المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

ال‌ ‌عزفُ على أنوار الذِّكر معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في - العزف على أنوار الذكر

[محمود توفيق محمد سعد]

الفصل: ال‌ ‌عزفُ على أنوار الذِّكر معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في

ال‌

‌عزفُ

على أنوار الذِّكر

معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة

إعداد

محمود توفيق محمد سعد

أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم

في كلية اللغة العربية جامعة الأزهر الشريف

شبين الكوم

1424هـ

الطبعة الأولى: 1424هـ

الحقوق محفوظة للمؤلف

المحتويات

المقدمة

المخل إلى المنهج

الدعوة إلى التدبر

مفهوم التدبر

المبتغَى إليه بالتدبر

مفهوم المعنى القرآني

مجال التدبر والبحث عن المعنى القرآني

مراحل الطريق إلى فقه المعنى القرآني

توطئة

*****************

الفصل الأول

فقه موقع السورة على مدرجة السياق القرآني

تنزلات القرآن

وجه تسمية الفاتحة أم الكتاب

محور المعنى في أم الكتاب

البقرة رأس التفصيل وسنامه

أنواع المعنى القرآني في السورة

علاقة ذلك بتبيان موقع السورة على السياق الكلي

علاقة هذا بغرض عبد القراهر من كتابه (أسرار البلاغة)

مذهب السيوطي في بيان موقع السورة على السياق القرآني

تأويل مذهبه

مذهب شيخنا أبي موسى في علاقة الطواسيم ببعضها وموقع كل على السياق القرآني

عناية البقاعي بموقع السورة في السياق القرآني

بيانه علاقة البقرة بالفاتحة

علاقة آل عمران بالبقرة والفاتحة

مذهبه في تناسل مقاصد السور

مذهبه في تقسم القرآن الكريم إلى مراحل

علاقة مفتتح ومختتم كل مرحلة بمفتتح ومختتم المراحل الأخرى

علاقة السور المفتتحة بالحمد

ومواقعها في السياق القرآني

مذهب السعد التفتازاني

تفصيل البقاعي مذهب السعد

تأويل الفصل بين السور المستفتحة بالحمد

علاقة هذه السور الفاصلة بما قبلها وما بعدها

**************

الفصل الثاني

فقه وحدة سياق السورة ومقصودها الأعظم

وجه تفصيل القرآن إلى سور

دلالة التسمية بالسورة على وحدة المقصد

من إعجاز القرآن عجز الخلائق عن إعادة نسق ترتيب آيات سوره

فريضة العناية بالنظر في أول الكلام وآخره لمن تدبّر

موقف الشاطبي من غاية الفقه وغاية البياني من تدبر القرآن الكريم

أثر ذلك في تدبر وحدة مقصود السورة

لكل سورة طابعها الروحي

مذهب الشيخ دراز

تحقيق المقصود سبيل إلى عرفان تناسب الآيات

تشبيه السورة بالشجرة في تناسبها

تشبيه السورة بالدائرة في بنائها

تكرار القصص ووحدة مقصود السورة

المقصد الكلّي هو الروح المهيمن

روح التركيب عند الرافعي

أثر روح التركيب في تمازج السياقين التشريعي والتكليفي في القرآن

لا تفاوت بين بلاغة ضروب البيان التشريعي والتثقيفي

روافد استصار المقصود الأعظم في السورة:

اسم السورة

منهج التسمية ووجه الدلالة

فاتحة السورة

خاتمةالسورة

تدبر الفروق البيانية بين المعاني الكلية المصرفة في السورة

تدبر المعاني الكلية الخاصة

تدبر الفروق البيانية بين المعاني الجزئية المصرفة في السورة

تكرار أو تصريف نمط تركيبي في سياق السورة

المعجم اللغوي

***********

الفصل الثالث

تقسيم السورة إلى معاقد كلية

اشتمال السور على معانٍ كلية مترابطة

أساس تقسيم السور إلى معاقد كلية

أثر هذا التقسيم

تقسيم سورة البقرة إلى معاقد: المطلع والمقدمة - قلب السورة - خاتمتها

تأصيل ذلك من السنّة والآثار الموقوفة والمرفوعة.

مذهب الشيخ دراز في تقسيمها

ما أذهب إليه في تقسيم سورة البقرة ووجه ذلك الاختيار

علاقة معاقد سورة البقرة ببعضها

************

الفصل الرابع

التحليل البياني لكلمات وجمل وآيات السورة

بين يدي السفر في التأويل

التحليل البياني هو القادر على إضاءة السورة من داخلها

التحليل البياني قراءة تأويلية لبيان السورة

منزلة الذاتية في التحليل البيلاني

ما يقوم عليه المنهج

اهمية العناية بالتصريف البياني عن المعنى القرآني في منهج التحليل البياني

أهميبة العناية بتوجيه القراءات القرآنية في منهج التحليل البياني

التحليل البياني بين التفكيك والتركيب

مجال التحليل البياني للسورة

التحليل البياني للمفردات

التحليل البياني للتراكيب

التحليل البياني للصورة البيانية

التحليل البيان للجرس والإيقاع

فاصلة القول

بيان مهم

هذا الكتاب نشرته في مصر، وقد تمَّ تدريسه لطلاب جامعة الأزهر كلية اللغة العربية في مادة (قاعة البحث البلاغي)

ومن شاء أن يطبعه وينشره في طلاب العلم فله ذلك شريطة الحصول على إذن كتابيّ من المؤلف على عنوانه الآتي:

جمهورية مصر العربية - القاهرة - حدائق الزيتون رقم بريدي 11321

شارع سنَّان باشا رقم 17 - برج حمادة الشفة رقم 411

ص: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» .

أما بعد: فإن كلّ أمة من الأمم تتخذ لنفسها منهاجًا تقيم شؤون حياتها عليه وتجعل لها " دستورًا" تضبط به حركتها وحركة القائمين على شؤونها، وتندبُ ثُلّة من خيرتها للقيام على هذا المنهاجِ وذلك "الدستور" تعلمًا وتفقها ورعاية وتجديدًا وتقويًمًا.

أمر لا تكاد تجد عاقلا ينكرُه.والأمة الإسلامية لم يرض الله عز وجل أن يحمِّلها عِبْءَ تأسيس هذا المنهاج و"الدستور" والحفاظ عليه، فتكفل لها بذلك من فيض رحمانيته ورحيميته، فأنزل صفوة ملائكته "جبريل"عليه السلام على صفوة خلقه أجمعين: سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بأعظم كتاب ومنهاج:القرآن الكريم، ليبنه للناس

{ِ.....وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: من الآية 44)

{.....وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: من الآية 89)

وتكفل بحفظه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) فمُنَزِّلُه هو حافظُه من التحريف والتغيير، وحافظُه من أن يكون في الأمَّة نازلةٌ يعجزُ القرآن الكريمُ عن إحسان بيان سواء الصراط فيها، فجعله كتابا مباركًا:{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأنعام:155)، {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الانبياء:50)

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَأُولُوالأَلْبَابِ} (صّ:29)

فهو دائم الخير والعطاء، ليس كمثله مناهج الخَلْقِ ودساتيرهم المفتقرة إلى تقويم وتجديد وتغيير بحذفٍ وإضافة

تكفّل الله سبحانه وتعالى بذلك، وزاد الأمة تشريفا بأن حَمَلَها إلى أن تقوم بشرف فقهه وفهمه وتدبره واستخراج مكنون أسرار عطائه ونواله

{

فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: من الآية 122)

ص: 2

وحثهم على التدبر: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} (صّ:29)

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} (النساء:82)

{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24)

وهذا التدبّرُ سبيلٌ مُمْتَدٌّ مُتًراحِبٌ تتعدَّدُ مناهج تحقيقه بتعدد الغايات المنشودة من القيام به والثمار المرجوِّ اجتناؤها، فلكلِّ متدبِّرٍطَلِبته وقطُوفٌ يبتغى جناها، وتتعدَّدُ أدواتُه وآلاتُه، وعلى قدر ما يمتلك المرءُ منها ويُحْسِنُ الانتفاعَ بها يكون نواله وعطاؤه.

وهذا ما كان باعثًا لي إلى أنْ أقيمَ هذا الكتابَ، وأنْ أنشرَه في طُلابِ العلم الشريف غاية ووسيلة ومقامًا.

أقيمه وأنشره احتسابًا ليكونَ على ثغرٍ من الثغور التي يتكاثر أعداء الأمة على اقتحامها وإتيان الأمَّة منها، فلم يعد العدوان العسكري المسلح هو السبيل الوحيد إلى امتلاك أعدائنا لديارنا وقلوبنا، بل هم يُمَهِّدُون لذلك بضروب من الغزو، منها الغزو الثقافي والعلمي والخلقي والنفسي، فمن ملك العقول والوجدان ملك الشعوب والأوطان.

وأيّ أمة لا تُعِدّ جندَها على تلك الثغور يجاهدون هذه الضروبَ من الغزوِ اللطيفِ الخبيثِ على قدرِ ما تُعِدُّ جُندَها لميادين الجهادِ المُسلِّح بالسيفِ والرُّمحِ هِيَ أمَّةٌ لا شَكَّ خاسِرةٌ النِّزالَ في ميدان القتال بالسيفِ والرّمحِ، وإن امتلكت أحدثَ وأعظم ما تُنْتِجُهُ البشريّة من أسلحةٍ وإِنْ أحْسَنَتْ استخدامها وتطويرها.

نصرُ أيِّ أمَّةٍ أو هزيمتها مؤسّسٌ على نصرِها أوهزيمتها في ميادين الجهاد الثقافي والعلمي والخلقي والنفسي، فمن ملك هذه الأبعاد من أي أمة ملكها كلها من هنا كان تداعِي الأمم علينا في هذه الميادين أشد وأنكى.

ص: 3

أعداء هذه الأمة – وهم اليوم كُثْر- قد علموا أنَّ الحصن المنيع والحبل المديد المتين الذي لن تضل الأمة ما إن تمسكت به إنَّما هو الكتاب والسنة، ومن ثَم تكالبت وتظاهرت لتفتننا في أمرهما،

هم يعلمون أنهم لن يتمكنوا من العباد والبلاد إلا إذا أحكموا تضليل الأمة في فقه وتدبر الكتاب والسنة،ولذلك تنادت النخبة المثقفة والصفوة المستنيرة بفريضة إعادة قراءة القرآن الكريم قراءة معاصرة.

و (القراءة المعاصرة) أو (إعادة قراءة القرآن) هي كلمة يراد بها غير ما جاءت به السنّة النبوة: تبشيرًا وتكليفا: «إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهذهِ الأمّة عَلَى رَاسِ كُلِّ مِئَةِ عَامٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دينَها» (أبوداود: الملاحم)

القراءة المعاصرة ترمي إلى اتخاذ منهاج يفسر النص في حركة الفعل الإنساني، فلكلّ عصر ومصر قرآنه، لأنَّ القرآنَ حَمَّالٌ ذو وجوه يَصْلُح لكلّ زمان ومكان: يصلح للمسجد والملهى والمرقص

...

ومن ثَمَّ تنادى القوم بما أسموه {تجديد الخطاب الدّيني} وهو ولا شكَّ في هذا إنما يريد منه بعض الناعقين به الآن الإعراض عمَّا جاء عن سلف الأمة في فهم الكتاب والسنّة والإغراء بما جاء في لسان. كثير من أدعياء التنوير العلمانيّ المقيت.

وتسارعت ثلّة ممن ينتسب إلى أهل العلم فنعقت بما نعق به العلمانيون الذين سعوا إلى أن تجري الكلمة {تجديد الخطاب الديني} على لسان كبيرهم حتّى تملك قدسيّة تحجز الألسنة عن أن تنقض أو تنقد.

ليس " تجديد الخطاب الديني" في لسان بطانة السلطان هو التجديد الذي بشرت به الحكمة النبوية.

التجديد الذي هدت إليه السنّة النبوية يرمي إلى تجديد تديُّن الأمة وفق الفهم الصحيح لما جاء به بيان الوحي

تجديد انبعاث الأمة وإقبالها على ربها بما شرعه لها لا بما شرعته هي لنفسها

ص: 4

القرآن الكريم في التجديد النبويّ يَصْلح لكل زمان ومكان بإصْلاحِ كلِّ زمان ومكان، وما من نازلة في عَصْرٍ ومِصْرٍ إلا ولها ما يهدي في شأنها إلى سواء الصراط:{صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} (الشورى:53)

التجديد النبوي في قراءة القرآن الكريم لاستنباط ما يقيم الأمة على محجة بيضاء ليلها كنهارها جلاء ونورًا له ضوابطه وآدابه، وله رجاله:{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ} (النور:37){يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً} (الاسراء: من الآية57)

وهذا ما يسعى إليه هذا الكتاب (العزف على أنوار الذكر:معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآني في سياق السورة)

يسعى إلى أن يشير إلى منهجٍ تدبريًٍّ يعين عَلَى اجتناء المعاني البيانية للقرآن الكريم في سياق السورة تأسيسًا على أنها وحدة التحدّي الصغرى؛ لتكون زادًا إلى حسن فقه مراد ربنا جل جلاله -َ منا، فنسعى إلى التصاعد في سبيل تحقيق ما يحب عز وجل ويرضى.

وهذا الذي أسْطُرُه منهاجًا تدبريًّا لبيان القرآن الكريم لايَسْتَهْتِرُ بتطبيق ما يقوم فيه من أصولٍ كليّةٍ ومعالمَ إرشادِيّةٍ تحْمِلُ النَّاظِرَ فيها إلى غايةٍ شريفةٍ نبيلةٍ، ولكنَّها لاتحمُله عليها

منهاجٌ يُقِيمُك على مقرُبةٍ لِتُبْصِرَ، ولا يُقِيمُك فِيه فَتُؤسَرَ، يغريك تجريبًا، ولا يَقْسِرُك تطبيقًا. في التطبيق تقديس، وفي التّجريب تقويم وتزكية

كلّ تجْريبٍ يُضِيفُ إلى المنهاج ما يُحَقِّقُ له التَّخلُّصَ مما غيرُه أزكى وأندَى

ص: 5

التطبيق يسْطِيعُه ناشئٌ قد لايملك التّحصُّنَ ممَّا قدْ يَأْتَلِقُ من المنهاج الذي بين يديه؛ لأنَّه يمكث قي المنهج، فيأسره، ولا يملك أن يَجُوسَ خلاله يَسْتَكْشِفُ عَوَارَهُ، فإذا هو بتطبيقه يلقِي على ذلك المنهاجِ طَيْلَسَانَ التّقديس

والتجريب لايقوم به إلا مُتَمكّنُ من استيصارِ أبعاد المنهاج الذي بين يديه نافذ البصيرة فيه، فلا يسيطرُ المنهاج علَيْهِ؛ لأنه لا يمكث في المنهاج بل يقيمه بين ناظريه، يتفرَّسُهُ فيقوم ويسدّد.

صاحب المنهاج هو أقرب إلى التطبيق منه إلى التجريب مالم يكن فحلا، ذلك انَّ صاحبَ المنهاجِ وثيق الاعتلاق بما وضع من أصوله ومعالمه، إذ هو وليد قلبه ولسانه، فقد يغفُل، فلا يفتش عمّا فيه من خَلَلٍ، وذلك غير حميد، وإنجاز التجريب من الآخر آمَنُ عُقْبَى، وأوفرُ ثمرًا

والربّانيون من أهل العلْم لا يحملون تلاميذهم على مناهجهم، بل يحملونهم إليها حمل إبانة، ويغرونهم بالمناقدة المؤسَّسة على عرفانٍ نافذٍ محيط بما هم قائمون له، ويذكرونهم بأنَّهم في سياق المناقدة والتفتيش عن الأعلى والأزكى والأذكى (الأكمل) قائمون في طاعة سيدهم النبي المكرم سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مؤذنًا فينا:

«لا تكونُوا إِمّعَةً:

تقُولُونَ: إِنْ أحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أَسَاءوا فَلا تَظْلِمُوا»

(رواه الترمِذي: كتاب البِرّ - حديث: 2007)

ص: 6

وفي تسميته الإساءة في العمل: قولا وفعلا ظلمًا دلالة بينة على أنَّ من لم يجتهد في البلوغ بعمله: قولا وفعلا درجة الإحسان، فإنَّه ظالمٌ نفسَه أَوَّلا؛ إذ حرمها أن تكون مع المحسنين في الدنيا والآخرة، وصحبة أولئك هي النعيم العظيم، وإنّه أيضًا ظالمٌ أمَّتَهُ؛ إذ حرمها أن تنعم بنعمة ما هو الحسن قولا وفعلا، وقد حثّنا بيان الوحي قرآنا وسنة على أن نحسن إلى الصاحب بالجنب، فكيف بمن فوقه؟!!

وتدبر قوله صلى الله عليه وسلم َ:" وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ " فإنّها هادية إلى الإبلاغ في ترويض النفس وتهذيبها وتدريبها على أن تسكن إلى الإحسان وإن تفردت به، ولم تجد لها عليه ناصرًا ومعينا.

وفي هذا هداية إلى أن العقبى لمن أحسن وإن قلَّ عددا،، فلا اغترار لمسلم بما كثر عدده وساء عمله، ولا اغترار بأن الصواب مع الأغلبية، فلم تكن الأغلبية في معايير أهل الفضل أبدًا لكن في قوم يستنصرون بالدهماء والغوغاء، ولا ينظرون إلى الأمرِ فِي نفسه، بل إلى من هو قائم له وبه، فالحق عندهم ما قام به الأغنياء والصفوة من بطانة السلطان وحزبه، والقرآن الكريم يقررغير ذلك: يقرر أن أكثر النَّاس لا يعلمون:

{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} (الأنعام:116)

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (الأعراف: من الآية187)

{وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ) (هود: من الآية17)

إن ما جاء في بيان الوحي قرآنًا وسنة في الدعوة إلى الإنقان والإحسان لَجِدُّ كثير لا يتسع المقام للإشارة إليه.

ص: 7

والله سبحانه وتعالى أسأله هداية إبانة وإعانة وأسأله أن يصحِّح نياتنا ويجعلَها خالصة له من قبل إِقْدَامِنا وفي سعينا، وعاجل أمرنا وآجله، وأن يرفع ذكرنا بالقرآن الكريم بين عباده الصالحين في الدنيا والآخرة.

وصَلّى وسلّم وبارك على عبده ونبيه ورسُولِه سيدِنا محمّدٍ بنِ عبدِ الله وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وأُمَّتِه فِي كُلِّ لَمْحَةٍ وَنَفَسٍ عَدَدَ خَلقهِ وَرِضَاءَ نَفْسِه وزنّةَ عرْشِهِ وَمدادَ كَلِمَاتَه، كَما يُحِبُّ وَيَرْضى صلاة وسلاما وبركة يجمعنا بها مع عبده ونبيه سيدنا محمد صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا يوم القيامة في فردوسه الأعلى آمين أمين آمين رَ بَّ العالمين.

لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وكتَبَه

محمود توفيق محمد سعد

أستاذ البلاغة والنقد ورئيس القسم في كلية اللغة العربية

جامعة الأزهر الشريف (شبين الكوم)

القاهرة - حدائق الزيتون

رجب المعظم: 1424

ص: 8