الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ظواهر لفظية دلالتها موقوفة على انتفاء عشرة أمور لا يُعلَم انتفاؤها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
ويا لله العجب! كيف كان الصحابة والتابعون قبل وضع هذه القوانين التي أتى الله بنيانها من القواعد، وقبل استخراج هذه الآراء والمقاييس والأوضاع؟ أهل كانوا مهتدين مكتفين بالنصوص، أم كانوا على خلاف ذلك، حتى جاء المتأخرون، فكانوا أعلمَ منهم، وأهدى وأضبط للشريعة منهم، وأعلم بالله وأسمائه وصفاته وما يجب له ويمتنع
(1)
عليه منهم؟ فوالله لأن نلقى الله
(2)
بكلِّ ذنبٍ ما خلا الإشراكَ به
(3)
خيرٌ من أن نلقاه بهذا الظن الفاسد والاعتقاد الباطل.
فصل
وهذه نبذة يسيرة من
كلام الإمام أحمد في السياسة الشرعية:
قال في رواية المرُّوذي
(4)
وابن منصور: المخنَّث ينفى لأنه لا يقع منه
(5)
إلا الفساد والتعرض له. وللإمام نفيُه إلى بلد يأمن فساد أهله، وإن خاف به عليهم حبَسَه
(6)
.
(1)
في النسخ المطبوعة: «وما يمتنع» بزيادة «ما» .
(2)
في النسخ المطبوعة: «يلقى الله عبده» ، زادوا «عبده» لما صحفوا «نلقى» ، و «نلقاه» فيما يأتي إلى «يلقى» و «يلقاه» .
(3)
«به» ساقط من النسخ المطبوعة.
(4)
في النسخ المطبوعة بالزاي كما في ب.
(5)
في ز، ك:«منهم» ، والمثبت من ب و «بدائع الفوائد» .
(6)
ورد قول الإمام أحمد هذا وما يليه في «بدائع الفوائد» (3/ 1121 - 1122) بعنوان «فوائد من السياسة الشرعية نصَّ عليها الإمام أحمد» . وانظر رواية المروذي مختصرة في «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى (1/ 279).
وقال في رواية حنبل فيمن شرب خمرًا في نهار رمضان، [253/أ]
(1)
أو أتى شيئًا نحو هذا: أُقيمَ عليه الحدُّ
(2)
، وغُلِّظ عليه، مثل الذي يقتل في الحرم دية وثلث.
وقال في رواية حرب: إذا أتت المرأةُ المرأةَ تُعاقبان وتُؤدَّبان.
وقال أصحابنا: إذا رأى الإمامُ تحريقَ اللوطي بالنار فله ذلك، لأن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر رضي الله عنه أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلًا
(3)
يُنكَح كما تُنكَح المرأة، فاستشار أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم علي بن أبي طالب، وكان أشدَّهم قولًا، فقال: إن هذا الذنب لم تعصِ
(4)
به أمةٌ من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يُحرَّقوا بالنار. فأجمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يُحرَّقوا بالنار. فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد أن يُحرَّقوا، فحرَّقهم
(5)
. ثم حرَّقهم ابن الزبير، ثم حرَّقهم هشام بن عبد الملك
(6)
.
(1)
الكراسة الأخيرة من الأصل (ز) من هنا مكتوبة بخط متأخر. وسنشير إلى هذه التكملة بالرمز (خز). وقد وفق الله سبحانه بالعثور على الكراسة الساقطة ضمن مجموع، فتستمر الإشارة إليها برمز الأصل (ز).
(2)
في النسخ المطبوعة: «الحدُّ عليه» .
(3)
خز: «رجل» ، يعني: «وُجِد
…
رجل».
(4)
في النسخ المطبوعة: «تعص اللهَ» بزيادة لفظ الجلالة.
(5)
تقدم تخريجه قريبًا.
(6)
نقل المصنف التحريق عنهما في «روضة المحبين» (ص 508) عن الآجري. انظر كتابه «ذم اللواط» (ص 58). وانظر: «الطرق الحكمية» (1/ 39) و «بدائع الفوائد» .
ونصَّ الإمام أحمد فيمن طعن على الصحابة أنه قد وجب على السلطان عقوبته. وليس للسلطان أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب، وإلا أعاد العقوبة.
وصرَّح أصحابنا في أن النساء إذا خيف عليهن المساحقة حُرِّم خلوةُ بعضهن ببعض. وصرَّحوا بأن من أسلم وتحته أختان فإنه يُجبَر على اختيار إحداهما. فإن أبى ضُرِب حتى يختار. قالوا: وهكذا كلُّ من وجب عليه حقٌّ، فامتنع من أدائه، فإنه يُضرَب حتى يؤدِّيه
(1)
.
وأما كلام مالك وأصحابه في ذلك، فمشهور.
وأبعَدُ الناس من الأخذ بذلك الشافعي رحمه الله تعالى مع أنه اعتبر قرائن الأحوال في أكثر من مائة موضع، وقد ذكرنا منها كثيرًا في غير هذا الكتاب
(2)
.
منها: جواز وطء الرجل المرأة ليلة الزفاف، وإن لم يرها ولم يشهد عدلان أنها امرأته، بناء على القرائن.
ومنها: قبول الهدية التي يوصلها إليه صبيٌّ أو عبد أو كافر، وجواز أكلها والتصرف فيها، وإن لم يشهد عدلان أن فلانًا أهدى لك كذا، بناءً على القرائن. ولا يشترط تلفظه ولا تلفظ الرسول بلفظ الهبة والهدية.
(1)
انظر ما نقله صاحب «الإنصاف» (30/ 109) عن شيخ الإسلام.
(2)
لعل المقصود «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (1/ 48 - 63).
ومنها: جواز تصرُّفه في بابه بقرع حلقته ودقِّه عليه، وإن لم يستأذنه في ذلك.
ومنها: استدعاء المستأجر للدار والبستان لمن شاء من أصحابه وضيوفه وإنزالهم عنده مدة، وإن لم يستأذنه نطقًا، وإن تضمَّن ذلك تصرُّفَهم في منفعة الدار وإشغالهم الكنيفَ وإضعافهم
(1)
السُّلَّمَ ونحوه.
ومنها: جواز الإقدام على الطعام إذا وضعه بين يديه وإن لم يصرِّح له بالإذن لفظًا.
ومنها: جواز شربه من الإناء وإن لم يقدِّمه إليه، ولا يستأذنه.
ومنها: جواز قضاء حاجته في كنيفه وإن لم يستأذنه.
ومنها: جواز
(2)
الاستناد إلى وسادته.
ومنها: أخذُ ما ينبذه رغبة عنه من الطعام وغيره، وإن لم يصرِّح بتمليكه له.
ومنها: انتفاعه بفراش زوجته ولحافها ووسادتها وآنيتها، وإن لم يستأذنها نطقًا؛ إلى أضعاف أضعاف ذلك.
وهل السياسة الشرعية إلا من هذا الباب. وهي اعتمادٌ
(3)
على القرائن التي تفيد القطع تارةً، والظن الذي هو أقوى من ظن الشهود بكثير تارةً؟
(1)
في حاشية ك: «وإصعادهم» ، كأنه اقتراح بعض القراء.
(2)
لم يرد «جواز» في ز، خز.
(3)
ب: «الاعتماد» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
وهذا باب واسع قد
(1)
تقدَّم التنبيه عليه مرارًا، لا يستغني
(2)
عنه المفتي والحاكم.
فصل
فلنرجع إلى فتاوى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرِ طرفٍ من فتاويه في الأطعمة.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الثوم: أحرام هو؟ فقال: «لا، ولكني أكرهه من أجل رائحته» . ذكره مسلم
(3)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو أيوب: هل [253/ب] يحِلُّ لنا البصل؟ فقال: «بلى، ولكن
(4)
يغشاني ما لا يغشاكم». ذكره أحمد
(5)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضب، أحرام هو
(6)
؟ فقال: «لا، ولكن لم يكن بأرض
(1)
ك: «وقد» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2)
في النسخ المطبوعة: «ولا يستغني» .
(3)
برقم (2053) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
(4)
ك: «ولكني» . وكذا في النسخ المطبوعة.
(5)
في «المسند» (23507) من حديث أبي أيوب الأنصاري، من طريق جابر بن سمرة. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» (6596) ولكن فيه ذكر الثوم دون البصل. ورواه الترمذي (1807) وصححه، من حديث جابر بن سمرة قصة أبي أيوب، بذكر الثوم. ورواه ابن ماجه (3364) من حديث أم أيوب الأنصارية بذكر الثوم، صححه ابن خزيمة (1671) وابن حبان (2093)، ولكن عندهما:«بعض البقول» . وورد النهي عن البصل عند البخاري (855) ومسلم (564).
(6)
لم يرد «هو» في ز، خز.
قومي، فأجدني أَعافُه». متفق عليه
(1)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن السَّمْن والجُبْن والفِرَاء، فقال:«الحلال ما أحلَّه الله في كتابه، والحرام ما حرَّمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه» . ذكره ابن ماجه
(2)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الضبع، فقال:«أوَ يأكل الضبعَ أحد؟» . وسئل صلى الله عليه وسلم عن الذئب، فقال:«أوَ يأكل الذئبَ أحدٌ فيه خير؟» . ذكره الترمذي
(3)
. وعند ابن ماجه: قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «ومن يأكل الضبع؟» .
وإن صحَّ حديث جابر
(4)
في إباحة الضبع، فإن في القلب منه شيئًا، كأنَّ هذا الحديث يدل على ترك أكله تقذُّرًا أو تنزُّهًا. والله أعلم.
وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، فقالت: إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم، وكلُوا» . ذكره البخاري
(5)
.
(1)
البخاري (5391) ومسلم (1946) من حديث خالد بن الوليد.
(2)
برقم (3367) وقد تقدم.
(3)
برقم (1792)، وابن ماجه (3235، 3237)، والطبراني (4/ 102)، من حديث خزيمة بن جَزْء. وفيه عبد الكريم، ضعيف. والحديث ضعفه البخاري في «التاريخ» (3/ 206)، والترمذي، وابن حزم في «المحلى» (7/ 402)، وابن عبد البر في «التمهيد» (1/ 161)، وغيرهم.
(4)
سبق تخريجه.
(5)
برقم (2057).
وسأله صلى الله عليه وسلم اليهود، فقالوا: إنَّا نأكل
(1)
ما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إلى آخر الآية [الأنعام: 121].
هكذا ذكره أبو داود
(2)
، وأن الذي سأل هذا السؤال هم اليهود. والمشهور في هذه القصة أن المشركين هم الذين أوردوا هذا السؤال، وهو الصحيح. ويدل عليه كون السورة مكية، وكون اليهود يحرِّمون الميتة كما يحرِّمها المسلمون، فكيف يوردون هذا السؤال، وهم يوافقون على هذا الحكم؟ ويدل عليه أيضًا قوله:{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121]. فهذا سؤال مجادلٍ في ذلك، واليهود لم تكن تجادل في هذا.
وقد رواه الترمذي
(3)
بلفظ ظاهره أن بعض المسلمين سأل هذا السؤال، ولفظه: أتى ناسٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أنأكل مما نقتل، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} إلى
(1)
خز: «أنأكل» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2)
برقم (2819)، والطبري في «التفسير» (5/ 328)، والبيهقي (9/ 240) من حديث ابن عباس، من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه موصولًا. وعطاء مختلط يرفع الأحاديث عن سعيد بن جبير. ورواه ابن أبي حاتم في «التفسير» (4/ 1378) مرسلًا، وضعفه ابن كثير في «التفسير» (2/ 177).
(3)
برقم (3069) من حديث ابن عباس. من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير كالحديث السابق، وهو مختلط. ورواه أبو داود (1818) وابن ماجه (3173)، من طريق سماك عن عكرمة، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. وقال الترمذي: حسن غريب.
قوله: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 118 - 121]. وهذا لا يناقض كون المشركين هم الذين أوردوا السؤال
(1)
؛ فسأل عنه المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا أحسب قوله: «إن اليهود سألوا عن ذلك» إلا وهمًا من أحد الرواة. والله أعلم.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، إني إذا أصبتُ اللحم انتشرتُ للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرَّمتُ عليَّ اللحم. فأنزل الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا} [المائدة: 87 - 88]. ذكره الترمذي
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ثعلبة الخُشَني، فقال: إن أرضنا أرض أهل كتاب، وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن لم تجدوا غيرها فارحَضُوها
(3)
، واطبخوا فيها، واشربوا». قال: قلت: يا رسول الله، ما يحِلُّ لنا، وما يحرُم علينا؟ قال:«لا تأكلوا لحم الحُمُر الإنسية، ولا يحِلُّ أكلُ كلِّ ذي ناب من السباع» . ذكره أحمد
(4)
. وقد ثبت
(1)
ك: «هذا السؤال» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2)
برقم (3054) من حديث ابن عباس. ورواه أيضًا الطبري في «التفسير» (10/ 520)، والطبراني (11/ 350)، من طريق عثمان بن سعد موصولًا، وهو ضعيف. ورواه الطبري (10/ 514، 515) مرسلًا، وهو الصواب. وهو الذي أشار الترمذي إلى ترجيحه.
(3)
أي اغسلوها.
(4)
في «المسند» (17737) وقد تقدم.
عنه في «صحيح مسلم»
(1)
من حديث أبي هريرة أنه قال: «أكلُ كُلِّ ذي ناب من السباع حرام» . وهذان اللفظان يبطلان [تأويل]
(2)
من تأوَّل نهيَه عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع بأنه نهي كراهة، فهو
(3)
تأويل فاسد قطعًا. وبالله التوفيق.
وسئل صلى الله عليه وسلم: أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنتَ في فخذها لأجزأ عنك» [254/أ]. ذكره أبو داود
(4)
، وقال: هذا ذكاة المتردِّي. وقال يزيد بن هارون: هذا للضرورة
(5)
. وقيل: هو في غير المقدور عليه
(6)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الجنين يكون في بطن الناقة أو البقرة أو الشاة: أنلقيه أم
(1)
برقم (1933) وقد سبق.
(2)
زيادة يقتضيها السياق، وفي النسخ المطبوعة:«قول» ، ولم توضع في المطبوع بين معقوفين، كأنها وردت في النسخ المعتمدة فيه.
(3)
في النسخ المطبوعة: «فإنه» .
(4)
برقم (2825) من حديث أبي العشراء الدارمي عن أبيه. ورواه أيضًا أحمد (18947)، والترمذي (1481)، والنسائي (4408)، وابن ماجه (3184). وأبو العشراء وأبوه، في عداد المجاهيل، وضعفه أحمد كما في «المغني» (13/ 303)، والبخاري في «التاريخ» (2/ 22)، والبيهقي (9/ 278)، وابن القطان في «بيان الوهم» (3/ 582)، والنووي في «المجموع» (9/ 124). وانظر:«العلل الكبير» للترمذي (ص 260).
(5)
ذكره الترمذي.
(6)
قاله الخطابي في «معالم السنن» (4/ 280).
نأكله؟ فقال: «كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه» . أخرجه
(1)
أحمد
(2)
. وهذا يبطل تأويل من تأوَّلَ الحديث أنه يذكَّى كما تذكَّى أمُّه، ثم يؤكل؛ فإنه أمرهم بأكله، وأخبر أنه ذكاة أمه ذكاة له. وهذا لأنه جزء من أجزائها، فلم يحتج إلى أن يُفرَد بذبح، كسائر أجزائها.
وسأله صلى الله عليه وسلم رافع بن خَديج، فقال: إنَّا لاقو العدوِّ غدًا، وليست معنا مُدًى، فنذكِّي باللِّيط
(3)
؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنهر الدمَ وذُكِر اسمُ الله عليه فكُلْ، إلا ما كان من سنٍّ أو ظُفر، فإن السِّنَّ عظم، والظُّفر مُدَى الحبشة» . متفق عليه
(4)
. واللِّيطة: الفِلْقَة من القصَب.
وسأله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم، فقال: إنَّ أحدنا لَيصيب الصيدَ وليس معه سكِّين، أيذبح بالمروة وشِقَّة العصا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أمِرَّ الدمَ، واذكر اسمَ الله» . ذكره أحمد
(5)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاة حلَّ بها الموت، فأخذت جاريةٌ حجرًا، فذبحتها به، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها. ذكره البخاري
(6)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاة نيَّبَ فيها الذئبُ، فذبحوها بمروة، فرخَّص لهم في
(1)
في النسخ المطبوعة: «ذكره» .
(2)
في «المسند» (11260) وقد تقدم.
(3)
في النسخ المطبوعة: «أفنذكي بالليطة» ، وفي «صحيح مسلم» كما أثبت من النسخ.
(4)
البخاري (2488) ومسلم (1968).
(5)
برقم (18262 - 18264) من حديث عدي بن حاتم. ورواه أيضًا أبو داود (2824)، والنسائي (4304)، وابن ماجه (3177). وفيه مُرَيّ بن قطري، لا يعرف.
(6)
برقم (2304) من حديث كعب بن مالك.
أكلها. ذكره النسائي
(1)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن أكل الحوت الذي جزَر عنه البحرُ
(2)
، فقال:«كلوا رزقًا أخرجه الله لكم، وأطعمونا إن كان معكم» . متفق عليه
(3)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ثعلبة الخشني، فقال: إنَّا بأرض صَيد، أصيد بقوسي وبكلبي المعلَّم وبكلبي الذي ليس بمعلَّم، فما يصلح لي؟ فقال:«ما صدتَ بقوسك، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك المعلَّم، فذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ. وما صدتَ بكلبك غير المعلَّم، فأدركتَ ذكاته، فكُلْ» . متفق عليه
(4)
. وهو صريح في اشتراط التسمية لحِلِّ الصيد، ودلالتُه على ذلك أصرح من دلالته على تحريم صيد غير المعلَّم.
وسأله صلى الله عليه وسلم عدي بن حاتم، فقال: إنِّي أُرسل كلابي المعلَّمة، فيمسكن عليَّ، وأذكر اسم الله. فقال:«إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرتَ اسم الله، فكُلْ ما أمسك عليك» . قلت: وإن قتلن؟ قال: «وإن قتلن، ما لم يَشْرَكها كلبٌ ليس منها» . قلت: فإني أرمي بالمِعراض الصيدَ، فأصيب. فقال: «إذا
(1)
برقم (4407) من حديث زيد بن ثابت. ورواه أيضًا أحمد (21597) وابن ماجه (3176)، من طريق شعبة عن حاضر بن المهاجر. وحاضر هذا مجهول، ولكن يقوي أمره رواية شعبة عنه، ويؤيد معناه ما تقدم عند المصنف. وصحح الحديث ابن حبان (5885) والحاكم (4/ 113).
(2)
ما عدا ز: «البحر عنه» .
(3)
البخاري (4362) ومسلم (1935) من حديث جابر.
(4)
البخاري (5478) ومسلم (1930).
رميتَ بالمعراض
(1)
فخزَق
(2)
فكُلْه، وإن أصابه بعَرضه فلا تأكله». متفق عليه
(3)
.
وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: «إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسَكَ على نفسه. وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره»
(4)
.
(5)
.
وفي بعض ألفاظه: «إذا رميتَ بسهمك فاذكر اسم الله» . وفيه: «فإن غاب عنك اليومين أو الثلاثة، ولم تجد فيه إلا أثرَ سهمِك فكُلْ إن شئت. فإن وجدتَه غريقًا في الماء، فلا تأكل فإنك لا تدري الماءُ قتَلَه أو سهمُك»
(6)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو ثعلبة الخشني فقال: يا رسول الله، إن لي كلابًا مكلَّبةً فأفتِني في صيدها. فقال: «إن كانت لك كلاب مكلَّبة، فكُلْ مما أمسكَتْ
(1)
قال النووي في «شرحه» (13/ 75): «هي خشبة ثقيلة أو عصًا في طرفها حديدة، وقد تكون بغير حديدة. هذا هو الصحيح في تفسيره» .
(2)
أي نفذ.
(3)
البخاري (5477) ومسلم (1929/ 1).
(4)
رواه مسلم (1929/ 2 - 3).
(5)
رواه مسلم (1929/ 6)، إلا قوله:«فإن أخْذَ الكلب ذكاتُه» فهي برقم (1929/ 4).
(6)
رواه أحمد (19388) والبيهقي (9/ 242)، بذكر يوم أو يومين. وهو في حديث أبي ثعلبة عند مسلم (1931) بذكر ثلاثة أيام، كما سيأتي.
عليك». فقال: يا رسول الله، ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال [254/ب]:«ذكيٌّ وغيرُ ذكي» . قال: وإن أكل منه؟ قال: «وإن أكل منه» . قال: يا رسول الله، أفتِني في قوسي. قال:«كُلْ ما أمسكَتْ عليك قوسُك» . قال: ذكيٌّ وغيرُ ذكي؟ قال: «ذكيٌّ وغيرُ ذكي» . قال: وإن تغيَّب عني؟ قال: «وإن تغيَّب عنك، ما لم يصِلَّ ــ يعني يتغير ــ أو تجِدْ فيه أثرًا غيرَ أثر سهمك» . ذكره أبو داود
(1)
.
ولا يناقض هذا قوله لعدي بن حاتم: «وإن أكل
(2)
فلا تأكل»، فإن حديث عدي فيما أكَلَ منه حالَ صيده؛ إذ يكون ممسكًا على نفسه. وحديث أبي ثعلبة فيما أكل منه بعد ذلك، فإنه يكون قد أمسَك على صاحبه، ثم أكَل منه بعد ذلك. وهذا لا يحرُم، كما لو أكل مما ذكَّاه صاحبُه.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الذي يدرك صيدَه بعد ثلاث، فقال:«كُلْه ما لم يُنْتِنْ» . ذكره مسلم
(3)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أهلُ بيت كانوا بالحَرَّة
(4)
محتاجين، ماتت عندهم ناقة لهم أو لغيرهم، فرخَّص لهم في أكلها، فعصمَتْهم بقيةَ شتائهم. ذكره أحمد
(5)
.
(1)
برقم (2857) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده. ورواه أيضًا أحمد (6725) ــ وهذا لفظه ــ، والدارقطني (4797)، والبيهقي (9/ 237). انظر للطرق والحكم عليها:«علل الدارقطني» (6/ 322) و «التنقيح لابن عبد الهادي» (3/ 450).
(2)
في النسخ المطبوعة: «أكل منه» ، وفي بعضها أثبت «منه» بين معقوفين.
(3)
برقم (1931/ 10) عن أبي ثعلبة.
(4)
في النسخ المطبوعة: «في الحرة» .
(5)
برقم (20815) من حديث جابر بن سمرة. ورواه أيضًا الطيالسي (1653) وأبو يعلى (7448)، من طريق شريك عن سمالك، وشريك سيئ الحفظ. ورواه أحمد أيضًا (20824)، وأبو يعلى (7445)، والحاكم (4/ 125)، من طريق أبي عوانة عن سماك، فالحديث حسن.
وعند أبي داود
(1)
أن رجلًا نزل الحرَّةَ
(2)
ومعه أهله وولده. فقال رجل: إنَّ ناقةً لي ضلَّت
(3)
، فإن وجدتَها فأمسِكْها. فوجدها، فلم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت امرأته: انحَرْها، فأبى، فنفَقت. فقالت: اسْلُخْها حتى نُقَدِّد شحمَها ولحمَها نأكلُه
(4)
. فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتاه، فسأله، فقال:«هل عندك غنًى يغنيك؟» . قال: لا. قال: «فكلوه» . قال: فجاء صاحبها، فأخبره الخبر، فقال: هلا كنتَ نحرتَها! قال: استحييتُ منك. وفيه دليل على جواز إمساك الميتة للمضطر.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: من الطعام طعام نتحرَّج
(5)
منه. فقال: «لا يختلجنَّ في نفسك شيءٌ ضارعتَ فيه النصرانية» . ذكره أحمد
(6)
. ومعناه
(1)
برقم (3816)، وكذلك أحمد (20903)، من حديث جابر بن سمرة، من طريق حماد بن سلمة عن سماك، والحديث حسن. انظر الحديث السابق.
(2)
في النسخ المطبوعة: «بالحرة» . وفي «السنن» كما أثبت من النسخ الخطية.
(3)
في النسخ المطبوعة: «إنَّ لي ناقة قد ضلت» خلافًا للسنن ولما في النسخ التي بين أيدينا.
(4)
في «السنن» : «ونأكله» .
(5)
خز، ب:«يتحرج» .
(6)
برقم (21965) من حديث هُلْب الطائي. ورواه أيضًا أبو داود (3784)، والترمذي (1561)، وابن ماجه (2830)، من طريق سماك عن قبيضة، وقبيصة مجهول. ورواه ابن حبان (332)، والطبراني (17/ 251)، من طريق سماك عن مُرَيّ بن قطري، ومُرَيّ مجهول. ولعله من تخليط سماك.
ــ والله أعلم ــ النهي عما شابه طعامَ النصارى. يقول: لا تشُكَّنَّ فيه، بل دَعْه. فأجابه بجوابٍ عامٍّ، وخصَّ النصارى دون اليهود، لأن النصارى لا يحرِّمون شيئًا من الأطعمة، بل يبيحون ما دبَّ ودرَج من الفيل إلى البعوض.
وسأله صلى الله عليه وسلم عُقبة بن عامر، فقال: إنك تبعثنا، فننزل بقوم لا يَقْرُوننا، فما ترى؟ فقال:«إن نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا. فإن لم يفعلوا فخُذوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم» . ذكره البخاري
(1)
.
وعند الترمذي
(2)
: إنا نمُرُّ بقوم، فلا يضيِّفوننا، ولا يؤدُّون ما لنا عليهم من الحق، ولا نحن نأخذ منهم. فقال:«إن أبوا إلا أن تأخذوا قِرًى فخذوه»
(3)
.
وعند أبي داود
(4)
: «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان دَينًا عليه، إن شاء اقتضاه، وإن شاء تركه» . وعنده أيضًا: «من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يَقْرُوه فله أن يُعْقِبَهم بمثل قِراه»
(5)
.
وهو دليل على وجوب الضيافة، وعلى أخذ الإنسان نظيرَ حقِّه ممن هو
(1)
برقم (6137) ومسلم (1727).
(2)
برقم (1593) من حديث عقبة بن عامر. وفيه ابن لهيعة، وقد رواه عنه قتبية فأُمِن اختلاطه. حسنه الترمذي، ثم ذكر متابعة الليث بن سعد لابن لهيعة. فالحديث حسن، ويقوّيه ما تقدم عند المصنف.
(3)
لفظ الترمذي: «أن تأخذوا كَرْهًا فخذوا» .
(4)
برقم (3750) وقد تقدَّم.
(5)
برقم (4604) وقد تقدم أيضًا.
عليه إذا أبى دفعه. وقد استُدِلَّ به في مسألة الظفر، ولا دليل فيه، لظهور سبب الحق هاهنا، فلا يتهم الآخذ، كما تقدَّم في قصة هند مع أبي سفيان.
وسأله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك، فقال: الرجلُ أمُرُّ به، فلا يَقْريني ولا يضيِّفني، ثم يمُرُّ بي، أفأجزيه؟ قال:«لا، بل اِقْرِه» . قال: ورآني ــ يعني النبي صلى الله عليه وسلم ــ رثَّ الثياب، فقال:«هل لك من مال؟» . قال: قلت: من كلِّ المال قد أعطاني الله: من الإبل والغنم. [255/أ] قال: «فَلْيُرَ عليك» . ذكره الترمذي
(1)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن جائزة الضيف، فقال:«يومه وليلته. والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة. ولا يحِلُّ له أن يثوِيَ عنده حتى يُحْرِجَه» . متفق عليه
(2)
.
فصل
وسئل صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، وكأنه
(3)
كره الاسم، وقال:«من وُلِد له مولود فأحبَّ أن ينسُكَ عنه فليفعل» . ذكره أحمد
(4)
.
(1)
برقم (2006) وقد تقدم.
(2)
البخاري (6135) ومسلم (48) من حديث أبي شريح الكعبي.
(3)
في النسخ المطبوعة: «وكان» ، وعلَّق الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في نشرته:«ولعله «وكأنه» كما فيما يليه». قلت: وهو الثابت في نسخنا الخطية.
(4)
برقم (6822) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا أبو داود (2842)، والنسائي (4212)، من طرق عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب موصولًا. ورواه أبو داود (2842)، والبيهقي (9/ 312) من طريق القعنبي عن داود بن قيس عن عمرو بن شعيب مرسلًا. انظر:«التمهيد» (4/ 304)، و «تهذيب السنن» (2/ 284، 285)، و «الفتح» (5/ 592).
وعنده
(1)
أيضًا: أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن العقيقة، فقال:«لا يحب الله العقوق» كأنه كره الاسم. قالوا: يا رسول الله، إنما نسألك عن أحدنا يولد له
(2)
. قال: «من وُلِد
(3)
له فأحَبَّ أن ينسُك عنه فلينسُكْ. عن الغلام شاتان متكافئتان
(4)
، وعن الجارية شاة».
فصل
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال
(5)
: إنِّي لا أروَى من نفَس واحدة
(6)
. قال: «فأَبِنِ القَدَحَ عن فيك، ثم تنفَّسْ» . قال: فإني أرى القذاة فيه. قال: «فأَهْرِقْها» . ذكره مالك
(7)
.
وعند الترمذي
(8)
أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء. قال: «أَهْرِقْها» . قال: إني لا أروى من نفَس واحد
(9)
. قال: «فأَبِنِ القدَحَ إذن عن فيك» . حديث صحيح.
(1)
(6713) وهو الحديث السابق.
(2)
في خز بخط متأخر زيادة «ولد» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3)
في خز أيضًا: «يولد» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(4)
ك: «شاتين مكافئتين» ، وفي النسخ المطبوعة: «
…
متكافئتين».
(5)
لم يرد «فقال» في ز، خز.
(6)
ز: «واحد» ، وكذا في مطبوعة «الموطأ» .
(7)
في «الموطأ» (2/ 925) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا أحمد (11203، 11541)، والترمذي (1887). صححه الترمذي، وابن حبان (5327)، والحاكم (4/ 139).
(8)
انظر الحاشية السابقة.
(9)
في النسخ المطبوعة: «واحدة» . وفي «الجامع» كما أثبت من النسخ الخطية.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن البِتْع، فقال:«كلُّ شراب أسكَرَ فهو حرام» . متفق عليه
(1)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو موسى، فقال: يا رسول الله، أفتِنا في شرابين كنَّا نصنعهما باليمن: البِتْع وهو من العسل يُنبَذ حتى يشتدَّ، والمِزْر وهو من الذرة والشعير يُنبَذ حتى يشتدَّ، فقال:«كلُّ مسكِر حرام» . متفق عليه
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم طارق بن سويد عن الخمر، فنهاه أن يصنعها، فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: «إنه ليس بدواء، ولكنه داء»
(3)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من اليمن عن شراب بأرضهم يقال له: المِزْر، فقال:«أمسكر هو؟» . قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُّ مسكرٍ حرام، وإنَّ على الله عهدًا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخَبال» . قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال:«عرَق أهل النار» أو قال: «عُصارة أهل النار»
(4)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل من عبد القيس، فقال: يا رسول الله، ما ترى في شراب نصنعه في أرضنا من ثمارنا؟ فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات
(5)
، حتى قام يصلِّي. فلما قضى صلاته قال: «لا تشربه، ولا تسقِه أخاك المسلم. فوالذي نفسي بيده ــ أو والذي يحلف به ــ لا يشربه رجل ابتغاءَ لذة سُكرٍ
(6)
،
(1)
البخاري (5585) ومسلم (2001) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
البخاري (4343) ومسلم (2001).
(3)
رواه مسلم (1984).
(4)
رواه مسلم (2002) من حديث جابر رضي الله عنه.
(5)
م، ب:«مرار» .
(6)
ك: «مسكرٍ» . وفي خز: «سكره» ، وكذا في «الأشربة» و «مصنف ابن أبي شيبة» .
فيسقيه الله الخمرَ يوم القيامة». ذكره أحمد
(1)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخمر تُتَّخذ خَلًّا، قال:«لا» . ذكره مسلم
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو طلحة عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال:«أَهْرِقْها» . قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: «لا» . ذكره أحمد
(3)
.
وفي لفظ: أن يتيمًا كان في حِجْر أبي طلحة، فاشترى له خمرًا، فلما حُرِّمت الخمر سئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أتُتَّخَذ
(4)
خلًّا؟ قال: «لا»
(5)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم قوم، فقالوا: إنا ننتبذ نبيذًا نشربه على غدائنا وعشائنا. وفي رواية: على طعامنا. فقال: «اشربوا واجتنبوا كلَّ مسكِر» . فأعادوا عليه، فقال:«إن الله ينهاكم عن قليلِ ما أسكَر وكثيرِه» . ذكره الدارقطني
(6)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن فيروز الديلمي
(7)
، فقال: إنَّا أصحابُ أعناب
(1)
في «الأشربة» (32) من حديث طلق بن علي السحيمي اليمامي. وكذلك رواه ابن أبي شيبة (24212)، والطبراني (8/ 337). وفيه خلدة ابنة طلق، مجهولة. ومع ذلك وثق رجاله الهيثمي (5/ 70).
(2)
برقم (1983) من حديث أنس.
(3)
(12189) وقد تقدم.
(4)
في النسخ المطبوعة: «سأل
…
أيتخذها». وفي «سنن الدارقطني» كما أثبت من النسخ الخطية.
(5)
رواه الدارقطني (4704) من حديث أنس، وقد تقدم.
(6)
برقم (4671) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه سعيد بن مسلمة، وهو ضعيف.
(7)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، ولعله سهو من المؤلف، فإن السائل فيروز الديلمي وهو الصحابي، والحديث من رواية عبد الله عن أبيه.
وكرْم، وقد نزل تحريم الخمر [255/ب]، فما نصنع بها؟ قال:«تتخذونه زبيبًا» . قال: نصنع بالزبيب ماذا؟ قال: «تُنقِعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم. وتُنقِعونه على عشائكم، وتشربونه على غدائكم» . قال: قلتُ: يا رسول الله، نحن ممن قد علمتَ، ونحن بين ظهراني من قد علمتَ، فمن وليُّنا؟ قال:«الله ورسوله» . قال: حسبي يا رسول الله
(1)
.
فصل
في طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الأيمان والنذور
سأله
(2)
سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، إني حلفتُ باللات والعزَّى، وإن العهد كان قريبًا. فقال:«قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاثًا، ثم انفُثْ عن يسارك ثلاثًا، ثم تعوَّذْ، ولا تَعُدْ» . ذكره أحمد
(3)
.
ولما قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه حرَّم الله عليه الجنَّةَ، وأوجب له النار» سألوه: وإن كان يسيرًا
(4)
، قال:«وإن كان قضيبًا من أراك» . ذكره مسلم
(5)
.
(1)
رواه أحمد (18402)، وأبو داود (3710)، والنسائي (5735)، والطبراني (18/ 329)، من حديث فيروز الديلمي. وإسناده صحيح.
(2)
في النسخ المطبوعة: «وسأله» .
(3)
برقم (1590) من حديث سعد بن أبي وقاص. ورواه أيضًا النسائي (3776) وابن ماجه (2097). صححه ابن حبان (4365)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (3/ 91)، ومقبل في «الصحيح المسند» (375).
(4)
ك، ب:«شيئًا يسيرًا» ، وكذا في «الصحيح» والنسخ المطبوعة.
(5)
برقم (137) من حديث أبي أمامة.
وأعتَمَ رجلٌ عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى أهله، فوجد الصِّبْية قد ناموا، فأتاه أهله بطعام، فحلف: لا يأكل، من أجل الصِّبية. ثم بدا له، فأكل، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فقال:«من حلف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها فَلْيأتِها، وَلْيكفِّرْ عن يمينه» . ذكره مسلم
(1)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم مالك بن نَضْلة
(2)
فقال: يا رسول الله، أرأيت ابنَ عمٍّ لي آتيه أسأله، فلا يعطيني ولا يصِلني، ثم يحتاج إليَّ، فيأتيني، فيسألني، وقد حلفتُ أن لا أعطيه، ولا أصِلَه. قال: فأمرني أن آتيَ الذي هو خيرٌ، وأكفِّرَ عن يميني
(3)
.
وخرج سويد بن حنظلة ووائل بن حجر يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومهما، فأخذ وائلًا عدوٌّ له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا أنه أخوهم، وحلف سويد أنه أخوه، فخلَّوا سبيله. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال:«أنتَ أبرُّهم وأصدقُهم، المسلم أخو المسلم» . ذكره أحمد
(4)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن رجل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ويصوم ولا يفطر بنهاره، ولا يستظِلَّ، ولا يتكلَّم. فقال: «مروه فَلْيستظِلَّ، وَلْيقعُدْ،
(1)
برقم (1650) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
ك: «فضالة» ، تصحيف.
(3)
رواه أحمد (17228) والنسائي (3788) وابن ماجه (2109). وإسناده صحيح، صححه الألباني في «الإرواء» (2084)، ومقبل في «الصحيح المسند» (1110).
(4)
برقم (16726) من حديث سويد بن حنظلة. ورواه أيضًا أبو داود (3256) وابن ماجه (2119)، من طريق إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته، وهي مجهولة.
وَلْيتكلَّمْ، وَلْيُتِمَّ صومه». ذكره البخاري
(1)
.
وفيه دليل على تفريق الصفقة في النذر، وأن من نذر قُربةً وغير قُربة صَحَّ النذر في القربة، وبطل في غير القربة. وهكذا الحكم في الوقف سواء.
وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه، فقال: إني نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلةً في المسجد الحرام، فقال:«أوفِ بنذرك» . متفق عليه
(2)
.
وقد احتجَّ به من يرى جواز الاعتكاف من غير صوم. ولا حجة فيه، لأن في بعض ألفاظ الحديث:«أن أعتكف يومًا، أو قال: ليلةً»
(3)
. ولم يأمره بالصوم، إذ الاعتكاف المشروع إنما هو اعتكاف الصائم، فيُحمَل اللفظ المطلق على المشروع.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن امرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً غيرَ مختمرة، فأمَرها أن تركَب، وتختمر، وتصوم ثلاثة أيام. ذكره أحمد
(4)
.
وفي «الصحيحين»
(5)
عن عقبة
(6)
قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، فأمرتني أن أستفتي لها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال:«لِتَمْشِ وَلْتَركَبْ» .
(1)
برقم (6704) من حديث ابن عباس.
(2)
البخاري (2032) ومسلم (1656)، وقد تقدَّم.
(3)
في النسخ المطبوعة: «أو ليلة» .
(4)
من حديث عقبة بن عامر الجهني، وقد تقدم.
(5)
البخاري (1866) ومسلم (1644).
(6)
خز: «عقبة بن عامر» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
وعند الإمام أحمد
(1)
أن أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم[256/أ]:«إنَّ الله لغنيٌّ عن مشي أختك. فَلْتركَبْ، وَلْتُهْدِ بدَنة» .
ونظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس، فقال:«ما شأنك؟» . قال: نذرتُ أن لا أزال في الشمس حتى تفرُغَ
(2)
. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس هذا نذرًا، إنما النذرُ فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله» . ذكره أحمد
(3)
.
ورأى
(4)
شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال:«ما بال هذا؟» . فقالوا: نذَر أن يمشي. فقال: «إن الله عن تعذيب هذا نفسه لَغنيٌّ»
(5)
وأمَره أن يركَب. متفق عليه
(6)
.
ونظر إلى رجلين مقترنين يمشيان إلى البيت، فقال:«ما بال القِرَان؟» . قالوا: يا رسول الله، نذرنا أن نمشي إلى البيت مقترنين. فقال: «ليس هذا نذرًا،
(1)
برقم (2134) وقد تقدم.
(2)
في النسخ المطبوعة: «يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخطبة» . وفي «المسند» كما أثبت من النسخ الخطية.
(3)
برقم (6975) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه الطبراني في «الأوسط» (1432). وفيه عبد الرحمن بن الحارث وعبد الله بن نافع المدني، وهما ضعيفان. وله متابعة عند الخطيب (6/ 48) من طريق آدم عن عبد الرحمن بن أبي زياد، ورواية أهل بغداد عن عبد الرحمن ضعيفة، وهي منها. وأصله عند البخاري (6704).
(4)
بعده في خز: «رسول الله صلى الله عليه وسلم» وكذا في النسخ المطبوعة.
(5)
في ك: «لغني» قبل «عن» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(6)
البخاري (1865) ومسلم (1642) من حديث أنس.
إنما النذر فيما ابتُغِيَ به وجهُ الله». ذكره أحمد
(1)
.
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: إنَّ أُمِّي توفِّيت وعليها نذر صيام، فتوفيت قبل أن تقضيه، فقال:«ليصُمْ عنها الوليُّ» . ذكره ابن ماجه
(2)
.
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه»
(3)
.
فطائفة حملت هذا على عمومه وإطلاقه، وقالت: يصام عنه النذر والفرض. وأبت طائفة ذلك، وقالت: لا يصام عنه نذر ولا فرض.
وفصَّلت طائفة، فقالت: يصام عنه النذر، دون الفرض الأصلي. وهذا قول ابن عباس وأصحابه، والإمام أحمد وأصحابه. وهو الصحيح، لأن فرض الصيام جارٍ مجرى الصلاة، فكما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يُسْلِم أحد عن أحد، فكذلك الصيام. وأما النذر فهو التزام في الذمة بمنزلة الدَّين، فيقبل قضاء الولي له كما يقضي دينه، وهذا محض الفقه.
(1)
برقم (6714) من حديث عبد الله بن عمرو. ورواه الفاكهي في «أخبار مكة» (1/ 237) من طريقي عبد الرحمن بن أبي زياد وعبد الرحمن بن الحارث، وهما ضعيفان، والحديث السابق يدل على عدم ضبطهما. وله شاهد عند الطبراني في «الأوسط» (7481) من طريق محمد بن كريب، وهو ضعيف. وحسنه الحافظ في «الفتح» (3/ 564)، وصححه أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (11/ 7)، وفيه نظر. والله أعلم بالصواب.
(2)
برقم (2133) من حديث جابر بن عبد الله. وفيه ابن لهيعة، وفيه لين. والحديث ضعّفه البوصيري في «المصباح» (1/ 366). انظر:«صحيح البخاري» (1952، 1953)، و «صحيح مسلم» (1148).
(3)
رواه البخاري (1952) ومسلم (1147) من حديث عائشة رضي الله عنها.
وطردُ هذا أنه لا يُحَجُّ عنه، ولا يُزكَّى عنه إلا إذا كان معذورًا بالتأخير، كما يُطعِم الوليُّ عمن أفطر في رمضان لعذر. فأما المفرِّط من غير عذر أصلًا، فلا ينفعه أداءُ غيره عنه لفرائض الله تعالى التي فرَّط فيها، وكان هو المأمورَ بها ابتلاءً وامتحانًا دون الولي. فلا تنفع توبةُ أحد عن أحد، ولا إسلامُه عنه، ولا أداءُ الصلاة عنه، ولا غيرِها من فرائض الله التي فرَّط فيها حتى مات. والله أعلم.
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: إني نذرتُ أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ. فقال: «أوفي بنذرك» . قالت: إني نذرتُ أن أذبح بمكان كذا وكذا: مكانٍ كان
(1)
يذبح فيه أهلُ الجاهلية. قال: «لصنم؟» . قالت: لا. قال: «لوثن؟» . قالت: لا. قال: «أوفي بنذرك» . ذكره أبو داود
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببُوَانةَ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبَد؟» . قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» . قالوا: لا. قال: «أوفِ بنذرك، فإنه لا وفاء بالنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . ذكره أبو داود
(3)
.
(1)
«كان» من ز، ك. وكذا في «السنن» .
(2)
برقم (3312) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه الحارث بن عبيد، ضعيف. والجزء الأول رواه أحمد (23011)، والترمذي (3690)، صححه الترمذي وابن حبان (4386)، وقد تقدَّم.
(3)
برقم (3313) من حديث ثابت بن الضحاك. ورواه أيضًا الطبراني (2/ 75)، والبيهقي (10/ 83). صححه الجوزقاني في «الأباطيل» (2/ 202)، وشيخ الإسلام في «اقتضاء الصراط المستقيم» (ص 490)، وابن عبد الهادي في «الصارم المنكي» (ص 493)، وابن الملقن في «البدر المنير» (9/ 518)، وهو شاهد لبعض الحديث السابق.
فصل
في طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الجهاد
سئل عن قتال الأمراء الظلمة، فقال:«لا، ما أقاموا الصلاة» . وقال: «خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلُّون عليهم
(1)
ويُصلُّون عليكم. وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قالوا: أفلا ننابذهم؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة. لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» . ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا، من ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزِعنَّ يدًا من طاعته» . ذكره [256/ب] مسلم
(2)
.
وقال: «يُستعمَل عليكم أمراء، فتعرفون، وتنكرون. فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلِم. ولكن من رضي وتابع» . قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا» . ذكره مسلم
(3)
. وزاد أحمد
(4)
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: أرأيتَ إن كان علينا أمراءُ يمنعونا
(5)
حقَّنا
(1)
ك: «ويصلُّون عليكم وتصلون عليهم» ، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «الصحيح» كما أثبت من النسخ الأخرى.
(2)
برقم (1855) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(3)
برقم (1854) من حديث أم سلمة.
(4)
برقم (26528) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا أبو يعلى (6980) وأبو عوانة في «مسنده» (4/ 426)، وإسناده صحيح.
(5)
في النسخ المطبوعة: «يمنعوننا» ، وكذا «ويسألوننا» . وفي «الجامع» كما أثبت من النسخ الخطية.
ويسألونا حقَّهم؟ قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم» . ذكره الترمذي
(1)
.
وقال: «إنها ستكون بعدي أثَرةٌ وأمورٌ تنكرونها» . قالوا: فما تأمرنا من أدرك ذلك؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» . متفق عليه
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: دُلَّني على عمل يعدِلُ الجهاد. قال: «لا أجده» . ثم قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدَك، فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟» . قال: ومن يستطيع ذلك؟ فقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتُر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله» . ذكره مسلم
(3)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ فقال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» . قال: ثم من؟ قال: «رجل في شِعْب من الشِّعاب يتقي الله ويدَعُ الناسَ من شرِّه» . متفق عليه
(4)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتِلتُ في سبيل الله وأنا
(1)
برقم (2199) من حديث ثابت بن الضحاك، وصححه. وهو عند مسلم (1846) بلفظ أتم.
(2)
البخاري (3603) ومسلم (1843) من حديث ابن مسعود.
(3)
كذا في النسخ. والحديث رواه البخاري (2785) ومسلم (1878) عن أبي هريرة، واللفظ هنا مركَّب من الروايتين.
(4)
البخاري (2786) ومسلم (1888) من حديث أبي سعيد الخدري.
صابرٌ محتسبٌ مقبلٌ غيرُ مدبر، يكفِّر الله عنِّي خطاياي؟ قال: «نعم، فكيف قلتَ
(1)
؟». فردَّ عليه كما قال، فقال:«نعم، فكيف قلت؟» . فرد عليه القول أيضًا، قال: أرأيت يا رسول الله، إن
(2)
قُتِلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غيرَ مدبر، يكفِّر الله عني خطاياي؟ قال:«نعم، إلا الدَّين، فإن جبريل سارَّني بذلك» . ذكره أحمد
(3)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم: ما بال المؤمنين يُفتَنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: «كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً» . ذكره النسائي
(4)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم: أيُّ الشهداء أفضل عند الله تعالى؟ فقال: «الذين يُلْقَون في الصفِّ لا يَلْفِتُون وجوهَهم حتى يُقتَلوا. أولئك ينطلقون
(5)
في الغرف العلى
(1)
خز: «ثم قال كيف قلت» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2)
النسخة (ك) من هنا إلى آخرها بخط حديث، وسيكون رمزها (خك).
(3)
برقم (8075، 8371) من حديث أبي هريرة. ورواه أيضًا مالك (2/ 461)، والنسائي (3156). وإسناده صحيح، حسنه البوصيري في «الإتحاف» (3/ 373)، وصححه مقبل في «الصحيح المسند» (1364).
(4)
برقم (2053)، وكذلك ابن أبي عاصم في «الجهاد» (230)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (6/ 3130) من طريق راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. حسنه ابن القطان في «بيان الوهم» (5/ 743)، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص 50).
(5)
كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وكذا في نسخ «المسند» ، وأثبت في طبعة الرسالة منه:«يتلبَّطون» من هامش إحدى النسخ و «جامع المسانيد» وقال: وهي الرواية كما في مصادر التخريج، وعليها شرح ابن الأثير في «النهاية» فقال: أي يتمرغون.
من الجنة، ويضحك إليهم ربُّك تعالى. وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه». ذكره أحمد
(1)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعةً، ويقاتل حميةً، ويقاتل رياءً؛ أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال:«من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله» . متفق عليه
(2)
.
وعند أبي داود
(3)
أن أعرابيًّا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للذكر، ويقاتل ليُحْمَد، ويقاتل ليغنَم، ويقاتل ليُرَى مكانُه؛ فمَن في سبيل الله؟ قال:«من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، رجلٌ
(4)
يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبتغي عَرَضًا من عَرَض الدنيا
(5)
. فقال: «لا أجر له» . فأعظمَ ذلك الناسُ وقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنك لم تفهِّمه. فقال: يا رسول الله، رجلٌ يريد الجهاد في سبيل الله، وهو يبتغي عرَضًا من عرض الدنيا،
(1)
برقم (22476) من حديث نُعيم بن همَّار. ورواه أيضًا سعيد بن منصور (2566)، وابن أبي شيبة (19699)، وأبو يعلى (6855)، وفيه إسماعيل بن عياش، وقد روى من أهل بلده. وثَّق رواته البوصيري في «الإتحاف» (5/ 159)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (2558). وانظر:«التاريخ الكبير» (8/ 95).
(2)
البخاري (7458) ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري.
(3)
برقم (2517). ورواه أيضًا أحمد (19596)، وإسناده صحيح. وأصله عند البخاري (2810) ومسلم (1904).
(4)
في النسخ المطبوعة: «الرجل» . وفي «السنن» كما أثبت من النسخ.
(5)
في النسخ المطبوعة: «أعراض الدنيا» . وفي «السنن» كما أثبت من النسخ.
فقال: «لا أجر له» . فقالوا للرجل: عُدْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له الثالثة، فقال:«لا أجر له» . ذكره أبو داود
(1)
.
وعند النسائي
(2)
أنه سئل صلى الله عليه وسلم، فقيل: أرأيتَ رجلًا غزا يلتمس الأجر [257/أ] والذكر، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا شيء له» . فأعادها ثلاث مرار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا شيء له» . ثم قال: «إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا
(3)
وابتُغِيَ به وجهُه».
وسألته صلى الله عليه وسلم أم سلمة، فقالت: يا رسول الله، يغزو الرجال، ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث. فأنزل الله تعالى:{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} الآية [النساء: 32]. ذكره أحمد
(4)
.
(1)
برقم (2516) من حديث أبي هريرة، وقد تقدم.
(2)
برقم (3140) من حديث أبي أمامة الباهلي، وإسناده صالح للتحسين. وله شاهد عند الطبراني في «المعجم الكبير» (8/ 140) وفي «الأوسط» (1112). وفيه هود بن عطاء، لا يحتج به. والحديث حسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (5/ 112) وابن حجر في «الفتح» (6/ 28). وانظر:«الصحيحة» (52).
(3)
خز: «كان خالصًا له» ، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «السنن» ما أثبت من النسخ الأخرى.
(4)
برقم (26736) من حديث أم سلمة. ورواه أيضًا الترمذي (3022)، والحاكم (2/ 306). وهو منقطع بين مجاهد وأم سلمة، وبه أعله الترمذي. وصححه الحاكم إن كان سمع منها. وأحمد شاكر حاول إثبات الاتصال بينهما في «تحقيق الطبري» (8/ 263). ولبعضه شاهد عند ابن أبي حاتم في «التفسير» (3/ 935)، وإسناده حسن.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الشهداء، فقال:«من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد» . ذكره مسلم
(1)
.
فصل
في ذكر طرف من فتاويه صلى الله عليه وسلم في الطب
سأله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله، أنتداوى؟ قال:«نعم، فإن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله من جَهِله» . ذكره أحمد
(2)
.
وفي «السنن» أن الأعراب قالت: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ قال:«نعم، عبادَ الله تداوَوْا، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً، أو دواءً، إلا داءً واحدًا» . قالوا: يا رسول الله، وما هو؟ قال:«الهرم»
(3)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم، فقيل له: أرأيتَ رُقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاةً نتَّقيها؛ هل ترُدُّ من قدر الله شيئًا؟ قال:«هي من قدر الله» . ذكره الترمذي
(4)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم: هل يغني الدواء شيئًا؟ فقال: «سبحان الله، وهل أنزل الله تعالى من داءٍ في الأرض إلا جعل له شفاءً» . ذكره أحمد
(5)
.
(1)
برقم (1915) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
برقم (18455) من حديث أسامة بن شريك. وفيه مصعب بن سلام، ضعيف.
(3)
تقدم تخريجه.
(4)
برقم (2065) وقد تقدم.
(5)
برقم (23156) من حديث رجل من الأنصار بإسناد صحيح. انظر: تعليق محققي «المسند» .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب من أمته، فقال:«هم الذين لا يستَرْقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يكتَوُون، وعلى ربِّهم يتوكلون» . متفق عليه
(1)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم آل عمرو بن حزم، فقالوا: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيتَ عن الرُّقَى
(2)
. قال: فعرَضوا عليه. فقال: «ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل» . ذكره مسلم
(3)
.
واستفتاه عثمان بن أبي العاص، وشكا إليه وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله
(4)
وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر». ذكره مسلم
(5)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل. الرجل يبتلى على حسَب دينه، فإن كان رقيق الدين ابتلي على حسب ذلك، وإن كان صُلبَ الدين ابتلي على حسَب ذلك. فما يزال البلاء بالرجل حتى يمشي على وجه الأرض، وما عليه خطيئة» . ذكره أحمد، وصححه
(1)
البخاري (5705) ومسلم (220) من حديث ابن عباس.
(2)
بعده في خز، خك:«قال: اعرضوا عليَّ رقاكم» ، وكذا في الطبعات القديمة. وهو جزء من حديث آخر سيأتي.
(3)
برقم (2199) من حديث جابر.
(4)
في النسخ المطبوعة: «بعزَّة الله» . وفي «صحيح مسلم» كما أثبت من النسخ الخطية.
(5)
برقم (2202/ 67).
الترمذي
(1)
.
وذكر ابن ماجه
(2)
أنه سئل: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأنبياء» . قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: «ثم الصالحون. إن كان أحدُهم لَيُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءةَ يجوبُها
(3)
. وإن كان أحدهم لَيفرحُ بالبلاء، كما يفرح أحدكم بالعافية
(4)
».
وسأله صلى الله عليه وسلم رجل: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال:«كفارات» . قال أبو سعيد الخدري
(5)
: وإن قلَّت؟ قال: «وإن شوكةٌ فما فوقها» . فدعا أبو سعيد على [257/ب] نفسه أن لا يفارقه الوعكُ حتى يموت،
(1)
رواه أحمد (1481)، والترمذي (2403)، والنسائي في «الكبرى» (7/ 46)، وابن ماجه (4023)، من حديث سعد بن أبي وقاص. صححه الترمذي، وابن حبان (2900)، والحاكم (1/ 41)، وأحمد شاكر في «تحقيق المسند» (3/ 45). وانظر:«الصحيحة» (144).
(2)
برقم (4024) من حديث أبي سعيد الخدري. ورواه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (510)، وأبو يعلى (1045)، والحاكم (1/ 40). وإسناده صحيح. ورواه أحمد (11893) وعبد بن حميد (960)، وفيه رجل مبهم، والصحيح أنه عطاء بن يسار كما عند ابن ماجه. والحديث صححه البوصيري في «المصباح» (2/ 302).
(3)
أي يقطع وسطها ويدخل رأسه فيها. وفي النسخ المطبوعة: «تحويه» . والظاهر أن بعض الناشرين لما قرأ ما في نسخته «يحويها» ، فأشكل عليه غيَّره إلى «تحويه» !
(4)
«بالعافية» من ب، وقد وقع مكانها بياض في غيرها.
(5)
كذا في النسخ الخطية والمطبوعة هنا وفيما يأتي، وهو وهْمٌ. فالسائل السؤال المذكور والقائل:«وإن قلَّت» ثم الداعي على نفسه بالوعك المستمر هو أُبيُّ بن كعب. أما أبو سعيد فهو راوي الحديث فحسب.
وأن لا يشغلَه عن حجٍّ ولا عن عمرة، ولا جهادٍ في سبيل الله، ولا صلاةٍ مكتوبة في جماعة. فما مسَّه إنسانٌ إلا وجد حرَّه حتى مات. ذكره أحمد
(1)
.
وقال أسامة: شهدت الأعراب يسألون النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أعلينا حرج في كذا؟ أعلينا حرج في كذا؟ فقال: «عبادَ الله، وضع الله تعالى الحرجَ، إلا من اقترض من عِرْضِ أخيه شيئًا، فذلك الحرج
(2)
». فقالوا: يا رسول الله، هل علينا من جناح أن نتداوى؟ قال:«تداوَوا عبادَ الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع معه شفاءً إلا الهرم» . قالوا: يا رسول الله، ما خيرُ ما أُعطي العبد؟ قال:«حسنُ الخلق» . ذكره ابن ماجه
(3)
.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرُّقى، فقال:«اعرضوا عليَّ رُقاكم» . ثم قال: «لا بأس بما ليس فيه شرك» . ذكره مسلم
(4)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم طبيب عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن قتلها. ذكره أهل السنن
(5)
.
(1)
برقم (11183) من حديث أبي سعيد. ورواه أيضًا أبو يعلى (995). صححه ابن حبان (2928)، والحاكم (4/ 308)، والحافظ في «الإصابة» (1/ 20)، وحسنه العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 357)، ووثق رجاله الهيثمي (2/ 301).
(2)
في النسخ المطبوعة: «فذلك هو الحرج» ، وفي «السنن»:«فذاك الذي حرِج» .
(3)
برقم (3436) عن أسامة بن شريك، وقد تقدم.
(4)
برقم (2200) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.
(5)
رواه أحمد (15757)، وأبو داود (3871)، والنسائي (4355) من حديث عبد الرحمن بن عثمان. وفيه سعيد بن خالد، حسن الحديث. والحديث صححه العيني في «عمدة القاري» (21/ 159) والألباني في «صحيح الترغيب» (2991).
وشكا إليه صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف القَمْلَ، فأفتاهم بلبس قميص الحرير. ذكره البخاري في «صحيحه»
(1)
.
وأفتى صلى الله عليه وسلم أن من تطبَّب، ولم يُعرَف منه طِبٌّ، فهو ضامن
(2)
. وهو يدل بمفهومه على أنه إذا كان طبيبًا وأخطأ في تطبيبه، فلا ضمان عليه.
وشكا إليه صلى الله عليه وسلم المشاةُ في طريق الحج تعبَهم وضعفَهم عن المشي، فقال لهم: «استعينوا بالنَّسَل
(3)
، فإنه يقطع عنكم الأرضَ وتخِفُّون له». قال
(4)
: ففعلنا، فخفَفْنا له
(5)
. والنَّسَل: العَدْوُ مع تقارب الخُطا. ذكر أبو مسعود الدمشقي
(6)
هذا الحديث في مسلم، وليس فيه، وإنما هو زيادة في حديث جابر الطويل الذي رواه مسلم
(7)
في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، وإسناده حسن.
وسألته صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس، فقالت: يا رسول الله، إنَّ ولدَ جعفر تُسرع إليهم العَين، أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم، فإنه لو كان شيءٌ سابَقَ القدرَ
(1)
برقم (2920) من حديث أنس، وقد تقدم.
(2)
تقدم تخريجه.
(3)
كذا ضبط بفتح السين في ز، ويجوز بسكونها.
(4)
يعني: جابر بن عبد الله.
(5)
رواه أبو يعلى (1880) من حديث جابر بن عبد الله. صححه ابن خزيمة (2536)، وابن حبان (2706)، والحاكم (1/ 443)، والألباني في «الصحيحة» (2574).
(6)
يعني: في كتابه «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» ، ولم يرد هذا الحديث في المطبوع منه.
(7)
برقم (1218).
لسبقته العين». ذكره أحمد
(1)
.
وعند مالك
(2)
عن حميد بن قيس المكي قال: دُخِلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنَي جعفر بن أبي طالب، فقال لحاضنتهما:«ما لي أراهما ضارعَين؟» . فقالت: إنه لَتُسرِعُ إليهما العين، ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنَّا لا ندري ما يوافقك من ذلك. فقال:«استرقُوا لهما، فإنه لو سبق شيءٌ القدرَ لسبقته العينُ» .
وسئل صلى الله عليه وسلم عن النُّشْرة، فقال:«هي من عمل الشيطان» . ذكره أحمد وأبو داود
(3)
. والنُّشْرة: حلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حلُّ سحرٍ بسحرٍ مثلِه، وهو الذي من عمل الشيطان، فإن السحر من عمله، فيتقرَّب إليه الناشر والمنتشر بما يحِبُّ، فيُبطل عملَه عن المسحور. والثاني: النُّشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب. وعلى النوع المذموم يُحمَل قول الحسن: لا يحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ
(4)
.
فصل
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فقال: «عذابًا كان يبعثه الله على مَن كان قبلكم،
(1)
برقم (27470)، والترمذي (2064)، وابن ماجه (3510). صححه الترمذي وابن عبد البر في «التمهيد» (2/ 266). وانظر:«الصحيحة» (1252).
(2)
(2/ 938) معضلًا، والحديث السابق شاهد له.
(3)
برقم (14135) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا أبو داود (3868) والبيهقي (9/ 351). ورجَّح البيهقي الإرسال، وقال ابن أبي حاتم: هو قول الحسن (2393). وانظر: «الأحاديث المعلة» للوادعي (94).
(4)
ذكره ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» (9/ 445).
فجعله الله رحمةً للمؤمنين. ما من عبد يكون في بلد، ويكون
(1)
فيه، فيمكث، لا يخرج صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له= إلا كان له مثلُ أجرِ شهيد». ذكره [258/أ] البخاري
(2)
.
وسأله صلى الله عليه وسلم فروة بن مُسَيك، فقال: يا رسول الله، إنَّا بأرض يقال لها: أَبْيَنُ
(3)
، وهي ريفنا ومِيرَتنا، وهي وَبِئَة. أو قال: وباها
(4)
شديد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعها عنك، فإنَّ من القَرَفِ التَّلَفَ
(5)
»
(6)
.
وفيه دليل على نوع شريف من أنواع الطب، وهو استصلاح التربة والهواء، كما ينبغي استصلاح الماء والغذاء؛ فإنَّ بصلاح هذه الأربعة
(7)
صلاحَ البدن واعتدالَه.
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا طيرة، وخيرُها الفأل» . قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال:
(1)
يعني: الطاعون. وكذا وقع في النسخ، وفي «الصحيح»:«بلد يكون» دون الواو بينهما.
(2)
رقم (6619) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
ضبط في ز بكسر الباء وسكون الياء، وهو خطأ.
(4)
كذا في النسخ، والوباء يقصر ويُمَدّ.
(5)
قال أبو عبيد في «غريب الحديث» (5/ 354): يقول: إذا قارفتم الوباء كان منه التلف. والقِراف: المخالطة.
(6)
رواه أحمد (15742)، وأبو داود (3923)، وعبد الرزاق (20162) من حديث فروة بن مسيك. وفيه يحيى بن عبد الله، مجهول. والحديث ضعفه البوصيري في «الإتحاف» (4/ 406) والألباني في «الضعيفة» (1720).
(7)
بعده في ب زيادة: «يكون» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
«الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» . متفق عليه
(1)
.
وفي لفظ لهما
(2)
: «لا عدوى، ولا طيرة. ويعجبني الفأل» . قالوا: وما الفأل؟ قال: «كلمة طيبة» .
ولما قال: «لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة» قال له رجل: أرأيت البعير يكون به الجَرَبُ، فتجرَب الإبل. قال:«ذاك القدر. فمَن أجرب الأول؟» . ذكره أحمد
(3)
.
ولا حجة في هذا لمن أنكر الأسباب، بل فيه إثبات القدر، وردُّ الأسباب كلِّها إلى الفاعل الأول؛ إذ لو كان كلُّ سبب مستندًا إلى سببٍ قبله، لا إلى غايةٍ= لزم التسلسلُ في الأسباب، وهو ممتنع. فقطع النبيُّ صلى الله عليه وسلم التسلسلَ بقوله:«فمن أعدى الأول»
(4)
، إذ لو كان الأول قد جَرِب بالعدوى، والذي قبله كذلك، لا إلى غاية= لزم التسلسل الممتنع.
وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: يا رسول الله، دارٌ سكنَّاها، والعدد كثير، [والمال]
(5)
وافر؛ فقلَّ العدد، وذهب المال. فقال:«دعُوها ذميمةً» . ذكره
(1)
البخاري (5755) ومسلم (2223) من حديث أبي هريرة.
(2)
البخاري (5776) ومسلم (2224) من حديث أنس.
(3)
برقم (4775) من حديث ابن عمر. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (26921) وابن ماجه (86). وفيه الكلبي، ضعيف. والحديث ضعفه البوصيري في «المصباح» (1/ 53)، وانظر:«الصحيحة» (782).
(4)
رواه البخاري (5717) ومسلم (2220) من حديث أبي هريرة.
(5)
ما بين المعقوفين ساقط من النسخ الخطية، واستدركناه من «الموطأ» .
مالك مرسلًا
(1)
.
وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن كان الشؤم في شيء، فهو في ثلاثة: في الفرس، والدار
(2)
، والمرأة». وهو إثبات لنوع خفي من الأسباب، لا يطلع عليه أكثر الناس، ولا يعلم إلا بعد وقوع مسبَّبه. فإن من الأسباب ما تُعلَم سببيته قبل وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الظاهرة، ومنها ما لا تُعلَم سببيته
(3)
إلا بعد وقوع مسبَّبه وهي الأسباب الخفية. ومنه قول الناس: فلان مشؤوم الطَّلْعة، ومدوَّر الكعب
(4)
، ونحوه. فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى هذا النوع، ولم يبطله.
وقوله: «إن كان الشؤم في شيء فهو في ثلاثة» تحقيقٌ لحصول الشؤم منها
(5)
، وليس نفيًا لحصوله من غيرها، كقوله:«إن كان في شيء تتداوَون به شفاءٌ ففي شَرْطةِ مِحْجَم، أو شربة عسل، أو لذعةٍ بنار. ولا أُحِبُّ الكيَّ» . ذكره البخاري
(6)
.
(1)
رواه مالك (2/ 972) من طريق يحيى بن سعيد مرسلًا. ورواه أبو داود (3924)، والبخاري في «الأدب المفرد» (944)، والبيهقي (8/ 140) من طريق عكرمة بن عمار. وإسناده حسن، وصححه ابن عبد البر «التمهيد» (24/ 68).
(2)
خك: «في الدار» ، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3)
هنا في النسخ: «يعلم سببه» خلافًا لما سبق. وأثبت في المطبوع كذا في الموضعين. والصواب ما أثبتنا، وكذا في الطبعات القديمة مع تذكير الفعل.
(4)
من أمثال المولدين. انظر: «مجمع الأمثال» للميداني (3/ 366).
(5)
في النسخ المطبوعة: «فيها» .
(6)
برقم (5683) من حديث جابر بن عبد الله. ورواه أيضًا مسلم (2205).