الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الأخبار
قوله: "الكلام في الأخبار".
أقول: لما كان الكتاب يشتمل على المتن والسند، وبين متن (1) كل واحد أراد أن يشير إلى السند - والسند (2): هو الإخبار عن طريق المتن من تواتر، وآحاد، ولا ريب أن ذلك موقوف على معرفة الخبر -: صدر البحث به، واستطرد ذكر المركب مطلقًا، وقسمه إلى الأقسام المحتملة عقلًا (3) / (87/ ب من أ).
(1) مادة المتن ترجع إلى معنى الصلابة، يقال: لِمَا صلب من الأرض متن، والجمع متان، كما يسمى أسفل الظهر من الإنسان والبهيمة متنًا، والجمع متون، هذه لغة، والمتن المراد هنا: ما تضمنه الكتاب، والسنة، والإجماع من أمر، ونهي، وعام، وخاص، ومجمل، ومبين، ومنطوق، ومفهوم، ومطلق، ومقيد، وغير ذلك.
راجع: المصباح المنير: 2/ 562، والقاموس المحيط: 4/ 269، وتدريب الراوي: 1/ 42، والإحكام للآمدي: 1/ 210.
(2)
السند - لغة -: ما يستند إليه، أو ما ارتفع من الأرض، والمعنى الاصطلاحي يؤخذ من المعنى الأخير: لأنه أكثر مناسبة يقال: أسندت الحديث، أي: رفعته إلى المحدث.
راجع: المصباح المنير: 1/ 291، والقاموس المحيط: 1/ 303، ونخبة الفكر: ص/ 19، وتدريب الراوي: 1/ 41، والإحكام للآمدي: 1/ 210، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: 2/ 45، والتعريفات: ص/ 23.
(3)
آخر الورقة (87/ ب من أ).
فقال: "المركب إما مهمل" وهو الذي لم يوضع لمعنى مثل: الهذيان؛ لأنه يطلق على المركب الذي لا معنى [له](1) واستبعده الإمام: لأن التركيب للإفادة، بخلاف المفرد (2).
وإما مستعمل في معنى مراد، وهو موضوع بالوضع النوعي على ما تقدم في الحقيقة، والمجاز (3). ثم المركب إما كلام، أو لا، لأنه إما أن يتضمن إسناد إحدى الكلمتين إلى أخرى إسنادًا مقصودًا لذاته، أو لا، فالأول الكلام اصطلاحًا (4).
(1) سقط من (أ) والمثبت من (ب).
(2)
لا خلاف أن المهمل يوجد في المفردات، وإنما الخلاف في وجوده في المركبات فأثبته الجمهور فيها أيضًا، واختاره البيضاوي، وغيره، ونفاه الفخر الرازي.
راجع: الصاحبي: ص/ 82، وهمع الهوامع للسيوطي: 1/ 31، واللمع: ص/ 4، والمحصول: 1/ ق/ 1/ 323، وفتح الرحمن: ص/ 39، ونهاية السول: 2/ 62، وتشنيف المسامع: ق (80/ ب).
(3)
رجح الرازي، وابن مالك، وابن الحاجب، وغيرهم أن المركب المستعمل ليس موضوعًا وإلا لتوقف استعمال الجمل على النقل من العرب كالمفردات.
واختار المصنف - تبعًا للقرافي، وغيره -: أنه موضوع؛ لأن العرب حجرت في التراكيب، كما حجرت في المفردات، وتوسط الشارح بين المذهبين تبعًا لمن سبقه بأن أنواع المركبات موضوعة، وأما جزئيات النوع، فالحق فيها عدم الوضع. ويمكن تنزيل الخلاف السابق على هذا القول، فيكون خلافًا لفظيًا.
راجع: المزهر: 1/ 40 - 45، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 45، ومختصر ابن الحاجب: 1/ 125، وتشنيف المسامع: ق (81/ أ)، والغيث الهامع: ق (83/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 102، وهمع الهوامع: ص/ 251.
(4)
راجع: أوضح المسالك: 1/ 11، وشرح ابن عقيل: 1/ 14.
فخرج بقوله: مقصودًا، ما يصدر من النائم، فإنه لا يسمى كلامًا، وبقوله: لذاته، صلة الموصول لأنه لإتمام الموصول لا غير.
وأما قيده بقوله: مفيدًا، احترازًا من رجل تكلم، فغير سديد.
أما أولًا: فلأنه مفيد لأنه فاعل في المعنى، وقد ذكر بعض المحققين من النحاة أن ما كان فاعلًا في المعنى يقع مبتدءًا.
وأما ثانيًا: فلأن الإسناد عندهم هو نسبة إحدى الكلمتين إلى الأخرى بحيث يصح السكوت عليها، وما لا فائدة فيه لا يصح السكوت عليه، ويجب - أيضًا - حمل الكلم على كلمتين؛ لأن الكلام إنما يتركب من المسند إليه، والمسند لا غير (1)، وما في الشروح من الكلمتين فصاعدًا (2) باطل.
ثم المعتزلة، ومن لم يثبت النفسي: هو حقيقة عندهم في اللساني، والتعريف المذكور منطبق عليه، والمثبتون له قالوا: حقيقة في النفسي مجاز في اللساني. وقيل: مشترك لفظي، والمختار الأول (3).
(1) راجع الفرق بين الكَلِم، والكلام: أوضح المسالك: 1/ 12، وشرح ابن عقيل: 1/ 15.
(2)
راجع: تشنيف المسامع: ق (81/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 103.
(3)
الحق: أن تناول الكلام، والقول عند الإطلاق للفظ، والمعنى جميعًا كالإنسان فإنه يتناول الروح، والبدن معًا، وهذا مذهب السلف، والفقهاء والأكثر.
راجع: مجموع الفتاوى: 12/ 35.
والنون في النفساني زائدة في النسبة على غير قياس كالصنعاني، ونحوه (1)، وما قيل: إنه للتعظيم (2) يأباه المقام (3).
قوله: "وإنما يتكلم الأصولي في اللساني".
أقول: استدلال الأصولي على إثبات الأحكام إنما هو بالنصوص، وما يتفرع عليها كالإجماع، والقياس، فبحثه إنما هو في اللساني، وإن كانت الأحكام المدلول عليها من قبيل النفسي.
إذا تقرر هذا، فنقول: إن أفاد الكلام اللفظي طلبًا بالوضع، فإما طلب ذكر الماهية، فاستفهام نحو (4) / ق (89/ ب من ب):{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ} [طه: 17]، أو طلب تحصيلها، فأمر، أو الكف عنها، فنهى.
وإنما أطلق طلب الفعل على الأمر لأنه لم يشترط العلو، والاستعلاء، كما سبق، فيشمل الالتماس، والسؤال.
(1) راجع: شذا العرف في فن الصرف: ص/ 105.
(2)
القائل هو جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع: 2/ 105، وجاء في هامش (أ):"القائل المذكور - يعني الذي قال: بأنه مشترك - لفظي - يسمى الكلام اللساني، ما صدق عليه الكلام النفسي، وهو غلط لأن اللساني دال، والنفسي مدلول، فكيف يصدق عليه؟ ".
(3)
وراجع في المسألة المذكورة:
المحصول: 1/ ق/ 1/ 235، وتشنيف المسامع: ق (181/ أ)، والغيث الهامع: ق (83/ ب)، وهمع الهوامع: ص 251 - 252.
(4)
آخر الورقة (89/ ب من ب).
وما لا يدل بالوضع على طلب، فإما أن لا يحتمل الصدق والكذب، فتنبيه، وإنشاء، أو يحتملهما، فخبر، هذا شرح كلام المصنف.
وفيه بحث: لأن حصر الاستفهام في طلب ذكر الماهية غير سديد؛ لأن حقيقة الاستفهام استعلام ما في ضمير المخاطب، فقد يكون المراد من السؤال بيان الحال نحو: كيف زيد؟ أي: على أي حال، أو التصديق نحو: هل الحركة الموجودة دائمة؟
ولأن تخصيص الإنشاء بما لا يدل بالوضع على طلب، ولا يحتمل الصدق، والكذب خلاف المشهور، بل نسب إلى بعض المنطقيين، والمشهور أن الإنشاء قسيم الخبر (1).
هذا، وقد اختلف في تحديد الإنشاء، والخبر: ذهب بعضهم إلى أن تصورهما بديهي، فلا يحدان، والحدود المذكورة تعاريف لفظية، وإليه ذهب السكاكي (2)، وشبهتهم: أن من لم يمارس العلوم يورد كل واحد من الإنشاء، والخبر في مورده، فلو احتاج العِلْم بهما إلى التعريف، والتحديد لتوقف الإيراد عليه، وليس بشيء؛ لأنه فرق بين حصول الشيء، وبين تصوره/ ق (88/ أمن أ) إذ ربما تحصل الشجاعة لرجل، ولم يعرف حقيقتها، فالحق تحديدهما.
(1) راجع: المطول على التخليص: ص/ 34.
(2)
راجع: مفتاح العلوم: ص/ 164، والإحكام للآمدي: 1/ 211.
فالإنشاء: كلام يحصل مدلوله من اللفظ في الخارج، مثل اضرب، ولا تضرب، إذ مدلولهما إنما حصل من لفظهما (1).
والخبر بخلافه، أي: ماله مدلول ربما طابقه النسبة الذهنية، وربما لا مطابقة، فإذا تصورت قيام زيد، وحكمت على زيد بأنه قائم، فإن كان قائمًا، فقد طابق حكمك لما في الخارج، وهو قيام زيد وكلامك صدق، وإن لم يطابق، فكذب. فتحرر أن صدق الخبر مطابقة حكم المتكلم للواقع، وكذبه عدمها هذا مذهب أهل الحق (2).
وذهب الجاحظ (3): إلى أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، مع اعتقاد أنه واقع، وكذبه عدم المطابقة، مع اعتقاد أنه غير واقع.
(1) راجع تعريف الإنشاء:
المطول على التلخيص: ص / 203، وحاشية عليش: ص/ 71 - 72، والتعريفات: ص/ 38، وفواتح الرحموت: 2/ 103، وتيسير التحرير: 3/ 26، ومناهج العقول: 2/ 245، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 90، وإرشاد الفحول: ص/ 44.
(2)
راجع: المطول على التلخيص: ص 34 - 35 وما بعدها، والمعتمد: 2/ 74، واللمع: ص/ 39، والمستصفى: 1/ 132، والمحصول: 1/ ق/ 1/ 305، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 346، والإحكام للآمدي: 1/ 213 - 215، والمسودة: ص/ 233، والفروق للقرافي: 1/ 21، وكشف الأسرار: 2/ 360، وغاية الوصول: ص/ 94.
(3)
هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري، المعتزلي أبو عثمان عُرِف بلقبه الجاحظ، أديب كاتب، متكلم مشارك في أنواع من العلوم، سمع من أبي عبيدة، والأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وأخذ النحو عن الأخفش أبي الحسن، وأخذ الكلام =
فالأول صادق، والثاني كاذب، ويبقى أربع صور واسطة بين الصدق، والكذب (1).
= عن النظام، وأخذ الفصاحة من العرب شفاهًا بالمربد، وله مقالات في أصول الدين على طريقة الاعتزال، وإليه تنسب الفرقة الجاحظية من المعتزلة، من مؤلفاته: الحيوان، البيان والتبيين، والعرجان والبرصان والقرعان، وصنف في التوحيد، وإثبات النبوة، وفي الإمامة، وفضائل الاعتزال، وتوفي بالبصرة سنة (255 هـ. وجعله ابن العماد من وفيات 250 هـ).
راجع: تأريخ بغداد: 2/ 212، والكامل لابن الأثير: 7/ 71، معجم الأدباء: 16/ 74، مروج الذهب: 8/ 33، ووفيات الأعيان: 1/ 490، نزهة الألباء: ص/ 254، فرق وطبقات المعتزلة: ص/ 73، وروضات الجنات: ص/ 503، ولسان الميزان: 4/ 355، والبداية والنهاية: 12/ 19، وبغية الوعاة: ص/ 365، والمختصر من أخبار البشر: 2/ 49، وشذرات الذهب: 2/ 121.
(1)
فعلى هذا تصير الأقسام عند الجاحظ ستة، لأن الخبر إما مطابق للواقع، أو غير مطابق، وكل منهما إما مع اعتقاد أنه مطابق، أو اعتقاد أنه غير مطابق أو بدون الاعتقاد المطابقة، أو عدمها، فواحد منها صادق، وهو المطابق للواقع، مع اعتقاد أنه مطابق، وواحد كاذب، وهو غير المطابق، مع اعتقاد أنه غير مطابق، والباقي ليس بصادق، ولا كاذب، وهو الواسطة.
وأما الجمهور، فيرى أنه لا واسطة بين الصدق، والكذب بناء على أن مدار الصدق، والكذب على مطابقة الخارج، وعدمها فقط، ولا نظر إلى اعتقاد المخبر.
ويرى الفخر الرازي، والآمدي، والقرافي أن الخلاف بين الجمهور، والجاحظ لفظي لا أثر له لأن أحد الفريقين يطلق اسم الصدق، والكذب على ما لا يطلقه الآخر إلا بشرط زائد. =
وذهب غير الجاحظ - والمشهور أنه النظام (1) -: إلى أن صدقه اعتقاد المطابقة، وكذبه عدم اعتقادها (2)، فلا نظر إلى الواقع، كما لا نظر عند أهل الحق إلى الاعتقاد، فالساذج - وهو الذي لا اعتقاد فيه - واسطة بين الصدق، والكذب.
وفيه نظر: لأن ما لا اعتقاد فيه لا حكم هناك، ليكون واسطة، إذ [يرجع](3) الصدق، والكذب إلى حكم المخبر لا إلى مدلول الخبر الذي هوالوقوع، والثبوت، فتأمل!
= راجع: المطول على التلخيص: ص/ 28، والمحصول: 1/ ق/ 1/ 319، والإحكام للآمدي: 1/ 218، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 347، والتمهيد: ص/ 444، والمسودة: ص/ 232، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 111، والغيث الهامع: ق (84/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 254، وغاية الوصول: ص/ 94.
(1)
هو إبراهيم بن يسار بن هانئ البصري، المعتزلي، أبو إسحاق المشهور بالنظام، وهو أستاذ الجاحظ، كان أديبًا، متكلمًا، قوى الحفظ قيل حفظ القرآن، والتوراة، والإنجيل، وتفاسيرها، والأشعار، والأخبار، واختلاف الناس في الفتيا، وطالع كتب الفلاسفة، وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، وقد نسب إليه أقوال شاذة منها: منع إمكان الإجماع على أمر عادة، وأنكر القياس، كما كان رئيس فرقة من المعتزلة تنسب إليه، من مؤلفاته: كتاب النكت في عدم حجية الإجماع، وتوفي سنة (231 هـ).
راجع: فرق وطبقات المعتزلة: ص/ 59، والفهرست لابن النديم: ص/ 205، وتأريخ بغداد: 6/ 97، وروضات الجنات: 1/ 151.
(2)
راجع: المطول على التلخيص: ص/ 36، وفواتح الرحموت: 2/ 108 وتيسير التحرير: 3/ 29، والغيث الهامع: ق (84/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 254، وإرشاد الفحول: ص/ 44 - 45.
(3)
في (أ): "موضع" والمثبت من (ب) هو الصواب.
وعند/ ق (90/ أمن ب) الراغب الأصفهاني (1): الصدق هو مطابقة الواقع، مع اعتقاد الوقوع، كما تقدم في مذهب الجاحظ، وإن فقد كل من المطابقة، والاعتقاد، فكذب، وإن فقد أحدهما، فكذب نظرًا إلى المفقود من الوقوع، أو الاعتقاد، وصدق نظرًا إلى المأخوذ منهما (2).
قوله: "ومدلول الخبر الحكم بالنسبة لا ثبوتها".
أقول: قد اختلف في أن مدلول الخبر هل هو وقوع النسبة في ذاتها أو إيقاع المتكلم؟ .
فاختار المصنف: أنه الإيقاع لا الوقوع، والإلزام أن لا يوجد الكذب في الكلام [توضيح ذلك: أن زيدًا قائم، لو دل على ثبوت القيام،
(1) هو العلامة المحقق أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصبهاني كان من أذكياء المتكلمين، صاحب التصانيف الكثيرة، كالذريعة إلى مكارم الشريعة، والمفردات في غريب القرآن، ومقدمة جامع التفاسير، وتحقيق البيان في تأويل القرآن، وحل متشابهات القرآن، وغيرها كثير. وذكر الذهبي أنه لم يظفر له بوفاة، ولا ترجمة. وذكر البعض أنه توفي سنة (502 هـ وقيل: 503 هـ وقيل: غير ذلك).
راجع: تأريخ حكماء الإِسلام: ص/ 112، وروضات الجنات: ص/ 249، وسير أعلام النبلاء: 18/ 120، وبغية الوعاة: 2/ 297، وشذرات الذهب: 3/ 283، ومرآة الجنان: 3/ 69، ولسان الميزان: 5/ 300.
(2)
راجع: المفردات للراغب: ص/ 277، والمطول على التلخيص: ص/ 36، وحاشية البناني على المحلي: 2/ 112.
فحيث ما وجد زيد قائم يثبت قيامه، فلم يتصور الكذب في الكلام] (1)، وهذا مختار الإمام وبعض المتأخرين (2).
والتحقيق - في هذا المقام -: هو أن الخبر مثل زيد قائم إذا صدر عن المتكلم بالقصد يدل على الإيقاع، وهو الحكم الذي صدر عن المتكلم، ويدل - أيضًا - على الوقوع، فكل منهما يسمى حكمًا، فاحتمال الصدق، والكذب، وصدق الخبر، أو كذبه في نفس الأمر، إنما هو باعتبار الإيقاع لأنه المتصف بذلك لا الوقوع، وأما باعتبار إفادة المخاطب، فالحكم هو الوقوع لأنك إذا قلت: زيد قائم إنما يفيد المخاطب وقوع القيام لا أنك أوقعت القيام على زيد، فإنه لا يعد فائدة.
فإن قلت: لو دل زيد قائم على الوقوع لم يوجد الكذب في خبر قط؛ لامتناع تخلف المدلول عن الدليل.
قلت: دلالة اللفظ على المعنى وضعية لا عقلية، فجاز التخلف لمانع، كما في المجاز، ولذلك قال بعض (3) أئمة العربية: إن الصدق هو مدلول الخبر، والكذب احتمال عقلي.
(1) ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(2)
وذهب القرافي إلى أن مدلول الخبر هو ثبوت النسبة لا إثبات الحكم بالنسبة لأن العرب لم تضع الخبر إلا للصدق لاتفاق اللغويين، والنحويين على أن معنى قام زيد، حصول القيام منه في الزمن الماضي، واحتماله الكذب ليس من الوضع، بل من جهة المتكلم، وهذا ما رحمه سعد الدين التفتازاني، وغيره.
راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 317، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 346، والمطول على التلخيص: ص/ 41، والغيث الهامع: ق (85/ أ)، والفروق: 1/ 24، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 113 - 114، وغاية الوصول: ص/ 94، وهمع الهوامع: ص/ 254، وإرشاد الفحول: ص/ 44.
(3)
جاء في هامش (أ): "هو الرضي".
فإذا تأملت هذا ظهر لك أن قول المصنف: "وإلا لم يكن شيء من الخبر كذبًا" ليس بشيء: لأن ذلك إنما يتم لو كانت الدلالة عقلية، فمورد الصدق، والكذب إنما هو ذلك الحكم المفعول للمتكلم، وبه نياط الحكم الشرعي، واللغوي، ولهذا لو قال: أشهد (1) / ق (88/ ب من أ) أن زيدًا وكل عمرو بن بكر، تكون شهادة بوكالة عمرو لا بالنسب، لكن الفقهاء جعلوا المقصود تبعًا، كالمقصود أصالة لأن تلك النسبة الإضافية في قوة الخبرية (2).
قوله: "مسألة: الخبر إما مقطوع بكذبه".
أقول: ما سبق كان تقسيمًا للخبر باعتبار مدلوله، وهذا تقسيم له باعتبار أمور خارجة عنه.
فنقول: الخبر إما مقطوع بكذبه، كما إذا قال - بالليل -: الشمس طالعة، فإن الحس يكذبه، وهو دليل قطعي.
أو يكون الدال على الكذب الدليل العقلي، كما إذا قال: العَالَم قديم، فإن الدليل العقلي - مع قطع النظر عن قول الشارع - قد دل على حدوثه (3).
(1) آخر الورقة (88/ ب من أ).
(2)
راجع: تشنيف المسامع: ق (83/ ب)، والغيث الهامع: ق (85/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 115 - 116، وهمع الهوامع: ص/ 255.
(3)
راجع: المعتمد: 2/ 78، والمستصفى: 1/ 142، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 413، والإحكام للآمدي: 1/ 218، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 355، وكشف الأسرار: 2/ 260، وفواتح الرحموت: 2/ 109، ومناهج العقول: 2/ 274، وغاية الوصول: ص/ 94، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 116، وهمع الهوامع: ص/ 256، وإرشاد الفحول: ص/ 46.
ثم الخبر المروي عنه صلى الله عليه وسلم إن أوهم باطلًا، فلا يخلو إما أن يكون قابلًا للتأويل، أو النقصان من جهة الراوي، أو لا، فالثاني كذب قطعًا: لأنه منزه (1) / ق (90/ ب من ب) عن الباطل.
وسبب وضع الحديث: إما نسيان الراوي لطول العهد، فيروي الحديث الموقوف مرفوعًا.
أو حمله قلة الدين على الافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يفعله الرافضة (2).
(1) آخر الورقة (90/ ب من ب).
(2)
لَمَّا خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم على هشام بن عبد الملك خرج معه أهل الكوفة، فذهب بهم لمقاتلة يوسف بن عمر، والي هشام على العراق، فلما اشتد القتال بين زيد ويوسف، جاء أصحاب زيد إلى زيد، وقالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك. فقال زيد رضي الله عنه: إني لا أقول فيهما إلا خيرًا، وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرًا، فلما سمعوا قوله انفصلوا عنه، وفارقوه، وقالوا له: نرفضك، فقال: اذهبوا، فأنتم الرافضة، وما بقي معه إلا القليل، فنسبوا إليه، فقتلوا معه جميعًا سنة (122 هـ).
وقيل: سموا بذلك لرفضهم إمامة أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ولا منافاة بين القولين.
راجع: مقالات الإسلاميين: ص/ 16، والبرهان للسكسكي: ص/ 36، والفرق بين الفرق: ص/ 21، واعتقادات الفرق للرازي: ص/ 77، والتبصير في الدين: ص/ 27، والحور العين: ص/ 184، والكامل في التأريخ: 5/ 242.
وراجع أسباب وضع الحديث: التقييد والإيضاح: ص/ 110، وتدريب الراوي: 1/ 281، وما بعدها.
فمن المقطوع بكذبه دعوى الرسالة بعد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، وكذا الخبر المخالف تصديق صادق، كما إذا أخبر النبي بشيء، وأخبر شخص بخلافه، وكذا يقطع بكذب الخبر الذي فتش عليه في الكتب المبسوطة، وصدور الحفاظ، فلم يظفر به، فإن العادة تقضي بكذبه: لأن الأئمة قد ضبطوا الأخبار، واستقر الأمر على ذلك، وذهبت الأعصار عليه (1).
ومن المقطوع بكذبه بعض ما نسب إليه صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعلم بعينه إذ قد روي عنه: أنه "سيكذب علي"(2)، فإن كان هذا صح عنه لا بد من الكذب عليه في خبر ما، وإن لم يصح هذا عنه، فهو كذب عليه.
(1) راجع: أصول السرخسي: 1/ 374، والمستصفى: 1/ 145، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 355، وتشنيف المسامع: ق (84/ ب)، والغيث الهامع: ق (85/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 117، وغاية الوصول: ص/ 95، وإرشاد الفحول: ص/ 46.
(2)
قلت: هكذا يذكره الأصوليين، ولم أعثر عليه في كتب الحديث هذا اللفظ ولعلهم تصرفوا بلفظ من الألفاظ التي صحت في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كحديث:"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" وكان الواجب عليهم أن يختاروا من الألفاظ الصحيحة، أو الحسنة ما يتوافق مع موضع الشاهد بدلًا من اللفظ المذكور، وليس له إسناد، ولذا ذكره صاحب كشف الخفاء، ثم قال: قال ابن الملقن: "هذا الحديث لم أره كذلك نعم في أوائل مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يكون في آخر الزمان دجالون كذابون"، كما ورد مثل ذلك في البخاري، وغيره".
راجع: صحيح البخاري: 1/ 37 - 38، وصحيح مسلم: 1/ 7 - 10، وكشف الخفاء: 1/ 565.
وراجع: المعتمد: 2/ 126، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 426، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 118. في الحديث المذكور في الشرح، مع أن بعض الأصوليين ذكره، ورده، ولم يقره.
وكذا يقطع بكذب خبر تتوفر الدواعي على نقله، ولم يتواتر خلافًا للرافضة إذ عندهم لا يقطع بكذبه، وذلك: لأنهم يدعون النص على خلافة (1) علي ولم يتواتر، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله.
فإن قلت: بعض معجزاته لم يتواتر (2)، مع أنه مما تتوفر الدواعي على نقله.
(1) مستدلين بقوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55].
فهذه الآية نزلت في الإمام على رضي الله عنه، فدلت على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو على رضي الله عنه، كما استدلوا بحديث رواه أحمد والترمذي، والطبراني، والبزار، وأبو نعيم، وغيرهم، وهو:"من كنت مولاه فعلي مولاه"، وبحديث رواه مسلم، وأحمد وغيرهما، وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي". وقد ناقشهم في هذه الأدلة أهل السنة مبينين أن الأدلة المذكورة تدل على فضل علي رضي الله عنه لا أنها تدل على إمامته نصًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محل الخلاف.
راجع: صحيح مسلم: 7/ 120، ومسند أحمد: 1/ 84، وتحفة الأحوذي: 10/ 209 - 239، وشرح النووي على مسلم: 15/ 174، ومجمع الزوائد: 9/ 103 - 111، والفتح الرباني: 21/ 205، وكنز العمال: 13/ 104 - 105، وفيض القدير: 6/ 217 - 218. وانظر - أيضًا -: أسباب النزول للواحدي: ص/ 133، ومنهاج السنة: 4/ 2 - 300، والمحصل للرازي: ص/ 351، ومعالم أصول الدين له: ص/ 142، والتفسير الكبير له: 6/ 27 - 34.
(2)
كانشقاق القمر، وحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، ونبوع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فهذه الأمور معجزات باهرة، وآيات عظيمة، ولم تنقل بالتواتر، فكان الرد ما قاله الشارح على المعترض بها.
راجع: الأحاديث الواردة في المعجزات إلى سبق ذكرها: صحيح البخاري: 4/ 232 - 237، وصحيح مسلم: 7/ 59 - 61، 8/ 132، وتحفة الأحوذي: 10/ 98 - 110، وشرح النووي على مسلم: 17/ 143، ونسيم الرياض: 3/ 3 وما بعدها.
قلت: أعظم معجزاته، وهو القرآن لما تواتر، وعم البلاد شرقًا، وغربًا استغني عن نقل غيره إذ لا يعتد بها بالنسبة إلى القرآن (1).
قوله: "وإما بصدقه".
أقول: هذا بيان القسم الثاني من الخبر، وهو المقطوع بصدقه، وهو خبر من دلت المعجزة على نبوته، فإنه يقطع بصدق خبره لعدم جواز تطرق الكذب على أقواله، وكذا خبر نسب إليه صلى الله عليه وسلم وإن لم يعلم بعينه للقطع بأنه شرع الأحكام، وأمر، ونهي، وكذا المتواتر لفظًا، ومعنى: كوجود مكة، وبغداد، أو معنى: كشجاعة علي، وجود حاتم: لأن اللفظ في الثاني غير محفوظ بين الرواة بخلاف الأول، وكلاهما يوجب القطع (2).
(1) قلت: هذا الرد الذي ذكره الشارح، أورده الإمام كاعتراض مفترض، ثم رده بقوله:"قلت: لا نسلم حصول الاستغناء بنقل القرآن لأن كون القرآن معجزًا أمر لا يعرف إلا بدقيق النظر، والعلم يكون هذه الأشياء - يعني ما ذكرته في الهامش سابقًا، إذ هو ذكر بعضها - معجزات علم ضروري، فكيف يقوم أحدهما مقام الآخر" المحصول: 2/ ق/ 1/ 419.
(2)
راجع: أصول السرخسي: 1/ 374، والكفاية للخطيب: ص/ 17، والمستصفى: 1/ 140، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 354، والمسودة: ص/ 243، وشرح العضد على المختصر: 2/ 109، وكشف الأسرار: 2/ 360، وفواتح الرحموت: 2/ 109، وتيسير التحرير: 3/ 29، وغاية الوصول: ص/ 95، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 119.
وعرفه بأنه: خبر مروي عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب (1).
وله شروط:
الأول: أن يكون المخبر عنه محسوسًا.
الثاني: أن يكون كل طبقة من الرواة تبلغ حد التواتر.
الثالث: حصول العلم اليقيني، وهو آية التواتر، إذ العدد لا ضبط فيه (2).
(1) هذا تعريف المتواتر اصطلاحًا، وأما لغة، فهو التتابع بين شيئين فأكثر، ومنه قوله تعالى:{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44] وأصل "تترى" وترًا، فأبدلت التاء من الواو، والمعنى واحدًا بعد واحد من الوتر، قال بعض اللغويين: ومن غلط العامة قولهم: تواترت كتبك إليَّ، أي: اتصلت من غير انقطاع، وإنما التواتر: الشيء بعد الشيء بينهما انقطاع، وهو تفاعل من الوتر، وهو العود.
راجع: تعريفه لغة، واصطلاحًا: مختار الصحاح: ص/ 708، والمصباح المنير: 2/ 647، والقاموس المحيط: 2/ 156، والحدود للباجي: ص/ 61، والكافية في الجدل: ص/ 179، والإحكام لابن حزم: 1/ 93، واللمع: ص/ 39، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 135، والمغرب للمطرزي: ص/ 475، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 349، والمحلي على الورقات: ص/ 179، وفواتح الرحموت: 2/ 110، وتيسير التحرير: 3/ 30، ومختصر الطوفي: ص/ 49، وإرشاد الفحول: ص/ 46، ونهاية السول: 3/ 61.
(2)
وهذا هو مذهب أئمة المسلمين، وخالفهم في هذا السمنية، وهم من عبدة الأصنام، والبراهمة، وهم من منكري الرسالة حيث حصروا مدارك العلم في الحواس الخمس فقط، وبعضهم أجازه في الحاضر لأنه معضود بالحس، ومنعه في الماضي لبعده عن الحس، فيتطرق إليه الخطأ، والنسيان، وقال آخرون: إنه يفيد طمأنينة لا يقينًا. =
واختار المصنف - وفاقًا للقاضي، [والشافعي] (1) رضي الله عنهما: أن الأربعة لا تكفي للاحتياج إلى التزكية في الزنى، وللقاضي توقف/ ق (89/ أمن أ) في الخمسة.
وقيل: لا بد وأن يكون عشرة لأنها أول ما يفيد العلم.
وقيل: اثنا عشر عدد نقباء (2) موسى المرسلين إلى الجبارين (3).
وقيل: عشرون لقوله تعالى: {عِشْرُونَ صَابِرُونَ} [الأنفال: 65].
وقيل: أربعون لقوله: {حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] ، وكانوا أربعين رجلًا.
وقيل: سبعون لقوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا} [الأعراف: 155].
= راجع: أصول السرخسي: 1/ 283، والمستصفى: 1/ 132، والمعتمد: 2/ 80 - 81، وروضة الناظر: ص/ 85، والإحكام للآمدي: 1/ 220، وكشف الأسرار: 2/ 262، والمسودة: ص/ 233، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 52، وفواتح الرحموت: 2/ 113، ونزهة النظر: ص/ 18.
(1)
جاء في هامش (أ): "صوابه والشافعية".
(2)
النقباء: جمع نقيب، وهو التعريف، وهو شاهد القوم، وضمينهم.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 674، والمصباح المنير: 2/ 620.
(3)
يعني في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 12].
وقيل: ثلاثمائة، وبضعة عشر عدد أهل بدر (1)، والبضع - بكسر الباء، وفتحها -: ما بين الثلاثة إلى التسعة (2).
ولا يشترط الإِسلام، والاجتماع في بلد واحد (3). والعلم الحاصل بمعنى التواتر ضروري لأنه لمجرد السماع يجزم به من غير/ ق (91/ أمن ب) توقف على استدلال، ولذلك يحكم فيها البله، والصبيان، مع عدم تأتي النظر منهم.
(1) والأولى - في هذه المسألة - هو عدم انحصار التواتر في عدد معين لعدم إمكان الوقوف على حقيقة اللحظة التي يحصل بها لنا العلم بالمخبر عنه، وهذا هو الذي رجحه أكثر المحققين.
راجع: الإحكام لابن حزم: 1/ 94، وشرح نخبة الفكر: ص/ 19، واللمع: ص/ 40، والمعتمد: 2/ 89، والمستصفى: 2/ 134، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 377، وروضة الناظر: ص/ 88، والإحكام للآمدي: 1/ 229، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 54، والمسودة: ص/ 235، وكشف الأسرار: 2/ 361، وتشنيف المسامع: ق (84/ ب)، والغيث الهامع: ق (87/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 120، وهمع الهوامع: ص/ 257، وغاية الوصول: ص/ 95، وإرشاد الفحول: ص/ 47.
(2)
راجع: مختار الصحاح: ص/ 55، والمصباح المنير: 1/ 50.
(3)
وهذا هو مذهب الجمهور خلافًا للبزدوي من الحنفية، وابن عبدان من الشافعية حيث اشترطا الإِسلام، والعدالة في عدد التواتر.
راجع: اللمع: ص/ 39، والمستصفى: 1/ 140، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 382، والإحكام للآمدي: 1/ 230، وكشف الأسرار: 2/ 361، والمسودة: ص/ 234، والعضد على المختصر: 2/ 55، ومختصر الطوفي: ص/ 52، وفواتح الرحموت: 2/ 118، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 122.
وقيل: بل نظري لتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع لا إلى نظر، واستدلال (1).
ولخصه بعض المحققين (2): بأن المتواترات، والمجربات، وإن كانت قضايا ضرورية، إلا أن فيها قياسًا خفيًا، إذ السامع إنما يحكم في المتواتر لأنه يعلم أنه صدر عن جمع لا يمكن اتفاقهم على الكذب، فكأنه يقول - عند سماع هذا الخبر -: جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، وكل خبر هذا شأنه، فهو صدق قطعًا، فهذا الخبر صدق قطعًا، ومثل هذا القياس الخفي لا يخرج العلم عن كونه ضروريًا، فقد ظهر لك أنه لا خلاف بين الطائفتين (3).
(1) مذهب الجمهور أنه ضروري، واختاره أبو على الجبائي، وأبو هاشم من المعتزلة. وذهب الكبير، وأبو الحسين البصري من المعتزلة، وإمام الحرمين، والدقاق من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة: إلى أنه نظري، وذكر المصنف أن الإمام الرازي قال به، والذي في المحصول أنه مع الجمهور، ولعله اطلع له على رأي آخر في كتبه الأخرى، وقسم الغزالي الضروري إلى قسمين: ضروري ذو واسطة مفضية إليه سواء التفت الذهن إليها، أو لم يلتفت كالعشرة نصف العشرين، والقسم الثاني: ما لا واسطة له أصلًا، وهو بمعنى ما قاله أستاذه إمام الحرمين.
راجع: البرهان: 1/ 579، وأصول السرخسي: 1/ 291، والمعتمد: 2/ 81، والمنخول: ص/ 236 - 237، والمستصفى: 1/ 132، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 382، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 351، والمسودة: ص/ 234، ومناهج العقول: 2/ 264، وفواتح الرحموت: 2/ 114، وتيسير التحرير: 3/ 32.
(2)
هو التفتازاني؛ لأن ما ذكره الشارح هنا هو بمعنى ما قال في التلويح، والحاشية.
راجع: التلويح على التوضيح: 2/ 3، والحاشية على المختصر مع العضد: 2/ 53.
(3)
لأن ما ذكر من الخلاف لفظي واختاره الطوفي من الحنابلة، والمحلي، والأنصاري زكريا، وغيرهم من الشافعية. =
والآمدي: متوقف في ذلك لأن تسمية مثل هذا العلم بالنظري غير ظاهر إذ لا استدلال، وكذا بالضروري لتوقفه على ذلك القياس الخفي (1).
ثم عدد التواتر إن كانوا طبقة واحدة وأخبروا عما عاينوه، فذاك وإلا لا بد أن يكون كل طبقة بحيث لا يمكن اتفاقهم على الكذب، كما سبق تقريره (2).
قوله: "والصحيح ثالثها".
أقول: قد اختلف في أن العلم الحاصل من [الخبر المتواتر هل يعلم لجميع السامعين؟ على أقوال ثلاثة: الأول: يطرد مطلقًا، الثاني: لا يطرد مطلقًا. الثالث: إن كان](3) علم السامعين مستندًا إلى كثرة العدد، فيطرد لعدم الفرق، وإن كان مستندًا إلى العدد مع القرائن، فلا: لأن القرائن تختلف بالنظر إلى الأشخاص (4).
= راجع: مختصر الطوفي: ص/ 50، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 122، وغاية الوصول: ص/ 96، ومناهج العقول: 2/ 264، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 90.
(1)
وما اختاره الآمدي، رجحه المرتضى من الشيعة.
راجع: الإحكام: 1/ 227، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 331، وتشنيف المسامع: ق (85/ ب).
(2)
راجع: المحلي على جمع الجوامع، 2/ 123، والغيث الهامع:(87/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 258.
(3)
ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(4)
راجع: مختصر الطوفي: ص/ 51، وغاية الوصول: ص/ 96، وشرح الكوكب المنير: 2/ 335.
واختلفوا - أيضًا - في أن الإجماع على وفق خبر هل يدل على صدقه قطعًا؟
قيل: يدل، وقيل: لا يدل، وقيل: إن تلقوه بالقبول، وعملوا به دل وإلا فلا (1).
واختلف - أيضًا - في بقاء خبر تتوفر الدواعى على إبطاله.
الجمهور: لا يدل على صدقه، خلافًا للزيدية (2)، تمسكًا - منهم -:
(1) المذهب الأول نقل عن الكرخي، وتبعه بعض المعتزلة، والثاني اختاره الأكثر لاحتمال أن يكون للإجماع مستند آخر، والثالث: حكي عن ابن فورك.
راجع: نهاية السول: 3/ 65، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 125، وتشنيف المسامع: ق (85/ ب)، والغيث الهامع: ق (87/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 259.
(2)
نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم الذي أُخِذَ عليه تلمذته لواصل بن عطاء، وأخذه عنه علم الاعتزال، كما يحمد له توليه أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما، ولم يقل فيهما إلا خيرًا كأسلافه، كما سبق ذلك عند ذكر الرافضة، والزيدية ثلاث فرق، ولكل منهما رأى مستقل في الإمامة، والصحابة، كما أنها تفرعت إلى فرق متعددة، فأساسها: السليمانية أصحاب سليمان بن جرير، والبترية أصحاب كثير الأبتر، والصالحية أصحاب الحسن بن صالح، والجارودية أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد.
راجع: مقالات الإسلاميين: ص/ 65، والتبصير في الدين: ص/ 27، والعلو للذهبي: ص/ 6، والفرق بين الفرق: ص/ 22، والملل والنحل: 1/ 154، ومقدمة مسند زيد بن علي: ص/ 11.
بالأحاديث الواردة في حق علي رضي الله عنه (1)، مع توفر دواعي بني أمية (2) على إبطالها، وضعفه ظاهر (3).
واختلف - أيضًا - في الخبر الذي احتج به طائفة، وأَوَّلَه طائفة.
قيل: يدل على صدقه، إذ الكل متفقون على متنه، وخلافهم إنما هو في المعنى.
والحق: أنه لا يفيد العلم بصدقه قطعًا؛ لأن الذي عمل به ربما كان مظنونًا عنده (4).
واختلف - أيضًا - في خبر أخبر به جمع، ولم يكذبوه، ولا باعث لهم على السكوت، قيل: يفيد صدقه قطعًا.
(1) تقدم ذكر أوضح الأدلة عندهم في ذلك: ص/ 34.
(2)
هو أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي من قريش جد الأمويين بالشام والأندلس، وهو جاهلي من سكان مكة، وكانت له قيادة الحرب في قريش بعد أبيه، وعاش إلى ما بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هو وابن عمه عبد المطلب بن هاشم فيمن وقد على سيف بن ذى يزن في قصره غمدان بصنعاء لتهنئته بانتصاره على الحبشة.
راجع: سبائك الذهب: ص/ 70، وأخبار مكة للأزرقي: ص/ 115، 149، 154، والأعلام للزركلي: 1/ 363.
(3)
لأن المروي بالآحاد قد يشتهر بحيث يعجز الخصم عن إخفائه هذا إن تمسك بشهرة النقل، وإن تمسك بتسليم الخصم، فهو أيضًا لا يدل على الصحة لاحتمال أنه سلمه على وجه غلبة الظن بصدقه.
راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 410، وتشنيف المسامع: ق (85/ ب)، والغيث الهامع: ق (88/ أ).
(4)
راجع: الإحكام للآمدي: 1/ 241، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 126، وهمع الهوامع: ص/ 260.
وقيل: لا، وإليه ذهب الإمام الرازي، والآمدي (1)، وهو الحق عندي، إذ ربما خفي عليهم حال ذلك الخبر، والقول: بأنه يبعد خفاؤه لا يفيد القطع، وهو ظاهر.
وكذا إذا أخبر شخص بحضرته صلى الله عليه وسلم، ولم ينكره.
قيل: صدق قطعًا لأنه لا يقرر الباطل (2).
وقيل: لا يدل لاحتمال أنه لم يسمعه، أو ما فهمه، أو أخره لأمر يعلمه، أو بينه قبل ذلك الوقت (3).
وقيل: إن (4) / ق (89/ ب من أ) كان الأمر دينيًا يدل على الصدق؛ لأنه بعث شارعًا للأحكام، فلا يسكت عما يخالف الشرع، بخلاف الدنيوي (5).
(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 407 - 408، والإحكام: 1/ 240 - 241، والمسودة: ص/ 243.
(2)
واختاره المصنف تبعًا للشيرازي، راجع اللمع: ص/ 40.
(3)
وأيده الآمدي، وابن الحاجب، راجع: الإحكام: 1/ 240، والمختصر مع العضد: 2/ 57.
(4)
آخر الورقة (89/ ب من أ).
(5)
واختاره الغزالي، وأيده الرازي، واشترط له شرطين، وكذا الأمر الدنيوي عنده لكن بشرطين كذلك.
راجع: المستصفى: 1/ 141، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 405 - 406، وتشنيف المسامع: ق (85/ ب)، والغيث الهامع: ق (88/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 127، وفواتح الرحموت: 2/ 125، وهمع الهوامع: ص/ 260، وتيسير التحرير: 3/ 71، وغاية الوصول: ص/ 97، وإرشاد الفحول: ص/ 50.
قوله: "وأما مظنون الصدق".
أقول: هذا هو القسم الثالث من الخبر، وهو الذي يكون صدقه مظنونًا، وهو الخبر المروي آحادًا (1)، والمراد به ما لم يبلغ نقلته حد التواتر (2)، فيدخل فيه الخبر المشهور (3).
(1) الآحاد: جمع أحد، وهمزة أحد مبدلة من الواو، إذ أصله "وحد" وأصل آحاد، أأحاد بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا كآدم.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 7، 711 - 712، والمصباح المنير: 1/ 6، 2/ 650، والقاموس المحيط: 1/ 343 - 344.
(2)
راجع: الكفاية للخطيب: ص/ 16، والكافية في الجدل: ص/ 56، والمستصفى: 1/ 145، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 356، وشرح العضد: 2/ 55، وكشف الأسرار: 2/ 370، وفواتح الرحموت: 2/ 110، وتيسير التحرير: 3/ 37، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 91، وإرشاد الفحول: ص/ 48.
(3)
خبر الآحاد عند الجمهور يتفرع إلى أقسام: منها الخبر المستفيض، أو المشهور وهو ما اشتهر، ولو في القرن الثاني، أو الثالث، وكان رواته في الطبقة الأولى واحدًا، أو أكثر، أما الجصاص الحنفي فقد جعل الحديث المشهور قسمًا من المتواتر، وتبعه بعض الحنفية، مع أن جمهور الأحناف يرون أن المشهور قسيم للمتواتر، وقسم القرافي الأخبار إلى متواتر، وآحاد، وما ليس بمتواتر، ولا آحاد، وذكر زكريا الأنصاري أنه قد يسمى المستفيض مشهورًا، وهذا على رأي جماعة من أئمة الفقهاء، وسمي بالمشهور لوضوحه، وظهوره، وسمي مستفيضًا من فاض الماء يفيض فيضًا، ومنهم من غاير بين المستفيض، والمشهور، بأن المستفيض يكون في ابتدائه، وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، ومنهم من غاير على كيفية أخرى.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 291 - 292، وجامع بيان العلم: 2/ 42، وتدريب الراوي: 2/ 173، وشرح نخبة الفكر: ص/ 23 - 24، والإحكام للآمدي: 1/ 233 - 234، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 249، وكشف الأسرار: 2/ 368، 3/ 59، ونهاية السول: =
وأقل مراتب ناقليه اثنان (1)، وقيل: ثلاثة (2).
قوله: "مسألة خبر الواحد لا يفيد العلم".
أقول: خبر الآحاد غير المحفوف [به](3) القرائن لا يفيد العلم عند الجمهور.
وعن الإمام أحمد: أنه يفيد، وتابعه الأستاذ، وابن فورك لكن في قسم منه، وهو المستفيض (4).
= 3/ 102 - 103، وفواتح الرحموت: 2/ 111، وتيسير التحرير: 3/ 37، وغاية الوصول: ص/ 97، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 91، وإرشاد الفحول: ص/ 49.
(1)
واختاره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو حاتم القزويني، والشيخ زكريا الأنصاري.
راجع: غاية الوصول: ص/ 97، وتشنيف المسامع: ق (86/ أ)، والغيث الهامع: ق (88/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 129، وهمع الهوامع: ص/ 261.
(2)
وهذا قول الأصوليين، واختاره الآمدي، وابن الحاجب.
راجع: الإحكام للآمدي: 1/ 234، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 55، ونهاية السول: 3/ 103، والمسودة: ص/ 245، 248.
(3)
سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
(4)
يمكن حصر الخلاف في هذه المسألة في أربعة مذاهب:
ذهب فريق من العلماء: إلى أن خبر الآحاد لا يوجب العلم مطلقًا سواء احتفت به قرائن، أم لا، وذكر الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب أنه مذهب الأكثر.
وذهب الشيرازي: إلى أن ما نقلته الأمة بالقبول يفيد علمًا استدلاليًا سواء عمل به الجميع، أو عمل به البعض؛ لأن تأويلهم له دليل على قبوله.
وذهب إمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والآمدى، والبيضاوي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وابن حجر، وابن قدامة، والطوفي، وغيرهم: إلى أنه يفيد العلم إن اختفت =
والظاهر: أنهم أرادوا أنه يفيد العلم بالنظر إلى العالم بالأسانيد، الحافظ، المتبحر، وإلا القول: بأن كل خبر يرويه واحد (1) / ق (91/ ب من ب) يفيد القطع في غاية البعد وعلى ما ذكرنا يحمل قول الأستاذ، وابن فورك، وإلا فالخبر الذي يرويه اثنان، ولا قرينة هناك ليس للنظر في إفادته للعلم مدخل (2).
= به قرائن، وإلا فلا، واختاره النظام من المعتزلة، ورجحه المصنف وتبعه شراح كلامه كالزركشي، والعراقي، والمحلي، والشارح هنا، والأشموني.
وذهب الإمام أحمد، وابن خويز منداد، وابن حزم، وداود الظاهري، والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث المحاسبي، والقفال: إلى أنه يفيد العلم مطلقًا احتفت به قرائن، أم لم تحتف به، ورجحه الشوكاني وغيره. غير أن بعض الحنابلة حمل كلام إمامه بأنه يفيد العلم على أخبار مخصوصة كأخبار الرؤية، وما كثرت رواته، وتلقته الأمة بالقبول.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 321 - 329. والكفاية للخطيب: ص/ 25 - 26، والاحكام لابن حزم: 1/ 107 - 125، والبرهان: 1/ 574 - 577، واللمع: ص/ 40، والتبصرة: ص/ 298، والمستصفى: 1/ 136، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 400، وروضة الناظر: ص/ 91، والإحكام للآمدي: 1/ 234 - 238، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 354 - 357، والمسودة: ص/ 240، 243، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 55، ومختصر الطوفي: ص/ 51، وكشف الأسرار: 2/ 370 - 371، وفواتح الرحموت: 2/ 121، وتيسير التحرير: 3/ 76، وتوضيح الأفكار: 1/ 26، والتقريب للنووي: 1/ 132، وشرحه على مسلم: 1/ 20، وغاية الوصول: ص/ 97، وإرشاد الفحول: ص/ 48.
(1)
آخر الورقة (91/ ب من ب)، وجاء في نهايتها على الهامش:(بلغ مقابلة على خط مولفه أدام الله تأييده) كما جاء في بداية هامش ورقة (92/ أ): (الحادي عشر) يعني بداية الجزء الحادى عشر.
(2)
راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 130، وتشنيف المسامع: ق (86/ أ)، والغيث الهامع: ق (88/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 292، والمعتمد: 2/ 92.
قوله: "مسألة: يجب العمل به [في الفتوى] (1)، والشهادة إجماعًا".
أقول: خبر الآحاد إذا اشتمل على شرائط القبول يجب (2) العمل به، خلافًا للرافضة، وابن (3) داود (4).
(1) سقط من (أ) وأثبت بهامشها، وكذلك في الأمور الدينية غير الفتوى، والشهادة.
(2)
الإمام في المحصول عبر بالجواز، كما أنهم متفقون أيضًا على العمل به في الدنيوية كالآراء والحروب، وكإخبار طبيب، أو مجرب بضرر شيء، أو نفعه.
راجع: المعتمد: 2/ 97، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 508، وتشنيف المسامع: ق (86/ أ)، والغيث الهامع: ق (88/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 131، وهمع الهوامع: ص/ 263.
(3)
هو محمد بن داود بن علي بن خلف الظاهرى، أبو بكر، كان فقيهًا أديبًا، مناظرًا، ظريفًا، شاعرًا، وهو إمام ابن إمام، وجلس مكان والده بعد وفاته في الحلقة، والتدريس، وهو صغير السن، حتى استصغره الناس، وله تصانيف كثيرة منها: الوصول إلى معرفة الأصول، والإنذار والإعذار، والانتصار على محمد بن جرير، وغيره، والزهرة في الأدب، واختلاف مسائل الصحابة، وهو ابن داود الظاهري صاحب المذهب وتوفي أبو بكر سنة (297 هـ).
راجع: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص/ 175، وتأريخ بغداد: 5/ 256، ووفيات الأعيان: 3/ 390، وتذكرة الحفاظ: 2/ 660، والنجوم الزاهرة: 3/ 171.
(4)
المصنف عزاه للظاهرية، وذكر الزركشي أنه إنما يعرف عن بعضهم كابن داود، والقاساني، وكذا نقله ابن الحاجب، أما داود، وابن حزم فهما مع الجمهور في العمل به، كما أن بعض المعتزلة وافقوا ابن داود في مذهبه.
راجع: الرسالة: ص/ 458، والبرهان: 1/ 599، وأصول السرخسي: 1/ 321، والمعتمد: 2/ 98، والمستصفى: 1/ 148، والروضة: ص/ 93، والإحكام للآمدي: 1/ 247، والإحكام لابن حزم: 1/ 87 - 97، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 357، وكشف الأسرار: 2/ 370، والمسودة: ص/ 238، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 59، وفواتح الرحموت: 2/ 131، وتيسير التحرير: 3/ 82، ومختصر الطوفي: ص/ 55، وإرشاد الفحول: ص/ 48.
ثم القائلون: بوجوبه اختلفوا في طريق الوجوب، الجمهور طريقه السمع.
الإمام [أحمد](1) وابن سريج، والبصري بالعقل (2).
لنا - على المختار - عمل الصحابة ومن بعدهم بإخبار العدل، وشاع وذاع بينهم من غير نكير، وذلك يوجب العلم العادي باتفاقهم فيكون إجماعًا على ذلك.
قالوا: يحتمل أن يكون العمل بغيرها في تلك الوقائع.
قلنا: بعيد، والعادة قاضية بأن العمل بها.
قالوا: لو وجب العمل بها لما أنكروها، وقد وقع الإنكار في كثير منها.
قلنا: الخبر المظنون يجوز الارتياب فيه، إنما الكلام فيما خلا عن الارتياب.
قالوا: قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36]، وقوله:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [النحم: 23] شاهدا عدل على عدم الجواز.
(1) المثبت من هامش (أ) ولم توجد في صلب (أ، ب).
(2)
راجع: الإحكام لابن حزم: 1/ 97، واللمع: ص/ 40، والبرهان: 1/ 599، والكفاية للخطيب: ص/ 18، والمعتمد: 2/ 106، والمستصفى: 1/ 146، 148، والتمهيد لأبي الخطاب: 3/ 44، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 507، والروضة: ص/ 93، والمسودة: ص/ 237 - 238، والإبهاج: 2/ 299، ونهاية السول: 2/ 97، ومناهج العقول: 2/ 280، وغاية الوصول: ص/ 98، وفواتح الرحموت: 2/ 131، وتيسر التحرير: 3/ 82، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 92.
قلنا: ظاهر وقع في مقابلة الإجماع القطعي يجب تأويله.
قالوا: قصة ذي اليدين (1) في قصر الصلاة صريحة في عدم القبول.
قلنا: غير محل النزاع إذ الكلام في الأمة.
والحق: أن النزاع - في هذه المسألة - مكابرة: لأنه قد تواتر معنى أنه كان صلى الله عليه وسلم يرسل الآحاد في الوقائع، ولم يرو التوقف في واقعة.
أما القائلون: بالوجوب - عقلًا - فأبو الحسين: خبر الواحد يحتمل الصدق، والكذب، فيحب العمل به احتياطًا: لأن الاجتناب عما يوجب الضرر واجب.
قلنا: تحسين عقلي، وقد مر بطلانه.
والباقون: لو لم يجب العمل بخبر الواحد لخلت كثير من الوقائع عن الحكم.
قلنا: لو سلم ذلك، فانتفاء الدليل دليل على انتفاء الحكم شرعًا، فيكون مدركًا شرعيًا، فلا حكم للعقل حينئذ.
(1) هو الصحابي الخرباق بن عمرو من بني سليم، وقيل له: ذو اليدين لأنه كان في يديه طول، وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسميه ذا اليدين، وكان في يديه طول، وفي رواية أخرى أنه بسيط اليدين، وهو الذي قال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ حين سلم في ركعتين، وقد تقدم ذكر ذلك في هامش ص/ 11، وعاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم زمانًا، وروى عنه التابعون.
راجع: الإصابة: 1/ 489، والاستيعاب: 1/ 491، وتهذيب الأسماء واللغات: 1/ 185، ونيل الأوطار: 3/ 107.
قوله: "والكرخي في الحدود".
أقول: ما تقدم كان في خبر الواحد، ورده مطلقًا، وقد فصل بعضهم، فالكرخي لا يقبل خبر الواحد في الحدود لقوله صلى الله عليه وسلم:"ادرؤوا الحدود بالشبهات"(1)، وفي خبر الواحد شبهة (2).
(1) قال الحافظ: "بهذا اللفظ ورد في مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعًا". ورواه الترمذي، والحاكم والبيهقي، وأبو يعلى عن عروة عن عائشة رضي الله عنها بلفظ:"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة"، رفيه يزيد بن أبي زياد، أو ابن زياد الدمشقي، تكلم فيه - جرحًا - البخاري، والترمذي، والنسائي، وروى الدارقطني، والبيهقي عن علي بلفظ:"ادرؤوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود"، وفيه المختار ابن نافع، جرحه البخاري والنسائي، وابن حبان، وعند ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ:"ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعًا" وفيه إبراهيم بن الفضل المخزومي ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة والنسائي، ورواه ابن حزم عن عمر موقوفًا:"لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن أقيمها بالشبهات" قال الحافظ: "وسنده صحيح".
راجع: تحفة الأحوذي: 4/ 688 - 689، وسنن ابن ماجه: 2/ 112، وسنن الدارقطني: 3/ 84، والسنن الكبرى: 8/ 238، والمستدرك: 4/ 384، وتأريخ الخطيب: 5/ 331، والميزان: 1/ 52، 2/ 80، 825، وتلخيص الحبير: 4/ 56، ونصب الراية: 3/ 305، والمقاصد الحسنة: ص/ 52 - 53، وكنز العمال: 5/ 305، وكشف الخفاء: 1/ 73، وأسنى المطالب: ص/ 25.
(2)
رقد تبع الكرخي في هذا القول أكثر الحنفية، وهو قول أبي عبد الله البصري، وغيره، فالحد لا يثبت - عندهم - بخبر الآحاد إلا إذا رواه أربعة، فما فوق.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 321 - 333، والمعتمد: 2/ 138، والمستصفى: 1/ 155، وكشف الأسرار: 3/ 28، وفواتح الرحموت: 2/ 136 - 137، وتيسير التحرير: 3/ 88.
قلنا: ليس معنى الشبهة احتمال الكذب، وإلا لانتقض بالشهادة في الحدود لاحتمالها الكذب. / ق (90/ أمن أ).
وقالت طائفة من الحنفية: لا يقبل في ابتداء نصب الزكاة، بخلاف الزيادة عليها، ولذلك أوجبوا في الزيادة على خمسة أوسق بحسابها، بخلاف السخال (1)، التي ماتت أمهاتها، فإنهم لم يوجبوا فيها، لكونها بعد موت الأمهات، معتبرة استقلالًا، وما ذكروه ضعيف لشمول الحديث الكل.
وقيل: إن عمل الأكثر بخلافه لا يقبل، وهو مردود: لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا، فيجوز أن يكون عمل الأكثر لاتفاق اجتهادهم (2).
وقالت المالكية: إذا خالف أهل المدينة لا يقبل (3)، ولهذا لم يقولوا بخيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين (4) لمخالفة أهل المدينة.
(1) السخال: واحده سخلة، وهو يطلق على الذكر، والأنثى من أولاد الضأن، والمعز ساعة تولد، وتجمع - أيضًا - على سخل مثل: تمرة، وتمر.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 290، والمصباح المنير: 1/ 269.
(2)
راجع: المسودة: ص/ 139، وشرح العضد على المختصر: 2/ 68، ومناهج العقول: 2/ 307، وتشنيف المسامع: ق (86/ ب)، والغيث الهامع: ق (89/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 134، وهمع الهوامع: ص/ 263.
(3)
يعني أن خبر الواحد إذا تعارض، مع ما نقله جيع مجتهدي المدينة من الصحابة أو التابعين، فإن مالكًا يقدم عليه نقل أهل المدينة، واتفق على ذلك المالكية.
راجع: مراقي السعود مع شرحه نشر البنود: 2/ 33، وعمل أهل المدينة لمحمد نور سيف: ص/ 308 - 320، وإنما اختلفوا، فيما لو خالف خبر الآحاد ما كان منهم عن اجتهاد.
(4)
روى البخاري، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".
راجع: صحيح البخاري: 3/ 79 - 80، وصحيح مسلم: 5/ 9 - 10، واللفظ المذكور له.
وقالت الحنفية: لا يقبل فيما عمت البلوى كحديث مس الذكر (1)؛ لأن ما تعم به البلوى تقضي العادة بتواتره. الجواب: منع قضاء العادة.
أو خالفه راويه: لأنه إنما خالفه لدليل أقوى (2).
قلنا: في ظنه لا في الواقع.
أو عارض القياس خبره إذا لم يكن فقيهًا (3)، فإنه يدل على رجحان كذبه.
(1) رُوِي من حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي أيوب، وأم حبيبة، وبسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ".
راجع: الموطأ: ص/ 51، ومشد أحمد: 2/ 223، وسنن أبي داود: 1/ 41، وتحفة الأحوذي: 1/ 270، وسنن النسائي: 1/ 100، وسنن ابن ماجه: 1/ 176، وسنن الدارمي: 1/ 184، والمستدرك: 1/ 136، وموارد الظمآن: ص/ 78، وتلخيص الحبير: 1/ 122، وكشف الخفاء: 1/ 106.
(2)
اشترط بعض الأحناف في مخالفة الراوي ما رواه أن تكون بعد رواية الحديث في التأريخ، أما إذا كانت قبله، أو جهل التأريخ، فيقدم الخبر، وهذا هو رأي السرخسي، والبزدوي، ومثلوا لذلك بحديث ابن عمر في رفع اليدين في الركوع، ثم خالفه ابن عمر، كما في رواية مجاهد أنه قال: صحبت ابن عمر سنين، فلم أره يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.
راجع: أصول السرخسي: 2/ 5 - 6، وكشف الأسرار: 3/ 64، وتيسير التحرير: 3/ 73، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 630.
(3)
بالنسبة للصحابة رضي الله عنهم، فقد قسمهم السرخسيّ، وغيره من الأحناف في الرواية إلى قسمين: معروف، ومجهول، والمعروف نوعان:
من عرف بالفقه، والرأي في الاجتهاد، واشتهر كالخلفاء الراشدين، والعبادلة وغيرهم، فهذا النوع خبره حجة موجبة للعلم، والعمل معًا سواء كان الخبر موافقًا للقياس، أو مخالفًا له، فيترك القياس، ويعمل بالخبر، ورَدَّ على الإمام مالك تقديمه القياس على الخبر مطلقًا.
النوع الثاني من عرف بالعدالة، وحسن الضبط، والحفظ، ولكنه يقل فقهًا عن النوع الأول كأبي هريرة، وأنس، وغيرهما ممن اشتهر بالصحبة الطويلة حضرًا، وسفرًا، فهنا يقدم القياس =
قلنا: ممنوع.
والقول الثالث: في الخبر المعارض للقياس أن القياس إن عرفت علته بنص راجح على الخبر المعارض له، ووجدت تلك العلة في الفرع قطعًا، فالقياس مقدم، وإن لم يكن وجود العلة في الفرع قطعيًا، فالوقف، وإن انتفى قطعية العلة في الفرع يقبل الخبر كحديث التصرية (1)، فإنه مخالف لقياس ضمان المتلفات (2). / ق (92/ أمن ب).
= على خبره، ثم قال:"ولعل ظانًا يظن أن في مقالتنا ازدراء به - يعني أبا هريرة رضي الله عنه ومعاذ الله من ذلك، فهو مقدم في العدالة، والحفظ، والضبط، كما قررناه. . ." ثم ذكر القسم الثاني وهو المجهول، وهو من لم يشتهر بطول الصحبة، رإنما عرف بما روي من حديث، أو حديثين نحو وابصة بن معبد، وسلمة بن المحبق، ومعقل بن سنان، وغيرهم رضي الله عنهم، ورواية هذا النوع ذكر لها خمسة أوجه، وبنحو هذا قال الكمال بن الهمام.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 338 - 342، وتيسير التحرير: 3/ 52 - 54، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 387.
(1)
لما رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، رالنسائي، وابن ماجه، والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تصروا الإبل، والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك، فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر"، والتصرية: هي أن يترك صاحب الناقة، أو الشاة، حلبها ليجتمع لبنها في ضرعها موهمًا بذلك المشتري بكثرة لبنها.
راجع: صحيح البخاري: 3/ 88، وصحيح مسلم: 5/ 4، ومسند أحمد: 2/ 242، وسنن أبي داود: 2/ 242، وتحفة الأحوذي: 4/ 459، وسنن النسائي: 7/ 253، وسنن ابن ماجه: 2/ 29 - 30، وسنن الدارمي: 2/ 251، وأقضية الرسول صلى الله عليه وسلم: ص/ 76، ونيل الأوطار: 5/ 214.
(2)
لأنها تكون بالمثل، أو بالثمن، وهنا لا يوجد واحد منهما. ثم انظر أدلة الحنفية ررد الجمهور عليهم: أصول السرخسي: 1/ 340، 341، 368، 2/ 5، وكشف الأسرار: =
وقال الجبائي (1): لا بد في خبر الواحد من راويين: لأن أبا بكر (2) رضي الله عنه رد خبر المغيرة في توريث الجدة السدس (3) حتى رواه
= 2/ 381، وفواتح الرحموت: 2/ 128، وتيسير التحرير: 3/ 73، 113، والإحكام لابن حزم: 1/ 104، 143، واللمع: ص/ 40، والمعتمد: 2/ 162، 167، 175، والمستصفى: 1/ 171، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 607، 619، 630، والإحكام للآمدي: 1/ 290، 292، 294، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 372، والمختصر مع العضد: 2/ 68، 72، والمسودة: ص/ 238 - 239، وتخريج الفروع على الأصول: ص/ 215، ومختصر الطوفي: ص/ 69 - 70، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 135، وإرشاد الفحول: ص/ 56، وقواعد التحديث: ص/ 91 - 92.
(1)
المراد به أبو علي، راجع: المعتمد: 2/ 138.
(2)
هو الصحابي الجليل، والصديق الكبير عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب القرشي، التيمي، أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة، ولد بعد عام الفيل بسنتين، وستة أشهر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وسبق إلى الإسلام، واستمر مع النبي صلى الله عليه وسلم طول إقامته بمكة، ورافقه في الهجرة، وفي الغار، والمشاهد كلها، واستخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم في إمامة الصلاة، ورضيه المسلمون خليفة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فقام في الأمر خير قيام، وثبت ثبوت الراسيات عندما ارتد البعض عن الإسلام، فحاربهم وأرجعهم قسرًا إلى حظيرة الإسلام، وهو من المبشرين بالجنة، ومناقبه كثيرة رضي الله عنه، وتوفي سنة (13 هـ).
راجع: الاستيعاب: 4/ 17، والإصابة: 2/ 341، وصفة الصفوة: 1/ 235، والعقد الثمين: 5/ 206، وتأريخ الخلفاء: ص/ 27.
(3)
الحديث رواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم =
محمد بن مسلمة (1)، وكذلك عمر رد قول أبي موسى (2) في
= أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال: مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق. . .".
راجع: الموطأ: ص/ 317 - 318، والمسند: 5/ 327، وسنن أبي داود: 2/ 109، وتحفة الأحوذي: 6/ 278، وسنن ابن ماجه: 2/ 163، وسنن الدارمي: 2/ 359، وموارد الظمآن: ص/ 300، ونيل الأوطار: 6/ 59.
(1)
هو الصحابي محمد بن مسلمة بن سلمة الأوسي الأنصاري الحارثي، أبو عبد الرحمن المدني، وهو ممن سمي في الجاهلية محمدًا، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة، أسلم على يد مصعب بن عمير، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد بدرًا، وما بعدها إلا تبوك، فإنه تخلف بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من فضلاء الصحابة، كثير العبادة، والخلوة، واستخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته، وتولى مهمات كثيرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما اشتد أذى كعب بن الأشرف لرسول الله وأصحابه قال صلى الله عليه وسلم:"من لي بكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله"؟ ، فكان محمد بن مسلمة في مقدمة النفر الذين قتلوا كعبًا، وسكن محمد الربذة، واعتزل الفتن، فلم يشهد وقعتي الجمل، وصفين، ونعم ما فعل رضي الله عنه، وتوفي بالمدينة سنة (46 هـ) وقيل: غير ذلك.
راجع: الاستيعاب: 3/ 336، والإصابة: 3/ 383، ومشاهير علماء الأمصار: ص/ 22.
(2)
هو الصحابي عبد الله بن قيس بن سليم أبو موسى الأشعري أسلم قبل الهجرة، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة بعد خيبر، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، وافتتح الأهواز، ثم أصبهان، واستعمله عثمان على الكوفة، وكان أحد الحكمين في صفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الحديث:"أنه أوتي مزمارًا من مزامير آل داود"، وهو أحد القضاة المشهورين، سكن الكوفة، وتفقه أهلها به، وتوفي سنة (42 هـ) وقيل:(44 هـ).
راجع: الاستيعاب: 2/ 371، والإصابة: 2/ 359، وحلية الأولياء: 1/ 256، ومشاهير علماء الأمصار: ص/ 37، وشذرات الذهب: 1/ 53.
الاستئذان (1) حتى وافقه أبو سعيد الخدري (2).
الجواب: أنهما إنما فعلا ذلك تثبتًا في قصة خاصة، ولذلك حكمًا في وقائع لا تحصى بأخبار الآحاد (3).
(1) لما رواه البخاري، ومسلم، ومالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي عن أبي موسى، وأبي سعيد معًا: أن أبا سعيد قال: كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى، فزعًا، مذعورًا، فقلت: ما شأنك؟ ! قال: إن عمر أرسل إليّ أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا، فلم يرد، فرجعت، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: أتيت، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم ترد، فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فليرجع" فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك! فقال أُبَي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغرهم، قال: فاذهب به، فذهبت إلى عمر، فشهدت.
راجع: صحيح البخاري: 8/ 67، وصحيح مسلم: 6/ 177، والموطأ: ص/ 597، والمسند: 3/ 6، 19، 4/ 393، وسنن أبي داود: 2/ 637، وتحفة الأحوذي: 7/ 464، وسنن ابن ماجه: 2/ 398، وفيض القدير: 1/ 273.
(2)
هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سنان أبو سعيد الخدري الأنصاري الخزرجي، استصغر يوم أحد، فرد، ثم غزا بعد ذلك، مع النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة غزوة، وروي عنه الكثير من الأحاديث، وكان من نجباء الأنصار، وعلمائهم، وفضلائهم، وتوفي سنة (74 هـ) وقيل: غير ذلك.
راجع: الاستيعاب: 2/ 47، والإصابة: 2/ 35، وصفة الصفوة: 1/ 714.
(3)
راجع: أصول السرخسي: 1/ 331، واللمع: ص/ 40، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 600، وروضة الناظر: ص/ 94، والعضد على المختصر: 2/ 59، 68 وكشف الأسرار: 3/ 28، وفواتح الرحموت: 2/ 134، ومختصر الطوفي: ص/ 55، 56، ومناهج العقول: 2/ 307، وتدريب الراوي: 1/ 73، وإرشاد الفحول: ص/ 49.
وعند الجبائي: يقوم مقام الراوي الآخر الاعتضاد بعمل بعض الصحابة (1).
وقال عبد الجبار: الخبر الدالّ على حد الزنى لا بد فيه من أربعة قياسًا على الشهادة (2).
الجواب: قياس مع الفارق إذ باب الشهادة أحوط، ولذلك أجمعوا على اشتراط العدد فيه (3).
وفي المحصول للإمام: أن عبد الجبار حكى هذا عن الجبائي (4)، فيكون له في المسألة قولان، أو أنه لما أطلق الاثنين قيده في الزنى، فلا يكون له إلا قول واحد (5).
قوله: "مسألة: المختار - وفاقًا للسمعاني، وخلافًا للمتأخرين - أن تكذيب الأصلِ الفرعَ لا يُسقِط المروي".
أقول: إذا روى عدل عن عدل، ثم كذب الأصل الفرع بأن قال: ما رويته له. هل يصح الاحتجاج بذلك المروي، أم لا؟ فيه خلاف:
(1) وكذا إن عضده ظاهر، أو انتشر. راجع: المعتمد: 2/ 138.
(2)
راجع: المستصفى: 1/ 155، وتيسير التحرير: 3/ 88.
(3)
راجع: المسودة: ص/ 239، وكشف الأسرار: 3/ 29، وفواتح الرحموت: 2/ 137 - 144، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 133، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 96، وإرشاد الفحول: ص/ 56.
(4)
راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 599.
(5)
ذكر له أبو الحسين البصري قولين في المسألة. راجع: المعتمد: 2/ 138.
مختار المصنف: أنه لا يسقط، ونسب خلافه إلى المتأخرين كابن الحاجب، والآمدي، والإمام (1).
ونقل المولى المحقق الاتفاق على السقوط: لأن أحدهما كاذب قطعًا، وإن لم يقدح ذلك في عدالتهما لأن الكاذب غير معين.
والحق: ما ذهب إليه المصنف: لأن الأكثرين على أنه لو قال: لا أدري أرويته له، أم لا؟ يحتج بذلك المروي، وعللوه بجواز النسيان، وكما احتمل النسيان في صورة الشك، فكذلك في صورة الإنكار، فكم من مصر على نفي أمر، ثم يقر به معتذرًا بالنسيان، لكن تعليله بقبول شَهادتهما إذا اجتمعا في قضية ليس بسديد: لأنا قد ذكرنا أن عدالتهما المتحققة لا تزول بالشك، فقبول قولهما (2) / ق (90/ ب من أ) لا يستلزم قبوله في الخبر الذي أحدهما كاذب فيه قطعًا، فالفرق واضح.
وإن لم يكذب الأصل الفرع صريحًا، بل توقف، فعند المصنف قبوله قوله من باب الأولى، وعند القائلين بالسقوط في الأولى - أيضًا - يحتج به لاحتمال النسيان على ما ذكرناه (3).
(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 604 - 605، والإحكام للآمدي: 1/ 285، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 71، مع أن نقله الاتفاق المذكور لا يسلم لنقل الاختلاف.
(2)
آخر الورقة (90/ ب من أ).
(3)
راجع: اللمع: ص/ 45، الكفاية للخطيب: ص/ 139، مقدمة ابن الصلاح: ص/ 55، أصول السرخسي: 2/ 3، وتوضيح الأفكار: 2/ 243، 247، والمسودة: ص/ 279، =
قوله: "وزيادة العدل مقبولة".
أقول: إذا انفرد عدل بزيادة في الحديث مثل أن يروي أحدهما أنه دخل البيت وصلى، والآخر أنه دخل، ولم يذكر أنه صلى (1).
فإن لم يعلم اتحاد المجلس بأن علم تعدد المجلس، أو احتمل، فتلك الزيادة مقبولة بلا خلاف (2).
وإن اتحد المجلس، مختار المصنف، وكذا الشيخ ابن الحاجب أن غيره من الرواة إن كان لا يغفل مثلهم عن مثله، وكان الخبر مما يتوفر الدواعي على نقله، لم يقبل، وإلا قبل (3). وقيل: بالوقف.
= وكشف الأسرار: 3/ 59، وتدريب الراوى: 1/ 334، وفواتح الرحموت: 2/ 170، وتيسير التحرير: 3/ 107، وتشنيف المسامع: ق (87/ أ)، والغيث الهامع: ق (89/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 138، وهمع الهوامع: ص/ 266.
(1)
لما رواه البخاري، ومسلم، والنسائي عن أسامة بن زيد، وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها، فأخرجت، فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط، فدخل البيت فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه"، بينما حديث ابن عمر أنه صلى فيه، وقد تقدم تخريجه: 2/ 284.
راجع: صحيح البخاري: 2/ 176، وصحيح مسلم: 4/ 97، وسنن النسائي: 5/ 218.
(2)
راجع: اللمع: ص/ 46، والإحكام لابن حزم: 1/ 208، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 40، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 677، وشرح النووي على مسلم: 1/ 32، والمسودة: ص/ 299، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 381، ومختصر الطوفي: ص/ 68، وغاية الوصول: ص/ 98، وتدريب الراوي: 1/ 245، وتوضيح الأفكار: 2/ 17، وإرشاد الفحول: ص/ 56.
(3)
واختاره الآمدي. راجع: الإحكام: 1/ 287، والمختصر: 2/ 71 - 72.
وقيل: يقبل سواء جاز عليه الغفلة، أو لا، ونسب هذا القول إلى الجمهور (1).
لنا - على مختار المصنف -: أنه عدل جازم، والغرض جواز غفلة غيره، فلا مانع من قبول قوله.
قالوا: إذا خالف واحد جماعة نسبة الوهم إليه أولى من نسبته إلى تلك الجماعة.
الجواب: سهو الإنسان، فيما لم يسمعه بأنه سمعه بعيد جدًا، بخلاف ذهوله عما سمعه.
وأما إذا لم يجوز غفلة الغير، فذلك مانع قوي لا يترك بظاهر حال العدل، هذا إذا كان الساكت لم يكن أضبط من الراوي، ولا نفى الزيادة على وجه يقبل، وإلا، فيتعارضان (2).
والنفي على الوجه المقبول أن يقول: ما سمعته في ذلك المجلس، فهذا محل التعارض.
وأما إذا قال: لم يقله، فلا اعتبار به؛ لأنه تكذيب مجرد.
(1) ونقل هذا عن نص الشافعي، وحكاه الخطيب عن جمهور العلماء، والمحدثين، بل ذكر البعض اتفاق المحدثين عليه، وهناك من قال بعدم القبول مطلقًا.
راجع: الكفاية للخطيب: ص/ 425، والمعتمد: 2/ 128 - 132، والمستصفى: 1/ 168، وروضة الناظر: ص/ 110، وفواتح الرحموت: 2/ 172، وتيسير التحرير: 3/ 108.
(2)
راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 141، وتشنيف المسامع: ق (87/ ب)، والغيث الهامع: ق (89/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 267.
وإن رواها الراوي مرة، وترك أخرى، فالحكم على ما سبق تفصيله في الروايتين (1)، وما ذكر كله، فيما إذا لم تُغَير الزيادة الإعراب، فأما إذا غيرته تعارضا، كما إذا روى أحدهما: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من بر (2)، وروى الآخر نصف صاع (3)، أو روى واحد مرتين بالروايتين (4) / ق (92/ ب من ب) ثبت بينهما التعارض.
(1) يعني فإن أسندها إلى مجلس غير مجلس الناقص قبلت، وإن أسندهما إلى مجلس واحد، فيجيء الخلاف السابق.
راجع: مختصر ابن الحاجب: 2/ 71، وتشنيف المسامع: ق (87/ ب)، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 680، ومناهج العقول: 2/ 331، وغاية الوصول: ص/ 98.
(2)
كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد، والحر والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة".
راجع: صحيح البخاري: 2/ 153 - 155، وصحيح مسلم: 3/ 68 - 70.
(3)
جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير، وكبير، حر أو مملوك صاعًا من طعام، أو صاعًا من إقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه، حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًا، أو معتمرًا، فكلم الناس على المنبر، فكان، فيما كلم به الناس أن قال: إني أرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد، فأما أنا، فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه أبدًا ما عشت".
راجع: صحيح مسلم: 3/ 69، فقد رأى معاوية أن نصف صاع من سمراء الشام يعدل ويقوم مقام الصاع من غيره اجتهادًا منه لا أنها رواية أخرى.
(4)
آخر الورقة (92/ ب من ب).
خلافًا للبصري (1)، فإنه يقبل الزيادة مطلقًا.
ودليله: أن موجب القبول زيادة العلم بذلك الزيادة، وقد وجد، واختلاف الإعراب مانع لذلك، وهذا قوي عندي بحثًا، وأي فرق بين هذا وبين إثبات الصلاة داخل البيت، ونفيها؟
فإذا قيل: إنه ثقة تقبل زيادته، فاختلاف الإعراب لا يصلح مانعًا.
قوله: "ولو انفرد واحد عن واحد قبل عند الأكثر".
أقول: هل يشترط العدد في قبول الأخبار، أم لا؟ :
الجمهور: لا يشترط لأنه عدل، والرواية أوسع من الشهادة بابًا، فلا حاجة إليه، وكفى في ذلك إجماع الصحابة على ذلك مثل عملهم بقول عائشة في التقاء الختانين، وغير ذلك.
وقياسه على الشهادة باطل بإجماع الصحابة، وبالفرق الذي ذكرنا (2).
[قوله](3): "ولو أسند وأرسلوا، أو وقف ورفعوا".
(1) هو أبو عبد الله البصري، ومذهب عبد الجبار: لا تقبل إن أثرت في إعراب اللفظ، وقال أبو الحسين البصري: إن غيرت المعنى قبلت، وإن غيرت الإعراب تعارضتا.
راجع: المعتمد: 2/ 129 - 132، والمسودة: ص/ 300، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 142 - 143، وهمع الهوامع: ص/ 268، ومناهج العقول: 2/ 331، وغاية الوصول: ص/ 98.
(2)
المخالف في هذا هو الجبائي حيث اشترط العدد في كل خبر، وقد تقدم ذلك.
راجع: المعتمد: 2/ 138، وتشنيف المسامع: ق (87/ ب)، والغيث الهامع: ق (90/ ب)
(3)
سقط من (ب).
أقول: تبع ابن الحاجب في أن الرفع، والإسناد زيادتان مقبولتان عند الجمهور إذا تعدد المجلس؛ لجواز أن يُحدَث الشيخ بتلك الزيادة في مجلس، ولم يفعلها في مجلس آخر، وما لم يعلم تعدد المجلس فيه حكمه حكم التعدد لأنه الغالب، وإن اتحد المجلس عادت الأقوال الأربعة في زيادة العدل برمتها من غير فصل.
وهذا على ما/ ق (91/ أمن أ) هو المختار من عدم حجية المرسل منفردًا.
وأما عند الحنفية القائلين بحجيته مقدم على المسند (1)، وإنما لم يذكر المصنف إسناد راو واحد مرة، وإرساله أخرى؛ لأنه يعلم حاله بالمقايسة لأن الفرض أن الراوي عدل، فالعدالة هي علة القبول، وكونه إياه، أو غيره لا دخل له في ذلك.
قوله: "وحذف بعض الخبر جائز عند الأكثر".
أقول: حذف بعض الخبر جائز عند الجمهور إذا لم يختل معنى الباقي بدونه، كما إذا روى قوله صلى الله عليه وسلم في البحر:"هو الطهور ماؤه"، واقتصر عليه، وأسقط قوله:"الحل ميتته"(2).
(1) الجمهور الراجح هو المسند، وقال آخرون برد الخبر، وتوقف البعض، ومنهم من رجح قول الأحفظ، ومنهم من رجح قول الأكبر.
راجع: المعتمد: 2/ 132، 140، 151، والكفاية: ص/ 417، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 34، والإحكام للآمدي: 1/ 289، وكشف الأسرار: 3/ 7 - 8، وشرح النووي على مسلم: 1/ 23، والمسودة: ص/ 251، والعضد على ابن الحاجب: 2/ 72. وتدريب الراوي: 1/ 221، وتوضيح الأفكار: 1/ 339.
(2)
مذهب الجمهور كما ذكر في الشرح، وقيل: لا يجوز مطلقًا، وقيل: إن نقله بتمامه =
وقوله: "أحل لنا ميتتان، ودمان"(1) اقتصر على أحد الحكمين.
وأما إذا كان له تعلق كالغاية، والاستثناء مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تباع الثمرة حتى تزهو"(2).
= مرة جاز، وإلا فلا، وقيل: إن كان الحديث مشهورًا بتمامه جاز، وإلا فلا، وهناك أقوال أخرى في المسألة.
راجع: اللمع: ص/ 45، والمستصفى: 1/ 168، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 106، وشرح النووي على مسلم: 1/ 49، وتدريب الراوي: 2/ 103، والمسودة: ص/ 304، وتوضيح الأفكار: 2/ 392، وفواتح الرحموت: 2/ 170، وتيسير التحرير: 3/ 75، تشنيف المسامع: ق (88/ أ)، والغيث الهامع: ق (9/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 144، وهمع الهوامع: ص/ 269، وإرشاد الفحول: ص/ 58.
(1)
رواه الشافعي، وأحمد، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، والحاكم من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال: رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان: فالجراد، والحوت، وأما الدمان: فالطحال، والكبد". وعبد الرحمن بن زيد تكلم فيه - جرحًا - أحمد، وابن معين، وغيرهما.
وروي موقوفًا على ابن عمر، وصحح الوقف الدارقطني، وأبو زرعة، وأبو حاتم على ترجيح الوقف، فإنه يعطى حكم المرفوع إذ لا مجال للرأي فيه.
راجع: المسند: 2/ 97، وسنن ابن ماجه: 2/ 292، وسنن الدارقطني: 4/ 271 - 272، والسنن الكبرى للبيهقي: 1/ 254، 10/ 7، ميزان الاعتدال: 2/ 564، وتلخيص الحبير: 1/ 25 - 26، وكشف الخفاء: 1/ 60، وأسنى المطالب: ص/ 22.
(2)
روي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن تباع ثمرة النخل حتى تزهو"، وروي بمعناه من حديث ابن عمر وفي رواية:"حتى يزهي" يقال: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا اصفر واحمرّ، وقيل: هما بمعنى الاحمرار، والاصفرار، ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من أنكر يزهي. =
أو الاستثناء نحو: (لا يباع البر بالبر إلا سواء بسواء) لا يجوز لاختلال المقصود بدونه.
وقيل: لا يجوز مطلقًا إذ ربما يكون هناك فائدة تفوت بالحذف.
والجواب: أن هذا الجواز مخصوص بالعارف بأساليب الكلام (1).
قوله: "وإذا حمل الصحابي، وقيل: أو التابعي".
أقول: إذا حمل الصحابي مرويه المجمل على أحد محمليه، فالظاهر حمله عليه لأنه أعرف بحال الخبر لولا قرينة عنده لما حمله عليه، هذا إذا كان مجملًا (2).
= راجع: النهاية لابن الأثير: 2/ 323، وصحيح البخاري: 3/ 95 - 96، وصحيح مسلم: 5/ 11 - 12، وسنن أبو داود: 2/ 226، والموطأ: ص/ 382، وتحفة الأحوذي: 4/ 420، وسنن النسائي: 7/ 263 - 264، وسنن ابن ماجه: 2/ 24، وسنن الدارمي: 2/ 251، ونيل الأوطار: 5/ 172 - 173.
(1)
راجع: اللمع: ص/ 45، والكفاية: ص/ 191، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 106، وتدريب الراوي: 2/ 103، وفواتح الرحموت: 2/ 169، وتيسير التحرير: 3/ 75، والمسودة: ص/ 304، وغاية الوصول: ص/ 98.
(2)
وهو قول الجمهور من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، ولهذا قبل الشافعي تفسير ابن عمر التفريق في خيار المجلس بالأبدان، وتفسيره حبل الحبلة ببيعه إلى نتاج النتاج، وغير ذلك. وخالف في ذلك بعض المالكية، وأبو بكر الرازي، والكرخي من الحنفية، وذكر الشيخ الأنصاري أنه قول أكثر المشائخ من الحنفية.
راجع: أصول السرخسي: 2/ 6، والمعتمد: 2/ 175، والإحكام للآمدي: 1/ 292، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 371، والعضد على ابن الحاجب: 2/ 73، ومناهج العقول: 2/ 310، وغاية الوصول: ص/ 99، وإرشاد الفحول: ص/ 59.
أما إذا كان ظاهرًا في أحدهما، وحمله على غيره، فالحمل على الظاهر، وإليه ذهب الشافعي، وعليه حمل قوله:"كيف أحتج بقول من لو عاصرته لحاججته".
وقيل: يحمل على تأويله، وضعفه واضح (1).
وأما إن كان نصًا في مدلوله، وعمل بخلافه، تعين أنه منسوخ عنده، فالواجب اتباعه، أو العمل بالخبر لأنه ربما ظن ما ليس بناسخ ناسخًا احتمالان، هذا إذا لم يعمل الأكثر بخلافه، فإن عمل، فالخبر متعين، ولا التفات إليه، هذا ما عليه الجمهور (2).
والمصنف قيد الحمل بالمتنافيين كالقرء للطهر، والحيض، وحمله الصحابي على أحدهما، وإن لم يتنافيا، فحكمه حكم المشترك في حمله على المعنيين على ما سبق من مذهب الشافعي، ثم قياس التابعي على الصحابي غير صحيح لوجود الفارق (3).
قوله: "مسألة: لا يقبل مجنون".
(1) راجع هذه المسألة: الإحكام للآمدي: 1/ 293، وفواتح الرحموت: 2/ 162، وتيسير التحرير: 3/ 71، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 145، وتشنيف المسامع: ق (88/ أ)، والغيث الهامع: ق (90/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 270.
(2)
راجع: المعتمد: 2/ 175، والإحكام للآمدي: 1/ 293، والمسودة: ص/ 231، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 72، وفواتح الرحموت: 2/ 163، وإرشاد الفحول: ص/ 59.
(3)
راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 145، وغاية الوصول: ص/ 99.
أقول: هذه المسألة موضوعة لبيان شرائط الراوي (1):
منها: العقل، فلا يقبل قول المجنون إذا أطبق جنونه، وكذا إذا لم يطبق، وأثر جنونه في زمن الإفاقة.
ومنها: البلوغ، فلا يقبل الصبي حال صباه، وإن كان مميزًا؛ لأنه لاحتمال كذبه لعلمه بعدم التكليف، وأما إذا تحمل في الصبا، وروى بعده، فالإجماع على قبوله لاتفاق الصحابة على قبول خبر ابن عباس، وابن الزبير (2) وأمثالهما (3).
(1) المراد بالشروط هنا شروط الأداء، وهي تختلف في جملتها عن شروط التحمل.
راجع: الرسالة: ص/ 370، وتوضيح الأفكار: 2/ 114، / وأصول الحديث: ص/ 229، وتيسير التحرير: 3/ 39.
(2)
هو الصحابي عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي أبو خبيب، أو حبيب، أو أبو عبد الرحمن، وهو أول مولود في الإسلام في السنة الأولى بعد الهجرة، وهو فارس قريش، وأمه أسماء بنت أبي بكر، شهد اليرموك، وصار أمير المؤمنين بويع بالخلافة بعد موت يزيد سنة (64 هـ) وغلب على الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وكان فصيحًا، لسنًا، شريفًا كثير العبادة، ودافع عن عثمان يوم الدار، وقاتله بنو أمية حتى تغلبوا عليه في الكعبة، وقتل، وصلب سنة (73 هـ).
راجع: أسد الغابة: 3/ 242، والإصابة: 2/ 309، وحلية الأولياء: 1/ 329، والمعارف: ص/ 256، والعقد الثمين: 5/ 141، والبداية والنهاية: 8/ 332، وتأريخ الخلفاء: ص/ 211. وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمر ابن عباس ثلاث عشرة سنة، وقيل أقل من ذلك، وعمر ابن الزبير تسع سنين، راجع: الإصابة: 2/ 310، 330.
(3)
راجع: أصول السرخسي: 1/ 345، والكفاية: ص/ 76، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 50، وتدريب الراوي: 1/ 300، وتوضيح الأفكار: 2/ 114.
ومنها: الإسلام إجماعًا (1). وأبو حنيفة، وإن قبل/ ق (93/ أمن ب) شهادة الكفار بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم، ولقوله تعالى:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6]، وأما إذا أسلم، وأدى، فكالصبي إذا بلغ، ولذلك لم يذكره (2).
والمبتدع (3) إن أوجبت بدعته الكفر، فكافر، وإلا قبل مطلقًا لتدينه.
(1) راجع: المعتمد: 2/ 135، والإحكام للآمدي: 1/ 265، وشرح النووي على مسلم: 1/ 61، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 53، وتيسير مصطلح الحديث: ص/ 146، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 567، ومختصر الطوفي: ص/ 57، والعضد على المختصر: 2/ 62.
(2)
يرى أكثر العلماء جواز تحمل الصبي المميز للرواية على أن يؤديها بعد البلوغ، ويقاس عليه من روى حال كونه بالغًا، مسلمًا، عدلًا، وقد تحمل حال كونه كافرًا ضابطًا، أو حال كونه فاسقًا ضابطًا، فيقبل منهم لاجتماع الشروط حال روايتهم ولكنهم اختلفوا في تحديد سن الصبي لصحه سماعه، وتحمله.
راجع: الكفاية: ص/ 54، 76، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 60، وتدريب الراوي: 2/ 4، والمستصفى: 1/ 156، والمسودة: ص/ 258، 290، وكشف الأسرار: 2/ 395، ومناهج العقول: 2/ 293، وتيسير التحرير: 3/ 39، وغاية الوصول: ص/ 99، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 147، وإرشاد الفحول: ص/ 50.
(3)
المبتدع: واحد المبتدعة، وهم أهل الأهواء من الجهمية، والقدرية، والخوارج، والروافض، ومن نحا نحوهم، والبدعة المكفرة كالقول بألوهية عليّ، أو غيره، وغير المكفرة كالقول بتفضيله على سائر الصحابة رضي الله عنهم جميعًا.
وذكر الإمام النووي أن من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق، أما في غيره فالخلاف كما ذكر الشارح.
راجع: مقدمة ابن الصلاح: ص/ 54، والتقريب مع التدريب: 1/ 324، وشرح النووي على مسلم: 1/ 60، والكفاية: ص/ 195، وشرح نخبة الفكر: ص/ 156، =
وقيل: مردود مطلقًا لكذبه لأن ابتداعه يوجب فسقه.
وفصل الإمام مالك بين الداعي إلى مذهبه، وغيره؛ لأن الداعي إلى مذهبه ربما وضع الحديث استظهارًا (1)، هذا إذا لم يُجَوِّز الكذب، أما إذا جوزه، فلا يقبل، ولذلك رد الشافعي شهادة الخطابية (2) لتجويزهم (3) / ق (91/ ب من أ) الكذب لموافق مذهبهم (4).
= وتوضيح الأفكار: 2/ 198، وأصول السرخسي: 1/ 373، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 53، واللمع: ص/ 42، والمعتمد: 2/ 135، والمستصفى: 1/ 160، والمحصول: 2/ ق /1/ 567، وكشف الأسرار: 3/ 25، والمسودة: ص/ 262 - 264، ومختصر ابن اللحام: ص/ 85، وتيسير التحرير: 3/ 42 - 43.
(1)
وعزاه الخطيب لأحمد، وحكاه ابن الصلاح عن الأكثر، وذكر أنه أعدل المذاهب وأولاها، وهو اختيار النووي.
راجع: الكفاية: ص/ 195، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 228 - 230، والتقريب مع شرحه: 1/ 325، وشرح نخبة الفكر: ص/ 156، والإحكام للآمدي: 1/ 268 - 269، ومناهج العقول: 2/ 295، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 92.
(2)
الخطابية: نسبة إلى أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، ولا يدرى من هو، وقد عزا نفسه إلى أبي جعفر الصادق، وغلا في حق أبي جعفر، واعتبره إلهًا، فلما وقف الصادق على غلوه الباطل تبرأ منه، ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، ثم ادعى أبو الخطاب الإمامة لنفسه، وزعم أن الأئمة أنبياء ثم آلهة، ولما وقف عيسى بن موسى على خبث دعوته قتله بالكوفة، وافترقت الخطابية بعده فرقًا، وهم يرون جواز الشهادة لأحدهم بمجرد قوله، ويرون الكذب على مخالفيهم.
راجع: مقالات الإسلاميين: ص/ 10، 13، والتبصير في الدين: ص/ 126، والمعارف: ص/ 623، والملل والنحل: 1/ 179 - 180، وطبقات السبكي: 2/ 16.
(3)
آخر الورقة (91/ ب من أ).
(4)
وذكر ابن اللحام تفصيلًا آخر في قبول رواية المبتدع حيث قال: "وإن كانت بدعة =
وأما فقه الراوي، فليس بشرط خلافًا للحنفية (1) فيما يخالف القياس مثل حديث المصراة الذي يرويه أبو هريرة، محتجين بأن الراوي لما كان غير فقيه - ونقل الحديث بالمعنى جائز - ربما أدخل فيه شيئًا لم يكن منه، وقد تقدم الجواب عنه (2).
ومن تساهل في غير الحديث يقبل إذ لا يلزم من ذلك تساهله في الحديث.
وقيل: يرد مطلقًا لأنه يجر إلى التساهل في الحديث.
والجواب: المنع للفرق الواضح (3).
= أحدهم مغلظة كالتجهم ردت روايته مطلقًا، وإن كانت متوسطة كالقدر ردت إن كان داعية، وإن كانت خفيفة كالإرجاء، فهل تقبل معها مطلقًا أو ترد عن الداعية؟ هذا تحقيق مذهبنا" المختصر له: ص 85.
(1)
وكذلك الإمام مالك اشترطه، ونقل عن أبي حنيفة: إنما تعتبر معرفته إن خالف ما رواه القياس، وهو اختيار عيسى بن أبان، والقاضي أبي زيد الدبوسي، وفخر الإسلام البزدوي، وذهب أبو الحسن الكرخي، وتبعه ابن عبد الشكور إلى قبول روايته، وإن خالف القياس، وحكى القرافي القولين عن مالك.
راجع: أصول السرخسي: 2/ 338 - 342، والإحكام لابن حزم: 1/ 132، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 369، وكشف الأسرار: 2/ 381، وفواتح الرحموت: 2/ 144 - 145، وتيسر التحرير: 3/ 52 - 54، ومناهج العقول: 2/ 308، وغاية الوصول: ص/ 99.
(2)
راجع: ص/ 53 من هذا الكتاب.
(3)
مذهب الجمهور القبول لما ذكره الشارح، واختار أبو المحاسن وابن تيمية في المسودة - ونسبه إلى مالك - عدم القبول. =
ويقبل مكثر الرواية، وإن كانت مخالطته لأهل الحديث قليلة إذا أمكن تحصيل ذلك القدر في تلك المدة، فإن لم يمكن يرد قوله مطلقًا لعدم العلم بما يرويه صدقًا بعينه (1).
قوله: "وشرط الراوي العدالة: وهي ملكة تمنع عن اقتراف الكبائر".
أقول: العدالة: صفة نفسانية راسخة (2) تمنع ارتكاب الكبائر والصغائر المشعرة بالخسة كسرقة لقمة، وتطفيف حبة، فمرتكب كبيرة، أو صغيرة هذا شأنها يفسق (3)، وغيرها من الصغائر الإصرار عليها الذي هو ملحق بالكبائر (4) قادح، وكذا بعض المباحات كالأكل في السوق لغير أهله، واللعب في الحمام، والحرف الدنية، والاجتماع مع الأراذل.
= راجع: أصول السرخسي: 1/ 373، والكفاية: ص/ 151، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 57، وتدريب الراوي: 1/ 339، وتوضيح الأفكار: 3/ 23، وشرح تنقيح الفصول: ص/370، والمسودة: ص/ 266، ومناهج العقول: 2/ 306.
(1)
راجع: تشنيف المسامع: ق (88/ ب - 89/ أ)، والغيث الهامع: ق (91/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 147، وهمع الهوامع: ص/ 271، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 92.
(2)
العدالة - لغة -: التوسط في الأمر من غير زيادة، ولا نقصان.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 417، 418، والمصباح المنير: 2/ 396 - 397، والقاموس المحيط: 4/ 13.
(3)
وراجع تعريفها اصطلاحًا: المعتمد: 2/ 133، والإحكام للآمدي: 1/ 263، وشرح العضد على ابن الحاجب: 2/ 63، وإرشاد الفحول: ص/ 51.
(4)
يرى العلامة الشوكاني أن القول: الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة ليس عليه دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية حيث قال: لا صغيرة مع الإصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ، وجعله =
وقوله: "وهوى النفس" لا حاجة إليه لأن ذلك عبارة عن ميله إلى الباطل، وبذلك لا يخرج عن العدالة، وإن كان ذلك الأمر الذي مال إليه كبيرة، فلا يقبل مجهول الحال باطنًا، وهو المستور تفريعًا على اشتراط العدالة؛ لأن الإسلام لا يستلزم العدالة (1)، خلافًا لأبي حنيفة، وابن فورك،
= حديثًا، ولا يصح ذلك، بل الحق: أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه فالإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة.
راجع: إرشاد الفحول: ص/ 53.
(1)
العدالة قام الإجماع على اشتراطها ظاهرًا، وأما باطنًا، فمذهب الجمهور اشتراطها وهو المنقول عن الشافعي، وأحمد، وحكاه الآمدي عن الأكثر، وعلى هذا فمجهول الحال غير مقبول الرواية عندهم، بل لا بد من خبرة باطنة بحاله، ومعرفة سيرته، وكشف سريرته، أو تزكية من عرفت عدالته، وتعديله له، أما الأحناف والمحب الطبري، وابن فورك، وسليم الرازي، وهى رواية عن الإمام أحمد، فلا يشترطون العدالة باطنًا، وعلى هذا فتقبل رواية مجهول الحال.
ويرى السرخسي اختصاص العدالة الظاهرة بالقرون الثلاثة حيث قال: "المجهول من القرون الثلاثة عدل بتعديل صاحب الشرع إياه ما لم يتبين منه ما يزيل عدالته، فيكون خبره حجة على الوجه الذي قررناه" أصول السرخسي: 1/ 352.
أما الكمال ابن الهمام، فهو مع الجمهور في عدم قبول رواية مجهول الحال.
راجع: معرفة علوم الحديث: ص/ 53، والكفاية: ص/ 34، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 50، واللمع: ص/ 42، وأصول السرخسي: 1/ 345، 370، وتدريب الراوي: 1/ 300، وتوضيح الأفكار: 2/ 116، وشرح النووي على مسلم: 1/ 61، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 571، والمستصفى: 1/ 157، والمسودة: ص/ 257، ومختصر الطوفي: ص/ 57، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 92، وكشف الأسرار: 2/ 386، 388، 400، 3/ 20، وفواتح الرحموت: 2/ 146، وتيسير التحرير: 3/ 48 - 49، وروضة الناظر: ص/ 101.
وسليم الرازي (1) اكتفاء بالظن بعد اشتراط الضبط التام، وقد تقدم الجواب، وهو كون الإسلام غير مستلزم للعدالة، وأيضًا الفسق مانع لا بد من العلم بانتفائه (2).
قالوا: قال: "نحن نحكم بالظاهر"(3).
(1) هو سليم بن أيوب، أبو الفتح الرازي الفقيه الأصولي، الأديب اللغوي، المفسر كان إمامًا، جامعًا لأنواع من العلوم من مؤلفاته: ضياء القلوب في التفسير، والتقريب، والإرشاد، والمجرد، والكافي في الفقه، وتوفي سنة (447 هـ).
راجع: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص / 111، وتبيين كذب المفترى: ص/ 262، ووفيات الأعيان: 2/ 133، والعبر: 3/ 213، وطبقات السبكي: 4/ 388، وإنباه الرواة: 2/ 69، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 196، وطبقات ابن هداية الله: ص/ 50، وشذرات الذهب: 3/ 275.
(2)
أما إمام الحرمين فقد توقف في المسألة،
راجع: البرهان: 1/ 615، وهمع الهوامع: ص/ 273.
(3)
اشتهر هذا الحديث في كتب الأصول بهذا اللفظ، وعند الفقهاء:"أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"، لكن المزي، وابن كثير، والعراقي، والحافظ، والسخاوي، والسيوطي، ذكروا أنه لا أصل له بهذا اللفظ.
غير أنه قد ورد في السنة ما يؤيد معناه، ففي الصحيحين من حديث أم سلمة:"إنكم تختصمون إليَّ، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع"، ورواه النسائي، وترجم له في باب الحكم بالظاهر، وعند مسلم من حديث أبي سعيد:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" وكذا من حديث ابن عباس في قصة الملاعنة: "لو كنت راجمًا أحدًا من غير بينة رجمتها".
راجع: صحيح البخاري: 9/ 32، وصحيح مسلم: 4/ 210، 5/ 127 - 129. =
قلنا: الظاهر بعد الخبرة الباطنة لا قبله، والمعارضة بقوله:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36].
قالوا: إذا أخبر بطهارة، ونجاسة قبل اتفاقًا.
الجواب: أمر الرواية أعلا شأنًا، فلا قياس (1). هذا إذا كان مجهولًا باطنًا، أما مجهول الحال مطلقًا (2)، فلا يقبل اتفاقًا لانتفاء تحقق الإسلام الذي هو مظنة العدالة عند الخصم.
= وسنن النسائي: 8/ 233، وتلخيص الحبير: 4/ 192، والمقاصد الحسنة: ص/ 109، والابتهاج: ص/ 245.
(1)
وقد نقل عن صاحب البديع من الحنفية: أن أبا حنيفة إنما قبل رواية مجهول الحال في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، فأما اليوم فلا بد من التزكية لغلبة الفسق، وخبر الفاسق يرد بالاتفاق، وهذا ما نقله السرخسي عن محمد بن الحسن، كما أنه أي السرخسي قد قال بنحو ذلك كما سبق. وقد ذكر العضد منشأ الخلاف في المسألة هذه بين الجمهور، والأحناف بقوله:"واعلم أن هذا مبني على أن الأصل الفسق، أو العدالة، والظاهر أنه الفسق لأن العدالة طارئة، ولأنه الأكثر" شرح العضد على المختصر: 2/ 64.
وراجع: أصول السرخسي: 1/ 371، وفواتح الرحموت: 2/ 147، وإرشاد الفحول: ص/ 53.
(2)
يعني باطنًا، وظاهرًا، وهو محل إجماع، لكن ابن الصلاح حكى الخلاف فيه.
راجع: مقدمة ابن الصلاح: ص/ 224، وتشنيف المسامع: ق (89/ ب)، والغيث الهامع: ق (92/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 150، وهمع الهوامع: ص/ 173.
وكذا مجهول العين مثل أن يسمي اسمًا لا يعرفه أهل الحديث (1)، ومثل ما يقول الشافعي: أخبرني ثقة أنه كذا، أو من لا أتهمه.
والحق - في هذا القسم - أنه بعد التوثيق (2) مقبول، وخالف في ذلك الصيرفي، والخطيب (3) لاحتمال أن يكون فيه ما يوجب جرحه، ولم يطلع عليه الموثق.
(1) مثل عمرو بن ذى مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي حُدّان لا يعرف من هؤلاء، قال الخطيب - بعد ذكرهم، ومن كان مثلهم -:"كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي". وروايتهم ترد بلا خلاف، غير أنه قد قيل: بقبولها، ولعله أشبه بمذهب من لم يشترط في الراوي الزيادة على الإسلام. وقيل: إن كان الراوي عنه لا يروي إلا عن عدل كيحيى بن سعيد قبل، وإلا فلا يقبل، وهناك أقوال أخرى.
راجع: الكفاية: ص/ 149، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 149، وتوضيح الأفكار: 2/ 185، والمسودة: ص/ 255، وغاية الوصول: ص/ 100، وهمع الهوامع: ص/ 274، والمستصفى: 1/ 162.
(2)
يعني أن مجهول العين إذا وصف بما يفيد توثيقه، فالوجه قبوله، وعليه إمام الحرمين، والأكثر، وخالف في هذا فريق منهم من ذكرهم الشارح.
راجع: الكفاية: ص/ 150، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 150، وتشنيف المسامع: ق (89/ ب).
(3)
هو أحمد علي بن ثابت بن أحمد أبو بكر الخطيب البغدادي الحافظ الكبير أحد الأئمة الأعلام وله مؤلفات كثيرة قيمة، منها: تأريخ بغداد، والكفاية في علم الرواية، وموضع أوهام الجمع والتفريق، وتقييد العلم، وتوفي سنة (463 هـ).
راجع: تبيين كذب المفترى: ص/ 68، وطبقات الأسنوي: 1/ 201، وطبقات السبكي: 4/ 29، والفكر السامي: 2/ 329، والنجوم الزاهرة: 5/ 87، وشذرات =
الجواب: أن الموثق إذا كان مثل الشافعي، فيبعد ذلك كل البعد، وخالف الذهبي (1) في قوله: لا أتهم (2). والجواب: الجواب، إذ نفيه يستلزم التوثيق، والقائل إمام مقدم في هذا الفن.
= الذهب: 3/ 311، وسير أعلام النبلاء: 18/ 270، ومعجم الأدباء: 4/ 13، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1135.
(1)
هو الإمام الحافظ المحقق محمد بن أحمد بن عثمان شمس الدين الذهبي أبو عبد الله، ولد في غوطة دمشق، ودرس فيها، وفي القاهرة، والإسكندرية، ومكة، وغيرها، كان متقنًا لعلم الحديث، ورجاله، كما أن له خبرة في تراجم الناس، ومعرفة التأريخ، ولذا لقب (بمؤرخ الإسلام)، وله مؤلفات كثيرة مفيدة منها: تأريخ الإسلام، وسير أعلام النبلاء، وميزان الاعتدال، والعبر، وتذكرة الحفاظ، ومختصر سنن البيهقي، وطبقات مشاهير كبار القراء، والتجريد في أخبار الصحابة، وغيرها كثير وتوفي سنة (748 هـ) بدمشق.
راجع: نكت الهيمان: ص/ 241، وطبقات القراء: 2/ 71، وطبقات السبكي: 9/ 100، والدرر الكامنة: 3/ 426، وطبقات الحفاظ: ص/ 521، والذيل لابن فهد المكي على التذكرة: ص/ 34، وكذا للسيوطي: ص/ 347، وشذرات الذهب: 6/ 153، والبدر الطالع: 2/ 110.
(2)
قال الزركشي: "والعجب اقتصاره على نقله عن الذهبي، مع أن ذلك قاله طوائف من فحول أصحابنا. . ." تشنيف المسامع: ق (89/ ب).
ولأن هذا القول من الشافعي يعتبر عند الذهبي، ومن معه نفيًا للتهمة، وليس توثيقًا حيث لم يتعرض لإتقانه، ولا لكونه حجة.
راجع: الغيث الهامع: ق (92/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 151، وهمع الهوامع: ص/ 274.
وكذا يقبل من أقدم على الفسق جاهلًا (1) بأنه فسق، كمن شرب النبيذ، أو الخمر في الأصح، إذ لا يدل ذلك على عدم اكتراثه بالدين لجهله بالحال.
وقيل: في المقطوع بحرمته لا يقبل. والصواب: خلافه لاشتراك علة القبول، وهو الجهل.
(1) يرى الزركشي أن قول المصنف جاهلًا، غير مطابق لوضع المسألة لأن الافتراض فيها، فيمن يقدم عليه معتقدًا جوازه تأويلًا، وأما الجاهل بكونه فسقًا لم يتكلم فيه الأصوليون، بل هو من وظيفة الفقهاء، وأن الذي أوقع المصنف في هذا عبارة المنهاج:"ولا تقبل رواية من أقدم على الفسق عالمًا، وإن جهل قُبل". وعلى فرض المسألة، فيمن أقدم عليه معتقدًا جوازه بتأويل اختلف فيه:
فذهب الأحناف: إلى أنه لا يفسق بشرب النبيذ، ولعب الشطرنج، وكل متروك التسمية عمدًا من مجتهد، ومقلد، واختاره ابن الحاجب من المالكية.
وذهب الإمام مالك: إلى أنه يفسق مطلقًا، ويحد، وهي رواية عن الإمام أحمد، وبعض أصحابه لأنه مقطوع بفسقه في ذلك.
وذهب الشافعي إلى أنه يحد، وتقبل شهادته بناء على أن فسقه مظنون.
وذهب البعض إلى أنه يفسق، ويحد إذا شرب النبيذ، لكن غير مجتهد أداه اجتهاده إلى إباحته، أو مقلد لذلك المجتهد.
وقيل: لا حد، ولا فسق مطلقًا، وهي رواية للإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية في المسودة. مع العلم أن من أقدم على المفسق، وهو عالم بحرمته، فلا يقبل بالإجماع.
راجع: المستصفى: 1/ 160، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 572، والإحكام للآمدي: 1/ 268، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 362، وشرح النووي على مسلم: 1/ 110، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 62، 63، والمسودة: ص/ 265، والإبهاج: 2/ 318، وتيسير التحرير: 3/ 43، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 151 - 152، وتشنيف المسامع: ق (90/ أ)، والغيث الهامع: ق (93/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 274.
قوله: "وقد اضطرب في الكبيرة".
أقول: الذنب يختلف صغرًا، وكبرًا لقوله تعالى:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31].
وفي الحديث - أيضًا - روى ابن عمر (1) رضي الله عنهما: "السبع الموبقات/ ق (92/ أمن أ): الشرك، وقتل النفس، وقذف المحصنة، والزنى، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين"(2)، وزاد أبو هريرة: أكل الربا (3)، وزاد عليٌّ: الشرب، والسرقة (4).
(1) هو الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما، القرشي، العدوي، المديني، الزاهد، أبو عبد الرحمن، أسلم، مع أبيه، قبل بلوغه، وهاجر قبل أبيه، ولم يشهد بدرًا الصغرى، واختلف في أحد، هل شهدها، أو لا؟ وشهد الخندق، وما بعدها من المشاهد، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد غزوة مؤتة، واليرموك، وفتح مصر، وإفريقيا، عرف عنه شدة متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في آثاره، ويعتبر أحد الستة المكثرين من الرواية، ومناقبه كثيرة، وتوفي بمكة سنة (73 هـ) وقيل غير ذلك.
راجع: الاستيعاب: 2/ 341، والإصابة: 2/ 347، وحلية الأولياء: 1/ 292، 2/ 7، وطبقات القراء: 1/ 437، ونكت الهميان: ص/ 183، وتذكرة الحفاظ: 1/ 37، وطبقات الحفاظ: ص/ 18، وأسد الغابة: 3/ 340.
(2)
حديث ابن عمر رواه ابن مردويه، والطبري.
راجع: جامع البيان: 5/ 26، وتفسير ابن كثير: 1/ 482.
(3)
راجع حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: 8/ 218، وصحيح مسلم: 1/ 64.
(4)
حديث علي رواه ابن جرير، وغيره، بزيادة:(والتعرب بعد الهجرة)، ولم يذكر فيه الشرب، والسرقة، ولعله ذكر ذلك في رواية أخرى عنه. =
ولَمَّا قيل لابن عباس: هي سبع؟ فقال: إلى السبعين أقرب.
وقيل: ما توعد عليه الشارع بخصوصه. وقيل: ما فيه حد (1)، وقيل: ما ورد في تحريمه الكتاب، أو وجب في (2) / ق (93/ ب من ب) جنسه حد.
= راجع: جامع البيان: 5/ 25، وتفسير ابن كثير: 1/ 485، والكشاف: 1/ 522، كما أنه قد وردت أحاديث أخرى في هذا الصدد عند البخاري، ومسلم، وأحمد، والترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، والبيهقي، والنسائي عن أبي بكرة وأنس بن مالك وغيرهم.
راجع: صحيح البخاري: 8/ 4 - 5، وصحيح مسلم: 1/ 64، وسنن أبي داود: 2/ 274، ومسند أحمد: 3/ 131، 4/ 178، 5/ 36 - 37، وتحفة الأحوذي: 6/ 584 - 585، 8/ 372، وسنن النسائي: 7/ 88 - 89، وسنن ابن ماجه: 2/ 67، والسنن الكبرى: 10/ 121.
(1)
وهذه كلها رويت عن ابن عباس، والجمهور الذين قسموا الذنوب إلى صغائر، وكبائر اتفقوا على أنها تحد، ولكنهم اختلفوا في حدها إلى سبعة أقوال، وقد ذكر غالبها في الشرح، وذهب البعض إلى أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به، بل استأثر الله بذلك، كما في إخفاء الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة من يوم الجمعة، ونحو ذلك، ونسب هذا القول إلى الواحدي.
راجع: جامع البيان: 5/ 27 - 30، والكشاف: 1/ 522، والتفسير الكبير للرازي: 5/ 76، وقواعد الأحكام: 1/ 26، وتفسير مجاهد: ص/ 153، وشرح النووي: 2/ 84 - 87، والكبائر للذهبي: ص/ 7 - 8، والزواجر للهيثمي: 1/ 5 - 7، والفروق للقرافي: 1/ 121، وكشف الأسرار: 2/ 399، والتعريفات: ص/ 183، وفواتح الرحموت: 2/ 144، وتيسير التحرير: 3/ 45، ومناهج العقول: 3/ 297، وتفسير ابن كثير: 1/ 487، وفتح القدير للشوكاني: 1/ 458.
(2)
آخر الورقة (93/ ب من ب).
وقال الأستاذ، ووالد المصنف، لا صغيرة في الذنوب (1). فإن أرادا قبح المعصية نظرًا إلى كبريائه تعالى، وأن مخالفته لا تعد أمرًا صغيرًا، فنعم القول (2)، وإن أرادا في إسقاط العدالة، فقد خالفا الإجماع.
والمختار - عند إمام الحرمين، وتبعه المصنف -: هي كل ذنب يؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة (3).
(1) وهذا هو الذي نص على اختياره إمام الحرمين في الإرشاد، ونقل عن القاضي أبى بكر، وابن القشيري، وابن فورك، وحكي عن الأشاعرة وهي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهم جميعًا.
راجع: الإرشاد للجويني: ص/ 328، والزواجر عن اقتراف الكبائر: 1/ 5، وتشنيف المسامع: ق (90/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 152، وهمع الهوامع: ص/ 275، وإرشاد الفحول: ص/ 52.
(2)
وبهذا جمع القرافي حيث قال: "وكأنهم كرهوا تسمية معصية الله تعالى صغيرة إجلالًا له، مع موافقتهم في الجرح أنه ليس بمطلق المعصية، بل منه ما يقدح ومنه ما لا يقدح، وإنما الخلاف في التسمية" مع تصرف في قوله.
راجع: الفروق: 1/ 121، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 361.
(3)
قال إمام الحرمين - في بداية المسألة -: "فإن قيل قد رددتم ذكر الصغائر، والكبائر، فميزوا أحد القبيلين عن الثاني. قلنا: المرضي عندنا أن كل ذنب كبيرة إذ لا تراعى أقدار الذنوب حتى تضاف إلى المعصي بها" ثم قال - في آخرها -: "ثم نوجز قولًا، فنقول: كل جريرة توذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة فهي التي تحط العدالة، وكل جريرة لا تؤذن بذلك بل تُبقي حسن الظن ظاهرًا لصاحبه، فهي التي لا تحط العدالة" الإرشاد: ص/ 328 - 329، وهذا يؤكد صحة الجمع الذي سبق ذكره، وحققه القرافي في الخلاف في المسألة، لكن الشارح جعل قول الإمام في آخر =
قال الغزالي - بعد ما ذكر الكبيرة -: "والصغائر الخسيسة، وبالجملة كل ما يدل على ركاكة دينية إلى حد يستجرئ على الكذب"(1)، فعلى هذا ما قاله إمام الحرمين ليس تفسيرًا للكبيرة، بل لما تسقط به العدالة.
والأحسن في ضبطها ما ذكره النووي - قدس الله روحه - بأن ننظر في قبح المعصية إن ساوى شيئًا مما ذكره الشارع من الكبائر، فهي كبيرة مثل تلطيخ الكعبة بالنجاسة، فإنه كبيرة، بلا ريب، وإن لم يذكرها أحد من جملة الكبائر (2).
ومثل المصنف لما اختاره بأمثلة (3):
= المسألة تعريفًا للكبيرة، وليس كذلك، لذا ذكر الهيتمي أن من فهم من كلام الإمام المذكور سابقًا أنه حد للكبيرة لا يسلم، لأنه يشمل صغائر الخسة، وليست بكبائر، وإنما ضبطه به، ما يبطل العدالة من المعاصي الشاملة لصغائر الخسة.
(1)
راجع: الزواجر: 1/ 6، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 152، والغيث الهامع: ق (93/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 275.
(2)
وهذا ما اختاره سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله.
راجع: قواعد الأحكام: 1/ 23، وشرح مسلم للنووي: 2/ 86.
(3)
اختلف العلماء في عدد الكبائر، فقيل: ثلاث، وقيل: سبع، وقيل: تسع، وقيل: عشر، وقيل: اثنا عشرة، وقيل: أربع عشرة، وقيل: ست وثلاثون، وقيل: سبعون، وهو قول ابن عباس كما سبق، واختاره الذهبي وألف فيه كتابه: الكبائر، أما الحافظ الهيتمي، فقد أوصلها إلى سبعمائة، وألف فيها كتابه: الزواجر عن اقتراف الكبائر، أما الإمام الطبري، فقد ذكر الخلاف، واختار أنها هي التي وردت فيها الأخبار، والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يظهر أنه ليس هناك دليل على حصرها في عدد معين. =
منها: القتل عمدًا (1)، والزنى (2)، وشرب الخمر (3)، وإن لم يسكر، ومن غير الخمر ما لم يسكر صغيرة، والسرقة (4)، إذا بلغت ربع دينار.
= راجع: جامع البيان: 5/ 27 - 30، والمستدرك: 1/ 59، وقواعد الأحكام: 1/ 24، وشرح العضد: 2/ 63، وتشنيف المسامع: ق (90/ ب)، وكشف الأسرار: 2/ 399، وفواتح الرحموت: 2/ 143، والغيث الهامع: ق (94/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 153، وهمع الهوامع: ص/ 276.
(1)
جاء في هامش (أ): "أو شبه عمد، كما صرح به شريح الروياني".
ولم يبدأ المصنف بالكفر هنا - مع أنه أكبر الكبائر - لأن الكلام هنا في قادح العدالة، بعد ثبوت وصف الإسلام، وقد نقل عن الحليمي أنه إن قتل أبًا، أو ذا محرم في الجملة، أو أجنبيًا مُحرمًا بالحرم، أو في الأشهر الحرم، فهذا فاحشة، فوق الكبيرة.
راجع: تشنيف المسامع: ق (90/ ب)، والغيث الهامع: ق (94/ أ).
(2)
لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: "أن تجعل لله ندًا، وهو خلقك. قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزني بحليلة جارك" قال عبد الله: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68]. ومثل الزنى اللواط لأنه مضيع لماء النسل، وقد أهلك الله تعالى قوم لوط بسببه وهم أول من ارتكبه، كما أخبر بذلك في كتابه العزيز بقوله:{وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 80].
راجع: صحيح البخاري: 6/ 137 - 138، وصحيح مسلم: 1/ 63.
(3)
لحديث جابر، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:"إن على الله عز وجل عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار". رواه مسلم في صحيحه: 6/ 100.
(4)
لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وقد تقدم ذكر أحاديث القطع، وكذا لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم للسارق.
والغصب (1): وهو - أيضًا -: مقيد بما له قدر، قيل: ربع دينار كالسرقة.
وقذف المحصنة إذا لم تكن مملوكة، ولا صغيرة، ولا حرة مُتَهَتِّكَة (2).
قيل (3): وشرطه - أيضًا - السماع، فلو قذف في خلوة لا يسمعه إلا الله، فلا تعد كبيرة.
والنميمة (4): نقل كلام بعض الناس إلى بعض على وجه الإفساد، ولم يذكر الغيبة بناء على المختار في الفروع أنها صغيرة، وإن كان ذلك مشكلًا دليلًا (5).
(1) لحديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين".
راجع: صحيح مسلم: 5/ 58.
(2)
لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23]، ولحديث السبع الموبقات، وقد تقدم: ص/ 78.
(3)
جاء في هامش (أ): "قائله ابن عبد السلام، ونازع فيه البلقيني".
(4)
لقوله تعالى: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]، وقوله:{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة: 1]، ولحديث حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة نمام"، وفي رواية:"قتات"، ولحديث القبرين اللذين مر بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فقال:"إنهما ليعذبان. . . أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة".
راجع: صحيح البخاري: 1/ 62، وصحيح مسلم: 1/ 71.
(5)
لأن الله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]، ولما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن =
وشهادة الزور (1): صرح به في الحديث، والأولى أن لا يقيد بمقدار النصاب.
= رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه، فقد بهته"، وأما الخلاف في كونها صغيرة، أو كبيرة فالأدلة دلت على أنها من الكبائر لما ورد من الوعيد على مرتكبيها، ومن خالف محجوج بالأدلة، وقد نقل الإجماع القرطبي على أنها كبيرة، وذكر الزركشي أن الرافعي نقل عن صاحب العدة أنها ليست بكبيرة، قال: وهو ضعيف أو باطل، ثم ذكر أنه ظفر بنص للشافعي على أنها من الكبائر.
راجع: صحيح مسلم: 8/ 21، والجامع لأحكام القرآن: 16/ 337، وتشنيف المسامع: ق (90/ ب)، والغيث الهامع: ق (94/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 155.
(1)
عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثًا! ؟ قلنا: نعم يا رسول الله قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا، فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت"، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر، فقال:"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور"، وقال صلى الله عليه وسلم: "عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات، ثم قرأ:{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30، 31]. راجع: صحيح البخاري: 8/ 4 - 5، وصحيح مسلم: 1/ 64، وسنن أبي داود: 2/ 274، ومسند أحمد: 3/ 131، 4/ 178، 5/ 36 - 37، وتحفة الأحوذي: 6/ 584 - 585، 8/ 372، وسنن النسائي: 7/ 88 - 89، وسنن ابن ماجه: 2/ 67، والسنن الكبرى: 10/ 121.
واليمين الفاجرة (1): هي الذي يتعمد بها كذبًا، لا ساهيًا، ولا ناسيًا.
وقطع الرحم (2): صرح به في الحديث الذي رواه الشيخان (3).
(1) قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77]، وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن قضيبًا من أراك"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين بعد صلاة العصر على مال مسلم، فاقتطعه. . ." الحديث.
راجع: صحيح البخاري: 8/ 4، وصحيح مسلم: 1/ 72، 85.
(2)
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25]، وقوله:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22، 23]، وقد ورد في ذلك عدة أحاديث منها حديث جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يدخل الجنة قاطع" قال سفيان: يعني قاطع رحم.
راجع: صحيح البخاري: 8/ 6، وصحيح مسلم: 8/ 8.
(3)
المراد بهما البخاري، ومسلم، والبخاري هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، أبو عبد الله الإمام الحافظ المشهور صاحب الجامع الصحيح، والتأريخ الكبير، والصغير، والضعفاء، والأدب المفرد، وخلق أفعال العباد، وغيرها من المصنفات النافعة، وتوفي سنة (256 هـ).
راجع: وفيات الأعيان: 3/ 329، وطبقات السبكي: 2/ 212، والمنهج الأحمد: 1/ 133، وطبقات الحنابلة: 1/ 271، وشذرات الذهب: 2/ 134.
وعقوق الوالدين لما ورد به الكتاب، والسنة من الوصية بهما (1)، والفرار من الزحف لأنه من الموبقات، المعدودة من أكبر الكبائر (2) وأكل مال اليتيم، ولا وجه لذكره بعد ذكر الغصب إلا أن يراد به النص عليه بخصوصه (3).
(1) لقوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]، ولقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151]، وقوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، وقوله:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: 8]، وقوله:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان: 14]، وقوله:{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].
وأما من السنة فحديث شعبة: "الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين" وحديث أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك".
راجع: صحيح البخاري: 8/ 4، وصحيح مسلم: 8/ 2 - 4، كما أنه تقدم ذكر أحاديث كثيرة في برهما، والتحذير من عقوقهما غير المذكور هنا.
(2)
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15، 16]. وقد تقدم حديث السبع الموبقات، ومنها الفرار من الزحف: ص/ 78.
(3)
قال تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]، وقوله: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ =
وخيانة الكيل، والوزن (1) في غير التافه الذي يتسامح به، إن لم يفعله قصدًا، وإن فعله قصدًا، فصغيرة.
وتقديم الصلاة على وقتها (2)، وتأخيرها (3).
= فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6]، وقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، وقوله:{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152، الإسراء: 34] وقد تقدم الدليل من السنة أنه إحدى السبع الموبقات.
واعتراض الشارح بأنه لا وجه لذكره بعد الغصب فيه نظر، لأنه قد يؤخذ على وجه الخيانة، والحيله، فلا يشمله تعريف الغصب اصطلاحًا: إذ هو أخذ مال متقوم، محترم بلا إذن مالكه، بلا خفية، لكن يشمله لغة: لأنه أخذ الشيء ظلمًا، فالمصنف دقيق في ذكره له على انفراد. راجع: التعريفات: ص/ 162.
(1)
لقوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52]، وقوله:{أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الشعراء: 181، 182]، وقوله:{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 9]، وقوله:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1 - 3].
(2)
لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] أي وقته عليهم وحدده لهم، وفي حديث أبي مسعود الأنصاري:"أن جبريل نزل، فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه في جميع الأوقات التي حددها، ثم قال: بهذا أمرت"، وعن عبد الله بن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" راجع: صحيح البخاري: 1/ 131، 133.
(3)
قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]، ولحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من جمع بين الصلاتين من غير عذر، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر". راجع: تحفة الأحوذي: 1/ 560.
والكذب عليه صلى الله عليه [وسلم](1) للحديث المتواتر: "من تعمد عليّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار"، أما الكذبة الواحدة على غيره، فصغيرة.
وضرب المسلم (2) من غير موجب.
وسب الصحابة لقوله: "لا تسبوا أصحابي"(3)، ولأحاديث أخر، ولجلالة قدرهم بشرف الصحبة. وسب غيرهم، إذا لم يتخذ عادة صغيرة.
وكتمان الشهادة: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].
(1) المثبت من (ب) وسقط من (أ).
(2)
وخص المسلم لأن حرمته أعظم، وإيذاءه بغير حق أكبر، وإلا فالذمي ضربه بغير حق كذلك منهي عنه، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر"، وقوله:"صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما قط قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. . ." الحديث.
راجع: صحيح مسلم: 1/ 58، 6/ 168. وانظر: الغيث الهامع: ق (95/ أ)، وتشنيف المسامع: ق (91/ أ).
(3)
رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة:"لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذى نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم، ولا نصيفه"، وفي رواية:"لا تسبوا أحدًا من أصحابي".
راجع: صحيح مسلم: 7/ 188، وسنن أبي داود: 2/ 518.
والرشوة: لقوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله الراشي، والمرتشي، والرائش بينهما"(1)، وهي مال يبذل ليحقق به باطلًا، أو يبطل به حقًا (2)، وأما إذا أعطى مالًا لمن يتكلم له مع السلطان، فهو جعالة (3)، ذكره العبادي، وغيره.
والدياثة (4): وهي الاستحسان على أهله.
والقيادة: وهي على أهل غيره، لما ورد في الحديث:"ثلاثة لا يدخلون الجنة"(5)، وعد منها الديوث، والقيادة (6) / ق (92/ ب من أ) مقيسة عليها.
(1) رواه الحاكم، وأحمد، وأبو داود عن ثوبان، وابن عمر وأبي هريرة وصححه الذهبي.
راجع: المسند: 2/ 164، 190، 194، 387 - 388، وسنن أبي داود: 2/ 270، والمستدرك: 4/ 102 - 103.
(2)
راجع: التعريفات: ص/ 111.
(3)
وهي ما يجعل للعامل على عمله.
راجع: التعريفات: ص/ 76، والقواعد لابن رجب: ص/ 135، والمنهاج للنووي: ص/ 84.
(4)
الديوث: فيعول من ديثت البعير إذا ذللته، ولينته بالرياضة، فكأن الديوث ذلل حتى رأى المنكر بأهله، فلا يغيره، وقيل: هو سرياني معرب.
راجع: النهاية لابن الأثير: 2/ 147، وفيض القدير: 3/ 327.
(5)
الحديث عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء" وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وعند أحمد عن ابن عمر بلفظ:"ثلاثة لا يدخلون الجنة، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث"، وفي رواية:"ثلاثة قد حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث". ورواه الطبراني عن عمار بن ياسر بلفظ: "ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا. . .".
راجع: المسند: 2/ 69، 128، 134، والمستدرك: 1/ 72، والسنن الكبرى للبيهقي: 10/ 226، والجامع الصغير: 1/ 139، 141، ومجمع الزوائد: 8/ 147 - 148، وفيض القدر: 3/ 319.
(6)
آخر الورقة (92/ ب من أ).
والسعاية: وهي أن يذكر (1) لسلطان إنسانًا بما يوجب قهره عليه للحديث الصحيح (2) في ذلك.
ومنع الزكاة: لآيات، وأحاديث (3).
(1) بالبناء للفاعل أي أن يذكر شخص لسلطان إنسانًا.
(2)
لما رواه مسلم عن همام بن الحارث قال: كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير، فكنا جلوسًا في المسجد، فقال القوم: هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير، قال: فجاء حتى جلس إلينا، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات".
راجع: صحيح مسلم: 1/ 71.
(3)
منع الزكاة كبيرة يقاتل عليها من منعها لأنها الركن الثالث من أركان الإسلام، وقد قاتل الخليفة الأول مانعي الزكاة، وقال:"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة، والزكاة"، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وقوله:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180] وغيرها كثير ومعروف، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من صاحب ذهب، ولا فضة لا يودي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله إما في الجنة، وإما إلى النار. . ." وعنه - أيضًا - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من آتاه الله مالًا فلم يؤذ زكاته مثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزميه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك" ثم تلا: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} الآية. =
وكذا اليأس (1) من رحمته تعالى، والأمن، من عقابه لقوله:{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، ولقوله:{فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، وقد عدها الجمهور من موجبات الكفر صرحوا بذلك في العقائد (2).
والتحقيق: أن منشأهما [إن كان تكذيب](3) القرآن، وعدم الاعتقاد لا يخفى أنه كفر، وإن كان استكثار الذنوب، والاتكال على رحمته الواسعة، فذلك فسق، والتعبير بالكفر في الآية أولًا، والخسران ثانيًا للزجر.
= وعنه - أيضًا - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأخفافها، وتأت الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقها تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها. . .".
راجع: صحيح البخاري: 2/ 126، وصحيح مسلم: 3/ 70 - 75.
(1)
اليأس: استبعاد العفو عن الذنب استبعادًا يدخل فيه حد اليأس من المغفرة قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ، وأما الأمن من مكره، وعقابه، أي: لا مؤاخذة بالذنوب أصلًا.
راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 159، وهمع الهوامع: ص/ 280.
(2)
جاء في هامش: (أ): "والعجب أن بعض الشراح علل كونهما كبيرة بأنه تكذيب للقرآن" والمراد به الزركشي.
راجع: تشنيف المسامع: ق (91/ ب).
(3)
ما بين المعكوفتين سقط من (أ، ب) وأثبت بهامشيهما.
والظهار: لكونه زورًا من القول (1).
ولحم الخنزير، والميتة: بالكتاب، والإجماع (2) في غير ضرورة.
وفطر رمضان من غير ضرورة، لكونه أحد أركان الإسلام (3).
والغلول (4) من الغنيمة بالكتاب، والسنة.
(1) لقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} [المجادلة: 2] أي: حيث شبهوا الزوجة بالأم في التحريم.
(2)
لقوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145]، وقوله:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [البقرة: 173]، وقوله:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [المائدة: 3].
(3)
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] وقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، وقال صلى الله عليه وسلم:"بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا" وتقدم تخريجه: 1/ 230.
فمن فطر بدون عذر، فإن ذلك يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين.
(4)
الغلول: من أغل إذا خان في المغنم، وغيره كبيت المال، والزكاة، قال:{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161].
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم، وهذا أهدى إليَّ، قال =
والمحاربة، أي: قطع الطريق لقوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ} الآية (1)[المائدة: 33].
والسحر (2): لكونه من الموبقات.
= فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:"ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدى إليّ، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه! ! ؟ أما والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئًا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي أبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت مرتين؟ ! ".
راجع: مختار الصحاح: ص/ 479، والمصباح المنير: 2/ 452، وصحيح مسلم: 6/ 11.
(1)
وقد سبق الكلام على معناها عند الكلام على أو: 2/ 125.
(2)
السحر لغة: عبارة عما خفي، ولطف سببه، ودق مأخذه، يقال: سحره يسحره بالفتح سحرًا بالكسر، والساحر العالم، وسحره بكلامه، أي: استماله برقته، وحسن تركيبه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرًا".
قال ابن فارس: "هو إخراج الباطل في صورة الحق، وقيل: هو الخديعة"، وقال الفخر:"هو مختص بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه، والخداع، قال تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى} [طه: 66] "، وقال محمد المقدسي: "السحر: عزائم ورقى، وعقد يؤثر في القلوب، والأبدان، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه بإذن الله تعالى، وهذا أولى مما سبق.
والسحر حقيقة لا تنكر بمعنى أنه ظاهرة موجودة قد عملت، وحصل بها تأثير بإذن الله تعالى، وقد سحره صلى الله عليه وسلم لبيد بن أعصم من بني زريق حليف اليهود، فأخبره جبريل بما فعله ذلك المنافق، ودله على مكان السحر، وأمر الله بالاستعاذة من السحر في سورة الفلق، ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة منه، وهذا مذهب الجمهور. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وزعم قوم من المعتزلة، وغيرهم: أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس مسلمًا على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما هو حقيقة؛ لأن السحر أنواعه كثيرة، وقد أوصلها الفخر الرازي إلى ثمانية أنواع.
وقد اتفقوا على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها كالبخور، واللباس، ونحو ذلك، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك بالله تعالى، فيجب سده، كما اتفقوا على أن كل رقية، وتعزيم، أو قسم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن إطاعته به الجن، أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، أو لا يعرف معناه أو الاستعاذة بالجن، فهذا كله حرام لا يجوز عند الجميع.
واختلفوا في حكم من تعلم السحر: فذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى أنه يكفر بتعلمه. وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة: إلى أن من تعلمه ليتقيه، أو ليجتنبه، فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء، فهو كافر. وقال الشافعي: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته، فهو كافر. وذهب الفخر الرازي إلى أن العلم بالسحر ليس بقبيح، ولا محظور، وحكى اتفاق المحققين على ذلك، ثم ذكر الأدلة على صحة ما قاله.
قلت: الأدلة التي ذكرها - رحمه الله تعالى - هي عليه أكثر مما هي له.
وقد فند رأيه، ورد عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله بما فيه كفاية. ثم اختلفوا هل يقتل بمجرد فعله، واستعماله، أو لا؟ فعند أحمد ومالك نعم، وعند الشافعي، وأبو حنيفة لا يقتل بذلك. فأما إذا قتل بسحره إنسانًا، فقال مالك، وأحمد، والشافعي: يقتل، وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك أو يقر بذلك في حق شخص معين، ثم إذا قتل يقتل حدًا عند الثلاثة، وعند الشافعي يقتل قصاصًا، ثم هل تقبل توبة الساحر؟ =
وأكل الربا (1): للكتاب، والأحاديث.
وإدمان الصغيرة، أي: الإصرار عليها من نوع، أو أنواع (2)
= مذهب الثلاثة أنها لا تقبل، ومذهب الشافعي، وأحمد في رواية أنها تقبل، كما اختلفوا في قلب السحر لحقائق الأشياء، وفي حكم ساحر أهل الكتاب، وحكم المسلمة الساحرة، وهل يحل السحر بالسحر؟ خلاف بين العلماء في ذلك.
راجع: معجم مقاييس اللغة: 3/ 138، ومختار الصحاح: ص/ 288 - 289، والمصباح المنير: 1/ 267 - 268، وشرح الطحاوية: 2/ 320 - 321، وتفسير الفخر الرازي: 2/ 222 - 234، وتفسير ابن كثير: 1/ 135 - 149، 4/ 574 - 575، وأحكام القرآن لابن العربي: 1/ 31، وتفسير القرطبي: 2/ 43 - 50، وتفسير المنار: 1/ 398 - 406، وفتح القدير للشوكاني: 1/ 119 - 124، وتيسير العزيز الحميد: ص/ 382.
(1)
الربا: من ربا الشيء إذا زاد، والرابية ما ارتفع من الأرض، وكذا الربوة والربا في البيع الزيادة، وهو نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة. وهو من المهلكات الموبقات كما تقدم، وقال تعالى - محذرًا من الربا -:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة: 278، 279]، وقوله:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130]، ولحديث جابر قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء".
راجع: صحيح مسلم: 5/ 50، ومختار الصحاح: ص/ 231، والمصباح المنير: 1/ 217، ونيل الأوطار: 5/ 189.
(2)
تقدم تحقيق القول نقلًا عن الشوكاني في ذلك، وإن اعتبرها الأكثر كبيرة للإصرار عليها. راجع: الغيث الهامع: ق (96/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 160، وهمع الهوامع: ص/ 281، وإرشاد الفحول: ص/ 53.
قوله: "مسألة: الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية".
أقول: لما افترق الرواية، والشهادة في بعض الأحكام مثل العدد، والحرية/ ق (94/ أمن ب) وغيرها أراد أن يبين ماهية كل منهما.
فقال: [الإخبار](1) عن أمر عام لا ترافع فيه [للحكام](2) هو الرواية، وخلافه وهو الإخبار عن خاص ببعض الناس يمكن الترافع فيه.
وإذا علم الفرق بين الماهيتين علم زيادة الاشتراط في الشهادة، دون الرواية؛ لأن بين الناس كثرت العداوة، والحسد، والطمع، فإذا أراد إنسان التوسل إلى باطل يقدر على أن يزور شاهدًا واحدًا بإطماع، وإذا شرع العدد يبعد ذلك، ولأن الخبر الذي ينسب إلى صاحب الشرع ليكون شريعة إلى يوم الدين أكثر النفوس تهاب وضعه، بخلاف الشهادة في قضية معينة، فخرجت خواصه لأنه لا ترافع فيها، وإن لم تكن عامة (3).
قوله: "وأشهدُ إنشاءٌ تضمن الإخبار".
أقول: يريد الفرق بين الإخبار والشهادة بعد بيان ماهيتهما، بلازم للشهادة منتف في الأخبار، فقال: الشهادة: أعني قول القائل: أشهد، إنشاء
(1) سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(2)
في (أ): "للأحكام" ثم صحح بهامشها.
(3)
راجع الفرق بين الشهادة، والرواية: الرسالة: ص/ 372، وأصول السرخسي: 1/ 353، والإحكام لابن حزم: 1/ 118، والكفاية: ص/ 94، والإحكام للآمدي: 1/ 276، والفروق للقرافي: 1/ 4 - 5، وشرح النووي على مسلم: 1/ 72، والرفع والتكميل: ص/ 50.
يتضمن الإخبار، وليس بإخبار محض، ولا إنشاء كذلك، وإنما ألجأه إلى هذا ما وجد من اضطراب الناس، إذ قد قال بعضهم: إنه إخبار، كما في كتب اللغة، أنه إخبار عن علم (1)، وبعضهم: إنه إنشاء (2)، فأخذ الطريقة الوسطى.
وإن أردت تحقيق المسألة، فاسمع لما نقول: اعلم أنا قد قدمنا أن دلالة الألفاظ إنما هي على الصور الذهنية القائمة بالنفس، فإن أريد بالكلام الإشارة إلى أن النسبة القائمة بالنفس مطابقة لأخرى خارجية في أحد الأزمنة الثلاثة، فالكلام خبر سواء كانت تلك الخارجية قائمة بالنفس - أيضًا - كعلمت، وظننت، وبغيره نحو: خرجت، ودخلت، وإن لم يرد مطابقة تلك النسبة الذهنية لأخرى خارجية، فالكلام إنشاء.
فإذا قال القائل: أشهد بكذا لا يشك أحد في أنه لم يقصد أن تلك النسبة القائمة بنفسه تطابق نسبة أخرى في أحد الأزمنة، بل مراده الدلالة على ما في نفسه من ثبوت هذه النسبة، مثل: اضرب، ولا تضرب، فهو إنشاء محض ولا يرجع الصدق، والكذب إليه.
وكون/ ق (93/ أمن أ) المشهود به خبرًا لا يخرجه عن كونه إنشاء محضًا: لأن تلك جملة مستقلة بحكم وأطرافه، وهذه أخرى كذلك.
(1) واختاره الرازي في تفسيره، ونقل عن صاحب المجمل.
راجع: التفسير الكبير للرازي: 18/ 193 - 194، وغاية الوصول: ص/ 102، وتشنيف المسامع: ق (92/ ب)، والغيث الهامع: ق (96/ ب).
(2)
واختاره المحلي، وذكر أنه التحقيق في المسألة.
راجع: الفروق للقرافي: 1/ 17، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 162، وهمع الهوامع: ص/ 282.
ولو كان كون الشيء متضمنًا لآخر يخرجه عن كونه محض ذلك الشيء لم يبق إنشاء محض قط، إذ قولك: اضرب، متضمن لقولك الضرب منك مطلوب، أو طلب منك، وهذا مما لا يقول به عاقل.
قوله: "وصيغ العقود".
أقول: صيغ العقود، والفسوخ مثل: طلقت، وبعت، ونظائرهما إنشاء، إذ لا يقصد بها مطابقة ما في الخارج، ولأنها لا تحتمل الصدق، والكذب، ولأنها لو كانت أخبارًا، إما ماضية، فلا تقبل التعليق، لأن الواقع في الماضي لا يمكن تعليقه، أو مستقبلة، وذلك باطل إجماعًا.
والقائلون: بأنها أخبار يريدون أنها إخبار عما في الذهن، إذ القائل: بعت، يريد الإخبار، عما في ذهنه من إيقاع البيع، وليس بتام لأنه لو كان بواسطة الإخبار عما في الذهن، يصير الكلام خبرًا من غير قصد مطابقة الخارج، لكان كل شيء خبرًا، إذ يستحيل خلو الكلام المفيد عن ذلك المعنى النفسي (1).
(1) ذهب الجمهور من العلماء إلى أن صيغ العقود، والفسوخ إنشاء. وذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنها أخبار، ونقل عن القاضي شمس الدين السروجي الحنفي أنه أنكر نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة، بل هو مع الجمهور في أنها إنشاء، أما الشارح، فقد جمع بين القولين كما ترى.
راجع: المحصول: 1/ ق/ 1/ 440، والفروق للقرافي: 1/ 27 - 29، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 49، وفواتح الرحموت: 2/ 103 - 104، وتيسير التحرير: 3/ 26، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 163، وغاية الوصول: ص/ 103، وتشنيف المسامع: ق (92/ ب)، والغيث الهامع: ق (96/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 282.
فإن قيل: هذا ظاهر، فيما إذا كان الخارج الذي قصد مطابقته غير ذهني أما إذا كان الخارج - أيضًا - ذهنيًا، فما الفرق؟
قلنا: إن تلك النسبة القائمة من حيث هي خارج، ومن حيث إضافتها إلى اللفظ، وكونها مدلوله، ومطابقة لأخرى هي الذهنية، هذا في الإخبار، وأما في الإنشاء لا توجد إلا الثانية.
وبالجملة: قول القائل: بعت، لا إشعار فيه بالمطابقة رأسًا، فدعوى كونه خبرًا خروج عن الإنصاف.
قوله: "قال القاضي: والجرح، والتعديل بواحد".
أقول: هل يكتفي في الجرح، والتعديل بواحد؟ اختاره القاضي أبو بكر.
وقيل: يشترط العدد، وإليه ذهب بعض أهل الحديث.
وقيل: يكتفى به في الرواية دون الشهادة، وهو القياس؛ لأن شرط الشيء لا يزيد على أصله (1)، ثم هل يشترط التعرض لسببهما، أم يكفي الإطلاق؟
(1) مذهب القاضي قال به أكثر الحنفية. والثاني منقول عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة، وغيرهم، نظرًا إلى أن ذلك شهادة. والثالث، وهو المفصل نقله الآمدي، وابن الحاجب عن الأكثر، واختاره إمام الحرمين، والخطيب البغدادي، ورجحه الإمام الرازي، والآمدي، وأتباعهما، وصححه ابن الصلاح، والنووي.
راجع: البرهان: 1/ 622، واللمع: ص/ 43، والكفاية: ص/ 96، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 52، والتقريب مع التدريب: 1/ 308، وتوضيح الأفكار: 2/ 120، والمستصفى: =
قيل: يشترط مطلقًا. وقيل: لا مطلقًا.
وقيل: في التعديل شرط دون الجرح لأن (1) / ق (94/ ب من ب) مطلق الجرح، يبطل الوثوق دون التعديل، إذ ربما اعتمد على ظاهر الحال.
وقيل: بالعكس؛ لأن أسباب الجرح تختلف باختلاف المذاهب، فربما ظنه جرحًا نظرًا إلى معتقده، وإليه ذهب الشافعي (2).
وهو المختار في الشهادة لتعلق الحق بالمشهود له، فلا بد من الاحتياط. وفي الرواية إن عرف مذهب الجارح أنه لا يجرح إلا بقادح، فيكتفى به لأن باب الرواية أوسع.
= 1/ 162، والمحصول: 2/ ق 1/ 585 - 586، والإحكام للآمدي: 1/ 270، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 365، والمسودة: ص/ 271، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 64، ومختصر الطوفي: ص/ 61، ومناهج العقول: 2/ 300، وفواتح الرحموت: 2/ 150، وتيسير التحرير: 3/ 58، وكشف الأسرار: 3/ 37 - 38، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 163، وإرشاد الفحول: ص/ 66.
(1)
آخر الورقة (94/ ب من ب).
(2)
وهو مذهب أكثر الفقهاء، والمحدثين منهم البخاري، ومسلم، وغيرهما وذكر الخطيب: أنه هو القول الصواب، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث.
راجع الخلاف في هذه المسألة: اللمع: ص/ 44، وأصول السرخسي: 9/ 2، والإحكام لابن حزم: 1/ 131، والكفاية: ص/ 108، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 51، وتوضيح الأفكار: 2/ 133، والمسودة: ص/ 269، والرفع والتكميل: ص/ 27، والغيث الهامع: ق (97/ أ)، وتشنيف المسامع: ق (93/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 283، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 93.
وذهب إمام الحرمين، والرازي: إلى أن الإطلاق في الجرح، والتعديل كاف إن كان المطلق عالمًا بأسباب العدالة والجرح، ورده المصنف بأنهما لم يزيدا على قول القاضي إذ لا جرح، ولا تعديل إلا من العالم.
والحق: أن قولهما أخص من قول القاضي، قال - في البرهان -:"والذي أراه أن المعدل إن كان إمامًا، موصوفًا في الصناعة، لا يليق به الإطلاق إلا عند الثقة الظاهرة، فمطلق ذلك منه كاف، فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث، واستفراغ وسع في النظر، وأما من لم يكن من أهل هذا الشأن - وإن كان عدلًا رضًا، إذا لم يحط بتلك الروايات - فلا بد من البوح بالأسباب"(1).
وأين هذا من قول القاضي: "الإطلاق من العدل كاف"؟ ! مع أن نقل الإمام في البرهان عن القاضي إنما (2) / ق (93/ ب من أ) هو في الجرح وحده، وأما التعديل فيحتاج فيه إلى بيان الأسباب (3).
ثم إذا تعارض الجرح، والتعديل، الجرح مقدم (4) لأن في تقديمه الجمع بين القولين؛ لأن المعدل غاية كلامه أنه لم يطلع على فسقه، والجارح
(1) راجع: البرهان: 1/ 621، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 587 - 588، وروضة الناظر: ص/ 104، والإحكام للآمدي: 1/ 271، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 365، والمسودة: ص/ 269، وشرح العضد على المختصر: 2/ 65، ومختصر الطوفي: ص/ 60، ومناهج العقول: 2/ 301، وغاية الوصول: ص/ 103، وإرشاد الفحول: ص/ 66.
(2)
آخر الورقة (93/ ب من أ).
(3)
راجع: البرهان: 1/ 621.
(4)
وهذا هو مذهب الأكثر، وذهب آخرون إلى تقديم التعديل على الجرح، وآخرون إلى أنهما متعارضان، فيحتاج إلى مرجح، وقول بتقديم الأكثر من أية جهة، وفريق آخر إلى تقديم الجرح إن فسر، وإلا فالتعديل. =
يقول: اطلعت، فلو عملنا بقول المعدل لزم كذب الجارح، وإذا عملنا بقول الجارح لا يلزم كذب أحد. وأما إذا قال الجارح: قتل [فلان](1) يوم كذا، وقال المعدل: بل رأيت أنا فلانًا بعد ذلك التأريخ في موضع كذا ثبت التعارض، فلا بد من الترجيح.
ولا فرق بين كون عدد الجارح أقل من العدل، أو مساويًا، أو أكثر.
قال ابن شعبان (2) من المالكية: إن كان الجارح أقل يطلب الترجيح، حكاه عنه المازري (3).
= راجع: الكفاية: ص/ 105، واللمع: ص/ 44، والإحكام لابن حزم: 1/ 130، والمستصفى: 1/ 163، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 588، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 52، والإحكام للآمدي: 1/ 272، وتوضيح الأفكار: 2/ 158، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 366، والمختصر: 2/ 65، وتدريب الراوي: 1/ 309، والمسودة: ص/ 272، وفواتح الرحموت: 2/ 154، وتيسير التحرير: 3/ 60، ومختصر الطوفي: ص/ 61، والرفع والتكميل: ص/ 54، وإرشاد الفحول: ص/ 68 - 69.
(1)
(أ، ب): "فلانًا" والمثبت هو الصواب لأنه نائب فاعل.
(2)
هو أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان بن محمد بن ربيعة بن داود بن سليمان بن أيوب ينتهي نسبه إلى عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعرف بابن القرطبي، كان مقدم فقهاء المالكية بمصر في وقته، وأحفظهم لمذهب مالك، مع التفنن في سائر العلوم، من الخبر، والتأريخ، والأدب، والفقه، وكان متدينًا، ورعًا، زاهدًا، وله مؤلفات منها: أحكام القرآن، والزاهي في الفقه، ومناقب مالك والرواة عنه، وكتاب المناسك، وكتاب الأشراط، وكتاب السنن، وتوفي بمصر سنة (355 هـ).
راجع: الديباج المذهب: ص/ 248 - 249، وشجرة النور الزكية: ص/ 80.
(3)
المازري: نسبة إلى مازر بفتح الزاي، وكسرها بلدة بجزيرة صقلية، وهو محمد بن علي بن عمر أبو عبد الله التميمي المازري، الفقيه، المالكي، المحدث، يعرف بالإمام =
قوله: "وحُكمُ مشترطِ العدالة".
أقول: حكم الحاكم الذي يشترط العدالة في الشاهد تعديل للشاهد اتفاقًا، وكذا عمله في الأصح (1). ورواية العدل عنه قيل: تعديل، إذ الظاهر
= في المذهب، وكان واسع الباع في العلم، والاطلاع، مع حدة الذهن، حتى بلغ درجة الاجتهاد، وكان أديبًا، حافظًا، أصوليًا، طبيبًا، رياضيًا، متكلمًا، وله مؤلفات منها: المعلم بفوائد كتاب مسلم، وهو شرح لصحيح مسلم، أكمله القاضي عياض في الإكمال، وشرح البرهان لإمام الحرمين سماه: إيضاح المحصول في برهان الأصول، وله رد على الغزالي، وتعليقة على المدونة، ومؤلف في الطب، وآخر في العقائد، وتوفي سنة (536 هـ).
راجع: الديباج المذهب: ص/ 279، وشجرة النور الزكية: ص/ 127، ووفيات الأعيان: 4/ 285، ومرآة الجنان: 3/ 267، وشذرات الذهب: 4/ 114، والفتح المبين: 2/ 26، ومراصد الاطلاع في نسبته: 3/ 1219.
(1)
التعديل قد يكون بالتصريح بالقول، وهو يختلف باختلاف الألفاظ، والصيغ كأن تكرر الصيغة كثقة ثقة، أو ثقة، أو صدوق، أو ليس به بأس، ونحوها، وهذا قد تقدم الكلام عليه. وقد يكون التعديل بالتضمن، وذكر الشارح له ثلاث صور منها ما اتفقوا عليها أنها تعديل، وهي الصورة الأولى، وأما الصورة الثانية، وهو العمل بالخبر، ففيه تفصيل إن عرف يقينًا أنه عمل به، فهو تعديل، إذ لو عمل بخبر غير العدل لفسق، وإن أمكن حمله على الاحتياط، أو على العمل بدليل آخر وافق الخبر، فليس بتعديل، والصورة الثالثة، وهي رواية العدل عنه، والخلاف فيها على نحو ما ذكر الشارح.
راجع: الكفاية: ص/ 84، والمستصفى: 1/ 163، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 589 - 590، والروضة: ص/ 104 - 105، والإحكام للآمدي: 1/ 272، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 58، وتدريب الراوي: 1/ 272، وتوضيح الأفكار: 2/ 262، وشرح العضد على المختصر: 2/ 66، ومختصر الطوفي: ص/ 61، وفواتح الرحموت: 2/ 149، وتيسير التحرير: 3/ 50، والرفع والتكميل: ص/ 70، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 94.
أنه لا يروي إلا عن عدل (1). وقيل: ليس بتعديل، إذ نرى كثيرًا من العدول يروي أشياء عن غير العدل (2).
والمختار: أنه إن علم من عادته أنه لا يروي إلا عن العدل، فروايته تعديل، وإلا فلا (3).
(1) وعليه أكثر الحنفية، وبعض الشافعية، وفريق من الحنابلة.
راجع: الكفاية: ص/ 89، ومقدمة ابن الصلاح: ص / 53، والمسودة: ص/ 253، وشرح العضد على المختصر: 2/ 66، وفواتح الرحموت: 2/ 149، وتيسير التحرير: 3/ 50، 55، وتدريب الراوي: 1/ 314.
(2)
ونسب إلى أكثر الشافعية، واختاره ابن حزم، والخطيب البغدادي، وصححه ابن الصلاح، وذكر أنه مذهب أكثر العلماء من أهل الحديث، وغيرهم، وهي رواية عن الإمام أحمد، ونقل عن المالكية.
راجع: الرسالة: ص/ 374، والإحكام لابن حزم: 1/ 135، واللمع: ص/ 44، والكفاية: ص/ 89، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 53، والروضة: ص/ 105، وتدريب الراوي: 1/ 314، وإرشاد الفحول: ص/ 67.
(3)
واختاره الجويني، وابن القشيري، والغزالي، وابن قدامة، والآمدي، والصفي الهندي، وابن الحاجب، والكمال بن الهمام، وابن عبد الشكور، وغيرهم.
راجع: البرهان: 1/ 623، والمستصفى: 1/ 163، والروضة: ص/ 105، والإحكام للآمدي: 1/ 273، والمختصر: 2/ 66، وكشف الأسرار: 2/ 386، وفواتح الرحموت: 2/ 150، وتيسير التحرير: 3/ 50، 55 - 56، ومختصر الطوفي: ص/ 61، ومناهج العقول: 2/ 302 - 303، وغاية الوصول: ص/ 104، والمسودة: ص/ 254، 273.
وأما ترك العمل بمرويه، أو شهادته، فليس بجرح، إذ يحتمل أن يكون ذلك لرواية، أو شهادة أخرى معارضة، أو فقد شرط آخر غير العدالة.
وكذلك الحدود في شهادة الزنى لعدم تمام النصاب؛ لأنه لا يدل على فسق.
وكذلك المسائل الاجتهادية كشرب النبيذ (1)، وترك التسمية (2)،
(1) النبيذ: من نبذه نبذًا، أي: طرحه لأنه يترك حتى يشتد، وهو ما يتخذ من الزبيب، والتمر، والشعير، والذرة، وغيرها.
وقد أجمع العلماء على تحريم الخمر التي هي من عصير العنب قليلها، وكثيرها، كما اتفقوا على تحريم المسكر من الأنبذة المتخذة من غيرها، غير أنهم اختلفوا في تناول ما لم يسكر بأن يطبخ أدنى طبخ، فغلى، واشتد، وقذف بالزبد، فهل يحل شرب قدر منه ما دون السكر؟
ذهب سائر فقهاء الكوفة كأبي حنيفة، وأبي يوسف في قول، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، وابن شبرمة وأكثر البصريين إلى جوازه؛ لأن المحرم من سائر الأنبذة المسكرة هو السكر نفسه لا العين.
وذهب جمهور المحدثين، وفقهاء أهل الحجاز، وغيرهم إلى أن ما أسكر كثيره، فقليله حرام.
وسبب اختلافهم هو تعارض الآثار، والأقيسة في هذا الباب.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 642، والمصباح المنير: 2/ 590، وشرح فتح القدير: 5/ 305، وبداية المجتهد: 1/ 471، والإشراف: 2/ 376، والمحلي لابن حزم: 8/ 230، وما بعدها، والمغني لابن قدامة: 8/ 304 - 305، ونيل الأوطار: 8/ 175 - 179.
(2)
تقدم ذكر الخلاف في متروك التسمية: 2/ 90، في هذا الكتاب، وانظر - أيضًا -: بداية المجتهد: 1/ 448، والمنهاج للنووي: ص/ 141، والمحلي لابن حزم: 8/ 164 - 167، 173، 179، 182، 198، وفتح القدير للشوكاني: 2/ 157.
ونكاح المتعة (1)، إذ [قد](2) يعتقد جواز ذلك.
وكذلك التدليس (3)، فيمن يروي عنه بتسمية غير مشهورة، أو يوهم
(1) نكاح المتعة: هو أن يقول الرجل لامرأة: خذي هذه العشرة، وأتمتع بك مدة معلومة، فتقبل ذلك منه. وأما حكمها، فقد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريمها إلا أنهم اختلفوا في الوقت الذي وقع فيه التحريم، ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر، وفي بعضها يوم الفتح، وفي أخرى في غزوة تبوك، وقيل: في حجة الوداع، وفي بعضها في عمرة القضاء، وفي بعضها في عام أوطاس. وعلى تحريمها أكثر الصحابة، وجميع فقهاء الأمصار، واشتهر عن ابن عباس القول بجوازها، وتبعه أصحابه، والمشهور عنه أنه رجع إلى قول الجمهور، وقد ذكر ابن حزم جمعًا من الصحابة، والتابعين القائلين بجوازها ثم رجح تحريمها.
قلت: ولم يبق من القائلين بحلها الآن إلا الروافض، أما علماء المسلمين من أهل المذاهب المختلفة، فهم مطبقون على تحريمها.
راجع: شرح فتح القدير: 3/ 246، وبداية المجتهد: 2/ 58، والمنهاج للنووي: ص/ 96، والمغني لابن قدامة: 6/ 644، والمحلى لابن حزم: 11/ 141، ونيل الأوطار: 6/ 133 - 138.
(2)
ما بين المعكوفتين زيادة من هامش (أ).
(3)
التدليس - لغة -: كتمان العيب في مبيع، أو غيره، ويقال: دالسه: خادعه، كأنه من الدَّلَس، وهو الظلمة لأنه إذا غطَّى عليه الأمرُ أظلمَه عليه.
واصطلاحًا: قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يروي عمن لقيه، ولم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه موهمًا أنه لقيه، أو سمعه منه. والآخر تدليس الشيوخ: وهو أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه، أو يكنيه، ويصفه بما لم يعرف به كي لا يعرف، وهذا توضيح لما ذكره الشارح.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 209، والمصباح المنير: 1/ 198، والقاموس المحيط: 2/ 216، وأصول السرخسي: 1/ 379، والكفاية: ص/ 22، واللمع: ص/ 42، وشرح النووي =
السماع ممن عاصره، كقوله: قال الزهري (1): كذا، مع أنه لم يسمعه منه.
ونقل المصنف عن ابن السمعاني أنه إن كان بحيث لو سئل عنه لم يبينه يصير مجروحًا لظهور الكذب، وليس كما قاله، إذ الساكت عن البيان ليس بكاذب.
وكذلك التدليس بإعطاء شخص اسمَ الآخر من أجل التشبيه (2)، كما إذا قلت: حدثنا أبو عبد الله، وأردت الذهبي، كما يقول البيهقي (3):
= على مسلم: 1/ 33، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 35، وشرح نخبة الفكر: ص/ 115، وتدريب الراوى: 1/ 228، وتوضيح الأفكار: 1/ 367، والمسودة: ص/ 277، والتعريفات: ص/ 54 - 55، وأصول الحديث: ص/ 342.
(1)
الزهري: هو محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدني التابعي أحد الأعلام، نزل الشام، روى عن الصحابة، والتابعين، ورأى عشرة من الصحابة وكان من أحفظ أهل زمانه، وأحسنهم سياقًا لمتون الأخبار، فقيهًا فاضلًا، ذا علم جم، خاصة بالحلال والحرام، وتوفي سنة (124 هـ) بقرب فلسطين.
راجع: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص/ 63، وحلية الأولياء: 3/ 360، ووفيات الأعيان: 3/ 317، وطبقات القراء: 2/ 262، وتذكرة الحفاظ: 1/ 180، والخلاصة: ص/ 359، وطبقات الحفاظ: ص/ 49، وشذرات الذهب: 1/ 162.
(2)
راجع: كشف الأسرار: 3/ 70 - 71، وفواتح الرحموت: 2/ 149، وتيسير التحرير: 3/ 56، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 165، والغيث الهامع: ق (98/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 286، وغاية الوصول: ص/ 104، وإرشاد الفحول: ص/ 55.
(3)
البيهقي: هو أحمد بن الحسين بن علي النيسابوري، أبو بكر الشافعي، فقيه جليل القدر، حافظ كبير، أصولي نحرير، زاهد، ورع، له مؤلفات نافعة منها: السنن =
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، يريد به الحاكم (1)؛ لأن هذا في الحقيقة استعارة، كقولك: رأيت اليوم حاتمًا، وأردت به جوادًا لفرط شهرة حاتم (2) بالجود.
= الكبرى، ومعرفة السنن والآثار، ودلائل النبوة، والأسماء والصفات، والخلافيات، وتوفي سنة (458 هـ) بنيسابور.
راجع: المنتظم: 8/ 242، ووفيات الأعيان: 1/ 57، وطبقات السبكي: 4/ 8، وشذرات الذهب: 3/ 304.
(1)
الحاكم: هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، أبو عبد الله النيسابوري الحافظ، إمام أهل الحديث في عصره، كان واسع المعرفة، درس الفقه، ثم طلب الحديث، فغلب عليه، وألف فيه المؤلفات الكثيرة منها: المستدرك على الصحيحين، ومعرفة علوم الحديث، وتأريخ علماء نيسابور، وتقلد قضاء نيسابور ولأجل ذلك عرف بالحاكم، كما كان رسول الحكام إلى ملوك بني بويه، وتوفي سنة (405 هـ) بنيسابور.
راجع: تبيين كذب المفتري: ص/ 277، ووفيات الأعيان: 3/ 408، وطبقات السبكي: 4/ 155، والبداية والنهاية: 11/ 355، وطبقات القراء: 2/ 184، وتذكرة الحفاظ: 3/ 1039، وشذرات الذهب: 3/ 177.
(2)
هو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي، كان جوادًا، شاعرًا جيد الشعر، وحيث ما نزل عرف منزله، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا سئل وهب، وإذا ضرب بالقداح سبق، وإذا أسر أطلق، وقسم ماله بضع عشرة مرة، وتوفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ووفد ولده عدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم، وحسن إسلامه.
راجع: الشعر والشعراء لابن قتيبة: 1/ 164، وتهذيب تأريخ دمشق: 3/ 424، وخزانة الأدب: 1/ 394، والأعلام للزركلي: 2/ 151.
ثم عبارة المصنف غير سديدة: لأن التشبيه لشيخه بالحاكم الذي هو شيخ البيهقي لا لنفسه بالبيهقي، إذ لا فائدة في ذلك (1).
وقوله: تشبيهًا بالبيهقي يعني الحاكم صريح بذلك.
وكذا لا تدليس [بإيهام](2) الملاقاة، كقول من عاصر الزهري: قال الزهري: كذا، وقوله: حدثنا فلان بما وراء النهر، موهمًا نهر جيحون (3)، والمراد نهر آخر بينه وبين شيخه، لأن المعاريض من محاسن الكلام، ولا كذب فيه (4).
(1) يرى العلامة العبادي: أن العبارة سليمة لا غبار عليها إذ يجوز أن يشبه نفسه في الرواية عن الذهبي، بالبيهقي في الرواية عن الحاكم على وجه يستتبع تشبيه الذهبي بالحاكم، فيكون من فوائد هذا التشبيه تسمية الذهبي بأبي عبد الله، فاندفع الإشكال الذي أورده الشارح هنا على عبارة المصنف.
راجع: الآيات البينات: 3/ 271.
(2)
سقط من (ب) وأثبت بهامشها.
(3)
جيحون: بالفتح، ثم سكون، وحاء، وواو، ونون، وهو وادي خراسان، وعليه مدينة اسمها جيحان، ويتصل بناحية السند، والهند، وكابل، وفي أوله عدة أنهار تجتمع، فيكون منها هذا النهر العظيم، ويمر بعدة بلاد حتى يصل إلى خوارزم.
راجع: معجم البلدان: 2/ 196، ومراصد الاطلاع: 1/ 365.
(4)
ويسمى هذا بتدليس البلدان، راجع: الإحكام للآمدي: 1/ 274، وشرح العضد: 2/ 67، وتوضيح الأفكار: 1/ 372، وتيسير التحرير: 3/ 56، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 165، وغاية الوصول: ص/ 104، وهمع الهوامع: ص/ 286.
وأما من يدلس في متن الحديث (1) كلام نفسه بحيث لا يتميزان، جرح بلا خلاف؛ لإيقاعه المسلمين في الكذب عليه صلى الله عليه وسلم.
قوله: "مسألة: الصحابي" / ق (95/ أمن ب).
أقول: الصحابي في العرف من أدرك صحبته صلى الله عليه وسلم، ولو لحظة حال كونه مؤمنًا، فالذي أسلم بعده ليس صحابيًا، وإن عاش معه دهرًا طويلًا، وهذا أشمل من قولهم: من رآه.
وقيل: شرطه طول الصحبة، وقيل: طول الصحبة مع الرواية.
وقيل: شرطه الغزو معه، أو ملازمة سنة؛ لأن شرف الصحبة لا ينال بأدنى ملاقاة (2).
(1) وسماه المحدثون: المدرج بكسر الراء اسم فاعل، فالراوي للحديث إذا أدخل فيه شيئًا من كلامه أولًا، أو آخرًا، أو وسطًا على وجه يوهم أنه من جملة الحديث الذي رواه، فيختلف الحكم عليه من حيث كونه هل تعمد ذلك، أو لا؟ فإن تعمده كان مرتكبًا محرمًا، يجرح بذلك عند العلماء لما ذكره الشارح، أما لو اتفق له ذلك من غير قصد سواء كان صحابيًا، أو غيره، فلا يكون مجرحًا له.
راجع: مقدمة ابن الصلاح: ص/ 45 - 46، وتدريب الراوي: 1/ 268، وتوضيح الأفكار: 2/ 51، وإرشاد الفحول: ص/ 55.
(2)
راجع: الإحكام لابن حزم: 1/ 203، والكفاية: ص/ 49، والمعتمد: 2/ 172، والمستصفى: 1/ 165، وأسد الغابة: 1/ 18، والإصابة: 1/ 7، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 146، وشرح النووي على مسلم: ص/ 35، وشرح نخبة الفكر: ص/ 176، وتوضيح الأفكار: 2/ 426، وتدريب الراوي: 2/ 208، وكشف الأسرار: 2/ 384، وتيسير التحرير: 3/ 65، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 360.
والدليل - على المختار -: أن الصحبة تقيد بالقليل، والكثير، فهي للمطلق. ولأنه لو حلف لا يصحبه حنث/ ق (94/ أمن أ) بلحظة.
قالوا: إذا قيل: أصحاب الفقه، والحديث يراد الملازمون المكثرون منهما.
الجواب: ذلك عرف حدث.
ومن عاصره، وكان مسلمًا، وادعى الصحبة قبل قوله ظاهرًا؛ لأن عدالته توجب ذلك، لكن مع ريبة لأنه يدعي شرفًا لنفسه (1).
(1) ذهب الجمهور إلى قبول قوله؛ لأنه ثقة مقبول القول في الرواية، فكذلك في الصحبة دون فرق بينهما.
وذهب البعض إلى عدم القبول، واختاره ابن القطان الفاسي، وأبو عبد الله الصيمري، والطوفي: لأنه متهم بتحصيل منصب الصحابة، ولا يمكن تفريع قبول قوله في دعوى صحبته على عدالتهم، إذ عدالتهم فرع الصحبة، فلو أثبت الصحبة بها لزم الدور، ومال إلى هذا ابن عبد الشكور، أما الإمام ابن قدامة، فقد افترض الشبهة السابقة، ثم ردها، ورجح القبول، ويرى العلامة الشوكاني أنه لا بد من تقييد قول من قال: بقبول خبره أنه صحابي، بما إذا قامت القرائن الدالة على صدق دعواه، وإلا لزم قبول خبر كثير من الكذابين الذين ادعوا الصحبة.
راجع: المستصفى: 1/ 165، والإحكام للآمدي: 1/ 276، وشرح العضد: 2/ 67، والروضة: ص/ 106، والمسودة: ص/ 293، ومختصر الطوفي: ص/ 62، وفواتح الرحموت: 2/ 161، وتشنيف المسامع: ق (94/ أ)، وغاية الوصول: ص/ 104، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 167، وشرح الورقات: ص/ 189، والغيث الهامع: ق (98/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 187، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 94 - 95، وإرشاد الفحول: ص/ 70 - 71.
وقد يتوهم أنه إشكال، وهو أن التعريف يصدق على من ارتد، ومات مع أنه ليس بصحابي اتفاقًا.
والجواب: بأنه كان يسمى قبل الردة، ويكفى ذلك في صحة التعريف (1) ليس بشيء: لأن الكلام في صدق هذا الاسم عليهم، الذين وردت الآيات (2)، والأحاديث (3) بالثناء عليهم، وقد علمت أن الإيمان شرط فيه.
(1) هذا الجواب لجلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع: 2/ 167.
(2)
كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، وقوله:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وقوله:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]، وقوله:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117]، وقوله:{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]، وقوله:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]، وقوله:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 8، 9].
(3)
قد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي. . ." الحديث: ص/ 88. =
وأما من ارتد، ومات على الكفر، فقد حبط عمله أولًا وآخرًا، فحيث لا اعتداد بإيمانه السابق، وأعماله، لا اعتداد بصحبته (1).
فقول من قال: "ومات مؤمنًا" زيادة في التعريف كان صوابًا، ولا يلزم أن لا يسمى صحابيًا حال حياته؛ لأن تلك التسمية تزول بزوال الإيمان الذي هو شرط فيها. وإذا ثبتت الصحبة وجب القول بالعدالة، هو المذهب المنصور (2).
= كما روى البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي عن عمران بن حصين، وأبي هريرة، وابن مسعود رضى الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"خير القرون قرني - وفي رواية - خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم".
راجع: صحيح البخاري: 5/ 2 - 3، وصحيح مسلم: 7/ 184، ومسند أحمد: 1/ 378، وسنن أبي داود: 2/ 518، وتحفة الأحوذي: 6/ 586، والسنن الكبرى: 10/ 160، وشرح مسلم للنووى: 16/ 84.
(1)
عرف بعضهم الصحابي: بأنه من لقي النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه يقظة حيًا، مسلمًا ولو ارتد، ثم أسلم، ولم يره، ومات مسلمًا، وهو مروي عن الإمام أحمد، والبخاري، وغيرهم، واختاره الكمال بن الهمام، وابن النجار، وابن بدران.
راجع: شرح النووي على مسلم: 1/ 35، والمسودة: ص/ 292، وتيسير التحرير: 3/ 65، ومختصر الطوفي: ص/ 62، وشرح الكوكب المنير: 2/ 465، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 94، وإرشاد الفحول: ص/ 70.
(2)
الذي عليه سلف الأمة، وخلفها أن الصحابة رضى الله عنهم أجمعين كلهم عدول بتعديل الله لهم كما سبق في ذكر الأدلة على ذلك، وقد نقل الإجماع على عدالتهم إمام الحرمين، والغزالي، وابن عبد البر، وابن قدامة، وابن الصلاح، وشيخ الإسلام =
وقيل: هم كغيرهم يحتاج فيهم إلى التعديل (1).
وقيل: بعد قتل عثمان، وفتنة علي (2)، لا يقبل إلا مع التعديل، فإن المعتزلة على أن من قاتل عليًا فاسق.
= ابن تيمية رحمهم الله تعالى، والمراد بكون الصحابة عدولًا: أن لا نتكلف البحث عن عدالتهم، ولا طلب التزكية فيهم، فقد عدلهم، وزكاهم عالم الغيب والشهادة، لا أنهم معصومون عن الخطأ كما توهم ذلك بعض من خالف الإجماع في عدالتهم.
راجع: البرهان: 1/ 626، واللمع: ص/ 43، والاستيعاب: 1/ 9، والمستصفى: 1/ 164، والروضة: ص/ 105، والإحكام للآمدي: 1/ 274، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 146، والمسودة: ص/ 249، 259، 292، وكشف الأسرار: 2/ 384، وتدريب الراوي: 2/ 214، وشرح نخبة الفكر: ص/ 153، وتشنيف المسامع: ق (94/ ب)، وشرح الورقات: ص/ 191، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 94، وقواعد التحديث: ص/ 199.
(1)
هذا القول نسب إلى المبتدعة، وبعض فرق المعتزلة.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 338، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 360، وشرح العضد: 2/ 67، وفواتح الرحموت: 2/ 155، وتيسير التحرير: 3/ 64، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 168، والغيث الهامع: ق (99/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 288، وغاية الوصول: ص/ 104، وإرشاد الفحول: ص/ 69، ومختصر الطوفي: ص/ 62.
(2)
يعني هم عدول إلى زمن الفتنة بقتل عثمان مظلومًا رضى الله عنه، وما ترتب بعد ذلك عليه من الخلاف بين الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، وهذا القول ينسب إلى واصل بن عطاء، وأصحابه.
راجع: المستصفى: 1/ 164، والإحكام للآمدي: 1/ 274، وشرح العضد: 2/ 67، وإرشاد الفحول: ص/ 70.
والحق: أن دلائل عدالتهم، وكمال نفوسهم نطق بها الآيات المتكاثرة، والأحاديث المتظاهرة، وما وقع منهم محمول على الاجتهاد، والمجتهد لا يقلد مجتهدًا، بل يجب عليه العمل برأيه، ولا تفسيق بواجب.
قوله: "مسألة: المرسل قول غير الصحابي".
أقول: الحديث المرسل (1) قول غير الصحابي: قال رسول الله: كذا، وهذا يشمل من عدا الصحابة مطلقًا تابعيًا كان أو دونه (2).
(1) المرسل - لغة - مأخوذ من الإرسال، وهو الإطلاق، والتخلية، يقال: أرسل الناقة أي: أطلقها، وخلى سبيلها، وأرسل الكلام أطلقه، ولم يقيده.
راجع: تهذيب اللغة: 12/ 394، ومختار الصحاح: ص/ 242، والمصباح المنير: 1/ 226، ولسان العرب: 13/ 298، وتاج العروس: 7/ 344.
(2)
وهذا التعريف للمرسل قال به جمهور أهل الأصول، وأما جمهور أهل الحديث، فيخصونه بالتابعي سواء كان من كبارهم كسعيد بن المسيب، وعلقمة بن قيس النخعي، وأبي مسلم الخولاني، أو من صغارهم، وهو من لم يلق من الصحابة إلا القليل كيحيى بن سعيد الأنصاري، وأبي حازم، وهو قول بعض أهل الأصول، أما من خصصه بكبار التابعين، فيسمى ما رواه صغار التابعين منقطعًا لكثرة الوسائط لغلبة روايتهم عن التابعين، والتابعي هو من لقي الصحابي مسلمًا، ومات على ذلك، ويرى العلامة الشوكاني أن إطلاق المرسل على ما عرفه به جمهور الأصوليين اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن محل الخلاف هو المرسل باصطلاح أهل الحديث.
راجع: اللمع: ص/ 41، والحدود للباجي: ص/ 63، والإحكام لابن حزم: 1/ 135، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 25، والكفاية: ص/ 21، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 27، وشرح النووي على مسلم: 1/ 30، ونزهة النظر: ص/ 43، وتدريب الراوي: 1/ 195، =
والمحدثون: يخصونه بقول التابعي، وقيل: بكبار التابعين.
فإن سقط راو قبل التابعي سمي منقطعًا (1)، وإن سقط أكثر سمي معضلًا (2).
واحتج بالمرسل مالك، وأبو حنيفة، والآمدي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه (3).
= وتوضيح الأفكار: 1/ 283، والعدة: 3/ 906، والمستصفى: 1/ 169، والروضة: ص/ 64، والإحكام للآمدي: 1/ 299، وكشف الأسرار: 3/ 2، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 74، ومختصر الطوفي: ص/ 69، وإرشاد الفحول: ص/ 64، وتيسير مصطلح الحديث: ص/ 71، وأصول الحديث: ص/ 339.
(1)
المنقطع - لغة -: اسم فاعل من الانقطاع ضد الاتصال، وأما اصطلاحًا: فهو ما سقط منه راو، أو أكثر، لكنه مع عدم التوالي.
راجع: المصباح المنير: 2/ 509، ونزهة النظر: ص/ 44، وتيسير مصطح الحديث: ص/ 77.
(2)
المعضل - لغة -: اسم مفعول من أعضله بمعنى أعياه من باب قتل، وضرب.
واصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي.
وقد ذكر العلامة الشوكاني أن المنقطع، والمعضل لا تقوم بهما حجة؛ لجواز أن يكون الساقط، أو الساقطان، أو الساقطون، أو بعضهم غير ثقات.
راجع: المصباح المنير: 2/ 415، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 27، 36، 46، وأصول السرخسي: 1/ 359، ونزهة النظر: ص/ 44، والمحلي على الورقات: ص/ 188، وغاية الوصول: ص/ 105، وإرشاد الفحول: ص/ 66، وتيسير مصطلح الحديث: ص/ 75.
(3)
وحكاه الرازي عن جمهور المعتزلة، قال الإمام الباجي:"والدليل على ما نقوله الإجماع من الصدر الأول على ذلك، ومن بعدهم من التابعين، قال محمد بن جرير الطبري: إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المئتين". =
وقيل: إن كان من أئمة النقل دون غيره، واختاره الشيخ ابن الحاجب (1).
ثم بناء على كونه حجة هو أضعف من المسند، خلافًا للحنفية (2).
= وهذا إشارة إلى أن أول من اشتهر عنه القول بعدم حجية المرسل هو الإمام الشافعي رحمه الله، لكن قد نقل رده عن ابن عباس، وابن سيرين قبله.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 360، وإحكام الفصول: ص/ 349 - 350، والعدة: 3/ 906، والمعتمد: 2/ 143، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 650، والروضة: ص/ 112 - 113، والإحكام للآمدي: 1/ 299، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 379، والمسودة: ص/ 250، وكشف الأسرار: 3/ 2، ومختصر الطوفي: ص/ 69، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 96، وإرشاد الفحول: ص/ 64.
(1)
وبه قال عيسى بن أبان، وغيره.
راجع: مختصر ابن الحاجب: 2/ 74، وفواتح الرحموت: 2/ 174، وتيسير التحرير: 3/ 102، هذا إن كان بعد القرون الثلاثة الأولى، أما ما كان في القرون الثلاثة الأولى، فإنه يقبل مطلقًا عند ابن أبان.
(2)
لأنهم يقولون: المرسل أقوى من المسند، لأن من اشتهر عنده حديث بأن سمعه بطرق كثيرة، طوى الإسناد لوضوح الطريق عنده، كما أن من أسند، فقد أحالك على من روى عنه، ومن أرسل، فقد تكفل لك بالصحة، وهو مروي عن عيسى بن أبان منهم، ويرى الكمال بن الهمام أن هذا مقتضى الدليل لقول الحسن: متى قلت لكم: حدثني فلان، فهو حديثه لا غير، ومتى قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن سبعين سمعته، أو أكثر، واعتبر نظام الدين الأنصاري الحنفي القول بقوة المرسل على المسند من باب المبالغة في قبول المرسل.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 361، وفواتح الرحموت: 2/ 174، وتيسير التحرير: 3/ 103، ونهاية السول مع شرح سلم الوصول: 3/ 199.
والصحيح رده. عليه الأكثر، منهم الشافعي، والقاضي، فالإمام مسلم صاحب الصحيح:"المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"(1). فاستدل المصنف بقوله: على أن الأكثر على رده (2).
فإن كان المرسِل معلوم الحال بأنه لا يروي إلا عن عدل قبل قوله لأنه مسند حكمًا (3).
(1) راجع: صحيح مسلم: 1/ 24، وشرحه للنووي: 1/ 132.
(2)
وهذا قول أهل الحديث، والظاهرية، واختاره الحاكم، والخطيب، وابن الصلاح ونقلوه عن أكثر الأئمة من حفاظ الحديث، ونقاد الأثر، وأن الحكم بضعفه هو الذي استقر عليه الأمر، وتداولوه في تصانيفهم.
راجع: الكفاية: ص/ 384، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 25، 26، والرسالة: ص/ 464، واللمع: ص/ 41، والإحكام لابن حزم: 1/ 135، والمستصفى: 1/ 169، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 26، والمجموع للنووي: 1/ 60، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 650، ونزهة النظر: ص/ 111، وتدريب الراوي: 1/ 198، وتوضيح الأفكار: 1/ 291، والمسودة: ص/ 250، وقواعد التحديث: ص/ 133، وأصول الحديث: ص/ 338.
(3)
وحمل البعض على هذا ما نقل عن الشافعي من قوله: "أقبل مراسيل ابن المسيب لأني اعتبرتها، فوجدتها لا ترسل إلا عمن يقبل خبره، ومن هذا حاله أحببت مراسيله"، وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا هو مذهب الشافعي، وذكر ولي الدين العراقي أن القبول لا يخص مراسيل سعيد بن المسيب، بل يطرد في كل من هذه صفته، وحكي عن النووي في إرشاده نقله عن البيهقي، والخطيب البغدادي أن الشافعي لم يقبل مراسيل سعيد بن المسيب، حيث لم يجد لها ما يؤكدها، وإنما يزيد بن المسيب على غيره أنه أصح الناس إرسالًا، لا ما اشتهر عند أصحاب الشافعي أن مرسل سعيد حجة عنده، فهذا تفسير البيهقي، والخطيب لنص الشافعي السابق آنفًا، وهما أعرف بمراده. =
ثم المرسِل إما من كبار التابعين، أو من صغارهم، فإن اعتضد حديث الأول بضعيف يرجح، كقول صحابي، أو فعله، أو قول أكثر العلماء، أو مسند آخر يرسله الراوي مرة، أو راو آخر.
فإن قلت: إذا أسنده الراوي، أو غيره، فالعمل إنما هو به بالمرسل فأي فائدة في إسناد العمل إليه؟
قلت: فائدته تظهر لدى التعارض، فإنه يقدم على المسند المجرد.
وقول الإمام: "هذا في مسند لم تقم الحجة بإسناده"(1). لم يرفع الإشكال لأنه يفرض في مسند تقوم به حجة، ويعضده المرسل، أو قياس، أو انتشار من غير نكير، أو عمل أهل العصر، المجموع يصير حجة لا العاضد وحده، أو المعضود (2): لأن الهيئة الاجتماعية لها قوة لا توجد في الآحاد،
= راجع: البرهان: 1/ 640، وتشنيف المسامع: ق (95/ أ)، والغيث الهامع:(ق 99/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 169، وهمع الهوامع: ص/ 290، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 380، وغاية الوصول: ص/ 105، والمحلي على الورقات: ص/ 188، وحاشية العطار: 2/ 202.
(1)
راجع: المحصول: 2/ ق/ 1/ 660.
(2)
وعلى هذا فمرسل كبار التابعين، وهم الذين كثرت روايتهم عن الصحابة كسعيد بن المسيب، وكقيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وأبي رجاء العطاردي مقبول عند الشافعي، وعليه يحمل كلامه الذي تقدم لكن لا على انفرادهم، بل لا بد أن ينضم إليه ما يؤكده، ويوجحه، وقد ذكر الشارح سبع صور، متى وجدت واحدة منها مع مرسل كبار التابعين كان حجة، وبهذا يحقق مذهب الشافعي في المسألة، ويجمع بين نقل جمهور أصحابه أنه يقبل مرسل كبار التابعين الذين لا يرسلون إلا عمن يقبل خبره وبين ما نقله النووي سابقًا عن البيهقي، والخطيب من نفي ذلك الإطلاق عنه. =
كالخبر المتواتر، والمجمع عليه، فإن يوجد سوى ذلك المرسل بلا عاضد، فلا يثبت به حكم شرعي إلا أنه إذا دل على الحرمة الأولى تركه احتياطًا (1).
قوله: "مسألة الأكثر".
أقول: الأكثر على جواز نقل حديثه صلى الله عليه وسلم بالمعنى، وإن كان الأولى عدمه ما أمكن (2).
= راجع: الرسالة: ص/ 461 - 465، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 659، والإحكام للآمدي: 1/ 299، والمجموع للنووي: 1/ 61، وشرح العضد: 2/ 74، وتشنيف المسامع: ق (95/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 290 - 291، وإرشاد الفحول: ص/ 65، وغاية الوصول: ص/ 105.
(1)
ما تقدم الكلام عليه كان في مرسل غير الصحابي، أما مرسل الصحابة رضي الله عنهم فالجمهور على قبولها، بل ذكر البعض الإجماع على ذلك، لكونهم جميعًا عدولًا، وقد أجمع الصحابة على قبول الأحاديث التي أرسلها الصحابة، مع علمهم أن بعضهم يروي بواسطة بعض آخر.
وذهب فريق آخر إلى أن مراسيل الصحابة لا تقبل لا للشك في عدالتهم، بل لأنه قد يروي الراوي منهم عن تابعي، أو عن أعرابي لا تعرف صحبته، ولا عدالته، إلا أن يعلم بنصه، أو عادته، أنه لا يروي إلا عن صحابي مثله، فيجب قبوله حينئذ.
راجع: الكفاية: ص/ 385، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 26، والإحكام لابن حزم: 1/ 143، وأصول السرخسي: 1/ 359، وتوضيح الأفكار: 1/ 317، وكشف الأسرار: 3/ 2، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 14، والمسودة: ص/ 259، وقواعد التحديث: ص/ 143، وتدريب الراوي: 1/ 207، وإرشاد الفحول: ص/ 95.
(2)
وهذا قول جمهور العلماء، وعليه العمل، كما ذكر.
راجع: الرسالة: ص/ 370، 373، 380، واللمع: ص/ 44، والإلماع: ص/ 178، والمحدث الفاصل: ص/ 533، والمستصفى: 1/ 168، والكفاية: ص/ 198، والإحكام =
ومحل (1) / ق (94/ ب من أ) البحث إنما هو العارف بمواقع الألفاظ، وأما غيره لا يجوز إجماعًا (2).
الماوردي (3): يجوز إن نسي اللفظ (4).
وقيل: إن كان موجب الحديث العلم يجوز، وإن كان (5) / ق (95/ ب من ب) العمل فلا يجوز (6).
= للآمدي: 1/ 283، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 105، وشرح النووي على مسلم: 1/ 36، وتدريب الراوي: 2/ 98، وتوضيح الأفكار: 2/ 371، 392، وقواعد التحديث: ص/ 221، وأصول الحديث: ص/ 251.
(1)
آخر الورقة (94/ ب من أ).
(2)
راجع: المصادر السابقة.
(3)
هو علي بن محمد بن حبيب القاضي أبو الحسن الماوردي، البصري الشافعي أحد الأئمة الأعلام، كان إمامًا في الفقه، والتفسير، والأصول، واللغة، له مؤلفات في فنون عدة منها: الحاوي في الفقه، والنكت في التفسير، والأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين، وأعلام النبوة، وتوفي سنة (450 هـ).
راجع: تأريخ بغداد: 12/ 102، والعبر: 3/ 223، واللباب: 3/ 90، ومرآة الجنان: 3/ 72، وطبقات السبكي: 5/ 267، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 423، وطبقات المفسرين للسيوطي: ص/ 71، وشذرات الذهب: 3/ 285.
(4)
راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 172، وغاية الوصول: ص/ 106، والغيث الهامع: ق (100/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 292.
(5)
آخر الورقة (95/ ب من ب).
(6)
ونقل هذا عن بعض الشافعية، والمراد بالعلم الاعتقاد، وذلك كحديث "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" وحديث: "خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل، والحرم، الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور". =
وقيل: بلفظ مرادف، واختاره [الخطيب (1).
وعن] (2) ابن سيرين (3)، وثعلب، والرازي (4) من الحنفية، والمروي عن ابن عمر رضي الله عنهما:[منعه مطلقًا](5).
= راجع: صحيح البخاري: 3/ 16، وصحيح مسلم: 4/ 17، واللؤلؤ والمرجان: 2/ 15.
وانظر: الغيث الهامع: ق (100/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 172، وهمع الهوامع: ص/ 292.
(1)
ورجحه أبو الخطاب من الحنابلة، وأبو الحسين البصري من المعتزلة.
راجع: التمهيد لأبي الخطاب: 3/ 162، والمعتمد: 2/ 141، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 380.
(2)
ما بين المعكوفتين سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
(3)
هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر البصري، مولى أنس بن مالك، وهو إمام كبير في التفسير، والحديث، والفقه، والمقدم في التعبير للرؤيا، والزهد، والورع وقيل: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء منه، وطلب منه أن يتولى قضاء البصرة، فهرب إلى الشام، وكان بزازًا، وهو من التابعين وتوفي سنة (110 هـ).
راجع: تأريخ بغداد: 5/ 331، وحلية الأولياء: 2/ 263، وطبقات الشيرازي: ص/ 88، ومشاهير علماء الأمصار: ص/ 88، وطبقات القراء: 2/ 151، وتذكرة الحفاظ: 1/ 77، وشذرات الذهب: 1/ 138.
(4)
هو أبو بكر الجصاص، واختار هذا القول ابن حزم الظاهري، وهي رواية عن الإمام أحمد. راجع: المحدث الفاصل: ص/ 538، والإحكام لابن حزم: 1/ 205، والإلماع: ص/ 178، والكفاية: ص/ 198، وشرح العضد على المختصر: 2/ 70، ومختصر الطوفي: ص/ 71، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 97.
(5)
ما بين المعكوفتين سقط من (أ) وأثبت بهامشها.
وعن مالك: أنه لا يجوز تبديل الباء بالتاء (1) في مثل بالله، وتالله (2).
لنا - على المختار -: الإجماع على جواز تفسيره بلسان آخر، فبالعربي أولى. وأيضًا معلوم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم بعث لإبلاغ المعنى لا اللفظ. وكثيرًا ما يقول الصحابي قال صلى الله عليه وسلم: كذا، ونحوه.
وقولهم: العلماء مختلفون في الفهم ربما تنبه بعضهم من ألفاظ الحديث على ما لا يتنبه غيره.
قلنا: الكلام في العارف الذي ينقل المعنى سواء، وإلا لم يجز اتفاقًا (3).
والقول -: بأن الكلام في المعنى الظاهر لا فيما يختلف فيه - مذهب مخترع (4).
قوله: "مسألة: يحتج بقول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا".
(1) راجع: المختصر لابن الحاجب: 2/ 70، ونشر البنود: 2/ 57.
(2)
وفرق البعض كالسرخسي، والبزدوي: بين المحكم، والمتشابه، والظاهر، والمشكل والمجمل، والمشترك. ومنهم من جوز ذلك للصحابة فقط، وقيل: يجوز ذلك في الأحاديث الطوال دون القصار، ونسب للقاضي عبد الوهاب المالكي، وقيل: يجوز للاحتجاج لا للتبليغ.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 356، وكشف الأسرار: 3/ 57، وفواتح الرحموت: 2/ 167، وتيسير التحرير: 3/ 97، ونشر البنود: 2/ 61، وغاية الوصول: ص/ 106، وإرشاد الفحول: ص/ 57 - 58.
(3)
راجع: المستصفى: 1/ 168، والروضة: ص/ 64، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 381.
(4)
جاء في هامش (أ، ب): "رد على المحلي". وراجع شرحه على جمع الجوامع: 2/ 172.
أقول: هذا شروع في كيفية الرواية، فنقول: إذا قال الصحابي: سمعت رسول الله كذا، وأخبرني، وحدثني بكذا يجب قبوله بلا خلاف (1).
وأما إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا، الجمهور: على أنه حجة.
وقال القاضي: متردد بين سماعه منه، أو سماعه ممن يرويه عنه (2).
الجواب: قد تقرر أنهم كلهم عدول، فلا يضر ذلك الاحتمال.
وكذا قوله: عنه صلى الله عليه [وسلم](3).
وكذا قوله: سمعته أمر، أو نهى، أو أمرنا، أو نهينا، أو أوجب، أو حرم، أو رخص على صيغة المجهول في الكل لظهور أن فاعل الأفعال المذكورة هو الشارع (4).
(1) وإنما كان هذا متفقًا عليه لكونه يدل على عدم الواسطة بينهما قطعًا.
راجع: المستصفى: 1/ 129، والروضة: ص/ 47، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 373، وشرح العضد على المختصر: 2/ 68، ومختصر الطوفي: ص/ 63.
(2)
وبه قال فريق من العلماء، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة.
راجع: التمهيد: 3/ 185، والكفاية: ص/ 419، والعدة: 2/ 999، والإحكام للآمدي: 1/ 277، والمسودة: ص/ 260، وتوضيح الأفكار: 1/ 273، وفواتح الرحموت: 1/ 161، وتيسير التحرير: 3/ 68، وهمع الهوامع: ص/ 293، وإرشاد الفحول: ص/ 60.
(3)
سقط من (أ) والمثبت من (ب).
(4)
الجمهور على أن ذلك حجة، ونقل القول بعدم حجيته عن الصيرفي، والكرخي.
راجع: فواتح الرحموت: 2/ 162، والمسودة: ص/ 294، وتشنيف المسامع: ق (96/ أ)، والغيث الهامع: ق (101/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 173.
وقيل: يحتمل سائر الولاة. قلنا: بعيد لا يدفع الظهور.
وقوله: من السنة كذا، أو كنا معاشر الناس نفعل كذا في عهده، أو كان الناس يفعلون في عهده صلى الله عليه وسلم، فكنا نفعل، فكان الناس يفعلون، فكانوا لا يقطعون في الشيء التافه (1)، قالته عائشة رضي الله عنها، الكل حجة عند الجمهور لأنه حكاية إجماع (2).
(1) هذا الأثر عن عائشة رضي الله عنها أخرجه عنها بالسند المتصل ابن أبي شيبة في مصنفه، وابن عدي في كتابه الكامل، ولفظه عند ابن أبي شيبة: قالت: "لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه، ولم تقطع في أدنى من ثمن حجفة، أو ترس". ذكر ذلك الزيلعي. وأخرجه عبد الرزاق عن عروة مرسلًا، وأخرجه البيهقي عن هشام عن أبيه: أن اليد لا تقطع بالشيء التافه، ثم قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها: "أنه لم تكن يد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن مجن حجفة، أو ترس".
راجع: المصنف لعبد الرزاق: 10/ 234 - 235، والسنن الكبرى للبيهقي: 8/ 256، ونصب الراية للزيلعي: 3/ 360.
(2)
يشترط في هذه الألفاظ التي ذكرت أن تضاف إلى عهد النبوة، فتكون حجة عند الجمهور، ولا فرق بين قول الصحابي، ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بعد موته، فإن له حكم الرفع، فإن لم يضفه إلى عهد النبوة، فليس. بمرفوع، بل هو موقوف.
راجع: الكفاية: ص/ 422، والعدة: 2/ 998، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 23، والمستصفى: 1/ 131، والمجموع للنووي: 1/ 59، وشرح مسلم له: 1/ 30، وتدريب الراوي: 1/ 185، والمسودة: ص/ 293، ومناهج العقول: 2/ 315، وغاية الوصول: ص/ 106، وتوضيح الأفكار: 1/ 273.
والقول: بأنه لو كان إجماعًا لما جاز مخالفته، واللازم منتف، مردود بأن ذلك إنما يكون في الإجماع الذي طريقه قطعي.
وأشار بالعطف بالفاء إلى أن ما عطف به دون ما قبله في القوة.
قوله: "خاتمة".
أقول: إذا كان الراوي غير صحابي مراتب روايته عشر (1):
الأولى: قراءة الشيخ، إملاء، أو تحديثًا (2)، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.
(1) هذه المراتب اختلف العلماء في ترتيبها حسب قوتها.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 375، والإحكام لابن حزم: 1/ 255، والإلماع: ص/ 69، والمعتمد: 2/ 170، والمستصفى: 1/ 165، والروضة: ص/ 61، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 367، 375، ومختصر الطوفي: ص/ 65، وكشف الأسرار: 3/ 39، وفواتح الرحموت: 2/ 164، وغاية الوصول: ص/ 106، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 95، وإرشاد الفحول: ص/ 61.
(2)
فإن قصد الشيخ إسماعه وحده، أو أن يسمعه، ويسمع غيره، فللراوي أن يقول: أسمعنا، وحدثنا، وأخبرنا، وقرأ علي، وحدثني، وإن لم يقصد الشيخ الإسماع قال الراوى: سمعت، وحدث، وأخبر، ونبأ، وأنبأ، ولا يجوز للراوي أن يقول - في هذه الحالة -: حدثني، ولا أخبرني بأن يضيفه إلى نفسه لأنه مشعر بالقصد، وهو ما لم يقع، وهذا اختيار الآمدي، والعضد، والأسنوي، وقال البعض: لا فرق في جواز الرواية على الجملة بين كون قراءة الشيخ عن قصد، وكونها اتفاقية، وأقوى الألفاظ في هذه المرتبة سمعت، ثم حدثنا، وحدثني، ثم أخبرنا، وهو كثير في الاستعمال، ثم انبأنا، ونبأنا، وهو قليل في الاستعمال. وروي عن الإمام أحمد أن أخبرنا أسهل من حدثنا، ونقل عنه الرامهرمزي، والخطيب، والشيخ تقي الدين أنهما سواء، وهو مذهب أكثر المغاربة. =
الثانية: قراءة الراوي على الشيخ (1): لأنه كان يُقْرأ عليه صلى الله عليه [وسلم](2) فيقرر، أو ينكر.
= راجع: المحدث الفاصل: ص/ 517، والكفاية: ص/ 284 - 286، 294، والإلماع: ص/ 132، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 62، وتدريب الراوي: 2/ 8، 10، وشرح نخبة الفكر: ص/ 311، وتوضيح الأفكار: 2/ 295، والإحكام للآمدي: 1/ 280، وشرح العضد: 2/ 69، والمسودة: ص/ 283، ونهاية السول: 2/ 193، وقواعد التحديث: ص/ 203، 207، ومناهج العقول: 2/ 320، وأصول الحديث: ص/ 248.
(1)
أكثر المحدثين يسمون القراءة على الشيخ عرضًا، أي: أن القارئ يعرض ما يقرؤه على شيخه، كما يعرض القرآن على الإمام، وشرط إمام الحرمين في صحة التحمل بها أن يكون بحيث لو فرض من القارئ لحن، أو تصحيف لرده الشيخ. وقد اختلفوا في تقديم السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه، فذهب البعض إلى تقديم السماع من لفظ الشيخ على القراءة عليه، وحكاه ابن الصلاح عن جمهور أهل المشرق، ورجحه، واختاره. وذهب أبو حنيفة، وابن أبي ذئب إلى أن القراءة على الشيخ أعلى، ونقل هذا عن مالك، وشعبة، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم. وذهب مالك في المشهور عنه، وأصحابه، ومعظم علماء الحجاز، والكوفة، والبخاري وحكاه الصيرفي عن الشافعي إلى أنهما سواء.
راجع: البرهان: 1/ 641، والكفاية: ص/ 260، ومعرفة علوم الحديث: ص/ 259، والإحكام لابن حزم: 1/ 255، وأصول السرخسي: 1/ 375، والإلماع: ص/ 70، والمحدث الفاصل: ص/ 420، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 64 - 65، والمختصر مع العضد: 2/ 69، وكشف الأسرار: 3/ 39، وفواتح الرحموت: 2/ 164، وتشنيف المسامع: ق (96/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 174، وإرشاد الفحول: ص/ 62.
(2)
سقط من (أ) والمثبت من (ب).
الثالثة: قراءة غيره (1)، وهو يسمع لأنه ربما يغفل (2).
(1) واشترط البعض إقرار الشيخ ما قرئ عليه نطقًا، والجمهور: أن عدم إنكاره - ولا حامل له على ذلك من إكراه، أو نوم، أو غفلة، أو نحو ذلك - كافٍ؛ لأن العرف قاض بأن السكوت تقرير في مثل هذا، وإلا لكان سكوته قادحًا، واختاره الخطيب، وغيره. وله أن يقول - في هذه، والتي قبلها - أعني قراءة الشيخ، وقراءة غيره عليه، وهو يسمع -: حدثنا، وأخبرنا قراءة عليه، ويجوز الإطلاق بدون قراءة عليه، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وصاحباه، ومالك، وأحمد في المشهور، وبعض أصحابه، وسفيان بن عيينة، ومعظم الحجازيين، والكوفيين، والبخاري، والثوري، والزهري، ويحيى بن معين، وغيرهم.
وذهب آخرون إلى أنه لا بد من التقييد بما ذكر، وأيده الشيرازي أبو إسحاق وأبو الحسين البصري، والآمدي، وصححه الغزالي، وذكر ابن الصلاح، والمحلي أنه مذهب الشافعي، وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق، وعزي إلى أكثر المحققين. وقال إمام الحرمين: يجوز الإطلاق في أخبرني دون حدثني.
راجع: اللمع: ص/ 45، والبرهان: 1/ 647، والكفاية: ص/ 280، وجامع بيان العلم: 2/ 214، والمحدث الفاصل: ص/ 421، والإلماع: ص/ 78، والمستصفى: 1/ 65، والمحصول: 2/ ق/ 1/ 644، والروضة: ص/ 61، والإحكام للآمدي: 1/ 280، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 65 - 67، وتدريب الراوي: 2/ 10، وتوضيح الأفكار: 2/ 306، وكشف الأسرار: 3/ 39 - 40، وفواتح الرحموت: 2/ 164، وتيسير التحرير: 3/ 91، وشرح العضد: 2/ 69، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 377، والمسودة: ص/ 284، 287.
(2)
كما اختلفوا في روايته بسماع قراءة غيره على الشيخ، فذهب الجمهور إلى صحتها، وذكر الحافظ أنه وقع الإجماع عليه في هذه الأزمنة، وقبلها. ونقل المنع عن الضحاك بن مخلد، ووكيع، ومحمد بن سلام، وعبد الرحمن بن سلام.
راجع: جامع بيان العلم: 2/ 216، وشرح نخبة الفكر: ص/ 213، وتوضيح الأفكار: 2/ 203، وتدريب الراوي: 2/ 16، وآداب الشافعي: ص/ 99، وإرشاد الفحول: ص/ 62، وتشنيف المسامع: ق (96/ ب)، والمحلي على جميع الجوامع: 2/ 174.
الرابعة: المناولة، مع الإجازة، بأن يناول الشيخ أصل سماعه إلى الطالب، أو نسخة مقابلة به، ويقول له: هذا سماعي عن فلان أجزت لك أن ترويه عني (1)، والإجازة، مع المناولة أقوى درجات الإجازة (2).
(1) وفي معنى هذا: أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب، أو جزء من حديثه، فيعرض عليه، فيتأمله الشيخ، وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه، قائلًا له: وقفت على ما فيه، وهو حديثي عن فلان، أو روايتي عن شيوخي، فاروه عني، أو أجزت لك روايته عني. وللراوي في هذه الحال أن يقول: حدثنا، وأخبرنا فلان مناولة، وإجازة، أو أخبرنا إجازة، أو أخبرنا مناولة، أو أخبرنا إذنًا، أو في إذنه، أو فيما أذن لي، أو فيما أطلق لي روايته عنه، وما أشبه ذلك من العبارات، ولا يجوز إطلاق حدثنا، وأخبرنا فلان، وهذا هو الذي صححه واختاره جمهور العلماء، وذهب مالك، والزهري، وغيرهما إلى جواز الإطلاق.
وهذه المرتبة جائزة، بل حكي فيها الإجماع في وجوب العمل بها، وذهب الأحناف إلى أنه إن كان يعلم المجاز له ما في الكتاب جازت الرواية له كالشاهد على الصك، فإن الشاهد إن كان عالمًا بما في الصك تجوز له الشهادة، وإلا فلا.
راجع: أصول السرخسي: 1/ 377، والإحكام لابن حزم: 1/ 255، والكفاية: ص/ 318، 330، وجامع بيان العلم: 2/ 218، والإلماع: ص/ 79، 128، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 79، 81، وشرح نخبة الفكر: ص/ 216، وتدريب الراوي: 2/ 45، 51، وتوضيح الأفكار: 2/ 336، والمستصفى: 1/ 165، والروضة: ص/ 61، والإحكام للآمدي: 1/ 280، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 378، وكشف الأسرار: 3/ 45، والمسودة: ص/ 288، وشرح العضد: 2/ 69، ومختصر الطوفي: ص/ 66، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 95، وقواعد التحديث: ص/ 203.
(2)
مذهب الجمهور أن الإجازة مع المناولة بعد مرتبة السماع في القوة.
وذهب ربيعة، ومالك، والزهري، وابن عيينة، وهي رواية عن أحمد، وإسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومجاهد، وغيرهم، وحكاه الخطيب عن ابن خزيمة، وغيره إلى أنها كالسماع. =
الخامسة: الإجازة (1) المجردة عن المناولة، ولها مراتب: أعلاها: أن يجيز لخاص في خاص، مثل أن يقول: أجزت لك كتاب البخاري (2).
= راجع: معرفة علوم الحديث: ص/ 257، والكفاية: ص/ 316، 326، 334، وشرح نخبة الفكر: ص/ 218، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 174، ومناهج العقول: 2/ 319، وتيسير التحرير: 3/ 93، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 79، والتقريب: 2/ 52، والمحلي على الورقات: ص/ 196، وإرشاد الفحول: ص/ 63.
(1)
الذي استقر عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث، والفقه، والأصول، وغيرهم القول بتجويز الإجازة، وإباحة الرواية بها، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأكثر أصحابهما، وقال بها الإمام مالك، وما نقل عنه من المنع حمل على كراهته إجازة العلم لمن ليس من أهله، بل بعضهم حكى الإجماع على ذلك كالباقلاني، والباجي، والقاضي عياض، وغيرهم.
قلت: ودعوى الإجماع غير مسلمة، فقد خالف في جوازها الظاهرية، وشعبة، وأبو زرعة، وإبراهيم الحربي، واختارها بعض الشافعية كما سيأتي ذكرهم في الشرح بعد نهاية ذكر المراتب، كما أن هذا هو مذهب أبى حنيفة، وأكثر أصحابه واستثنى أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن من الإجازة، فيما لو كان يعلم المجاز له ما في الكتاب، فهذه صحيحة عندهم، وتقدم هذا في الإجازة مع المناولة.
راجع: إحكام الفصول: ص/ 382، والمحدث الفاصل: ص/ 435، والكفاية: ص/ 311، وجامع بيان العلم: 2/ 219، واللمع: ص/ 45، والمستصفى: 1/ 165، والإلماع: ص/ 88، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 72، وشرح ألفية العراقي: 2/ 61، والروضة: ص/ 61، والإحكام للآمدي: 1/ 280، والمسودة: ص/ 287، وتدريب الراوي: 2/ 29، وكشف الأسرار: 3/ 43، والعضد على المختصر: 2/ 69، ومختصر الطوفي: ص/ 66، وفواتح الرحموت: 2/ 165، وتيسير التحرير: 3/ 94، وقواعد التحديث: ص/ 304، ومناهج العقول: 2/ 320، وإرشاد الفحول: ص/ 63.
(2)
يعني مع عدم وجوب الكتاب، وإلا فهي المناولة كما سبق.
راجع: تشنيف المسامع: ق (96/ ب)، والغيث الهامع: ق (102/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 296، وغاية الوصول: ص/ 106، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص/ 95.
دونها: لخاص في عام، مثل: أجزت لك مسموعاتي (1).
ودونها: لعام في خاص، مثل أن يقول: أجزت لمن أدرك حياتي رواية البخاري (2).
ودونها: لعام في عام (3)، مثل أن يقول: أجزت لجميع المسلمين مسموعاتي (4):
(1) وقد ذكر السرخسي أن المحدث إذا قال: أجزت لك أن تروي عني مسموعاتي فإن هذا غير صحيح بالإتفاق. قلت: لكن الجمهور من المحدثين، والفقهاء، وغيرهم على جواز الرواية بهذا النوع.
راجع: الكفاية: ص/ 329، وأصول السرخسي: 1/ 278، والإلماع: ص/ 91، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 73، وشرح ألفية العراقي: 2/ 64، وقواعد التحديث: ص/ 203.
(2)
راجع: الإلماع: ص/ 98، وشرح ألفية العراقي: 2/ 64، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 73، وشرح نخبة الفكر: ص/ 220، وتوضيح الأفكار: 2/ 317، وتدريب الراوى: 2/ 32.
(3)
وهذه جوزها فريق، وردها آخرون، وذكر ابن الصلاح أنه لم ير، ولم يسمع عن أحد ممن يقتدى بهم أنه استعمل هذه الإجازة، فروى بها إلا شرذمة من المتأخرين سوغوها، مع أن الإجازة في أصلها ضعف، وتزاد بهذا التوسع، والاسترسال ضعفًا كثيرًا لا ينبغي احتماله.
راجع: شرح ألفية العراقي: 2/ 65، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 73 - 74، وتدريب الراوي: 2/ 33، وإرشاد الفحول: ص/ 64.
(4)
وللمجاز أن يقول في الرواية بها: أجاز لي فلان، أو أجاز لنا، وهذا متفق عليه لأنه إخبار بالحال على وجهه، كما يجوز أن يقول: حدثنا، وأخبرنا إجازة، وحدثني وأخبرني إجازة عند جمهور العلماء، ومنع قوم حدثنا دون أخبرنا، أما الإطلاق بدون إجازة، فلا يجوز لما فيه من الإيهام في كون الرواية بالتحديث على الحقيقه، وهذا هو قول الجمهور، وذهب فريق آخر إلى الجواز. =
السادسة: الإجازة للمعدوم تبعًا نحو: أجزت لفلان، ومن يوجد من نسله (1).
ولا بد من كون المعدوم تبعًا، فلو قدمه كأن يقول: أجزت / ق (95/ أمن أ) لمن يولد لفلان فلا يصح.
السابعة: المناولة المجردة كأن يناوله أصله، ويقول: هذا سماعي، ولا يقول له: اروه عني (2)، ولو ناوله الكتاب، ولم يقل: إنه سماعي لا يجوز الرواية عنه.
= راجع: الإلماع: ص/ 128، والإحكام للآمدي: 1/ 280، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 82، والمسودة: ص/ 288، وكشف الأسرار: 3/ 44، وفواتح الرحموت: 2/ 165، وتيسير التحرير: 3/ 95، ومختصر الطوفي: ص/ 66، ومناهج العقول: 2/ 320، وتدريب الراوي: 2/ 52، وتوضيح الأفكار: 2/ 336.
(1)
ونقل جواز هذه عن أبي بكر بن أبي داود حيث سئل الإجازة، فقال:"قد أجزت لك، ولأولادك، ولحبلة الحبلة" وأما اشتراط تبعية المعدوم ففيه خلاف: فذهب إلى جوازه بعض المالكية، والشافعية، والحنابلة. أما الجمهور فيرون بطلان هذه الإجازة، وذكر ابن الصلاح أن هذا هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره.
راجع: الكفاية: ص/ 325، والإلماع: ص/ 98، 104، 105، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 76، وشرح ألفية العراقي: 2/ 175، وتوضيح الأفكار: 2/ 318، وكشف الأسرار: 3/ 48، وشرح نخبة الفكر: ص/ 221، وتدريب الراوي: 2/ 37، وشرح العضد: 2/ 70، وفواتح الرحموت: 2/ 165، وتيسير التحرير: 3/ 95.
(2)
اختلف العلماء في جواز الرواية بالمناولة المجردة، فذهب جماهير العلماء إلى أنه لا يجوز الرواية بمجرد المناولة، وذهب آخرون إلى أنها تصح مجردة من الإجازة منهم ابن =
الثامنة: الإعلام المجرد عن المناولة، والإجازة، بأن يقول: هذا سماعي من فلان (1).
التاسعة: الوصية بالكتاب بأن يوصي بكتاب يرويه لأحد من الناس، فيجوز للموصَى له أن يرويه عنه (2).
= جريح، وابن الصباغ، وغيرهما. وذكر ابن الصلاح أنها مناولة مختلة لا تجوز الرواية بها، إذ قد عابها غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين الذين أجازوها، وسوغوا الرواية بها.
راجع: الكفاية: ص/ 334، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 81، وكشف الأسرار: 3/ 46، والتقريب: 2/ 52، وشرح نخبة الفكر: ص/ 218، وتوضيح الأفكار: 2/ 335، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 174، وإرشاد الفحول: ص/ 63، وقواعد التحديث: ص/ 203.
(1)
ذكر القاضي عياض صحة الرواية بها عن الأكثرين. ومنع الرواية بها الغزالي، وغيره، واختاره ابن الصلاح.
راجع: الإلماع: ص/ 108، والمحدث الفاصل: ص/ 451 - 452، والمستصفى: 1/ 165، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 84 - 85.
(2)
مذهب الجمهور: أنه لا يجوز الرواية بها إلا على سبيل الوجادة.
راجع: الكفاية: ص/ 352 - 353، والمحدث الفاصل: ص/ 459، والإلماع: ص/ 115، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 85، وشرح نخبة الفكر: ص/ 219، وتدريب الراوي: 2/ 59، وقواعد التحديث: ص/ 204، وأصول الحديث: ص/ 243، وغاية الوصول: ص/ 106، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 175، وهمع الهوامع: ص/ 296.
والحق: ما قاله الشيخ ابن الصلاح (1): إن الرواية بالوصية بعيدة جدًا، ولا نسلم أن الوجادة دونها (2) إذ في الوجادة يقول: وجدت بخط المؤلف كذا، فيغلب على الظن صحة ما وجده، بخلاف الوصية بالكتاب.
العاشر: الوجادة (3)، وقد عرفت معناها.
(1) هو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشهرزوري الشافعي، أبو عمرو الإمام الحافظ شيخ الإسلام، تقي الدين، تفقه في المذهب، وبرع في الفقه، وأصوله، وفي الحديث، وعلومه، وفي التفسير، وغيره، وكان مشاركًا في فنون كثيرة متبحرًا في الأصول، والفروع، زاهدًا، ورعًا، وقورًا، جليلًا، وإذا أطلق لفظ الشيخ في علم الحديث، فهو المراد، وله مؤلفات منها: علوم الحديث، وشرح مسلم، وإشكالات على كتاب الوسيط في الفقه، وتوفي بدمشق سنة (643 هـ).
راجع: وفيات الأعيان: 2/ 408، وطبقات السبكي: 8/ 326، وتذكرة الحفاظ: 4/ 1430، والبداية والنهاية: 13/ 168، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 377، وطبقات الحفاظ: ص/ 503، وطبقات ابن هداية الله: ص/ 220.
(2)
جاء في هامش (أ، ب): "رد على الزركشي حيث رد على الشيخ".
قلت: حيث قال: "قال ابن الصلاح: وهو بعيد جدًا، وأنكره عليه ابن أبي الدم، وقال: الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهو معمول بها عند الشافعي، وغيره، كما سيأتي، فهذه أولى". تشنيف المسامع: ق (96/ ب). وراجع: مقدمة ابن الصلاح: ص/ 84 - 85.
(3)
الوجادة: مصدر لوجد يجد، مولد غير مسموع من العرب، ومادة وجد متحدة الماضي، والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، يقال: وجد مطلوبه يجده بالكسر وجودًا، ووجد ضالته وجدانًا، ووجد عليه في الغضب موجدة بكسر الجيم، ووجدانًا بكسر الواو، ووحد في الحزن وجدًا بالفتح، ووجد في المال وجدًا بضم الواو، وفتحها، وكسرها، وجدة بالكسر استغنى، وأوجده الله مطلوبه أظفره به، وأوجده أغناه. =
ومنع إبراهيم الحربي (1)، وأبو الشيخ الأصفهاني (2)، والقاضيان حسين، والماوردي الرواية بالإجازة، وقالوا: لو جوزناها لبطلت الرحلة
= واصطلاحًا: ما وجده بخط الشيخ الذي يعرفه، ويثق أنه خطه.
وله أن يقول - في حالة الإخبار بها -: وجدت بخط فلان كذا، وإن لم يثق أنه خطه، فيقول: وجدت ما ذكر لي أنه خط فلان كذا، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا، وذهب قلة إلى جواز ذلك.
راجع: مختار الصحاح: ص/ 709 - 710، والمصباح المنير: 2/ 648، والقاموس المحيط: 1/ 343، والمعجم الوسيط: 2/ 1013، والمحدث الفاصل: ص/ 497، 500، والكفاية: ص/ 353، وأصول السرخسي: 1/ 359، والإلماع: ص/ 117، ومقدمة ابن الصلاح: ص/ 86، وكشف الأسرار: 3/ 53، وشرح نخبة الفكر: ص/ 219، ومختصر الطوفي: ص/ 66، وتدريب الراوي: 2/ 61، وتوضيح الأفكار: 2/ 347، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 175، وقواعد التحديث: ص/ 304، وأصول الحديث: ص/ 245، وشرح الكوكب المنير: 2/ 525.
(1)
هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الحربي الحنبلي كان إمامًا في العلم رأسًا في الزهد، عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام، حافظًا للحديث، يعتبر من أجلة الناقلين لمذهب الإمام أحمد، وله مؤلفات منها: دلائل النبوة، وغريب الحديث، وكتاب الحمام، وسجود القرآن، وذم الغيبة، والنهي عن الكذب، وتوفي سنة (285 هـ).
راجع: طبقات الحنابلة: 1/ 86، والمنهج الأحمد: 1/ 196، وتذكرة الحفاظ: 2/ 584، وطبقات الحفاظ: ص/ 263، وشذرات الذهب: 2/ 190.
(2)
هو عبد الله بن محمد بن جعفر الأنصاري الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ أبو محمد، محدث، حافظ، مفسر، مؤرخ، من مؤلفاته: كتاب العظمة، والتفسير، وكتاب التأريخ على السنين، وكتاب الثواب، وطبقات المحدثين بأصبهان، وتوفي سنة (369 هـ).
راجع: اللباب: 1/ 231، وتذكرة الحفاظ: 3/ 945، والنجوم الزاهرة: 4/ 136، وشذرات الذهب: 3/ 69، وكشف الظنون: 2/ 1406، 1407، 1439، ومعجم المؤلفين: 6/ 114.
في طلب العلم، ورواه الربيع (1) عن الشافعي، وكذا روي عن مالك، وأبي حنيفة.
ومنع قوم العامة (2).
والقاضي أبو الطيب (3) في المعدوم ابتداء، كما تقدم أنه المختار، وأما للمعدوم من غير إضافة، فلا يجوز إجماعًا.
وألفاظ الرواة عند الأداء اصطلاح خاص لأهل الحديث لا تعلق له بالأصولي لأن/ ق (96/ أمن ب) كلامه فيما للاحتجاج فيه (4) مدخل.
(1) هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي، أبو محمد مؤذن مسجد عمرو بن العاص بمصر، وصاحب الإمام الشافعي الذي روى أكثر كتبه، وأثنى عليه الشافعي خيرًا، ويقدم أصحاب الشافعي روايته على رواية المزني عند التعارض، وعند الإطلاق في المذهب الشافعي يكون هو المراد، وغيره يقيد بما يميزه عنه، وقد شدت الرحال إليه من أقطار الأرض لسماع كتب الشافعي منه، وتوفي سنة (270 هـ).
راجع: طبقات الشيرازي: ص/ 98، وطبقات العبادي: ص/ 12، وطبقات السبكي: 2/ 162، والبداية والنهاية: 11/ 48، وتذكرة الحفاظ: 2/ 586، والخلاصة: ص/ 115، وحسن المحاضرة: 1/ 348، وطبقات الحفاظ: ص/ 256، وشذرات الذهب: 2/ 159.
(2)
كل ما ذكره هنا تقدم في أول المسألة، وقد ذكرت الخلاف عند كل مرتبة من مراتب الإجازة، مع بيان القول المختار.
(3)
هو طاهر بن عبد الله بن طاهر أبو الطيب الطبري الشافعي الإمام الجليل الفقيه، الأصولي، القاضي، من مؤلفاته: شرح المزني، وصنف في الخلاف، والمذهب، والأصول والجدل كتبًا كثيرة ليس لأحد مثلها، كذا ذكر السبكي عنه، وتوفي سنة (450 هـ).
راجع: المنتظم: 8/ 198، ووفيات الأعيان: 2/ 195، وطبقات السبكي: 5/ 12، وشذرات الذهب: 3/ 284، والفتح المبين: 1/ 238.
(4)
هو كما قال الشارح لكني إتمامًا للفائدة، وتكميلًا للبحث ذكرت ذلك في الهامش على وجه الإيجاز، مع المراجع التي توسعت في البحث عنها.