المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فقه الاحتساب على كل من له حق على المحتسب كالوالدين والأزواج: - المسلم وحقوق الآخرين

[أبو فيصل البدراني]

فهرس الكتاب

- ‌(الحقوق العامة)

- ‌ حسن الخلق:

- ‌مشروعية حسن الخلق مع الناس جميعهم:

- ‌الفوارق بين المداراة والمداهنة:

- ‌حقوق المسلم العامة:

- ‌ فقه التعامل مع الناس:

- ‌(الحقوق الخاصة)

- ‌حكم بر الوالدين الفاسقين والمشركَين:

- ‌حدود استئذان الوالدين في الجهاد والهجرة والسفر:

- ‌حكم قطع الصلاة لأجل نداء الوالدين:

- ‌حكم طلب أحد الوالدين طلاق زوجة الابن:

- ‌حكم اعتراض الوالدين على زواج ابنهم:

- ‌فقه الاحتساب على كل من له حق على المحتسب كالوالدين والأزواج:

- ‌حكم النفقة على الأقارب الفقراء:

- ‌حكم دفع الزكاة للأقارب:

- ‌خلاصة حكم صلة القريب الفاسق والكافر:

- ‌حكم صلة القريب الكافر إذا كانت صلته تؤدي إلى محبته طبيعياً:

- ‌حكم صلة الرحم الصالحة المؤذية:

- ‌كيفية صلة الأقارب الفسَاق والكفار والمُؤذين منهم

- ‌ كيفية التوفيق بين الاحتساب وصلة الأرحام:

- ‌خلاصة فقه صلة الرحم:

- ‌حقيقة ما يُثار حول الزواج من الأقارب والتحذير منه:

- ‌كيفية معاشرة الزوجة:

- ‌ كيفية معاشرة ومعاملة الزوجة الكتابية:

- ‌حكم العدل بين الزوجات وحدوده:

- ‌فقه معاملة الناشز:

- ‌آداب الجماع:

- ‌حدود الضرب المشروع للمرأة ومحله:

- ‌كيفية مجاورة الكافر والفاسق بالحسنى:

- ‌حكم التفضيل في العطية بين الأولاد:

- ‌كيفية التعامل مع الأولاد الفساق:

- ‌(شبهات وإشكالات)

الفصل: ‌فقه الاحتساب على كل من له حق على المحتسب كالوالدين والأزواج:

وكل عمل صالح لو فعله الإنسان ونوى بهذا العمل لوالديه لا بأس به ولو كان مفضولاً.

‌فقه الاحتساب على كل من له حق على المحتسب كالوالدين والأزواج:

- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس الأب كالأجنبي ، قال ابن مفلح في الآداب الشرعية:

قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى يَأْمُرُ أَبَوَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إذَا رَأَى أَبَاهُ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ يُعَلِّمُهُ بِغَيْرِ عُنْفٍ وَلَا إسَاءَةٍ وَلَا يُغْلِظُ لَهُ فِي الْكَلَامِ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَلَيْسَ الْأَبُ كَالْأَجْنَبِيِّ

انتهى.

- إذا رأى الولد مُنكراً من والديه يأمرهما فإن قبلا فبها وإن كرها سكت عنهما واشتغل بالدعاء

والاستغفار لهما فإن الله تعالى يكفيه ما أهمه من أمرهما.

- للولد الاحتساب على والديه بالرفق والتلطف في الكلام وليس له مقابلتهم بالسب والتعنيف

وتخشين الكلام فضلاً عما هو أكبر منه، وللولد وعظ والديه بالتي هي أحسن مالم يغضبوا فإذا غضبوا سكت ، وذلك أن الوالدين مستثنيين من بعض صور الإنكار.

- يُراعى عند الاحتساب على الوالدين زيادة الرفق بهما والتلطف لهما وألا يتعدى ذلك إلى الشتم أو

الضرب مثلاً ، ومثل هذا يُقال في احتساب الزوجة على زوجها والعبد مع سيده.

- ليس للولد مقابلة والداه بالتخويف والتهديد والضرب ولا بالسب والتعنيف وتخشين الكلام ، أما

المنع بالقهر والمباشرة في تغيير المنكر من نحو تكسير آنية الخمر ورد المال المغصوب لأهله وإبطال الصور المنقوشة على الحيطان فهذه المسألة فيها خلاف والأولى أن ينظر فيه إلى قبح المنكر وإلى مقدار الأذى والسخط وهذه المسألة التي تتعلق بذات المنكر دون صاحبه إذا كان والداً هي مسألة اجتهادية.

هل للمسلم أن يعمد لقتل أبيه الباغي أم لا؟

إقامة الحدود وقتال البغاة والقتال لإعلاء كلمة الله ، لا نختار أن يعمد المرء إلى أبيه خاصة أو جده مادام يجد غيرهما فإن لم يفعل فلا حرج.

كيفية تعامل المجاهد المسلم مع أرحامه إذا كانوا في صف الكفار المحاربين للإسلام وأهله:

للمسلم أن يبتدىء بقتل أخيه الحربي ولا ينبغي أن يبتدىء بقتل أبيه الحربي وقيل لا يجوز لأنه يجب صلة الرحم مع الوالد ولا يجب صلة رحم من سواه ، وقيل يُكره لغازٍ قتل قريب له كافر إلا إذا بلغه أنه يسب الله ورسوله فلا كراهة حينئذٍ والله أعلم ، بل ينبغي الاستحباب تقديماً لحق الله ورسوله ، ولا كراهة إذا قصد -ذوي الرحم الكافر في المعركة-هو قتله فقتله دفعاً عن نفسه.

مسائل ليست من العقوق:

- لا يُعد ترك البيت تجنباً للفتن عقوقاً للوالدين ولو نهياك عن ذلك.

- إبعاد الأبناء عن الوالد المبتدع والذي يُخشى من شرَه ليس من العقوق.

- ليس لأحد الأبوين أن يُلزم الولد بنكاح من لا يريد وإنه إذا امتنع لا يكون عاقاً.

- سكن الابن في بيت مستقل لمبرر شرعي لا يعتبر عقوقاً، وإذا كان إصرار الوالد على سكن ولده معه ليس لحاجته إليه ولا يتأذى بعدم سكنى الولد معه فلا يجب عليه طاعته ولكن يُستحب ذلك

ص: 26

استحباباً مؤكداً وخاصة إذا لم يلحق الابن من ذلك ضرر كبير.

• صلة الأرحام:

أدلة وجوب صلة الأرحام وحرمة القطيعة:

أدلة وجوب صلة الأرحام كثيرة ومنها ما يلي:

قال الله تعالى «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم» ، وقال تعالى «واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام» ، وقال تعالى «والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه.

وعن أنس رضي الله عنه قال كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب فلما نزلت هذه الآية «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» آل عمران ، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون» وإن أحب مالى إلي بيرحاء وإنها صدقة لله تعالى أرجو برها وذخرها عند الله تعالى فضعها يا رسول الله حيث أراك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين) فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه متفق عليه. وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه ومعنى ينسأ له في أثره أي يؤخر له في أجله وعمره.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) رواه البخاري.

وعن أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث رضي الله عنها أنها أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه قالت يا رسول الله إني أعتقت وليدتي قال (أو فعلت) قالت نعم قال (أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) متفق عليه. وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن) قالت فرجعت إلى عبد الله ابن مسعود فقلت له إنك رجل خفيف ذات اليد وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم فقال عبد الله بل ائتيه أنت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتي حاجتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبره من نحن فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (من هما) قال امرأة من الأنصار وزينب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي الزيانب) هي قال امرأة عبد الله فقال

ص: 27

رسول الله صلى الله عليه وسلم (لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة) متفق عليه.

وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً قال يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار فقال النبي صلى الله عليه وسلم (تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم) متفق عليه. وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فإن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور وقال الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة) رواه الترمذي وقال حديث حسن. وفي حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه قال فيه دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يعني في أول النبوة فقلت له ما أنت قال نبي فقلت وما نبي قال أرسلني الله تعالى فقلت بأي شيء أرسلك قال أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يُشرك به شيء وذكر تمام الحديث والله أعلم.

وأما أدلة تحريم القطيعة كثيرة ومنها ما يلي:

قال تعالى «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» «.

وعن أبي محمد جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان في روايته يعني قاطع رحم متفق عليه.

وقال تعالى «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك قالت بلى قال فذلك) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقرءوا إن شئتم «فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم») متفق عليه وفي رواية للبخاري.

وقال الله تعالى من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته.

وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.

وهنا تنبيه وهو أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعد على قطعها هي التي شُرع لها ذلك وهي الرحم الموافقة في الدين، فأما من أُمر بقطعه من أجل الدين أو رُخََص في هجره فيُستثنى من ذلك،

ولا يلحق بالوعيد من قطعه، لكن لو وُصلوا بما يُباح من أمر الدنيا لكان فضلاً.

وعلى هذا فصلة الأرحام يُشرع لها أن تستمر إذا كانت الرحم صالحة مستقيمة أو مستورة أما إذا كانت الرحم كافرة أو فاسقة فتكون صلتهم بالعظة والتذكير وبذل الجهد في ذلك فإن أعيته الحيلة في هدايتهم كأن يرى منهم إعراضاً أو عناداً أو استكباراً فله أن يهجرهم رخصةً إذا كان لغير فسقهم ، وإن كان لفسقهم فهو من شُعب الإيمان ، وأما إن خاف على نفسه أن يتردى معهم ويهو في حضيضهم فلينأ عنهم وجوباً وليهجرهم الهجر الجميل الذي لا أذى فيه بوجه من الوجوه وليكثر من الدعاء لهم بظهر الغيب لعل الله أن يهديهم ببركة دعائه، ثم إن صادف منهم غرة أو سنحت له لدعوتهم أو تذكيرهم فرصة فليتقدم وليعد الكرة بعد الكرة.

ص: 28

تعريف قطيعة الرحم:

اختلف أهل العلم في معنى القطيعة على أكثر من قول: 1 - الإساءة إليهم بغير حق.

2 -

عدم صلتهم.

وقطيعة الرحم اعتبرها المناوي من الكبائر، وكذلك الذهبي اعتبر هجر الأقارب هي الكبيرة التاسعة في كتابه الكبائر، لكن المناوي قيد هذه الكبيرة بإيذاء ذوي الأرحام –الواجب صلتهم-أو صدهم أو هجرهم، أما القطيعة بترك الإحسان فليست بكبيرة، حيث قال "وقطيعة الرحم من الاقتطاع من الرحمة، والرحم القرابة ولو غير محرم بنحو إيذاء، أو صد أو هجر، فإنه كبيرة أما قطيعتها بترك الإحسان إليها فليس بكبيرة".

أسباب قطيعة الرحم:

من أسباب قطيعة الرحم: الجهل ، وضعف التقوى ، والكبر ، والانقطاع الطويل ، والعتاب الشديد ، والتكلف الزائد ، وقلة الاهتمام ، والشح والبخل ، وتأخير قسمة الميراث ، والشراكة بين الأقارب والاشتغال بالدنيا ، والطلاق بين الأقارب ، وبُعد المسافة والتكاسل عن الزيارة والتقارب في المساكن بين الأقارب وقلة تحمل الأقارب والصبر عليهم ، ونسيان الأقارب في الولائم والمناسبات ، والحسد ، وكثرة المزاح والوشاية والإصغاء إليها ، وسوء الخلق من بعض الزوجات وغير ذلك.

أقسام الرحم:

1 -

رحم الدين وهي عامة. 2 - رحم خاصة وهي القرابة.

فالعامة تجب مواصلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة ، وأما الرحم الخاصة فتزيد النفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم وتتفاوت مراتب استحقاقهم في ذلك.

تعريف صلة الرحم:

المراد بصلة الرحم موالاتهم ومحبتهم أكثر من غيرهم لأجل قرابتهم وإيثارهم في الإحسان والصدقة والهدية على من سواهم ويتأكد ذلك مع الرحم الكاشح المُبغض عساه أن يرجع عن بغضه إلى مودة قريبه ومحبته ، والمعنى الجامع لصلة الرحم: هو إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر ، وقيل الصلة معناها عدم القطيعة.

والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة فيُرجع إلى العرف فيها فما سماه الناس صلة فهو صلة وما سماه قطيعة فهو قطيعة وهذه تختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم ، إلا أن يكون في مجتمع لا يبالون بصلة الأرحام فالعبرة بالصلة شرعاً وعموماً فإن كل ما يدل على سلامة القلوب يحصل به الصلة.

تعريف الواصل:

الواصل هو الذي يصل قرابته لله سواءً وصوله أم قطعوه.

فضائل صلة الرحم:

من فضائل صلة الرحم أنها سبب لمغفرة الذنوب ، ومن أحب الأعمال إلى الله ، وسبب لدخول الجنة

ص: 29

، والبعد عن النار ، وسبب لزيادة الرزق وطول العمر.

أسباب صلة الرحم:

من الأمور المعينة على الصلة الاستعانة بالله ، ومقابلة إساءة الأقارب بالإحسان ، وقبول أعذارهم إذا أخطئوا واعتذروا ، والصفح عنهم ، ونسيان معايبهم حتى لو لم يعتذروا ، والتواضع ولين الجانب ، وبذل المستطاع لهم وترك المنة عليهم ، والبعد عن مطالبتهم بالمثل ، وتوطين النفس على الرضا بالقليل من الأقارب ، وترك التكلف مع الأقارب ورفع الحرج عنهم ، وتجنب الخصام وكثرة الملاحاة والجدال العقيم مع الأقارب ، والمبادرة بالهدية إن حصل خلاف مع الأقارب والحرص على إصلاح ذات البين ، وتعجيل قسمة الميراث والحذر من إحراج الأقارب وذلك بالبعد عن كل سبب يوصل إلى ذلك ، ومراعاة أحوالهم وفهم نفسياتهم ، وإنزالهم منازلهم فمن الأقارب من يرضى بالقليل فتكفيه الزيارة السنوية ومنهم من تكفيه المكالمة الهاتفية ومنهم من يرضى بطلاقة الوجه والصلة بالقول فحسب ومنهم من يعفو عن حقه كاملاً ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة وبالملاحظة الدائمة فمعاملتهم بمقتضى أحوالهم يُعين على الصلة واستبقاء المودة ، ومن الأسباب كذلك التغاضي والتغافل وهو حسن مع الجميع ومع الأقارب من باب أولى.

حكم صلة الرحم:

صلة الرحم واجبة ويحرم قطعها ، ولا يجوز هجرها ولكن إن كان عذر بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق أو نحوهما، أو كان فيه صلاح لدين الهاجر أو المهجور فلا يحرم.

وعلى هذا فالصلة تكون واجبة إذا كان أهل الرحم أهل استقامة فإن كانوا كفاراً أو فجاراً فمقاطعتهم في الله هي صلتهم بشرط بذل الجهد في وعظهم ثم إعلامهم إذا أصروا بأن ذلك بسبب تخلفهم عن الحق ، ولا يسقط مع ذلك صلتهم بالدعاء لهم بظهر الغيب أن يعودوا إلى الطريق المثلى ، وذلك أن مقاطعة المبتدعة والعصاة مقدمة على صلة الرحم التي ورد الأمر بصلتها لأن الدين أهم من الرحم وهذا في حال التزاحم.

الأقارب الواجب صِلَتُهم:

مَن تَجب صلتُه هم أصْحاب الرَّحِم المحرَّمة من جهة الأمِّ والأب إذا كانوا من أهل الاستقامة، فكلُّ شخصَين لو كان أحدُهُما ذكرًا والآخر أنثى، إذا لم يَجُز التَّناكُح بينهما، كانت صلة الرَّحم بيْنهما واجبة، وإذا جاز التَّناكُح بيْنهما لم تَجب صلتُهما، فالأعمام والعمَّات والأخوال والخالات من الرَّحم المحرَّمة، التي يَجب صلتُها، وأولادُهم ليسوا من الرَّحم المحرَّمة، فصِلَتهم مستحبَّة لا واجبة؛ فعنْ أبِي هُرَيْرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم:((لا يُجْمع بين المرْأة وعمَّتها ولا بين المرأة وخالتها))؛ رواه البخاري ومسلم، فيحرم على الرجل أن يجمع في النِّكاح بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها ، لما يحصُل بين الضَّرائر من خصام بسبب الغيْرة، فيؤدِّي إلى قطيعةِ الرَّحم بين المرأة وعمَّتها وخالتها، ويجوز الجمع بين المرْأة وبين بنت عمِّها وبنت عمَّتها، وبين المرأة وبنت خالها وبنت خالتها، مع أنَّه قد يحصل بينهما تقاطع بسبب غيرة النِّساء، فدلَّ ذلك على أنَّ مَن تجِب صلته من الأقارب هي الرَّحِم المحرَّمة، وبِهذا الضَّابط يزول الإشْكال؛ لأنَّنا إذا قُلْنا تجِب صلة الرَّحِم وهم الأقارب لصعُب ضبطُهم؛ لأنَّ النَّاس كلَّهم أقارب يرجِعون لآدم، وإذا قلنا هذا تجب صلته وهذا لا تجب صلته، فهذا تحكُّم؛ لأنَّه لا دليل يسنده، هذا الذي أراه راجحًا من أقوال أهل

ص: 30

العلم، والله أعلم.

وهذا في باب التَّقرير العِلْمي، أمَّا في باب الواقع العملي فينبغي للشَّخص أن يصِل ما استطاع صِلَته من أقاربِه، فصلة عامَّة المسلمين قُرْبة وطاعة، فالأقارب وإن بعدوا أوْلى وأحرى بهذه الصِّلة.

وهنا تنبيه مهم وهو أن الَّذين تجب صلتُهم هم الأقارب الَّذين من النَّسب، أمَّا أقارب الرَّضاعة فليست صلتهم واجبةً، وإن كانوا يدْخُلون في تحريم النِّكاح، فالنُّصوص الواردة في الصِّلة هي في صلة النَّسب لا صلة الرَّضاعة، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:((يحرُم من الرَّضاعة ما يَحرم من النَّسب))، ولم يقُل صلى الله عليه وسلم يجب للرَّضاعة ما يجب للنَّسب؛ فلِذا لا يرِث القريب من الرَّضاعة ولا تجب له النَّفقة، لكن من حسن المعاملة ومكارم الأخلاق الإحسان إليْهم وصلتهم، واشتهر في كتُب السيرة أنَّ الشَّيماء بنت الحارث أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرَّضاعة حينما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أكرمها ونحلها مالاً.

هل أهل الزوجة أو أهل الزوج من الأرحام؟

الأرحام هم الأقارب من جهة الأب أو من جهة الأم أما أهل الزوجة فهم أصهار.

كيفية صلة الأرحام:

لم يُحدد الشرع لصلة الرحم أسلوباً معيناً أو قدراً محدداً، وإنما ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأعراف ، وما دام المسلم لا يهجر أقاربه ويصلهم ولو بالسلام فلا يُعد قاطعاً، وللصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، ولو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعاً، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له أن يفعله لا يسمى واصلاً.

وصلة الرحم تكون بأمور متعددة فتكون بزيارتهم ، والإهداء إليهم ، والسؤال عنهم ، وتفقد أحوالهم ، والتصدق على فقيرهم والتلطف مع غنيهم ، واحترام كبيرهم وتكون باستضافتهم ، وحسن استقبالهم ، ومشاركتهم في أفراحهم ومواساتهم في أحزانهم ، كما تكون بالدعاء لهم وسلامة الصدر نحوهم ، وإجابة دعوتهم ، وعيادة مرضاهم كما تكون بدعوتهم إلى الهدى ، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وتكون بالمال والعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه والسلام ، وتكون بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء ، وهي بشكل عام هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول.

حدود ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء وحكم تقبيل المحارم من النساء:

اختلف العلماء في تحديد ما يجوز أن يراه الرجل من محارمه من النساء، سواء كان أباً أو غيره.

فذهب الحنفية إلى جواز نظره إلى الرأس والوجه والصدر والساق والعضد، ويحرم عليه النظر إلى ما بين سرتها وركبتها وظهرها وبطنها، وعرَّفوا البطن بأنه ما لان من المقدم، والظهر ما يقابله من المؤخر.

وذهب المالكية -كما في منح الجليل-: إلى أنه لا يجوز له النظر إلى جميع جسدها غير الوجه والأطراف من عنق ورأس وذراع وقدم، لا ظهر وصدر وثدي وساق، ويجوز لمس وجهها وأطرافها إن لم يخش اللذة.

وذهب الشافعية: إلى أنه يجوز له النظر إلى جميع بدنها، ما عدا ما بين السرة والركبة، وقيل: ما يبدو في المهنة فقط قلتُ وهذا الراجح عندي.

قال الخطيب الشربيني في شرحه على المنهاج: (ولا ينظر الفحل من محرمه الأنثى من نسب أو

ص: 31