المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي - الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

[محمد بن عبد الرحمن الخميس]

الفصل: ‌المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي

محدثا في العبادة ما ليس منها.

ومهما استحسن الإنسان بعقله شيئا في العبادة، فإنه – أي الاستحسان- ليس دليلا على مشروعية تلك العبادة، بل إن هذا الاستحسان قد يكون مصادما لحكم الله تعالى، فلا ينبغي أبدا أن يتعبد لله تعالى إلى بما شرع الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 12

‌المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي

كان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة رضي الله عنهم كما سيأتي ذلك مفصلاً في المبحث الرابع إن شاء الله، وقد أنكر الصحابة هذه البدعة لما ظهرت وقد قلّ انتشار هذه الظاهرة، وخبت بسبب إنكار السلف لها. ثم لمّا كان زمن المأمون، أمر بنشر تلك الظاهرة. فقد كتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. فقد ذكر الطبري في تاريخه في أحداث عام 216 هـ ما نصّه:"وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة، والرصافة، يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، من هذه السنة"(1) وجاء في تاريخ ابن كثير: "وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد، يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس"(2) .

فكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي وبقوة، بسبب مناصرة السلطان لها. ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمرا، أو قولا ما، ونشره بالقوة بين الناس، فلابد

1- تاريخ الأمم والملوك (10/ 281) .

2-

البداية والنهاية (10/ 282) .

ص: 12

أن ينتشر ويذيع، إذ إن الناس على دين ملوكهم.

واستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم (1) .

هذا وقد جمعوا بين أمرين، هما: الذكر الجماعي، والذكر بالاسم المفرد.

وقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا بد من الذكر في جملة لأنها هي المفيدة، ولا يصح الاسم المفرد، مظهرا أو مضمرا، لأنه ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة. ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف.

ومن صور هذا الذكر كذلك أن يزيدوا ياءً في (لا إله إلا الله) بعد همزة لا إله. ويزيدون ألفاً بعد الهاء في كلمة (إله) فتصبح (لا إيلاها) . ويزيدون ياءً بعد همزة إلا وبعد (إلا) يزيدون ألفا فتصبح (إيلا الله) وكل ذلك حرام بالإجماع في جميع الأوقات (2) .

وكذلك يلحن بعضهم في (لا إله إلا الله) ، فيمد الألف زيادة على قدر الحاجة، ويختلس كسرة الهمزة المقصورة بعدها ولا يحققها أصلا، ويفتح هاء له فتحة خفيفة كالاختلاس، ولا يفصل بين الهاء وبين إلا الله (3) .

1- دراسات في الأهواء (ص 282) .

2-

انظر: الإبداع في مضمار الابتداع (317) .

3-

الإبداع في مضمار الابتداع (316) .

ص: 13

وكذلك من صوره أنهم يذكرون بالحَلْقِ، أي يحاولون إخراج الحروف من الحلق، وهذا يلزمهم بفتح أشداقهم، والتقعر في الكلام، والتكلف في النطق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان لأنها هي التي تجمع مخارج الحروف (1) .

وقد تعددت صور ذلك. فمنهم من يجتمعون في بيت من البيوت، أو مسجد من المساجد فيذكرون الله بذكر معين، وبصوت واحد: كأن يقولوا: لا إله إلا الله. مائة مرة (2) . قال الشقيري: "والاستغفار جماعة على صوت واحد بعد التسليم من الصلاة بدعة. والسنة استغفار كل واحد في نفسه ثلاثا، وقولهم بعد الاستغفار: يا أرحم الراحمين جماعة بدعة، وليس هذا محل هذا الذكر"(3) .

ومن صور الذكر الجماعي مما هو موجود عند جماعة من الناس:

1-

الاستغفار عقب الصلاة، والإتيان بالأوراد الواردة أو غيرها بصوت واحد مرتفع (4) . قال الأوزاعي:"حمل الشافعي – رضي الله عنه أحاديث الجهر على من يريد التعليم"(5) .

2 – أو أن يدعو الإمام دبر الصلاة جهرا رافعا يديه، ويؤمن المأمومون ن على دعائه وبصوت واحد (6) .

1- الإبداع في مضمار الابتداع (317) .

2-

السنن والمبتدعات (60) ، وعلم أصول البدع (151) .

3-

السنن والمبتدعات (60)

4-

انظر: علم أصول البدع (151)

5-

إصلاح المساجد (ص 111)

6-

مسك الختام في الذكر والدعاء بعد السلام (123) .

ص: 14

3 – ومنه أن يجتمع الناس في مكان ما – مسجد أو غيره- ويدعون الله، وبصوت واحد إلى غروب الشمس ويجعلون الاجتماع لهذا الذكر شرطا للطريقة (1) .

وقد قال التيجاني: "من الأوراد اللازمة للطريقة ذكر الهيللة بعد صلاة العصر يوم الجمعة مع الجماعة، وإن كان له إخوان في البلد فلا بد من جمعهم وذكرهم جماعة. وهذا شرط في الطريقة"(2) .

وقال: الرباطي: "وترك الاجتماع من غير عذر شرعي يعرض في الوقت ممنوع عندنا في الطريقة، ويعد تهاونا، ولا يخفى وخامة مرتع التهاون"(3) .

وقد أفتى العلماء ببطلان الذكر الجماعي، فقد جاء في بعض الأسئلة الواردة إلى هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية ما نصه:

قال السائل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر (لا إله إلا الله) ، ويقولون في النهاية (الله الله....) بصوت عال. فما حكم فعلهم هذا؟

الجواب: (بعد بيان ضلال هذه الطريقة) . والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: (الله

1- الحوادث والبدع (126) .

2-

تقديس الأشخاص (1/ 336) .

3-

تقديس الأشخاص (1/ 336) .

ص: 15

الله

) أو: (هو هو

) والاجتماع بصوت واحد هذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة (1) .

4 – ومن صور الذكر الجماعي الموجودة أن يجتمع الناس في مسجد وقد وقع البلاء في بلد فيدعون الله بصوت واحد لرفعه.

5 – ومن هذه الصور كذلك ما يحصل عند بعض الناس في أعمال الحج من الطواف والسعي وغيرها، حيث إن بعضهم يؤجرون من يدعو لهم، ويرددون وراءه أدعية معينة لكل شوط، بدون أن يكون لكل واحد الفرصة للدعاء فيما يتعلق بحاجته الخاصة التي يريدها. وقد يكون بعض هؤلاء المرددين لصوت الداعي لا يعرفون معنى ما يدعو به الداعي: إما لكونهم لا يعرفون اللغة العربية. أو للأخطاء التي تحصل من الداعي، وتحريفه للكلام. ومع هذا يحاكونه في دعائه، وهذه الأدعية إنما صارت بدعة من وجهين:

الأول: تخصيص كل شوط بدعاء خاص، مع عدم ورود ذلك. قال الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله:"وأما ما أحدثه بعض الناس: من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأذكار مخصوصة، أو أدعية مخصوصة فلا أصل له، بل مهما تيسر من الذكر والدعاء كافي"(2) .

الثاني: الهيئة الجماعية، مع رفع الصوت، وحكاية ألفاظ بدون

1- البدع وما لا أصل له ص (425) .

2-

التحقيق والإيضاح لكثير من مناسك الحج والعمرة (35) .

ص: 16

تدبر واستحضار معنى.

6-

ومن صور الذكر الجماعي كذلك ما يقع عند الزيارة للقبر النبوي، أو قبور الشهداء، أو البقيع، أو غير ذلك من ترديد الزائرين صوت المزورين، قال الشيخ الألباني –رحمه الله عند تعداده لبدع الزيارة في المدينة النبوية:"تلقين من يعرفون بالمزورين جماعات الحجاج بعض الأذكار والأوراد عند الحجرة، أو بعيدا عنها بالأصوات المرتفعة، وإعادة هؤلاء ما لقنوا بأصوات أشد منها"() .

7 – ومن هذه الصور كذلك اجتماع الناس في المساجد وأماكن الصلوات – ولاسيما في العيدين- ليرددوا التكبير جماعة خلف من يتولى التكبير في مكبر الصوت، ويرددون جماعة بصوت واحد، فهذا كذلك من البدع.

1- مناسك الحج والعمرة في الكتاب والسنة وآثار السلف للألباني (63) رقم (166) .

ص: 17