وَالْعَمَلَ وَكِرَاءُ ذَلِكَ وَقِيمَةُ الْبَذْرِ سَوَاءٌ. وَإِذَا سَلِمَ الْمُتَزَارِعَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ أَنَّ الْأَرْضَ لِوَاحِدٍ وَالْبَذْرُ

ص: 337

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إنْ تَسَاوَيَا وَلَمْ يَفْضُلْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِشَيْءٍ فِي عَمَلٍ وَلَا نَفَقَةٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ. سَحْنُونٌ أَنْ تَفَاضَلَا فِي الْعَمَلِ تَفَاضُلًا كَثِيرًا لَهُ بَالٌ، فَالشَّرِكَةُ تَفْسُدُ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ التَّفَاضُلُ يَسِيرًا لَمْ تَفْسُدْ الشَّرِكَةُ كَمَا أَجَازَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ الَّتِي لَا كِرَاءَ لَهَا ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمْ الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ فَهَذِهِ إجَارَةٌ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَأَجَازَ سَحْنُونٌ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْعَمَلِ لِأَنَّ ذَلِكَ إجَارَةٌ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى التَّسَاوِي، وَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَبْذُرَ مَعَ صَاحِبِهِ لِلُزُومِ الشَّرِكَةِ.

وَنَقَلَ أَهْلُ كُتُبِ الْأَحْكَامِ أَنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْمُتَزَارِعَيْنِ إذَا سَلِمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا بَأْسَ بِالتَّفَاضُلِ وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَفِيهَا لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزَّرْعِ فَيُخْرِجُ أَحَدُهُمَا أَرْضًا لَهَا قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ فَيُلْغِيهَا لِصَاحِبِهِ وَيَعْتَدِلَانِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبُهُ نِصْفَ كِرَاءِ الْأَرْضِ، وَيَكُونُ جَمِيعُ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ تَكُونُ أَرْضًا لَا خَطْبَ لَهَا فِي الْكِرَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يُلْغِيَ كِرَاءَهَا لِصَاحِبِهِ وَيُخْرِجَانِ مَا عَدَاهَا بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا.

سَحْنُونٌ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَقِيمَتُهُ مُسَاوِيَةٌ قِيمَةُ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ جَازَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا. بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ قَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ الْأَشْبَهُ، وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ بِبَيِّنٍ وَإِذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ فَهَذِهِ إجَارَةٌ تَلْزَمُ بِعَقْدِهَا " غ " قَوْلُهُ وَتَسَاوَيَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلُ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَهُوَ مُغْنٍ عَنْهُ " ح " قَوْلُهُ تَسَاوَيَا لَا شَكَّ فِي إغْنَائِهِ عَنْ قَوْلِهِ، وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَشَرْطُهَا شَيْئَانِ كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ.

وَلَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَسْلَمَا مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَأَنْ يَعْتَدِلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ عب الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ شَرْطُهُمَا قَسْمُ الرِّبْحِ عَلَى قَدْرِ مَا أَخْرَجَاهُ كَأَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِائَةً وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ خَمْسِينَ، وَدَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ

ص: 338

إلَّا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ

ــ

[منح الجليل]

وَلِرَبِّ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ الثُّلُثُ، فَتَجُوزُ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ لَمْ تَجُزْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا ذُكِرَ بِعَكْسِ مَا مَرَّ جَازَ إنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْبَقَرِ وَالْعَمَلِ الثُّلُثَيْنِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ وَإِنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَسَدَتْ لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، وَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ خَمْسِينَ وَالْبَقَرِ وَالْعَمَلِ كَذَلِكَ جَازَ إنْ دَخَلَا عَلَى النِّصْفِ فَإِنْ دَخَلَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَسَدَتْ فَالْمُرَادُ. بِالتَّسَاوِي أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مُطَابِقًا لِلْمُخْرَجِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْخَارِجِ وَالْمُخْرَجِ جَمِيعًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا النِّصْفُ، وَهَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ وَتَسَاوَيَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَلِكَ.

طفي لَيْسَ الْمُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْمُزَارَعَةِ إلَّا شَرْطَيْنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَقَابَلَهَا مُسَاوٍ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي قَوْلِهِ وَتَسَاوَيَا، فَيُغْنِي عَنْهُ كَمَا قَالَ " غ " وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَخَلْطُ بَذْرٍ فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهَا لِأَنَّ شَرْطَهَا مَا كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ صُوَرِهَا، وَهَذَا خَاصٌّ بِبَعْضِ الصُّوَرِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ إنْ كَانَ، وَلِذَا قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَلَهَا شَرْطَانِ: الْأَوَّلُ السَّلَامَةُ مِنْ مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ أَوْ بَعْضِهَا بِمَا لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِهِ، الثَّانِي: التَّعَادُلُ بَيْنَ الْإِشْرَاكِ فِي قِسْمَةِ الْمُخْرَجِ أَوْ قِيمَتِهِ بِحَسَبِ حِصَصِ الْإِشْرَاكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الثُّلُثُ أَوْ الرُّبْعُ أَوْ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَجْزَاءِ، عَلَى أَنَّ لَهُ مِمَّا يَخْرُجُ مَالًا يَكُونُ قَدْرَ ذَلِكَ الْجُزْءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا لَا يُؤْبَهُ لَهُ فَلَا تَفْسُدُ الْمُزَارَعَةُ.

وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ وَقَابَلَهَا صَارَ فَإِنَّهُ، قَالَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُقَابِلُهَا مُعَادِلًا لِكِرَائِهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُغْنِي عَنْهُ وَهُوَ التَّسَاوِي فِي الْمُخْرَجِ، فَجَاءَ كَلَامُهُ حَسَنًا اهـ. قُلْت شَاعَ أَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ بِإِغْنَاءِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الْمُتَقَدِّمِ لِوُقُوعِ الْأَوَّلِ فِي مَرْكَزِهِ. وَلَا يُغْنِي عَنْ الْمُتَأَخِّرِ فَاحْتِيجَ لِلثَّانِي، فَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ أَحْسَنُ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ الْحَاجِبِ لِإِخْلَالِهِ بِشَرْطِ التَّسَاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ وَمُتَسَاوِيًا فَقَالَ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ عَدَمُ التَّسَاوِي (لِتَبَرُّعٍ) مِنْ أَحَدِ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ بِزِيَادَةِ عَمَلٍ أَوْ قَدْرٍ مِمَّا يَخْرُجُ لِلْآخَرِ (بَعْدَ الْعَقْدِ) فَلَا تَفْسُدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْبَذْرِ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِلُزُومِهَا بِالْعَقْدِ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ

ص: 339

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

ق " ابْنُ حَبِيبٍ إنْ تَفَاضَلَا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُتَزَارِعَانِ فَإِنْ كَانَا عَقَدَا عَلَى الِاعْتِدَالِ جَازَ مَا فَضَلَ بِهِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ طَوْعًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إنْ اعْتَدَلَا فِي الزَّرِيعَةِ سَحْنُونٌ إنْ صَحَّ الْعَقْدُ جَازَ أَنْ يَتَفَاضَلَا، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ زَرِيعَةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ أَسْلَفَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ وَأْيٍ وَلِإِعَادَةِ الشَّيْخِ يُرِيدُ سَحْنُونٌ لِأَنَّهَا تَلْزَمُ بِعَقْدِهَا كَالْبَيْعِ.

ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى إنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى غَيْرِ شَرْطِ سَلَفٍ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُسْلِفَهُ الزَّرِيعَةَ فَفَعَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَفْسُدْ الْمُزَارَعَةُ إذَا كَانَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرَ لَازِمَةٍ بِهِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ رَآهَا لَازِمَةً بِهِ وَلَعَلَّهُمَا ظَنَّا لُزُومَهَا بِهِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ " غ " قَوْلُهُ إلَّا لِتَبَرُّعٍ بَعْدَ الْعَقْدِ أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ اللَّازِمِ بِالْبَذْرِ، فَأَلْ عَهْدِيَّةٌ.

الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ وَأَجَابَ عَنْهُ وَهُوَ لَا شَكَّ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ وَنَصُّ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي حَرْثٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ أَسْلِفْنِي بَعْدَ عَقْدِ الشَّرِكَةِ ابْنُ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةُ فَاسِدَةٌ لِلسَّلَفِ الَّذِي أَسْلَفَهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ إنْ كَانَا اشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى غَيْرِ سَلَفٍ ثُمَّ سَأَلَهُ ذَلِكَ فَفَعَلَ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَالشَّرِكَةُ حَلَالٌ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ مُكَافِئَةً لِقِيمَةِ الْأَرْضِ.

ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجُوزَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ الْعَقْدَ عِنْدَهُ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذَلِكَ، إذْ قَدْ ذَكَرَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالشَّرِكَةُ حَلَالٌ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَمَلِ مُكَافِئَةً لَقِيمَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّ مَنْ يَرَاهَا لَازِمَةً بِالْعَقْدِ يُجِيزُ التَّفَاضُلَ فِيهَا وَلَا يَشْتَرِطُ جَوَازُهَا التَّكَافُؤَ فِيمَا يُخْرِجَانِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَفْسُدْ إذَا كَانَ السَّلَفُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرَ لَازِمَةٍ

ص: 340

وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ، وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا

ــ

[منح الجليل]

بِهِ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ رَآهَا لَازِمَةً بِهِ. اهـ. فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ بِعَدَمِ لُزُومِهَا بِالْعَقْدِ وَيَجُوزُ التَّبَرُّعُ بَعْدَهُ مُرَاعَاةً لِقَوْلِ الْمُخَالِفِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ جَارٍ عَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِتَأْوِيلِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِهِ يَسْقُطُ بَحْثُ اللَّقَانِيِّ، وَأَمَّا بَحْثُ طفي مَعَ " غ " بِأَنْ حَمَلَ الْعَقْدَ عَلَى اللَّازِمِ بِالْبَذْرِ، رَأَى تَمَامَهُ نَقَلَ مَعَهُ فَائِدَةَ التَّبَرُّعِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِإِمْكَانِ التَّبَرُّعِ بَعْدَ تَمَامِ الْبَذْرِ بِالسَّقْيِ أَوْ التَّنْقِيَةِ أَوْ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ أَوْ بِالزِّيَادَةِ فِي حِصَّتِهِ أَوْ نَحْوِهَا.

(وَخَلْطُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ مَصْدَرُ خَلَطَ بِفَتْحِهَا فَاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَى سَلِمَ شَرْطُ أَنْ أَيْ وَحَصَلَ خَلْطُ (بَذْرٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ زَرِيعَةٌ فَشَمِلَ الزَّرِيعَةَ الْخُضَرَ الَّتِي تُنْقَلُ كَالْبَصَلِ وَالْقَصَبِ، هَذَا هُوَ الشَّائِعُ فِي قِرَاءَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ عَطْفٌ عَلَى سَلِمَ (إنْ كَانَ) الْبَذْرُ مِنْهُمَا، وَيَكْفِي الْخَلْطُ (وَلَوْ) كَانَ (بِإِخْرَاجِهِمَا) أَيْ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ بَذْرَيْهِمَا وَزَرْعِهِمَا فِي نَاحِيَتَيْنِ مُتَمَيِّزٌ كُلٌّ بَذْرُهُ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ قَوْلُهُ الْآتِي، فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا. . . إلَخْ.

وَأَشَارَ بِوَلَوْ إلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لَا يَكْفِي هَذَا وَلَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا فِي الزِّرَاعَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ الْمُوَضِّحُ لَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمَيُّزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ مُشِيرًا إلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ كِفَايَةِ كَوْنِهِ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا هَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ

ص: 341

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - اللَّخْمِيُّ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً بِقَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ مَرَّةً إنَّمَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا الزَّرِيعَةَ أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ أَوْ حَمَلَاهَا إلَى فَدَّانٍ وَنَصُّ هَذَا الثَّانِي عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي الزِّرَاعَةِ وَأَخْرَجَا الْبَذْرَ جَمِيعًا إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَخْلِطَا فَزَرَعَ هَذَا فِي فَدَّانٍ أَوْ فِي بَعْضِهِ، وَزَرَعَ الْآخَرَ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَعْمَلَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّرِكَةَ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَثْبَتَ حَبُّهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ، وَيَتَقَاصَّانِ، وَإِنَّمَا تَتِمُّ الشَّرِكَةُ إذَا خَلَطَا مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الزَّرِيعَةِ أَوْ جَمَعَاهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ أَوْ حَمَلَاهَا جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ وَبَذَرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِهِ فَزَرَعَا وَاحِدَةً ثُمَّ زَرَعَا الْأُخْرَى فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا لَوْ جَمَعَا فِي بَيْتِ، بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَعَلَّ الْمُصَنِّفَ إمَّا سَكَتَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِشَرِكَةٍ جَائِزَةٍ خَلَطَا أَمْ لَمْ يَخْلِطَا لِاحْتِمَالِهِ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ أَوْ لَا لَكِنَّهُ إنْ وَقَعَ مَضَى وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَفْرِيعِهِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ فَصْلٌ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِمَا هَلْ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ أَنْ يَخْلِطَاهُ قَبْلَ الْحَرْثِ فَأَجَازَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - الشَّرِكَةَ إذَا أَخْرَجَا قَمْحًا أَوْ شَعِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَخْلِطَا وَهُوَ أَيْضًا أَصْلُهُمَا فِي الشَّرِكَةِ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَاخْتُلِفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ. اهـ. فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَا كَمَا عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَأَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ مَا فَرَّعَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ إلَخْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

طفي قَوْلُهُ وَخَلْطُ بَذْرٍ إنْ كَانَ إلَخْ، هَذَا الشَّرْطُ إنَّمَا يُعْرَفُ لِسَحْنُونٍ وَإِلَيْهِ عَزَاهُ فِي الْجَوَاهِرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - " عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا عَلَى أَصْلِهِمَا فِي شَرِكَةِ الْمَالِ وَسَحْنُونٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ فِيهَا، فَكُلُّ طَرْدٍ أَصْلُهُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ

ص: 342

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ، وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا عَلَى مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ. اهـ. وَمَا عَزَاهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ هُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ يُونُسَ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ سَحْنُونٍ شَرْطَهَا خَلْطُ الْبَذْرِ أَوْ جَمْعُهُ فِي بَيْتٍ أَوْ حَمْلُهُ جَمِيعًا إلَى الْفَدَّانِ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخَلْطَ لَا حِسًّا وَلَا حُكْمًا وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُمَا فَفِي شَرْطِهَا بِخَلْطِهِ قَوْلَا سَحْنُونٍ وَعِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. سَحْنُونٌ جَمَعَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ حَمَلَهُ جَمِيعًا لِلْفَدَّانِ زَرِيعَةُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي ظَرْفِهِ زَرْعًا وَاحِدًا ثُمَّ الْآخَرُ كَخَلْطِهِمَا. اهـ. فَظَهَرَ لَك مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ شَرْطَ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ عِنْدَ سَحْنُونٍ فَقَطْ. وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي تَوْضِيحِهِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ مَا نَصُّهُ: وَلَمَّا كَانَ الْخَلْطُ ظَاهِرًا فِي عَدَمِ تَمَيُّزِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْمَالِ، فَأَشَارَ إلَى مَا قَدَّمَهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَهَكَذَا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.

اللَّخْمِيُّ وَاخْتُلِفَ عَنْ سَحْنُونٍ فَقَالَ مَرَّةً إلَخْ مَا تَقَدَّمَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَا بِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ هُنَا وَفِي شَرِكَةِ الْمَالِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ عِنْدَهُمَا فِيهِمَا كَمَا عَلِمْت. وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي شَرِكَةِ الْمَالِ فَفِي شَرْطِهَا بِالْخَلْطِ الْحِسِّيِّ الْمُفِيدِ عَدَمَ تَمِزْ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي حَوْزٍ وَاحِدٍ ثَالِثُهَا هَذَا، أَوْ شِرَاءُ كُلٍّ بِمَالِهِ عَلَى الشَّرِكَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فِي ثُبُوتِهَا فِيهِ لِلَّخْمِيِّ عَنْ الْغَيْرِ وَعَنْ سَحْنُونٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا. اهـ. فَأَفَادَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخَلْطِ لِسَحْنُونٍ فَقَطْ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا عَدَمُهُ وَكُلٌّ عَلَى أَصْلِهِ فِي شَرِكَةِ الْمَالِ وَفِي شَرِكَةِ الزَّرْعِ، فَمَا نَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا سَلَفَ لَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الَّذِي يَتْبَعُهُ الْمُصَنِّفُ غَالِبًا، وَعَلَى مَا قَالَ لَا يَصِحُّ كَلَامُهُ إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ قَوْلِ سَحْنُونٍ الَّذِي وَافَقَ فِيهِ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَقَوْلِهِ الْآخِرِ لِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ فِيهِمَا.

ص: 343

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَقَدْ اغْتَرَّ " ح " بِكَلَامِ التَّوْضِيحِ الْمَذْكُورِ فَقَالَ بَعْدَهُ وَبَعْدَ شَيْءٍ مِنْ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْخَلْطَ يَكْفِي فِيهِ إخْرَاجُهُمَا الْبَذْرَ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطَاهُ كَمَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ بِلَوْ، وَحَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ. اهـ. فَظَاهِرُهُ أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " شَرَطَا الْخَلْطَ الْحُكْمِيَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت، وَظَهَرَ لَك أَنَّ الصَّوَابَ حَمْلُ الشَّارِحِ، وَقَدْ نَقَلَ الْحَطّ صَدْرَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ الدَّالِّ عَلَى الْمُرَادِ وَلَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ وَلَا لِمَا فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ مِنْ اتِّحَادِ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ وَلَوْ بِإِخْرَاجِهِمَا الْمُرَادُ بِإِخْرَاجِهِمَا كَمَا فِي " ح " إنْ خَرَجَا مَعًا بِالْبَذْرِ وَلَوْ زَرَعَ هَذَا بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَهَذَا فِي نَاحِيَةٍ، وَزَرْعُ أَحَدِهِمَا مُتَمَيِّزٌ عَنْ الْآخَرِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ، وَالْمُرَادُ بِلَوْ قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ لَا يَكْفِي إخْرَاجُهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَصِيرَ الْبَذْرَانِ بَعْدَ زَرْعِهِمَا بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهَا عَنْ الْآخَرِ، هَكَذَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونٍ وَابْنِ شَاسٍ، فَحَمْلُ " ز " الْإِخْرَاجَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي غَيْرُ صَوَابٍ.

وَقَوْلُهُ وَرَدُّ الْمُصَنِّفِ بِلَوْ الْقَوْلَ بِاشْتِرَاطِ الْخَلْطِ الْحِسِّيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ اشْتِرَاطُ الْخَلْطِ الْحِسِّيِّ، ثُمَّ قَالَ الْبُنَانِيُّ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ طفي الْمُتَقَدِّمِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ فِي التَّوْضِيحِ حَمْلَ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْخَلْطِ وَأَنَّ تَعْبِيرَهُ بِالْخَلْطِ فِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ بِقَرِينَةِ التَّشْبِيهِ فِي قَوْلِهِ كَالْمَالِ، فَتَبِعَهُ " ح "، عَلَى ذَلِكَ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِرَارًا مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ

ص: 344

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

أَنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - " قَالَا بِشَرْطِ الْخَلْطِ الْحُكْمِيِّ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ اتِّحَادُ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ، لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْقَوْلِ بِالْخَلْطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَلْطِهِمَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ بِخِلَافِهِ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ إذْ قَالَ لَوْ بَذَرَ كُلٌّ بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى الشَّرِكَةِ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا وَلِكُلٍّ مَا أَنْبَتَهُ بَذْرُهُ، وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ.

ابْنُ يُونُسَ وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ هِيَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحَةٌ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَمِثْلُهُ فِي " ح "، وَأَرَادَ طفي حَمْلَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ، فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا إلَخْ، فَإِنَّهُ لَا يَتَفَرَّعُ إلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَى شَرْطِ الْخَلْطِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ عِنْدَهُ يُوجِبُ بُطْلَانَ الشَّرِكَةِ مُطْلَقًا أَنْبَتَ بَذْرُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَمْ لَا.

وَبَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ تَمَاثُلُ الْبَذْرَيْنِ جِنْسًا، فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَمْحًا وَالْآخَرُ شَعِيرًا أَوْ سُلْتًا أَوْ صِنْفَيْنِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَهُ بَذْرُهُ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الْأَكْرِيَةِ، ثُمَّ قَالَ تَجُوزُ إذَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ اللَّخْمِيُّ يُرِيدُ وَالْمَكِيلَةُ ذَكَرَهُ " ح ". عج وَالْخِلَافُ جَارٍ أَيْضًا إذَا كَانَ بَدَلُ الشَّعِيرِ فُولًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَمْتَنِعُ الشَّرِكَةُ بِالْقَمْحِ وَالْفُولِ اتِّفَاقًا أَفَادَهُ عب، وَتَمَامُ عِبَارَةِ ح، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَزَادَ بَعْدَهُ. قَالَ

ص: 345

فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا وَعُلِمَ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ، وَإِنْ غَرَّ، وَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وَإِلَّا فَعَلَى كُلٍّ: نِصْفُ بَذْرِ الْآخَرِ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا:

ــ

[منح الجليل]

بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ مَنْ لَمْ يُجِزْ الشَّرِكَةَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارَعَةَ بِطَعَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَلَوْ اعْتَدَلَتْ قِيمَتُهُمَا لِعَدَمِ حُصُولِ الْمُنَاجَزَةِ لِبَقَاءِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى طَعَامِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَنْبَتَهُ طَعَامُهُ، وَلَا يَكُونُ التَّمْكِينُ قَبْضًا كَالشَّرِكَةِ الْفَاسِدَةِ بِالْعُرُوضِ لَا يَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ سِلْعَةَ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِكَانِ بِأَثْمَانِ السِّلَعِ الَّتِي وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَاسِدَةً اهـ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

(فَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا) أَيْ شَرِيكَيْ الْمُزَارَعَةِ (وَعُلِمَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ بِأَنْ بَذَرَ كُلٌّ بَذْرَهُ فِي نَاحِيَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ عَنْ النَّاحِيَةِ الَّتِي بَذَرَ الْآخَرُ فِيهَا وَعُلِمَتْ النَّاحِيَتَانِ (لَمْ يُحْتَسَبْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ (بِهِ) أَيْ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ فِيمَا أُخْرِجَ لِلشَّرِكَةِ وَيَضِيعُ عَلَى صَاحِبِهِ (إنْ غَرَّ) صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ شَرِيكَهُ بِأَنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ لِإِصَابَتِهِ الدُّخَّانَ مَثَلًا كَبِزْرِ الْكَتَّانِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْغَارِّ لِشَرِيكِهِ (مِثْلُ نِصْفِ) الْبَذْرِ (النَّابِتِ) وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ عَلَى الْغَارِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَمَلِ الْمُصَنِّفُ وَيَرْجِعُ بِنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غُرَّ فِيهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَغُرَّ صَاحِبُ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ شَرِيكَهُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَّتَهُ (فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ مِثْلُ (نِصْفِ بَذْرِ الْآخَرِ) فَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ مِثْلُ نِصْفِ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ وَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ الَّذِي لَمْ يَنْبُتْ مِثْلُ نِصْفِ الْبَذْرِ الَّذِي نَبَتَ (وَالزَّرْعُ) مُشْتَرَكٌ (لَهُمَا) فِي الصُّورَتَيْنِ.

" غ " أَصْلُ هَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَنَصَّهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ. وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خَلَطَا أَوْ لَمْ يَخْلِطَا الشَّرِكَةُ جَائِزَةٌ، وَإِذَا صَحَّتْ الشَّرِكَةُ فِي هَذَا فَنَبَتَ زَرْعُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَنْبُتْ زَرْعُ الْآخَرِ فَإِنْ غُرَّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ بَذْرِ صَاحِبِهِ لِصَاحِبِهِ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا عِوَضَ لَهُ فِي بَذْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَنْبُتُ وَلَمْ

ص: 346

كَأَنْ تَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ

ــ

[منح الجليل]

يَغُرَّهُ، فَعَلَى الَّذِي نَبَتَ بَذْرُهُ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ نِصْفِ بَذْرِهِ عَلَى أَنْ يَنْبُتَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ نِصْفِ بَذْرِهِ الَّذِي نَبَتَ، وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ، غَرَّهُ أَوْ لَمْ يَغُرَّهُ، وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ فِي إبَّانِ الزِّرَاعَةِ وَقَدْ غَرَّ صَاحِبَهُ فَأَخْرَجَ زَرِيعَةً يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ فَلَمْ تَنْبُتْ فَضَمَانُهَا مِنْهُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَ مَكِيلَتِهَا مِنْ زَرِيعَةٍ تَنْبُتُ فَيَزْرَعُهَا فِي ذَلِكَ الْقَلِيبِ، وَهُمَا عَلَى شَرِكَتِهَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الْآخَرِ الْغَارِّ، وَإِنْ لَمْ يَغُرَّ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلْيُخْرِجَا جَمِيعًا قَفِيزًا آخَرَ فَيَزْرَعَاهُ فِي الْقَلِيبِ إنْ أَحَبَّا وَهُمَا عَلَى شَرِكَتِهِمَا.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سَكَتَ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ رُجُوعِ الْمَغْرُورِ عَلَى الْغَارِّ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَمَلِ فِيمَا لَمْ يَنْبُتْ إنْ كَانَ الْعَمَلُ عَلَى الْمَغْرُورِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ غُرُورٌ بِالْفِعْلِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَزَادَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّتِي غَرَّهُ فِيهَا. ابْنُ عَرَفَةَ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِلَافِ وَنَصَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ لَوْ زَارَعَ بِمَا لَا يَنْبُتُ فَنَبَتَ شَعِيرُ صَاحِبِهِ دُونَ شَعِيرِهِ، فَإِنْ دَاسَ رَجَعَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ بِنِصْفِ مَكِيلَتِهِ مِنْ شَعِيرٍ صَحِيحٍ وَنِصْفِ كِرَاءِ الْأَرْضِ الَّذِي أَبْطَلَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ.

وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ مِثْلَهُ إلَّا الْكِرَاءَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ سَحْنُونٍ سُقُوطُ الْكِرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ غَرَّ فِي إنْكَاحِ غَيْرِهِ أَمَةً أَنَّهُ يَغْرَمُ لَهُ الصَّدَاقَ، وَلَا يَغْرَمُ لَهُ مَا يَغْرَمُهُ الزَّوْجُ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ. قَوْلُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ مَنْ بَاعَ عَبْدًا سَارِقًا دَلَّسَ فِيهِ فَسَرَقَ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَرَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِعَيْبِهِ فَذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ إنْ عَتَقَ يَوْمًا مَا، وَأَظُنُّ فِي نَوَازِلِ الشَّعْبِيِّ مَنْ بَاعَ مَطْمُورَةً دَلَّسَ فِيهَا بِعَيْبِ السُّوسِ فَخَزَنَ الْمُبْتَاعُ فِيهَا طَعَامًا فَاسْتَاسَ فِيهَا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى بَائِعِهَا بِمَا اسْتَاسَ فِيهَا. قَالَ وَلَوْ أَكْرَاهَا لَرَجَعَ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ الْمَوَّاقِ وَالْحَطّ.

وَشَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ مَسَائِلَ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (تَسَاوَيَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَانِ (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ الْأَرْضِ وَالْعَمَلِ وَالْبَقَرِ وَالْبَذْرِ وَجَوَّزَ الشَّارِحُ كَوْنَ التَّشْبِيهِ فِي كَوْنِ الزَّرْعِ بَيْنَهُمَا قَالَهُ تت. " غ " تَمْثِيلٌ

ص: 347

أَوْ قَابَلَ بَذْرَ أَحَدِهِمَا: عَمَلٌ، أَوْ أَرْضُهُ وَبَذْرُهُ، أَوْ بَعْضُهُ، إنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ،

ــ

[منح الجليل]

لِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ " ق " الْمُتَيْطِيُّ سُنَّةُ الْمُزَارَعَةِ الِاعْتِدَالُ وَالتَّسَاوِي فِي الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ وَالْبَقَرِ وَالْأَدَاةِ وَالْعَمَلِ كُلِّهِ حَتَّى يَصِيرُ مَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ فِي ضَمَانِهِمَا مَعًا، وَهَذِهِ غَايَةُ الْكَمَالِ فِيهَا. الْبَرْقِيُّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُمَا إنْ اشْتَرَكَا فِي زَرْعٍ فِي بَلَدَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْرُثُ فِي بَلَدِهِ وَيُشَارِكُهُ صَاحِبُهُ فِي حَرْثِهِ وَتَكَافَآ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ جَائِزَةٌ كَمَا فِيهَا فِي مُسَاقَاةِ حَائِطَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ، وَبِهَذَا أَفْتَى ابْنُ حَيْدَرَةَ خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ. (أَوْ) لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي الْجَمِيعِ وَ (قَابَلَ بَذْرُ أَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَيْنِ (عَمَلٌ) مِنْ الْآخَرِ وَالْأَرْضُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا بِمِلْكٍ أَوْ اكْتِرَاءٍ فِيهَا إنْ اكْتَرَيَا الْأَرْضَ أَوْ كَانَتْ لَهُمَا جَازَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ كُلَّهُ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ (أَوْ) قَابَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ عِنْدِ شَرِيكِهِ (أَرْضَهُ وَبَذْرَهُ) أَيْ شَرِيكُ الْعَامِلِ سَحْنُونٌ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ الْعَمَلَ جَازَ. (أَوْ) قَابَلَ الْأَرْضَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَبَعْضَ الْبَذْرِ عَمَلٌ مِنْ الْآخَرِ (وَبَعْضُهُ) أَيْ الْبَذْرِ، فَالْمَعْنَى أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَبَعْضَ الْبَذْرِ فَتَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا (إنْ لَمْ يَنْقُصْ مَا لِلْعَامِلِ) أَيْ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الزَّرْعِ (عَنْ نِسْبَةِ) قَدْرِ (بَذْرِهِ) لِمَجْمُوعِ بَذْرِهِمَا بِأَنْ زَادَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَنْ نِسْبَةٍ بَذْرِهِ أَوْ سِوَاهَا فَالثَّانِي كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْعَمَلَ وَثُلُثَ الْبَذْرِ، وَالْآخَرُ الْأَرْضَ وَثُلُثَيْ الْبَذْرِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلُ ثُلُثَ الزَّرْعِ، وَالْأَوَّلُ كَذَلِكَ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلُ ثُلُثَيْ الزَّرْعِ. وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ يَنْقُصْ إلَخْ أَنَّهُ إنْ نَقَصَ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ عَنْ نِسْبَةِ بَذْرِهِ كَإِخْرَاجِهِ ثُلُثَيْ الْبَذْرِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَهُ فَلَا تَجُوزُ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ الْبَذْرِ.

" ق " سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ إذَا اشْتَرَكَ رَجُلَانِ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَثُلُثَيْ الزَّرِيعَةِ وَالْآخَرُ ثُلُثَ الزَّرِيعَةِ وَالْعَمَلِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ فَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ إذَا سَاوَى الْعَمَلُ وَمَا فَضَلَهُ بِهِ مِنْ الزَّرِيعَةِ كِرَاءَ الْأَرْضِ،

ص: 348

أَوْ لِأَحَدِهِمَا الْجَمِيعُ، وَإِلَّا الْعَمَلَ، إنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، لَا الْإِجَارَةِ، أَوْ مُطْلَقًا

ــ

[منح الجليل]

لِأَنَّ زِيَادَةَ الزَّرِيعَةِ بِإِزَاءِ عَمَلِ الْعَامِلِ. سَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا ثُلُثَيْ الْأَرْضِ وَثُلُثَ الْبَذْرِ وَأَخْرَجَ الْآخَرُ ثُلُثَ الْأَرْضِ وَثُلُثَيْ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ وَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَمْ تَجُزْ وَكَأَنَّهُ أَكْرَى سُدُسَ أَرْضِهِ بِسُدُسِ بَذْرِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ نَزَلَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْ الْبَذْرِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي فَضْلِ الْأَكْرِيَةِ ابْنُ يُونُسَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا يَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.

(أَوْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الْمُتَزَارِعَيْنِ (الْجَمِيعُ) أَيْ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ وَالْبَذْرُ الْأَدَاةُ (إلَّا الْعَمَلَ) بِالْيَدِ، فَإِنَّهُ عَلَى الْآخَرِ وَلَهُ الرُّبْعُ مَثَلًا فَتَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا (إنْ عَقَدَا) هَا (بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ لَا) بِلَفْظِ (الْإِجَارَةِ أَوْ) إنْ (أَطْلَقَا) أَيْ لَلْعَاقِدَانِ الشَّرِكَةُ عَنْ تَسْمِيَتِهَا شَرِكَةً أَوْ إجَارَةً فَلَا تَصِحُّ فِيهِمَا " ق " سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ مَا تَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزِّرَاعَةِ عَلَى أَنْ جَعَلَ أَحَدُهُمَا، الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ وَالْبَقَرَ، وَجَعَلَ الثَّانِي الْعَمَلَ وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ، فَأَجَابَ إنْ عَقَدَاهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ جَازَتْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ عَقَدَاهَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ تَجُزْ اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَقْدُهَا مِنْ اللَّفْظَيْنِ أَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ.

تت هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ هِيَ عَلَى مَا فِي تَوْضِيحِهِ حَيْثُ تَعَقَّبَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ أَجَازَهُ سَحْنُونٌ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ الْبَقَرُ وَالْآلَةُ فِيهَا مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِلِ جُزْءٌ مَعْلُومٌ يُسَاوِي قِيمَةَ عَمَلِهِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْوُقُوفِ عَلَى مَا فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ، وَنَصُّهُ يَتَفَضَّلُ الْفَقِيهُ الْأَجَلُّ قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ بِالْجَوَابِ عَنْ رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزَّرْعِ عَلَى أَنْ جَعْلَ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرُ، وَالثَّانِي الْعَمَلُ، وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ وَالثَّلَاثَةُ الْأَرْبَاعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا، فَأَجَابَ تَصَفَّحْت سُؤَالَك، فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الِاشْتِرَاكِ فِي الزَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْت فَلَا يَخْلُو الْأَمْرُ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا أَنْ يَعْقِدَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ، وَالثَّانِي أَنْ يَعْقِدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ.

ص: 349

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَالثَّالِثُ أَنْ لَا يُسَمِّيَا إجَارَةً وَلَا شَرِكَةً، وَأَنَّمَا قَالَ أَدْفَعُ إلَيْك أَرْضِي وَبَقَرِي وَبَذْرِي وَتَتَوَلَّى أَنْتَ الْعَمَلَ، وَيَكُونُ لَك رُبْعُ الزَّرْعِ أَوْ خُمُسُهُ أَوْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ يُسَمِّيَانِهِ، فَحَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْإِجَارَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهُ، هَذَا تَحْصِيلُ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَكَانَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ شُيُوخِنَا لَا يُحَصِّلُونَهَا هَذَا التَّحْصِيلَ، وَيَذْهَبُونَ إلَى أَنَّهَا مَسْأَلَةُ اخْتِلَافٍ جُمْلَةً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِصَحِيحٍ اهـ

الْبُنَانِيُّ هَذَا النَّقْلُ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَتَبِعَهُ " غ "، فَانْظُرْهُ، وَالْعَجَبُ مِنْ " ق " كَيْفَ خَالَفَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ ذِي الْأَرْضِ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ لِلْآخَرِ فَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ. سَحْنُونٌ إنْ اشْتَرَكَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ثُلُثَ مَا يَحْصُلُ لِرَبِّ الْبَذْرِ وَلِذِي الْعَمَلِ ثُلُثٌ وَالْبَقَرُ ثُلُثٌ وَالْقَيِّمُ كَذَا جَازَ، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْعَمَلُ فَقَطْ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي مِثْلِ هَذَا هُوَ فَاسِدٌ، وَهَذَا خِلَافُ أَصْلِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الْمُتَزَارِعَانِ مِنْ مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ جَازَتْ الشَّرِكَةُ إذَا تَسَاوَيَا. قُلْت تُرَدُّ مُنَاقَضَتُهُ مُحَمَّدًا بِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ فِي الْمُتَزَارِعَيْنِ وَلَا يَصْدُقُ هَذَا اللَّفْظُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِزَرِيعَةٍ. ابْنُ حَبِيبٍ إنْ نَزَلَ فَالزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَقُولَ تَعَالَ نَتَزَارَعُ عَلَى أَنَّ نِصْفَ أَرْضِي وَنِصْفَ بَذْرِي وَنِصْفَ بَقَرِي كِرَاءُ نِصْفِ عَمَلِك، فَالزَّرْعُ بَيْنَهُمَا كَأَنَّهُ قَبَّضَهُ نِصْفَ الْبَذْرِ فِي أُجْرَتِهِ وَضَمَّهُ وَالصَّوَابُ قَوْلُ سَحْنُونٍ إذَا دَخَلَا عَلَى وَجْهِ الشَّرِكَةِ وَأَنْ يَعْمَلَا الْبَذْرَ عَلَى أَمْلَاكِهِمَا جَازَ وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ مَا يَخْرُجُ فَسَدَتْ قَوْلًا وَاحِدًا لِأَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ لِمَجْهُولٍ.

قُلْت قَوْلُهُ فَسَدَتْ قَوْلًا وَاحِدًا نَصٌّ فِي أَنَّ مَعْنَى إجَازَةِ سَحْنُونٍ إنَّمَا هِيَ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَعْمَلَا الْبَذْرَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخُمَاسِ بِبَلَدِنَا، وَقَالَ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ إنْ عَقَدَهَا بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ جَازَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ اتِّفَاقًا. وَإِنْ عَرِيَ الْعَقْدُ مِنْ اللَّفْظَيْنِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَرَى أَنَّهُ تَحْقِيقُ الْمَذْهَبِ.

ص: 350

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

قُلْت جَوَابُ ابْنِ رُشْدٍ فِي أَسْئِلَتِهِ مَا نَصُّهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي الزِّرَاعَةِ عَلَى أَنْ جَعْلَ أَحَدِهِمَا الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ وَالْبَقَرَ، وَالثَّانِي الْعَمَلَ، وَيَكُونُ الرُّبْعُ لِلْعَامِلِ فَأَجَابَ بِالتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْهُ مِنْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَجَازَهَا وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ وَهْمٌ، لِأَنَّ نَصَّ ابْنِ رُشْدٍ حَمَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْإِجَارَةِ فَلَمْ يُجِزْهُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَحَمَلَهُ سَحْنُونٌ عَلَى الشَّرِكَةِ فَأَجَازَهُ هَذَا تَحْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ. اهـ. وَزَعْمُهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ عُرْفِنَا هِيَ مَسْأَلَةُ سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ، فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ مَسْأَلَتَهُمَا لَيْسَ فِيهَا اخْتِصَاصُ رَبِّ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ مِنْ غَلَّةِ الْحَرْثِ، وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي زَمَنِهِ وَبَعْدَهُ وَقَبْلَهُ إنَّمَا هِيَ عَلَى أَنَّ كُلَّ التِّينِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ. الثَّانِي أَنَّ مَسْأَلَةَ سَحْنُونٍ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ أَخْرَجَ مَعَهُ الْبَقَرَ وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا لَا يَأْتِي الْعَامِلُ فِيهَا إلَّا بِعَمَلِ يَدِهِ فَقَطْ، وَكَوْنُهُ كَذَلِكَ يُصَيِّرُهُ أَجِيرًا، وَيَمْنَعُ كَوْنَهُ شَرِيكًا.

وَدَلَالَةُ جَوَابِ ابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا عَلَى خِلَافِ مَا قُلْنَاهُ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ، وَمِثْلُهُ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا الْعَمَلُ فَقَطْ تُرَدُّ بِمَا يَأْتِي مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ شَرْطَ الشَّرِكَةِ كَوْنُ عَمَلِهَا مَضْمُونًا لَا مُعَيَّنًا فِي عَامِلٍ مُعَيَّنٍ، وَمَسْأَلَةُ عُرْفِنَا إنَّمَا يَدْخُلُونَ فِيهَا عَلَى أَنَّ عَمَلَهَا مُعَيَّنٌ بِنَفْسِ عَامِلِهَا وَحَامِلُهُمْ عَلَى هَذَا خَوْفُ الِاغْتِرَارِ بِقَوْلِهِ فَيَفْتَقِرُ فِي مَسْأَلَةِ عُرْفِنَا إلَى قَوْلٍ بِالصِّحَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَقَدْ أَجَادَ، وَنَصَحَ شَيْخُ شُيُوخِنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْمُحَصِّلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عُمَرَ الْهَنْتَانِيُّ الْهَكْوَرِيُّ حَيْثُ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ الْخُمَاسِ فِي الزَّرْعِ بِجُزْءٍ مُسَمًّى مِنْ الزَّرْعِ، هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا، وَهَلْ يَنْتَهِضُ عُذْرًا فِي إبَاحَتِهِ تَعَذُّرُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَأَجَابَ بِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَيْسَتْ شَرِكَةً لِأَنَّ الشَّرِكَةَ تَسْتَدْعِي الِاشْتِرَاكَ فِي الْأُصُولِ الَّتِي هِيَ مُسْتَنَدُ الْأَرْبَاحِ، وَعَدَمُ الْمُسَاعِدِ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَنْهَضُ عُذْرًا لِأَنَّ غَلَبَتَهُ فِي ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ إنَّمَا هِيَ مِنْ إهْمَالِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَلَوْ تَعَرَّضُوا لِفُسُوخِ عُقُودِ ذَوِي الْفَسَادِ لَمَا اسْتَمَرُّوا عَلَى فَسَادِهِمْ، وَأَنَّ حَاجَةَ الضَّعِيفِ لِلْفَتْوَى أَشَدُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ - فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: 6 - 7] {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الأعراف: 8]

ص: 351

كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ، وَتَسَاوَيَا غَيْرَهَا

ــ

[منح الجليل]

ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نُصُوصٍ طَوِيلَةٍ قُلْت تَقْرِيرُ كَوْنِ مَا قَالُوهُ هُوَ الصَّوَابُ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ مُبَايِنَةٌ لِحَقِيقَةِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِكَةِ عَدَمُ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ وَالْآخَرِ بِإِخْرَاجِ الْعَمَلِ، وَالْإِجَارَةُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، وَحُكْمُ الشَّرِكَةِ أَنَّ فَائِدَتَهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِمُسْتَحِقِّهَا بِطَرِيقِ نِسْبَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ إلَيْهِ كَالنِّصْفِ لَا بِمَعْرِفَةِ الْقَدْرِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَحُكْمُ الْإِجَارَةِ أَنَّ فَائِدَتَهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِمُسْتَحِقِّهَا بِعَكْسِ ذَلِكَ، وَالْمُزَارَعَةُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ هِيَ شَرِكَةٌ وَإِجَارَةٌ، فَمَنْ غَلَّبَ الشَّرِكَةَ لَمْ يَجْعَلْهَا لَازِمَةً بِعَقْدِهَا، وَمَنْ غَلَّبَ الْإِجَارَةَ جَعَلَهَا لَازِمَةً بِهِ، إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكُلَّمَا لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا فِي الْمُزَارَعَةِ بِإِخْرَاجِ مَالٍ كَانَ شَبِيهًا بِالشَّرِكَةِ ثَابِتًا ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهَا عَلَى خَاصِّيَّةِ الشَّرِكَةِ، وَكُلَّمَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِإِخْرَاجِ الْمَالِ وَالْآخَرُ بِالْعَمَلِ بَطَلَ كَوْنُهَا مُزَارَعَةً لِانْتِفَاءِ لَازِمِهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ اشْتِمَالُهُمَا عَلَى خَاصِّيَّةِ الشَّرِكَةِ، وَصَارَتْ مَحْضَ إجَارَةٍ لِمُمَاثَلَتِهَا حِينَئِذٍ إيَّاهَا، فَيَجِبُ كَوْنُهَا فَاسِدَةً لِأَنَّ حُكْمَ الْإِجَارَةِ وُجُوبُ كَوْنِ فَائِدَتِهَا مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ وَزْنًا أَوْ عَدَدًا.

(تَنْبِيهٌ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْعَمَلُ الْمُشْتَرَطُ هُوَ الْحَرْثُ لَا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ. التَّوْضِيحِ مَا صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ إنَّهُ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْحَصَادَ وَالدِّرَاسَ مَجْهُولَانِ. وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ كَانَ الْعُرْفُ بِالْبَلَدِ أَنَّ الْحَصَادَ وَالدِّرَاسَ وَالتَّصْفِيَةَ عَلَى الْعَامِلِ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ جَمِيعِ الْعَمَلِ مُسَاوِيًا لِكِرَاءِ الْأَرْضِ جَازَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَمْ يُجِزْهُ سَحْنُونٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ. ابْنُ عَرَفَةَ وَعَمَلُهَا مَئُونَةُ الزَّرْعِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِيُبْسِهِ. وَفِي كَوْنِ الْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ مِنْهُ وَعَدَمِهِ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ نَقْلًا الصِّقِلِّيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ قَائِلًا إذْ لَا يَدْرِي هَلْ يَتِمُّ وَلَا كَيْفَ يَكُونُ وَصَوَّبَهُ لِأَنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَكَذَا شَرْطُ النَّقَاءِ اهـ.

وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ لَا الْإِجَارَةُ إلَخْ فَقَالَ (كَإِلْغَاءٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عَدَمِ حَسْبِ كِرَاءِ (أَرْضٍ) لَهُ قَدْرٌ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَتَسَاوَيَا) أَيْ الشَّرِيكَانِ فِي (غَيْرِهَا)

ص: 352

أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصٌ وَعَمَلٌ عَلَى الْأَصَحِّ

ــ

[منح الجليل]

أَيْ الْأَرْضِ مِنْ بَذْرٍ وَبَقَرٍ وَعَمَلِ يَدٍ فَلَا تَصِحُّ شَرِكَتُهُمَا لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فِيهَا إنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا أَرْضًا لَهَا قَدْرٌ مِنْ الْكِرَاءِ. وَأَلْغَاهَا لِصَاحِبِهِ وَاعْتَدَلَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْعَمَلِ وَالْبَذْرِ، فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يُعْطِيَ شَرِيكَهُ نِصْفَ كِرَاءِ أَرْضِهِ (أَوْ لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ (أَرْضٌ رَخِيصَةٌ) أَيْ قَلِيلَةُ الْكِرَاءِ (وَلَهُ) أَيْ مُخْرِجُ الْأَرْضِ الرَّخِيصَةِ (عَمَلٌ) بِيَدِهِ وَبَقَرِهِ وَلِلْآخِرِ الْبَذْرُ فَفَاسِدَةٌ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بَعْضَ الْبَذْرِ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ.

وَأَشَارَ إلَى تَرْجِيحِهِ بِقَوْلِهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) فَالْمُنَاسِبُ إبْدَالُ الْأَصَحِّ بِالْأَرْجَحِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ أَرْضٌ وَعَمَلٌ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَرْضٌ وَبَذْرٌ وَلِلْآخِرِ الْعَمَلُ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَمْ تُقَابِلُ الْأَرْضُ الْبَذْرَ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْمَنْطُوقِ، وَلِذَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْعَمَلَ بِكَوْنِهِ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ قَالَهُ طفي. " غ " أَوْ لِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ رَخِيصَةٌ وَعَمَلٌ عَلَى الْأَصَحِّ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَإِلْغَاءِ أَرْضٍ فَهُوَ أَيْضًا مُشَبَّهٌ بِقَوْلِهِ لَا الْإِجَارَةُ وَعَنْ هَذَا عَبَّرَ فِي تَوْضِيحِهِ بِقَوْلِهِ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْبَذْرَ وَالْآخَرُ الْعَمَلَ وَالْأَرْضَ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهَا خَطْبٌ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَطْبٌ فَقَوْلَانِ الْجَوَازُ لِسَحْنُونٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِالتَّافِهِ فِي الْعَقْدِ وَالْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ، وَرَأَى أَنَّهُ يَدْخُلُهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا. ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الصَّوَابُ. اهـ. فَلَعَلَّ الْأَصَحَّ تَصْحِيفُ الْأَرْجَحِ.

" ق " ابْنُ يُونُسَ فِي بَابٍ آخَرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْأَرْضَ وَالْآخَرُ الْبَذْرَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تَكُونَ أَرْضًا لَا كِرَاءَ لَهَا، وَقَدْ تُسَاوَيَا فِيمَا سِوَاهَا فَأَخْرَجَ هَذَا الْبَذْرَ وَهَذَا الْعَمَلَ وَقِيمَتُهَا سَوَاءٌ، فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا كِرَاءَ لَهَا. وَأَنْكَرَ ابْنُ عَبْدُوسٍ هَذَا وَقَالَ إنَّمَا أَجَازَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ تُلْغَى الْأَرْضُ إذَا تَسَاوَيَا فِي إخْرَاجِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مُخْرَجُ الْبَذْرِ غَيْرَ مُخْرَجِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَتْ لَا كِرَاءَ لَهَا، إذْ يَدْخُلُهُ كِرَاؤُهَا بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، أَلَا تَرَى أَنْ لَوْ أُكْرِيَتْ هَذِهِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ اهـ. الْبُنَانِيُّ أَبُو عَلِيٍّ كَلَامُ ابْنِ يُونُسَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُصَحِّحَ هُوَ ابْنُ عَبْدُوسٍ لَا ابْنُ يُونُسَ، فَلَفْظُ الْأَصَحِّ فِي مَحَلِّهِ، وَنَقَلَ كَلَامَ ابْنِ يُونُسَ فَانْظُرْهُ فِيهِ.

ص: 353

وَإِنْ فَسَدَتْ وَتَكَافَآ عَمَلًا، فَبَيْنَهُمَا، وَتَرَادَّا غَيْرَهُ، وَإِلَّا فَلِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، كَانَ لَهُ بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ، أَوْ أَرْضٌ؛ أَوْ كُلٌّ لِكُلٍّ.

ــ

[منح الجليل]

وَإِنْ فَسَدَتْ) الْمُزَارَعَةُ لِعَدَمِ شَرْطٍ مِنْ شَرْطَيْ صِحَّتِهَا وَعُثِرَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فُسِخَتْ وَإِنْ عَمِلَا (وَتَكَافَآ) أَيْ الشَّرِيكَانِ (عَمَلًا) أَيْ تَسَاوَى عَمَلُهُمَا فِي الْقِيمَةِ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (فَ) الزَّرْعُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ الشَّرِيكَيْنِ لِكُلٍّ نِصْفُهُ (وَتَرَادَّا) أَيْ الشَّرِيكَانِ (غَيْرَهُ) أَيْ الْعَمَلِ وَهُوَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ، فَعَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ مِثْلُ نِصْفِ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ لِصَاحِبِهِ، وَعَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ نِصْفُ كِرَاءِ الْأَرْضِ وَفَسَدَتْ لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ الْبَذْرَ. عب وَإِنْ عَمِلَا مَعًا وَتَفَاوَتَا فِيهِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَالْأَوْلَى وَعَمِلَا بَدَلَ وَتَكَافَآ عَمَلًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلَا مَعًا بِأَنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْعَمَلِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ عَمَلُهُمَا بِلَا تَكَافُؤٍ وَإِنْ أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُعْتَمَدِ (فَ) الزَّرْعُ كُلُّهُ (لِلْعَامِلِ) وَحْدَهُ إذَا انْضَمَّ لِعَمَلِهِ شَيْءٌ مِمَّا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ كَانَ لَهُ بَذْرٌ إلَخْ فَهُوَ كَالتَّقْيِيدِ لِإِطْلَاقِهِ هُنَا.

(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ الْمُخْتَصِّ بِالزَّرْعِ (الْأُجْرَةُ) لِلْأَرْضِ الَّتِي انْفَرَدَ الْآخَرُ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلْعَامِلِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُ الْبَذْرِ سَوَاءٌ (كَانَ لَهُ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَمَلِ (بَذْرٌ مَعَ عَمَلٍ) أَيْ عَمَلِهِ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ وَالْأَرْضُ لِلْآخَرِ فَسَدَتْ لِمُقَابَلَةِ الْبَذْرِ بَعْضَ الْأَرْضِ " غ " فَرْضُ الْكَلَامِ فِي الْعَامِلِ وَحْدَهُ أَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ مَعَ عَمَلٍ (أَوْ) كَانَ لَهُ (أَرْضٌ) وَالْبَذْرُ لِلْآخَرِ وَفَسَادُهَا لِمُقَابَلَةِ الْأَرْضِ بَعْضَ الْبَذْرِ (أَوْ) كَانَ (كُلٌّ) مِنْ الْبَذْرِ وَالْأَرْضِ (لِكُلٍّ) مِنْ الشَّرِيكَيْنِ وَالْمَوْضُوعُ عَمَلُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَفَسَادُهَا لِدُخُولِهِمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فَالزَّرْعُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ، وَعَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ مِثْلُ مَكِيلَةِ بُذُورِهِ وَكِرَاءِ أَرْضِهِ.

فِي الْمُقَدِّمَاتِ اُخْتُلِفَ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا فَاتَتْ بِالْعَمَلِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَيُؤَدِّي لِأَصْحَابِهِ كِرَاءَ مَا أَخْرَجُوهُ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْعَمَلِ، وَهُوَ تَأْوِيلُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ. قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.

ص: 354

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ــ

[منح الجليل]

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِمَنْ اجْتَمَعَ شَيْئًا مِنْ ثَلَاثَةِ أُصُولٍ، هِيَ الْبَذْرُ، وَالْأَرْضُ، وَالْعَمَلُ، فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَاجْتَمَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئَانِ مِنْهَا أَوْ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَانَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ اجْتَمَعَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْئَانِ مِنْهَا دُونَ صَاحِبِهِ كَانَ الزَّرْعُ لَهُ دُونَهُمَا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.

وَالرَّابِعُ: إنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا التَّرَيُّبِ وَهِيَ الْأَرْضُ وَالْبَقَرُ وَالْعَمَلُ.

وَالْخَامِسُ: إنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ أَيْضًا، وَهِيَ الْأَرْضُ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ وَالْبَقَرُ.

وَالسَّادِسُ: قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّ الْفَسَادَ إنْ سَلِمَ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا كَانَ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ اهـ بِلَفْظِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ وَنَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ السِّتَّةَ لِلْبَاجِيِّ وَهُوَ وَهْمٌ نَشَأَ عَنْ تَقْلِيدِهِ ابْنَ شَاسٍ وَظَنِّهِ بِقَوْلِهِ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّهُ الْبَاجِيَّ. " غ " فِي التَّكْمِيلِ وَيُقَرِّبُ الْأَقْوَالَ السِّتَّةَ لِلْحِفْظِ أَنْ تَقُولَ:

الزَّرْعُ لِلزَّارِعِ أَوْ لِلْبَاذِرْ

فِي فَاسِدٍ أَوْ لِسِوَى الْمُخَابِرْ

أَوْ مَنْ لَهُ حَرْفَانِ مِنْ إحْدَى الْكَلِمْ

عَابَ وَعَاثَ ثَاعِبٌ لِمَنْ فَهِمْ

وَمُرَادُهُ بِالْمُخَابَرِ هُنَا الَّذِي يُعْطِي أَرْضَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَالْعَيْنَاتُ لِلْعَمَلِ، وَالْأَلِفَاتُ لِلْأَرْضِ، وَالْبَاءَانِ لِلْبَذْرِ، وَالثَّاءَانِ لِلثِّيرَانِ اهـ. الْبُنَانِيُّ إنَّ مَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي كَلَامِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَهُوَ الْمُرْتَضَى، فَقَوْلُ " ز " لَا يُوَافِقُ قَوْلًا مِنْ الْأَقْوَالِ السِّتَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَاَللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ.

ص: 355