المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها - العلمانية وموقف الإسلام منها

[حمود الرحيلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأول: في تعريف العلمانية ومفهومها

- ‌المبحث الأول: تعريف العلمانية في اللغة والاصطلاح

- ‌المبحث الثانيالتضليل والخداع في تسميتها

- ‌المبحث الثالثمراحل العلمانية أو (صورها)

- ‌الفصل الثاني: أسباب ظهور العلمانية وآثارها في الغرب

- ‌المبحث الأول: أسباب ظهور العلمانية وظروف نشأتها في الغرب

- ‌المطلب الأول: طغيان رجال الكنيسة

- ‌المطلب الثاني: الصراع بين الكنيسة والعلم

- ‌المطلب الثالث: الثورة الفرنسية

- ‌المطلب الرابع: نظرية التطور

- ‌المطلب الخامس: طبيعة التعاليم النصرانية

- ‌المطلب السادس: دور اليهود

- ‌المبحث الثانيآثار العلمانية في الغرب

- ‌الفصل الثالثالإسلام يتنافى مع العلمانية

- ‌الفصل الرابع: عوامل إنتقال العلمانية إلى العالم الإسلامي وآثارها السيئة علية

- ‌المبحث الأول: عوامل انتقالها إلى العالم الإسلامي

- ‌المطلب الأول: انحراف كثير من المسلمين عن العقيدة الصحيحة

- ‌المطلب الثاني: الاستعمار الغربي والشرقي

- ‌المطلب الثالث: الغزو الفكري

- ‌المطلب الرابع: المستشرقون

- ‌المطلب الخامس: المنصرون

- ‌النطلب السادس: الأقليات غير المسلمة داخل المجتمعات الإسلامية

- ‌المطلب السابع: تقدم الغرب الهائل في مضمار العالم الإسلامي

- ‌المطلب الثامن: البعثات إلى الخارج

- ‌المبحث الثانيآثار العلمانية السيئة على العالم الإسلامي

- ‌الفصل الخامسموقف الإسلام من العلمانية

- ‌المبحث الأولحكم الإسلام من العلمانية

- ‌المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها

- ‌المبحث الثالث: التطبيق العلمي للإسلام

- ‌الخاتمة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها

‌المبحث الثاني: عمد وقواعد العلمانية وتفنيدها

المبحث الثاني

عمد وقواعد العلمانية

لم أجد من كتب عن عمد وقواعد العلمانية، وإنما أثبت ما أوردته هنا اعتماداً على الاستقراء لأفكار ومباديء العلمانيين، وقد لخصت ذلك فيما يلي:

1-

ينكر بعض العلمانيين وجود الله تعالى، ويهملون أمور الغيب، من بعث وثواب وعقاب وغير ذلك، وبعضهم يفصل بين وجود الله سبحانه، وبين تأثيره في الحياة1.

ومما لاشك فيه أن الله تعالى فطر الناس على وجوده ووحدانيته

قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} 2 وكل الأدلة الشرعية والبراهين العقلية وغيرها، تدل دلالة قاطعة على ذلك.

وفي كل شيء له آيةٌ

تدلُ على أنه واحدُ

ولقد بينا ذلك في غير هذا البحث3.

وهذه العقيدة القائمة على الإلحاد ينشأ عنها مجتمع لا يؤمن بالله الواحد الأحد، ولا يؤمن باليوم الآخر، وما فيه من الثواب والعقاب، ولا يؤمن بدين، ولا يعترف بخلق، وإنما ينشأ عنه مجتمع غايته متع الحياة وملذاتها، ولذلك فإن قبول العلمانية في أي مجتمع معناه تبني الإلحاد والمروق من

1 الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها ص 91.

2 سورة الروم الآية (30) .

3 انظر بحثنا عن الشيوعية، وموقف الإسلام منها.

ص: 405

الإسلام وردة صريحة عن دين الله الذي ارتضاه لعباده حتى ولو كانت العلمانية بمعناها المعتدل في مرحلتها الأولى.

2-

إقامة حاجز بين عالمي الروح والمادة، والقيم الروحية لديهم سلبية، وإقامة الحياة على أساس مادي.

والعلمانيون بهذا المبدأ يفرضون على الإنسان قوانين لا تلائم تكوينه الذاتي، القائم على التوازن الدقيق بين المادية والروحية، فإنها تتعرض دائما للتمرد والعصيان، الأمر الذي يدفعها دائماً إلى إعادة النظر في قوانينها ونظمها وتغيير مناهجها، وذلك من أجل تقبل الناس لها ومحاولة للتوازن والتوافق1.

والمجتمعات العلمانية عامة تقوم على أساس الإشباع المادي للإنسان، مع إهمالها تماماً للناحية الروحية والنفسية؛ لأنها استبعدت الدين من مجال الحياة، وأقامت حضارة غربية أفقدت الرؤية الواضحة للإنسان، وحولته إلى حيوان يأكل ويشرب، ولا هم له غير ذلك، وأغلب ما يقع اليوم من الجرائم والمآثم، إنما هو بسبب هذا الإشباع المادي، وثمرة الكفر بالله واليوم الآخر، وأثر من آثار التنكر للحق، والاستهانة بالأخلاق.

ومن ثَم كانت هذه النظرة المادية للحياة نظرة من شأنها أن تباعد بين الإنسان وفطرته الخيّرة، وتسلخه من الطيبة والسماحة، وتميت فيه عاطفة المحبة والرحمة، وتجعل منه عدواً لنفسه وللبشرية، وتجعله شر ما يدب على الأرض؛ قال تعالى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} 2.

1 العلمانية المنشأ والأثر، زكريا فايد 133.

2 سورة الأنفال، الآيتان (22، 23) .

ص: 406

أما الإنسان في ظل الإسلام المتمسك به عقيدةً وشريعة ومنهج حياة، فإنه سوف يعيش مكرما معززاً، لأنه يعيش حياته وفقاً لشرع الله الذي يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} 1 وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2

3-

فصل الدين عن السياسة، أو إقامة الحياة على غير الدين.

إن العلمانية بفصلها الدين عن الدولة، أو إقامة الحياة على غير الدين، تفتح المجال للانتماءات الوضعية والطبقية والمذهبية والقومية وغيرها.

والهدف من فصل الدين عن السياسة وعن شؤون الحياة، هو هدم العقيدة الصحيحة، وإخراج الناس من نور التوحيد إلى ظلمات الشرك الإلحاد، وإحلال القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية، وإبعاد الإسلام عن التطبيق العملي.

وهذه الفكرة بعيدة كل البعد عن عقيدة الإسلام وشريعته، فالله –تعالى - يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ

1 سورة الإسراء، الآية (70) .

2 سورة النحل، الآية (97) .

ص: 407

ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} 1.وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} 2.

إن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه كل ما تحتاج إليه البشرية في كل زمان ومكان، من خيري الدنيا والآخرة.

وفصل الدين عن الدولة أساس العلمانية التي نادى بها الغرب، ولجأ إليها كرد فعل لاضطهاد الكنيسة للعلم والعلماء، لا يبرر إبعاده للدين عن شؤون الحياة؛ لأنه لو اتجه إلى الإسلام دون تعصب أو غرور لوجد فيه ضالته وهدايته.

4-

العلمانية تقوم على تطبيق مبدأ النفعية (البراجماتية) 3مع كل شيء في الحياة.

والبراجماتية تقوم على إنكار وجود الله وألوهيته، وتنكر الدين والأخلاق، وتجعل المنفعة المادية العاجلة وحدها المسيطرة على هذا المذهب، وهى أساس أي عمل أو فكرة، وتجعل مصلحة الإنسان لنفسه فوق مصالح الآخرين حتى ولو أضرَّ بهم4.

1 سورة المائدة، الآية (49) .

2 سورة النحل، الآية (89) .

3 يتلخص مذهب (البراجماتية) في أنه يقيس القضية بنتائجها العملية، ويرى أتباعها أن قيمة المعتقدات والقيم الخلقية نابعة من أثرها، فما حقق منفعة للإنسان، فهو خير وصحيح، والعكس بالعكس، ومن أبرز روادها: وليم جيمس، وتشارلز برس، وجون ديوي.

انظر: اتجاهات في الفلسفة المعاصرة عزمي إسلام 85، العصرانية ص50، والاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها 65.

4 الاتجاهات الفكرية المعاصرة وموقف الإسلام منها 66، 68، الموسوعة العربية الميسرة 1/335.

ص: 408

أما الإسلام فقد جاء بما يكفل الخير والصلاح لكل الناس، وجميع المصالح والمنافع في الإسلام يسودها التعاون والإيثار والمحبة، وابتغاء الأجر والمثوبة من الله تعالى.

قال تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} 1وقال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} 2وقال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} 3وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} 4.

وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّجَ الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة"5.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة

1 سورة النساء، الآية (114) .

2 سورة البقرة، الآية (195) .

3 سورة البقرة، الآية (272) .

4 سورة المائدة، الآية (2) .

5 صحيح البخاري بشرح الفتح 5/97 كتاب المظالم رقم 2442، ومسلم 4/1996 كتاب البر والصلة والآداب رقم 2580.

ص: 409

صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة" 1 إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة في هذا الشأن.

5-

تعتمد العلمانية على مبدأ (الميكيافيلية) 2 في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق. وهو مبدأ يقوم على أن (الغاية تبرر الوسيلة) مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق، ومهما كانت حسنة أو سيئة3.

وهذا الاتجاه المنحرف إذا أُخذ على إطلاقه، فَهو طريق كل المنحرفين الظالمين المفسدين في الأرض، والأخذ بهذا الاتجاه - المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية - لتحقيق غايات الأفراد أو الجماعات هو نذير دمار عام وشامل لكّل الشعوب التي تأخذ به.

إن الرذائل الخلقية التي تقتضيها المكيافيلية مقبولة عند دعاتها إذا كانوا يمارسونها هم ضد غيرهم، ومرفوضة إذا كان غيرهم يمارسها ضدهم، وهذا تناقض منطقي بدهي، لا يلتزم به من يحاكم الأمور بعقله، ولكن يكابر فيه من يحاكم الأمور بأهوائه، وشهواته، ومصالحه الخاصة.

1 صحيح البخاري بشرح الفتح 5/309 كتاب الصلح رقم 2707، ومسلم 2/699 كتاب الزكاة رقم 1009 واللفظ له.

2 نسبة إلى ميكافيلي نيقولا (1469-1527م) إيطالي الجنسية، وهو أول المفكرين السياسيين الأوروبيين، اشتهر بكتابه (الأمير) الذي فيه دعوة صريحة إلى فصل السياسة عن الدين والأخلاق، ووضع مبدأً عملياً لها وهو (الغاية تبرر الوسيلة) .

انظر: كواشف زيوف ص379، وموقف الإسلام من نظرية ماركس ص612.

3 انظر: كواشف زيوف ص380، ومذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب ص466، والموسوعة الميسرة ص370.

ص: 410

إن من المعروف في الحياة أن لكل إنسان، ولكل مجموعة بشرية، مطالب نفسية، وحاجات جسدية، وأنه لابد لتحقيق أي مطلب من مطالب النفس، وأية حاجة من حاجات الجسد من اتخاذ وسيلة إلى ذلك.

فهل يصح في عقل أي إنسان عاقل اتخاذ أية وسيلة في الدنيا، مهما كان شأنها عظيماً، لأية حاجة مهما كان شأنها حقيراً تافهاً؟

فإذا كانت الغايات مطلقاً تبرر أية وسيلة دون قيد أو شرط، فما أجدر المكيافيلي الذي يأخذ بهذه الفكرة الفاسدة أن ينحدر إلى أخس مرتبة يمكن أن تُتصور في الوجود، ويُرد إلى أسفل سافلين1.

والإسلام يراعي الحق والعدل والخير والفضيلة، ويأمر المسلمين بالتزام ما أمر الله به من الخير واجتناب ما نهى عنه من الشر، وغايات الإنسان يجب أن تكون مقيدة بشرع الله تعالى، فلا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بالوسائل المحرمة.

1 انظر: كواشف زيوف ص382-387 باختصار وتصرف.

ص: 411