الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معنى قولِهم:» كَسَدَتِ البضاعةُ «. وقال الحسن:» وهو مِنْ قولِهم: أرضُ بُوْرٌ أي: لا نباتَ بها. وهذا يَرْجعُ إلى معنى الهلاكِ والفساد «.
قوله: {بِمَا تَقُولُونَ} : هذه الجملةُ من كلامِ اللهِ تعالى اتفاقاً، فهي على إضمارِ القولِ والالتفاتِ. قال الزمخشري: «هذه المفاجأةُ بالاحتجاجِ والإِلزامِ حسنةٌ رائعةٌ، وخاصةً إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحَذْفُ القولِ. ونحُوها قولُه عز وجل {يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ} [المائدة:
19]
وقولُ القائل:
3478 -
قالوا خُراسانُ أَقْصى ما يُرادُ بنا
…
ثم القُفُوْلُ فقد جِئْنا خُرسانا
انتهى. يريد: أن الأصلَ في الآيةِ الكريمة: فقُلْنا: قد كَذَّبوكم، وفي البيت فقلنا: قد جِئْنا. والخطابُ في» كَذَّبوكم «للكفارِ، فالمعنى: فقد كَذَّبكم المعبودون بما تقولون مِنْ أنَّهم أَضَلُّوكم. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبوكم فيما تقولون من الافتراءِ عليهم أنَّهم أَضَلُّوكم وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين في الدنيا أي: فقد كَذَّبكم أيَّها المؤمنون الكفارَ بما تقولون من التوحيدِ في الدنيا.
وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياءِ مِنْ تحتُ
أي: فقد كَذَّبكم الآلهةُ بما يقولون {سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ} إلى آخِرِه. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبكم أيها المؤمنونَ الكفَّارُ بما يقولون من الافتراءِ عليكم.
قوله: {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} قرأ حفص بتاءِ الخطاب والمرادُ عبادُها. والباقون بياءِ الغَيْبة. والمرادُ الآلهةُ التي كانوا يعبُدونها مِنْ عاقلٍ وغيرِه؛ ولذلك غَلَّب العاقَل فجيْءَ بواوِ الضميرِ.
قوله: {نُذِقْهُ} العامَّةُ بنونِ العظمةِ، وقرىء بالياءِ وفي الفاعلِ وجهان، أظهرهُما: أنَّه اللهُ تعالى لدلالةِ قراءةِ العامَّةِ على ذلك. والثاني: أنه ضميرُ الظلمِ المفهومِ من الفعل. وفيه تَجَوُّزُ بإسناد إذاقةِ العذابِ إلى سببِها وهو الظلمُ.
قوله: {إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ} : في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها في محلِّ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ، فقدِّره الزمخشريُّ تابعاً للزجَّاج:«وما أَرْسَلْنا قبلَك أحداً من المرسلين إلَاّ آكلين وماشِين» وإنما حُذِف لمكانِ الجارِّ بعدَه. وقَدَّره ابنُ عطية: «رجالاً أو رُسُلاً» . والضميرُ في «إنهم» وما بعدَه عائدٌ على هذا الموصوفِ المحذوفِ. والثاني: أنه لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وإنما هي صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ هو المفعولُ لأَرْسَلْنا، تقديرُه: إلَاّ مَنْ إنهم، فالضميرُ في «إنهم» وما بعدَه عائدٌ
على معنى «مَنْ» المقدرةِ، وإليه ذهب الفراء. وهو مردودٌ: بأنَّ حَذْفَ الموصولِ لا يجوزُ إلَاّ في مواضعَ تَقَدَّم التنبيهُ عليها في البقرةِ. الثالث: أنَّ الجملةَ محلُّها النصبُ على الحالِ. وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري. قال: التقديرُ: إلَاّ وإنهم، يعني أنَّها حاليةٌ، فقدَّر معها الواوَ بياناً للحالية. ورُدَّ: بكونِ ما بعدَ «إلَاّ» صفةً لِما قبلَها. وقدَّره أبو البقاء أيضاً.
والعامَّةُ على كسرِ «إنَّ» لوجودِ اللامِ في خبرِها، ولكونِ الجملةِ حالاً على الراجحِ. قال أبو البقاء:«وقيل: لو لم تكنِ اللامُ لكُسِرَتْ أيضاً؛ لأنَّ الجملةَ حاليةٌ، إذ المعنى: إلَاّ وهم [يأْكلون» ] . وقُرِىء «أنهم» بالفتح على زيادةِ اللامِ، و «أَنْ» مصدريةٌ. التقدير: إلَاّ لأنَّهم. أي: ما جَعَلْناهم رسلاً إلى الناسِ إلَاّ لكونِهم مِثْلَهم.
وقرأ العامَّةُ «يَمْشُوْن» خفيفةً. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله «يُمَشَّوْن» مشدَّداً مبنياً للمفعولِ. أي: تُمَشِّيهم حوائجُهم أو الناسُ. وقرأ [أبو] عبد الرحمن «يُمَشُّون» بالتشديدِ مبنياً للفاعل، وهي بمعنى «يَمْشُون» . قال الشاعر:
3479 -
ومشى بأعطانِ المَبَأءَةِ وابتغى
…
قلائِصَ مِنْها صَعْبَةٌ ورَكُوْبُ
قال الزمخشري: «ولو قُرِىء» يُمَشُّون «لكان أوجهَ، لولا الروايةُ» يعني بالتشديد. قلت: قد قرأ بها السُّلَمِيُّ ولله الحمد.
قوله: {أَتَصْبِرُونَ} المعادِلُ محذوفٌ أي: أم لا تصبرون. وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ قال الزمخشري: «موقعُها بعد الفتنةِ موقع» أيُّكم «بعد الابتلاءِ في قولهِ {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ} [الملك: 2] يعني أنها معلَّقةٌ لِما فيها مِنْ معنى فِعْلِ القلبِ، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ على إسقاطِ الخافضِ.
قوله: {عُتُوّاً} : مصدرٌ. وقد صَحَّ هنا، وهو الأكثرُ، وأُعِلَّ في سورة مريم في {عِتِيّاً} [الآية: 8] لمناسبةٍ ذُكِرَتْ هناك وهي تواخي رؤوسِ الفواصلِ.
قوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ} : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ يَدُلُّ عليه قوله: «لا بشرى» أي: يُمْنعون البشرى يومَ يَرَوْن. الثاني: أنه منصوبٌ باذْكُرْ، فيكونُ مفعولاً به. الثالث: أنه منصوبٌ ب «يُعَذَّبون» مقدَّراً. ولا يجوز أَنْ يعملَ فيه نفسُ البشرى/ لوجهين، أحدهما: أنها مصدرٌ، والمصدرُ لا يعملُ فيما قبله. والثاني: أنها منفيةٌ ب «لا» ، وما بعدَها لا يَعْمل فيما قبلَها.
قوله: {لَا بشرى} هذه الجملةُ معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ أي: يَرَوْنَ الملائكةَ يقولون: لا بشرى، فالقولُ حالٌ من الملائكة. وهو نظيرُ التقديرِ في قولِه
تعالى: {وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم} [الرعد: 23] . قال الشيخ: «واحْتَمَلَ» بُشْرَى «أَنْ يكونَ مبنياً مع» لا «، واحْتَمَل أن يكونَ في نيةِ التنوينِ منصوبَ اللفظِ، ومُنِع من الصرفِ للتأنيثِ اللازمِ. فإنْ كان مبنياً مع» لا «احْتَمَلَ أَنْ يكونَ» يومئذٍ «خبراً، و» للمجرمين «خبرٌ بعد خبرٍ، أو نعتاً ل» بشرى «، أو متعلقاً بما تَعَلَّق به الخبرُ، وأَنْ يكونَ» يومئذٍ «صفةً ل» بُشْرَى «، والخبرُ» للمجرمين «ويجيءُ خلافُ سيبويهِ والأخفشِ: هل الخبرُ لنفسِ لا، أو الخبرُ للمبتدأ الذي هو مجموعُ» لا «وما بُني معها؟ وإن كان في نيةِ التنوينِ وهو معربٌ جاز أن يكونَ» يومئذٍ «و» للمجرمين «. خبرين، وجاز أَنْ يكونَ» يومئذٍ «خبراً و» للمجرمين «صفةً. والخبرُ إذا كان الاسمُ ليس مبنيَّاً لنفسِ» لا «بإجماع» .
قلت: قوله: «واحْتَمَلَ أَنْ يكونَ في نيةِ التنوينِ» إلى آخره لا يتأتى إلَاّ على قولِ أبي إسحاقَ. وهو أنَّه يرى أنَّ اسمَ «لا» النافيةِ للجنسِ معربٌ، ويَعْتَذِرُ عن حذفِ التنوينِ بكثرةِ الاستعمالِ، ويَسْتَدِلُّ عليه بالرجوعِ إليه في الضرورةِ. ويُنشِد:
3480 -
أَلا رجلاً جزاهُ اللهُ خيراً
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويتأَوَّلُه البصريون على إضمار: ألا تَرَوْنَني رجلاً. وكان يمكنُ الشيخُ أنْ يجعلَه معرباً كما ادَّعى بطريق أخرى: وهي أن يَجْعَلَ «بشرَى» عاملةً في «يومَئذٍ» أو في «للمجرمين» فيصيرُ من قبيلِ المُطَوَّل، والمُطوَّلُ معربٌ، لكنه لم يُلِمَّ بذلك. وسيأتي شيءٌ من هذا في كلام أبي البقاء رحمه الله. ويجوز أَن يكونَ «بُشرى» معرباً منصوباً بطريقٍ أخرى. وهي أن تكونَ منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ أي: لا يُبَشَّرون بشرى كقولِه تعالى: {لَا مَرْحَباً بِهِمْ} [ص: 59]، «لا أهلا ولا سهلاً» . إلَاّ أنَّ كلامَ الشيخِ لا يمكنُ تنزيلهُ على هذا لقولهِ:«جاز أَنْ يكونَ» يومَئذٍ «و» للمجرمين «خبرين» فقد حكمَ أنَّ لها خبراً.
وإذا جُعِلَتْ منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ لا يكون ل «لا» حينئذٍ خبرٌ، لأنها داخلةٌ على ذلك الفعلِ المقدرِ. وهذا موضعٌ حَسَنٌ فتأمَّلْه.
قوله: {يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ} قد تقدَّم من «يومئذٍ» أوجهٌ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ منصوباً ب «بشرى» قال: «إذا قَدَّرْتَ أنها منونةٌ غيرُ مبنيةٍ مع» لا «ويكونُ الخبرُ» للمجرمين «.
وجَوَّز أيضاً هو والزمخشريُّ أَنْ يكونَ» يومئذٍ «تكريراً ل» يومَ يَرَوْن «. ورَدَّه الشيخ سواءً أُريد بالتكريرِ التوكيدُ اللفظيُّ أم أريد به البدلُ قال:» لأنَّ
يومَ منصوبٌ بما تقدَّم ذِكْرُه مِنْ «اذْكُر» ، أو مِنْ يَعْدِمون البشرى. وما بعد «لا» العاملةِ في الاسمِ لا يَعْمَل فيه ما قبلَها. وعلى تقدير ما ذكراه يكون العاملُ فيه ما قبل لا «. قلت: وما رُدَّ به ليس بظاهرٍ؛ وذلك لأنَّ الجملةَ المنفيَّةَ معمولةٌ للقولِ المضمرِ الواقعِ حالاً مِنَ» الملائكة «، والملائكةُ معمولةٌ ل» يَرَوْن «، ويَرَوْن معمولٌ ل» يوم «خفضاً بالإِضافة، ف» لا «وما في حَيِّزها مِنْ تتمةِ الظرفِ الأولِ من حيث إنَّها معمولةٌ لبعضِ ما في حَيِّزِه فليسَتْ بأجنبيةٍ ولا مانعةٍ مِنْ أَنْ يعملَ ما قبلَها فيما بعدَها. والعجبُ له كيف تَخَيَّلَ هذا، وغَفَلَ عَمَّا قُلْتُه فإنه واضحٌ مع التأمُّل؟
و» للمُجْرمين «مِنْ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ شهادةً عليهم بذلك. والضميرُ في» يقولون «يجوزُ عَوْدُه للكفارِ و» للملائكة «.
و» حِجْراً «من المصادرِ المُلْتَزَمِ إضمارُ ناصبها، ولا يُتَصَرَّف فيه. قال سيبويه:» ويقولُ الرجلُ للرجل: أَتفعل كذا؟ فيقول: حِجراً «. وهي مِنْ حَجَره إذا مَنَعَه؛ لأن المستعيذَ طالبٌ من اللهِ أن يمنعَ المكروهَ لا يَلْحَقُه. وكأن المعنى: أسأل اللهَ أَنْ يمنعَه مَنْعاً ويَحْجُرَه حَجْراً.
والعامَّةُ على كسرِ الحاء. والضحاك والحسن وأبو رجاء على ضَمِّها وهو لغةٌ فيه. قال الزمخشري:» ومجيئُه على فِعْل أو فُعْل في قراءةِ الحسنِ تَصَرُّفٌ فيه لاختصاصِه بموضعٍ واحد، كما كان قَعْدَك وعَمْرك كذلك.
وأنشدتُ لبعض الرُجاز:
3481 -
قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ
…
عَوْذٌ بربِّي منكُمُ وحُجْرُ
وهذا الذي أنشده الزمخشريُّ يقتضي تَصَرُّفَ «حجراً» وقد تقدَّم نصُّ سيبويهِ على أنَّه يلزمُ النصبَ. وحكى أبو البقاءِ فيه لغةً ثالثةً وهي الفتحُ. قال: «وقد قُرِىء بها» . فَعَلى هذا كَمَلَ فيه ثلاثُ لغاتٍ مقروءٌ بهنَّ.
ومَحْجُوْراً صفةٌ مؤكَّدةٌ للمعنى كقولهم: ذَيْل ذائِل، ومَوْت مائتِ. والحِجْر: العقلُ لأنه يمنعُ صاحبَه.
قوله: {هَبَآءً} : الهَباءُ والهَبْوَة: الترابُ الدقيق قاله ابن عرفة. قال الجوهري: «يُقال منه: هبا يَهْبو إذا ارتفع وَأَهْبَيْتُه أنا إهْباءً» . وقال الخليل والزجَّاج: «هو مثلُ الغبارِ الداخلِ في الكُوَّة يتراءَى مع ضوءِ الشمس» . وقيل: الهَباء ما تطايَرَ مِنْ شَرَرِ النارِ إذا أُضْرِمَتْ. والواحدةُ هَباءة على حَدّ تَمْر وتمرة. ومَنْثوراً أي مُفَرَّقاً، نَثَرْتُ الشيء: فَرَّقْتُه. والنَّثْرَة:
لنجومٍ متفرقة. والنَّثْرُ: الكلامُ غيرُ المنظوم على المقابلةِ بالشعرِ. وفائدةُ الوصفِ به أنَّ الهباءَ تراه منتظماً مع الضوء/ فإذا حَرَّكْتُه تَفَرَّقَ فجِيِْءَ بهذه الصفةِ لتفيدَ ذلك. وقال الزمخشري: «أو مفعولٌ ثالثٌ لجَعَلْناه أي: فَجَعَلْناه جامِعاً لحقارةِ الهَباء والتناثُرِ كقوله تعالى: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] أي: جامعين للمَسْخِ والخَسْءِ» . قال الشيخ: «وخالَفَ ابنُ درستويه، فخالف النحويين في مَنْعِه أن يكونَ لكان خبران وأزيدُ، وقياسُ قولِه في» جَعَلَ «أَنْ يمنعَ أن يكونَ لها خبرٌ ثالث» . قلت: مقصودُه أنَّ كلامَ الزمخشريِّ مردودٌ قياساً على ما مَنَعَه ابنُ درستويه مِنْ تعديدِ خبر «كان» .
قوله: {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ} : في أفْعَل هنا قولان، أحدُهما: أنها على بابِها من التفضيل. والمعنى: أنَّ المؤمنين خيرٌ في الآخرة مستقراً مِنْ مستقرِّ الكفارِ، وأحسنُ مقيلاً مِنْ مَقِيلهم، لو فُرِض أَنْ يكونَ لهم ذلك، أو على أنهم خيرٌ في الآخرةِ منهم في الدنيا. والثاني: أَنْ تكونَ لمجردِ الوصفِ مِنْ غيرِ مفاضلةٍ.
قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ} : العاملُ في «يومَ» : إمَّا اذْكُرْ، وإمَّا: ينفردُ اللهُ بالمُلْك يومَ تَشَقَّقُ، لدلالة قوله:{الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن} [الفرقان: 26] عليه.
وقرأ الكوفيون وأبو عمرو هنا وفي ق «تَشَقَّق» بالتخفيف. والباقون
بالتشديدِ. وهما واضحتان. حَذَفَ الأَوَّلون تاءَ المضارعةِ، أو تاءَ التَّفَعُّلِ، على خلافٍ في ذلك. والباقون أَدْغموا تاء التَفَعُّل في الشين لِما بينهما من المقاربَةِ، وهما «كَتَظَاهَرون وتَظَّاهرون» حَذْفاً وإدغاماً. وقد مضى في البقرة.
قوله: {بالغمام} في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: على السببيَّة أي: بسببِ الغَمام، يعني بسببِ طُلوعِه منها. ونحو {السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ} [المزمل: 18] كأنَّه الذي تَنْشَقُّ به السماءُ. الثاني: أنها للحالِ أي: ملتبسَةً بالغَمام. الثالث: أنها بمعنى عَنْ أي: عن الغمامِ كقوله: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ} [ق: 44] .
قوله: {وَنُزِّلَ الملائكة} فيها اثنتا عشرة قراءة: ثِنْتان في المتواتِر، وعشرٌ في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «ونُنْزِلُ» بنونِ مضمومةٍ ثم أُخْرى ساكنةٍ وزايٍ خفيفةٍ مكسورةٍ مضارعَ «أَنْزَلَ» ، و «الملائكةَ بالنصبِ مفعولٌ به. وكان من حَقِّ المصدرِ أَنْ يجيءَ بعد هذه القراءةِ على إنْزال. قال أبو علي:» لَمَّا كان أَنْزَل ونَزَّل يَجْريان مَجْرىً واحِداً، أجرى مصدرَ أحدِهما على مصدرِ الآخر: وأنشدَ:
3482 -
وقد تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الحِضْبِ
…
لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَوَيْتُ بمعنىً «. قلت: ومثلُه {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً} [المزمل: 8] أي: تَبَتُّلاً. وقرأ الباقون من السبعةِ» ونُزِّل «بضمِّ النون وكسرِ الزاي المشدَّدةِ وفتحِ اللامِ، ماضياً مبنياً للمفعول.» الملائكةُ «بالرفعِ لقيامةِ مقامَ الفاعلِ. وهي موافقةٌ لمصدرِها.
وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء» ونَزَّلَ «بالتشديد ماضياً مبنياً للفاعلِ، وهو الله تعالى،» الملائكةَ «مفعولٌ به. وعنه أيضاً» وأَنْزَل «مبنياً للفاعلِ عَدَّاه بالتضعيفِ مرةً، وبالهمزة أخرى. والاعتذارُ عن مجيء مصدرِه على التفعيلِ كالاعتذارِ عن ابنِ كثير. وعنه أيضاً» وأُنْزِل «مبنياً للمفعولِ.
وقرأ هارون عن أبي عمرٍو» وتُنَزِّل الملائكةُ «بالتاء من فوق وتشديدِ الزايِ ورفعِ اللام مضارعاً مبنياً للفاعل،» الملائكةُ «بالرفعِ، مضارعَ نَزَّل بالتشديد، وعلى هذه القراءةِ فالمفعولُ محذوفٌ أي: وتُنَزِّل الملائكةُ ما أُمِرَتْ أَنْ تُنَزِّلَه.
وقرأ الخَفَّاف عنه، وجناح بن حبيش» ونَزَل «مخففاً مبنياً للفاعلِ» الملائكةُ «بالرفع. وخارجة عن أبي عمرٍو أيضاً وأبو معاذ» ونُزِّلُ «بضم النون وتشديدِ الزاي ونصب» الملائكةَ «. والأصل: ونُنَزِّلُ بنونين حُذِفَتْ إحداهما.
وقرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير في روايةٍ عنهما بهذا الأصلِ» ونُنَزِّل «بنونين وتشديدِ الزايِ. وقرأ أُبَيُّ و» نُزِّلَتْ «بالتشديدِ مبنياً للمفعولِ. و» تَنَزَّلَتْ «بزيادةِ تاءٍ في أولهِ، وتاءِ التأنيث فيهما.
وقرأ أبو عمرٍو في طريقةِ الخَفَّاف عنه «ونُزِلَ» بضمِّ النون وكسرِ الزايِ خفيفةَ مبنياً للمفعول، قال صاحب اللوامح:«فإنْ صَحَّتِ القراءةُ فإنَّه حُذِفَ منها المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، تقديره: ونُزِل نزولُ الملائكةِ، فحُذِفَ النزولُ، ونُقِل إعرابُه إلى الملائكة. بمعنى: نُزِل نازلُ الملائكةِ؛ لأنَّ المصدرَ يجيءُ بمعنى الاسمِ. وهذا ممَّا يجيءُّ على مذهب سيبويهِ/ في ترتيب بناءِ اللازمِ للمفعولِ به؛ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على مصدره» ، قلت: وهذا تَمَحُّلٌ كثيرٌ دَعَتْ إليه ضرورةُ الصناعةِ، وقال ابن جني:«وهذا غيرُ معروفٍ؛ لأنَّ نَزَلَ لا يتعدى إلى مفعولٍ فيبنى هنا للملائكة. ووجهُه: أَْنْ يكونَ مثل: زُكِم الرجلُ وجُنَّ، فإنه لا يُقال: إلَاّ: أَزْكمه وأَجَنَّه الله، وهذا بابُ سماعٍ لا قياسٍ» . قلت: ونظيرُ هذه القراءة ما تقدَّم في سورة الكهفِ في قراءةِ مَنْ قرأ {فَلَا يقوم له يَوْمَ القيامة وَزْناً} [الآية: 105] بنصب «وَزْناً» من حيث تَعْدِيَةُ القاصرِ وتَقَدَّم ما فيها.
قوله: {الملك يَوْمَئِذٍ} : فيه ِأوجهٌ، أحدها: أن يكونَ «المُلْكُ» مبتدأً، والخبر:«الحق» ، و «يومئذٍ» متعلِّقٌ بالمُلْك. و «للرحمن» متعلقٌ بالحق، أو بمحذوفٍ على التبيين، أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ للحق. الثاني: أنَّ الخبرَ «يومئذٍ» ، و «الحقُّ» نعتٌ للمُلْك. و «للرحمن» على ما تقدَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ «للرحمن» و «يومئذٍ» متعلقٌ بالمُلْك، و «الحقُّ» نعتٌ للمُلك.
قوله: {وَيَوْمَ يَعَضُّ} : معمولٌ لمحذوفٍ، أو معطوفٌ على «يومَ تَشَقَّقُ» . و «يَعَضُّ» مضارعُ عَضَّ، ووزنُه فَعِل بكسرِ العينِ، بدليلِ
قولِهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ، وحكى الكسائيُّ فتحَها في الماضي، فعلى هذا يُقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كنايةٌ عن شدَّةِ اللزومِ. ومثله: حَرَقَ نابَه، قال:
3483 -
أبى الضَّيْمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نابَه
…
عليه فأفضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ
وهذه الكنايةُ أبلغُ من تصريحِ المكنى عنه. وأَلْ في «الظالم» تحتملُ العهدَ، والجنسَ، على حَسَبِ الخلافِ في ذلك.
قوله: {يَقُولُ} هذه الجملةُ حال مِنْ فاعل «يَعَضُّ» . وجملةُ التمنِّي بعد القولِ مَحْكيَّةٌ به. وتقدَّم الكلامُ في مباشرة «يا» ل «ليت» في النساء.
وفلانٌ كنايةٌ عن عَلَمِ مَنْ يَعْقِل وهو منصرفٌ، وفُلُ كنايةٌ عن نكرةِ مَنْ يَعْقِل من الذكور، وفُلَةُ عَمَّن يَعْقِلُ من الإِناثِ، والفلانُ والفلانةُ بالألف واللام عن غير العاقلِ. ويختصُّ فُلُ وفُلَةُ بالنداءِ إلَاّ في ضرورةٍ كقوله:
3484 -
في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فُلِ
…
وليس «فُلُ» مُرَخَّماً من فلان خلافاً للفراء، وزعم الشيخ أنَّ
ابنَ عصفورِ وابنَ مالك وابن العلج وَهِمُوا في جَعْلهم «فُلُ» كنايةً عن عَلَم مَنْ يَعْقِلُ كفُلان. ولامُ فُل وفلان فيها وجهان، أحدهما: أنها واوٌ. والثاني: أنها ياءٌ، وقرأ الحسن «يا ويلتي» بكسرِ التاء وياءٍ صريحةٍ بعدها، وهي الأصلُ، وقرأ الدُّوريُّ بالإِمالة، قال أبو عليّ:«وتَرْكُ الإِمالةِ أحسنُ؛ لأنَّ أصلَ هذه اللفظةِ الياءُ، فبُدِّلت الكسرةُ فتحةً، والياءُ ألفاً؛ فِراراً من الياءِ. فَمَنْ أمال رَجَعَ إلى الذي منه فَرَّ أولاً» قلت: وهذا منقوضٌ بنحو «باع» فإنَّ أصلَه الياءُ ومع ذلك أمالوا، وقد أمالُوا {يا حسرتى عَلَى مَا فَرَّطَتُ} [الزمر: 56] و {يَا أَسَفَى} [يوسف: 84] وهما ك «يا ويلتى» في كونِ ألفِهما عن ياءِ المتكلم.
قوله: {وَكَانَ الشيطان} : يُحتمل أَنْ تكونَ هذه الجملةُ من مقولِ الظالمِ، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ بالقولِ، وأَنْ تكونَ من مقولِ الباري تعالى: فلا مَحَلَّ لها لاستئنافِها.
قوله: {مَهْجُوراً} : مفعولٌ ثانٍ ل «اتَّخَذُوا» أو حال. وهو مفعولٌ مِنْ الهَجْرِ بفتحِ الهاءِ وهو التَّرْكُ والبُعْدُ. أي: جعلوه متروكاً بعيداً.
وقيل: هو من الهُجْر بالضم أي: مهجوراً فيه، حيث يقولون فيه: إنه شِعْرٌ وأساطيرُ، وجَعَل الزمخشري مفعولاً هنا مصدراً بمعنى الهَجْر قال:«كالمَجْلود والمَعْقُول» . قلت: وهو غيرُ مَقيسٍ، ضَبَطَه أهلُ اللغةِ في أًُلَيْفاظٍ فلا تتعدى إلَاّ بنَقْلٍ.
قوله: {هَادِياً} : حالٌ أو تمييزٌ. وقد تقدَّم إعرابُ مثلِ هذه الجملةِ.
قوله: {جُمْلَةً} : حالٌ من القرآن، إذ هي في معنى مُجْتمعاً.
قوله: {كَذَلِكَ} إمَّا مرفوعةٌ المَحَلِّ أي: الأمرُ كذلك. و «لِنُثَبِّتَ» علةٌ لمحذوفٍ أي: لِنُثَبِّتَ فَعَلْنا ذلك. وإمَّا منصوبتُه على الحالِ أي: أنزل مثلَ ذلك، أو على النعت لمصدر محذوفٍ، و «لِنُثَبِّتَ» متعلقٌ بذلك الفعلِ المحذوفِ. وقال أبو حاتمٍ:«هي جوابُ قسمٍ» وهذا قولٌ مرجُوْحٌ نحا إليه الأخفش وجَعَلَ منه «ولتصغى» ، وقد تقدَّم في الأنعام.
وقرأ عبد الله «لِيُثَبِّتَ» بالياءِ أي: اللهُ تعالى.
والتَّرْتيل: التفريقُ. ومجيءُ الكلمةِ بعد الأخرى بسكونٍ يسيرٍ دونَ قَطْع النَّفَسِ. ومنه ثَغْرٌ رَتْلٌ ومُرَتَّل أي: مُفَلَّجُ الأسنان، بين أسنانِه فُرَجٌ يسيرةٌ.
قال الزمخشري: «ونُزِّل هنا بمعنى: أَنْزَل لا غير ك خَبَّر بمعنى أَخْبر، وإلَاّ تدافَعا» يعني أنَّ «نَزَّلَ» بالتشديدِ يقتضي بالأصالةِ التنجيمَ والتفريق، فلو لم يُجْعَلْ بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك لتدافعَ مع قولِه «جُمْلَةً» لأنَّ الجملةَ تُنَافي التفريقَ، وهذا بناءً منه على معتقدِه وهو أنَّ التضعيفَ يَدُلُّ على التفريقِ. وقد نَصَّ على ذلك في مواضعَ من كتابة «الكشاف» . وتقدَّم ذلك في البقرةِ وأولِ آل عمران وآخرِ الإِسراء، وحكى هناك عن ابنِ عباس ما يُقَوِّي ظاهرُه صحتَه.
قوله: {إِلَاّ جِئْنَاكَ بالحق} هذا الاستثناءُ مفرَّغٌ. والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: لا يَأْتُونك بمَثَلٍ إلَاّ في حالِ إتيانِنا إياك كذا. والمعنى: ولا يَأْتُونك بسؤالٍ عجيبٍ إلَاّ جِئْناك بالأمرِ الحقِّ. و «تَفْسيراً» تمييزٌ، والمفضلُ عليه محذوفٌ أي: تفسيراً مِنْ مِثْلِهم.
قوله: {الذين يُحْشَرُونَ} : يجوز رفعُه خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: هم الذين. ويجوزُ نصبُه على الذمِّ، ويجوز أن يرتفعَ بالابتداءِ، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} . ويجوز أَنْ يكونَ «أولئك» بدلاً من أو بياناً للموصول، و «شَرٌّ مكاناً» خبر الموصول.
قوله: {هَارُونَ} : بدلٌ أو بيانٌ، أو منصوبٌ على القطع. و «وزيراً» مفعولٌ ثانٍ، وقيل: حالٌ، والمفعولُ الثاني قوله:«معه» .
قوله: {فَدَمَّرْنَاهُمْ} : العامَّةُ على «فَدَمَّرْنا» فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوفٍ أي: فَذَهبا فكذَّبُوهما فدَمَّرْناهم. وقرأ عليٌّ كرَّم اللهُ
وجهَه «فَدَمِّراهم» أمراً لموسى وهارون. وعنه أيضاً «فَدَمِّرانِّهم» كذلك أيضاً، ولكنه مؤكَّدٌ بالنونِ الشديدةِ. وعنه أيضاً:«فدَمِّرا بهم» بزيادةِ باءِ الجر بعد فعلِ الأمرِ، وهي تُشْبِهُ القراءةَ قبلَها في الخَط. ونَقَلَ عنه الزمخشري «فَدَمَّرْتُهم» بتاءٍ المتكلِّمِ.
قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ} : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً، عطفاً على مَفْعول «دَمَّرْناهم» . ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره قولُه «أغْرَقْناهم» . ويُرَجَّح هذا بتقدُّم جملةٍ فعليةٍ قبلَه. هذا إذا قُلنا: إنَّ «لَمَّا» ظرفُ زمانٍ، وأمَّا إذا قُلْنا إنَّها حرفُ وجوبٍ لوجوبٍ فلا يتأتى ذلك؛ لأنَّ «أَغْرقناهم» حينئذٍ جوابٌ «لَمَّا» ، وجوابُها لا يُفَسِّر، ويجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مقدرٍ لا على سبيلِ الاشتغالِ، أي: اذكرْ قومَ نوحٍ.
قوله: {وَعَاداً} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أَنْ يكونَ معطوفاً على قومِ نوح، وأنْ يكونَ معطوفاً على مفعولِ «جَعَلْناهم» ، وأَنْ يكونَ معطوفاً على محلِّ «للظالمين» لأنَّه في قوةِ: وَعَدْنا الظالمين بعذابٍ.
قوله: {وَأَصْحَابَ الرس} فيه وجهان، أحدهما: من عَطْفِ المغايِرِ. وهو الظاهرُ. والثاني: أنَّه من عطفِ بعضِ الصفاتِ على بعضٍ. والمرادُ بأصحابِ الرِّسِّ ثمودُ؛ لأنَّ الرَّسَّ البِئْرُ التي لم تُطْوَ، عن أبي عبيد، وثمودُ أصحابُ آبار. وقيل: الرَّسُ نهرٌ بالمشرق، ويقال: إنهم أناسٌ عبدةُ أصنامٍ قَتَلوا نبيَّهم، ورسَوْه في بئرٍ أي: دَسُّوه فيها.
قوله: {بَيْنَ ذَلِكَ} «ذلك» إشارةٌ إلى مَنْ تقدَّم ذكرُه، وهم جماعاتٌ، فلذلك حَسُنَ «بين» عليه.
قوله: {وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال} : يجوزُ نصبُه بفعلٍ يفسِّره ما بعده أي: وحَذَّرْنا أو ذكَّرْنا، لأنهما في معنى: ضَرَبْنا له الأمثالَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على ما تقدَّم، و «ضَرَبْنا» بيانٌ لسببِ إهْلاكهم. وأمَّا «كلاً» الثانيةُ فمفعولٌ مقدمٌ.
قوله: {مَطَرَ السوء} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مصدرٌ على حَذْفِ الزوائدِ أي: إمْطار السَّوْء. الثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ؛ إذ المعنى: أعطيتُها وأَوْلَيْتُها مطرَ السَّوْء. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي: إمطاراً مثلَ مطرِ السَّوْء.
وقرأ: زيد بن علي «مُطِرَت» ثلاثياً مبنياً للمفعولِ و «مَطَرَ» متعدٍ قال:
3485 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
كَمَنْ بِوادِيْه بعد المَحْلِ مَمْطورِ
وقرأ أبو السَّمَّال «مَطَرَ السُّوء» . بضم السين. وقد تقدَّم الكلامُ على السُّوء والسَّوْء في براءة.
قوله: {إِن يَتَّخِذُونَكَ} : «إنْ» نافيةٌ و «هُزُواً» مفعولٌ ثانٍ، ويحتمل أَنْ يكونَ التقديرُ: موضعَ هُزْء، وأَنْ يكونَ مَهْزُوَّاً بك. وهذه الجملةُ المنفيةُ تحتمل وجهين، أحدهما: أنها جوابُ الشرطية. واختصَّت «إذا» بأنَّ جوابها متى كان منفياً ب «ما» أو «إنْ» أو «لا» ، لا يَحْتاج إلى الفاءِ، بخلافِ غيرِها مِنْ ِأدواتِ الشرط. فعلى هذا يكون قولُه:«أهذا الذي» في محلِّ نصبٍ بالقولِ المضمرِ. وذلك القولُ المضمرُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ أي: إنْ يَتَّخذونك قائلين ذلك. والثاني: أنَّها جملةٌ معترضةً بين «إذا» وجوابِها، وجوابُها: هو ذلك القولُ المضمرُ المَحْكيُّ به «أهذا الذي» والتقديرُ: وإذا رَأَوْك قالوا: أهذا الذي بعثَ، فاعترض بجملة النفي. ومفعولُ «بَعَثَ» محذوفٌ هو عائدٌ الموصولِ أي: بَعَثَه. و «رسولاً» على بابِه من كونِه صفةً فينتصبُ على الحالِ. وقيل هو مصدرٌ/ بمعنى رِسالة فيكونُ على حَذْفِ مضافٍ أي: ذا رسولٍ، بمعنى: ذا رسالة، أو يُجْعَلُ نفسَ المصدرِ مبالغةً، أو بمعنى مُرْسَل. وهو تكلُّف.
قوله: {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا} : قد تقدَّم نظيرُه في «سبحان» .
قوله: {لَوْلَا أَن صَبْرَنَا} جوابُها محذوفٌ أي: لضَلَلْنا عن آلهتِنا، قال الزمخشري:«ولولا في مثلِ هذا الكلامِ جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصنعةُ مَجْرى التقييدِ للحكمِ المطلقِ» .
قوله: {مَنْ أَضَلُّ} جملةُ الاستفهامِ معلِّقةٌ ل «يَعْلمون» ، فهي سادَّةٌ مَسَدَّ مفعولَيْها إنْ كانَتْ على بابِها، ومَسَدَّ واحدٍ إنْ كانَتْ بمعنى عَرَفَ. ويجوزُ في «مَنْ» أَنْ تكنَ موصولةً. و «أَضَلُّ» خبرُ مبتدأ مضمرٍ، هو العائدُ على «مَنْ» تقديرُه: مَنْ هو أضلُّ. وإنما حُذِفَ للاستطالةِ بالتمييزِ كقولِهم: «ما أنا بالذي قائلٌ لك سوءاً» ، وهذا ظاهرٌ إن كانَتْ متعديةً لواحد، وإنْ كانَتْ متعديةً لاثنين فتحتاجُ إلى تقديرٍ ثانٍ ولا حاجةَ إليه.
قوله: {مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} مفعولا الاتِّخاذِ مِنْ غيرِ تقديمٍ ولا تأخيرٍ لاستوائِهما في التعريفِ، وقال الزمخشري:«فإن قلتَ: لِمَ أَخَّر» هواه «والأصلُ قولُك: اتَّخذ الهوى إلَهاً» ؟ قلت: ما هو إلَاّ تقديمُ المفعولِ الثاني على الأولِ للعنايةِ به، كما تقولُ «عَلِمْتُ منطلقاً زيداً» لفضلِ عنايتِك بالمنطَلقِ «. قال الشيخ:» وادِّعاءُ القلبِ يعني التقديمَ ليس بجيدٍ لأنَّه من ضرائرِ الأشعارِ «. قلت: قد تقدَّم فيه ثلاثةُ مذاهبَ. على أنَّ هذا ليس من القلبِ المذكورِ في شيء، إنما هو تقديمٌ وتأخيرٌ فقط.
وقرأ ابن هرمز» إلاهَةً هواه «على وزن فِعالة. والإَهة بمعنى: المألوه، والهاءُ للمبالغةِ كعلَاّمَة ونسَّابة. وإلاهَةً مفعولٌ ثانٍ قُدِّم لكونِه نكرةً، ولذلك صُرِفَ. وقيل: الإَهَةً هي الشمسُ. ورُدَّ هذا: بأنَّه كان ينبغي أن يمتنعَ من الصرفِ للعلميةِ والتأنيث. وأُجيب بأنها تدخُل عليها أل كثيراً فلمَّا نُزِعَتْ منها صارَتْ نكرةً جاريةً مجرى الأوصافِ. ويُقال: أُلاهَة بضمِّ الهمزةِ أيضاً اسماً للشمس.
وقرأ بعضُ المدنيين» آلهةً هواه «جمع إلَه، وهو أيضاً مفعولٌ مقدَّمٌ، وجمُِع باعتبارِ الأنواعِ، فقد كان الرجلُ يعبُدُ آلهةً شَتى. ومفعولُ» أرأيتَ «الأولِ» مَنْ «، والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ.
قوله: {كَيْفَ} : منصوبةٌ ب «مَدَّ» وهي مُعَلِّقَةٌ ل «تَر» فهي في موضعِ نصبٍ وقد تقدَّم القولُ في «ألم تَرَ» .
قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا} قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ:» ثم «في هذين الموضعين كيف موقعُها؟ قلت: موقعُها لبيانِ تَفاضُلِ الأمورِ الثلاثةِ، كأنَّ الثاني أعظمُ من الأولِ، والثالثَ أعظمُ منهما تشبيهاً؛ لتباعُدِ ما بينها في الفَضْلِ بتباعُدِ ما بينها في الوقتِ» .
قوله: {لِّنُحْيِيَ بِهِ} : فيه وجهان أظهرُهما: أنَّه متعلقٌ بالإِنزالَ. والثاني: وهو ضعيفٌ أنَّه متعلقٌ ب «طَهورٍ» . وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: إنزالُ الماءِ موصوفاً بالطهارة، وتعليلُه بالإِحياءِ والسَّقْيِ يُؤْذِنُ بأنَّ الطهارةَ شرطٌ في صحةِ ذلك كما تقول:» حَمَلني الأميرُ على فَرَس جوادٍ لأَصِيْدَ عليه الوحشَ «، قلت: لَمَّا كان سَقْيُ الأناسيِّ مِنْ جملة ما أُنْزِل له الماءُ وُصِفَ بالطهارة إكراماً لهم وتَتْميماً للمِنَّةِ عليهم» .
و «طَهُور» يجوز أَنْ يكونَ صفةَ مبالغةٍ منقولاً من طاهر كقوله تعالى: {شَرَاباً طَهُوراً} [الإنسان: 21]، وقال:
3486 -
إلى رُجَّح الأَكْفالِ غِيْدٍ من الصِّبا
…
عِذابِ الثَّنايا رِيْقُهُنَّ طَهُوْرُ
وأَنْ يكونَ اسمَ ما يُتَطَهَّرُ به كالسَّحُور، وأَنْ يكونَ مصدراً كالقَبول والوَلُوع. ووصفُ «بَلْدةً» ب «مَيْت» وهي صفةٌ للمذكورِ لأنها بمعنى البلد.
قوله: {وَنُسْقِيَهِ} العامَّةُ على ضمِّ النونِ. وقرأ أبو عمرو وعاصم في روايةٍ عنهما وأبو حيوة وابنُ أبي عبلة بفتحها. وقد تقدم أنه قُرىء بذلك في النحل والمؤمنين. وتقدم كلامُ الناسِ عليهما.
قوله: {مِمَّا خَلَقْنَآ} يجوز أن تَتَعلَّقَ ب «نُسْقيه» ، وهي لابتداء الغاية. ويجوزُ أن تَتَعلَّق بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ مِنْ «أنعاماً» . ونُكِّرَتِ الأنعام والأناسيّ: قال الزمخشري: «لأنَّ عليَّةَ الناسِ وجُلَّهم مُنيخون بالأودية والأنهارِ، فبهم غُنْيَةٌ عن سقْي الماء، وأعقابُهم وهم كثيرٌ منهم لا يُعَيِّشهم إلَاّ ما يُنْزِلُ اللهُ مِنْ رحمتِه وسُقْيا سمائِه» .
قوله: {وَأَنَاسِيَّ} فيه وجهان، أحدهما: وهو مذهبُ سيبويه أنَّه جمعُ
إنسان. والأصلُ: إنسان وأنَاسين، فَأُبْدِلَتِ النونُ ياءً وأُدْغم فيها الياءُ قبلَها، ونحوَ ظِرْبانِ وظَرابِيّ. والثاني: وهو قولُ الفراء والمبرد والزجَّاج أنه جمع إنْسِيّ. وفيه نظرٌ لأنَّ فَعالِيّ إنما يكونُ جمعاً لِما فيه ياءٌ مشددةٌ لا تدلُّ على نَسَبٍ نحو: كُرْسِيّ وكَرَاسيّ. / فلو أُريد ب كرسيّ النسبُ لم يَجُزْ جمعُه على كراسيّ. ويَبْعُدُ أَنْ يُقالَ: إن الياءَ في إِنْسِي ليست للنسبِ وكان حقُّه أَنْ يُجْمَعَ على أَناسِية نحو: مَهالبة في المُهَلَّبي وأَزارِقة في الأَزْرقي.
وقرأ يحيى بن الحارث الذِّماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: «بحذفِ ياءِ أفاعيل كقولك: أناعِم في أناعِيم» . وقال: «فإنْ قلت لِمَ قَدَّمَ إحياءَ الأرضِ وسَقْيَ الأنعامِ على سَقْي الأناسي. قلت: لأن حياةَ الأناسيِّ بحياةِ أرضِهم وحياةِ أنعامهم، فقدَّم ما هو سببُ حياتِهم، ولأنَّهم إذا ظَفِروا بسُقيْا أرضِهم وسَقْيِ أنعامِهم لم يَعْدِموا سُقْياهم» .
قوله: {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ} : يجوزُ أَنْ تعودَ الهاءُ على القرآن، وأن تعودَ على الماءِ أي: صَرَّفنا نُزولَه مِنْ وابِل وَطلّ وجَوْد ورَذاذ وغيرِ ذلك. وقرأ عكرمة «صَرَفْناه» بتخفيف الراء.
قوله: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} : أي بالقرآن، أو بتركِ الطاعةِ المدلولِ عليها بقولهِ {فَلَا تُطِعِ} ، أو بما دَلَّ عليه {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} مِنْ كونِه نذيرَ كافةِ القُرى أو بالسيف.
قوله: {مَرَجَ البحرين} : في مَرَجَ قولان، أحدهما: بمعنى: خَلَطَ ومَرَجَ، ومنه مَرَجَ الأمرُ أي: اختلط قاله ابن عرفة. وقيل: مَرَجَ: أجرى. وأَمْرَجَ لغةٌ فيه. قيل: مَرَجَ لغةُ الحجاز، وأَمْرَجَ لغةُ نجدٍ. وفي كلامِ بعضِ الفصحاء:«بَحْران أحدُهما بالآخرِ ممروجٌ، وماءُ العذب منهما بالأُجاج ممروج» .
قوله: {هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} هذه الجملةُ لا محلَّ لها لأنها مستأنفةٌ، جوابٌ لسؤالٍ مقدرٍ. كأنَّ قائلاً قال: كيف مرْجُهما؟ فقيل: هذا عَذْبٌ وهذا مِلْحٌ. ويجوز على ضَعْفٍ أن تكونَ حاليةً. والفُراتُ المبالِغُ في الحلاوةِ. والتاءُ فيه أصليةٌ لامُ الكلمةُ. ووزنُه فُعال، وبعضُ العربِ يقفُ عليها هاءً. وهذا كما تقدَّم لنا في التابوت. ويُقال: سُمِّي الماءُ الحُلْوُ فُراتاً؛ لأنه يَفْرُتُ العطشَ أي: يَشُقُّه ويَقْطَعُه. والأُجاج: المبالِغُ في الملُوحة. وقيل: في الحرارةِ. وقيل: في المَرارة، وهذا من أحسنِ المقابلةِ، وحيث قال تعالى عَذْبٌ فُراتٌ ومِلْحٌ أُجاجٌ. وأنشدْتُ لبعضهم:
3487 -
فلا واللهِ لا أَنْفَكُّ أَبْكي
…
إلى أَنْ نَلْتَقِي شُعْثاً عُراتا
أألحى إنْ نَزَحْتُ أُجاجَ عَيْني
…
على جَدَثٍ حوى العَذْبَ الفُراتَا
ما أحسنَ ما كنى عن دَمْعِه بالأجاج، وعن المبكيِّ عليه بالعذب الفُراتِ، وكان سببَ إنشادِي هذين البيتين أنَّ بعضَهم لحَّن قائلَهما في قولِه «عُراتا» : كيف يَقِفُ على تاءِ التأنيث المنونة بالألفِ؟ فقلت: إنها لغةٌ مستفيضةٌ يَجْعلون التاءَ كغيرِها فيُبْدلون تنوينَها بعد الفتحِ ألفاً. حَكَوْا عنهم. أكلْتُ تَمْرَتا، نحو: أكلْتُ زَيْتا.
وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي «مَلِحٌ» بفتح الميم وكسرِ اللام، وكذا في سورة فاطر، وهو مقصورٌ مِنْ مالح، كقولهم: بَرِد في بارد قال:
3488 -
وصِلِّيانا بَرِدا
…
وماء مالح لغةٌ شاذةٌ. وقال أبو حاتم: «وهذه قراءةٌ مُنْكَرَةٌ» .
قوله: {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} : الظاهرُ عطفُه على «بَرْزَخاً» . وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: حِجراً مَحْجُوراً ما معناه؟ قلت: هي الكلمةُ التي يَقُولُها المتعوِّذُ، وقد فَسَّرناها، وهي هنا واقعةٌ على سبيلِ المجازِ. كأنَّ كلَّ واحدٍ من البحرَيْن يقول لصاحبِه: حِجْراً مَحْجُوراً، وهي من أحسنِ الاستعاراتِ» ، فعلى ما قالَه يكونُ منصوباً بقولٍ مضمرٍ.
قوله: {بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} يجوزُ أَنْ يكونَ الظرفُ متعلِّقاً بالجَعْل، وأَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ «بَرْزَخاً» ، والأولُ أظهرُ.
قوله: {مِنَ المآء} : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بخَلَقَ، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ حالاً مِنْ «ماء» و «مِنْ» للابتداء أو للتبعيض. والصِّهْرُ: قال الخليل: «لا يُقال لأهلِ بيتِ المرأةِ إلَاّ» أَصْهار «، ولا لأهلِ بيتِ الرَّجل إلَاّ» أَخْتان «. قال:» ومن العربِ مَنْ يُطلق الأصهارَ على الجميع «. وهذا هو الغالب.
قوله: {على رَبِّهِ} : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «ظَهيراً» وهو الظاهر، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه خبرُ «كان» و «ظهيراً» حالٌ. والظَّهير: المُعاوِن.
قوله: {إِلَاّ مَن شَآءَ} : فيه وجهان، أحدُهما: هو منقطعٌ أي: لكنْ مَنْ شاءَ أَنْ يتَّخِذَ إلى ربه سبيلاً فَلْيَفْعَلْ. والثاني: أنه متصلٌ على حَذْفِ مضافٍ يعني: إلَاّ أجرَ مَنْ، أي: الأجر الحاصل على دعائِه إلى الإِيمانِ وقَبولِه؛ لأنَّه تعالى يَأْجُرُني على ذلك. كذا حكاه الشيخ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لم يُسْنِدِ السؤالَ المنفيَّ في الظاهر إلى اللهِ تعالى، إنما أسندَه إلى المخاطبين. فكيف يَصِحُّ هذا التقديرُ؟
قوله: {الذي خَلَقَ السماوات} : يجوزُ فيه على قراءةِ العامَّةِ في «الرحمنُ» بالرفع أوجهٌ، أحدُها: أن يكونَ مبتدأ و «الرحمنُ» خبره، وأَنْ يكونَ خبرَ مبتدأ مقدرٍ أي: هو الذي خَلَقَ، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ، وأَنْ يكونَ صفةً للحيِّ الذي لا يموت أو بدلاً/ أو بياناً. وأمَّا على قراءةِ زيدِ بن علي «الرحمنِ» بالجرِّ فيتعيَّن أَنْ يكونَ «الذي خلق» صفةً للحيِّ فقط؛ لئلا يُفْصَلَ بين النعتِ ومنعوتِه بأجنبيّ.
قوله: {الرحمن} مَنْ قرأ بالرفعِ ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنه خبرُ «الذي خَلَق» وقد تقدَّم. أو يكونُ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو الرحمنُ، أو يكونُ بدلاً من الضمير في «استوى» أو يكونُ مبتدأ، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه {فَسْئَلْ بِهِ} على رأيِ الأخفش. كقوله:
3489 -
وقائلةٍ خَوْلانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو يكونُ صفةً للذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوعٌ. وأمَّا على قراءةِ زيدٍ فيتعيَّن أَْن يكونَ نعتاً.
قوله: «به» في الباء قولان: أحدهما: هي على بابِها، وهي متعلقةٌ بالسؤالِ. والمرادُ بالخبير اللهُ تعالى، ويكونُ مِنَ التجريدِ، كقولك: لقيت به أَسَداً. والمعنى: فاسألِ اللهَ الخبيرَ بالأشياء. قال الزمخشري: «أو فاسْأَلْ بسؤالِه خبيراً، كقولك: رأيتُ به أسداً أي: برؤيتِه» انتهى. ويجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ صلةً «خبيراً» و «خبيراً» مفعول «اسْأَلْ» على هذا، أو منصوبٌ على الحالِ المؤكِّدة. واستضعفه أبو البقاء. قال «ويَضْعُفُ أَنْ يكونَ خبيراً حالاً مِنْ فاعل» اسألْ «لأنَّ الخبيرَ لا يُسْأل إلَاّ على جهةِ التوكيد كقوله:{وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً} [البقرة: 91] ثم قال:» ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من «الرحمن» إذا رَفَعْتَه ب استوى.
والثاني: أن تكونَ الباءُ بمعنى «عن» : إمَّا مطلقاً، وإمَّا مع السؤالِ خاصةً كهذه الآيةِ الكريمةِ وكقولِ الشاعر:
3490 -
فإنْ تَسْأَلُوني بالنِّساءِ. . . . . . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. والضميرُ في «عنه» للهِ تعالى و «خبيراً» من صفاتِ المَلَكِ وهو جبريلُ عليه السلام. ويجوز على هذا أعني كونَ «خبيراً» من صفاتِ جبريل أَنْ تكونَ الباءُ على بابِها، وهي متعلقةٌ ب «خبيراً» كما تقدَّم أي: فاسْأَلِ الخُبَراء به.
قوله: {لِمَا تَأْمُرُنَا} : قرأ الأخَوان «يأْمُرُنا» بياءِ الغَيْبة يعني محمد صلى الله عليه وسلم. والباقون بالخطاب يعني: لِما تأمرنا أنت يا محمد. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي. والعائدُ محذوفٌ؛ لأنه متصلٌ؛ لأنَّ «أَمَرَ» يَتَعَدَّى إلى الثاني بإسقاطِ الحرفِ. ولا حاجةَ إلى التدريجِ الذي ذكره أبو البقاء: وهو أنَّ الأصلَ: لِما تَأْمُرنا بالسُّجودِ له، ثم بسجودِه، ثم تَأْمُرُناه، ثم تأْمُرُنا. كذا قَدَّره، ثم قال: هذا على مذهبِ أبي الحسن، وأَمَّا على مذهبِ سيبويهِ فَحَذْفُ ذلك مِنْ غيرِ تَدْريج «. قلت: وهذا ليس مذهبَ سيبويه. ويجوزُ أَنْ تكونَ موصوفةً، والكلامُ في عائِدها موصوفةً كهي موصولةً. ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونَ اللامُ للعلةِ أي: أَنَسجُدُ مِنْ أجلِ أَمْرِكَ، وعلى هذا يكونُ المسجودُ له محذوفاً. أي: أَنَسْجُدُ للرحمن لِما تَأْمُرُنا. وعلى
هذا لا تكونُ» ما «واقعةً على العالِم. وفي الوجهين الأوَّلَيْن يُحْتمل ذلك، وهو المتبادَرُ للفَهْمِ.
قوله: {سِرَاجاً} : قرأ الجمهورُ بالإِفراد، والمرادُ به الشمسُ، ويؤيِّده ذِكْرُ القمرِ بعدَه. والأخَوان «سُرُجاً» بضمتين جمعاً، نحو حُمُر في حِمار. وجُمِعَ باعتبارِ الكواكبِ النيِّرات. وإنما ذُكِرَ القمرُ تَشْريفاً له كقولِه:{وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] بعد انتظامِهما في الملائكةِ. وقرأ الأعمش والنخعي وابن وثاب كذلك، إلَاّ أنه بسكونِ الراءِ تخفيفاً. والحسن والأعمش والنخعي وعاصم في روايةِ عصمة و «قُمْراً» بضمةٍ وسكونٍ، وهو جمع قَمْراء كحُمْر في حَمْراء. والمعنى: وذا ليالٍ قُمْرٍ منيرا، فحذف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، ثم التفتَ إلى المضاف بعد حَذْفِه فوصفَه ب «منيرا» . ولو لم يَعْتَبِرْه لقال: منيرةً، ونظيرُ مراعاتِه بعد حذفِه قولُ حسان:
3491 -
يَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريْصَ عليهمِ
…
بردى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ
الأصل: ماء بَرَدَى، فحَذَفَه ثمَّ راعاه في قولهِ:«يُصَفِّقُ» بالياءِ مِنْ تحتُ، ولو لم يكنْ ذلك لقالَ «تُصَفِّقُ» بالتاء مِنْ فوقُ. على أنَّ بيتَ حَسَّان يَحْتمل أن يكون كقولِه:
3492 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالها
مع أنَّ ابنَ كيسان يُجيزه سَعَةً.
قوله: {خِلْفَةً} : فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ ثانٍ. والثاني: أنه حالٌ بحَسَبِ القَوْلَيْن في «جَعَل» . وخِلْفَة يجوزُ أن يكونَ مصدراً مِنْ خَلَفَه يَخْلُفه، إذا جاء مكانَه، وأَنْ يكونَ اسمَ هيئةٍ كالرِّكْبَةِ، وأَنْ يكونَ من الاختلافِ كقولِه:
3493 -
ولها بالماطِرُوْنَ إذا
…
أكلِ النملُ الذي جَمَعا
خِلْفةً حتى إذا ارتَبَعَتْ
…
سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيعاً
في بيوتٍ وَسْطَ دَسْكَرةٍ
…
حَوْلَها الزيتونُ قد يَنَعا
ومثلُه قول زهير:
3494 -
بها العِيْنُ والآرام يَمْشِيْنَ خِلْفَةً
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأَفْرَدَ «خِلْفَةً» قال أبو البقاء: «لأنَّ المعنى: يَخْلُفُ/ أحدُهما الآخرَ، فلا يتحقَّق هذا إلَاّ منهما» انتهى.
والشُّكور: بالضم مصدرٌ بمعنى الشُكر، وبالفتحِ صفةُ مبالغةٍ.
قوله: {وَعِبَادُ الرحمن} : رفعٌ بالابتداءِ. وفي خبره وجهان، أحدهما: الجملةُ الأخيرةُ في آخرِ السورة: {أولئك يُجْزَوْنَ} [الآية: 75] وبه بَدَأ الزمخشريُّ. «والذين يَمْشُون» وما بعده صفاتٌ للمبتدأ. والثاني: أنَّ الخبرَ «يَمْشُوْن» . العامَّةُ على «عباد» . واليماني «عُبَّاد» بضمِّ العين، وشدِّ الباءِ جمع عابد. والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامَّةُ «يَمْشُوْن» بالتخفيفِ مبنياً للفاعل. واليماني والسُلميُّ بالتشديد مبنياً للمفعول.
قوله: {هَوْناً} : إمَّا نعتُ مصدرٍ أي: مَشْياً هَوْناً، وإمَّا حالٌ أي: هَيِّنِيْن. والهَوْن: اللِّيْنُ والرِّفْقُ.
قوله: {سَلَاماً} : يجوز أن ينتصبَ على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي: نُسَلِّم سَلاماً، أو نُسَلِّمُ تَسْليماً منكم لا نُجاهِلكم، فأُقيم السِّلام مُقامَ التسليمِ.
ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على المفعول به أي: قالُوا هذا اللفظَ. قال الزمخشري: أي قالوا سَداداً مِنَ القولِ يَسْلَمُوْن فيه من الأذى. والمرادُ سَلامُهم من السَّفَهِ كقوله:
3495 -
ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينا
…
فنجهلَ فوقَ جَهْلِ الجاهِلينا
ورَجَّح سيبويه أنَّ المرادَ بالسَّلام السَّلامةُ لا التسليمُ؛ لأنَّ المؤمنين لم يُؤْمَروا قَطُّ بالتسليم على الكفرة، وإنما أُمِروا بالمُسالَمَةِ، ثم نُسِخَ ذلك، ولم يَذْكُرْ سيبويهِ في كتابِه نَسْخاً إلَاّ في هذه الآيةِ.
قوله: {سُجَّداً} : خبرُ «يَبِيْتُون» ويَضْعُفُ أَنْ تكونَ تامةَ. أي: دَخَلوا في البَيات. و «سُجَّداً» حال. و «لربِّهم» متعلقٌ بسُجَّداً وقَدَّمَ السجودَ على القيام، وإن كان بعدَه في الفعلِ لاتفاق الفواصل. وسُجَّداً جمعُ ساجِد كضُرِّب في ضارِب. وقرأ أبو البرهسم «سُجوداً» بزنة قُعُود. و «يَبِيْتُ» هي اللغةُ الفاشيةُ، وأَزْدُ السَّراة وبُجَيْلَة يقولون: يَباتُ وهي لغةُ العوامِّ اليوم.
قوله: {غَرَاماً} : أي: لازمِاً دائماً. وعن الحسن: كلُّ غَريمٍ يفارِقُ غَريمه إلَاّ غريمَ جهنَّمَ. وأنشدُوا قولَ بشر بن أبي خازم:
3496 -
ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفا
…
رِ كانا عَذاباً وكانا غَراما
وقال الأعشى:
3497 -
إن يُعاقِبْ يكُنْ غَراماً وإنْ يُع
…
طِ جَزِيلاً فإنَّه لا يُبالي
ف «غراماً» بمعنى لازم.
قوله: {سَآءَتْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى أَخْزَنَتْ فتكونَ متصرفةً، ناصبةً المفعولَ به، وهو هنا محذوفٌ أي: إنها أي: جهنَم أَحْزَنَتْ أصحابَها وداخليها. ومُسْتقراً: يجوزُ أن يكونَ تمييزاً، وأَنْ يكونَ حالاً. ويجوز أَنْ تكونَ «ساءَتْ» بمعنى بِئْسَتْ فتعطى حكمَها. ويكونُ المخصوصُ محذوفاً. وفي ساءَتْ ضميرٌ مبهمٌ. و «مُسْتَقَراً» يتعيَّنُ أنْ يكونَ تمييزاً أي: ساءَتْ هي. ف «هي» مخصوصٌ. وهو الرابطُ بين هذه الجملةِ وبين ما وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها» ، وكذا قَدَّره الشيخ. وقال أبو البقاء:«ومُسْتَقَرَّاً تمييزٌ. وساءَتْ بمعنى بِئْسَ» . فإن قيلَ: يَلْزَمُ من هذا إشكالٌ، وذلك أنه يَلْزَمُ تأنيثُ فعلِ الفاعلِ المذكَّرِ مِنْ غيرِ مُسَوِّغٍ لذلك، فإنَّ الفاعلَ في «ساءَتْ»
على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعدَه، وهو «مُسْتقراً ومُقاماً» ، وهما مذكَّران فمِنْ أين جاء التأنيثُ؟ والجوابُ: أن المستقرَّ عبارةٌ عن جهنَّمَ فلِذلك جاز تأنيثُ فِعْلِه. ومثلُه قولُه:
3498 -
أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَبْجاءُ مُجْفَرَةٌ
…
دعائمُ الزَّوْرِ نعْمَتْ زَوْرَقُ البلدِ
ومُسْتقراً ومُقاماً: قيل: مُترادفان، وعُطِفَ أحدُهما على الآخر لاختلافِ لَفْظَيْهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ: للعُصاةِ فإنهم يَخْرُجون. والمُقام: للكفَّارِ فإنَّهم يَخْلُدون.
وقرأت فرقةُ «مَقاماً» بفتح الميم أي: مكانَ قيامِ. وقراءةُ العامَّةِ هي المطابِقَةُ للمعنى أي: مكانَ إقامةٍ وثُوِيّ وقوله: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً} يُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ كلامِهم، فتكونَ منصوبةً المحلِّ بالقول، وأَنْ تكونَ مِنْ كلامِ اللهَ تعالى.
قوله: {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} : قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء وابن كثير وأبو عمرٍو بالفتحِ والكسرِ. ونافع وابن عامر بالضم والكسر مِنْ
أَقْتَرَ. وعليه {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ} [البقرة: 236] . وأنكر أبو حاتم/ «أقتر» وقال: «لا يُناسِب هنا فإنَّ أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه {وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ} . ورُدَّ عليه: بأن الأصمعيَّ وغيرَه حَكَوْا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّق.
وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسرِ التاء المشددةِ في قَتَّر بمعنى ضَيَّق.
قوله: {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} في اسم كان وجهان، أشهرهما: أنه ضميرٌ يعودُ على الإِنفاقِ المفهومِ مِنْ قوله:» أَنْفَقُوا «أي: وكان إنفاقُهم مُسْتوياً قَصْداً لا إسرافاً ولا تَقْتيراً. وفي خبرِها وجهان. أحدُهما: هو قَواماً و» بينَ ذلك «: إمَّا معمولٌ له، وإمَّا ل» كان «عند مَنْ يرى إعمالَها في الظرف، وإمَّا لمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ» قَواما «. ويجوزُ أَنْ يكونَ» بين ذلك قواماً «خبرَيْن ل» كان «عند مَنْ يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن دُرُسْتَوَيْه. الثاني: أن الخبرَ» بين ذلك «و» قَواماً «حالٌ مؤكدةٌ.
والثاني: من الوجهين الأَوَّلين: أَنْ يكونَ اسمُها» بين ذلك «وبُني لإضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍ، و» قواماً «خبرُها. قاله الفراء. قال الزمخشري:» وهو من جهةِ الإِعرابِ لا بأسَ به، ولكنه من جهةِ المعنى ليس بقويٍ، لأنَّ ما بينَ الإِسْرافِ والتَّقْتيرِ قَوامٌ لا مَحالةَ، فليس في الخبر الذي هو معتمدُ الفائدةِ فائدةٌ «. قلت: هو يُشْبِهُ قولَك» كان سيدُ الجارية مالكَها «.
وقرأ حسان بن عبد الرحمن» قِواما «بالكسرِ فقيل: هما بمعنىً. وقيل:
بالكسرِ اسمُ ما يُقام به الشيءُ. وقيل: بمعنى سَداداً ومِلاكاً.
قوله: {إِلَاّ بالحق} : يَجُوزُ أَنْ تتعلَّقَ الباءُ بنفسِ «يَقْتُلون» أي: لا يَقْتُلونها بسببٍ من الأسبابِ إلَاّ بسببِ الحق، وأَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ للمصدرِ أي: قَتْلاً ملتبساً بالحقِّ، أو على أنها حالٌ أي: إلَاّ مُلْتَبِسين بالحقِّ.
قوله: «ذلك» إشارةٌ إلى جميعِ ما تقدَّم لأنه بمعنى: ما ذُكِر، فلذلك وُحِّدَ. والعامَّةُ على «يَلْقَ» مجزوماً على جزاءِ الشرط بحذفِ الألِف. وعبد الله وأبو رجاء «يلقى» بإثباتها كقوله:{فَلَا تنسى} [الأعلى: 6] على أحدِ القولين، وكقراءةِ:{لَاّ تَخَفْ دَرَكاً وَلَا تخشى} [طه: 77] في أحدِ القولين أيضاً، وذلك بأَنْ نُقَدِّرَ علامةَ الجزمِ حَذْفَ الضمة المقدِرة.
وقرأ بعضُهم «يُلَقَّ» بضمِّ الياءِ وفتحِ اللامِ وتشديدِ القاف مِنْ لَقَّاه كذا. والأَثام مفعولٌ على قراءةِ الجمهورِ، ومفعولٌ ثانٍ على قراءةِ هؤلاء. والأَثام: العقوبةُ. قال الشاعر:
3499 -
جزى اللهُ ابنَ عُرْوَةَ حيث أمسى
…
عَقوقاً والعُقوقُ له أَثامُ
أي: عقوبةٌ. وقيل: هو الإِثمُ نفسُه. والمعنى: يَلْقَ جزاءَ إثمِ، فأطلقَ
اسمَ الشيءِ على جزائِه. وقال الحسن: «الأَثامُ اسمٌ مِنْ أسماءِ جهنَّم. وقيل: بئرٌ فيها. وقيل: وادٍ. وعبد الله» أيَّاماً «جمعُ» يوم «يعنى شدائدَ، والعرب تُعَبِّر عن ذلك بالأيام.
قوله: {يُضَاعَفْ} : قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضاعَفُ» و «يَخْلُدُ» على أحدِ وجهين: إمَّا الحالِ، وإمَّا على الاستئنافِ. والباقون بالجزمِ فيها، بدلاً من الجزاء بدلَ اشتمال. ومثلُه قولُه:
3500 -
متى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا
…
تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا
فأبدلَ من الشرطِ كما أبدل هنا مِنَ الجزاءِ. وابنُ كثير وابنُ عامرٍ على ما تقدَّم لهما في البقرةِ من القَصْر والتضعيفِ في العين، ولم يذكرِ الشيخُ ابنَ عامرٍ مع ابنِ كثير، وذكرَه مع الجماعة في قراءتهم.
وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّفْ» بالنون مضمومة وتشديدِ العين، «العذابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يُضاعِف» مبنياً للفاعل أي اللَّهُ، «العذابَ» نصباً. وطلحة بن سليمان و «تَخْلُدْ» بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ. وأبو حيوةَ «وُيخَلِّد» مشدداً مبنياً للمفعولِ. ورُوِي عن أبي عمروٍ كذلك، إلَاّ أنه بالتخفيف.
قوله: {مُهَاناً} حالٌ. وهو اسمُ مفعولٍ. مِنْ أَهانه يُهِيْنُه أي: أذلَّه وأَذاقه الهوان.
قوله: {إِلَاّ مَن تَابَ} : فيه وجهان، أحدُهما: وهو الذي لم يَعْرف الناسُ غيرَه أنَّه استثناءٌ متصلٌ لأنَّه من الجنسِ. الثاني: أنه منقطع. قال الشيخ: «ولا يَظْهَرْ يعني الاتصال لأنَّ المستثنى منه مَحْكومٌ عليه بأنَّه يُضاعَفُ له العذابُ، فيصيرُ التقديرُ: إلَاّ مَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحاً فلا يُضاعَفُ له. ولا يَلزَمُ من انتفاءِ التضعيفِ انتفاءُ العذابِ غيرِ المضعَّفِ، فالأولى عندي أَنْ يكونَ استثناءً منقطعاً أي: لكن مَنْ/ تابَ وآمنَ وعَمِل عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّل اللهُ سيئاتِهم حسناتٍ. وإذا كان كذلك فلا يَلْقَى عذاباً البتةَ» . قلت: والظاهرُ قولُ الجمهورِ. وأمَّا ما قاله فلا يَلْزَمُ؛ إذ المقصودُ الإِخبارُ بأنَّ مَنْ فعل كذا فإنه يَحُلُّ به ما ذَكَرَ، إلَاّ أَنْ يتوبَ. وأمَّا إصابةُ أصلِ العذابِ وعدمُها فلا تَعرُّضَ في الآية له.
قوله: {سَيِّئَاتِهِمْ} هو المفعولُ الثاني للتبديلِ، وهو المقيَّدُ بحرفِ الجر، وإنما حُذِفَ لفهم المعنى وحَسَنات هو الأولُ المُسَرَّح وهو المأخوذُ، والمجرورُ بالباءِ هو المتروكُ. وقد صَرَّح بهذا في قولِه تعالى:{بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} [سبأ: 16] . وقال الراجز:
3501 -
تَضْحَكُ منِّي أختُ ذاتِ النِّحْيَيْنْ
…
أَبْدلكِ اللهُ بلونٍ لَوْنَيْنْ
سوادَ وجهٍ وبياضَ عَيْنَيْنُ
…
وقد تقدم تحقيقُ هذا في البقرةِ عند قولِه: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله} [البقرة: 211] .
قوله: {الزُّورَ} : فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به أي: لا يَحْضُرون الزُّوْرَ. وفُسِّر بالصنمِ واللهوِ. الثاني: أنه مصدرٌ، والمرادُ شهادةُ الزُّوْرِ.
قوله: {بِاللَّغْوِ} أي بأهِله.
قوله: {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً} : النفيُ مُتَسَلِّطٌ على القيدِ، وهو الصَّمَمُ والعمى أي: إنهم يَخِرُّون عليها، لكنْ لا على هاتين الصفتين. وفيه تعريضٌ بالمنافقين.
قوله: {مِنْ أَزْوَاجِنَا} : يجوزُ أَنْ تكونَ «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، وأنْ تكونَ للبيانِ. قاله الزمخشري، وجعله من التجريدِ، أي: هَبْ لنا قُرّةَ أَعْيُنٍ من أزواجِنا كقولِك: «رأيت منك أسداً» وقرأ أبو عمرٍو والأخَوان وأبو بكر «ذُرِّيَّتِنا» بالتوحيدِ، والباقون بالجمعِ سلامةً. وقرأ أبو هريرة وأبو الدرداء وابن مسعود «قُرَّاتِ» بالجمعِ. وقال الزمخشري:«أتى هنا ب» أَعْيُن «صيغةِ القلةِ، دون» عيون «صيغةٍ الكثرة، إيذاناً بأنَّ عيونَ المتقين
قليلةٌ بالنسبةِ إلى عُيون غيرهم» . ورَدَّه الشيخُ بأنَّ أَعْيُناً يُطْلَقُ على العشرة فما دونَها، وعيونَ المتقين كثيرةٌ فوق العَشرة «، وهذا تَحَمُّل عليه؛ لأنه إنما أراد القلةَ بالنسبة إلى كثرةِ غيرِهم، ولم يُرِدْ قَدْراً مخصوصاً.
قوله: {إِمَاماً} فيه وجهان، أَحدُهما: أنَّه مفردٌ، وجاء به مفرداً إرادةً للجنس، وحَسَّنَه كونُه رأسَ فاصلةٍ. أو المراد: اجعَلْ كلَّ واحدٍ منا إماماً، وإمَّا لاتِّحادِهم واتفاقِ كلمتِهم، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ في الأصلِ كصِيام وقِيام. والثاني: أنه جمعُ آمّ كحالٍّ وحِلال، أو جمعُ إِمامة كقِلادة وقِلاد.
قوله: {الغرفة} : مفعولٌ ثانٍ ل «يُجْزَوْن» . والغُرْفَةُ ما ارتفعَ من البناءِ، والجمعُ غُرَفٌ.
قوله: {بِمَا صَبَرُواْ} أي: «بصَبْرِهم» أي: بسببِه أو بسببِ الذي صبروه. والأصلُ: صبروا عليه، ثم حُذِفَ بالتدريج. والباءُ للسببية كما تقدَّم. وقيل: للبدلِ كقوله:
3502 -
فليت لي بهُم قَوْماً. . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيت. ولا حاجةَ إلى ذلك.
قوله: {وَيُلَقَّوْنَ} قرأ الأَخَوان وأبو بكر بفتح الياء، وسكونِ اللام، مِنْ لَقِيَ يلقى. الباقون بضمِّها وفتحِها وتشديدِ القافِ على بنائِه للمفعول.
قوله: {لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ} : جوابُها محذوفٌ لدلالةِ ما تقدَّم. أي: لولا دعاؤُكم ما عَنَى بكم ولا اكترَثَ. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً. وهو الظاهرُ. وقيل: استفهاميةٌ بمعنى النفي، ولا حاجةَ إلى التجوُّزِ في شيءٍ يَصِحُّ أَنْ يكونَ حقيقةً بنفسه. و «دعاؤُكم» : يجوز أن يكونَ مضافَاً للفاعلِ أي: لولا تَضَرُّعُكم إليه. ويجوزُ أَنْ يكونَ مضافاً للمفعول أي: لولا دعاؤُه إيَّاكم إلى الهدى. ويقال: ما عَبَأْتُ بك أي: ما اهتَمَمْتُ ولا اكتَرَثْتُ. ويقال: عَبَأْتُ الجيشَ وعَبَّأته أي: هَيَّأْتُه وأَعْدَدْتُه، والعِبْء: الثِّقَلُ.
قوله: {لِزَاماً} خبرُ «يكون» واسمُها مضمرٌ أي: يكون العذابُ ذا لِزام. واللِّزام: بالكسرِ مصدرٌ كقوله:
3503 -
فإمَّا يَنْجُوَا مِنْ حَتْفِ أرضٍ
…
فقد لَقِيا حُتوفَهما لِزاما
وقرأ المنهال وأبان بن تغلب وأبو السمَّال «لَزاماً» بفتح اللامِ. وهو مصدرٌ أيضاً نحو: البَيات. وقرأ أبو السمَّالَ أيضاً «لَزامِ» بكسر الميم كأنه جَعَله مصدراً معدولاً نحو: «بَدادِ» فبَناه على لغةِ الحجاز فهو معدولٌ عن اللزَمةِ كفَجارِ عن الفَجْرة قال:
3504 -
إنَّا اقْتَسَمْنا خُطَّتَيْنا بينَنا
…
فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ
قوله: {طسم} : أظهر حمزةُ نونَ «سين» قبل الميمِ كأنه ناوِي الوقفِ/ وإلَاّ فإدغامُ مثلِه واجبٌ. والباقون يُدغمون. وقد تقدَّم إعرابُ الحروفِ المقطعة. وفي مصحفِ عبد الله ط. س. م. مقطوعةً من بعضها. قيل: وهي قراءةُ أبي جعفر، يَعْنُون أنه يقف على كلِّ حرفٍ وَقْفَةً يميز بها كلَّ حرفٍ، وإلَاّ لم يُتَصَوَّرْ أَنْ يُلْفَظُ بها على صورتِها في هذا الرسمِ. وقرأ عيسى وتروى عن نافع بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخَوان وأبو بكر. وقد تقدَّم ذلك.
قوله: {إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ} : العامَّةُ على نونِ العظمةِ فيهما. ورُوِي عن أبي عمرٍو بالياء فيهما أي: إنْ يَشَأْ اللهُ يُنَزَّلْ. و «إنْ» أصلُها أَنْ تدخلَ على المشكوكِ أو المحقَّقِ المبهمِ زمانُه، والآيةُ من هذا الثاني.
قوله: {فَظَلَّتْ} عطفٌ على «نُنَزِّلْ» فهو في محلِّ جزمٍ. ويجوز أن يكونَ
مستأنفاً غيرَ معطوفٍ على الجزاءِ. ويؤيِّد الأولَ قراءةُ طلحة «فَتَظْلِلْ» بالمضارعِ مفكوكاً.
قوله: {خَاضِعِينَ} فيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ عن «أعناقُهم» . واستُشْكِلَ جمعُه جمعَ سلامةٍ لأنه مختصٌّ بالعقلاءِ. وأُجيب عنه بأوجهٍ، أحدُها: أنَّ المرادَ بالأعناق الرؤساءُ، كما قِيل: لهم وجوهٌ وصدورٌ قال:
3505 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
في مَجْمَعٍ مِنْ نواصِي الخيلِ مَشْهودِ
الثاني: أنه على حذفِ مضافٍ أي: فظلَّ أصحابُ الأعناقِ، ثم حُذِفَ وبقي الخبرُ على ما كان عليه قبل حَذْفِ المُخْبَرِ عنه مراعاةً للمحذوفِ. وقد تقدَّم ذلك قريباً عند قراءةِ {وَقُمْراً مُّنِيراً} [الفرقان: 61] . الثالث: أنه لَمَّا أُضيفَتْ إلى العقلاءِ اكتسَبَ منهم هذا الحكمَ، كما يُكتسب التأنيثُ بالإِضافةِ لمؤنث في قولِه:
3506 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ
الرابع: أنَّ الأعناقَ جمعُ عُنُق من الناس، وهم الجماعةُ، فليس المرادُ الجارحةَ البتة. ومن قولُه:
3507 -
أنَّ العراقَ وأهلَه
…
عُنُقٌ إليك فَهَيْتَ هَيْتا
قلت: وهذا قريبٌ مِنْ معنى الأولِ. إلَاّ أنَّ هذا القائلَ يُطْلِقُ الأعناقَ على جماعةِ الناسِ مطلقاً، رؤساءَ كانوا أو غيرَهم. الخامس: قال الزمخشري: «أصلُ الكلامِ: فظلًُّوا لها خاضعين، فَأُقْحِمَتِ الأعناقُ لبيانِ موضع الخضوع، وتُرِكَ الكلامُ على أصله، كقولهم: ذهبَتْ أهلُ اليمامة، فكأن الأهلَ غيرُ مذكور» . قلت: وفي التنظير بقولِه: ذهبَتْ أهلُ اليمامةِ «نظرٌ؛ لأنَّ» أهل «ليس مقحماً البتة؛ لأنه المقصودُ بالحكم وأمَّا التأنيثُ فلاكتسابِه التأنيثَ. السادس: أنها عُوْمِلَتْ معاملةَ العقلاءِ لَمَّا أُسْند إليهم ما يكونُ فِعْلَ العقلاءِ كقوله {ساجِدِين} و {طائِعِين} في يوسف والسجدة.
والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ في» أعناقُهم «قاله
الكسائي، وضَعَّفه أبو البقاء قال:» لأنِّ «خاضعين» يكون جارياً على غيرِ فاعلِ «ظَلَّتْ» فيَفْتَقِرُ إلى إبرازِ ضميرِ الفاعل، فكان يجبُ أَنْ يكونَ «خاضعين هم» . قلت: ولم يَجْرِ «خاضعين» في اللفظِ والمعنى إلَاّ على مَنْ هو له، وهو الضمير في «أعناقُهم» ، والمسألة التي قالها: هي أَْن يجريَ الوصفُ على غير مَنْ هو له في اللفظِ دونَ المعنى، فكيف يلزمُ ما ألْزَمه به؟ على أنه لو كان كذلك لم يَلْزَمْ ما قاله؛ لأنَّ الكسائيَّ والكوفيين لا يُوْجِبون إبرازَ الضميرِ في هذه المسألةِ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، فهو يَلْتَزِمُ ما ألزمه به، ولو ضَعَّفه بمجيءِ الحالِ من المضاف إليه لكان أقربَ. على أنه لا يَضْعُفُ لأنَّ المضافَ جزءٌ من المضافِ إليه كقولِه:{مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} [الحجر: 47] .
قوله: {إِلَاّ كَانُواْ} : جملةٌ حاليةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا وما قبلَه في أول الأنبياء.
قوله: {كَمْ أَنبَتْنَا} : «كم: للتكثيرِ فهي خبريةٌ، وهي منصوبةٌ بما بعدَها على المفعولِ به أي: كثيراً من الأزواج أنْبتنا. و {مِن كُلِّ زَوْجٍ} تمييزٌ. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ حالاً ولا معنى له.
قال الزمخشري:» فإنْ قلتَ: ما معنى الجمعِ بين كم وكل؟ ولو قيل: أنبتنا فيها مِنْ كل زوج؟ قلت: قد دَلَّ «كل» على الإِحاطةِ بأزواجِ النباتِ
على سبيلِ التفصيلِ، و «كم» على أن هذا المحيطَ متكاثرٌ مُفْرِطٌ «.
قوله: {وَإِذْ نادى} : العامُ فيه مضمرٌ. فقدَّره الزجَّاج: اتلُ، وغيرُه: اذكر.
قوله: {أَنِ ائت} يجوزُ أن تكونَ مفسِّرةً، وأن تكونَ مصدريةً أي بأن.
قوله: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} : بدلٌ أو عطفُ بيانٍ للقومِ الظالمين. وقال أبو البقاء: «إنه مفعولٌ» تَتَّقون «على قراءةِ مَنْ قرأ» تتقون «بالخطاب وفتح النون كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءةِ أن يكونَ منادى» .
قوله: {أَلا يَتَّقُونَ} العامَّةُ على الياء في «يتَّقون» وفتحِ النون، والمرادُ قومُ فرعونَ. والمفعولُ محذوفٌ أي: يتقون عقابَ. قرأ عبد الله بن مسلم ابن يسار وحماد وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخاً، والتقدير: يا قومَ فرعونَ/ وقرأ بعضُهم «يتقونِ» بالياءِ مِنْ تحتُ وكسرِ النونِ. وفيها تخريجان، أحدهما: أنَّ يتَّقونِ «مضارعٌ، ومفعولُه ياءُ المتكلم، اجتُزِىءَ عنها بالكسرةِ. الثاني: جَوَّزَه الزمخشري أن تكونَ» يا «للنداء. و» اتقون «فعلُ أمرٍ كقوله:» ألا يا اسْجدوا «أي يا قومِ اتقونِ. أو ياناسُ اتقونِ. وسيأتي تحقيقُ مثلِ هذا في النمل. وهذا تخريجٌ بعيد.
وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ. وجَّوزَ الزمخشري أن تكونَ حالاً من الضمير في الظالمين أي: يَظْلِمون غيرَ متقين اللهَ وعقابَه. فأُدْخلت همزةُ الإِنكارِ على الحالِ. وخطَّأه الشيخ من وجهين، أحدهما: أنه يلزَمُ منه الفصلُ بين الحالِ وعامِلها بأجنبيّ منهم، فإنه أعربَ» قومَ فرعون «عطفَ بيانٍ للقوم الظالمين. والثاني: أنه على تقديرِ تسليمِ ذلك لا يجوزُ أيَضاً؛ لأنَّ ما بعد الهمزةِ لا يعمل فيه ما قبلها. قال:» وقولك: جئت أمسرعاً «إن جعلت» مسرعاً «معمولاً ل جئت لم يَجُزْ فإنْ أضمرْتَ عاملاً جاز.
والظاهرُ أن» ألا «للعرض. وقال الزمخشري:» إنها لا النافيةُ دخلت عليها همزةُ الإِنكار «. وقيل: هي للتنبيهِ.
قوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ} : الجمهورُ على الرفع. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفٌ، أخبر بذلك. والثاني: أنه معطوفٌ على خبر «إنَّ» . وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصبِ الأولِ ورفعِ الثاني: فالنصبُ عطفٌ على صلة «أنْ» فتكونُ الأفعالُ الثلاثة: يُكَذِّبُونِ، ويَضيقُ،
قوله: {فَأَرْسِلْ} أي: فأَرْسِلْ جبريلَ أو المَلَكَ، فحذف المفعولَ به.
قوله: {فاذهبا} : عطفٌ على ما دَلَّ عليه حرفُ الرَّدْعِ من الفعل. كأنه قيل: ارتدِعْ تظنُّ فاذهَبْ أنت وأخوكَ.
قوله: {إِنَّا رَسُولُ} : إنما أَفْرد رسولاً: إمَّا لأنه مصدرٌ بمعنى رسالة، والمصدرُ يُوَحَّد. ومن مجيءِ «رسول» بمعنى رسالة قوله:
3508 -
لقد كَذَبَ الواشُون ما فُهْتُ عندهمْ
…
بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسولِ
أي: برسالة، وإمَّا لأنهما ذوا شريعةٍ واحدة فنُزِّلا منزلةَ رسول، وإمَّا لأنَّ المعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منا رسولٌ، وإمَّا لأنه مِنْ وَضْعِ الواحدِ موضعَ التثينةِ لتلازُمِهما، فصارا كالشيئين المتلازِمَيْن كالعينين واليدين، وحيث لم يقصِدْ هذه المعانيَ طابَقَ في قولِه:{إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: 47] .
قوله: {أَنْ أَرْسِلْ} : يجوزُ أَنْ تكونَ مفسِّرةً ل «رسول» إذ قيل: بأنَّه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا، وبَيَّناها به. ويجوز أَنْ تكونَ المصدريةَ أي: رسولٌ بكذا.
قوله: {وَلِيداً} : حال من مفعول «نُرَبِّكَ» وهو فَعيل بمعنى مَفْعول. والوليد: الغلامُ تسميةً له بما كان عليه.
قوله: {مِنْ عُمُرِكَ} حال من «سنين» . وقرأ أبو عمرٍو في روايةٍ بسكونِ الميم تخفيفاً ل فُعُل.
وقرأ «فِعْلتَك» بالكسرِ على الهيئة: الشعبيُّ لأنها نوع من القَتْلِ وهي الوَكْزَةُ. و {أَنتَ مِنَ الكافرين} يجوز أن تكونَ حالاً، وأَن تكونَ مستأنفةً.
قوله: {إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين} : إذن هنا حرفُ جوابٍ فقط. وقال الزمخشري: «إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً» قال: «فإنْ قلتَ:
إذَنْ حرفُ جوابٍ وجزاءٍ معاً، والكلامُ وقع جواباً لفرعون فكيف وقع جزاءً؟ قلت: قولُ فرعون» وفَعَلْتَ فعْلتَك «فيه معنى: أنك جازَيْتَ نعمتي بما فعلْتَ. فقال له موسى: نعم: فعلتُها مُجازياً لك تسليماً لقولِه، كأنَّ نعمتَه كانت عنده جديرةً بأَنْ تجازى/ بنحوِ ذلك الجزاءِ» .
قوله: {لَمَّا خِفْتُكُمْ} : العامَّة على تشديدِ الميم وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوبٍ عند سيبويهِ أو بمعنى حين عند الفارسي. وروي عن حمزةَ بكسرِ اللام وتخفيف الميم أي: لتخَوُّفي منكم. و «ما» مصدريةٌ. وهذه القراءةُ تُشْبِهُ قراءتَه في آل عمران: «لِما آتَيْتُكم» وقد تقدَّمَتْ مستوفاةً. وقرأ عيسى «حُكُماً» بضمِّ الكاف إتباعاً.
قوله: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ} : فيه وجهان أحدُهما: أنه خبرٌ على سبيلِ التهكُّمِ أي: إن كانَ ثَمَّ نعمةُ فليسَتْ إلَاّ أنَّك جَعَلْتَ قومي عبيداً لك. وقيل: حرفُ الاستفهام محذوفٌ لفهمِ المعنى أي: أو تلك وهذا مذهب الأخفش، وجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر:
3509 -
أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ. . . . . . . . . .
…
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد تقدَّم هذا مشبعاً في سورة النساء عند قوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} [الآية: 79] وفي غيرِه.
قوله: {أَنْ عَبَّدتَّ} فيه أوجهٌ، أحدُها: أنها في محلِّ رفعٍ عطفَ بيان ل «تلك» ، كقوله:{وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ} [الحجر: 66] . الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ مفعولاً مِنْ أجلِه. والثالثَ: أنها بدلٌ من «نعمةٌ» . الرابع: أنها بدلٌ من «ها» في «تَمُنُّها» . الخامس: أنها مجرورةٌ بباءٍ مقدرةٍ أي: بأَن عَبَّدْت. السادس: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هي. السابعُ: أنها منصوبةٌ بإضمار أعني. والجملة مِنْ «تَمُنُّها» صفةٌ لنعمة. و «تُمُنُّ» يتعدَّى بالباء فقيل: هي محذوفةٌ أي: تمُنُّ بها، وقيل: ضَمَّنَ «تَمُنُّ» معنى تَذْكُرُ.
قوله: {وَمَا رَبُّ العالمين} : إنما أتى ب «ما» دون «مَنْ» ؛ لأنها يُسْأل بها عن طلبِ الماهيةِ كقولك: ما العنقاء؟ ولَمَّا كان جوابُ هذا السؤالِ لا يمكنُ عَدْلُ موسى عليه الصلاة والسلام إلى جوابٍ ممكنٍ، فأجاب بصفاتِه تعالى، وخَصَّ تلك الصفاتِ لأنه لا يشارِكُه تعالى فيها أحدٌ. وفيه إبطالٌ لدعواه أنه إلَهٌ. وقيل: جَهِلَ السؤالَ، فأتى ب «ما» دون «مَنْ» وليس بشيءٍ. وقيل: إنما سأَلَ عن الصفاتِ. ذكره أبو البقاء. وليس بشيءٍ؛ لأنَّ أهلَ البيانِ نَصُّوا على أنها يُطْلَبُ بها الماهياتِ وقد جاء ب «مَنْ» في قوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى} [طه: 49] .
قوله: {وَمَا بَيْنَهُمَآ} : عادَ ضميرُ التثنيةِ على جمعَيْن: اعتباراً بالجنسَيْن كما فَعَلَ ذلك في الظاهر في قول الشاعرِ:
3510 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
…
بين رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ
قوله: {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين} : إنما عَدَل عن لأَسْجُنَنَّك وهو أَخَصُّ منه؛ لأنَّ فيه مبالغةً ليسَتْ في ذاك، أو معناه: لأَجْعَلَنَّك مِمَّنْ عَرَفْتَ حالَه في سُجوني.
قوله: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ} : هذه واوُ الحالِ. وقال الحوفي: «للعطف» . وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قولِه: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} [الآية: 170] في البقرة. وغالبُ الجملِ هنا تقدَّم إعرابُها.
قوله: {حَوْلَهُ} : حالٌ من «الملأ» . ومفعولُ القولِ قولُه: {إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} ، وقيل: صلةٌ للملأ فإنه بمعنى الذي. وقيل: الموصولُ محذوفُ، وهما قولان للكوفين.
قوله: {بِعِزَّةِ فِرْعَونَ} : يجوزُ أن يكون قَسَماً، وجوابُه:{إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون} . ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: نَغْلِبُ بسببِ عزَّتِه، يَدُلُّ عليه ما بعدَه، ولا يجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «الغالبون» ، لأنَّ ما في حَيِّز «إنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: {فَأُلْقِيَ} : قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: فاعلُ الإِلقاءِ ما هو لو صُرِّح به؟ قلت: هو اللهُ عز وجل» ، ثم قال:«ولك أَن لا تقدِّرَ فاعلاً؛ لأنَّ» أُلْقُوا «بمعنى خَرُّوا وسقطوا» . قال الشيخ: «وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه لا يبنى الفعلُ للمفعولِ إلَاّ وله فاعلٌ ينوبُ المفعولُ به عنه. أما أنه لا يُقَدَّر له فاعلٌ فقولُ ذاهِبٌ عن الصوابِ» .
قوله: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} قد تقدَّم خلافُهم فيها. وقال ابن عطية هنا: «وقرأ البزي وابن فليح عن ابن كثير بشدِّ التاءِ وفتح اللام وشدِّ القاف. ويلزم على هذه القراءةِ إذا ابتدَأَ أن يحذف همزةَ الوصلِ، وهمزةُ الوصلِ لا تدخلُ على الأفعالِ المضارعةِ كما لا تدخُل على أسماءِ الفاعلين» ، قالا لشيخ:«كأنه يُخَيِّل إليه أنه لا يمكن الابتداءُ بالكلمةِ إلَاّ باجتلابِ همزةِ الوصلِ، وهذا ليس بلازم، كثيراً ما يكون الوصلُ مخالفاً للوقفِ، والوقفُ مخالفاً للوصل، ومَنْ له تَمَرُّنٌ في القراءات/، عَرَفَ ذلك» . قلت: يريد قولَه: {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ} فإن البزيَّ يُشَدِّد التاء، إذ الأصل: تَتَلَّقَّفُ بتاءَيْن فَأَدْغم، فإذا وَقَفَ على «هي» وابتدأ تَتَلَقَّفَ فحقُّه أَنْ يَفُكَّ ولا يُدْغِمَ؛ لئلا يُبتدأَ بساكنٍ وهو غيرُ مُمْكِنٍ، وقولُ ابن عطية:«ويَلْزمُ على هذه القراءةِ» إلى آخره تضعيفٌ للقراءةِ لِما ذكره هو: مِنْ أنَّ همزةَ الوصلِ لا تَدْخُل على الفعلِ المضارعِ، ولا يمكن الابتداءُ