المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم - التمسك بالقرآن الكريم وأثره في حياة المسلمين

[عبد الله بن عمر الشنقيطي]

الفصل: ‌المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم

‌المبحث الثالث: في أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما شوهد منه

‌المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم

المبحث الثالث: في أثر التمسك بالقرآن الكريم في حياة المسلمين وما شوهد منه:

وتحته مطالب ثلاثة:

المطلب الأول: في أثر التمسك بالقرآن الكريم:

عرفنا مما تقدم، طرفاً من كيفية التمسك بالقرآن الكريم وأنه باختصار هو: - الإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، والعمل به والدعوة إليه، والصبر على الأذى في ذلك ولا شك أن أثر ذلك هو سعادة الدنيا والآخرة، لأن المتمسك بالقرآن الكريم هو من اتقى الله تعالى، ولا يسعد في الدنيا والآخرة إلا من اتقى الله تعالى.

قال الله عز وجل: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} (الطلاق: 2-3) .

وقال رب العالمين: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً} (الطلاق: 4) . وقال إله العالمين: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً} (الطلاق: 5) .

فماذا بقي من خيري الدنيا والآخرة يريده المتقي بعد هذه الوعود من رب العالمين الذي لا يخلف الميعاد.

ولست أرى السعادة جمع مال

ولكن التقي هو السعيد

من تمسك بالقرآن الكريم فقد نُفخت فيه روح الهداية والتوفيق لكل خير، وقد استنار بالنور الذي يبدد ظلام الجهل ويهدي صاحبه إلى سواء الصراط.

ص: 16

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً (1) مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (الشورى: 52-53) . اللهم اهدنا به صلى الله عليه وسلم.

من تمسك بالقرآن الكريم في جميع شؤونه، فقد اهتدى كل الهدى، ومن اهتدى بهدى الله فقد فاز في دنياه وأخراه.

قال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة:1-5)

وقال تعالى عن المتمسك بهداه، {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 38) .

وقال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طه: 123) .

فقد تكفل الله تعالى لمن تمسك بالقرآن الكريم بألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (2) .

من تمسك بالقرآن الكريم مكن له الله تعالى في الأرض، ويسر له أسباب الاستقرار وعدم الاضطراب. قال تعالى:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً} (النور: 55) .

(1) روحاً: أي القرآن لأن به تحيا القلوب، انظر الجلالين 646.

(2)

انظر التفسير الميسر لنخبة من العلماء /320.

ص: 17

واعتبر ذلك بحال رعيل هذه الأمة الأول الذين كانوا أكثر الناس تمسكاً بالقرآن الكريم وأعظمهم إتباعاً له، كيف فتح الله تعالى عليهم البلاد وقهر لهم العباد، وأعانهم حتى تهاوت لهم عروش الجبابرة من أهل الكفر والعناد فأصبحوا بالتمسك بالقرآن الكريم سادة بعد أن كانوا مسودين، وأصبحوا قادة بعد أن كانوا مستعبدين.

وصدق الله العظيم الذي قال وقوله الحق: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26) .

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول ولا يقول إلا حقاً: "إن الله تعالى ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين"(1) . أسأل الله تعالى أن يرفعنا به أحياء وأمواتاً ومبعوثين آمنين آمين.

من تمسك بالقرآن الكريم - وأسأل الله تعالى أن نكون منهم - أمنه الله تعالى من الخوف في نفسه وأهله، وفي عاجله وآجله.

قال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:38) . والخوف هنا نكرة في سياق النفي تعمّ. (2) .

وقال تعالى عن المتمسكين بالقرآن الكريم وهم المؤمنون العاملون الصالحات: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً} (النور:55) . وقال عز من قائل عليماً: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82) .

(1) الحديث، أخرجه مسلم 2/502.

(2)

النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، وقد تكون نصاً فيه وقد تكون ظاهرة. انظر مذكرة الأصول للشنقيطي /362-364.

ص: 18

وقال تعالى عمن استقام على القرآن الكريم متمسكاً به - أسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الأحقاف:13) .

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} (فصلت:30-32) .

ومن أثر التمسك بالقرآن الكريم القدرة بعون الله تعالى على إقامة صرح الدولة الشامخ المبنى على تقوى من الله تعالى ورضوان فلا يتزعزع بناؤها، ولا يتهلهل أساسها ما دام أهلها متمسكين بالقرآن الكريم وذلك لأن القرآن الكريم وضع للمسلمين أسس إقامة الدولة من حيث المحافظة على دينها الذي هو عصمة أمرها، ودنياها التي فيها معاشها، وآخرتها التي إليها معادها.

وقد تقدم طرف مما تقيم به الدولة دعامة دينها، وبه يستقيم أمرها وتسعد في معادها أما ما يختص بشؤون دنياها فقد رسم القرآن الكريم طرق السياسة الصحيحة التي يُساس بها الناس فيستقيم أمرهم.

كما أوضح أسس المعايير الاجتماعية التي تقيم العلاقات بين الأفراد والجماعات.

كما بين حقائق بناء اقتصاد الدولة على أسس سليمة لا ينهار معها ولا يضطرب.

ص: 19

كما يبين القرآن الكريم أسباب القوة ليؤخذ بها حتى يبقى صرح الدولة فارعاً شامخاً وبين أسباب الضعف لتجتنب، حتى لا يعصف بالدولة عواصف الهدم ولا يعمل فيها معاول التخريب.

وإليك - عفا الله عني وعنك - بعض ما ذكر القرآن الكريم فيما تقدم.

أما السياسة: فهي تدبير الأمور، وإدارة الشؤون (1)، وينتظمها قوله تعالى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} (يوسف: 40) وقوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65) .

فالحاكم الذي يسوس أهل دولته ويدبر شؤونهم بأمر الله تعالى ونهيه، إنما يضمن لهم سعادة الدنيا والآخرة.

وتنقسم السياسة إلى قسمين داخلية وخارجية والخارجية يدور رحاها على قطبين أساسيين.

الأول: إعداد القوة الكافية لحماية الدولة من عادية المعتدين، وأخذ الحذر من أعداء المسلمين وقد أوضح الله تعالى ذلك بقوله عز وجل {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} (الأنفال:60) . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} (النساء:71) .

الثاني: الاتحاد الشامل حول تلك القوة وعدم التفرق، لأن الاتحاد قوة والتفرق ضعف. قال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} (آل عمران:103) . وقال تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46) .

وقد حذرت السنة المطهرة المسلمين من مغبة الفرقة والتشرذم حيث أمر صلى الله عليه وسلم الأمة بأنه "إذا أتاهم رجل يريد الأمارة، وكان أمرهم

(1) انظر الإسلام دين كامل - محمد الأمين الشنقيطي رحمني الله تعالى وإياه /26.

ص: 20

قبل ذلك مجتمعاً على أحدهم، أن يقتلوا الثاني كائناً من كان" أو كما قال صلى الله عليه وسلم (1) .

كما لم يغفل القرآن الكريم التخطيط لما قد يطرأ على المسلمين من ضعف يحتاجون معه إلى إبرام العهود وطرح خيار الهدنة، وما يتبع ذلك من حل رباط المعاهدات عند الحاجة إليه. قال تعالى في البراءة من المشركين:{إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة:4) .

وقال تعالى عن المشركين: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} (التوبة: 4) .

وقال تعالى في حال حل العهود لسبب طارئ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} (الأنفال: 58) .

إلى غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مما ينظم هذا النوع من السياسة وما دام القرآن الكريم، قد نظم من ذلك ما يخص المسلمين مع الكفار فلأن يكون قد نظم ذلك فيما بين المسلمين من باب أولى فقد أعطى في ذلك وغيره كل ذي حق حقه.

أما السياسة الداخلية: فترجع في حقيقتها إلى ما يكفل نشر الأمن والطمأنينة داخل المجتمع، وكف المظالم ورد الحقوق إلى أهلها (2) .

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمني وإياه: والجواهر العظام التي عليها مدار السياسة الداخلية ست:-

(1) الحديث فقد اخرج مسلم حديثاً بهذا المعنى انظر الحديث رقم 1234 ولفظه: قال صلى الله عليه وسلم (إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان.

(2)

انظر المصدر السابق الإسلام دين كامل للشنقيطي.

ص: 21

الأول: الدين: وقد جاء الشرع بالمحافظة عليه لذا قال صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه"(1) وفي ذلك ردع بالغ عند تبديل الدين وإضاعته.

الثاني: الأنفس: وقد شرع الله تعالى في القرآن الكريم، القصاص محافظة عليها، قال تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة: 183) .

وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} (البقرة: 179) .

الثالث: العقول: وقد جاء القرآن الكريم بالمحافظة عليها قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة: 90) .

وفي الحديث الشريف "وما أسكر كثيره فقليله حرام"(2) .

ولأجل المحافظة على العقول أوجب الشرع الحد على شارب الخمر.

الرابع: الأنساب وللمحافظة عليها: شرع الله تعالى حد الزنى قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (النور: 2) .

وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزاني المحصن (3) .

الخامس: الأعراض: ولأجل المحافظة عليها شرع القرآن الكريم جلد القاذف ثمانين جلدة قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا

(1) الحديث رواه البخاري 8/50.

(2)

الحديث أخرجه أبو داود رقم/3681.

(3)

كما جاء في رجم ماعز والغامدية رضي الله عنهما وقد أخرجه مسلم 5/حديث رقم 1039.

معنى المفردات: (الميسر) القمار، (الأنصاب) الأصنام، (الأزلام) أقداح أَيْ سهام الاستقسام فما ظهر لأحدهم فيها من فعل أو ترك عمل به، (رجس) خبيث مستقذرة - انظر الجلالين/154.

ص: 22

بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} (النور: 4-5) .

فهذا في غاية الزجر عن الوقوع في أعراض الناس بالقذف، والجلد، والوصم بالفسق، ورد الشهادة أبداً حتى يتوب.

السادس: الأموال: ولأجل المحافظة عليها شرع الله تعالى قطع يد السارق، قال الله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (المائدة: 38) الآية (1) .

هذا وإن مما يعكر صفاء السياسة على الساسة المسلمين ما قد يتعرض له المجتمع الإسلامي من ضعف في الصف واختلاف في الكلمة، وتسلط عدوهم عليهم.

وهذا من سنن الله تعالى الكونية أن يبتلي عباده بما شاء من هذه الأمور وغيرها أسأل الله تعالى، أن يجعل ابتلاءنا وخيرنا في غمرنا بنعمه وتوفيقنا لشكر ربنا الله تعالى مسديها إنه تعالى ربي جواد كريم آمين.

وقد بيَّن القرآن الكريم سبب اختلاف الكلمة وحذر منه تعالى، وبيّنَ سببه، فسببه اختلاف القلوب لأن القلب إذا صلح، صلح الجسد كله وإذا فسد، فسد الجسد كله كما جاء في الحديث الشريف (2) .

أما بيانه تعالى سببه، ففي قوله تعالى:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} (الحشر: 14) . أما التحذير منه، ففي ذكره عز وجل ذلك عن اليهود في

(1) انظر الإسلام دين كامل للعلامة الشنقيطي محمد الأمين بتصرف من صـ28-30.

معنى المفردات: (نكالاً) عقوبة لهما، انظر تفسير الجلالين/143.

(2)

الحديث،كما قال صلى الله عليه وسلم، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب. رواه البخاري 1/39.

ص: 23

معرض الذم، ثم ببيان سببه في قوله عز وجل {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} (الحشر: 14) . فهذا منتهى التحذير عن أن يقع المسلمون فيه لأنه أولاً من صفات اليهود الذميمة ولأن سببه انعدام العقل.

وقد بين سبحانه وتعالى، علاج هذا الداء العضال الذي لم يفتك بالأمة في ماضيها ولا حاضرها مثلُه، وذلك في بيان القرآن الكريم لعلاج ضعف العقل الذي هو سبب اختلاف الكلمة قال تعالى:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ} (الأنعام: 122) .

وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة: 257) .

وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (الملك: 22) .

فبين تعالى أنه هو الذي يحيي القلوب الميتة بنور وحيه، وتوفيقه للعمل به، كما بيّن تعالى أن من يمشى على صراط مستقيم، هو المرضي ولا يهدي هذا الصراطَ إلا الله تعالى وحده كما قال تعالى:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (النور: 46) .

أسأل الله تعالى أن يهدينا إليه صراطاً مستقيماً آمين.

إذا، فبإتباع القرآن الكريم، تحصل العقلانية المرضية التي تمتلئ معها القلوب إيماناً وحكمة فلا يختلف أصحابها، بل يجتمعون على الحق والهدى، فيبقون أقوياء، محترمي الجانب لا يستطيع عدوهم النيل منهم.

وقد بين القرآن الكريم سبب الضعف وتسلط العدو على المسلمين وأنه هو اختلاف الكلمة والتنازع، قال الله تعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا

ص: 24

وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46) . وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (آل عمران: 165) .

قال الشيخ الأمين (1) رحمني الله وإياه: إن السبب الذي من عند أنفسهم، هو ما أوضحه الله تعالى من قوله الكريم في الآية الأخرى:{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 152) .

فأنت ترى أن سبب الضعف، هو الفشل واختلاف الكملة والرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة (2) ، ومتى حصل الضعف أصبح المسلمون لقمة سائغة لعدوهم.

وقد بين القرآن الكريم علاج ذلك وما به ينْسدُّ عن المسلمين ثلْمته ويكتفون شر عدوهم المتربصين بهم الدوائر.

وذلك العلاج هو الإخلاص لله تعالى وحده والتوجه إليه دون من سواه.

قال تعالى عن المؤمنين المتوكلين عليه تعالى في كل حال ومنه حال الشعور بالضعف أمام الكفار: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} .

(1) الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي علامة زمانه ولد بموريتانيا 1325هـ وطلب العلم فيها ونبغ في علوم شتى أهمها التفسير، له مؤلفات عدة أهمها كتابه في التفسير أضواء البيان توفى بمكة المكرمة عام 1393هـ رحمني الله تعالى وإياه.

(2)

انظر الإسلام دين كامل 32.

ص: 25

(الفتح:18) وكان من نتائج ذلك الإخلاص أن جعلهم قادرين على ما كانوا عنه عاجزين قال تعالى: {وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} (الفتح:21) .

وكذلك كان الإخلاص لله تعالى والتوكل عليه سبباً لنصر الله تعالى للمؤمنين في غزوة الأحزاب، حيث قال تعالى عنهم أنهم قالوا:{هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} (الأحزاب: 22) .

فلما كان هذا حالهم جاء نصر الله تعالى الذي لا غالب إلا هو، جاء بأن أرسل الله تعالى على أعدائه جنوداً من عنده لم يرها المؤمنون، كما أرسل عليهم ريحاً باردة في ليلة مظلمة بعثرت آنيتهم، وأطفأت نيرانهم فلم يلو أحد منهم على صاحبه.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} (الأحزاب: 9) .

وقال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} (الأحزاب: 25-27) .

وإذا كان بالتوكل على الله تعالى وصدق التوجه إليه يكسر الحصار العسكري، فبه كذلك يكسر الحصار الاقتصادي.

ص: 26

ألا ترى ما قاله الله تعالى عن المنافقين: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} (المنافقون: 7)

قال لهم تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ} (المنافقون: 7)

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 28) .

أما الاقتصاد: فقد بين القرآن الكريم أصوله ومسائله التي يرجع إليها وهي في جملتها ترجع إلى أصلين.

الأصل الأول: حسن النظر في اكتساب المال: فقد أوضح الشارع كيفية اكتساب المال من طرقه المباحة وبأساليبه المناسبة بحيث لا تقدح في الدين ولا في المروءة قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (المنافقون:10) .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (النساء: 29) .

وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} (البقرة: 275) .

وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} (الأنفال: 69) .

ص: 27

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله تعالى واجملوا في الطلب"(1) الحديث

الأصل الثاني: - حسن النظر في صرف المال في مصارفه:

فقد أمر القرآن الكريم بالكرم والاقتصاد في الصرف، بحيث لا يكون بخل ولا إسراف قال تعالى:{وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الإسراء: 29)(2) .

وقال تعالى في معرض مدح عباد الرحمن الطيبين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} (الفرقان: 67) .

وقال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} (البقرة: 219) .

وقال تعالى: {يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (البقرة: 215) .

وقد حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مغبة جمع المال إلا من طريق مباح ومن صرفه إلا في سبيل صلاح في قوله صلى الله عليه وسلم "لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: - عن عمره فيم أفناه

(1) الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية بسند صحيح. (الروع) العقل والقلب والبال والخلد. انظر مختار الصحاح 263.

(2)

معنى مفردات:

{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} أي لا تمسكها عن الإنفاق كل المسك،ولا تبسطها في الإنفاق، {كل البسط فتقعد ملوماً} عائد إلى الأول {محسوراً} راجع إلى الثاني. انظر المصدر السابق تفسير الجلالين {ولم يقتروا} لم يضيقوا {وكان بين ذلك قواماً} أي بين الإسراف والإقتار (قواما) ، وسطا. المصدر نفسه.

ص: 28

وعن شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل به" الحديث (1)

أسأل الله تعالى مغفرته لي ما فرطت في جنبه تعالى من ذلك وغيره لي وللمسلمين آمين.

أما المعايير الاجتماعية التي تنظم أوجه العلاقات بين الأفراد والجماعات، فقد أعطاها القرآن الكريم عناية فائقة:-

قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمني الله تعالى وإياه في هذا المقام:

فانظر إلى ما يأمر به الرئيس الكبير أن يفعله مع مجتمعه {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (الشعراء: 215) .

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159) .

وانظر إلى ما يأمر به المجتمع العام أن يفعله مع رؤسائه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: 59) .

وانظر إلى ما يأمر الإنسان أن يفعله مع مجتمعه الخاص كأولاده وزوجته {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم: 6) .أعوذ بالله تعالى ربي من النار. وانظر كيف ينبهه على الحذر والحزم في مجتمعه الخاص، ويأمره إن عثر على ما لا ينبغي منهم، أن يعفو ويصفح، فيأمره أولاً بالحذر والحزم، وثانياً بالعفو والصفح.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التغابن: 14) .

(1) الحديث أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، رقم الحديث 2532.

ص: 29

وانظر إلى ما يأمر به أفراد المجتمع العام أن يتعاملوا به فيما بينهم {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90) .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} (الحجرات: 12)(1) .

وقال تعالى: {لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (الحجرات: 11) .

وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2) .

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) وقال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: 38) .

ولما كان المجتمع لا يسلم فرد من أفراده كائناً من كان من مناوئ يناوئه ومعادٍ يعاديه من مجتمعه الإنسي والجني.

ليس يخلو المرء من ضد ولو

حاول العزلة في رأس الجبل

وكان كل فرد محتاجاً إلى علاج هذا الداء.

أوضح تعالى علاجه في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز بين فيها أن علاج المناوئ من الإنس، يكون بالإعراض عنه، ومقابلة إساءته بالإحسان.

(1) معنى مفردات.

"ولا تجسسوا" لا تتبعوا عورات المسلمين بالبحث عنها ولا يغتب بعضكم بعضاً لا يذكره بسوء وإن كان فيه.

"ولا تلمزوا أنفسكم" أي لا تعيبوا فتعابوا، نفس المصدر الجلالين.

ص: 30

وأن شيطان الجن لا علاج لدائه إلا بالاستعاذة بالله تعالى من شره:

الموضع الأول: في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) . وهذا في شأن الإنسي.

وفي شأن شيطان الجن قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف:200)(1) .

الموضع الثاني: في سورة المؤمنون قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} (المؤمنون:96) في شأن الإنسي وقال في نظيره الجني {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} .

(المؤمنون: 97-98) .

الموضع الثالث: في سورة فصلت وقد زاد فيه تعالى التصريح بأن ذلك العلاج يقطع ذلك الداء الشيطاني، وزاد فيه أيضاً أنه إنما يعطاه من كان ذا نصيب أوفر وحظ أكبر.

قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: 34،35)

هذا في شأن الشيطان الإنسي، وقال تعالى في نظيره الجني:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (فصلت: 36) .

(1) - معنى المفردات-

"وإما ينزغنك من الشيطان نزغ" أي إن يصرفك عن الخير صارف، فاستعذ بالله.

وفيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة. انظر المصدر السابق.

ص: 31