المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مسالك العلة قوله: "مسالك العلة". أقول: الوصف الذي نيط به الحكم له - الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع - جـ ٣

[أحمد بن إسماعيل الكوراني]

الفصل: ‌ ‌مسالك العلة قوله: "مسالك العلة". أقول: الوصف الذي نيط به الحكم له

‌مسالك العلة

قوله: "مسالك العلة".

أقول: الوصف الذي نيط به الحكم له مسالك صحيحة وأخرى فاسدة، شرع يبين تلك المسالك، وقدم الصحيحة لأنها المقصودة.

فمنها: الإجماع، وإنما قدمه لأنه قطعي الدلالة (1)، ثم الإجماع قد يكون قطعيًا بأن نقل متواترًا، أو انعقد في عصر المستدل، وقد يكون ظنيًا بأن نقل آحادًا، أو كان سكوتيًا، أو يكون اعتبار الوصف قطعيًا لكن وجوده يكون في الأصل، أو الفرع ظنيًا، أو يدعى الخصم وجود معارض في الفرع.

مثال العلة المجمع عليها: الولاية على الصغيرة في المال معللة بالصغر إجماعًا، فيقاس عليه النكاح.

قوله: "الثاني النص".

(1) أي: لقوته سواء كان قطعيًا أو ظنيًا، وأخَّر النص لطول الكلام على تفاصيله.

راجع كلام الأصوليين على هذا المسلك أصول الشاشي: ص/ 333، والفقيه والمتفقه: 1/ 213، واللمع: ص/ 62، والمستصفى: 2/ 293، وشفاء الغليل: ص/ 110، وروضة الناظر: ص/ 301، والإحكام للآمدي: 3/ 55، ومختصر البعلي: ص/ 145، ومختصر الطوفي: ص/ 159، وشرح العضد: 2/ 233، وفواتح الرحموت: 2/ 295، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 262، ومناهج العقول: 3/ 49، وإرشاد الفحول: ص/ 210.

ص: 270

أقول: ثاني المسالك النص (1) إما صريح وله مراتب:

أقواها ما صرح فيه بالعلة مثل: فلعلة كذا، ودونه لفظ السبب مثل: لسبب كذا، ودونه لفظ لأجل (2) كذا، ودونه كي (3)، وإذن (4).

هذا ترتيب دل عليه كلامه، والأمثلة كثيرة، فتأملها.

وإما ظاهر (5)، وله -أيضًا- مراتب:

أقواها اللام الظاهرة (6)، وإنما تكون ظاهرة: لأنها قد تأتي لغير التعليل

(1) من كتاب، أو سنة. راجع هذا المسلك: البرهان: 2/ 806، واللمع: ص/ 61، والفقيه والمتفقه 1/ 210، والمستصفى: 2/ 288، وشفاء الغليل: ص/ 23، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 193، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 390، والمنخول: ص/ 343، والمسودة: ص/ 438، وفواتح الرحموت: 2/ 295، وتيسير التحرير: 4/ 39، وحاشية البناني: 2/ 263، وإرشاد الفحول: ص/ 211.

(2)

كقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32]، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".

راجع: صحيح البخارى: 8/ 66، وصحيح مسلم: 6/ 181.

(3)

كقوله تعالى: {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [طه: 40، القصص: 13].

(4)

كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب وقد قال له: "أجعل لك صلاتي كلها؟ " قال: "إذًا يغفر اللَّه لك ذنبك كله"، وفي رواية:"إذًا يكفيك اللَّه هم الدنيا والآخرة".

راجع: المسند: 5/ 136، والمستدرك: 2/ 421، ومجمع الزوائد: 10/ 160، وجلاء الأفهام: ص/ 34.

(5)

وهو ما يحتمل غير العلة احتمالًا مرجوحًا، شرح الكوكب المنير: 4/ 121.

(6)

كقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم: 1]، وقوله سبحانه:{لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95].

ص: 271

كالتمليك (1)، والتوقيت (2)، ودونها المقدرة مع أن (3)، وإن، إذ ليس لها رتبة الظاهرة، ودونها الباء نحو:{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [التوبة: 82، 95].

ودونها الفاء، ولم تكن صريحة لمجيئها لمجرد العطف من غير علة (4)، وهي في كلام الشارع أقوى من كلام الراوي، والراوي الفقيه أولى من غيره.

وهذا ترتيب المصنف مشيًا على وفقه، وإن كان في بعضها خلاف، لأن الأمر في ذلك سهل لأن الكل مسالك صحيحة.

ومن الظاهر "إنَّ" المشددة (5) نحو: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ}

(1) كقولك: وهبت لزيد دينارًا.

(2)

كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78].

(3)

كقوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)} [القلم: 13 - 14] أي لأن كان، وما جاء في قصة الزبير من قول الأنصاري لما خاصمه في شراج الحرة:"أن كان ابن عمتك" أي لأن كان، فالتعليل مستفاد من اللام المقدرة لا من أن.

راجع: الحديث صحيح البخاري: 3/ 232.

(4)

كقوله تعالى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص: 15]، {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37].

(5)

وهذا مذهب البيضاوى، والمصنف، وغيرهما، وذهب القاضي أبو يعلى، وأبو الخطاب، والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم إلى أنها من قسم الصريح، ونقل عن آخرين أنها من قسم الإيماء.

راجع: الإحكام للآمدي: 4/ 56، وروضة الناظر: ص/ 297، وشرح العضد: 2/ 234، وشرح الكوكب المنير: 4/ 119 - 120، وتيسير التحرير: 4/ 39.

ص: 272

[نوح: 27](1)، وإذ نحو:{اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ} [المائدة: 20]، ومنه حروف تقدمت في بحث الحروف.

قوله: "الثالث الإيماء، وهو اقتران الوصف".

أقول: ثالث المسالك الإيماء، وإنما جعله مسلكًا مستقلًا، ولم يجعله من مراتب النص الغير الصريح تبعًا للإمام (2).

والأولى ما فعله ابن الحاجب (3) تبعًا للغزالي (4) من عده قسمًا من النص الغير الصريح: لأنه مأخوذ من النص بلا استنباط واجتهاد، كما يظهر لك من الأمثلة التي نوردها (5).

وقد عرف الإيماء: باقتران وصف بحكم لو لم يكن ذلك الوصف علة له لكان الشارع منزهًا عن إيراده، لعلو درجته عن الإتيان بما لا يناسب المقام.

(1) وكقوله صلى الله عليه وسلم: لمّا ألقى الروثة: "أما إنها رجس".

راجع: صحيح البخاري: 1/ 49، ومسند أحمد: 1/ 388، وعارضة الأحوذي: 1/ 34، وقوله في الهرة:"إنها من الطوافين عليكم والطوافات".

وراجع: الموطأ 1/ 23، وبذل المجهود: 1/ 196، وعارضة الأحوذي: 1/ 137، وسنن الدارقطني: 1/ 70، والسنن الكبرى للبيهقي: 1/ 145.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 197.

(3)

راجع: المختصر وشرحه للعضد: 2/ 234.

(4)

راجع: المستصفى: 2/ 292، والمنخول: ص/ 343، وشفاء الغليل: ص/ 27.

(5)

راجع هذا المسلك: اللمع: ص/ 62، وروضة الناظر: ص/ 297، والإحكام للآمدي: 3/ 57، واقتضاء الصراط المستقيم: ص/ 56، ومختصر البعلي: ص/ 146، ومناهج العقول: 3/ 42، وفواتح الرحموت: 2/ 296، وتيسير التحرير: 4/ 39، وإرشاد الفحول: ص/ 212.

ص: 273

مثال الوصف: الوقاع في قول الأعرابي: "واقعت أهلي في رمضان".

فقال في جوابه: "اعتق (1) رقبة"(2)، فكأنه قال له: واقعت، فكفر.

وقد تقدم أن الفاء ظاهرة في العلية، إلا أنها مقدرة، فكانت من الإيماء.

فلو لم يحمل على العلية لخلا السؤال عن الجواب، وتأخر البيان عن وقت الحاجة.

ومثال النظير: قصة الخثعمية لما سألته: إن أبي أدركته الوفاة، وعليه فريضة الحج، فإن حججت عنه أينفعه؟

فقال صلى الله عليه وسلم: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ذلك؟ قالت: نعم، قال: فدين اللَّه أحق أن يقضى".

السؤال عن دين اللَّه، والجواب بدين الآدمي الذي هو نظير الوصف الواقع في السؤال، فقد نبه على أصل القياس الذي هو حق الآدمي، والفرع الذي هو حق اللَّه، والعلة المشتركة وهى نفع قضاء الدين مطلقًا.

قوله: "قيل: أو المستنبط".

(1) آخر الورقة (108/ ب من أ).

(2)

الحديث رواه البخاري، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي.

راجع: صحيح البخاري: 3/ 40، وصحيح مسلم: 3/ 138 - 139، ومسند أحمد: 2/ 241، وسنن أبي داود: 1/ 557، وتحفة الأحوذي: 3/ 415.

ص: 274

إشارة إلى ضعف قول من قال: إذا كان الوصف مستنبطًا، سواء كان الحكم الذي علل بالوصف مستنبطًا أيضًا، أم لا، فإنه من قبيل الإيماء، وهذا القول باطل، لأن مسلك الاستنباط قسم لمسلك النص والإجماع.

نعم إذا كان الوصف صريحًا مثل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]، فإن الحل هو الوصف، والحكم مستنبط، وهو صحة البيع، فذاك إيماء.

قوله: "كحُكْمِه بعد سماع وصف".

أقول: يريد ضبط أنواع الإيماء، وهى خمسة:

الأول: الحكم بعد سماع الوصف كما تقدم في قصة الأعرابي والخثعمية.

الثاني: ذكر الحكم، مع وصف لو لم يكن علة لما كان لذكره وجه.

كقوله -في بيان طهارة الهرة-: "إنها من الطوافين عليكم" أشار إلى أن علة الطهارة هو الطواف.

الثالث: التفريق بين حكمين بصفة، مع ذكرهما أو ذكر أحدهما.

مثال الأول: قوله: "للفرس سهمان، وللراجل سهم"(1).

(1) أخرجه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري، وضعفه، وهو يفيد أن للفارس سهمين:

أحدهما لفرسه، والثاني له، وهو مخالف لما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم إذ روى البخاري عن نافع عن ابن عمر قال:"قسم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين، وللراجل سهمًا". =

ص: 275

إذ ذكره للحكمين، مع الوصفين يدل على كونهما علتين، وإلا لكان ذكر الوصفين بعيدًا، واكتفى بوصف واحد مثل:"القاتل لا يرث"، إذ بعد تقرر الفرائض، وانضباط الورثة يعلم أن العلة لعدم الإرث هو القتل (1).

أو يفرق بين حكمين بالشرط مثل: "إذا اختلف الجنسان بيعوا كيف شئتم"(2)، فإن شرط الاختلاف لو لم يكن علة للجواز (3)، لكان ذكره بعيدًا عن المقام.

= قال نافع: "إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم".

وأخرجه مسلم، والدارقطني، وأحمد عن ابن عمر:"أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قسم في النفل للفرس سهمين، وللراجل سهمًا". غير أن رواية أحمد، وابن داود، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي الأخرى قد بينت المراد من الحديث الذي سبق إذ جاء فيها عن ابن عمر رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان، وللراجل سهم".

راجع: مسند أحمد: 2/ 2، 2/ 41، وصحيح البخاري: 5/ 174، وصحيح مسلم: 5/ 156، سنن أبي داود: 2/ 69، وسنن ابن ماجه: 2/ 198، وسنن الدارقطني: 4/ 102، وسنن البيهقي: 6/ 325، وإرواء الغليل: 5/ 60.

(1)

راجع: المعتمد: 2/ 253، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 211، وشرح العضد: 2/ 235، وفواتح الرحموت: 2/ 297، وتيسير التحرير: 4/ 45، وحاشية البناني: 2/ 267.

(2)

أخرج مسلم، والدارقطني، والبيهقي عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".

راجع: صحيح مسلم: 5/ 44، وسنن الدارقطني: 3/ 24، وسنن البيهقي: 5/ 282.

(3)

آخر الورقة (105/ ب من ب).

ص: 276

والغاية مثل قوله: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222]، إذ لو لم يكن الطهر علة لحل القربان، لكان بعيدًا (1).

وبالاستثناء مثل قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} [البقرة: 237]، فإن التفرقة بين ثبوت النصف وعدمه، لو لم تكن لعلة العفو للانتفاء لكان بعيدًا.

والاستدراك نحو قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89]، فلو لم يكن التعقيد علة المؤاخذة لكان ذكره بعيدًا (2).

ومن الإيماء (3): ترتيبه الحكم على الوصف نحو: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، إذ لو لم تكن السرقة علة القطع كان بعيدًا ذكرها معه، وكذا:"لا يقضى القاضي وهو غضبان" وبالجملة حيث أشعر الوصف بالعلية.

(1) راجع: المعتمد: 2/ 253، والإحكام للآمدي: 3/ 58، والمحصول: 2/ق / 2/ 211، وشفاء الغليل: ص/ 48، وشرح العضد: 2/ 235، ومناهج العقول: 3/ 48، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 267، وفواتح الرحموت: 2/ 297.

(2)

راجع: المعتمد: 2/ 253، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 212، وشفاء الغليل: ص/ 48، والإحكام للآمدي: 3/ 58، وشرح العضد: 2/ 235، ومناهج العقول: 3/ 48، وفواتح الرحموت: 2/ 297.

(3)

جاء في هامش (أ): "كان ينبغي أن يقول: الرابع ترتيبه نظير ما مر من الأنواع".

ص: 277

وكما إذا أوجب الشارع شيئًا، ثم نهى عن شيء ربما يفوت الواجب به، فيدل على عليته، وإلا لكان بعيدًا.

مثل قوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]، فالمنع من البيع وقت النداء لو لم يكن -لأنه مظنة فوات الواجب- لكان بعيدًا (1).

ثم مناسبة الوصف المومى إليه هل يشترط؟ ثلاثة مذاهب، ليست بشرط وهو مختار المصنف والأكثرين (2): لأن معنى العلة المعرف للحكم.

الثاني: شرط واختاره الغزالي: لأن تعليل الحكم من غير مناسبة -مثل: أكرم الجاهل، وأهن العالم- قبيح (3).

(1) راجع: شرح تنقيح الفصول: ص/ 390، والفقيه والمتفقه: 1/ 213، وروضة الناظر: ص/ 300، والمستصفى: 2/ 289، وشفاء الغليل: ص/ 50، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 213، ومختصر الطوفي: ص/ 158، ومختصر البعلي: ص/ 147، وفواتح الرحموت: 2/ 296، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 267، وإرشاد الفحول: ص/ 212.

(2)

راجع: شفاء الغليل: ص/ 47، والبرهان: 2/ 810، والمحصول: 2/ ق/ 2002، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 390، ومختصر الطوفي: ص/ 157، ومختصر البعلي: ص/ 147، وفواتح الرحموت: 2/ 298، وتيسير التحرير: 4/ 41، وإرشاد الفحول: ص/ 213.

(3)

راجع: شفاء الغليل: ص/ 47.

ص: 278

الثالث -وإليه ذهب ابن الحاجب (1) -: أن ما كان التعليل مفهومًا من المناسبة مثل: "لا يقضي القاضى وهو غضبان" شرطت، لأن عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه تناقض.

والحق: أن من اعتبر في العلة كونها باعثة مشتملة على الحكمة، ولم يجوز مجرد الأمارة بمعنى المعرِّف يلزمه القول بالمناسبة في جميع موارد العلة بمعنى أنها موجودة، وإن لم تكن ظاهرة، وأما من اكتفى بالمعرِّف، أي: الأمارة المجردة، فلا وجه لاعتبار المناسبة عنده.

قوله: "الرابع السبر".

أقول: رابع مسالك العلة السبر، والتقسيم (2).

والسبر -لغة-: الاختبار (3) يقال -لحديدة الجراح-: سِبار: لأنه يقيس به عميق الجراحات.

(1) راجع: المختصر وعليه العضد: 2/ 236.

(2)

راجع كلام الأصوليين على السبر، والتقسيم: البرهان: 2/ 815، والمستصفى: 2/ 295، والمنخول: ص/ 350، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 299، والإحكام للآمدي: 3/ 63، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 397، وشرح العضد: 2/ 236، ومختصر الطوفي: ص/ 161، ومختصر البعلي: ص/ 148، وفواتح الرحموت: 2/ 299، وتيسير التحرير: 4/ 46، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 270، وإرشاد الفحول: ص/ 213.

(3)

راجع: الصحاح: 2/ 675، ومعجم مقاييس اللغة: 3/ 127، والمصباح المنير: 1/ 263.

ص: 279

واصطلاحًا: حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة في بادئ الرأي للعلية في الجملة.

والتقسيم: إبطال بعضها، وهو ما عدا الصالح للعلية عنده واحدًا كان، أو أكثر.

فإذا سبر الأوصاف، فمنع المعترض حصره، يكفيه في الدفع أن يقول: بحثت، فلم أجد سواها صالحًا، لأنه عدل متدين لم يقل ذلك إلا بعد غلبة ظنه الانحصار، لأن الأوصاف العقلية، والشرعية التي تصلح علة، قل ما يخفى عليه بعد البحث (1)، هذا شأن المجتهد في جميع مجتهداته، ظنه واجب الاتباع.

فإذا ظهر بعد ذلك الظن ما كان خافيًا عليه ليس بمستنكر منه، ولا قادحًا ذلك في كونه عدلًا، صدوقًا.

قال بعض الشارحين (2): المجتهد يرجع إلى ظنه، معناه إذا حصل له الظن بشئ، فلا يكابر نفسه (3)، هذا، وإذا علم حقيقة السبر، وما يجب فيه من اعتبار غلبة الظن، فلو كان الحصر قطعيًا، وكذا إبطال البعض، يكون

(1) راجع: المستصفى: 2/ 296، وروضة الناظر: ص/ 307، والمسودة: ص/ 426، وشرح العضد: 2/ 236، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 271، وتيسير التحرير: 4/ 46، وإرشاد الفحول: ص/ 314.

(2)

هو جلال الدين المحلي في شرحه على جمع الجوامع: 2/ 271.

(3)

راجع: شرح العضد: 2/ 237، وفواتح الرحموت: 2/ 299، ونشر البنود: 2/ 160.

ص: 280

التعليل بالباقي قطعيًا، وإن انتفى قطعية أحدهما لا يكون قطعيًا، لأن قطعية المدلول موقوفة على قطعية الدليل بجميع المقدمات من جميع الجهات.

قوله: "وهو حجة عند الناظر، والمناظر".

أقول: مختار الجمهور: أن السبر حجة مطلقًا (1):

لأن المكلف به هو الظن، وقد حصل، والإجماع على وجوب العمل بظن المجتهد.

وقيل: ليس بحجة على المناظر: لأنه خصم لا يحج بقول خصمه.

الجواب: بعد ثبوت السبر وانقطاعه، لا يصلح خصمًا.

وقيل: حجة مطلقًا إن ثبت بالإجماع كون حكم الأصل معللًا: لأن ما عدا وصفه قد أبطل، فلو بطل وصفه أيضًا لزم خطأ المجمعين، وهو محال، وهذا مختار إمام الحرمين (2).

وقيل: ليس بحجة مطلقًا، وهذا قول واضح البطلان، حكاه في البرهان عن بعض الأصوليين (3).

(1) راجع كلام الأصوليين، وخلافهم في حجية السبر والتقسيم: المستصفى: 2/ 295، واللمع: ص/ 62، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 398، ومختصر البعلي: ص/ 148، وفواتح الرحموت: 2/ 300، وتيسير التحرير: 4/ 48، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 271، وإرشاد الفحول: ص/ 214.

(2)

راجع: البرهان: 2/ 818 - 819.

(3)

المرجع السابق.

ص: 281

وإذا تم السبر بالحصر وإبطال غير الوصف المعتبر، فللمعترض أن يقول: هنا وصف آخر صالح لم يدخله في الأوصاف، لكن المستدل بهذا القدر لا يعد منقطعًا لأنه قد منع مقدمة من مقدمات دليله، ما لم يعجز عن إبطال علية ما أبداه المعترض، وسبر جميع الأوصاف إنما يحتاج إليه إذا لم يتفقا على إلغاء ما عدا وصفي المستدل والمعترض.

وأما إذا اتفقا يكفي المستدل إبطال وصف المعترض وحده، ويتم له الظفر، إذ لا حاجة إلى التعرض إلى ما ليس علة عنده، ولا عند الخصم ليكون قادحًا في علته.

قوله: "ومن طرق الإبطال (1) ".

أقول: من الطرق الدالة على عدم علية الوصف بيان أن الوصف طردي، أي: من جنس ما علم إلغاؤه من الشارع، إما في جميع الأحكام كالطول، والقصر، فإنه لم يعتبره في حكم من أحكام الشرع.

أو يعلم إلغاؤه في ذلك الحكم المعلل كالذكورة، والأنوثة في العتق إذ هي ملغاة فيه إجماعًا مع كونها معتبرة في بعض الأحكام كالشهادة، والقضاء (2).

(1) آخر الورقة (109/ ب من أ).

(2)

راجع: شرح العضد: 2/ 238، وتيسير التحرير: 4/ 47، وفواتح الرحموت: 2/ 300، وحاشية البناني: 2/ 272، وتشنيف المسامع: ق (113/ ب - 114/ أ)، والغيث الهامع: ق (121/ ب - 122/ أ).

ص: 282

ومن الطرق الدالة على الإبطال أن لا تظهر مناسبة الوصف المحذوف بعد البحث لانتفاء موجب العلية (1)، بخلاف الإيماء، لأنه لا يشترط فيه المناسبة، ويكفي في عدم ظهور المناسبة قول المستدل بحثت عنه، فلم أجد فيه ما يوهم مناسبته.

فإن ادعى المعترض عدم المناسبة في المستبقى أيضًا، فليس للمستدل بيان مناسبته، لأنه انتقال من السبر إلى المناسبة، ولكن له ترجيح سبره على سبر المعترض لموافقته التعدية، وسبر المعترض قاصر، والقاصرة، وإن كانت علة لكن المختار أن المتعدية أرجح.

قوله: "الخامس".

أقول: خامس مسالك العلة المناسبة، وتسمى إخالة (2) أيضًا، لأنه بالنظر إلى الوصف يخال، أي: يظن أنه علة.

ويسمى استخراج تلك المناسبة من الأصل تخريج (3) المناط.

(1) راجع: شرح العضد: 2/ 238، وفواتح الرحموت: 2/ 300، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 272، وتشنيف المسامع: ق (114/ أ)، والغيث الهامع: ق (122/ أ).

(2)

بكسر الهمزة، وبالخاء المعحمة من خال، يخال، أي: يظن عليه الرصف للحكم.

راجع: نشر البنود: 2/ 164، وتشنيف المسامع: ق (114/ أ)، والغيث الهامع: ق (122/ أ).

(3)

تخريج بمعنى استخراج، والمعنى أن استخراج المناسبة الحاصل بإبداء الوصف المناسب يسمى تخريج المناط بفتح الميم. =

ص: 283

والحاصل: أنها تعيين العلة في الأصل لمجرد النظر في الأصل وإبداء مناسبة بين الوصف والحكم كالإسكار، فإنه مناسب لأن يناط به الحكم، وهو التحريم، إذ بالنظر في المسكر وحكمه، ووصفه يعلم أن الإسكار علة، وشرط اعتباره سلامته عن القوادح.

ولا وجه لهذا الكلام، إذ جميع العلل كذلك مشروطة بالسلامة عن القادح. ويشترط تحقق الاستقلال بالسبر، ولا يكفي قوله: بحثت فلم أجد، كما في السبر، فإنه لا طريق له هناك سوى ذلك، بخلاف هنا، إذ له طرق ثبت بها المناسبة كما سيأتي.

والمناسبة وصف ملائم لأفعال العقلاء عادة، أي: بحيث يقصده العقلاء في مجاري العادة.

وقيل: ما يجلب نفعًا، أو يدفع ضررًا.

= والمناط: العلة التي نيط الحكم بها، أي: علق.

وأصل المناط مكان النوط، أي: التعليق، قال الشاعر:

بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي

وأول أرض مس جلدي ترابها

سمي استخراج المناسبة بتخريج المناط، لأنه استخراخ ما نيط الحكم به وسمي الوصف بالمناط لأنه موضع له.

وتخريج المناط من أعظم مسائل الشريعة دليلًا، وتقسيمًا، وتفصيلًا.

راجع: روضة الناظر: ص/ 278، وشرح العضد: 2/ 239، ومختصر الطوفي: ص/ 146، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 273، ونشر البنود: 2/ 164 - 165، ومناهج العقول: 3/ 50.

ص: 284

وهذا في التحقيق راجع إلى الأول، لأن العقلاء لا يختارون إلا ما فيه تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة.

وكلاهما إما لدني، أو غيره، والغير إما دنيوي، أو ديني (1).

وقال أبو زيد (2) من الحنفية: "المناسب ما لو عرض على العقول لتلقته بالقبول"(3)، وهذا أيضًا راجع إلى الأول إلا أنه لا يمكن إثباته على الخصم، إذ له أن يقول: عقلي لا يتلقاه بالقبول، وتلقي عقلك ليس حجة عليَّ.

والقول (4) بأن ذلك من الخصم غير قادح (5) سهو، لأن الوجدانيات لا تقوم حجة على الغير.

(1) راجع: تعريف المناسب: المحصول: 2/ ق/ 2/ 218، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 391، والإحكام للآمدي: 3/ 68، وشرح العضد: 2/ 239، ومختصر البعلي: ص/ 148، ونهاية السول: 4/ 76، والإبهاج: 3/ 54، وفواتح الرحموت: 2/ 301، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 274، ونشر البنود: 2/ 166، وشرح الكوكب المنير: 4/ 153.

(2)

هو القاضى عبد اللَّه، أو عبيد اللَّه بن عمر بن عيسى أبو زيد الدبوسي من أكابر فقهاء الحنفية، ويضرب به المثل في النظر، واستخراج الحجج من مؤلفاته تأسيس النظر، وتقويم الأدلة، في أصول الفقه، وتحديد أدلة الشرع، وكتاب الأسرار في الأصول والفروع، توفي ببخارى سنة (430 هـ).

راجع: وفيات الأعيان: 2/ 251، وتاج التراجم: ص/ 26، والفوائد البهية: ص/ 109، وشذرات الذهب: 3/ 245، والفتح المبين: 1/ 236.

(3)

راجع: كشف الأسرار: 3/ 352، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 275.

(4)

جاء في هامش (أ، ب): "قائله المحلي".

(5)

راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 275.

ص: 285

وقيل: المناسب: وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصود الشارع من حصول مصلحة، أو دفع مفسدة.

وهذا أيضًا راجع إلى الأول، لأن الوصف إذا كان بهذه الحيثية لا ريب في أنه يقصده العقلاء في مجاري العادات، ولو عرض على العقول لتلقته بالقبول، فالتعاريف كلها متقاربة.

والقول بأن الوصف محمول على الغالب -إذ قد تكون العلة حكمًا- لا وجه له إذ كون العلة حكمًا قد يكون في الإجماع والنص، ولا يحتاج إلى ما ذكره إلا إذا وجدت صورة يكون المناسب فيها حكمًا.

قوله: "فإن كان خفيًا".

أقول: هذه تتمة للتعريف الأخير أي: إذا كان الوصف المذكور غير ظاهر، أو غير منضبط، نيط الحكم بوصف ظاهر منضبط يلازم ذلك الوصف، عقلًا أو عرفًا (1).

مثال الخفي: القتل العمد العدوان، فإن وصف العمدية خفي، لأنه أمر باطن لا يدرك، فنيط الحكم بما يلازم في العرف من أفعال مخصوصة يقضي العرف عليها بكونها عمدًا، مثل: استعمال الجارح في القتل.

ومثال غير الظاهر المشقة في السفر، فإنها مناسب، لأن يناط بها الرخص تحقيقًا، لكنها لا تنضبط، لأنها ذات مراتب تختلف بحسب

(1) راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 276، وتشنيف المسامع: ق (114/ ب)، والغيث الهامع: ق (122/ ب).

ص: 286

الأشخاص، والأزمان، ولا يناط الحكم بالكل، ولا يمتاز البعض عن البعض على وجه منضبط، فنيط الرخص بما يلازمها، وهو السفر.

قوله: "وقد يحصل المقصود من شرع الحكم".

أقول: للمناسب تقسيمات باعتبار حصول المقصود من شرع الحكم، وباعتبار نفس المقصود، فالأول، أي: حصول المقصود من الحكم المشروع خمس أقسام (1):

الأول: أن يحصل المقصود منه يقينًا، كالبيع، فإن المقصود منه الملك، أو الحل، وقد وجد يقينًا.

الثاني: أن يحصل ظنًا كالقصاص للانزجار، فإن الممتنعين عن القتل أكثر من المقدمين عليه.

الثالث: التساوي مثل: حد الخمر للزجر، فإن الممتنعين، والمقدمين متساويان، أو متقاربان.

الرابع: أن يكون عدم الحصول أرجح كتزوج الآيسة لقصد الولد، فإن الولود في الآيسات قليل، فالتعليل بالأولين متفق عليه، وبالثالث، والرابع مختلف فيه.

(1) راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 69، وشرح العضد: 2/ 240، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 276، وتشنيف المسامع: ق (114/ ب)، والغيث الهامع: ق (122/ ب)، ونشر البنود: 2/ 168، وإرشاد الفحول: ص/ 215.

ص: 287

والأصح جوازه، لأن مجرد احتمال المقصود كاف، ألا ترى أن البيع لما كان مظنة الحاجة إلى التعاوض اعتبر مناسبًا، وإن كان عدم الحاجة راجحًا في بعض صوره، وكذا اعتبر السفر مناطًا للرخص، مع أن الملك المترفه الذي يُسارُ به بحيث لا يصيبه (1) ظمأ ولا نصب (2)، ولا مخمصة (3) لا مشقة عنده قطعًا.

الخامس: أن يكون المقصود فائتًا بالكلية قطعًا سواء كان تعبديًا، أو لا.

مثال الأول: إذا تزوج شخص بالشرق بامرأة بالمغرب، وعلم عدم تلاقيهما، فهل يلحقه الولد؟

الصحيح أنه لا يلحق، لأن اللحوق إنما يكون عند المظنة، وهي حصول النطفة في الرحم، وفي الصورة المذكورة، لا مظنة للقطع بعدم شغل الرحم.

مثال الثاني: إذا اشترى جارية، وباعها في المجلس للبائع الأول، فالمقصود من الحكم الذي هو وجوب الاستبراء إنما هو براءة الرحم، وهو

(1) آخر الورقة (106/ ب من ب).

(2)

النصب: هو شدة التعب يقال: أنصبني كذا أتعبني، وأزعجني.

(3)

المخمصة: هي التي تورث خمص البطن، وظهوره لشدة المجاعة، يقال: رجل خامص أي: ضامر، وأخمص القدم باطنها، وذلك لضمورها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:"كالطير تغدو خماصًا" أي: ضامرة البطون.

راجع: المفردات للراغب: ص/ 159، 494، والمصباح المنير: 1/ 182، وكلمات القرآن لحسنين مخلوف: ص/ 136.

ص: 288

فائت قطعًا، فلا يعتبر ذلك المقصود في هذه الصورة عند الجمهور (1)، خلافًا للحنفية لاعتبارهم ظاهر العلة من غير التفات إلى الحكمة.

والخلاف إنما هو في اعتبار المقصود لا في الحكم، لأنه متفق عليه، وهو وجوب الاستبراء في الصورة المذكورة، إلا أن الشافعية يقولون: الاستبراء فيه جانب التعبد غالب، ولذلك لو اشترى بكرًا من امرأة وجب الاستبراء.

وعندي أن القول بالمظنة عند الشافعية معتبر كالسفر للمشقة، ولذلك يُجوِّزون الرخص للمَلِك المترفه المقطوع بعدم مشقته، فكذا يجب أن يقولوا هنا: بالانتفاء بالمظنة على ما نقل المصنف عن الغزالي وابن يحيى (2) في شرائط العلة عند القطع بانتفاء الحكمة اكتفاء بالمظنة.

(1) قال الآمدي: "لأن المقصود من شرع الأحكام الحكَم، فشرع الأحكام مع انتفاء الحكمة يقينًا لا يكون مفيدًا، فلا يرد به الشرع خلافًا لأصحاب أبي حنيفة" فإنهم يلحقون نسب الولد بوالده في حالة تزوج مشرقي بمغربية اكتفاء بقيام الفراش دون تحقق الدخول مبني عندهم على اجتماع أصلين في المسألة:

أحدهما: أن الولد لصاحب الفراش للنص "الولد للفراش".

الثاني: إمكان لقائهما، واحتماله بناء على جواز وقوع خوارق العادات على سبيل الكرامات، ونحوها، لا مع القطع بانتفاء اجتماع الزوجين.

راجع: الأحكام للآمدي: 3/ 71، وشرح العضد: 2/ 240، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 278، والبناية على الهداية: 4/ 818، وإرشاد الفحول: ص/ 215.

(2)

هو محمد بن يحيى بن منصور، أبو سعد، محيي الدين النيسابوري، رئيس الشافعية فيها في عصره، صحب الإمام الغزالي، وتفقه عليه، ولازمه، ودرس بنظامية نيسابور، من مؤلفاته: المحيط في شرح الوسيط، والانتصاف في مسائل الخلاف، وتوفى سنة (548 هـ) شهيدًا. =

ص: 289

قوله: "والمناسب إما أن يكون (1) في محل الضرورة".

أقول: هذا ثاني تقسيمي المناسب نظرًا إلى المقاصد التي شرعت لها الأحكام، وهي ضربان: ضروري وغير ضروري فالضروري (2) -أيضًا- قسمان: أصل، وملحق به، فالأصل، وهو أعلى المراتب الخمسة الضرورية التي روعيت في كل ملة، وهي مراتب أيضًا:

فالأول: حفظ الدين بقتل الكفار (3).

ودونه: حفظ النفس بالقصاص (4).

= راجع: وفيات الأعيان: 3/ 359، وكشف الظنون: 1/ 174، وتهذيب الأسماء واللغات: 1/ 95، وشذرات الذهب: 4/ 151، وطبقات ابن هداية اللَّه: ص/ 205.

(1)

آخر الورقة (110/ ب من أ).

(2)

قال الشاطبي: "فأما الضرورية، فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين، والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد، وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة، والنعيم، والرحوع بالخسران المبين" الموافقات: 2/ 4 - 5.

(3)

لقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 29]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه"، ولقوله:"من بدل دينه فاقتلوه".

(4)

لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"يا أنس كتاب اللَّه القصاص".

راجع: مسند أحمد: 3/ 128، 167، وصحيح البخاري: 9/ 8، وصحيح مسلم: 5/ 105 - 106.

ص: 290

ودونه: حفظ العقل بحد المسكر (1).

ودونه: حفظ النسب (2) بحدّ الزنى (3).

ودونه: حفظ المال بحد السرقة (4)، وقطع الطريق (5).

(1) لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91]، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام".

راجع: مسند أحمد: 1/ 274، وصحيح مسلم: 6/ 9، وبذل المجهود: 16/ 14.

(2)

هذا المقصد الضروري الرابع اختلف الأصوليون في تسميته فسماه الغزالي، والآمدي، والشاطبي، وابن الحاجب، والشوكاني:"حفظ النسل".

وسماه الرازي، وابن قدامة، والقرافي، والبيضاوي، والطوفي، والأسنوي، والمصنف، والبدخشي، وصاحب نشر البنود:"حفظ النسب".

راجع الكلام على الضروريات، ومكملاتها: المستصفى: 1/ 287، وشفاء الغليل: ص/ 160، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 220، وروضة الناظر: ص/ 170، والإحكام للآمدي: 3/ 71، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 391، وشرح العضد: 2/ 240، والموافقات: 2/ 5 - 6، ومختصر الطوفي: ص/ 144، ومختصر البعلي: ص/ 163، والإبهاج: 3/ 55، ونهاية السول: 4/ 83، ومناهج العقول: 3/ 51، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 280، ونشر البنود: 2/ 172، وإرشاد الفحول: ص/ 216.

(3)

لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وقد جلد النبي صلى الله عليه وسلم ورجم.

(4)

لقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38]، ولقوله:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188].

(5)

لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33].

ص: 291

وزاد المصنف سادسًا هو في رتبة الخامس وهو حفظ العرض بحد القذف (1) لما ورد في الأحاديث الصحاح المبالغة في تحريم العرض المقارن بتحريم الدماء (2).

والحق: أن قذف العرض ليس في رتبة تلك الخمسة المحفوظ عليها في كل ملة، وإن كان كبيرة شرع فيها الحد.

والقول (3) بأن القذف يؤدي إلى الشك في النسب (4) غلط من قائله: لأن النسب الثابت شرعًا لا يتطرق إليه الشك بقول القاذف الفاسق.

(1) لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4].

(2)

لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام".

راجع: صحيح البخاري: 2/ 205، وصحيح مسلم: 4/ 41.

وجعل المصنف، وغيره حفظ العرض في رتبة المال، وقال صاحب نشر البنود: 2/ 172: "وتسوية العرض، والمال مذهب السبكي لكن الظاهر أن يفصل، فيقال: من فوائد حفظ الأعراض صيانة الأنساب عن تطرق الشك إليها بالقذف، فيلحق بحفظ النسب فيكون بهذا الاعتبار أرفع من المال، فإن حفظهما بتحريم الزنى تارة، وبتحريم القذف المفضي إلى الشك في الأنساب أخرى، وحفظ الأنساب مقدم على الأموال، ومن الأعراض ما هو دون جميع الضروريات وهو دون الأموال لا في رتبتها.

(3)

جاء في هامش (أ): "الزركشي".

(4)

راجع: تشنيف المسامع: ق (115/ أ).

ص: 292

والملحق بالأصل الضروري كالحد على قليل من المسكر، لأنه يدعو إلى كثيره، فشرع الحد فيه تتميمًا، وتكميلًا (1)، إذ من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

وكحرمة البدعة، والعقوبة عليها في حفظ الدين، وكتحريم النظر، والمس في حفظ النسب، وكركوب الدابة بغير إذن صاحبها، والجلوس على بساطه في حفظ المال.

وغير الضروري، إما حاجي، أو غيره، والأول إما أصل أو ملحق به.

فالحاجي (2) في نفسه أصالة كالبيع، والإجارة، والقِراض، والحاجي له مراتب تتفاوت شدة وضعفًا، ولذلك عطف على البيع بالفاء.

(1) ومعنى كونه مكملًا له أنه لا يستقل ضرورى بنفسه بل بطريق الانضمام فله تأثير فيه لكن لا بنفسه، فيكون في حكم الضرورة مبالغة في مراعاته.

راجع: شرح الكوكب المنير: 4/ 163 - 164.

(2)

وهو الذي يكون في محل الحاجة بمعنى أنه يفتقر إليه من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج، والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم يراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج، والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد الواقع، أو المتوقع من فوت الضروريات.

راجع الكلام على الحاجيات ومكملاتها: المستصفى: 1/ 289، وشفاء الغليل: ص/ 161، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 222، وروضة الناظر: ص/ 169، والإحكام للآمدي: 3/ 71 - 72، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 391، وشرح العضد: 2/ 241، والإبهاج: 3/ 55، ومختصر الطرفي: ص/ 144، ومختصر البعلي: ص/ 213، وحاشية البناني: 2/ 281، ونشر البنود: 2/ 175، وإرشاد الفحول: ص/ 216، والموافقات: 2/ 4 - 5.

ص: 293

وقد يكون في بعض الصور ضروريًا كالإجارة لتربية الطفل الذي لا أم له، وكشراء المطعوم، والملبوس، فإنه ضروري من قبيل حفظ النفس، ولذلك لم تخل عنه شريعة، فإطلاق الحاجي عليها إنما هو باعتبار الأغلب.

ومكمل الحاجي مثل: خيار البيع للتروِّي، فإن المقصود من شرع البيع، وإن كان حاصلًا بدونه، لكن شرع تحاشيًا عن غبن المسلم، وكذا وجوب رعاية الكفاءة، ومهر المثل، إذا زوج الولي الصغيرة، فإن مقصود الزواج، وإن كان حاصلًا بدونهما، لكن وجودهما أشد إفضاء إلى الدوام، فهما من قبيل التكميل والتتميم.

وغير الحاجي هو التحسيني (1) الذي ليس ضروريًا، ولا حاجيًا، لكن فيه تحسين، أي: سلوك منهج حسن (2)، وهو -أيضًا- قسمان:

(1) ذكره الغزالي بقوله: "هو ما لا يرجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة، ولكن يقع موقع التحسين، والتزيين، والتوسعة، والتيسر للمزايا، والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات، والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات" شفاء الغليل: ص/ 169.

وقال الشاطبي: "الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق" الموافقات: 2/ 5 - 6.

وسماه القرافي: "ما هو في محل التتمات" شرح تنقيح الفصول: ص/ 391، وسماه صاحب نشر البنود:"التتمة" لأنه تتمة للمصالح وذكر أنه يقال له: تحسيني لأنه مستحسن عادة. نشر البنود: 2/ 175 - 176.

(2)

راجع الكلام على التحسينات: المستصفى: 1/ 290، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 222، وروضة الناظر: ص/ 169، والإحكام للآمدي: 3/ 72، وشرح العضد: 2/ 241، ومختصر الطوفي: ص/ 144، والمحلي مع حاشية البناني: 2/ 281، وإرشاد الفحول: ص/ 216.

ص: 294

ما لا يعارضه قاعدة من القواعد (1).

مثل: سلب أهلية الشهادة (2)، والقضاء من العبيد، وإن كانوا ذوي ديانة، وعدالة.

وإنما كان كذلك جريًا على العادة بين العقلاء الكمل، فإن السيد إذا كان له عبدان: أحدهما متحلي بالفضائل، والآخر دونه، فالمستحسن

(1) أي قواعد الشرع والمثال المتفق عليه: كتحريم النجاسة، فإن نفرة الطباع معنى يناسب تحريمها، حتى إنه يحرم التضمخ بالنجاسة بلا عذر.

راجع: الإبهاج: 3/ 56، وشرح الكوكب المنير: 4/ 167.

(2)

ذهب الحنابلة إلى أن العبد لا يسلب أهلية الشهادة بل تقبل في كل شيء، وذهب الجمهور إلى أن العبد يسلب أهلية الشهادة، وعددها من قبيل التحسين غير المعارض للقواعد، وعللوا ذلك بأنها منصب شريف، والعبد نازل القدر، والجمع بينهما غير ملائم.

قال الشوكاني معقبًا على مذهب الجمهور: "وقد استشكل هذا ابن دقيق العيد لأن الحكم بالحق بعد ظهور الشاهد، وإيصاله إلى مستحقه، ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة، واعتبار نقصان العبد في الرتبة، والمنصب من مراتب التحسين، وترك مرتبة الضرورة لمرتبة التحسين بعيد جدًا. نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته، ويعلل بهذا التعليل لكان له وجه. فأما مع الاستقلال بهذا التعليل ففيه هذا الإشكال، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يعلم لمن رد شهادة العبد مستندًا، أو وجهًا" إرشاد الفحول: ص/ 217.

وراجع: المستصفى: 1/ 291، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 222، وشفاء الغليل: 2/ 169، والإحكام للآمدي: 3/ 72، والإبهاج: 3/ 56 - 57، وشرح العضد: 2/ 241، ومختصر الطوفي: ص/ 144، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 281، ومناهج العقول: 3/ 52، وإرشاد الفحول: ص/ 216، والبرهان: 2/ 939، وكشاف القناع: 6/ 420، وشرح منتهى الإرادات: 3/ 550.

ص: 295

عرفًا أن يولي الأفضل أفضل الأمور، ويراعي حالهما، وإن كان يمكن من كل منهما الإتيان بما أتى به الآخر.

وما يعارضه قاعدة: مثل الكتابة (1)، فإنها مستحسنة في العادة للتوسل إلى فك الرقاب، لكن فيه خرم قاعدة فقهية، وهي: عدم جواز بيع الشخص ماله بماله.

قوله: "ثم المناسب إن اعتبر بنص، أو اجماع".

أقول: هذا هو التقسيم الثالث للمناسب بحسب اعتبار الشارع، فهو بهذا الاعتبار أربعة أقسام:

مؤثر: وهو ما ثبت اعتباره بنص، أو إجماع.

وملائم: وهو ما ثبت اعتباره لا بنص، وإجماع بل بترتيب الحكم عليه، لكن ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم، وإن لم يعتبر على أحد الوجهين، أي: بنص، أو إجماع، ولا بترتيب الحكم على الوجه المذكور، فإن دل دليل على إلغائه، فلا يعلل به، لأن الشارع أسقطه عن الاعتبار، وإن لم يدل، فهو المرسل.

(1) وهي بيع سيد رقيقه نفسه بمال في ذمته فإن الكتابة من حيث كونها مكرمة في العوائد مستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة، وهي امتناع معاملة السيد عبده وامتناع مقابلة الملك بالملك على صيغة المعاوضة.

راجع: الإبهاج: 3/ 58، وتشنيف المسامع: ق (115/ أ)، وشرح الكوكب المنير: 4/ 169، والبرهان: 2/ 947.

ص: 296

وقد قبل مالك المرسل مطلقًا (1)، وقد اشتهر عنه القول بالمصالح المرسلة حتى جوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر.

وقريب من قوله ما ذهب إليه إمام الحرمين، مع إنكاره على مالك فيما قاله من قبول المرسل مطلقًا (2).

ورده الجمهور مطلقًا: لعدم ما يوجب قبوله، واعتباره.

وقوم في العبادات، لأنه لا اعتبار فيها للمعاني بخلاف المعاملات، والحدود، والجنايات إذا ظهر فيها معنى مناسب، وهذا كلام باطل (3).

قال المصنف: وليس من المرسل المتنازع فيه ما وجدت فيه مصلحة ضرورية كلية قطعية، لأنها مما دل الدليل على اعتباره، فهي حق قطعًا.

والغزالي إنما شرط القيود الثلاثة (4) للقطع لا لأصل القول به، فإنه صرح بأن الظن القريب من القطع كاف في أصل القبول.

وقول المصنف: "وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية" رد على الإمام (5)، والآمدي، ومن وافقهم، قائلًا باعتبار المرسل في هذه

(1) راجع: شرح تنقيح الفصول: ص/ 393، ومختصر ابن الحاجب وعليه العضد: 2/ 242، ونشر البنود: 2/ 183.

(2)

راجع: البرهان: 2/ 1113، وما بعدها.

(3)

راجع: شفاء الغليل: ص/ 188، ومفتاح الوصول: ص/ 150، وشرح العضد: 2/ 242، وإرشاد الفحول: ص/ 218، وكشف الأسرار: 3/ 353، والمغني للخبازي: ص/ 306، وفتح الغفار: 3/ 21، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 284.

(4)

راجع: شفاء الغليل: ص/ 148، 188، والمستصفى: 1/ 185.

(5)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 230 - 231 وما بعدها.

ص: 297

الصورة (1): لأن النصوص على العموم بأن الشارع يراعى الكلي دون الجزئي، وأن حفظ الاسلام أمر كلي مقصود للشارع كثرة، وعليه الإجماع عصرًا بعد عصر إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين.

وفي هذا القيد الأخير، وهو قوله:"إلا أن هذا ليس بقياس إذ ليس له أصل معين" اعتراف بحقية ما قاله الإمام، والآمدي، لأن المعلوم من الشريعة بلا خصوصية نص، أو قياس يستند إليه هو المرسل إذ ما لا دليل عليه شرعًا بوجه باطل قطعًا.

هذا شرح كلام المصنف وفي ضبطه للمقام وتحرير المرام نوع خفاء. ونحن نضبط المقام بما لا مزيد عليه، ونورد الأقسام موضحة، مع أمثلتها فإن هذه المسألة من أمهات هذا العلم.

اعلم أن المناسب ينقسم أولًا إلى أربعة أقسام:

الأول المؤثر: وهو ما ثبت بنص، أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم، كتعليل الحدث بالمس (2) الثابت بالنص، وكالولاية على الصغير في المال الثابت بالإجماع (3).

(1) راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 80، 203، والغيث الهامع: ق (124/ ب).

(2)

يعني تعليل الحديث مس الذكر، فإن الشارع اعتبر عين مس المتوضئ ذكره في عين الحدث بنصه عليه في قوله صلى الله عليه وسلم:"من مس ذكره فليتوضأ".

(3)

فقد اعتبر عين الصغر في عين الولاية في المال بالإجماع، وسمى هذا القسم موثرًا لحصول التأثير فيه عينًا، وجنسًا، فظهر تأثيره في الحكم.

راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 282، وتشنيف المسامع: ق (115/ ب)، والغيث الهامع: ق (124/ ب).

ص: 298

الثاني الملائم: وهو ما يكون اعتباره في محل الحكم بترتيب الشارع الحكم على وفقه فقط من غير ثبوت ذلك بنص، أو إجماع، لكن شرطه أن يثبت بنص، أو إجماع اعتبار عين ذلك الوصف في جنس الحكم.

مثاله: حمل النكاح على المال في الولاية، فإن الصغر معتبر في جنس حكم الولاية إجماعًا، أو جنسه في عين الحكم، مثاله: حمل الحضر على السفر بعذر المطر في الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع بالنص، أو جنسه في جنس الحكم كالجناية بأن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالمحدد بجامع كون الجناية عمدًا عدوانًا.

فالحكم جنس القصاص يشمل قصاص النفس، والأطراف، والوصف جناية العمد العدوان، وهي جنس يجمع جناية النفس (1) والأطراف وقد اعتبر جنس الجناية في جنس القصاص نصًا، وإجماعًا.

الثالث الغريب (2): وهو ما ثبت اعتبار عينه في عين الحكم، لمجرد

(1) آخر الورقة (111/ ب من أ).

(2)

مذهب الجمهور أن الغريب حجة، ومنعه الحنفية، وبعض الحنابلة.

راجع: كشف الأسرار: 3/ 353، والمغني للخبازي ص/ 306، وفتح الغفار: 3/ 21، وتيسير التحرير: 4/ 55، وشرح العضد: 2/ 242، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 393، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 226، والمستصفى: 2/ 297، وشفاء الغليل: ص/ 144، 158، وروضة الناظر: ص/ 302، ومختصر الطوفي: ص/ 160، وإرشاد الفحول: ص/ 217.

ص: 299

ترتيب الحكم على وفقه، لكن لم يثبت اعتبار عينه في جنس الحكم، أو العكس، أو اعتبار جنسه في جنس الحكم بنص، ولا إجماع.

مثاله: من بَتَّ طلاق زوجته في مرض الموت، لئلا ترث منه، يعارض بنقيض مقصوده كالقاتل عورض بذلك، والجامع كون كل من الفعلين محرمًا لغرض فاسد.

هذا وإن كان له وجه مناسبة إلا أنه لم يشهد له أصل من نص، أو إجماع.

الرابع المرسل: وهو ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه من الوجوه، وينقسم ثلاثة أقسام:

ملائم، وغريب، ومعلوم الإلغاء.

الملائم منه ما لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بوجه، لكن علم اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عين الحكم أو جنسه في جنس الحكم (1).

والغريب: ما لم يثبت فيه شيء من ذلك، ولم يعلم إلغاؤه (2).

(1) وكتعليل تحريم قليل الخمر بأنه يدعو إلى كثيرها، فجنسه البعيد معتبر في جنس الحكم كتحريم الخلوة بتحريم الزق.

راجع: شرح الكوكب المنير: 4/ 178، والمحلي مع حاشية البناني: 2/ 284.

(2)

راجع: شفاء الغليل: ص/ 188، وإرشاد الفحول: ص/ 218، ومفتاح الوصول: ص/ 150.

ص: 300

ومعلوم الإلغاء: ما لم يكن فيه شيء من ذلك، وعلم من الشارع إلغاؤه (1)، كإيجاب الصوم في كفارة إفساد الصوم على الملك دون الإعتاق كما فعله بعض العلماء، مع بعض الملوك، هذا وإن كان مناسبًا، لكن علم إلغاؤه بالإجماع.

هذا وليعلم أن اعتبار العين في العين، أو في الجنس، أو اعتبار الجنس في العين، أو في الجنس معتبر إفرادًا، وتركيبًا، والتركيب ثنائيًا، وثلاثيًا، ورباعيًا، والجنس قريبًا، وبعيدًا، ومتوسطًا، كل ذلك متصور، ولكن شرح ذلك يحتاج إلى أمثلة يطول الكلام فيها فلا يليق بشرح هذا المختصر.

وقد وقفتَ على تحقيق المقام، فعليك بضبطه يغنيك عن تطويل الكلام، وينجيك عن ظلمة الشكوك، والأوهام.

قوله: "مسألة تنخرم المناسبة".

أقول: قد اختلف في الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مفسدة مساوية، أو راجحة على تلك المصلحة هل تنخرم المناسبة أم لا؟

المختار الانخرام، لأن العقل قاض بأنه لا مصلحة مع المفسدة، فإنك إذا قلت لصاحبك: بع هذا الفرس، فإنك إن لم تربح ما تخسر شيئًا، يعد هذا لغوًا من القول.

(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 229، وروضة الناظر: ص/ 169، ومختصر الطوفي: ص/ 144، ومختصر البعلي: ص/ 162، ومناهج العقول: 3/ 56.

ص: 301

ولو فعل المخاطب كان خارجًا عن حيز العقلاء (1).

وأورد الصلاة في الدار المغصوبة، فإن صحتها تقتضى مصلحة، وحرمتها مفسدة، والمصلحة لا تزيد على المفسدة وإلا لما حرمت، فهي مساوية، أو راجحة، فلو كانت المناسبة تنخرم بالمفسدة لما صحت الصلاة إنما الكلام فيما إذا نشأتا من شيء واحد، فلو نشأتا من الصلاة وحدها لما صحت الصلاة، واللازم منتف اتفاقًا منا، ومنكم.

بيان اللزوم: أن الصحة موافقة أمر الشارع، أو دفع وجوب القضاء. وعند تعارض المصلحة الباعثة على الأمر بالصلاة، والمفسدة الصارفة مساوية كانت، أو راجحة الأمر بها محال سواء انخرمت المناسبة، أم لا، وذلك: لأنهم، وإن اختلفوا في انخرام المناسبة، وبطلانها في الصورتين بمعنى عدم بقاء المصلحة إلا أنهم اتفقوا على بطلان مقتضاها، وعدم ترتب الحكم عليها.

واعلم: أن جواب المستدل فيما إذا عورض بالمفسدة الراجحة، أو المساوية بالترجيح. مما يصلح مرجحًا نظرًا إلى أن ذلك المقام بخصوصه.

وبالإجمال في الكل بأن يقول: لولا المصلحة التي ادعيتها لزم ثبوت الحكم بلا مصلحة، وهو باطل على رأي من شرط في العلة كونها باعثة، أو بعيد على قول من لم يشرط.

(1) راجع خلاف الأصوليين في هذه المسألة: المحصول: 2/ ق/ 2/ 232، والإحكام للآمدي: 3/ 73، وشرح العضد: 2/ 241، والإبهاج: 3/ 65، ومختصر البعلي: ص/ 149، ونهاية السول: 4/ 103، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 286، ومناهج العقول: 3/ 59، ونشر البنود: 2/ 58، وإرشاد الفحول: ص/ 218.

ص: 302

قوله: "السادس الشبه".

أقول: من مسالك العلة الشبه، وهو الوصف الذي يشبه المناسب، والطرد، ولذلك سمي شبهًا (1).

ولم يعرفه المصنف لأنه لم يظفر بعبارة محررة في صناعة الحدود على ما قاله إمام الحرمين (2).

وعندي أنه يقال: وصف اعتبره الشارع في بعض الأحكام من غير مناسبة عقلية فيه.

فيمتاز عن المناسب، فإن المناسبة فيه عقلية لازمة لذاته، وعن الطرد، لأن الشارع لم يعتبره في حكم من الأحكام، كالذكورة، والأنوثة، فإن الشارع قد اعتبرها في القضاء، والشهادة، ولم يعتبرها في البعض كالعتق في الكفارة، وأما الطرد، فلم يعتبره في شيء من الأحكام.

(1) يقال: هذا شبه هذا، وشبيهه، كما يقال: مثله ومثيله، وهو بهذا المعنى يطلق على كل قياس، لأن الفرع لا بد أن يشبه الأصل، لكن غلب إطلاقه على هذا النوع الخامس من مسالك العلة، وقد عرفه البعض بأنه: تردد فرع بين أصلين شبهه بأحدهما في الأوصاف المعتبرة في الشرع أكثر من الآخر.

راجع تعريف قياس الشبه، والخلاف في ذلك: اللمع: ص/ 56، والمعتمد: 2/ 298، والجدل لابن عقيل: ص/ 12، وأدب القاضى: 1/ 600، والمستصفى: 2/ 310، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 277، وروضة الناظر: ص/ 312، والإحكام للآمدي: 3/ 88، وشرح العضد: 2/ 244، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 394، وتيسير التحرير: 4/ 53.

(2)

راجع: البرهان: 2/ 860.

ص: 303

كما لو قيل: الخل لا يرفع الخبث لأنه لا يبنى عليه القنطرة كالدهن، فإن الشارع ألغاه قطعًا.

مثال الشبه: قول الشافعى رضي الله عنه: في إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة، فلا بد من الماء، كالحدث، فإن المناسبة غير ظاهرة، لكن إذا نظر إلى اعتبار الشارع الطهارة بالماء في مس المصحف، أي: الوضوء له، وللصلاة والطواف ربما توقع في نفس المجتهد مناسبة بين كون إزالة الخبث طهارة تراد للصلاة، وبين الماء.

قيل: ذلك الوصف إما مناسب، أو لا، والأول مجمع على قبوله، والثاني مجمع على رده، ولا ثالث.

الجواب: منع الحصر، بل هناك ثالث كما يعلم من تعريفه.

واعلم أن الشبه ثبت يحميع مسالك العلة إلا بالمناسبة فإن المناسب شرطه أن تكون مناسبته ذاتية، وشرط الشبه أن لا يكون مناسبته كذلك.

قوله: "ولا يصار إليه".

أقول: قد اتفقوا على أن قياس الشبه إنما يصار إليه عند من يقول به عند فقد قياس العلة.

ثم القائلون به منهم من يقول به مطلقًا (1).

(1) وهو مذهب الأكثر كالشافعية، والحنابلة، وأكثر المالكية وهو منقول عن الإمام الشافعي.

راجع: المنهاج للباجي: ص/ 205، والبرهان: 2/ 876، والجدل: ص/ 12، والمنخول: ص/ 378، وأدب القاضي: 1/ 605، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 279، وروضة الناظر: =

ص: 304

ومنهم من اعتبر انضمام الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إلا ذلك الوصف الشبهي (1).

ومنهم من شرط كون الفرع دائرًا بين أصلين يلحق بأكثرهما شبهًا وهو المنقول عن الشافعي، ونصه (2) في الأم، وخالف من أصحابه الصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، وآخرون في القول به لشبه الطرد (3).

ثم بناء على القول به أعلاه رتبة قياس علية الأشباه وهو أن يتردد فرع بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهًا.

مثاله: العبد المقتول تعتبر فيه القيمة بالغة ما بلغت، لأن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر (4).

= ص/ 314، والإحكام للآمدي: 3/ 90، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 395، وشرح العضد: 2/ 245، والإبهاج: 3/ 68، ونهاية السول: 4/ 105، والمسودة: ص/ 374، ونشر البنود: 2/ 188.

(1)

وذهب الحنفية إلى أنه ليس بحجة، واختاره بعض الحنابلة.

راجع: فتح الغفار: 3/ 56، وفواتح الرحموت: 2/ 302، وتيسير التحرير: 4/ 54، وشرح الكوكب المنير: 4/ 190.

(2)

راجع: الأم: 6/ 23.

(3)

راجع: اللمع: ص/ 56، والتبصرة: ص/ 458، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 387، ومناهج العقول: 3/ 287، وإرشاد الفحول: ص/ 220، وقد ذكر الإمام ابن القيم الحجج، والأدلة على رده، وإبطاله في إعلام الموقعين: 1/ 148.

(4)

وهذا هو مذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، والحنابلة أما مذهب الحنفية، ومن أخذ برأيهم فيرون القصاص لا الدية. =

ص: 305

ثم الصوري كقياس الخيل على البغال، والحمير في عدم وجوب الزكاة لوجود الشبه الصوري (1).

وقال الإمام الرازي: المعتبر في قياس الشبه حصول المشابهة بين الشيئين لعلة الحكم، أو مستلزمها سواء كان ذلك في الحكم، أو في الصورة عملًا بموجب الظن (2).

قوله: "السابع الدوران".

أقول: سابع المسالك الدوران، وهو وجود الحكم عند وجود الوصف، وعدمه عند عدمه (3)، ويقال له: الطرد، والعكس (4).

= راجع: شرح فتح القدير: 10/ 215، بداية المجتهد 2/ 398، والمنهاج مع مغني المحتاج: 4/ 17، والمغني لابن قدامة: 7/ 658.

(1)

يعني أن العلية في مشابهة الصورة دون الحكم، وهذا منقول عن ابن علية أبي بشر إسماعيل بن إبراهيم.

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 279، واللمع: ص/ 56، ومختصر الطوفي: ص/ 164، ومختصر البعلي: ص/ 149، وشرح الكوكب المنير: 4/ 189.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 279، وهو بمعنى ما قاله الإمام لا نص كلامه.

(3)

راجع تعريفات الأصوليين للدوران: (الطرد والعكس) شفاء الغليل: ص/ 266، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 285، وروضة الناظر: ص/ 308، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 396، ومختصر الطوفي: ص/ 162، ومختصر البعلي: ص/ 149، وفواتح الرحموت: 2/ 302، وتيسير التحرير: 4/ 49، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 288، وإرشاد الفحول: ص/ 221.

(4)

سماه الآمدي، وابن الحاجب بذلك لكونه بمعناه.

راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 91، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 245، ومذهب الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم أنه لا يفيد العلية لا قطعًا، ولا ظنًا.

ص: 306

قيل: لا يفيد العلية بمجرده.

وقيل: يفيد قطعًا (1).

ومختار المصنف -وفاقًا للجمهور- إفادته الظن (2).

لنا -على مختاره- أن ترتب الحكم على ما له صلوح العلية وجودًا وانتفاءه عند انتفائه يوجب غلبة ظن العلية، وأورد الرائحة المخصوصة الموجودة في الخمر، فإنها موجودة حين كونه خمرًا مفقودة عند كونه عصيرًا.

الجواب: قد اعتبر صلوح العلية، ولا صلاحية لتلك الرائحة بل للإسكار.

وبما ذكرناه سقط جميع ما يورد من جواز كون الوصف ملازمًا للعلية، ومن كونه مجردًا عن الالتفات إلى غيره من الأوصاف وسائر المسالك لا تدل على العلية إذ كونه مشتملًا على صلوح العلية كاف في إفادة الظن.

الغزالي: لا يفيد شيئًا (3) لأن الإطراد هو أن لا يوجد الوصف بدون الحكم حتى لو وجد كان نقضًا، والنقض أحد المفسدات.

(1) آخر الورقة (112/ ب من أ).

(2)

راجع الخلاف في ذلك: اللمع: ص/ 62، والبرهان: 2/ 835، والمنخول: ص/ 348، وشفاء الغليل: ص/ 267، وروضة الناظر: ص/ 309، والمسودة: ص/ 406، والإبهاج: 3/ 72، ومناهج العقول: 3/ 65، ونهاية السول: 4/ 117.

(3)

راجع: المنخول: ص/ 348 - 350، وشفاء الغليل: ص/ 267.

ص: 307

ولا يلزم من انتفائه انتفاء سائرها، والعكس ليس بشرط في العلة.

قلنا: عدم اشتراطه مبى على جواز التعليل بعلتين، وقد منعنا ذلك، ولو سلم، فالعلة مجموع الأمرين، ولا يلزم من عدم صلوح الأفراد عدم صلوح المجموع كما سبق مثله.

قيل: الدوران موجود في المتضايفين، ولا علية.

قلنا: لا يمنع ظن العلية غايته قاطع عارض ظنيًا يبطل في تلك الصورة.

القائلون بإفادته قطعًا قالوا: لو دعي إنسان باسم مغضب له، ثم ترك، فلم يغضب، ثم دعى به فغضب، دل قطعًا على أنه العلة حتى الأطفال يعرفون ذلك.

الجواب: الكلام فيما يصلح علة بمجرده، وفيما ذكرتم تجرده ممنوع، وفيه نظر:

لأنه يلزم منه القدح في المجربات التي هي من الضروريات عند الجمهور.

وإذا ثبت أنه يفيد الظن، فهل يشترط نفي ما هو أولى منه بالعلية أم لا يشترط؟

المختار: عدم الاشتراط لأنه لو لزمه ذلك للزم نفي سائر القوادح، وينتشر البحث، ويخرج الكلام عن الضبط.

ص: 308

قال الغزالي: "إنما يجب ذلك على المجتهد إذ عليه تمام النظر لتحل له الفتوى"(1).

هذا إذا لم يبد المعترض وصفًا آخر صالحًا للعلية، فلو أبداه، فإما أن يكون ما أبداه قاصرًا، أو متعديًا، فإن كان وصف المستدل متعديًا إلى فروع أكثر قدم أيضًا، وإن كان كل من الوصفين متعديًا إلى الفرع المتنازع فيه، فإن جوزنا التعليل بعلتين لا ضير، وإن منعنا يتوقف إلى الترجيم.

قوله: "الثامن الطرد".

أقول: ثامن المسالك الطرد، وقد عرفه بالمعنى المصدري وهو مقارنة الحكم للوصف.

والأولى منه عبارة القاضي: هو الوصف الذي لا يناسب بالذات، وبالتبع (2)، وذلك مثل ما لو قيل: الكلب حيوان له صوف يشبه الخروف، فيكون طاهرًا (3).

وكما تقدم من أن الخل لا تبنى عليه القنطرة، فلا يكون رافعًا للخبث.

قال القاضي: من مارس الشريعة، وأجاز الطرد فقد استهزأ بالدين.

(1) راجع: شفاء الغليل: ص/ 294.

(2)

راجع تحريف الطرد: الكافية للجويني: ص/ 65، والحدود للباجي: ص/ 74، ونهاية السول: 4/ 135، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 291، ومناهج العقول: 3/ 72، وإرشاد الفحول: ص/ 220.

(3)

في (أ، ب): "طاهر" والصواب المثبت لأنه خبر ليكون.

ص: 309

قال فخر الإسلام البزدوي: من قال بالطرد أثبت الحكم بلا دليل (1)، ونقل المصنف كلامًا جامعًا حسنًا، وهو أن قياس المعنى مناسب، والمراد بقياس المعنى ما يكون مستدعيًا للحكم، ومؤثرًا فيه، وقياس الشبه تقريب، وقد تقدم ذلك وهو أن تكون مناسبة الوصف غير ذاتية، وقياس الطرد تحكم.

وقيل: إن قارن الوصف الحكم في جميع صور الحكم أفاد العلية في صورة النزاع، وإليه ذهب الإمام في المحصول قائلًا: إنه قول كثير من الفقهاء (2).

والثالث: حجة مطلقًا.

والرابع: يفيد المناظر (3) دون الناظر، لأنه في مقام الدفع، والناظر في مقام الإثبات، وكم من شيء يصلح دافعًا، ولا يصلح مثبتًا.

وزيفه الإمام في البرهان بأن الجدلي إنما يدفع بما هو حق عنده، أو عند خصمه لا بشيء قد اتفقا على بطلانه (4).

قوله: "التاسع تنقيح المناط".

(1) راجع: أصول البزدوي وعليه كشف الأسرار: 3/ 365.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 305.

(3)

راجع: اللمع: ص/ 63، والتبصرة: ص/ 460، والمستصفى: 2/ 309، والمنخول: ص/ 340، والإبهاج: 3/ 78، ونهاية السول: 4/ 135 - 136، والمسودة: ص/ 427، ومختصر الطوفي: ص/ 162، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 292، ومناهج العقول: 3/ 73، وتيسير التحرير: 4/ 52، وإرشاد الفحول: ص/ 221.

(4)

راجع: البرهان: 2/ 836.

ص: 310

أقول: تاسع المسالك تنقيح المناط.

المناط -اصطلاحًا-: ما ناط الشارع الحكم به من العلة الباعثة، وتنقيحه تلخيصه (1) بحذف ما يتوهم كونه فارقًا (2) من الاعتبار، وتعميم العلة، كما في القتل العمد العدوان.

فإن أبا حنيفة شرط فيه المحدد، فحذفه الشافعي عن الاعتبار وعممه في المثقل أيضًا.

أو بالنظر في المحل، وجمع أوصافه، ثم حذف بعضها عن الاعتبار اجتهادًا، كما في قضية الأعرابي حين واقع في رمضان فأوجب عليه الكفارة.

فيقول الشافعي: علة الكفارة إما وصف الوطء شرط صدوره عن الأعرابي، أو كون الموطؤة زوجية، أو كون الوطء واقعًا في القبل. ولا يصلح إلا الوطء مطلقًا، فإنه يوجب الجناية على الصوم وما عداه غير مناسب له.

فإن قلت: أي فرق بين هذا المسلك بالمعنى الثاني ومسلك السبر؟

(1) وتهذيبه يقال: نقحت العظم إذا استخرجت مخه.

راجع: الصحاح: 1/ 413، ولسان العرب: 3/ 464.

(2)

بأن يبقى من الأوصاف ما يصلح، ويلغى بالدليل ما لا يصلح.

راجع تعريف الأصوليين لتنقيح المناط: المستصفى: 2/ 231، وشفاء الغليل: ص/ 412، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 315، وروضة الناظر: ص/ 277، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 389، 398، والإحكام للآمدي: 3/ 94، والموافقات 4/ 95، وإرشاد الفحول: ص/ 221.

ص: 311

قلت: الفرق هو أن في السبر يجب حصر الأوصاف الصالحة للعلية بأسرها وإلغاء (1) الكل سوى الذي يدعى عليته، وتنقيح المناط بالمعنى الثاني إنما يلاحظ فيه الأوصاف التي دل عليها ظاهر النص، فهو كالعام أخرج عنه البعض بالاجتهاد، والمخرج إنما هو متناول اللفظ لا غير.

هذا وتحقيق المناط: هو إثبات الوصف (2) المدعى عليته في الفرع بعد الاتفاق على أن العلة كذا كما في إلحاق النباش بالسارق بعد الاتفاق على أن العلة في السارق هو أخذ مال الغير من الحرز خفية.

وتخريج المناط: قد سبق أنه استخراج المناسبة بين الوصف والحكم (3).

واعلم أن إثبات العلة في الفرع لا يلزم أن يكون بدليل قطعي كما يتبادر من لفظ تحقيق المناط.

(1) آخر الورقة (108/ ب من ب).

(2)

الذى دل على عليته نص، أو إجماع، او استنباط.

راجع تعريف الأصوليين لتحقيق المناط وأمثلته: الإحكام للآمدي: 3/ 94، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 389، والموافقات 4/ 92، وروضة الناظر: ص/ 277، ومختصر الطوفي: ص/ 145، والإبهاج: 3/ 82، ونهاية السول: 4/ 143، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 293، ونشر البنود: 2/ 201 - 202، وإرشاد الفحول: ص/ 222، وهمع الهوامع: ص/ 358.

(3)

ومناسبة التسمية في الثلاثة ظاهرة، لأنه أولًا استخرجها من منصوص في حكم من غير نص على علته، ثم جاء في أوصاف قد ذكرت في التعليل، فنقح النص، ونحوه في ذلك، وأخذ منه ما يصلح علة وألغى غيره، ثم لما نوزع في كون العلة ليست في المحل المتنازع فيه بين أنها فيه، وحقق ذلك.

راجع: شرح الكوكب المنير: 4/ 203 - 204.

ص: 312

قوله: "العاشر إلغاء الفارق".

أقول: عاشر المسالك إلغاء الفارق (1)، وهو أن ينظر السابر في الأوصاف، ثم يعين فارقًا تقديرًا (2) إذ لا فارق في نفس الأمر، ويبطل كونه فارقًا بدليل إما قطعي، أو ظني.

بأن يقول: لا يصلح علة لأنه طرد محض، أو قد علم إلغاؤه من الشارع.

ويفارق السبر قياس العلة بأن المعين عند المستدل هو الوصف الجامع في السبر، وهنا المعين هو الفارق.

مثاله: إلحاق الأمة بالعبد في العتق على ما ورد في الصحيح: "من أعتق شركًا له في عبد، وله مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه نصيبهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد [عتق] (3) عليه ما أعتق"(4)،

(1) راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 95، وشرح العضد: 2/ 247، والمحلي مع البناني: 2/ 293، وتيسير التحرير: 4/ 76، وإرشاد الفحول: ص 222.

(2)

بأن يبين أن الفرع لم يفارق الأصل إلا فيما لا يؤثر، فيلزم اشتراكهما في المؤثر، وهو بالضد من قياس العلة.

راجع: تشنيف المسامع: ق (118/ أ)، والغيث الهامع: ق (126/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 359.

(3)

جاء في هامش (1): "لعله عتق".

(4)

أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه، وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه.

راجع: مسند أحمد: 1/ 56، وصحيح البخاري: 3/ 179 - 180، وصحيح مسلم: 5/ 95 - 96، وبذل المجهود: 16/ 276، وعارضة الأحوذي: 6/ 92، وسنن ابن ماجه: 2/ 107 - 108، وسنن النسائي: 7/ 319.

ص: 313

إذ الفارق بين العبد والأمة إما أنوثة الأمة، أو كون العبد صالحًا للجهاد، والجماعات، وكل منهما ملغى في نظر الشارع؛ لأن المقصود خلاص النفس عن موت الرق.

قوله (1): "خاتمة".

أقول: ختم باب العلل بطريقين عدهما بعض الأصوليين علتين إحديهما تأتي القياس، وإمكان الإتيان به، مع علية الوصف المدعى عليته.

فنقول: لو قيل: بعليته أمكن القياس، وإلا فلا.

وهذا كلام مردود، لأن القياس لا وجود له بدون العلة فلو أثبتت بتأتي القياس كان دورًا.

والحاصل: أن العلة ما لم تتحقق لا يمكن القياس، وتأتي القياس مع الوصف لا يصلح دليلًا على عليته.

والثانية: عجز الخصم عن القدح في علية الوصف بوجه ما، وذلك، لأن الخصم ليس من ناظرك وحده، بل من يقدر مخالفًا، ويمكن أن يفسده مناظر آخر، وقياسهم هذا على المعجزة بأنها لما تساقط قوى المعارضين عن المقاومة، ثبت صدق المعجزة ليس بصحيح: لأن المعارضين بأسرهم عاجزون عن ذلك، فلا يتوهم، ولا يتصور قادح غيرهم (2).

(1) آخر الورقة (113/ ب من أ).

(2)

راجع: المحلي مع البناني: 2/ 293 - 294، وتشنيف المسامع: ق (118/ أ)، والغيث الهامع: ق (126/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 359 - 360.

ص: 314