الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة، فحماد مع كونه من أهل العدالة والضبط، رجح أبو حاتم رواية من هو أكثر عددا منه.
ومثاله في المتن
يوم عرفة في حديث: "أيام التشريق أيام أكل وشرب"، فإنه من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر، فحديث موسى شاذ، لكن صححه ابن حبان والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، والترمذي: إنه حسن صحيح، ولعله لأنها زيادة ثقة غير منافية، انتهى كلام الزرقاني.
قال الشيخ عطية الأجهوري: أي لأنه يحملُ ذلك على من كان واقفا بعرفة للحج، فلا تكون منافية.
وقد يقال: لا حاجة لهذا الحمل على هذا لأنها غير منافية للحديث الذي ذكرت فيه، انتهى.
وقال الحاكم: الشاذ ما انفرد به ثقة وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة، فقيد بالثقة دون المخالفة، وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعللَ وُقِفَ فيه على علته الدالة على جهة الوهم، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، انتهى كلام الزرقاني في الشرح.
قال الشيخ عطية الأجهوري: قوله: (ما انفرد به ثقة)، أي: خالف أم لا، فليكن هذا القول أعم من الأول.
وقوله: (من حيث إن المعلل وُقف فيه على علته الدالة على جهة
الوهم)، أي: من إدخال حديث في حديث أو أصل مرسل أو نحو ذلك كما سيأتي، قاله السخاوي.
وقوله: (والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك)، أي: لم يوقف على العلة الدالة على جهة الوهم، أي: بل عرف أن به علة، ولكن لم يوقف على بيانها، والحاصل أن المنفي: الوقوف على عينها، ولذلك قال البقاعي: أسقط الحاكم قيدًا لابد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك.
والحاصل أن الشاذ لا يغاير المعلل إلا من هذه الجهة: وهي كونه لم يُطَّلَع على علته، وأما الرَدُّ: فهما مشتركان فيه، قال الطوخي: ويوضحه قوله: (والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك)، أي: كالمعلل، ويعني: بل وقف على علته حدسا، انتهى كلام الشيخ عطية الأجهوري.
ثم قال الزرقاني: وقال الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد ثقة أو غير ثقة، خالف أم لا، فما انفرد به الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به، لكنه يصلح أن يكون شاهدا، وما انفرد به غير الثقة متروك.
وردَّ ما قالاه ابن الصلاح بأفراد الثقات الصحيحة كحديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته"، فإنه لم يصح إلا من رواية عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر مع أنه في الصحيحين، وكحديث:"إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر"، فإن مالكا تفرد به عن الزهري عن أنس مع أنه في الصحيحين أيضًا، قال: وفي غرائب الصحيح أشباهٌ لذلك كثيرة، ويقول مسلم في باب الأيمان
والنذور من صحيحه: روى الزهري نحو تسعين حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد.
وقد تعقبه العراقي في مثاله الثاني في نكته على ابن الصلاح فعد ستة عشر نفسا تابعوا مالكا عن الزهري، وذكر أن يزيد الرقاشي تابع الزهري عن أنس في فوائد أبي الحسين الموصلي، وأن أنسا تابعه سعد ابن أبي وقاص وأبو برزة الأسلمي عند الدارقطني، وعلي بن أنجب البغدادي في المشيخة لأبي محمد الجوهري، وسعيد بن يربوع والسائب بن يزيد في مستدرك الحاكم، فقد حصلت المتابعة لمالك في شيخه وشيخ شيخه، ثم اختار ابن الصلاح استخراجا من كلام الأئمة فيما لم يخالف فيه الثقة غيره، وإنما أتى بشيء انفرد به: أن الراوي إذا قرب من ضبط تام ففرده حسن كحديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة قالت: "كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك"، فقد قال فيه الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف عن أبيه، وإذا بلغ الضبط التام ففرده صحيح كحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، وإن بَعُدَ عن الضبط فشاذ، قال: فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:
أحدهما: الحديث الفرد المخالف وهو ما عرفه الشافعي.
والثاني: الفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، انتهى كلام الزرقاني في شرحه على منظومة الشيخ محمد البيقوني رحمه اللَّه تعالى.
قال العلامة الشيخ عطية الأجهوري في حاشيته على الشرح المذكور:
وملخص الأقوال أن الشافعي قيد بقيدين: الثقة والمخالفة، والحاكم قيد بالثقة فقط على ما قاله الشيخ، والخليلي لم يقيد بشيء منهما.
وقوله: (فما انفرد به الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به)، أي: مما لم يخالف، وأما إذا خالف الثقات أو من هو أحفظ منه، فحاله معلوم.
وقوله: (فما انفرد به الثقة يتوقف فيه. . .) إلخ، هذا إنما يأتي على كلام الحاكم والخليلي.
وقوله: (وما انفرد به غير الثقة متروك)، أي: احتجاجا واستشهادا.
وقوله: (ورد ما قالاه ابن الصلاح)، أي رد ابن الصلاح ما قاله الحاكم والخليلي، أي: لأن الصحيح قد تقدم أن من جملة تعريفه ألَّا يكون شاذا، فالشاذ لا يكون صحيحا، ومتى لم تشترط المخالفة ورد علينا ما في الصحيح من الأحاديث الغريبة فيقتضي عدم صحتها أو التوقف فيها كما قال الخليلي: وما كان عن ثقة فيتوقف فيه ولا يحتج به، وقد حصل الاتفاق على الحكم بصحة ما في الصحيحين غير المستثنى، فتكون صحيحة غير صحيحة أو معمولا بها متوقفا فيها، وذلك محال وهو لازم للخليلي.
وأما الحاكم فبعد علمك بالقيد الذي قاله تعلم أنه لا يرد عليه ذلك، لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ وما شاكله لم يقع في
قلب أحد من النقاد ضعفه.
قلت: والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم أو نحو ذلك وإلا كان كلامه ساقطا، لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح، انتهى، قاله الطوخي.
وقوله: (بأفراد الثقات) بفتح الهمزة جمع فرد.
وقوله: (وبقول مسلم) معطوف على قوله: (بأفراد الثقات الصحيحة) أي: ورد ما قاله الحاكم والخليلي ابن الصلاح بقول مسلم. . . إلخ.
وقوله: (في باب الأيمان والنذور) بفتح الهمزة جمع يمين.
وقوله: (نحو تسعين) بتقديم المثناة الفوقية على السين، وأشار بقوله:(نحو) إلى أن الواقع من مسلم إنما هو روي الزهري نحو تسعين، ولا يخفى أن (نحو) تحتمل النقص والزيادة.
وقوله: (وعلي بن أنجب البغدادي في المشيخة. . . إلخ) بالجر معطوف على الدارقطني، أي: تابع أنسا هذان الصحابيان عند هذين المحدثين، والمشيخة اسم كتاب يذكر فيه التلميذ شيوخ شيخه، أي: فشيخ علي ابن أنجب البغدادي هو أبو محمد الجوهري، أي: فذكر علي بن أنجب في الكتاب شيوخ شيخه المذكور.
وأما سعيد بن يربوع والسائب بن يزيد فمعطوفان على سعد بن أبي وقاص، فجملة المتابعين لأنس من الصحابة أربعة.
وقوله: (استخراجا من كلام الأئمة)، السين والتاء للتأكيد وهو تمييز، أي: من جهة الإخراج من كلام الأئمة.
وقوله: (فيما لم يخالف) متعلق (باختار).
وقوله: (إن الراوي. . . إلخ)، مفعول اختار كما يعلم ذلك من متن الألفية.
وقوله: (فيما لم يخالف)، أي: في الحديث الذي لم يخالف.
وقوله: (إنما أتى بشيء انفرد به)، دفع به ما يوهم أن الذي ذهب إليه أعم من أنه يوافق فيه غيره أو لا، لأن قوله:(فيما لم يخالف) نفى صادق بموافقته للغير وانفراده، والمراد الانفراد، فيكون قوله:(وإنما) تخصيص لهذا المقام وقصر له على إحدى الصورتين.
وقوله: (إذا قرب من ضبط تام فهو حسن) غرضه أن الحديث الفرد إذا قرب رواته من الضبط التام فهو حسن، وبهذا يلتئم مع قوله:(فيما لم يخالف) وما يأتي على منواله.
وقيد الشارح الضبط بالتام إشارة إلى أن الحسن لابد فيه من أصل الضبط.
وقوله: (فقد قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل. . . إلخ)، تعليل لقوله:(غريب) أو قصد به إفادة التعيين التي لم تعلم من قوله: (غريب).
وقوله: (قسمان: أحدهما الحديث الفرد المخَالَفْ) بفتح اللام، أي:
المخالف فيه، أو بالكسر أي: المخالِف لما رواه الثقات.
وقوله: (الذي ليس في رواته من الثقة والضبط)، أي: التوثق، فعطف الضبط عليه تفسير، وهو بيان لما تقدم عليها، وحاصله أن التفرد في ذاته يوجب ضعفا ونكارة، ويجبر هذا الضبط والتوثق، فإن كان تاما فالحديث صحيح، وإن كان مسمى الضبط، فالحديث حسن، وعند عدم الأمرين يكون الحديث ضعيفا، انتهى كلام الشيخ عطية الأجهوري رحمه الله، وإنما ذكرناه برمته تحصيلا لتمام الفائدة.
وقال العلامة المجد صاحب القاموس في منظومته في أصول الحديث:
ثم الذي ينعت بالشذوذ
…
كل حديث مفرد مجذوذ
خالف فيه الناس ما رواه
…
لان روى ما لا يروى سواه
قال السيد العلامة نفيس الدين وخاتمة المحدثين سليمان بن يحيى ابن عمر بن مقبول الأهدل في شرحه المسمى بالمنهل الروي شرح منظومة المصطلح في الحديث النبوي ما لفظه:
الشاذ لغة: المنفرد، يقال: شذ يشُذ بضم الشين وفتحها شذوذا، إذا انفرد، وأما اصطلاحا ففيه اختلاف كثير، ومقتضى ما ذكره الناظم الإشارة إلى قولين:
القول الأول: ما ذهب إليه الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: أنه ما رواه الثقة مخالفا لرواية الناس، أي: الثقات، وإن كانوا دونه في الحفظ والإتقان، وذلك لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، وألحق ابن الصلاح بالثقات الثقة الأحفظ، وسواء كانت المخالفة بزيادة أو نقص في سند أو متن، إن كانت بحيث لا يمكن الجمع بين الطرفين فيهما مع اتحاد المروي، انتهى.
أو هو ما ليس له إلا سند
…
شذ به فرد فوقف أو يرد
هذا هو القول الثاني، وهو ما ذكره الحافظ الخليلي حيث قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد شذ به ثقة أو غيره، فما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به، وما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، انتهى.
فلم يعتبر في هذا القول قيد المخالفة ولا اقتصر على الثقة، قال الإمام النووي في تقريبه تبعا لابن الصلاح: وما ذكره الخليلي مشكل بانفراد العدل الضابط كحديث: "إنما الأعمال بالنيات" و"النهي عن بيع الولاء" ونحو ذلك مما في الصحيحين وليس له إلا إسناد واحد، فالصحيح التفصيل بأن يقال: الثقة إذا كان مفرده مخالفا لثقة أحفظ منه وأضبط أو لجماعة وإن كان كلٌ منهم دونه كما تقدم، كان شاذا مردودا وإن لم يخالف، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بضبطه كان مفرده صحيحا وإن لم يوثق بضبطه، لكن لم يبعد عن درجة الضابط
كان حسنا، وإن بعد كان شاذا منكرا مردودا، والحاصل أن الشاذ المردود هو الفرد المخالف والفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يجبر تفرده، انتهى.
وعبارة الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: والشاذ لغة: الفرد، واصطلاحا: ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه، وله تفسير آخر سيأتي انتهى.
قال الشيخ أبو الحسن السندي في بهجة النظر على شرح نخبة الفكر، قال هناك:
ثم سوء الحفظ إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ على رأي، وإن كان طارئا لكبر أو ذهاب بصره أو ضياع كتبه فهو المختلط، وهو بهذا المعنى غير مراد هنا، انتهى.
وقال الشيخ القاسم والملا على القاري في شرحيهما: قوله: وله تفسير آخر سيأتي، بل له تفسيران آخران كما سيأتي:
أحدهما: ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، والمقبول أعم من أن يكون ثقة أو صدوقا، وهو دون الثقة.
وثانيهما: ما رواه الثقة مخالفا لما رواه من أوثق منه، والثالث أخص من الثاني كما أن الثاني أخص من الأول.
وله تفسير رابع: وهو ما يكون سوء الحفظ لازما لراويه في جميع حالاته.
وله تفسير خامس: وهو ما يتفرد به شيخ.
وله تفسير سادس: وهو ما يتفرد به ثقة ولا يكون له متابع.
وله تفسير سابع ذكره الشافعي: وهو ما رواه الثقة مخالفًا لما رواه الثقات، انتهى كلام قاسم والملا علي القاري.
وقال السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان في المنهج السوي على شرح والده المسمى بالمنهل الروي:
والمشهور من ذلك ثلاثة مذاهب: مذهب الشافعي، ومذهب الخليلي، ومذهب الحاكم: وهو أن الشاذ ما انفرد به ثقة، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة، ولم يشترط مخالفة الناس، قال البقاعي: قال شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: أسقط -يريد الزين العراقي- من قول الحاكم قيد الآبد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، وذكر أن الشاذ يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم، وأن الشاذ لم يوقف فيه على علةٍ كذلك، قال الحافظ ابن حجر: وهو على هذا أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا مَن مَارسَ الفن غاية الممارسة وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة ورزقه اللَّه نهاية الملكة انتهى.
وأما مذهب الشافعي فهو ما أخرجه الحاكم من طريق ابن خزيمة عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي: ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف
ما روى الناس انتهى.
أي: الثقات، وألحق ابن الصلاح بالثقات الثقة الأحفظ، حيث قال: فإن خالف من هو أولى منه بالحفظ والضبط، كان ما انفرد به شاذا مردودا، وتبعه الحافظ ابن حجر فقال: فإن خولف، أي: الراوي -وأراد راوي الحسن والصحيح- بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح، يقال له: الشاذ، سواء كان ذلك في السند أو في المتن.
فمثال الأول: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة: عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفي على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه. . . الحديث، تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة ولم يذكر ابن عباس، قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة، انتهى. فحماد من أهل العدالة والضبط ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية من هو أكثر عددا منه.
ومثال الثاني: زيادة: "يوم عرفة" في حديث: "أيام التشريق أيام أكل وشرب"، فإنه من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عقبة بن عامر.
وكذا ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن
الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه"، قال الإمام البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين الثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ، انتهى المنقول من المنهج السوي.
وقال العلامة أبو الحسن السندي في بهجة النظر:
إن قيل أن هذا يدل على ترجيح الوصل لكثرة العدد مع أن الوصل مقدم مطلقا عند المحققين، قال النووي في مقدمة شرح مسلم: إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا، وبعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا، فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله ورفعه سواء كان المخالف مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنها زيادة ثقة وهي مقبولة، وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه، قال الخطيب: وهو قول المحدثين، وقيل: الحكم للأكثر وقيل: للأحفظ، انتهى كلام النووي.
قلت: والمختار عند المصنف -يعني الحافظ ابن حجر- أن الحكم للرفع والوصل إذا استوى الراويان أو تقاربا، فأما إذا كان بينهما بون بعيد فالعبرة للأقوى، قال الحافظ السيوطي في شرح نظم الدرر: قال الحافظ ابن حجر: هنا شيء يتعين التنبيه عليه، وهو أنهم شرطوا في الصحيح ألَّا يكون شاذا، وفسروا الشذوذ بمخالفة الثقة، ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة وبنوا على ذلك أن من وصل أو رفع معه زيادة
علم فيقبلونه، وهل يسمونه شاذا أم لا؟ فلابد من بيان الفرق أو الاعتراف بالتناقض، والحق أن هذه الزيادة لا تقبل دائما، ومن أطلق لم يصب، وإنما تقبل إذا استووا في الوصف، ولم يتعرض مَنْ نَقص لنفيها لفظا ولا معنى، انتهى.
وقال الحافظ في نكت ابن الصلاح:
قول المصنف: لا إشكال فيه يعني: ما ذهب إليه الشافعي في تعريف الشاذ فيه نظر، وذلك أنه يلزم على قوله: أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى، لكن هل يلزم من ذلك عدم الحكم بالصحة؟ محل توقف، قد قدمت التنبيه عليه في الكلام على نوع الصحيح، انتهى.
وقال في الموضع المحال عليه: والمراد بالشذوذ هنا ما خالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسر به الشافعي، لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي فافهم، وما اشترطوه من نفي الشذوذ مشكل، لأن الإسناد إذا كان متصلا ورواته كلهم عدولا ضابطين، فقد انتفت عنهم العلل الظاهرة، فمجرد مخالفة أحد من رواته لمن هو أوثق منه أو أكثر عددا لا يستلزم الضعف، بل يكون من باب صحيح وأصح، وأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط، وأن الثمن أوقية من ذهب، مع تخريجه ما يخالفه أيضًا، ومن ذلك أن
مسلما أخرج من حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب، وشعيب وغيرهم عن الزهري فذكر:(والاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح)، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، فلم يتأخر أصحاب الحديث عن إخراج حديث مالك في كتبهم التي التزموا بتخريج الصحيح فيها، فإن قيل: يلزم أن يسمى الحديث صحيحا ولا يعمل به، قلنا: لا مانع منه إذ ليس كل صحيح يعمل به، بدليل المنسوخ، انتهى كلام الحافظ رحمه الله في نكته على ابن الصلاح، وذكر مثله الجلال السيوطي في شرح تقريب النووي.
قال السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان في المنهج السوي:
وقد أشار ابن حجر المكي في رسالته التي ألفها في إثبات أدلة البسملة إلى الجواب عما ذكر الحافظ ابن حجر: فإنه قال -يعني ابن حجر الهيثمي- عند كلامه على تعريف الصحيح بعد كلام ما نصه:
وقد خلا عن الشذوذ وهو مخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين، وخالف في هذا الفقهاء والأصوليون، وتنبني على هذا مسائل منها: إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا أو ملازمة للشيخ، فهذان -أي: الفقهاء والأصوليون- يقولان: إن المثبت مقدم على النافي، فيقبل، والمحدثون ووافقهم الشافعي يقولون: لا يقبل، لأنه
شاذ بمقتضى التفسير المذكور، قال الشافعي: ولأن العدد الكثير -أي: في صورته- أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب منه إليهم، وقول الأولين يرد قولهم بقوله:(بعيد مدركا كما علمت) ومنها الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن تابعي مثلا عن تابعي مثلا عن صحابي، ويرويه آخر مثله سواء عن ذلك الصحابي لكن عن صحابي آخر، فالفقهاء وأكثر المحدثين يجوزن حيث لا مانع ولا قرينة أن التابعي سمعه منهما، وفي الصحيحين الكثير من هذا، وبعض المحدثين يعلون الحديث بهذا متمسكين بأن الاضطراب دليل على عدم الضبط في الجملة، واتفق الكل على أن أحد المتردد فيهما ضعيفا رد، وقول بعضهم يرد بمجرد العلة وإن لم تقدح ضعيف.
وبما تقرر علم أن الشاذ لا يسمى صحيحا، لكن نوزع فيه بأن غاية ما فيه رجحان رواية على رواية أخرى، فالمرجوحية لا تنافي الصحة ويرد بمنع أن المرجوحية لا تنافي الصحة بل الصواب أنها من حيث السند تنافي الصحة التي الكلام فيها، وهي أعلا مراتب الصحة، وبه يفرق بينه وبين المنسوخ، فإن العلة فيه من حيث حكم المتن لا من حيث السند، وحكم المتن أجنبي عن السند فيكون الرد لأجله لا ينافي كون الحكم على سنده بالصحة، بخلاف السند فإن الرد لأجله ينافي صحته، لأن فيه طعنا فيه فتأمله، انتهى المقصود نقله منه.
قال السيد عبد الرحمن بعد نقله كلام ابن حجر المكي في المنهج السوي:
وقد استفيد مما ذكر أن لكل من أئمة الحديث ومن أئمة الفقه اصطلاحا في الصحيح غير اصطلاح الآخر، وبذلك صرح الإمام ابن دقيق العيد في "الإمام شرح الإلمام" حيث قال ما نصه:
إن لكل من أئمة الحديث والفقه طريقا غير طريق الآخر، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالرواية، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه، فمتى حصل ذلك وجاز ألَّا يكون غلطا، وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه، وأما أهل الحديث فإنهم يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل تمنعهم عن الحكم بصحته انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح:
وعلى المصنف -يعني ابن الصلاح- إشكال أشد منه، أي: من كلام الشافعي، وذلك أنه -يعني ابن الصلاح- يشترط في الصحيح ألَّا يكون شاذا كما تقدم، ويقول: إذا تعارض الوصل والإرسال قدم الوصل مطلقا، سواء كان رواة الإرسال أقل أو أكثر أو أحفظ أم لا، ويختار في تفسير الشاذ: أنه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه، وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة، فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة ألَّا يكون شاذا؟ هذا في غاية الإشكال، ويمكن أن يجاب
عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال، فلعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح، لأنه هناك لم يصرح عن نفسه باختيار شيء، بل نقل ما عند المحدثين، وإذا انتهى البحث إلى هذا الحال ارتفع الإشكال، وعلم منه أن مذهب أهل الحديث أن شرط الصحيح ألَّا يكون الحديث شاذا، وأن من أرسل من الثقات إن كان أرجح ممن وصل من الثقات قدم وكذا بالعكس، ويأتي فيه الاحتمال الماضي حينئذ، وهو أن الشذوذ يقدح في الاحتجاج لا في التسمية، انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه اللَّه تعالى.
وقال السيد عبد الرحمن في المنهج السوي:
ما ذهب إليه الشافعي في تعريف الشاذ هو المعتمد كما صرح به الحافظ في شرح النخبة، فقال بعد كلام وتحقيق ما نصه:
وعرف من هذا التقرير أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح، انتهى.
ولم يذكر كما ترى هنا قيد المخالفة بحيث لا يمكن الجمع بين الطرفين، وقد صرح بهذا القيد بعد ذكر التعريف المذكور ابن حجر الهيثمي في رسالته المتعلقة بالبسملة وعبارته:
الشاذ اصطلاحا فيه اختلاف كثير، والذي عليه الشافعي والمحققون
أنه ما خالف فيه راو ثقة بزيادة أو نقص في سندٍ أو متنٍ ثقات، بحيث لا يمكن الجمع بينهما مع اتحاد المروي عنه، انتهى.
واعلم أن قول الخليلي: الذي عليه حفاظ الحديث. . . إلخ يجري فيه ما قيل في قول الخطابي: ينقسم الحديث إلى ثلاثة أقسام، إنه من قبيل العام الذي أريد به الخصوص، فإن المذاهب في ذلك معروفة، منها من يطرح الشاذ مطلقا، على أن الخليلي قد نقل في ذلك مذهب أهل الحجاز، وملخص ما ذكر هنا: أن الشافعي قيد الشاذ فيه بقيدين: الثقة والمخالفة، والحاكم قيد بالثقة فقط، والخليلي لم يقيد بشيء.
قال الحافظ في الإفصاح على نكت ابن الصلاح ما نصه:
والحاصل من كلامهم أن الخليلي سوى بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم وأخص منه كلام الحاكم، لأنه يقول: إنه تَفَرُّد الثقة، فيخرج تفرد غير الثقة، فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وأخص منه كلام الشافعي رضي الله عنه لأنه يقول: إنه تفرد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه، ويلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح وأن الرواية الراجحة أولى، لكن هل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة؟ محل توقف قد قدمت التنبيه عليه، انتهى.
وقد مر نقل ذلك قريبا.
ثم قول الخليلي: (وما كان عن ثقة توقف فيه ولا يحتج به)،
ظاهره أنه لا يجعل تفرد الثقة شاذا صحيحا كما ذكر ذلك ابن الصلاح، بل صرح بالتوقف، نبه على ذلك الحافظ في نكته على ابن الصلاح، وقيل: إن الخليلي إنما ذكر تفرد الثقة فلا يرد تفرد الضابط الحافظ لما بينهما من الفرق.
قال الجلال السيوطي: وأجيب بأنه -يعني الخليلي- قد أطلق الثقة فيشمل الحافظ وغيره، انتهى.
وقد استشكل قول الخليلي وغيره: "وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به"، بأن هذه زيادة ثقة لتفرده بما روى عن غيره كما ينفرد راوي الزيادة، وإلا فما الفرق؟
وأجيب بأن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة، فإن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات، إذ لا مخالفة في روايته لهم بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أوثق منه حفظا وأكثر عددا، فإنه ظن غالب لترجيح روايتهم على روايته، ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن، واحتج بعض الأصوليين بأن من الجائز أن يقول الشارع كلاما في وقت فيسمعه شخص، ويزيد في وقت آخر فيحضره غير الأول ويؤدي كل منهما ما سمعه، وبتقدير اتحاد المجلس فقد يحضر أحدهما في أثناء الكلام فيسمع ناقصا ويضبطه الآخر تاما، أو ينصرف أحدهما قبل تمام الكلام ويتأخر الآخر، وبتقدير حضورهما فقد يذهل أو يعرض عارض من ألم أو جوع أو عطش أو فكر شاغل أو نحو ذلك من العوارض ولا
يعرض لمن حفظ الزيادة، وأجيب عن هذا بأن الذي يبحث عنه المحدثون إنما هو زيادة بعض الرواة من التابعين فمن بعدهم، أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند فلا يختلفون في قبولها كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وأنه تعالى يقول له بعد ما يتمنى:"لك ذلك ومثله معه"، وقال أبو سعيد رضي الله عنه:"أشهد لسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله معه"، ونحوه من الأمثلة كثير.
وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ، حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه كمالك عن نافع عن ابن عمر إذا روى الحديث جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ، وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة فيها، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها، فتفرد واحد منهم بها دونهم مع توفر دواعيهم على الأخذ منه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها، ذكر ذلك جميعه الحافظ في نكته على ابن الصلاح.
ومسألة زيادة الثقة هي من جملة أنواع الحديث، وقد بسط الكلام عليها أئمة الحديث الأصوليون، وذكر البرماوي في شرح ألفيته في أصول الفقه عشرة أقوال: منها القبول، وهو الذي حكاه الخطيب عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، وادعى ابن طاهر الاتفاق عليه عند أهل الحديث.
الثاني: أنها لا تقبل الزيادة مطلقا، حكاه الخطيب في الكفاية وابن الصباغ في العدة عن قوم من أصحاب الحديث.
الثالث: أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا وتقبل من غيره من الثقات، حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية، وقد فصل ابن الصلاح في ذلك كما مر نقله عن ابن حجر الهيثمي رحمه الله، انتهى كلام السيد عبد الرحمن بن سليمان في المنهج السوي.
ومن حيث أنه أحال على ما نقله ابن حجر المكي فلابد من ذكره تتميما للفائدة، قال ابن حجر المكي:
الذي عليه أكثر الفقهاء والمحدثين أن زيادة الثقة مقبولة تعلق بها حكم شرعي غير الحكم الثابت أم لا، أوجبت نقصا من أحكام ثبتت بخبر آخر أم لا، كما اعتمد ذلك النووي.
وقيد الإمام ابن خزيمة قبولها بما إذا استوى الطرفان حفظا وإتقانا، وتبعه ابن عبد البر فقال: إنما تقبل إن كان راويا أحفظ وأتقن ممن قصر أو مثله حفظا، فإن كانت من غير حافظ ولا متقن فلا التفات إليها.
وقال الخطيب: المختار قبولها إذا كانت من عدل حافظ متقن ضابط.
واعتمد الحافظ ابن حجر ما يوافق ذلك حيث قال: يشترط لقبولها كونها غير منافية لرواية من هو أوثق من راويها، والظاهر أن هذا مراد الأولين، كما أنه ينبغي تقييده كما قاله إمام الحرمين: "بما إذا سكت الباقون عن نفيها أما مع نفيها على وجه يقبل فلا، وقيل: يقبل من المحدث في السند، ومن الفقيه في المتن، قال ابن الصلاح: والذي
حررته من تصرفهم أن ما ينفرد به الثقة ثلاثة أقسام:
أحدها: ما انفرد به ثقة عن ثقات أو ثقة أحفظ بزيادة لا يمكن الجمع بينهما فلا تقبل تلك الزيادة عند المحققين كالشافعي.
الثاني: ما لم يخالف ما انفرد به ما رواه الثقات أو ما رواه الأحفظ فيقبل، لأنه جازم بما رواه وهو ثقة ولا معارض له، إذ الساكت لم ينفها لفظا ولا معنى، ولا دل كلامه على وهم راويها، فهي كحديث مستقل تفرد به ثقة لم يعارض.
الثالث: أن يزيد لفظة تفيد حكما في حديث ويسكت عنها جميع رواته، كزيادة:"وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا"، ورواية:"جعلت لنا تربة الأرض مسجدا وطهورا"، فهذه تشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام يشمل التراب وغيره من أجزاء الأرض، والثاني: من حيث إنه لا منافاة بينهما، أي: بالنسبة لأصل التيمم، وهذه اختلفوا في قبولها وهو -أعني- قبولها والعمل بما أفادته من التقييد بالتراب، هو ما عليه الأكثرون ولا يعارضه كون الأكثرين على تقديم الإرسال على الوصل، إذ الإرسال علة في السند، فكان وجودها قادحا في الوصل، وليست الزيادة في المتن كذلك، انتهى، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم.