الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية
المطلب الأول: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم
…
المبحث الثاني: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاجتماعية
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم.
المطلب الثاني: في كيفية تعليمه صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة وتربيته لهم.
المطلب الثالث: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع بعض المشكلات الاجتماعية.
المطلب الأول: في كيفية تعامله صلى الله عليه وسلم مع خصومه من الكفار وصبره على أذاهم
لقد سلك النبي صلى الله عليه وسلم طريقة عجيبة في كيفية دعوة الناس إلى الإسلام، ستظل نبراساً لكل من أراد الاهتداء بهديه سالكاً طريقته عليه الصلاة والسلام، إنّها طريقة الصابرين {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم:60] .
إنّ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام مليئة بالمواقف العجيبة التي تَجَلَّى فيها حلمه عليه الصلاة والسلام وصبره على الأذى من أجل المحافظة على العلاقة الاجتماعية.
1-
لما نزلت الآية الكريمة {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] .
صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي – لبطون قريش – حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجُل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال:"أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلاً بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مصدِّقيّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد"، فقال أبو لهب: تبّاً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (1)[المسد:1-2] .
(1) البخاري رقم (4770) ، ومسلم رقم (204) واللفظ للبخاري.
فانظر إلى موقف أبي لهب العجيب من النبي صلى الله عليه وسلم يصدقه أولاً، ثم يكذبه ويسخر منه ومن مقولته، بل إن مجيئه ابتداء وتلبيته لنداء النبي صلى الله عليه وسلم يدل على تصديقه، لكنه ما تمالك نفسه حتى نال من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام.
والحق أن الأعجب من ذلك هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم من أبي لهب، فلم يرد عليه مقولته؛ لأنّه يعلم يقيناً إِنْ ردّ عليه فسينقسم الناس إلى قسمين، قسم مؤيد لأبي لهب مستنكرين رَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم بحكم موقع أبي لهب النَّسَبي، فهو عَمُّه، وعمُّ الرجل صنو أبيه (1) ، وقد يَعُدُّ بعضهم ذلك الرد تطاولاً من النبي على عمِّه، وقسم مؤيد للنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يفسد الهدف الذي من أجله كان الاجتماع، وهو دعوتهم إلى الله، وإقامة الحجة عليهم فآثر السكوت عليه الصلاة والسلام، مفوضاً أمره إلى الله سبحانه وتعالى، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فحاشاً ولا صخاباً، فتولى الباري جل وعلا الرد على أبي لهب، فأنزل في شأنه سورة تتلى إلى يوم القيامة {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} الآيات [المسد:1-3] .
2-
قال ابن إسحاق: ((ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده (2) ، فلما وصل إليهم ودعاهم إلى الإسلام ردُّوه أقبح رد، وأغلظوا له القول، بل وحرَّشُوا
(1) جزء من حديث، أخرجه مسلم، رقم (983) وغيره.
(2)
سيرة ابن إسحاق (ابن هشام)(1/419) .
عليه الصبيان والسفهاء، فآذوه ورموه بالحجارة حتى سال الدم من عقبيه الشريفين عليه الصلاة والسلام، فكان موقفاً أليماً، رجل يدعو قومه إلى الله عز وجل، وهم يكذبونه ويتجهمونه، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:((هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقتُ، وأنا مهموم على وجهي (1) ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (2) ، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل"، فنادى فقال: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد بعث الله إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: ((يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (3) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بل أرجو أن يخرج الله مِن أصلابهم مَن يعبده وحده لا يشرك به شيئاً" (4) .
فانظر إلى صبر النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه، الدم يسيل من عقبيه الشريفين، ويسأله ملَك الجبال إن كان يريد أن يطبق عليهم الأخشبين يفعل، ومع ذلك يتضرع إلى الله سبحانه، ويدعوه أن يخرج مِنْ أصلابهم مَنْ يعبده وحده، لا يشرك به
(1) أي على الجهة المواجهة لي، الفتح (6/315) تحت شرح حديث رقم (3231) .
(2)
قرن الثعالب، هو ميقات أهل نجد، ويقال له أيضاً قرن المنازل. المصدر السابق.
وهو على طريق الطائف من مكة المار بنخلة اليمانية، يبعد عن مكة ثمانين كيلاً، ومن الطائف ثلاثة وخمسين كيلاً. المعالم الأثيرة في السنة النبوية، لمحمد شراب.
(3)
المراد بالأخشبين: جبلا مكة، أبو قبيس، والذي يقابله وكأنه قُعَيْقِقَان، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما: أن يلتقيا على من بمكة. الفتح (6/316) ، تحت شرح حديث رقم (3231) .
(4)
البخاري مع الفتح (16/316) حديث رقم (3231) .
شيئاً! سبحان الله! ما أعظمها من دروس، أين دعاة اليوم من هذه الدروس العظيمة في الصبر والحلم والعفو والصفح؟
فلو دعا عليهم ووافق الملَك فيما أُمر به لهلكت قريش، ولكن ثم ماذا؟ فإذا هلكت قريش وهي ريحانة العرب فماذا بقي؟
لكن يظهر أيضاً أن القضية أكبر من ذلك، فهي دروس تعليمية للدعاة من أمته عليه الصلاة والسلام، فلو أن كل من أصابه بلاء انتقم لنفسه لم يبق للصبر ثمرة، كيف وقد رتب الله عليه أعظم الأجر، حيث قال جل شأنه:{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157] .
وما هي إلا سنوات قلائل، وتفتح مكة على يد النبي صلى الله عليه وسلم، في السنة الثامنة من الهجرة وتتحقق دعوته صلى الله عليه وسلم، ويُسْلم بقية أهل مكة بعد أن عفا عن كل من ناصبه العداء، ثم تأتي ثقيف فتدخل في الإسلام، ويعم الخير العظيم هاتين القبيلتين، وشاء الله أن يقبض نبيه صلى الله عليه وسلم ويتوفاه بعد فترة وجيزة تقارب السنتين، ويرتد كثير من العرب عن الإسلام، لكن العجب أن قبائل قريش وثقيف لم يرتد منهم أحد، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:"خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"(1) . فقد كانت قريش من خيار العرب، وكيف لا يكونون كذلك والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم منهم؟ وهكذا نرى آثار تلك الدعوات الصادقة قد آتت ثمارها، وذلك الحِلْم والعفو والصبر والصفح أثمر غراسه، فصلى الله عليه وسلم.
3-
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة من الهجرة لفتح خيبر، وكانت
(1) البخاري، رقم 03353) ، ومسلم، رقم (2378) .
معقل يهود بعد إجلاء بني النضير إليها، فلما وصلها صلى الله عليه وسلم حاولت يهود قتله صلى الله عليه وسلم بطريقة حقيرة ودنيئة تنم عن خبث ومكر اليهود، فعن أنس رضي الله عنه:((أن امرأة (1) يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك، قال:"ما كان الله ليسلطك على ذاك"، قال: أو قال: "عليّ" قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: "لا"(2) .
فانظر إلى سماحة الإسلام، لم يأمر صلى الله عليه وسلم بقتلها مع أنها اعترفت بجريمتها وظفر بها، ومع ذلك عفا عنها؛ لأنّ الإسلام دين السماحة والعفو.
4-
لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة في السنة الثامنة (3) من الهجرة وبالتحديد في شهر رمضان (4) كان عدد جيش المسلمين عشرة آلاف رجل، فرأت قريش أنه لا طاقة لها بقتال النبي صلى الله عليه وسلم، وظنت أنه سيبطش بها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن الجميع، فأسلم عدد كبير منهم، بل وعندما جاءت غنائم حنين، جعل صلى الله عليه وسلم يعطي بعضهم عطاء جزلاً، فقد أعطى صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة (5) ، وعندما غضبت الأنصار من ذلك، ذكر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إنما
(1) اسمها: زينب بنت الحارث، أخي مرحب، وهي امرأة سلَاّم بن مِشْكم، ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام)(2/337) ، وابن سعد في الطبقات (2/201) .
(2)
صحيح مسلم، رقم (2190) وقد ذكر عبد الرزاق في المصنف، رقم (19814) عن الزهري أنها أسلمت، وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (7/497-498) نقلاً عن مغازي سليمان التيمي أنها أسلمت أيضاً.
(3)
صحيح البخاري، رقم (4276) .
(4)
المصدر السابق.
(5)
كصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، انظر قصة هروبهما، الموطأ رقم (44) ، وابن إسحاق (ابن هشام)(2/417-418)، وفيه ضعف لكن قال ابن عبد البر في التمهيد (12/19) : ((وشهرة هذا الحديث أقوى من إسناده» إن شاء الله.