الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
مما سبق يتضح جلياً أن الحوار يستمد مشروعيته من القرآن الكريم نفسه الذي حكى كثيراً من الحوارات على سبيل التعليم والموعظة ابتداءً بحوار الله تعالى نفسه مع الملائكة حول خلق آدم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ومروراً بحوارات الرسل مع أقوامهم، وانتهاءً بحوارات الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم مع اليهود والنصارى.
وللمسلمين حوارات كثيرة مع غيرهم من أهل الكتاب، ومع الفرق المبتدعة سجلتها كتب الفرق وكتب الحوار والخلاف والجدل الكثيرة التي حفل بها التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية، كما امتلأت كتب المذاهب الفقهية الإسلامية أيضاً بحواراتها مع بعضها الآخر حول الكثير من قضايا أصول الفقه وفروعه.
ولأهمية الحوار لكونه آلية مثلى لاستجلاء الحقائق حرص كثير من أئمة السلف على إنشاء كتب علمية قيمة حول موضوع الحوار مثل كتاب (الإنصاف في مسائل الخلاف) لأبي سعيد النيسابوري، و (البرهان في الخلاف) لأبي المظفر المروزي و (تجريد المسائل اللطاف في الائتلاف والخلاف) لنور الدين الشافوري و (تهذيب الأخلاق بذكر مسائل الخلاف والوفاق) لمحمد الأسدي القدسي، وهنالك ما لا يقل عن مائة وخمسين كتاباً من هذا النوع في التأسيس لآلية الحوار وترقيتها والنهوض بها ونماذج منها مما يدل على أهميتها الحيوية في بناء المعرفة الإسلامية.
والآن في ظل صحوة المسلمين والتفاتهم إلى أمور دينهم وحقائق عصرهم المتفجر معرفياً وإعلامياً فإن آلية الحوار تكتسب مزيداً من الأهمية في الذهن الإسلامي. وما إقامة الكثير من المؤتمرات والندوات واللقاءات متعددة الأطراف إلا دليل على استشعار المسلمين المتزايد لتلك الأهمية لمبدأ الحوار بين المسلمين وأهل الديانات والثقافات الأخرى. اللهم إنا نسألك أن تعيد المسلمين إلى دينهم عوداً حميداً وتردهم إليه رداً جميلاً وتزيل غشاوة الباطل عن العيون وتفتح القلوب للحق، وترزقنا المحاجة عن دينك على هدىً ونور والدعوة إلى سبيلك على بصيرة، إنك نعم المولى ونعم النصير.