المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي - الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع

[محمد بن عبد الرحمن الخميس]

الفصل: ‌المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي

‌المبحث السادس: مفاسد الذكر الجماعي

سبق الإشارة إلى بعض مفاسد الذكر الجماعي باختصار ضمن المبحث الرابع. ونظرا لأهمية هذه المسألة فقد أفردتها بهذا المبحث المستقل. فأقول - مستعينا بالله- إن من مفاسد الذكر الجماعي:

الأولى: مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – رضي الله عنهم، فإنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك. ولا شك أن ما خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه الكرام –رضي الله عنهم، فهو بدعة ضلالة. ولو كان خيرا لفعله صلى الله عليه وسلم، ولتبعه في ذلك الصحابة الكرام، ولنقل ذلك عنهم ولا شك. فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم لم يفعلوه. وما لم يكن دينا في زمانهم فليس بدين اليوم.

الثانية: الخروج عن السمت والوقار، فإن الذكر الجماعي قد يتسبب في التمايل، ثم الرقص، ونحو ذلك، وهذا لا يجوز بحال، بل هو مناف للوقار الواجب عند ذكر الله تعالى، وحال أهل الطرق الصوفية معروف في هذا الباب.

الثالثة: التشويش على المصلين، والتالين للقرآن، وذلك إذا كان الذكر الجماعي في المساجد. ولا شك أن المجيزين له يعدون المساجد أعظم الأماكن التي يتم الالتقاء فيها للذكر الجماعي.

ص: 52

الرابعة: أنه قد يحصل من الذاكرين تقطيع في الآيات، أو إخلال بها وبأحكام تلاوتها، أو بأذكار مما يجتمع عليها، كما لو أن أحدهم قد انقطع نَفَسه ثم أراد إكمال الآية فوجد الجماعة قد سبقوه، فيضطر لترك ما فاته واللحاق بالجماعة فيما يقرأون. أو أن يكون بعض القارئين مخلا بالأحكام فيضطر المجيد للأحكام إلى مجاراتهم حتى لا يحصل نشاز وتعارض، ونحو ذلك.

الخامسة: أن في الذكر الجماعي تشبها بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لأداء التراتيل والأناشيد الدينية جماعة وبصوت واحد. وهذا التشبه بأهل الكتاب مع ورود النهي الشديد عن موافقتهم في دينهم دليل واضح على عدم جواز الذكر الجماعي.

السادسة: أن فتح باب الذكر الجماعي قد يؤدي إلى أن تتبع كل طائفة شيخا معينا يجارونه فيما يذكر، وفيما يقول، ولو أدى ذلك إلى ظهور أذكار مبتدعة، ويزداد التباعد بين أرباب هذه الطرق يوما بعد يوم؛ لأن السنة تجمع، والبدعة تفرق.

السابعة: أن اعتياد الذكر الجماعي قد يؤدي ببعض الجهال والعامة إلى الانقطاع عن ذكر الله إذا لم يجد من يشاركه، وذلك لاعتياده الذكر الجماعي دون غيره.

ولا شك أن للذكر الجماعي مفاسد أخرى، وفيما ذكرت كفاية، ولله الحمد.

ص: 53

الخاتمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمن خلال هذا البحث، وما ورد من فيه، يتبين لنا أن الذكر الجماعي ليس له أصل في دين الله تعالى، إذا لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام أنهم يذكرون الله جماعة، ولم يفعله السلف الصالح –رضي الله عنهم، بل أنكروا على من فعل ذلك، ولم تنتشر هذه البدعة إلا بقوة السلطان، وذلك على يد المأمون بن هارون الرشيد، لما أمر به ودعا إليه، ثم اعتاده الناس، وشاع بينهم حتى أصبح عندهم كالفريضة.

وقد احتج أصحاب هذه البدعة بنصوص عامة لا تسعفهم صراحة عند الاستدلال بها. وقد استدلوا كذلك بمصالح - ادعوها- للذكر الجماعي، وقد سقنا – والحمد لله- الجواب عن حجتهم، بل وذكرنا بعضا من مفاسد هذه البدعة في مبحث مستقل خلال هذا البحث، وبينا بعضا من أضرارها على صاحبها، وعلى غيره.

وأسأل الله أن أكون قد وفقت في إخراج هذا البحث، وما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمني، والله ورسوله منه براء، وأسأل الله القبول، والحمد لله رب العالمين.

ص: 54