المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي - أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين

[محمد بن محمد العواجي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة:

- ‌تمهيد:

- ‌أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الدينية (المنهج الدعوي)

- ‌الأمر الأول: في المراحل الدعوية

- ‌الأمر الثاني: التركيز على الجانب العقدي

- ‌الأمر الثالث: أنّ السيرة النبوية مصدر مَعِين لمن يريد التبحر في علوم الشريعة

- ‌المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية

- ‌المطلب الأول: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم

- ‌المطلب الثاني: في كيفية تعليمه صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة وتربيته لهم

- ‌المطلب الثالث: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع بعض المشكلات الاجتماعية

- ‌المبحث الثالث: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية السياسية

- ‌المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية

- ‌المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال

- ‌المطلب الثاني: اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالنواحي الاقتصادية

- ‌المبحث الخامس: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية العسكرية

- ‌المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية

- ‌المطلب الثاني: في الضوابط التي وضعها الشارع للجيش الإسلامي

- ‌المطلب الثالث: الاهتمام بافتناء السلاح

- ‌المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي

‌المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي

من الأشياء العجيبة تلك التنظيمات التي كان يتبعها النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك السياسة التي كان ينتهجها عليه الصلاة والسلام في غزواته.

1-

فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزو العدو جعل أميراً على المدينة يخلفه عليها حتى يرجع (1) ، وإذا أرسل سرية أمَّر عليهم رجلاً منهم (2) .

وهذا يدل على أهمية وجود الأمير في السلم والحرب، وأنّ الأمور لا تنضبط إلا بوجوده.

2-

من سياسته العسكرية عليه الصلاة والسلام أنّه لا يريد غزوة إلاّ ورَّى (3) بغيرها (4) ، حتى يباغت الأعداء ويأخذهم على حين غِرَّة، وهذا في حالة إنذارهم من قبل، أما مباغتتهم بدون إنذار فلا، وذلك كتصبيحه صلى الله عليه وسلم بني النضير (5) ، وإخفاء خروجه صلى الله عليه وسلم لفتح مكة وغيرهما (6) .

3-

كانت للنبي صلى الله عليه وسلم رايات يحملها جماعة من أصحابه، فقد كانت للمهاجرين راية، وللأنصار رايتان واحدة للأوس، وأخرى للخزرج (7) .

(1) صحيح مسلم، رقم الحديث (1731) .

(2)

الطبقات الكبرى لابن سعد (2/8، و2/9، 2/12) وغيرها.

(3)

ورَّى بغيرها: أي أوهم غيرها، والتورية: أن يذكر لفظاً يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد، فتح الباري للحافظ ابن حجر (8/117) .

(4)

صحيح البخاري، رقم (4418) .

(5)

انظر: مصنف عبد الرزاق (5/358) وما بعدها، رقم الحديث (9733) .

(6)

انظر: البخاري، رقم الحديث (4274) .

(7)

انظر في أمر الألوية والرايات: سنن الترمذي (3/115) ، وفتح الباري (7/477) ، والتراتيب الإدارية للكتاني (1/320) .

ص: 49

والهدف من حمل الرايات -والله أعلم- التميّز عن الغير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تقاتل كل فئة تحت رايتها فتستميت دونها، وحتى لا تأتي الهزيمة من قِبَلها، وبما أنّ حامل الراية هو الأكثر عرضة للقتل، فلا بد أن يكون متصفاً بالشجاعة والإقدام؛ لأنّ الراية إذا سقطت انهار الجيش.

وقد كانت بعضُ راياتِ النبي مكتوباً عليها: لا إله إلا الله (1) .

وهذا يدلّ على أنّ العبارات الإسلامية التي تكتب اليوم على الأعلام لها أصل في السيرة النبوية.

4-

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفر الناس وتجهزوا استعرضهم حتى لا يخرج معه إلا من كان قادراً على القتال، فكان صلى الله عليه وسلم لا يسمح باصطحاب الغلمان، والعجزة كما حصل في غزوة أحد (2) ، ولا يسمح للمشركين بالقتال مع المسلمين جنباً إلى جنب (3) .

وهذا يدل على أخذ الحيطة والحذر؛ لأنّ المشركين يخشى منهم الغدر والخيانة وهم مظنة ذلك مع إخوانهم المنافقين.

5-

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وصل أرض المعركة اتخذ له مكاناً مناسباً وجعل جيشه في صفوف حتى لا يخترق، ثم يوصيهم بتقوى الله والصبر والسمع والطاعة، وكان يجعل لهم شعاراً يعرف به بعضهم بعضاً، وهذا الشعار يكون في كلمة أو كلمتين، مثل الشعار الذي كان لهم في غزوة بني المصطلق

(1) فتح الباري (7/477) .

(2)

البخاري، رقم (4097) ، ومسلم، حديث رقم (1868) .

(3)

صحيح مسلم، رقم (1817) .

ص: 50

((يا منصور أَمِتْ)) (1) .

لأنّ بعض المقاتلين لا يعرف بعضهم بعضاً من تغطية السلاح لأشياء كثيرة من أجسادهم ووجوههم، فقد لا ترى إلا الحدق -العيون- منهم، فحتى لا يضرب بعضهم بعضاً كانت هذه الشعارات، وهي متوارثة بين الجيوش في هذا الزمن، لكن كلمة السر تختلف بالطبع من بلد إلى آخر.

6-

مشاورة أصحابه صلى الله عليه وسلم: كان عليه الصلاة والسلام يتخذ كل التدابير وكافة الاحتياطات للعدو، من ذلك مشاوراته لأصحابه مما يجعل الجندي قريباً من الأمير، وفي هذه الحالة يمكن للجندي أن يشارك في صنع بعض القرارات العسكرية ويشير بما يراه، ومن ذلك إشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب (2) . وهذا العمل لم يكن معروفاً عند العرب، ولذلك تفاجأت قريش ومن معها عندما رأت الخندق حول المدينة.

7-

أيضاً كانت الحرب الإعلامية لها دور كبير، وإن لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة التي في زمننا، لكنها قريبة منها، وذلك كقصة نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه في غزوة الخندق عندما خذَّل بين الفريقين المشركين واليهود من بني قريظة بطريقة معينة (3) أدت إلى فشل خطة الفريقين وبالتالي ساهمت في هزيمتهم بفضل الله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(1) المعجم الأوسط للطبراني (6/134-135) رقم (6015) عن سنان بن وبرة، قال: ((كنا مع النبي (في غزوة المريسيع

)) فذكره.

(2)

الطبقات الكبرى لابن سعد (2/66) معلقاً.

(3)

انظر تفصيل ذلك في مصنف عبد الرزاق (5/368-369) من طريق الزهري عن ابن المسيب مرسلاً.

ص: 51

"الحرب خُدعة"(1) .

8-

كان النبي عليه الصلاة والسلام يحاول جاهداً معرفة العدو وما يتعلق به من عدة وعتاد، وذلك بإرسال الجواسيس كما حصل في غزوة بدر الكبرى (2) ، وغزوة الخندق (3) ، وبني قريظة (4) ، وغيرها.

فمن خلال تلك التنظيمات والتعليمات السائدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن الاستفادة منها في هذا العصر وفي كل عصر، مع الأخذ بعين الاعتبار الاستفادة من التقنيات الحديثة في الكشف عن مخططات الأعداء، وكل ما يتعلق بتنظيماتهم ومخططاتهم ضد الإسلام والمسلمين، فلها أصل أصيل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يتضح جليّاً أهمية دراسة السيرة النبوية في حياة المسلمين وضرورة العناية بها، وإن كان الموضوع فيه نقص كبير، فالسيرة النبوية هي لُبُّ الإسلام، ولا يمكن أن يفي هذا البحث المتواضع بجميع جوانبها، لكن ذلك جهد المقل، وإلا فالسيرة النبوية معين لا ينضب، وبحر لا تكدِّره الدلاء، والله المستعان، والحمد لله ربِّ العالمين.

(1) البخاري، رقم (3029) ، ومسلم حديث رقم (1740) .

(2)

صحيح مسلم، حديث رقم (1779) .

(3)

صحيح مسلم، حديث رقم (1788) .

(4)

البخاري، حديث رقم (4113) ، ومسلم، حديث رقم (2415) .

ص: 52