الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العذر بالجهل
أولاً: أدلة العذر بالجهل
شاء الله عز وجل برحمته وعدله أن لا يعذب أحداً إلا وقد قامت عليه حجته تبارك وتعالى، بما أودعه في عباده من العقل وما هداهم إليه من الفطرة.
ولأجل ذلك بعث الله المرسلين وآتاهم الآيات والبينات {رسلاً مبشّرين ومنذرين لئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل وكان الله عزيزاً حكيماً} (النساء: 165)، وأما أولئك الذين لم تقم عليهم حجة الله لعدم وصول الرسالة إليهم، فأولئك يرفع الله عنهم - بعدله - عذابه، فيقول:{وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً} (الإسراء: 15).
وقد رفع الله الإصر والعذاب عن أولئك الذين لا يقدرون على فهم حجته لعدم أهليتهم لتقبلها وفهمها، قال صلى الله عليه وسلم:((أربعة يحتجون على الله يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئاً، ورجل أحمق، ورجل هرِم، ورجل مات في فترة)). (1)
وهذا بعض عدل الله ورحمته بعباده، ولكن ماذا عن الجاهل الذي أخطأ لجهله من غير أن يعمد إلى عصيان الله، هل تسعه رحمة الله التي وسعت أولئك؟
والجواب الذي لا يختلف عليه المسلمون: هو أن رحمة الله تسعه كما وسعت غيره، يقول ابن تيمية:" فأما العاجز عن العلم كالمجنون أو العاجز عن العمل فلا أمر عليه ولا نهي، وإذا انقطع العلم ببعض الدين أو حصل العجز عن بعضه كان ذلك في حق العاجز عن العلم أو العمل بقوله كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه، كالمجنون مثلاً .. ". (2)
وهذا مصداق قول الله: {وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن
(1) رواه أحمد ح (15866)، وصححه الألباني في صحيح الجامع ح (881).
(2)
مجموع الفتاوى (20/ 59 - 60).
لهم مّا يتّقون إنّ الله بكلّ شيءٍ عليم} (التوبة: 115)، وقوله:{ومن يشاقق الرّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى ونصله جهنّم وساءت مصيراً} ) النساء: 115 (. فقد أخبرت الآيتان باستحقاق العبد العذاب بعد تبين الهدى له ومشاقته له، والجاهل إنما ضل عن الهدى، ولم يتبينه، لذا نال رحمة الله وعفوه.
وجاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم توضح هذا المبدأ وتجليه في مواطن كثيرة، تبين أن الله يعذر المؤمن بجهله، فلا يؤاخذه لسوء فهمه وخطئه، بل يعذره حتى تقام عليه حجة الله، وأما قبل ذلك فلا يعذب ولا يكفر.
فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها جهلت أمراً لا يسع المؤمن جهله، فأبانه لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كفرها ولا عاقبها، لأن الجهل عذر يقبله الله، فقد سألت رسول الله فقالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ قال: ((نعم)). (1)
قال ابن تيمية: " وهذا يدل على أنها لم تكن تعلم ذلك، ولم تكن قبل معرفتها بأن الله عالم بكل شيء يكتمه الناس كافرة، وإن كان الإقرار [بذلك] عند قيام الحجة من أصول الإيمان، وإنكار علمه بكل شيء كإنكار قدرته على كل شيء
…
فقد تبين أن هذا القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها، ودلائل فساد هذا القول كثيرة في الكتاب والسنة ". (2)
كما عذر اللهُ الرجلَ الإسرائيلي الذي جهل قدرة الله وبعْثه للخلائق، فغفر الله له جهله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً خبره:((كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا متّ، فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً. فلما مات فُعِل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم. فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك. فغفر له)). (3)
(1) رواه مسلم ح (974)، النسائي ح (3962)، واللفظ له.
(2)
مجموع الفتاوى (11/ 412 - 413).
(3)
رواه البخاري ح (3481)، ومسلم ح (2756).
ويقول ابن قتيبة: " وهذا رجل مؤمن بالله، مقر به، خائف له، إلا أنه جهل صفة من صفاته، فظن أنه إذا أحرق وذري في الريح أنه يفوت الله تعالى، فغفر الله تعالى له بمعرفته ما بنيته، وبمخافته من عذابه جهلَه بهذه الصفة من صفاته". (1)
قال ابن حجر: " قال الخطابي: قد يستشكل هذا، فيقال: كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب أنّه لم ينكر البعث، وإنّما جهل فظنّ أنّه إذا فُعِل به ذلك لا يعاد فلا يعذّب ، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنّه إنّما فعل ذلك من خشية الله ". (2)
يقول ابن تيمية: " فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك". (3)
ويقول أيضاً: "فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك، وأنه لا يبعثه، وكل هذين الاعتقادين كفر، يكفر من قامت عليه الحجة، لكنه كان يجهل ذلك، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، فخاف من عقابه، فغفر الله له بخشيته". (4)
وقد استنتج العلماء من فقه هذه القصة أن من " أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد، من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح، لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل، فيغفر الله خطأه، أو يعذبه إن كان منه تفريط في اتباع الحق على قدر دينه، وأما تكفير شخص عُلِم إيمانه بمجرد الغلط في ذلك، فعظيم". (5)
وهذه الرحمة من الله ليست خاصة بذلك الرجل، بل "كثير من المؤمنين
(1) تأويل مختلف الحديث (119).
(2)
فتح الباري (6/ 523).
(3)
مجموع الفتاوى (3/ 231).
(4)
المصدر السابق (3/ 231).
(5)
الاستقامة (165).
قد يجهل مثل ذلك، فلا يكون كافراً". (1)
قال ابن القيم: " وأما من جحد ذلك جهلاً، أو تأويلاً يعذر فيه صاحبه: فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً أو تكذيباً". (2)
ودليل آخر على عذر الجاهل في قصة الليثيين الذين أكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فعذرهم صلى الله عليه وسلم لفرط جهلهم وبداوتهم.
والقصة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً فلاجّه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا، فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا)). فرضوا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني خاطب العشية على الناس ومخبرهم برضاكم)) فقالوا: نعم. فخطب رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت عليهم كذا وكذا، فرضوا، أرضيتم؟)) قالوا: لا.
فهمّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عنهم، فكفوا ثم دعاهم فزادهم فقال:((أرضيتم)) فقالوا: نعم.
قال: ((إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم)) قالوا: نعم.
فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: نعم. (3)
قال ابن حزم: "وفي هذا الخبر عذر الجاهل، وأنه لا يخرج من الإسلام بما لو فعله العالم الذي قامت عليه الحجة لكان كافراً، لأن هؤلاء الليثيين كذّبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وتكذيبه كفر مجرد بلا خلاف، لكنهم بجهلهم وأعرابيتهم عذروا بالجهالة، فلم يكفروا ". (4)
(1) مجموع الفتاوى (11/ 411).
(2)
مدارج السالكين (1/ 338 - 339).
(3)
رواه أبو داود ح (4534)، ابن ماجه ح (2638)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود ح (3801).
(4)
المحلى (10/ 410 - 411).
كما حكم رسول الله بإسلام قوم يأتون في آخر الزمان، حين يندرس الإسلام، لا يعرفون من الدين إلا كلمة التوحيد، قال صلى الله عليه وسلم:((يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله. فنحن نقولها)).
فقال له صلة [أي لحذيفة راوي الحديث]: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تنجيهم من النار. (1)
واستدلالاً بهذا الحديث يقول شيخ الإسلام بعذر الجاهل، ونقل اتفاق العلماء عليه، فقال:"وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلِّغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيراً مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرَّف ما جاء به الرسول ". (2)
وقد عذر رحمه الله بهذا الجهل بعض معاصريه، واعتذر لهم بشيوع الجهل في عصره: "بل كل من كان من المتنسكة والمتفقهة والمتعبدة والمتفقرة والمتزهدة والمتكلمة والمتفلسفة ومن وافقهم من الملوك والأغنياء والكتاب والحساب والأطباء وأهل الديوان والعامة خارجاً عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا
(1) رواه ابن ماجه ح (4049)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3273).
(2)
مجموع الفتاوى (11/ 407).
يحرم ما حرمه الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله باطناً وظاهراً: مثل من يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهديه أو يغيثه أو يعينه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه.
وهؤلاء الأجناس وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك.
وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات، يثاب الرجل على ما معه من الإيمان القليل، ويغفر الله فيه لمن لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر به لمن قامت الحجة عليه ". (1)
فماذا يقول رحمه الله لو رأى عصرنا وفشو الجهل في مسائل الدين حتى بين من يُدعون بالمثقفين؟ وهؤلاء وأمثالهم قد يمتنع تكفير واحدهم لجهله، وهم آثمون بما قصروا في البحث عن الحق مع قدرتهم عليه.
وبعد فتح مكة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ومعه مسلمة الفتح، فمروا بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم. فقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سُنة من كان قبلكم)). (2)
وقال محمد بن عبد الوهاب: " وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا .. ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها،
(1) المصدر السابق (35/ 165).
(2)
رواه الترمذي ح (2180)، وأحمد ح (21390)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي ح (1771).
فتفيد لزوم التعلم والتحرز
…
وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنُبِّه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر". (1)
وهكذا تبين أن العذر بالجهل دلت على وجوبه النصوص، وعدم اعتباره مؤد إلى تكفير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما جهلوه، وإذا كان الجهل عذراً في الصدر الأول فهو من باب أولى مما يعذر به الناس في عصور طغت عليها الجهالة، وعزّ فيها العلماء.
ثانياً: أقوال أهل العلم في العذر بالجهل
يقول ابن حزم: " ولا خلاف في أن امرءاً لو أسلم، ولم يعلم شرائع الإسلام، فاعتقد أن الخمر حلال، وأن ليس على الإنسان صلاة، وهو لم يبلغه حكم الله تعالى لم يكن كافراً بلا خلاف يعتد به، حتى إذا قامت عليه الحجة، فتمادى، حينئذ بإجماع الأمة فهو كافر ". (2)
ويقول الإمام ابن القيم: "وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة، وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل". (3)
وقال الإمام الشافعي: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا الرؤية والفكر". (4)
ويقول ابن تيمية: " من دعا غير الله، وحج إلى غير الله هو أيضاً مشرك، والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالماً بأن هذا شرك محرم، كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم، وعندهم أصنام لهم، صغار من لبد وغيره، وهم يتقربون إليها ويعظمونها، ولا يعلمون أن ذلك محرم في دين الإسلام، ويتقربون إلى النار أيضاً، ولا يعلمون أن ذلك محرم،
(1) كشف الشبهات (45 - 46).
(2)
المحلى (11/ 206).
(3)
طريق الهجرتين (611).
(4)
فتح الباري (13/ 407).
فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك، فهذا ضال، وعمله الذي أشرك فيه باطل، لكن لا يستحق العقوبة حتى تقوم عليه الحجة". (1)
ويقول ابن تيمية: " إن تكفير المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل من جهل شيئاً من الدين يكفر". (2)
وفي هذا المقام يقول رحمه الله: " لكن من الناس من يكون جاهلاً ببعض هذه الأحكام جهلاً يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: {لئلاّ يكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل} (النساء: 165)، وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء: 15)، ولهذا لو أسلم رجل، ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر حرام، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا، وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية". (3)
ويقول: " فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك.
بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن، وقال: هذا أصل دين الإسلام ". (4)
(1) الرد على الأخنائي (61).
(2)
الرد على البكري (2/ 492).
(3)
مجموع الفتاوى (11/ 406).
(4)
الرد على البكري (2/ 731).
ويقول: "وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر قولاً يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية، فإن الإيمان من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم، ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه ". (1)
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في عذر الجاهل الذي يرتكب الكفر: "وأما ما ذكر الأعداء عني أني أكفّر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". (2)
قال ابن العربي: "الجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركاً أو كافراً، فإنّه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبيّن له الحجة التي يكفر تاركها بياناً واضحاً ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعاً قطعيّاً يعرفه كلّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمّلٍ .. ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع ". (3)
يقول ابن تيمية وهو يعدد صوراً من الجهل الذي عذر به السلف: "فإذا رأيت إماماً قد غلّظ على قائل مقالته أو كفره فيها، فلا يعتبر هذا حكماً عاماً في كل من قالها، إلا إذا حصل فيه الشرط الذي يستحق به التغليظ عليه والتكفير له، فإن من جحد شيئاً من الشرائع الظاهرة، وكان حديث العهد بالإسلام أو ناشئاً ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية.
وكذلك العكس، إذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من إمام قديم، فاغتُفرت لعدم بلوغ الحجة له، فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتُفر للأول، فلهذا يبدّع من بلغته أحاديث عذاب القبر ونحوها إذا أنكر ذلك، ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بأن الموتى يسمعون في قبورهم، فهذا أصل عظيم فتدبره، فإنه نافع ". (4)
(1) مجموع الفتاوى (35/ 166).
(2)
مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قسم العقيدة (25).
(3)
محاسن التأويل (5/ 219 - 220).
(4)
مجموع الفتاوى (6/ 61).
ويقول ابن حزم وهو يذكر صوراً أخرى يفترض أنها تقع من جاهل، فيعذر لجهله: "وأما ما لم تقم الحجة على المخالف للحق في أي شيء كان فلا يكون كافراً إلا أن يأتي نص بتكفيره فيوقف عنده
…
فإن قال قائل: فما تقولون فيمن قال: أنا أشهد أن محمداً رسول الله، ولا أدري أهو قرشي أم تميمي أم فارسي، ولا هل كان بالحجاز أو بخراسان، ولا أدري أحي هو أو ميت، ولا أدري لعله هذا الرجل الحاضر أم غيره، قيل له: إن كان جاهلاً لا علم عنده بشيء من الأخبار والسير لم يضره ذلك شيئاً، ووجب تعليمه، فإذا علم وصح عنده الحق، فإن عاند فهو كافر حلال دمه وماله، محكوم عليه بحكم المرتد.
وقد علمنا أن كثيراً ممن يتعاطى الفتيا في دين الله عز وجل، نعم، وكثيراً من الصالحين لا يدري كم لموت النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أين كان، ولا في أي بلد كان، ويكفيه من كل ذلك إقراره بقلبه ولسانه أن رجلاً اسمه محمد أرسله الله تعالى إلينا بهذا الدين". (1)
ويعذر شيخ الإسلام بالجهل، فلا يوقع حكم الكفر على طوائف من الجهال المقلدين الذين أحسنوا الظن في بعض رؤوس أهل البدع من الباطنية الكفار، وتبعوهم، فيقول:"وأما الجهال الذين يحسنون الظن بقول هؤلاء، ولا يفهمونه، ويعتقدون أنه من جنس كلام المشايخ العارفين الذين يتكلمون بكلام صحيح، لا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء تجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة بحسب إيمانهم التقليدي، وتجد فيهم إقراراً لهؤلاء وإحساناً للظن بهم وتسليماً لهم بحسب جهلهم وضلالهم، ولا يتصور أن يثني على هؤلاء إلا كافر ملحد أو جاهل ضال، وهؤلاء من جنس الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته حال في كل مكان، ولكن أهل وحدة الوجود حققوا هذا المذهب أعظم من تحقيق غيرهم من الجهمية ". (2)
(1) الفصل (3/ 293).
(2)
مجموع الفتاوى (2/ 367).
وسبب عذر هؤلاء الجهال من المقلدة أن " الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر، ولا يفسق، ولا ترد شهادته إذا لم يكن قادراً على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفواً غفوراً". (1)
وهكذا فإن ثبوت الحجة شرط في استحقاق المعين التكفير، إذ الجهل عذر عند الله، يعذر به العالم الذي جهل مسألة فغمضت عليه، كما يعذر به من باب أولى عوام المسلمين المقلدين له.
وهذه المسألة أصل في الحكم على عوام أهل الفرق المنتسبة للإسلام، والتي في عقائدها ما يكفر به العالم المعاند دون الجاهل المقلد.
(1) الطرق الحكمية (255).