المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تولي الأتابك عز الدين أيبك السلطة: - المماليك البحرية وقضائهم على الصليبيين في الشام

[شفيق جاسر أحمد محمود]

الفصل: ‌تولي الأتابك عز الدين أيبك السلطة:

وأن يطلق جميع أسرى المسلمين، وأن يتعهد بألا يعود لمهاجمة سواحل بلاد الإسلام مرة أخرى، كما يدفع لها ثمانمائة ألفا دينار فدية لنفسه وللأسرى الصليبيين، وعوضا عما أتلفه في دمياط، ومقابل ذلك يتعهد المسلمون برعاية الجرحى من أسرى الصليبيين، وقيل أيضاً مقابل أن يحافظوا على بعض معدات الصليبين التي سيضطرون لإبقائها بمصر إلى أن يتمكنوا من نقلها، وجعلت مدة الاتفاقية عشر سنوات1.

ورغم كل ذلك فقد اضطربت الأمور في مصر عامة والقاهرة خاصة، وذلك احتجاجا وأنفة من حكم امرأة، وعمت الفوضى القاهرة، مما اضطر شجر الدر إلى الأمر بإغلاق أبوابها منعا لانتشار خبر هذه الاضطرابات2.

وزاد من خطورة هذا الوضع انضمام علماء المسلمين إلى العامة في هذه المعارضة، وعلى رأسهم الشيخ عز الدين عبد السلام3، الذي كتب كتابا حوله ما قد يبتلي به المسلمون بولاية امرأة4. كما لم يوافق الخليفة العباسي على توليها السلطة، وعير أهل مصر بذلك قائلا في رده على رسالة من المماليك يطلبون فيه تأييده لحكمها "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم فأعلمونا حتى نسير لكم رجلا"5.

1 السيوطي 911هـ _ 1505م جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر: حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة، 3 أجزاء، بولاق، 1312هـ: 2/35. المقريزي، السلوك: جـ 1قسم 2ص: 363.

2 عبد الله بن أيبك، أبو بكر (القرن الثامن) كنز الدرر وجامع الغرر، أو الدرة الزكية في أخبار الدولة التركية، تسعة أجزاء في 27 مجلداً، مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 578، قسم 1 من جـ 8 لوحة 2.

3 ولد الشيخ عز الدين عبد السلام عام 577هـ، ودرس في دمشق على يد ابن عساكر، وتولى إمامة وخطابة المسجد الأموي، ورحل عن دمشق احتجاجا على استعانة الملك الصالح إسماعيل بالفرنج سنة 639هـ، فولاه الملك الصالح خطابة جامع عمرو بن العاص ثم عهد إليه بتدريس المذهب الشافعي في مدرسته بين القصرين بالقاهرة، وتفي سنة 660هـ. أبو الفداء إسماعيل بن علي بن عماد الدين 732هـ _ 1331م، 1286هـ، المختصر في أخبار البشر: 3/224، القسطنطينية، 1286هـ. السيوطي، حسن المحاضرة:34.

4 السيوطي، حسن المحاضرة، ص:34.

5 المقريزي، السلوك: 1/368_ 369.

ص: 119

‌تولي الأتابك عز الدين أيبك السلطة:

وعند ذلك رأى المماليك البحرية الصالحية المؤيدين لشجر الدر أنه لابد لهم من حل لهذا الموقف وقالوا: "لا يمكننا حفظ البلاد والملك لامرأة، ولابد من إقامة رجل للمملكة تجتمع الكلمة عليه"6.

6 ابن واصل، مفرج الكروب: 2/376.

ص: 119

وزاد من اقتناعهم بهذا الرأي، خوفهم من خطر الناصر يوسف الأيوبي صاحب حلب1، الذي استغل هذا الموضوع لصالحه ورأى فيه فرصة سانحة للاستيلاء على مصر، فقام بالاستيلاء على دمشق وبعض نواحي الشام، مما أخاف المماليك2 فسارعوا إلى تزويجها من الأتابك عز الدين أيبك التركماني أتابك العسكر، وتنازلت له شجر الدر عن السلطة بعد ثمانين يوما من حكمها. فأصبح معز الدين أيبك سلطانا3- ولو بالاسم- حيث إن شجر الدر "كانت هي المسئولة عنه في كل أحواله ليس له معها كلام4.

وقد سبق أن ذكرت أن اختيار المماليك له لهذا المنصب كان لاعتقادهم بضعفه مقارنة بأقطاي وبيرس، وأنه سيكون من السهل عليهم عزله متى شاءوا5.

وقد خاب ظنهم فيه، حيث أثبت أيبك أنه ليس بالحاكم الألعوبة، فمنذ بداية عهده بادر إلى اغتيال أكبر منافسيه وهو خوشداشة أقطايى الجمدار عام 652 هـ (1254م) وساعده في ذلك كل من قطز وبهادر وسنجر وعدد من المماليك المعزية، واضطر خشداشية أقطاي من المماليك إلى الفرار، ومنهم بيبرس البندقداري وقلاوون الألفي، حيث لم يستطيّعوا مغادرة القاهرة التي كانت موصدة الأبواب، إلا بحرق إحدى الأبواب التي ظلت تسمى بالباب المحروق، وتابعوا هربهم نحو الشام وتفرقوا ما بين دمشق وحلب والكرك ودولة السلاجقة6.

وعند ذلك قام أيبك بمصادرة أموال المماليك الفارين، وتجريد من بقي منهم في مصر من سلطاتهم، ولم يفلح الملك الناصر يوسف صاحب حلب ودمشق والمنافس السابق لشجر الدر في مساعدتهم، فاضطروا للتوجه إلى المغيث عمر في الكرك7. ولإبطال حجة الملوك

1 هو الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن العزيز محمد، بن الظاهر غازي، بن صلاح الدين يوسف بن أيوب ولد 627 هـ_ 1229 م، وحكم حلب 634- 658 هـ (1236 -1260 م) ودمشق 648- 658 هـ (.125- 1260م) وقتل 658 هـ 1260م. أبو شامة، الذيل 2/ 236

2 امتنع الأمراء القيمرية بدمشق عن مبايعة شجر الدر وذلك بزعامة الأمير حمال الدين بن يغمور نائب السلطة بدمشق، وكتبوا يستعينون بالملك الناصر صلا الدين بن يوسف صاحب حلب فجاء ودخل دمشق 10 ربيع الثاني 648 هـ 1250م دون قتال.

3 المقريزي، السلوك: 1/ 367- 369.

4 أبو المحاسن، النجوم: 6/ 374.

5 ابن إياس، بدائع الزهور: 1/ 40.

6 المقريزي، السلوك: 1/ 366- 368 0 ابن كثير البداية والنهاية جـ13 ص 185.

7 هو الملك المغيث، فتح الدين عمر بن العادل سيف الدين أبي بكر بن الكامل بن العادل بن أيوب، كان بالقَاهرة عند عماته وذلك لدى موت الملك الصالح أيوب، فاعتقله الأمير حسام الدين نائب السلطنة حتى لا ينصبه فخر الدين ملكا، ولما جاء تورانشاه وتولى السلطنة، نفاه إلى الشوبك وسجنه، وهو آخر ملك أيوبي على الكرك، قبض عليه بيبرس وقتله عام 661 هـ (1263م) . (القلقشندي، صبح الأعشى: 4/ 176)

ص: 120

الأيوبيين في الشام، ومطالبتهم بعرش مصر، قام أيبك بتولية الطفل الأشرف، موسى الأيوبي1 السلطنة وهو في السادسة من عمره، وجعله شريكا له في الحكم، فخطب باسمهما على المنابر وسكت العملة باسمهما2.

ولما لم تنطِل حيلته هذه على الناس، التجأ أيبك إلى الاستعانة بالخليفة العباسي المستعصم بالله في بغداد، ونصب نفسه نائبا له على مصر3، ثم أخذ في الاستعداد للتصدي للملك الناصر يوسف، الذي كان قد كاتب الملك لويس التاسع في عكا، عارضا عليه التعاون ضد أيبك مقابل تسليمه القدس للصليبين- وكانت تحت حكم الأيوبيين-. ولما علم أيبك بهذه المفاوضات أرسل إلى لويس التاسع مهددا بقتل أسرىَ الصليبيين الذين لديه، وواعدا إياه إن رفض عرض الناصر أن يقوم بتعديل اتفاقية دمياط لإعفائه من نصف الفدية المتفق عليها، وطلب منه بدوره أن ينضم إلى جانبه، فرد عليه لويس بأنه قرر الوقوف على الحياد بينه وبن الناصر4.

وتقدم الملك الناصر حتى العباسية بين مدينتي بلبيس والصالحية 649 هـ- 1251م فهزمه أيبك5 بسبب انحياز مماليكه العزيزية إلى المماليك، ولاحقه حتى الشام، واتفق أيبك مع لويس التاسع على أن يساعده ضد الناصر يوسف مقابل تسليمه القدس، ولكن هذا الاتفاق لم ينفذ، حيث تدخل الخليفة العباسي بين الناصر وأيبك 651 هـ (1253م) لمنع تسليم القدس للصليبيين حيث أرسل رسوله الشيخ نجم الدين البادورائي فأصلح بين صاحب مصر وصاحب الشام، وأيضا لإحساسه- أي الخليفة- ببداية الخطر المغولي الذي داهم الخلافة من الشرق6. واتفق على أن تكون مصر وجنوب فلسطين بما فيها غزة والقدس للمماليك7.

1 الملك الأشرف مصطفى الدين موسى بر الناصر يوسف بن الملك المسعود بن الملك الكامل، بن العادل بن أيوب، أقيم في السلطة سنة 648 هـ، وخلعه أيبك سنة 650هـ، وظل اسمه يذكر في الخطبة حتى سنة 652هـ. (ابن واصل، مفرج الكروب جـ2، لوحة 376) .

2 المقريزي، السلوك:1/ 369 0ابن إياس، بدائع الزهور:1/90. أفاد ابن كثير، البداية والنهاية ص179، إن عمره كان عشر سنين.

3 أبو الفداء، المختصر: 3/ 192.

4 جوزيف نسيم، العدوان الصليبي على مصر ص 274.

5 ابن واصل، مفرج الكروب: 382، 383.

6 المقريزي، الخطط: 385 – 386. وابن كثير، البداية والنهاية جـ13 ص 184.

7 المقريزي، السلوك: 1/385 _386. انظر: تفصيل ذلك في ص 223 من هذا الباب.

ص: 121