المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌باب العلة قال: "الرابع: العلة". أقول: لما فرغ من الأصل، والفرع شرع - الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع - جـ ٣

[أحمد بن إسماعيل الكوراني]

الفصل: ‌ ‌باب العلة قال: "الرابع: العلة". أقول: لما فرغ من الأصل، والفرع شرع

‌باب العلة

قال: "الرابع: العلة".

أقول: لما فرغ من الأصل، والفرع شرع في بيان الوصف الجامع بينهما (1)، فنقل له تعاريف مزيفة، واختار تعريفه بأنه المعرف للحكم، أي: علامة له حيث وجدت، وجد الحكم، كالإسكار للحرمة (2)، فعلى هذا الحكم مضاف إلى العلة، خلافًا لأبي حنيفة، فإنه مضاف إلى النص عنده، لأن النص يدل على الحكم صريحًا، والعلة مظنونة (3).

(1) وهو العلة، وهي - لغة - الحدث يشغل صاحبه من مرض، وغيره، والجمع علل مثل سدرة، وسدر، وفلان أعله الله، فعل، فهو معلول.

راجع: مختار الصحاح: ص/ 451، والمصباح المنير: 2/ 426، وميزان الأصول للسمرقندي: ص/ 576.

(2)

وهذا هو مختار أهل السنة، والجماعة في تعريف العلة اصطلاحًا.

راجع: أصول السرخسي: 2/ 174، واللمع: ص/ 58، والحدود للباجي: ص/ 72، والمنهاج له: ص/ 14، والكافية في الجدل: ص/ 60، والجدل لابن عقيل: ص/ 9، 11، والمستصفى: 2/ 230، 335، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 179، وروضة الناظر: ص/ 287، والمسودة: ص/ 385، والمختصر مع شرح العضد: 2/ 213، وكشف الأسرار: 3/ 293، ومختصر البعلي: ص/ 143، وفواتح الرحموت: 2/ 260، وتيسير التحرير: 3/ 302.

(3)

وبه قال أكثر الحنابلة، لأنه قد يثبت تعبدًا، فلو ثبت بالعلة لم يثبت مع عدمها.

راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 18، وكشف الأسرار: 3/ 316، وتيسير التحرير: 3/ 294، وشرح العضد على المختصر: 2/ 232، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 231، ونشر البنود: 2/ 124، وشرح الكوكب المنير: 4/ 102.

ص: 225

قال الغزالي - في المستصفى -: "هذا نزاع لا تحقيق تحته، فإنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشارع على الحكم (1)، فالتحريم في الخمر بالنص، لكن إضافة الحكم إليه تعلل بالشدة".

وقيل: العلة: المؤثر بذاته، وهذا على أصل الاعتزال من أن الحسن والقبح لذات الشيء (2).

وقال الغزالي: "العلة - عند الفقهاء - ما نصبه الشارع علامة على الحكم"(3).

الآمدي: هي الباعث على الحكم لا الأمارة المجردة (4)، وقال: قول الشافعية: حكم الأصل ثابت بالعلة يريدون أنها باعثة عليه، ولم يرتض المصنف ذلك ونقل عنه أشد الإنكار، وقال: لا باعث لله على فعل، إذ أفعاله لا تعلل، وما وقع في عبارة الفقهاء من أنها علة باعثة، معناها باعثة للمكلف على الامتثال (5).

(1) فعلى هذا هذا يكون الخلاف المذكور لفظيًا لا يترتب عليه شيء.

راجع: المستصفى: 2/ 346 - 347.

(2)

راجع: المعتمد: 2/ 261، وفتح الغفار: 3/ 19، ومختصر الطوفي: ص/ 152، والآيات البينات: 4/ 33.

(3)

راجع: المستصفى: 2/ 336.

(4)

واختاره ابن الحاجب. راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 17، والمختصر وعليه العضد: 2/ 213.

(5)

راجع: الإبهاج: 3/ 40 - 41، وتشنيف المسامع: ق (106/ ب)، والغيث الهامع: ق (114/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 231، وهمع الهوامع: ص/ 339.

ص: 226

وهذا كلام لا وجه له من وجوه:

الأول: أن الأشاعرة، وإن لم يقولوا: بأن فعله معلل بالغرض (1)، لكنهم مطبقون على أن أفعاله مشتملة على حكم، ومصالح لعباده لا تحصى.

الثاني: أن قوله: "المراد بالباعث، باعث المكلف على الامتثال"، كلام مخترع لم يسبقه أحد إليه، وكيف نطبق قول الغزالي: لا نعني بالعلة إلا باعث الشارع، على ما ذكره.

الثالث: أن الحق - في المسألة تعليل فعله تعالى بالغرض عند الأشعري -: هو عدم وجوب تعليل كل فعل منه لا سلبه عن جميع أفعاله، ولذلك شرع الحدود، والكفارات، وبهذا يندفع الإشكال عن نصوص كثيرة، نحو قوله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32]، {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178].

وما يقال: لو كان فعله لغرض لزم الاستكمال، باطل: لأن الغرض عائد إلى العباد، لا إليه، فلا استكمال، وسيأتي في (2) / ق (102/ ب من أ) كلام المصنف ما يدل على اعترافه به معنى، وإن لم يقل به صريحًا.

(1) الغرض: يعني المنفعة التي تعود إلى العباد.

راجع: تيسير التحرير: 3/ 305.

(2)

آخر الورقة (102/ ب من أ).

ص: 227

والعلة قد تكون دافعة، لا رافعة، كالعدة، فإنها تدفع حل النكاح من غير (1) / ق (101/ ب من ب) الزوج، ولا ترفع الحل، كما في وطء الشبهة، فإن عدة الشبهة لا ترفع الزوجية، أو بالعكس، كالطلاق، فإنه يرفع الحل الحاصل، ولا يدفع الوارد بعد العدة، أو تجمع الأمرين، كالرضاع، فإنه مانع من النكاح، وإن طرأ قطع النكاح، إذا وجد بشروطه (2). وهذا كلام لا مساس له بالمقام، إنما أورده زيادة في الإفادة، وإلا فالقياس ليس مشروطًا بشيء منها.

قوله: "وصفًا حقيقيًا".

أقول: إلحاق الفرع بالأصل يتوقف على وجود الجامع بينهما ولكن الأمر المهم معرفة الوصف الجامع، إذ ما من شيئين إلا وبينهما اشتراك من وجه، وإن كان في الوجود، فتميز ما يصلح عما لا يصلح، معترك الانظار، حتى قال بعض الأفاضل (3): ماهية القياس في العلة، وما عداها

(1) آخر الورقة (101/ ب من ب)، وجاء في بداية هامش (102/ أ):"الثاني عشر" يعني بتجزئة الناسخ.

(2)

وإنما كان هذا، وأمثاله من موانع النكاح يمنع من الابتداء، والدوام لتأبده، واعتضاده، لأن الأصل في الارتضاع الحرمة.

راجع: تشنيف المسامع: ق (106/ ب)، والغيث الهامع: ق (114/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 233، وهمع الهوامع: ص/ 339، والآيات البينات: 4/ 37، ومناهج العقول: 3/ 115، ونشر البنود: 2/ 125.

(3)

جاء في هامش (أ، ب): "هو فخر الإسلام الحنفي ذكره في الميزان".

وراجع: ميزان الوصول للسمرقندي: ص/ 583 - 584، وكشف الأسرار: 3/ 344 - 345.

ص: 228

شرائط ليست أركانًا، والمصنف ذكر أن من شرطه أن يكون وصفًا حقيقيًا، وهو ما لا يتوقف تعقله على تعقل غيره، كالطعم مثلًا، ولا بد وأن يكون ظاهرًا، حتى لو كان خفيًا لا يناط الحكم به، كالرضا في البيع، وسائر العقود، ولذلك نيط بصيغ العقود، وأن يكون منضبطًا، احترازًا من الظاهر الغير المنضبط، ولذلك نيط الحكم بالسفر دون المشقة، وإن كانت ظاهرة في السفر، لأن مراتبها بحسب الأشخاص والأحوال غير مضبوطة (1).

أو لا يكون حقيقيًا، بل عرفيًا مطردًا، كالشرف، والخسة، فإنها من الأمور النسبية إذ الشريف خسيس بالنسبة إلى من هو أشرف منه، لكن مطرد، لا يختلف باختلاف الأوقات، فاعتبر في الكفاءة (2).

وكذلك: يجوز تعليل الحكم الشرعي بالأمر اللغوي، إذا جوز القياس في اللغة، مثل تعليل حرمة النبيذ بكونه مسمى بالخمر قياسًا على المشتد من ماء العنب، هذا مقصود المصنف (3).

(1) راجع: المستصفى: 2/ 336، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 389، والمسودة: ص/ 423، والآيات البينات: 4/ 38، ومناهج العقول 3/ 102، وحاشية البناني على المحلي: 2/ 234، وإرشاد الفحول: ص/ 207.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 412، والإحكام للآمدي: 3/ 18، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 408، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 234، والآيات البينات: 4/ 38، ونشر البنود: 2/ 126.

(3)

اختلف في التعليل بالوصف اللغوي، فجوزه البعض، ومنعه آخرون.

راجع: مناهج العقول: 3/ 102، ونشر البنود: 2/ 127، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 234.

ص: 229

وقد قال الإمام في المحصول: "اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم مثل تعليل تحريم الخمر، بأن العرب سمته خمرًا، لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر لهذا، وإن أريد كونه مخامرًا للعقل، فذاك راجع إلى المعنى"(1).

ويجوز أن يكون حكمًا شرعيًا، مثل تعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه.

وقيل: لا يجوز: لأن الحكم معلل، فكيف يكون علة (2)؟

الجواب: لا مانع من ذلك: لأن العلة معناها المعرف، ويجوز أن يكون أحد الحكمين معرفًا للآخر، بل يجوز أن يكون كل منهما معرفًا لصاحبه.

وقيل: يجوز في الشرعي دون الحقيقي، كإثبات الحياة في الشعر قياسًا على اليد في أن كلًا منهما يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح.

والجواب: ما تقدم، وكون الحقيقي متقدمًا، لا يمنع كون المتأخر علة لأنها المعرف والعلامة، فلا مانع من التأخر.

(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 422.

(2)

والقول الأول هو قول الجمهور، والأخير هو قول لبعض الحنابلة، وبعض المتكلمين.

راجع: اللمع: ص/ 59، والمستصفى: 2/ 335، وروضة الناظر: ص/ 287، والإحكام للآمدي: 3/ 24، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 408، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 230، والمسودة: ص/ 411، 446، ومختصر البعلي: ص/ 145، وكشف الأسرار: 3/ 347، وفتح الغفار: 3/ 20، وفواتح الرحموت: 2/ 290، وتيسير التحرير: 4/ 34، ومناهج العقول: 3/ 108، وإرشاد الفحول: ص/ 209.

ص: 230

وكذلك: يجوز التعليل بالمركب من عدة أمور، كتعليل القصاص بالقتل العمد العدوان، بلا شبهة، إذ المعرف للشيء، كما يكون بسيطًا، يكون مركبًا.

وقيل: لا يجوز ذلك: لأن كل واحد من تلك الأجزاء إذا لم [يكن](1) صالحًا، فالمجموع كذلك (2)، وقد يورد مثله على الخبر المتواتر.

والجواب: أن للهيئة الاجتماعية تأثيرًا لا يوجد في الآحاد، كما في طاقات الحبل، وأجزاء العشرة، والإمام الغزالي لم ينقل في ق (103/ أمن أ) جوازه خلافًا (3)، لكن الإمام - في المحصول - أطنب في البحث، ولظهور فساد قول المخالف أعرضنا عن ذلك الإطناب (4).

وقيل: يجوز أن يكون مركبًا بشرط أن لا يزيد على خمسة أوصاف، حكى الإمام عن الشيخ الشيرازي سبعة، وقال:"لا أعرف لهذا الحصر حجة"(5).

(1) سقط من (أ) وأثبت بهامشها.

(2)

راجع الخلاف في جواز التعليل بالمركب: اللمع: ص/ 60، والمستصفى: 2/ 336، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 413، وروضة الناظر: ص/ 287، والإحكام للآمدي: 3/ 26، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 409، وشرح العضد: 2/ 230، وكشف الأسرار: 3/ 348، وفواتح الرحموت: 2/ 291، وتيسير التحرير: 4/ 34، ومختصر البعلي: ص/ 145، ومناهج العقول: 3/ 112، وحاشية البناني: 2/ 234.

(3)

راجع: المستصفى: 2/ 336.

(4)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 413 - 418.

(5)

راجع: اللمع: ص/ 60، ولفظه:"وحكي عن بعض الفقهاء أنه قال: لا يزاد على خمسة أوصاف، وهذا لا وجه له. . .".

ص: 231

قوله: "ومن شروط الإلحاق بها".

أقول: من شروط الوصف الجامع أن يكون مشتملًا على حكمة باعثة للمكلف على الامتثال، وتكون شاهدة لربط الحكم بالعلة، مثل حفظ النفوس، فإنه الحكمة في نوط وجوب القصاص بعلته إلى هي القتل العمد، العدوان، وهذه العلة هي الباعثة للمكلف على الامتثال، فيقاس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد لاشتراكهما في العلة المشتملة على الحكمة (1).

وإذا تقرر وجوب الاشتمال على الحكمة، فالمانع لعلية الوصف ما يكون مخلًا بحكمتها، كالدين، فإنه وصف وجودي يخل لحكمة ملكية النصاب التي هي علة وجوب الزكاة، لأن الحكمة هي الاستغناء، والمدين ليس مستغنيًا لأن ماله مرصد لوفاء الدين، وهذا المثال صحيح عند من يجعل الدين مانعًا.

هذا، وقد علمت أن الباعثة عند المحققين ما تشتمل على حكمة مقصودة للشارع من شرع الحكم من تحصيل مصلحة، أو دفع مفسدة، وأن ما ذهب إليه المصنف تكلف بلا فائدة (2).

(1) راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 17، وشرح العضد: 2/ 213، وفواتح الرحموت: 2/ 273، وتيسير التحرير: 3/ 303، وتشنيف المسامع: ق (107/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 236، والآيات البينات: 4/ 41، وهمع الهوامع: ص/ 341.

(2)

يعني رد المصنف على الآمدي في تعريفه للعلة بأنها الباعثة على الحكم كما تقدم، وانظر: مختصر البعلي: ص/ 143 - 144.

ص: 232

وقوله: "وأن يكون ضابطًا لحكمة"، تكرار لأنه تقدم كون الوصف منضبطًا مشتملًا على حكمة. بقي الكلام في نفس الحكمة، هل تجوز أن تكون العلة نفس الحكمة؟

فيه مذاهب ثلاثة: أحدها: الجواز مطلقًا، والثاني: عدمه مطلقًا، والثالث: إن كانت منضبطة/ ق (102/ أمن ب) جاز، وإلا فلا (1).

وظاهر كلام المصنف عدم الجواز مطلقًا، وعلل ذلك بعض شارحي (2) كلامه: بأن الحكمة بمعنى المصلحة المقصودة لشرع الحكم، متأخرة عن الحكم في الوجود، فكيف يعرف الشيء بما لا يوجد إلا بعد وجوده؟

وهذا كلام باطل: لأن العلة بمعنى المعرف والعلامة لا تقتضي التقدم في الوجود، بل الدليل العقلي، كذلك، كالعالم للصانع.

(1) اختار الجواز مطلقًا الإمام الرازي، والبيضاوي، وأما المنع مطلقًا، فقد حكاه الآمدي عن الأكثر، وهو ظاهر كلام المصنف، والقول الأخير، وهو المفضل اختاره الآمدي، ونقل عن الصفي الهندي، ورجحه ابن الحاجب.

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 399، والإحكام للآمدي: 3/ 18، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 406، وشرح العضد على المختصر: 2/ 213، ومختصر البعلي: ص/ 144، ومناهج العقول: 3/ 105، وفواتح الرحموت: 2/ 274، وتيسير التحرير: 4/ 2، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 238، والغيث الهامع: ق (115/ أ)، وإرشاد الفحول: ص/ 207.

(2)

جاء في هامش (أ): "الزركشي". وانظر: تشنيف المسامع: ق (107/ ب).

ص: 233

والحق: هو التفصيل، لأنها إذا كانت منضبطة، ونحن نعلم قطعًا أن قصد الشارع من شرعه الحكم هي تلك الحكمة، فإذا لم تنضبط يعدل إلى مظنتها، كالمشقة مع السفر، وأما إذا كانت منضبطة، فلا وجه للمنع.

ومن شروط العلة: أن لا تكون عدمًا في الثبوتي، كما هو المختار عند الآمدي خلافًا للإمام، وعكسه على ما في المتن سهو (1).

واعلم أن الصور الممكنة أربع: تعليل الثبوتي بالثبوتي، مثل حرمة الخمر بالإسكار، والعدمي بالعدمي، كعدم نفاذ التصرف لعدم العقل، والعدمي بالثبوتي، كعدم نفاذ التصرف للإسراف، وهذه الثلاثة مما لا نزاع فيها.

وعكس الأخيرة، وهو تعليل الثبوتي بالعدمي، هو محل النزاع:

الأكثرون على جوازه، ومختار المصنف -، وفاقًا للآمدي - عدم الجواز (2).

(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 400، والإحكام للآمدي: 3/ 21.

(2)

واختاره ابن الحاجب.

راجع: التبصرة: ص/ 456، واللمع: ص/ 60، وروضة الناظر: ص/ 287، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 411، وفتح الغفار: 3/ 23، وفواتح الرحموت: 2/ 274، وتيسير التحرير: 4/ 2، وشرح العضد على المختصر: 2/ 214، ومختصر البعلي: ص/ 144، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 239، والآيات البينات: 4/ 42، وإرشاد الفحول: ص/ 207.

ص: 234

لنا - على مختار المصنف -: أن العدم المعلل به إما محض، أو مضاف، وكون الأول غير صالح واضح لأن نسبتها إلى الكل على السواء لا اختصاص له بمحل، وحكم، وما هذا شأنه لا يعقل كونه علة، وأما العدم المضاف إلى شيء، فلأن وجود ذلك الشيء، إما منشأ لمصلحة، أو مفسدة، أو لا يكون شيئًا منهما، وعلى الأول: لا يجوز أن يكون عدمه علة لاستلزامه تقوية (1) / ق (103/ ب من أ) تلك المصلحة.

وعلى الثاني: يكون عدم ذلك الأمر عدم مانع، وعدم المانع ليس من العلة في شيء، بل لا بد معه من وجود المقتضي.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون عدمه عدمًا للمانع، ومنشأ لمصلحة؟ تكون هي المقتضي لا بد لنفيه من دليل، وأما إذا لم يكن وجود الأمر منشأ مصلحة، ولا مفسدة، فإما أن يكون منافيًا لمناسب، أو لا، فإن كان الأول، فوجود ذلك الأمر يستلزم عدم المناسب لعدم جواز اجتماع المتنافيين، ولا بد أن يستلزم عدمه وجود المناسب، وإلا لارتفع النقيضان، فيكون عدم ذلك الأمر الوجودي مظنة لوجود المناسب فيصلح علة. لكنا نقول: لا يصلح: لأن المناسب الذي عدم الأمر الوجودي مظنته إن كان ظاهرًا، فهو العلة، ولا عبرة بالمظنة عند وجود العلة نفسها، وإن كان المناسب غير صالح لخفائه، فنقيضه أعني الوجودي الذي عدمه مظنه خفي، أيضًا، لأن النقيضين سيان في الجلاء، والخفاء، وفيه بحث من وجهين:

(1) آخر الورقة: (103/ ب من أ).

ص: 235

الأول: قولكم: لا بد، وأن يستلزم عدم الأمر الوجودي، وجود المناسب، إنما يتم لو كانت العلل الشرعية مطردة وليس كذلك، كما سيأتي في كلامه ذلك.

الثاني: قولكم: النقيضان سيان جلاء وخفاء، ممنوع، لم لا يجوز أن يكون أحدهما أجلى بواسطة تكرره، وإلف النفس به؟ كيف، وقد تقرر أن الوجودات أجلى من العدمات! ؟

ولا شك أن أحد النقيضين عدم والآخر وجود، هذا، مع أنه لا فرق بين قولنا: علة الإجبار البكارة، وقولنا: علته عدم الإصابة، وكذلك علة الولاية على مال المجنون الجنون، أو عدم العقل، وكذلك كون المعجز معجز معلل بالتحدي، وانتفاء المعارض.

قولهم: انتفاء المعارض شرط لا جزء، قلنا: لو كان شرطًا لتعقل الإعجاز بدونه، وليس كذلك، ولا نعني بالجزء إلا هذا.

قوله: "والإضافي عدمي"، الوصف الإضافي: هو الذي يتوقف تعقله على تعقل وصف آخر، كالأبوة، والبنوة (1)، والإضافي بهذا المعنى عدمي عند المتكلمين.

قوله: "ويجوز التعليل بما لا يُطَّلَع على حكمته".

(1) وكذا التقدم، والتأخر، والمعية، والقبلية، والبعدية، ورجح أنه عدمي: لأن وجوده إنما هو في الأذهان لا في الخارج.

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 405، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 408، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 240، والآيات البينات: 4/ 42، ونشر البنود: 2/ 130.

ص: 236

أقول: التعليل بما لا يطلع على حكمته (1) جائز؛ لأن التعبدي ليس الذي لا حكمة فيه، بل ما لم يطلع على حكمته، ومن هذا يلزم أن الحكمة هي الباعثة للشارع على شرع الحكم، لا للمكلف على الامتثال، وهذا ما قلنا سابقًا: إن المصنف يعترف به معنى، وإن أنكره لفظًا (2)، هذا إذا لم يقطع بنفي الحكمة، فإن قطع في مثل استبراء الصغيرة، فإن الاستبراء شرع لتيقن براءة الرحم، وهو مفقود في الصغيرة.

فقال الغزالي: الحكم للمظنة، والمظان لا يجب اطرادها، ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الحكم، وهو جواز الفطر، والقصر، مع أن الملك المرفه في المحفة لا مشقة عليه.

وقال الجدليون: لا عبرة بالمظنة مع تحقق المئنة (3)، والحق: الأول هو اللائق بالأصولي: لأن غرض ضبطه القواعد لا ملاحظة الأفراد.

والثاني بالجدلي: لأن بحثه إنما يكون في المسائل / ق (102/ ب من ب) الجزئية بنصب الخلاف فيها.

(1) كما في تعليل الربويات، بالطعم، أو الكيل، أو غير ذلك.

(2)

ذكر المحلي أنه يفهم من كلام المصنف عدم خلو علة من حكمة، لكن في الجملة.

راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 240، وتشنيف المسامع: ق (108/ أ)، والغيث الهامع: ق (115/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 343، ونشر البنود: 2/ 131.

(3)

يعني الجزم بالعدم، راجع: تشنيف المسامع: ق (108/ أ)، والغيث الهامع: ق (115/ ب)، والمحلي مع حاشية العطار عليه: 2/ 282، والبناني كذلك: 2/ 240، وهمع الهوامع: ص/ 343.

ص: 237

قوله: "والقاصرة".

أقول: اختلف في جواز التعليل بالقاصرة (1)، منعه طائفة منهم أبو حنيفة رحمه الله والحق: الجواز.

ومحل النزاع إنما هو غير المنصوصة والمجمع / ق (104/ أمن أ) عليها إذ بهما صحيح اتفاقًا، ونقل المصنف عن طائفة الخلاف (2) مطلقًا.

(1) العلة القاصرة: هي التي لا تتعدى محل النص، كتعليل الربا في النقدين بجوهريهما، ومنع التعليل بها أبو حنيفة، وأحمد في رواية، وهو مذهب أكثر الحنابلة، ومذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، ومذهب أكثر المعتزلة جواز التعليل بها، واختاره الإمام، والآمدي، وأتباعهما.

راجع: أصول السرخسي: 2/ 158، واللمع: ص/ 60، والتبصرة: ص/ 452، والبرهان: 2/ 1080، والإشارات للباجي: ص/ 110، والمعتمد: 2/ 269، والمستصفى: 2/ 345، وشفاء الغليل: ص/ 537، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 323، والروضة: ص/ 287، والإحكام للآمدي: 3/ 29، والمسودة: ص/ 411، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 409، وشرح العضد: 2/ 217، وكشف الأسرار: 3/ 389، وفتح الغفار: 3/ 15، 28، وفواتح الرحموت: 2/ 276، وتيسير التحرير: 4/ 5، ومختصر الطوفي: ص/ 153، ومختصر البعلي: ص/ 144.

(2)

نقل الخلاف عن القاضي عبد الوهاب المالكي وعزاه إلى أكثر فقهاء العراق، ثم ذكر المصنف في الإبهاج أنه لم ير القول بالمنع في شيء مما ووقف عليه من كتب الأصول سوى ما نقل عن القاضي عبد الوهاب.

راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 29، والإبهاج: 3/ 143 - 144، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 241، وتشنيف المسامع: ق (108/ أ - ب)، والغيث الهامع:(115/ ب)، ونشر البنود: 2/ 132، وهمع الهوامع: ص/ 344، وإرشاد الفحول: ص/ 208 - 209.

ص: 238

لنا - على المختار -: أن ظن المجتهد حاصل بأن الحكم لأجلها، ولا نريد بالصحة إلا ذلك، كما في المنصوص عليها.

قالوا: لم يرد نص من الشارع باعتبارها، ولا فائدة فقهية تتوقف عليها، فالقول بها لغو.

الجواب: إن قلتم: إن فائدة العلة إثبات الحكم في الفرع، فالحصر ممنوع، وإن قلتم: إن لا فائدة في ذلك رأسًا، فذلك خروج عن الإنصاف، بل هناك فائدتان:

إحداهما سرعة الإذعان، لأن النفوس إلى قبول الأحكام الجارية على العلل أميل منها إلى قبول التعبد البحت.

قال الغزالي: ولذلك شرع الوعظ، واستحب ذكر محاسن الشريعة (1).

الفائدة الثانية: أن العلة المتعدية إذا وجدت مع القاصرة لا يجوز إعمالها إلا بعد الترجيح، وزاد المصنف فائدة أخرى ذكرها الإمام في البرهان، وهي تقوية النص الدال على الحكم إذا كان ظاهر الدلالة على الحكم، فإنها تصونه عن التأويل (2)، وأخرى نقلها عن والده، وهي حصول الأجر بإيقاع الفعل لأجلها، مع حصول الأجر بقصد الامتثال (3).

(1) راجع: المستصفى: 2/ 345.

(2)

راجع: البرهان: 2/ 1086.

(3)

قال الزركشي: "وظهر بهذه الفوائد بطلان قول أبي زيد الحنفي أنها لا تفيد علمًا، ولا عملًا". تشنيف المسامع: ق (108/ ب)، وحاشية العطار على المحلي: 2/ 282.

ص: 239

وعندي في هذا نظر: لأن امتثال الأمر في التعبدي أحمز، وأشق على النفس من المعلل، فزيادة الأجر أوفق بأصول الشرع لقوله صلى الله عليه وسلم:"أفضل الأعمال أحمزها"(1)، وإذا كان العلة محل الحكم، أو جزءَه الخاص، أو وصفه اللازم لا يمكن التعدية، فهذه الثلاثة من فروع التعليل بالقاصرة لأنها لا توجد بدونها (2).

مثال الأول: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما نقدين.

ومثال الثاني: تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما.

ومثال الثالث: تعليل حرمة الربا في النقدين بكونهما قيم الأشياء، وقيد الجزء بالخاص، احتراز من الجزء العام، لأنه لا يكون علة إلا في المتعدية، وكان عليه أن يقيد اللازم - أيضًا - بالخاصة، لأن اللازم العام، كالجزء العام.

(1) حمز الرجل من باب ظرف، أي: اشتد، وأحمزها، أي: أقواها، وأشدها يقال: رجل حامز الفؤاد، وحميزه، أي: شديد، والحديث ذكره ابن الأثير في النهاية عن ابن عباس بلفظ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: "أحمزها" قال العجلوني: "قال في الدرر تبعًا للزركشي لا يعرف، وقال ابن القيم في شرح المنازل: لا أصل له، وقال المزي: هو من غرائب الأحاديث، ولم يرد في شيء من الكتب الستة، وقال القاري في الموضوعات الكبرى: معناه صحيح لما في الصحيحين عن عائشة: "الأجر على قدر التعب".

راجع: النهاية لابن الأثير: 1/ 440، ومختار الصحاح: ص/ 154، وكشف الخفاء: 1/ 175، وأسنى المطالب: ص/ 47.

(2)

راجع: الإبهاج: 3/ 139، وتشنيف المسامع: ق (108/ ب)، والغيث الهامع: ق (116/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 242، وهمع الهوامع: ص/ 345.

ص: 240

قوله: "ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب".

أقول: اختلف في تعليل الحكم (1) بمجرد الاسم، كتعليل حرمة الخمر بكونه خمرًا. اختار المصنف - وفاقًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي - أنه يجوز ذلك. وخالفه الإمام على ما قدمنا، ونقل الاتفاق على ذلك (2).

استدلوا على الجواز بقول الشافعي - في بول ما يؤكل لحمه -: نجس، لأنه بول كبول الآدمي (3)، وكذا نقل الجواز عن الإمام أحمد (4).

والحق: ما ذهب إليه الإمام من الاتفاق، على منع ذلك، لأنا قد قدمنا أن العلة لا بد من اشتمالها على الباعث، إما للشارع على شرع الحكم،

(1) المراد به العلم، واسم الجنس الجامد الذي لا ينبئ عن صفة مناسبة تصلح لإضافة الحكم إليها، كما مثل الشارح، والخلاف فيها على نحو ما ذكر.

راجع: اللمع: ص/ 64، والتبصرة: ص/ 454، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 410، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 243، والآيات البينات: 4/ 44، ونشر البنود: 2/ 137، وحاشية العطار: 2/ 284.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 422.

(3)

اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه إلا بول الصبي الرضيع، واختلفوا فيما سواه من الحيوان، فذهب الشافعي، وأبو حنيفة إلى أنها كلها نجسة، وذهب قوم إلى أن بول الحيوان، ورجيعه طاهر، وذهب آخرون إلى أن أبوالها، وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها لحومها محرمة، فأبوالها، وأرواثها نجسة محرمة، وما كان منها لحومها مأكولة، فأبوالها، وأرواثها طاهرة، ما عدا التي تأكل النجاسة، وما كان منها مكروهًا، فأبوالها، وأرواثها مكروهة، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة في الأسآر.

راجع: شرح فتح القدير: 1/ 101 - 102، 108 - 120، وبداية المجتهد: 1/ 80، ومغني المحتاج: 1/ 9، والمغني لابن قدامة: 1/ 46 - 52.

(4)

راجع: المسودة: ص/ 393، وشرح الكوكب المنير: 4/ 42.

ص: 241

أو للمكلف على الامتثال، ولا يعقل كون لفظ الخمر موضوعًا بإزاء عصير العنب المشتد، هو الباعث بأحد المعنيين، أي: للشارع، أو للمكلف، حتى لو فرض أنه لم يسم بذلك لانتفت الحرمة. وما نقلوه عن الشافعي من قياس بول ما يؤكل لحمه على بول الآدمي ليس العلة عنده أن بول الآدمي نجس عنده: لأن العرب سمته بالبول حتى لو سمته بشيء آخر لانتفى الحكم، بل لأن بول الآدمي قد ثبت نجاسته بالنص، وهذا بول مثله.

فقوله: لأنه بول فشابه بول الآدمي اقتصار في الكلام لوضوح المقام حتى لو قيل - للشافعي -: لم كان بول الآدمي نجسًا بالنص؟ لم يتصور أن يقول: لكون اسمه بولًا عند العرب، هذا في اللقب (1) / ق (104/ ب من أ) الخالي عن المعنى أما المشتق، فلا معنى للخلاف فيه، لإشعاره بعلية المشتق منه (2)، وأما نحو الأبيض، والأسود من الصفات، فذلك من الشبه الصوري، وسيأتي الكلام عليه قبولًا، وردًا.

قوله: "وجوز الجمهور التعليل بعلتين".

أقول: ذهب الجمهور إلى جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين لا تتوقف إحداهما على الأخرى (3).

(1) آخر الورقة (104/ ب من أ).

(2)

وحكي عن سليم الرازي أنه قال في التقريب: هناك قول يمنع الاسم مطلقًا لقبًا، ومشتقًا.

راجع: تشنيف المسامع: ق (108/ ب - 109/ أ)، والغيث الهامع: ق (116/ ب).

(3)

راجع: اللمع: ص/ 59، والمنخول: ص/ 392، والمستصفى: 2/ 342، وروضة الناظر: ص/ 301، والإحكام للآمدي: 3/ 43، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 404، =

ص: 242

وقيل: لا يجوز (1).

ابن فورك، والإمام (2): في المنصوصة دون المستنبطة، وهو مذهب القاضي (3). وعكسه، وفي الجواز في المستنبطة دون المنصوصة ذكره ابن الحاجب (4)، وتركه المصنف.

= والمسودة: ص/ 416، وشرح العضد: 2/ 224. فواتح الرحموت: 2/ 82، وتشنيف المسامع: ق (109/ أ)، والغيث الهامع: ق (116/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 245، وهمع الهوامع: ص/ 346، والآيات البينات: 4/ 47، ونشر البنود: 2/ 139، وإرشاد الفحول: ص/ 208 - 209.

(1)

أي على الاطلاق عقلًا، وشرعًا في المنصوصة، والمستنبطة، واختاره الآمدي، وحكاه عن القاضي أبى بكر، وإمام الحرمين، والمنقول عن القاضي جوازها في المنصوصة دون المستنبطة كما سيذكر الشارح، والمشهور عن الجويني منعه شرعًا لا عقلًا كما سيأتي.

راجع: البرهان: 2/ 820 - 831، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 367، والإحكام للآمدي: 3/ 43، والإبهاج: 3/ 114، وما بعدها.

(2)

راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 367.

(3)

ونقل هذا المذهب عن الغزالي.

قلت: قد صرح في المنخول: بالجواز مطلقًا، وكذا في المستصفى: في بداية المسألة فهو على هذا مع الجمهور، ولكنه عاد في نهاية ذكره للمسألة في المستصفى، وفرق بين المنصوصة، والمستنبطة حيث قال:"والحاصل: أن كل تعليل يفتقر إلى السبر، فمن ضرورته اتحاد العلة، وإلا انقطع شهادة الحكم للعلة، وما لا يفتقر إلى السبر كالمؤثر، فوجود علة أخرى لا يضر" المستصفى: 2/ 344، والمنخول: ص/ 392.

(4)

راجع: المختصر مع شرح العضد: 2/ 224.

ص: 243

إمام الحرمين: يجوز عقلًا لكن لم يقع (1).

وقيل: يجوز مع التعاقب دون الجمع، والصحيح - عند المصنف - الامتناع عقلًا مطلقًا (2)، ومما يجب التنبه له أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص: كقتل زيد بالردة، والزنى، وحدث عمرو باللمس، والمس، صرح بذلك الآمدي (3).

لنا - على مختار المصنف - لو جاز تعدد العلل المستقلة، لكان كل واحدة منها مستقلة بالغرض غير مستقلة.

بيان ذلك: أنا قد فرضنا استقلالها بإثبات الحكم، وثبوته بغيرها ينافي الاستقلال.

ويرد عليه: أن معنى الاستقلال ليس ثبوت الحكم بها في الواقع، بل لو انفرد كانت كذلك.

(1) راجع: البرهان: 2/ 832، وسيأتي نقل الشارح لكلامه بالنص بعد قليل.

(2)

تكلم المصنف على هذا المسألة في الإبهاج ثم ذكر في نهايتها أنه سيقرر اختياره في مجموع آخر.

قلت: وقد وفى المصنف بما وعد، فأبدى اختياره هنا في جمع الجوامع وصحح الامتناع مطلقًا، وقد دافع عن هذا الرأي، ورجحه، ورد على مخالفيه، بنفس طويل في كتابه رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب.

راجع: الإبهاج: 3/ 125، ورفع الحاجب: 2 ق/ 157 وما بعدها.

(3)

راجع: الإحكام له: 3/ 44.

ص: 244

ولنا - أيضًا - لو لمس، ومس في آن واحد يلزم التناقض، وهو ثبوت الحكم بكل، وعدم ثبوته بشيء منهما؛ لأنه لو حصل بواحدة منهما امتنع الحصول بالأخرى، فالحصول بالكل مستلزم / ق (103/ أمن ب) لعدم الحصول (1).

ويرد عليه: أن ليس معنى الاستقلال الانفراد بالتأثير حال الاجتماع، بل بحيث لو انفردت كانت مستقلة، وهذه الحيثية لا تفارقها، وفي هذا نظر: لأن الاستقلال بهذا المعنى مجاز لا يصار إليه إلا بدليل.

ولنا - أيضًا - لو جاز توارد العلل المستقلة لزم اجتماع المثلين. إن وجدت معًا، أو تحصيل الحاصل إن تعاقبت، وكلاهما محال.

أما الأول: فلأنه يوجب اجتماع النقيضين: لأن المحل بكل منهما مستغن عن كل منهما، فيكون مستغنيًا عنهما غير مستغن، وهو اجتماع للنقيضين.

وإن تعاقبتا، والغرض تأثير كل منهما، وهو تحصيل الحاصل.

ويرد عليه: أن معنى الاستقلال هو كونهما بحيث لو انفردت كانت مؤثرة لا التأثير في الواقع: لأنه مشروط بارتفاع المانع، والمصنف اعتبر الاستقلال في الواقع، ولذلك حكم بالتناقض وجزم به.

وبما ذكرنا من معنى الاستقلال يظهر دليل الجمهور على الجواز، إذ اللمس، والمس، والبول، والمذي كل واحد بحيث لو انفرد لكان مستقلًا.

(1) قال ولي الدين العراقي: "وهذا مبني على أن العلة مؤثرة، فإن قلنا: إنها معرفة انتفى ذلك". الغيث الهامع: ق (116/ ب).

ص: 245

فإن قلت: قد ذكرت أن الخلاف إنما هو في الواحد بالشخص، والقتل بالردة، والقصاص على زيد ليس واحدًا بالشخص:

لأن أحدهما حق الله، والآخر حق العبد.

قلت: تعدد الإضافة لا يوجب التعدد، ولذلك يضاف الحكم الواحد إلى أحد الدليلين تارة، وإلى الآخر أخرى.

المجوز في المنصوصة دون المستنبطة: أن المنصوصة صارت علة بنص الشارع، فلا بد من القول بها بخلاف المستنبطة، فلا تتعين، فيجعل المجموع علة.

ورد بأن نظر المجتهد كنص الشارع.

وعكس هذا، وهو الجواز في المستنبطة دون المنصوصة:

لأن المنصوصة قطعية، فلو تعددت لزم / ق (105/ أمن أ) المحال المذكور سابقًا، بخلاف المستنبطة، لجواز أن يكون المجموع هو العلة - عند الشارع -، وقد عرفت الجواب.

قال الإمام - في البرهان -: "نحن نقول: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس محالًا - عقلًا - نظرًا إلى المصالح الكلية، لكنه محال شرعًا، وإمكانه من طريق العقل في غاية الظهور، فلو كان ثابتًا شرعًا لوقع، ولو نادرًا على مر الدهور، وإذا كان الأمر على ذلك لاح كفلق الصبح أنه محال شرعًا"(1).

(1) راجع: البرهان: 2/ 832، نقله بتصرف.

ص: 246

ثم صحح هذا الدعوى بأن ما يتوهم فيه اتحاد الحكم، كالقتل، والحدث في المثالين المذكورين ليس كما يتوهم، بل الحكم فيه متعدد (1).

وجوابه: أنك إن أردت جواز التعدد لا يجديك نفعًا: لأنك في مقام الاستدلال، وإن أردت إقامة الدليل عليه أنى يتيسر لك ذلك! ! ؟

وقد علمت جواب من جوز التعاقب دون الاجتماع: لأن في الاجتماع يلزم التناقض مما تقدم من معنى الاستقلال هو كونها بحيث لو انفردت لاستقلت.

وتحرير هذه المسألة على هذا الوجه من نفائس الأبحاث.

قوله: "والمختار وقوع حكمين بعلة".

أقول: ما تقدم كان تعليل الحكم بعلتين، وهذا عكسه.

والمختار وقوع ذلك إن كان الوصف بمعنى الباعث، واتفاقًا إن اكتفى بكونه أمارة مجردة (2)، وإذا ثبت الوقوع فالجواز أولى.

(1) راجع: البرهان: 2/ 828 - 829.

(2)

قال الآمدي: "لا نعرف خلافًا فيه كما لو قال الشارع: جعمت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم، والصلاة، ونحوه" الإحكام: 3/ 45، هذا إذا كانت العلة بمعنى الأمارة المجردة، وأما إذا كانت بمعنى الباعث ففى ذلك ثلاثة مذاهب:

أحدها: الجواز في النفي، والإثبات كما مثل الشارح، وهو المختار عندهم.

الثاني: المنع مطلقًا.

الثالث: الجواز إن لم يتضادا، والمنع إن تضادا. =

ص: 247

لنا - على ذلك -: السرقة فإنها علة للقطع زجرًا له عن العود، وأمثاله عن الإتيان بمثل ما أتى، والتغريم جبرًا لصاحب المال.

وفي النفي: كحرمة الصلاة، والطواف، والصوم بالحيض.

قالوا: يلزم تحصيل الحاصل: لأن المصلحة الواحدة، قد حصلت بالحكم الواحد فلا يمكن تحصيلها ثانيًا بالحكم الآخر.

الجواب: يجوز تعدد المصالح كتعدد الأحكام كما ذكرنا في السارق، أو لا يحصل إلا بالحكمين كما في الزاني إذ الزجر التام لا يحصل إلا بالجلد، والتغريب، هذا إذا لم يكونا متضادين (1).

فأما إذا كانا متضادين (2)، فعند قوم لا يجوز: لأن الشيء الواحد لا يناسب الضدين.

= راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 45 - 46، وشرح العضد: 2/ 228، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 246، والآيات البينات: 4/ 48، ومختصر البعلي: ص/ 145، ونشر البنود: 2/ 141، والإبهاج: 3/ 154، ومناهج العقول: 3/ 115، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 434.

(1)

وذلك كالحيض لتحريم الصلاة والصوم.

راجع: الغيث الهامع: ق (117/ أ)، وهمع الهوامع: ص/ 347.

(2)

كأن يكون مبطلًا لبعض العقود مصححًا لبعضها كالتأبيد: يصحح البيع ويبطل الإجارة.

راجع: تشنيف المسامع: ق (109/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 247، والآيات البينات: 4/ 48، ونشر البنود: 2/ 141 - 142.

ص: 248

الجواب: منع ذلك: لجواز تعدد الجهات فيهما.

قال الإمام: "تعليل المتضادين بعلة واحدة إنما يجوز، إذا كانا مشروطين بشرطين لا يجتمعان، وأما إذا جاز اجتماع الشرطين، فالتعليل محال: لأنهما إذا اجتمعا لم تكن العلة بأحدهما أولى من الآخر"(1).

قوله: "ومنها أن لا يكون ثبوتها متأخرًا".

أقول: من شروط العلة أن لا تكون متأخرة عن حكم الأصل سواء فسرت بالباعث، أو بالمعرف (2): لأن الباعث، والمعرف لا يعقل تأخره، كما يقال: عرق الكلب نجس، كلعابه، فيمنع نجاسة لعابه.

فيقال: لأنه مستقذر (3)، فإن الاستقذار يتوقف على النجاسة.

(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 435، نقله بتصرف.

(2)

وذهبت فرقة إلى تجويز تأخر ثبوتها بناء على تفسيرها بالمعرف، ونقل عن الصفي الهندي قوله:"والحق الجواز إن أريد بالعلة المعرف، فإن أريد بها الموجب، والباعث فلا".

راجع: الغيث الهامع: ق (117/ أ)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 247، وهمع الهوامع: ص/ 348.

(3)

أي شرعًا، وقد أمر الشارع بالتنزه عنه، فيكون نجسًا كبوله، فيقول: المعترض هذه العلة ثبوتها متأخر عن حكم الأصل، فتكون فاسدة: لأن حكم الأصل، وهو نجاسته يجب أن تكون سابقة على استقذاره إذ إن الحكم باستقذاره إنما هو مرتب على ثبوت نجاسته.

راجع: الإحكام للآمدي: 3/ 48، ومختصر ابن الحاجب: 2/ 228، ومختصر البعلي: ص/ 145، وتشنيف المسامع: ق (109/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 247، والآيات البينات: 4/ 48، وفواتح الرحموت: 2/ 289، وتيسير التحرير: 4/ 30، وإرشاد الفحول: ص/ 208.

ص: 249

وقد وقع - في شرح المولى المحقق (1) -: فيمنع كون عرقه نجسًا (2)، وهو سهو.

والصواب: لعابه لأنه الأصل الذي وقع البحث فيه.

لا يقال: يجوز تعدد البواعث، والعلامات: لما تقدم، فيجوز التأخر عند وجود آخر: لأنا نقول: الكلام في انتفاء الباعث مطلقًا والمعرف رأسًا. ومن شروط العلة - أيضًا -: أن لا تعود على الأصل بالإبطال، أي: إبطال حكم الأصل المعلل بها، فإن بطلان الأصل يستلزم بطلان فرعه.

مثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء"، وهذا يشمل القليل، والكثير (3)، / ق (105/ ب من أ) وعلل الحنفية الحرمة بالكيل، فخرج القليل الذي لا يكال، فقد أبطل حكم الأصل، ولهم عن هذا اعتذار، وهو أن المساواة المذكورة في الحديث لا يمكن اعتبارها في المكيلات إلا بالكيل، فالأصل مقيد بالكيل معنى (4).

(1) جاء في هامش (أ، ب): "مولانا عضد الدين نَوَّر الله ضريحه".

(2)

راجع: شرح العضد على المختصر: 2/ 228.

(3)

آخر الورقة (105/ ب من أ).

(4)

راجع: أصول السرخسي: 2/ 165، وفواتح الرحموت: 2/ 289، وتيسير التحرير: 4/ 31، والإحكام للآمدي: 3/ 50، وشرح العضد: 2/ 228، ومختصر البعلي: ص/ 145، والآيات البينات: 4/ 51، وشرح الكوكب المنير: 4/ 81، وإرشاد الفحول: ص/ 208.

ص: 250

وكذا "في أربعين شاة شاة"(1).

(1) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه قال:"كتب رسول الله عليه وآله الصلاة، والسلام كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر رضي الله عنه حتى قبض، ثم عمل به عمر رضي الله عنه حتى قبض، فكان فيه، وذكر حديثًا طويلًا في صدقة الماشية، وفيه: "وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة".

قال الترمذي: "حديث ابن عمر حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء. وقد روى يونس بن يزيد، وغير واحد عن الزهري عن سالم هذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين".

قال المنذري: "وسفيان بن حسين أخرج له مسلم، واستشهد به البخاري إلا أن حديثه عن الزهري فيه مقال.

وقد تابع سفيان بن حسين على رفعه سليمان بن كثير، وهو ممن اتفق البخاري، ومسلم على الاحتجاج بحديثه.

وقال الترمذي في كتاب العلل: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق"

وقال الحاكم - بعد تخريج الحديث -: "سفيان بن حسين أحد أئمة الحديث، وثقة ابن معين. ثم قال: ويصححه على شرط الشيخين حديث عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال، فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين" ثم ساق إسناده إلى ابن المبارك، وأقره الذهبي على ذلك إلا قوله: ويصححه على شرط الشيخين فأبدله الذهبي بقوله: "ويقوي الحديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري" إلخ.

راجع: المسند: 2/ 15، وسنن أبي داود: 1/ 392 - 393، وتحفة الأحوذي: 3/ 251 - 255، والمستدرك: 1/ 392 - 393، ومختصر سنن أبي داود: 2/ 187.

ص: 251

فعللوه (1) / (103/ ب من ب) بدفع حاجة الفقير، فجوزوا دفع القيمة، فأفضى إلى إبطال الأصل، وهو وجوب الشاة، ولزم التخيير.

هذا، وأما عودها على الأصل بالتخصيص، فقولان للشافعي، نحو قوله:{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] فإنه علل الحكم بمظنة الاستمتاع الذي لا يخلو عادة عن خروج الخارج، فخرجت المحارم، وهذا أظهر قوليه.

والثاني: النقض عملًا بالعموم (2).

وأما العود بالتعميم، فجائز اتفاقًا نحو:"لا يقضي القاضي، وهو غضبان"(3)، فإنه معلل بتشويش الفكر، فيعم الغضب وسائر المشوشات (4)

(1) آخر الورقة (103/ ب من ب).

(2)

راجع: تشنيف المسامع: ق (109/ ب)، والغيث الهامع: ق (117/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 248، والآيات البينات: 4/ 51، وهمع الهوامع: ص/ 349.

(3)

أخرجه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم عن أبي بكرة مرفوعًا.

راجع: صحيح البخاري: 9/ 82، وصحيح مسلم: 5/ 132، وسنن أبي داود: 2/ 271، وعارضة الأحوذي: 6/ 77، وسنن النسائي: 8/ 237 - 238، وسنن ابن ماجه: 2/ 50، وسنن الدارقطني: 4/ 206، والسنن الكبرى للبيهقي: 10/ 105.

(4)

كشدة الفرح ونحو ذلك.

ص: 252

ومن شروط العلة - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تعارض بمناف في الأصل لا يوجد ذلك في الفرع (1).

وإنما قيد بالمستنبطة: لأن المنصوصة، أو المجمع عليها، إذا قارنها أخرى مثلها كالخؤولة، والعمومة في الرضاع، وكالمس واللمس في الوضوء [لا] (2) تعارض بينهما: لأن الشرع قد جعل كل واحدة علة على حيالها، بخلاف مظنون المجتهد إذ بظهور أخرى مثلها يجب التوقف كالشهادة إذا عورضت بأخرى يجب التوقف فيها، حتى إذا ترجحت لا يحتاج إلى إعادة الدعوى: لأنها لا تبطل بالمعارض.

واعلم: أن هذا مبني على ما اختاره المصنف من عدم جواز تعدد العلل، وإلا فعند جوازها لا يعارض هذا في المعارض في الأصل.

أما في الفرع: بأن تثبت فيه علة أخرى توجب الحكم، بخلاف القياس. مثاله: مسح الرأس ركن في الوضوء يسن تثليثه كغسل الوجه، فيعارض بأنه مسح لا يسن تثليثه مثل التيمم، ومسح الخف، ومختار المصنف أن مثل هذا لا يوجب بطلان العلة، وقد تقدم من كلامه أن المعارضة في الفرع مقبولة، وأراد بذلك أنها تمنع القياس لا أنها تقدم في العلة.

(1) راجع: أدب القاضي للماوردي: 1/ 541، وشرح العضد: 2/ 228، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 249، وفواتح الرحموت: 2/ 290، وتيسير التحرير: 4/ 31، والآيات البينات: 4/ 52، وإرشاد الفحول: ص/ 207.

(2)

سقط من (ب)، والمثبت من (أ).

ص: 253

ومن شروط العلة: أن لا تخالف نصًا ولا إجماعًا: لأنهما مقدمان على القياس.

مثال النص، والإجماع (1) ما قيل (2): إن الملك لا يعتق في إفساد صوم رمضان لسهولته عليه (3)، بل يصوم، فإن هذا مخالف لهما (4).

(1) أي: مخالفتها للنص، والإجماع معًا كما ذكره ابن الحاجب في مختصره: 2/ 229.

(2)

القائل بهذا هو الفقيه يحيى بن يحيى الليثي المالكي المتوفى سنة (234 هـ) تلميذ الإمام مالك الذي أفتى الملك عبد الرحمن بن الحكم بصوم ستين يومًا كفارة الوطء في رمضان ظنًا منه أن تكليف الملك بعتق رقبة كما هو وارد في القرآن لا يردعه.

راجع: المستصفى: 1/ 285، والاعتصام 3/ 97، ومختصر البعلي: ص/ 162، علم أصول الفقه لخلاف: ص/ 97، والفكر السامي: 2/ 96، وتاريخ علماء الأندلس: 2/ 179، وشرف الطالب: ص/ 42، وترتيب المدارك: 2/ 534.

(3)

فلا ينزجر بذلك، والكفارة وضعت للزجر، هكذا علل، وهذا لا خلاف في بطلانه لمخالفته النص، والإجماع، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير حدود الشرع.

راجع: المستصفى: 1/ 285، روضة الناظر: ص/ 149.

(4)

ومثال مخالفة النص: كأن يقول الحنفي: امرأة مالكة لبضعها، فيصح نكاحها بغير إذن وليها كبيعها سلعتها.

فيقال له: هذه علة مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها، فنكاحها باطل".

ومثال مخالفة الإجماع: أن يقال: مسافر، فلا تجب عليه الصلاة في السفر قياسًا على صومه في عدم الوجوب في السفر بجامع المشقة.

فيقال: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبار المشقة في الصلاة، ووجوب أدائها على المسافر مع وجود المشقة للسفر. =

ص: 254

ومن شروطها - إذا كانت مستنبطة -: أن لا تتضمن زيادة على الأصل، أي: حكمه (1): لأنها إنما تعلم، وتؤخذ من حكم الأصل، فلو أثبت بها حكم الأصل كان دورًا، بخلاف المنصوصة، فإنها تعلم بالنص، فلا مانع من إثبات الزيادة بها.

وبما ذكرنا تبين فساد ما اختاره المصنف من شرط المنافاة وفاقًا للآمدي (2).

وسقط ما يوهم من بناء هذا على أن الزيادة على النص نسخ، وهو مذهب الحنفية (3).

= راجع: المستصفى: 2/ 348، وأدب القاضي للماوردي: 1/ 541، وشرح العضد: 2/ 229، ومختصر البعلي: ص/ 145، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 250، وتشنيف المسامع: ق (110/ أ)، والغيث الهامع: ق (117/ ب - 118 / أ)، وهمع الهوامع: ص / 350 - 351، والآيات البينات: 4/ 55، وفواتح الرحموت: 2/ 289، وتيسير التحرير: 4/ 32، وإرشاد الفحول: ص/ 207.

(1)

ومثلوا له بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا يدًا بيد، سواء بسواء" فتعلل الحرمة بأنه ربما فيما يوزن كالنقدين، فيلزم التقابض مع أن النص لم يتعرض له.

راجع: شرح العضد: 2/ 229، ومختصر البعلي: ص/ 145، وفواتح الرحموت: 2/ 289، وتيسير التحرير: 4/ 33، وشرح الكوكب المنير: 4/ 86، وإرشاد الفحول: ص/ 208، وحاشية البناني: 2/ 251، والآيات البينات: 4/ 55.

(2)

راجع: الإحكام له: 3/ 50.

(3)

تقدم في باب النسخ: 2/ 498.

ص: 255

ومن شروطها: تعيين الوصف المدعى عليته (1)، ولا يكتفى بمطلق الاشتراك في أي أمر كان، ولم يذكره أكثر الفضلاء لوضوح أمره.

ومنها أن لا تكون وصفًا مقدرًا بل محققًا.

كما نقول: جواز التصرف بالبيع، ونحوه معلل بالملك، والملك مقدر (2) لا وجود له (3).

فيقال: الملك وصف محقق اعتبره الشرع، وليس من لوازم المحقق أن يكون موجودًا محسوسًا كالعلم والقدرة / ق (106/ أمن أ) كما تقرر في علم الكلام.

(1) بأن لا يكون الوصف مبهمًا، شائعًا خلافًا لمن اكتفى بذلك، تمسكًا بقول عمر رضي الله عنه:"اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك" فيكفي عندهم كون الشيء مشبهًا للشيء شبهًا ما.

راجع: اللمع: ص/ 59، والتبصرة: ص/ 458، والمسودة: ص/ 389، وأعلام الموقعين: 1/ 148، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 251، وفواتح الرحموت: 2/ 301، وتيسير التحرير: 4/ 53، والآيات البينات: 4/ 57، وإرشاد الفحول: ص/ 208.

(2)

باعتبار أن الملك عند الفقهاء هو معنى شرعي مقدر في المحل أثره إطلاق التصرفات.

راجع: المحلي على جمع الجوامع: 2/ 252.

(3)

قال الإمام الرازي: "الحق أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافًا لبعض الفقهاء. . ." المحصول: 2/ ق/ 2/ 431.

وقد حكى القرافي رأي الإمام في إنكار المقدرات، وعدم صحة التعليل بها وناقشه، ورده، ثم قال:"فإنكار الإمام منكر والحق التعليل، بالمقدرات".

راجع: شرح تنقيع الفصول: ص/ 410 - 411، وهمع الهوامع: ص/ 352.

ص: 256

ومنها: أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه أو خصوصه (1).

مثال الأول: قوله صلى الله عليه وسلم: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" فإنه دال على أن الطعم هو العلة، فيتناول المطعومات على السواء، فلو قيس التفاح على البر كان تطويلًا بلا فائدة.

ومثال الخصوص ما ورد في الحديث: "من قاء، أو رعف فليتوضأ"(2) فلو قيس الرعاف على الخارج من السبيلين، كان خاليًا عن الفائدة.

والحديث يرويه ابن جريج (3) عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبوه ليس له صحبة، فالحديث منقطع.

(1) راجع: شرح العضد: 2/ 229، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 252، والآيات البينات: 4/ 60، وفواتح الرحموت: 2/ 290، وتيسير التحرير: 4/ 33، وإرشاد الفحول: ص/ 208.

(2)

أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، وأخرجه الدارقطني، والبيهقي أيضًا عن ابن جريح عن أبيه مرسلًا، وفي إسناده في الروايتين إسماعيل بن عياش.

قال الحافظ ابن حجر، وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهذا منها، وقال أيضًا: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند الدارقطني وإسناده أضعف من الأول.

وأخرجه أيضًا عن ابن عباس نحوه، وفي إسناده سليمان بن أرقم.

راجع: سنن الدارقطني: 1/ 153، والسنن الكبرى للبيهقي: 1/ 142، وسنن ابن ماجه: 1/ 368، والدراية في تخريج أحاديث الهداية: 1/ 30، وما بعدها.

(3)

هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم المكي أبو الوليد، ويقال: أبو خالد من تابعي التابعين أحد العلماء المشهورين من فقهاء مكة، وقرائهم =

ص: 257

فإن قلت: قد تقدم من كلامه أن شرط القياس أن لا يكون الفرع منصوصًا بموافق خلافًا لمُجَوِّزِ دليلين ثم قال: ولا يشترط انتفاء نص على ما يوافقه، وقد ذكر هنا أن من شرط العلة أن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه فما التوفيق، وما حاصل كلامه أولًا، وآخرًا؟

قلت: قد ذكر المصنف في شرح المختصر أن النص الدال على ثبوت الحكم في الفرع إن كان هو الدال على حكم الأصل بعينه، فالقياس باطل إذ ليس جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أولى من العكس (1) لأن دلالة النص فيهما على السواء.

وإما أن يكون غيره بأن يرد نص يدل على ثبوت الحكم بخصوصه، ثم يوجد نص دال على أصل شاركه الفرع في علته، فهذا يبنى على أن ترادف الأدلة على مدلول واحد يجوز أم لا؟

= ومن أوائل من صنف الكتب. جمع، وصنف، وحفظ، وذاكر، وكان يدلس قاله ابن حبان البستي، وقال عطاء: سيد أهل الحجاز ابن جريح.

وقال النووي: "واعلم أن ابن جريج أحد شيوخنا، وأئمتنا، فالشافعي أخذ عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن حريج عن عطاء عن ابن عباس"، وتوفي ابن جريج سنة (150 هـ).

راجع: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص/ 71، وتأريخ بغداد: 1/ 400، وتهذيب الأسماء، واللغات: 2/ 298، ومشاهير علماء الأمصار: ص/ 145، والمعارف: ص/ 488، وطبقات الحفاظ ص/ 74، وتذكرة الحفاظ: 1/ 169، وطبقات المفسرين للداودي: 1/ 352، وشذرات الذهب: 1/ 227.

(1)

راجع: رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب: 2/ ق/ 137 / أ - 137/ ب.

ص: 258

فالأكثرون على جوازه، وبهذا يظهر أن قوله: ولا يكون منصوصًا بنص موافق هو الذي يتناول الأصل والفرع نص واحد.

وما جوزه ثانيًا هو الذي يكون النص الدال على ثبوت الحكم في الفرع غير النص الدال على حكم الأصل، إلا أن تعليله في المتن لا يوافق مقصوده، لأن جواز الثالث وفاق لمجوزي دليلين، لا أن منع الأول خلاف لهم: لأن القياس في الأول باطل، فلا دليل إلا النص.

فلو قال: وشرط حكم الفرع أن لا يكون منصوصًا، ويجوز بنص وإجماع يوافقه، وفاقًا لمجوزي دليلين على مدلول واحد خلافًا للغزالي (1)، والآمدي، نسلم من هذا كله، واستقام كلامه من كل وجه.

هذا وأما قوله: "وأن لا يتناول دليلها حكم الفرع بعمومه، أو خصوصه"، كلام آخر ساقه في شرط العلة لا تعلق له بما سبق: لأنه من شروط العلة، وما تقدم من شروط حكم الفرع.

قوله: "والصحيح لا يشترط القطع بحكم الأصل".

أقول: هذه أمور شرطها بعضهم في العلة، والصحيح خلافه.

منها: أن يكون الحكم في المستنبطة مقطوعًا به، وليس بشيء: لأن أكثر الأقيسة أصولها ظنية (2).

(1) راجع: المستصفى: 2/ 331، والإحكام للآمدي: 3/ 16، 55.

(2)

انظر: شرح العضد: 2/ 232، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 253، والآيات البينات: 4/ 61، ومناهج العقول: 3/ 115، وتيسير التحرير: 3/ 294، وشرح الكوكب المنير: 4/ 99.

ص: 259

ومنها: مخالفة مذهب الصحابي لأن مذهبه ليس بحجة من الحجج الشرعية (1).

ومنها: القطع بوجودها في الفرع، وهو باطل أيضًا (2)، إذ القياس دليل ظني يكفي فيه وجود العلة بحسب ظن المجتهد، وهل يشترط انتفاء المعارض للعلة التي أبداها المستدل؟

الصحيح عند المصنف اشتراطه لابتنائه على جواز التعليل بعلتين، ومختاره عدم الجواز.

قوله: "والمعارض هنا".

أقول: قد تقدم في شروط الفرع قبول المعارضة، وقيد المعارض بما يقتضي نقيض الحكم، فأشار بقوله هنا إلى أن المعارض يطلق تارة (3) بمعنى المنافي على ما تقدم، وأخرى بشرط عدم التنافي، بل بمعنى الوصف الصالح للعلية، كوصف المعارَض بفتح الراء، أي:

(1) على القول الراجح، راجع المستصفى: 2/ 349، وفواتح الرحموت: 2/ 290، وحاشية البناني: 2/ 253، والآيات البينات: 4/ 62.

(2)

هذا على المذهب الصحيح لأن القياس إذا كان ظنيًا، فلا يضر كون مقدماته، أو شيء منها ظنيًا.

راجع: المستصفى: 2/ 303، والمحصول: 2/ ق/ 2/ 497، وروضة الناظر: ص/ 319، ومختصر الطوفي: ص/ 152، وشرح العضد: 2/ 232، وفواتح الرحموت: 2/ 260، وتيسير التحرير: 3/ 302، وهمع الهوامع: ص/ 353، والغيث الهامع: ق (118/ أ).

(3)

آخر الورقة (106/ ب من أ).

ص: 260

المستدل فكلا الوصفين في الأصل مسلم، وإنما النزاع في الاعتبار، وجعله علة الحكم، ويظهر أثر ذلك في الفرع.

مثاله: التفاح إذا قيس على البر في الربا بعلة الطعم، فللمعترض أن يقول: جاز أن تكون العلة في الأصل الكيل، فلا يكون التفاح ربويًا، وله أن يدعي أن المجموع هو العلة.

وهل يلزم المعترض نفى الوصف الذي ادعى عليته عن الفرع؟

قيل: يلزم وإلا لثبت الحكم به في الفرع، وثم مقصود المستدل.

وقيل: لا يلزمه إذ قصده هدم ما ادعى المستدل استقلاله بالعلية، وهذا هو المختار عنده.

وقيل: إن فرق المعترض بين الأصل والفرع بأن قال بالربا في البر دون التفاح يلزمه ذلك، وإلا فلا، وإلى هذا ذهب ابن الحاجب (1). وما اختاره المصنف أظهر لأن القصد من المعارضة هدم دليل المستدل، وقد حصل، والتعرض لحكم الفرع زيادة استظهار. وفي عبارة ابن الحاجب لزوم بيان نفى الوصف (2)، وحذف المصنف لفظ البيان ناقلًا عن والده أن النفي جاء لازمًا، ومتعديًا، فإذا كان لازمًا، فهو وصف الشيء المنفي، وإذا كان متعديًا، فهو فعل المعترض هكذا نقل عنه.

(1) راجع: المختصر: 2/ 272.

(2)

المرجع السابق.

ص: 261

وأنت خبير بأن لزوم البيان عند القائل بلزومه، لا يتفاوت سواء كان النفي فعل المعترض، أو وصف الشيء بمعنى الانتفاء: لأن كلًا منهما لا يصح بدون الدليل عند ذلك القائل.

وبعض الشارحين (1) زاد في كسر القارورة وقال: إذا كان النفي بمعنى الانتفاء، فالإثبات بمعنى الثبوت، فهما نقيضان، وإذا كان فعل المعترض، فيقابله الإثبات فهما ضدان.

وهذا كلام من لم يدر ما معنى الضد، والنقيض: لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة (2). فالنفي بأي معنى أخذ لا يكون ضدًا لانتفاء الوجود فيه، بل كلا المعنيين من قبيل الإيجاب والسلب، فهما نقيضان.

ولم يرض بما خبط حتى زعم أن عبارة المصنف أحسن، وتفرع على ما ذكر عدم احتياج المعارض إلى أصل يبين اعتبار الوصف الذي أبداه: لأنه لا يدعى عليته استقلالًا ليحتاج إلى شهادة أصل لأن الاحتمال كاف.

وأيضًا فإن أصل المستدل أصله، كما إذا قال: العلة إما الطعم، أو الكيل، أو كلاهما، كما في البر، فلا معنى لمطالبته بأمر مسلم قد تحقق.

قوله: "وللمستدل".

(1) جاء في هامش (أ، ب): "هو الزركشي". راجع: تشنيف المسامع: ق (110/ ب).

(2)

راجع: تشنيف المسامع: ق (110/ ب)، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 254، والغيث الهامع: ق (118/ أ - 118/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 353.

ص: 262

أقول: إذا تقرر أن المعارضة ما هي، وصح قبولها فخلاص المستدل، وإتمام دليله بوجوه:

الأول: منع وجود الوصف كما إذا عارض علية طعم البطيخ بالكيل، فنقول: لا نسلم كونه مكيلًا.

وسند المنع الاتفاق على أن العبرة بزمنه صلى الله عليه وسلم[ومنها: القدح بكونه خفيًا، أو غير منضبط](1).

ومنها: مطالبته بالتأثير بأن يقال: لم قلت: إن الكيل مؤثر؟ وإنما يسمع هذا من المستدل إذا كان مثبتًا للعلة بالمناسبة، أو الشبه.

وأما إذا أثبت بالسبر فلا: لأن الوصف يدخل في السبر لمجرد الاحتمال.

ومنها: أن يبين اعتبار وصفه في صورة مستقلًا بظاهر نص أو إجماع.

مثاله: إذا عورض علية الطعم بالكيل.

نقول: قد ثبت اعتباره في قوله: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء".

وكما إذا قال: يهودي تنصَّر أو بالعكس يقتل؛ لأنه بدل دينه كالمرتد، فيعارض بالكفر بعد الإيمان.

فنقول: قد اعتبر بالنص في موضع آخر علية الوصف، وهو التبديل مطلقًا لقوله:"من بدل دينه فاقتلوه".

(1) ما بين المعكوفتين سقط من (ب) وأثبت بهامشها.

ص: 263

وهذا إنما يقبل لو لم يتعرض للتعميم، وأما إذا تعرض له وقال: فإذا ثبت ربوية كل مطعوم، واعتبار كل تبديل للحديث لم يسمع: لأن ذلك إثبات للحكم بالنص لا بالقياس، وليس من تعميم القياس في شيء.

واعلم أن عطف القدح في الوصف عَلَّ المنع من عطف الخاص على العام؛ لأن القدح منع مقدمة معينة مثل منع كون الوصف ظاهرًا أو منضبطًا، ويسمى عند المناظرين نقضًا تفصيليًا.

والمنع قد يكون بنقص إجمالي، كما يقول المعارض: دليلك ليس بتام، وهذا يحتمل أن يكون لعدم الوصف رأسًا، أو لخفائه، مع وجوده، أو لخلل آخر في مقدمة من المقدمات المعتبرة في الوصف، ولذلك لم يُعدِ المصنف حرفَ الجر بخلاف الثالث، والرابع لاستقلال كل منهما، ولهذا أعاد الجار.

وبعض الشارحين (1) غفل عن رجوع القدح إلى المنع، فجعله طريقًا عامًا، مع أنه ذكر أن المراد قدح خاص: لأن المنع أيضًا قدح، وله خبط كثير في هذا الموضع أعرضنا عنه.

قوله: "ولو قال: ثبت الحكم".

بمعنى لو قال المستدل -في جواب المعارضة-: قد ثبت الحكم عند انتفاء وصفك، هل يكون ذلك جوابًا صحيحًا؟ فيه تفصيل.

(1) هو جلال الدين المحلي: 2/ 255.

وراجع: تشنيف المسامع: ق (111/ أ)، والغيث الهامع: ق (118/ ب)، وهمع الهوامع: ص/ 354، وما بعدها.

ص: 264

وهو أن الوصف الذي اعتبره إن كان موجودًا في تلك الصورة، فما قاله جواب لوجود الانعكاس في وصفه دون وصف المعارض فتبطل عليته. وأما إذا لم يكن وصفه موجودًا لا يكون جوابًا: لأنه كما تبطل علية وصف المستدل تبطل علية وصفه أيضًا لعدم الانعكاس.

وهذا مبني على ما اختاره من عدم جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين وقيل: لم يكف مطلقًا سواء كان معه وصفه، أو لا، لأن الحكم في تلك الصورة ربما كان معللًا بالوصف الآخر.

والحق أنه يكفى، لأن المعترض لم يعتبر ذلك علة، والمستدل قد أثبت علية ما ذكره من غير مانع.

وعند (1) المصنف أنه ينقطع في الصورة التي لا يوجد وصف المستدل فيها: لأنه إما أن يشترط الانعكاس، أو لا، فإن شرط فواضح، لأنه وجد الحكم بدونه، فلا انعكاس، وإن لم يشترط، فلأن إيرادها للقدح في وصف المعارض قادح في وصفه أيضًا.

ومحصل كلامه أن القدح في أحدهما قدح في الآخر، وإذا قدح في وصف نفسه فقد اعترف ببطلانه.

وأقول: هذا وهم منه، لأن المستدل قد أثبت علية الوصف، ومعارضة المعارض لم تبطل علية ذلك الوصف، غايته التوقف.

(1) آخر الورقة (104/ ب من ب).

ص: 265

فإذا بطل علية وصف المعارض بوجود الحكم في تلك الصورة، فقد زال ذلك القدر من التوقف المانع العارض للدليل.

وقد سلم المصنف أن الانعكاس فرضناه غير مشروط.

وبعض الشارحين (1)، قد زعم أن عبارة ابن الحاجب ظاهرة في المذهب الثاني، وأنه ليس جوابًا، سواء وجد وصف (2) المستدل في تلك الصورة، أم لا، ونقل عبارة ابن الحاجب وهى قوله:"ولا يكفي إثبات الحكم في صورة دونه"(3)، ولم يدر أن عبارته صريحة في فساد ما نسبه إليه: لأن قوله لا يكفى بدونه، دال على أنه كاف معه دلالة، لا يتوقف فيها أحد.

وقوله: "ولو أبدى المعترض" إلى آخره.

أقول: إذا عدم وصف المعارض في صورة، وأبدى وصفًا آخر في تلك الصورة خلفًا عنه يسمى تعدد الوضع: لأن التعليل في أحدهما بالباقي على وضع، أي: مع قيد، وفي الآخر مع وضع آخر، أي: قيد آخر، ويزول فائدة إلغاء المستدل وصف المعارض، لوجود خلفه، ويستمر البحث إلى أن يبدي وصفًا يعجز المستدل عن إلغائه، أو يلغي جميع ما أبداه، فتكون الهزيمة في معركة النظر على المعترض.

(1) هو الزركشي في تشنيف المسامع: ق (111/ أ).

(2)

آخر الورقة (107/ ب من أ).

(3)

المختصر مع شرح العضد: 2/ 273.

ص: 266

مثال ذلك: ما يقول الشافعي: أمان العبد صحيح: لاحتوائه الإسلام، والعقل، وهما مظنتان لبذل الأمان.

فيول المعترض: معارض بالحرية، فإنها مظنة فراغ القلب الملائم للنظر والرأي، فالحرية جزء العلة.

فيقول المستدل: لو كانت الحرية معتبرة لما صح أمان العبد المأذون، مع أنه صحيح اتفاقًا.

فيقول المعترض: إذن السيد بدل عن الحرية، لكون العبد حينئذ فارغ القلب فيما يتصدى له.

قال المصنف: إلغاء المستدل الخلف معتبر إلا في صورتين:

إحداهما: دعوى القصور بأن يقول: ما أبديته علة قاصرة، فإنه لا يقبل هذا الإلغاء، لأن العلة القاصرة معتبرة، أو إذا سلم وجود المظنة، ثم زعم ضعف المعنى، كما إذا سلم أن الردة علة القتل.

فيقول المعترض: قيد الرجولية معتبر لأن الرجل مظنة الإقدام على قتال المسلمين.

فيقول المستدل: الرجل مظنة، ولكن لم تعتبر تلك المظنة، وإلا لم يقتل المرتد المقطوع اليدين لأنه أضعف من النساء، وإنما لم تقبل منه، لأنه سلم المظنة إلى اعتبرها الشارع في ربط الأحكام، وضعف المعنى غير قادح.

ألا ترى أن السفر لما كان مظنة المشقة نيط به الرخص، وترفه الملوك لا يمنع تلك الرخص.

ص: 267

وقول المصنف: "بغير دعوى قصوره" مبني على مذهبه، والأولى حذفه، لأن الكلام في إلغاء وصف المعارض، وما هو الطريق فيه مطلقًا، وأما إذا لوحظ مذهب المستدل فللحنفي أن يلغى وصف المعارض بأنه قاصر.

قوله: "ويكفي رجحان".

أقول: إذا رجح المستدل وصفه على وصف المعارض بوجه من وجوه الترجيح، هل يكفيه ذلك؟

الصحيح عند المصنف كفايته بناء على عدم جواز العلتين كما اختاره، فإذا لم يجز العلتان، وقد ترجح وصفه، فلا مانع إذ المرجوح ساقط في مقابلة الراجح.

وفيه نظر: لأنه لا مانع من الجزئية، لأن رجحان بعض الأجزاء جائز، وإن قلنا: لا يجوز التعدد، لكن ربما كانت العلة مركبة.

قوله: "وقد يُعتَرَض".

أقول: قد يعترض على المستدل بعد تسليم اتحاد ضابط الأصل، والفرع باختلاف الحكمة، والمصلحة في الأصل، والفرع، كما إذا قيس اللائط على الزاني في كونه مولج فرج في فرج محرم، فيحد.

فيقال: الحكمة مختلفة، فإنها في الزنى اختلاط النسب، وفي اللواط رذالة الفعل، ودناءه الطبع.

والجواب -عن هذا الاعتراض-: بحذف خصوص الأصل عن الاعتبار، كما يقال: خصوص الزنى ملغى، فالعلة هى القدر المشترك أو يبين أن وجود الحكمة في الفرع هى حكمة الأصل، مع زيادة، إذ في الزنى اختلاط النسب يؤدي إلى ضياع المولود، وفي اللواط إلى الهلاك بالكلية.

ص: 268

قوله: "وأما العلة إذا كانت وجود مانع".

أقول: تعليل الحكم العدمى بالوصف الوجودي، مثل تعليل عدم وجوب القصاص على الأب بمانع الأبوة، وتعليل عدم وجوب الرجم بمانع وجود العزوبة، فلا يلزم وجود المقتضى عند المصنف تبعًا للإمام.

وهذا مبنى على جواز تخصيص العلة صرح بذلك الإمام في المحصول (1).

وأما إذا منع ذلك لا يجوز، بل لا يعقل فضلًا عن وقوعه.

استدل الجمهور على عدم جوازه: بأن عدم الحكم عند عدم المقتضى إنما هو لفقدان الموجب، لأنه لا يعقل المانع إلا إذا تحقق الموجب (2).

فإن قيل: يجوز أن يكون كل منهما علة بناء على جواز ترادف الدليلين على مدلول واحد، وتعليل حكم بعلتين.

قلنا: ليس ذاك مختار المصنف (3).

(1) راجع: المحصول: 2/ ق/ 2/ 438، والمحلي على جمع الجوامع: 2/ 261، وتشنيف المسامع: ق (111/ ب)، والغيث الهامع: ق (119/ ب).

(2)

راجع: شرح العضد: 2/ 232، وشرح تنقيح الفصول: ص/ 411، وفواتح الرحموت: 2/ 292، والآيات البينات: 4/ 75، وتيسير التحرير: 4/ 37، والإحكام للآمدي: 4/ 32.

(3)

جاء في هامش (أ، ب): "ردًا لما قاله المحلي".

وراجع: شرح الجلال على جمع الجوامع: 2/ 261.

ص: 269