المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خوف الشقاق بين الزوجين، مفهومه، وأسبابه - النشوز بين الزوجين

[عايد الحربي]

الفصل: ‌خوف الشقاق بين الزوجين، مفهومه، وأسبابه

‌خوف الشقاق بين الزوجين، مفهومه، وأسبابه

قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} سورة النساء: 35.

قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا}

الخوف هنا بمعنى العلم والتيقن، لا مجرد الظن، أي وإن علمتم وتأكدتم حصول الشقاق والمخالفة المؤدي إلى التخاصم والترافع، بسبب استمرار النشوز وشدة الاختلاف والتنازع؛ وبهذا قال جمهور المفسرين (1) ، وهو الظاهر من سياق الآية ودلالتها، كالأمر ببعث الحكمين والحث على إرادة الإصلاح والتوفيق ونحوه. وقيل: الخوف هنا بمعنى الظن وتوقع حصول الشقاق بظهور أسبابه (2) . ولعل مراد القائلين بالظن هنا هو ظن ازدياد الشقاق وتفاقم أمره فوق ما هو عليه، أما الشقاق من حيث وجوده وظهوره، فظاهر موجود، وإلا لما كان لبعث الحكمين معنى. جاء في تفسير الفخر الرازي: قال ابن عباس: ((خفتم)) علمتم، قال: وهذا بخلاف قوله: {َاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} فإن ذلك محمول على الظن، والفرق بين الموضعين أن في الابتداء يظهر له إمارات النشوز، فعند ذلك يحصل الخوف، وأما بعد الوعظ والهجر والضرب لما أصرت على النشوز، فقد حصل العلم بكونها ناشزاً، فوجب حمل الخوف هاهنا على العلم (3) .

(1) انظر: تفسير الطبري 5/70، وتفسير الفخر الرازي 10/95، وتفسير الخازن مع البغوي

2/63، وتيسير البيان لأحكام القرآن للموزعي 1/621، وتفسير الآلوسي 5/26، وتفسير آيات الأحكام للسايس 2/100.

(2)

انظر: الموضعين السابقين من تفسير الخازن والآلوسي، وانظر: تفسير المنار 5/77.

(3)

تفسير الفخر الرازي 10/95.

ص: 40

والحاصل أن حال المرأة مع زوجها إما الطواعية، وإما النشوز، والنشوز إما تعقبه الطواعية، وإما النشوز المستمر، فإن أعقبته الطواعية فتعود كالطائعة أولاً، وإن استمر النشوز واشتد، بعث الحكمان (1) ، وهو المراد بخوف الشقاق هنا.

والشقاق، والمشاقة: غلبة العداوة والخلاف، شاقه مشاقة وشقاقاً: خالفه، فالشقاق: العداوة بين فريقين، والخلاف بين اثنين، سمي ذلك شقاقاً، لأن كل فريق من فرقتي العداوة قصد شقاً أي ناحية غير شق صاحبه؛ كذا في اللسان (2) .

ويقول ابن جرير الطبري: يعني بقوله جل ثناؤه: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشق عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حق الله عليها، الذي ألزمها الله لزوجها؛ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان.

والشقاق: مصدر من قول القائل: شاق فلان فلاناً، إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقاً، وذلك قد يكون عداوة (3) .

فاشتقاقه من الشق - بكسر الشين - وهو الجانب، لأن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر. ويمكن أن يكون مشتقا من الشق - بفتح الشين - وهو الصدع والتفرع، ومنه قولهم: شق عصا الطاعة، فإن كل واحد من المتخالفين يقول أو يفعل ما يشق على الآخر (4) .

(1) البحر المحيط لأبي حيان 3/629.

(2)

لسان العرب، مادة ((شقق)) .

(3)

تفسير الطبري 5/70.

(4)

انظر: تفسير الفخر الرازي 10/95، وتفسير الخازن مع البغوي 2/63، والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 5/45.

ص: 41

وجملة ذلك أن أصل الشقاق إما من الشق، وهو الجانب، فإن كل واحد من المتخالفين صار في شق غير شق الآخر. وإما المشاقة، مفاعلة من الشقاق، وهو الخلاف، فإن كلا من المتخالفين يفعل ما يشق على الآخر.

وقولُه: (شقاق بينهما) أصله: شقاقاً بينها، فأضيف الشقاق إلى الظرف

((بين)) على سبيل الاتساع، إما لإجراء الظرف مجرى المفعول به، كقوله:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} (1)، أصله: بل مكر في الليل والنهار. أو مجرى الفاعل، بجعل البين مشاقاً، والليل والنهار ماكرين، كما في قولهم: نهاره صائم (2) .

وفي تفسير القرطبي: قوله: {شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} المراد: وإن خفتم شقاقاً بينهما، فأضيف المصدر إلى الظرف، كقولك: يعجبني سير الليلة المقمرة، وصوم يوم عرفة، وفي التنْزيل:{بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار} (3) ؛ وقيل: إن ((بين)) أجري مجرى الأسماء، وأزيل عنه الظرفية، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبتهما (4) .

والضمير في ((بينهما)) عائد على الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداءً من قوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} .

(1) سورة سبأ، آية:(33) .

(2)

انظر: الكشاف للزمخشري 1/525، وحاشية محي الدين زاده على تفسير البيضاوي 2/34، وتفسير الآلوسي 5/26.

(3)

سورة سبأ، الآية:(33) ، {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً

} .

(4)

تفسير القرطبي 5/175.

ص: 42

الحكمان، وما يتعلق ببعثهما،

ووصفهما، ووظيفتهما، وما يترتب على حكمهما

وقوله: {َابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا}

الخطاب في ((وإن خفتم)) وفي ((فابعثوا)) للحكام، ومن يتولى الفصل بين الناس، وهو قول الجمهور (1) .

وذلك أن الإمام أو نائبه هو الذي يلي أمر الناس في العقود والفسوخ، وله نصب الحكمين، وهو الذي يتولى فصل الخصومات وفض النزاعات، والمنع من التعدي والظلم، وإليه يكون الترافع وتنفيذ الأحكام.

ثم إنه تعالى لما ذكر نشوز المرأة، وأن للزوج أن يعظها، ثم يهجرها في المضجع إن لم تنْزجر، ثم يضربها إن أصرت على نشوزها، ثم لم يجعل بعد الضرب للزوج إلا المحاكمة إلى من ينصف المظلوم منهما من الظالم، ويتوجه حكمه عليهما، وهو السلطان الذي بيده سلطة الحكم والتنفيذ.

وقيل: الخطاب في ذلك عام، ويدخل فيه الزوجان وأقاربهما، فإن قام به الزوجان أو ذوو القربى أو الجيران فذاك، وإلا وجب على من بلغه أمرهما من المسلمين أن يسعى في إصلاح ذات بينهما بذلك. فهو خطاب لكل أحد من صالحي الأمة، لأن قوله تعالى:{فَابْعَثُوا} خطاب للجمع، وليس حمله على البعض أولى من حمله على البقية، فوجب حمله على الكل، فعلى هذا يكون أمراً لآحاد الأمة، سواء وجد الإمام أو لم يوجد، فللصالحين أن يبعثوا حكماً من أهله

(1) تفسير الطبري 5/71، وأحكام القرآن للجصاص 2/190، وزاد المسير 2/77، وتفسير القرطبي 5/175، وتفسير الآلوسي 5/26.

ص: 43

وحكماً من أهلها، وأيضاً فهو يجري مجرى دفع الضرر، فلكل واحد أن يقوم به (1) .

قال صاحب تفسير المنار: وكلا القولين وجيه، فالأول يكلف الحكام ملاحظة أحوال العامة، والاجتهاد في إصلاح أحوالهم، والثاني يكلف كل المسلمين أن يلاحظ بعضهم شؤون بعض، ويعينه على ما تحسن به حاله (2) .

قلت: والظاهر - والله أعلم - أن بعث الحكمين إن كان لأجل الفصل والقضاء فإن ذلك مما يتعلق بمن بيده سلطة الحكم والتنفيذ، وهو الحاكم أو من يقوم مقامه. أما إن كان بعثهما للتوفيق وإصلاح ذات البين فيترجح القول بالعموم؛ والله أعلم.

وقد ذكر ابن جرير الطبري في ذلك قولين: أحدهما: ما أخرجه عن سعيد ابن جبير والضحاك: أن المأمور بذلك هو السلطان. والآخر: ما أخرجه عن السدي: أن المأمور بذلك الزوجان.

ثم يقول الطبري بعد ذلك: وأولى الأقوال بالصواب في قوله: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} إن الله خاطب المسلمين بذلك، وأمرهم ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق بين الزوجين للنظر في أمرهما، ولم يخصص بالأمر بذلك بعضهم دون بعض، وقد أجمع الجميع على أن بعثة الحكمين في ذلك ليست لغير الزوجين، وغير السلطان، الذي هو سائس أمر المسلمين، أو من أقامه في ذلك مقام نفسه.

(1) انظر: تفسير الفخر الرازي 10/95، وتفسير الخازن مع البغوي 2/64، وتفسير المنار

5/78-79.

(2)

تفسير المنار 5/79.

ص: 44

واختلفوا في الزوجين والسلطان، ومن المأمور بالبعثة في ذلك، الزوجان، أو السلطان، ولا دلالة في الآية تدل على أن الأمر بذلك مخصوص به أحد الزوجين، ولا أثر به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة فيه مختلفة. وإذا كان الأمر على ما وصفنا، فأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون مخصوصاً من الآية من أجمع الجميع على أنه مخصوص منها، وإذا كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون الزوجان والسلطان ممن قد شملهم حكم الآية (1) .

والحكم: هو من يصلح للحكومة بين الناس، والفصل بين المتنازعين، والسعي لإصلاح ذات البين.

ويشترط في الحكمين الصفات التي تخولهما الحكم في الخلاف بين الزوجين، بأن يكونا ثقتين، عدلين، حسني السياسة والنظر في حصول المصلحة، عالمين بحكم الله في الواقعة التي حكّما فيها.

وظاهر الآية أنه يشترط في الحكمين أن يكونا من الأقارب، لقوله تعالى:

{حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} ، وأن ذلك على سبيل الوجوب، ولكن العلماء حملوه على وجه الاستحباب، وقالوا: إذا بعث القاضي حكمين من الأجانب جاز، لأن فائدة الحكمين التعرف على أحوال الزوجين، وإجراء الصلح بينهما، والشهادة على الظالم منهما، وهذا الغرض يؤديه الأجنبي كما يؤديه القريب، إلا أن الأقارب أعرف بحال الزوجين من الأجانب، وأشد طلباً للإصلاح، وأبعد عن الظنة بالميل إلى أحد الزوجين، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس، فيطلعوا على ما في ضمير كل من الزوجين من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة، وموجبات ذلك ومقتضياته، لذلك كان الأولى والأوفق أن يكون أحد الحكمين من أهل

(1) تفسير الطبري 5/71، 75.

ص: 45

الزوج، والآخر من أهل الزوجة (1) .

وظاهر الأمر في قوله تعالى: {فَابْعَثُوا} أنه للوجوب، وبه قال الشافعي، لأنه من باب رفع الظلامات، وهو من الفروض العامة الواجبة على الولاة (2) .

والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين، لينظرا في شكوى كل منهما، وما يدعيه على الآخر، وليعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما. وذلك إذا أشكل أمر الزوجين بسبب استمرار النزاع المعبر عنه بالشقاق، كأن يدعي عليها الزوج النشوز، وتدعي عليه هي ظلمه وتقصيره في حقوقها، ثم لا يفعل الزوج الصلح ولا الصفح ولا الفرقة، ولا تؤدي المرأة الحق ولا الفدية (3) .

وظاهر النص الأمر ببعث الحكمين عند حصول الشقاق بين الزوجين، ليجتهدا في الإصلاح والتوفيق بينهما، وإزالة ما بينهما من الوحشة والشقاق، ومعرفة مصدر الشكوى من كل منهما، وإقناع كل منهما بالحق، وتذكيره بما أوجب الله عليه لصاحبه من حسن الصحبة وجميل العشرة، وما يلحقه من الإثم والعقاب بالمخالفة والعصيان، وما عسى أن يترتب على ذلك من انحلال عرى الزوجية، وهدم كيان الأسرة، وضياع الولد إن كان. فإن أعياهما إصلاح حالهما، ورأيا التفريق بينهما، فهل لهما ذلك دون الزوجين، أم ليس لهما تنفيذ أمر يلزم الزوجين بدون إذن منهما؟.

(1) انظر: الكشاف للزمخشري 1/525، وتفسير القرطبي 5/175، والبحر المحيط 3/629، وتفسير آيات الأحكام للشيخ محمد علي السايس 2/101.

(2)

تفسير آيات الأحكام للسايس 2/100، وروائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني 1/471-472.

(3)

انظر: تفسير القرطبي 5/175، والبحر المحيط 3/629-630، وتفسير الخازن 2/63، وتفسير الآلوسي 5/26، وتفسير القاسمي 5/1223.

ص: 46

المسألة خلافية:

1-

فذهبت طائفة إلى أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريان فيه المصلحة، من جمع وتفريق، بعوض وغير عوض، ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما. والتفريق في ذلك طلاق بائن؛ وبهذا قال مالك، وإسحاق، والأوزاعي، وهو مروي عن علي، وابن عباس، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، وابن المنذر (1) .

واستدلوا بقولِه تعالى: {حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} فسماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين. قالوا: فهذا نص من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كل واحد منهما فلا ينبغي أن يركب معنى أحدهما على الآخر (2) .

وأخرج ابن جرير الطبري بسنده من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله:{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} قال: فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته، وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين، وكره

(1) انظر: المغني لابن قدامة 10/264، والمحلى لابن حزم 10/87-88، وزاد المعاد

5/190، وتفسير الطبري 5/73-74، وتفسير القرطبي 5/176.

(2)

أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي 1/424.

ص: 47

ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله:{إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً} قال: هما الحكمان يوفق الله بينهما (1) .

كما أخرج الطبري بسنده عن عبيدة السلماني، قال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى علي رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام (2) من الناس، فقال علي رضي الله عنه: ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟، عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه ولي، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي رضي الله عنه: كذبت، والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به (3) .

وجه الدلالة:

أن الحكمين لو كانا وكيلين لم يقل لهما: أتدريان ما عليكما.

كما أن قوله: ((عليكما إذا رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرقا أن تفرقا)) دليل على أن لهما سلطة القاضي.

قالوا: وليس المراد من قول علي رضي الله عنه للرجل: ((حتى تقر)) أن رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة لما رضيت بما في كتاب الله تعالى، فقال الرجل: أما الفرقة فلا، يعني ليست الفرقة في كتاب الله، فقال له علي: كذبت، حتى أنكرت أن تكون الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، فإن قوله تعالى:

{يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} يشتمل على الفراق وعلى غيره، لأن التوفيق أن يخرج كل

(1) تفسير الطبري 5/73-74.

(2)

فئام: جماعة من الناس.

(3)

تفسير الطبري 5/71.

ص: 48

واحد منهما من الإثم والوزر، وذلك يكون تارة بالفراق، وتارة بصلاح حاليهما في الوصلة (1) .

وأخرج الطبري بسنده عن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة، فكان بينهما كلام، فجاءت عثمان فذكرت ذلك له، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما وقد اصطلحا (2) .

والشاهد فيه: قول ابن عباس: ((لأفرقن بينهما)) ، وقول معاوية:((ما كنت لأفرق)) حيث جعل أحدهما التفريق إليه، دون إذن الزوجين أو رضاهما، وجعل الآخر إليه عدم التفريق، فدل ذلك على أنهما بمنزلة القاضي، فهو يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه.

وممن اختار القول في المبعوثين بأنهما حاكمان لا وكيلان العلامة ابن القيم (3) ، والقاضي أبو بكر ابن العربي (4) ، والشيخ عبد الرحمن السعدي (5) رحمهم الله جميعاً.

قال ابن القيم: وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين، هل هما حاكمان أو وكيلان؟، على قولين:

أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي في قول، وأحمد في رواية.

(1) تفسير البغوي مع الخازن 2/65.

(2)

تفسير الطبري 5/74-75.

(3)

زاد المعاد 5/190.

(4)

أحكام القرآن لابن العربي 1/424.

(5)

تفسير السعدي 1/320، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي ص 111.

ص: 49

والثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة، ومالك، وأحمد في الرواية الأخرى، والشافعي في القول الآخر، وهذا هو الصحيح.

والعجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين لقال: فليبعث وكيلاً من أهله، ولتبعث وكيلاً من أهلها.

وأيضا: فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل.

وأيضا: فإنه جعل الحكم إليهما، فقال:{إِِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} ، والوكيلان لا إرادة لهما، إنما يتصرفان بإرادة موكليهما.

وأيضا: فإن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع، ولا في العرف العام ولا الخاص.

وأيضا: فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام، وليس للوكيل شيء من ذلك.

وأيضا: فإن الحكم أبلغ من حاكم، لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل، دالة على الثبوت، ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض، فكيف بما هو أبلغ منه.

وأيضا: فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا:(وإن خفتم شقاق بينهما) فمروهما أن يوكلا وكيلين، وكيلاً من أهله، ووكيلا من أهلها، ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه، وهذا بحمد الله واضح

فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف، وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم؛ والله أعلم (1) . ا?.

(1) زاد المعاد 5/189-191.

ص: 50

2-

وذهب آخرون إلى أن الحكمين وكيلان للزوجين، أحدهما عن الزوج والآخر عن المرأة، ولا يملكان تنفيذ أمر يلزم الزوجين، من تفريق أو مخالعة أو غيره إلا بإذن الزوجين ورضاهما، (وهو القول الثاني في المسألة) ؛ وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأحد القولين للشافعي، والرواية الأخرى لأحمد، وهو قول عطاء، وقتادة، والحسن، وبه قال أهل الظاهر (1) ؛ واختاره ابن جرير الطبري (2) .

واستدلوا لذلك بما يلي:

قولُه تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} حيث اقتصر في مهمة بعث الحكمين على ذكر الإصلاح بين الزوجين، دون التفريق، وذلك يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما.

وأيضا: قول علي رضي الله عنه للرجل في الأثر السابق ذكره: ((

كذبت والله لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت به)) . حيث فوضت المرأة، وامتنع الزوج من تفويض الطلاق، فقال له علي: كذبت حتى تقر بمثل ما أقرت به، وذلك يعني أنه إن لم يقر لم يلزمه الطلاق، وإن رآه الحكمان.

وأيضا: فإن الأصل أن التطليق بيد الزوج، فلو رأى الحكمان التطليق عليه، وهو كاره، كان ذلك مخالفة لدليل الأصل، ثم إن شأن الحكمين السعي في الإصلاح لا التفريق، ولا يعرف: أصلحت بين الزوجين: أي طلقتها عليه.

وأيضا: فإن البضع حق للزوج، والمال حق للمرأة، وهما رشيدان، فلا

(1) انظر: المغني 10/264، والمحلى 10/88، وأحكام القرآن للجصاص 2/190-193، وزاد المعاد 5/190، وتفسير القرطبي 5/176، وتفسير ابن كثير 2/297، وتفسير الشوكاني 1/698.

(2)

تفسير الطبري 5/76.

ص: 51

يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما، أو ولاية عليهما (1) .

يقول أبو بكر الجصاص: لو أقر الزوج بالإساءة إليها لم يفرق بينهما، ولم يجبره الحاكم على طلاقها قبل تحكيم الحكمين، وكذلك لو أقرت المرأة بالنشوز لم يجبرها الحاكم على خلع ولا على رد مهرها، فإذا كان كذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك بعد بعثهما لا يجوز إيقاع الطلاق من جهتها من غير رضى الزوج وتوكيله، ولا إخراج المهر من ملكها من غير رضاها

ولأن الحاكم لا يملك ذلك فكيف يملكه الحكمان (2) .

ويقول ابن جرير الطبري في معرض ترجيحه لهذا القول: وأي الأمرين كان، فليس لهما - أي للحكمين - ولا لواحد منهما الحكم بينهما بالفرقة، ولا بأخذ مال إلا برضا المحكوم عليه بذلك، وإلا ما لزم من حق لأحد الزوجين على الآخر في حكم الله، وذلك ما لزم الرجل لزوجته من النفقة والإمساك بمعروف إن كان هو الظالم لها، فأما غير ذلك فليس ذلك لهما، ولا لأحد من الناس غيرهما، لا السلطان ولا غيره، وذلك أن الزوج إن كان هو الظالم للمرأة فللإمام السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها، الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، - على ما قد بيناه في سورة البقرة - وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لأحد الفرقة بين رجل وامرأة بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس. وإن بعث الحكمين السلطان، فلا

(1) انظر: المحلى 10/87، والمغني 10/264، وتفسير القرطبي 5/177، والتحرير والتنوير 5/46-47.

(2)

أحكام القرآن للجصاص 2/191.

ص: 52

يجوز لهما أن يحكما بين الزوجين بفرقة إلا بتوكيل الزوج إياهما بذلك، ولا لهما أن يحكما بأخذ مال من المرأة إلا برضا المرأة، يدل على ذلك ما قد بيناه قبل من فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك والقائلين بقوله، ولكن لهما أن يصلحا بين الزوجين، ويتعرفا الظالم من المظلوم، ليشهدا عليه إن احتاج المظلوم منهما إلى شهادتهما

(1) .

وعلل أصحاب هذا القول تسميتهما حكمين: بأن اسم الحكم يفيد تحري الصلاح فيما جعل إليه، وإنفاذ القضاء بالحق والعدل، فلما كان ذلك موكولا إلى رأيهما، وأنفذا على الزوجين حكما من جمع أو تفريق مضى ما أنفذاه، فسميا حكمين من هذا الوجه، فلما أشبه فعلهما فعل الحاكم في القضاء عليها بما وكلا به على جهة تحري الخير والصلاح سميا حكمين، ويكونان مع ذلك وكيلين لهما، إذ غير جائز أن تكون لأحد ولاية على الزوجين من خلع أو طلاق إلا بأمرهما.

فالحكمان إنما يبعثان للصلح بين الزوجين، فإن أعياهما ذلك شهدا على الظالم منهما، ووعظاه وأنكرا عليه ظلمه، وليس بأيديهما فرقة أو مخالعة دون إذن الزوجين ورضاهما، فهما في حال شاهدان، وفي حال مصلحان، وفي حال آمران بمعروف وناهيان عن منكر، وفي حال وكيلان فيما فوض إليهما من جمع أو تفريق (2) .

وعلى هذا فقوله: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} يعني أن الذي من أهله وكيل له، والذي من أهلها وكيل لها، كأنه قال: فابعثوا رجلا من قبله

(1) تفسير الطبري 5/76.

(2)

أحكام القرآن للجصاص 2/191-193.

ص: 53

ورجلا من قبلها.

أما عن الترجيح بين القولين في المسألة، فظاهر الآية محتمل للوجهين فيها، فمن أخذ بالقول الأول تمسك منها بلفظ الحكم، فإن الله تعالى سمى كلا منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يحكم وإن لم يرض المحكوم عليه. ومن أخذ بالقول الثاني تعلق بقوله:{إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً} حيث جعل مهمة الحكمين السعي في إرادة الإصلاح، وهذا يقتضي أن يكون ما وراء الإصلاح غير مفوض إليهما.

ولما كانت الآية محتملة لوجهة كل من الفريقين، ولم يصح في المسألة شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمسألة اجتهادية، والذي يقتضيه النظر - والله أعلم - ترجيح القول الثاني، لوجاهة ما استدلوا به، ولأن إساءة أحد الزوجين إلى الآخر لا ينبغي أن تكون سبباً للتفريق بينهما، إذ الحياة الزوجية لا تخلو من مثل هذا غالباً.

فالزوج إن كان هو المسيء للمرأة الظالم لها، فهناك السبيل إلى أخذه بما يجب لها عليه من حق، وإن كانت المرأة هي الظالمة زوجها، الناشزة عليه، فقد أباح الله له أخذ الفدية منها، وجعل إليه طلاقها، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن لأحد التفريق بين رجل وامرأته بغير رضا الزوج، ولا أخذ مال من المرأة بغير رضاها بإعطائه، إلا بحجة يجب التسليم لها من أصل أو قياس، على ما أفاده ابن جرير الطبري رحمه الله (1) . وكذلك فإنه لا خلاف - كما سبق - أن الزوج لو أقر قبل التحكيم بالإساءة إليها، لم يجبره الحاكم على الطلاق، وأن الزوجة لو أقرت كذلك قبل التحكيم بالنشوز، لم يجبرها الحاكم على الافتداء، فإذا كان ذلك حكمهما قبل بعث الحكمين، فكذلك يكون الحكم بعد بعثهما، لا يجوز

(1) انظر: تفسير الطبري 5/76.

ص: 54

إيقاع الطلاق من غير رضا الزوج وتوكيله، ولا إخراج المال عن ملك المرأة من غير رضاها (1) ؛ والله أعلم.

قوله تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}

الضمير في قولِه: (إن يريدا) عائد على الحكمين، كما في قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وجمهور المفسرين (2)، لأنهما المسوق لهما الكلام في قوله:{فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا} ، أي إن يرد الحكمان (إصلاحاً) بين الزوجين وتأليفاً، فينظرا في أمر الزوجين نظراً منبعثاً عن نية الإصلاح بينهما والنصح لهما (يوفق الله بينهما) أي بين الحكمين، فتتفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما.

وقيل: الضمير في (بينهما) عائد على الزوجين: أي إن قصد الحكمان إصلاح ذات البين، وكانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة لوجه الله بورك في وساطتهما، وأوقع الله بطيب نفسيهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودة والرحمة (3) .

وقيل: الضميران عائدان على الزوجين، أي إن يريد الزوجان إصلاح ما بينهما من الشقاق، فخلصت نيتهما، وحسن قصدهما، أوقع الله تعالى بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقاً، وبالبغضاء مودة (4) .

(1) أحكام القرآن للجصاص 2/191.

(2)

انظر: تفسير الطبري 5/76-77، وزاد المسير 2/77، وتفسير الآلوسي 5/27، والتحرير والتنوير 5/47.

(3)

انظر: الكشاف 1/525، والبحر المحيط 3/630، وتفسير الآلوسي 5/27، والتحرير والتنوير 5/47.

(4)

انظر: الكشاف 1/525-526، وتفسير الآلوسي 5/27.

ص: 55

وقيل: الضمير في (إن يريدا) عائد على الزوجين، وفي (يوفق الله بينهما) عائد على الحكمين، أي إن يريد الزوجان إصلاحاً واتفاقاً يوفق الله تعالى بين الحكمين حتى يعملا بالصلاح ويتحرياه (1) ، فتجتمع كلمتهما على النصح، ويبارك مسعاهما في الإصلاح والتوفيق.

وأظهر هذه الأقوال - والله أعلم - هو القول الأول، وهو ما قال به الجمهور، وأن الضميرين معاً عائدان على الحكمين، وذلك أنهما أقرب مذكور في السياق، وأن السعي في الإصلاح بين الزوجين من شأنهما، فكانت الآية حثاً لهما على إرادة الإصلاح وتحريه، وإن كان لفظ الآية محتملاً للوجوه الأخرى أيضاً. ولأيٍ كان الضمير، ففيه التنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتوخاه وفقه الله تعالى لمبتغاه.

ثم إن عدم التعرض لذكر عدم إرادة الإصلاح للإيذان بأن ذلك ليس مما ينبغي أن يفرض صدوره عنهما، وأن الذي يليق بشأنهما ويتوقع صدوره عنهما هو إرادة الإصلاح، كما أن عدم ذكر ما يقابل التوفيق بينهما، وهو التفريق، للإشعار بأن ذلك ليس من شأنه أن يقع (2) .

قوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً}

أي عالماً بجميع الظواهر والبواطن، مطلعاً على خفايا الأمور وأسرارها، فلذلك شرع لكم هذه الأحكام الجليلة والشرائع الجميلة، التي هي الطريق إلى القيام بالحقوق. فهو سبحانه العليم بما أراده الحكمان أو الزوجان من خير وإصلاح، خبير بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، لا يخفى عليه شيء منه،

(1) انظر: تفسير الآلوسي 5/27.

(2)

انظر: تفسير الفخر الرازي 10/97، وتفسير أبي السعود 2/175، وتفسير المنار 5/79.

ص: 56

حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه واستحقاقه (1) .

كما أن في ذلك مزيد ترغيب وتأكيد للحكمين والزوجين في إرادة الإصلاح، وتحذير عن المساهلة في هذا الأمر.

وفي تفسير المنار: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً} أي إنه كان فيما شرعه لكم من هذا الحكم (عليماً) بأحوال العباد وأخلاقهم وما يصلح لهم، (خبيراً) بما يقع بينهم وبأسبابه الظاهرة والباطنة، فلا يخفى عليه شيء من وسائل الإصلاح بينهما.

وإني لأكاد أبصر الآية الحكيمة تومئ بالاسمين الكريمين إلى أن كثيراً من الخلاف يقع بين الزوجين، فيظن أنه مما يتعذر تلافيه هو في الواقع ونفس الأمر ناشئ عن سوء التفاهم لأسباب عارضة، لا عن تباين في الطباع أو عداوة راسخة، وما كان كذلك يسهل على الحكمين الخبيرين بدخائل الزوجين لقربهما منهما، أن يمحصا ما علق من أسبابه في قلوبهما، إذا ما حسنت النية وصحت الإرادة (2) .

قال الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}

الروايات والآثار الواردة حول المراد بالآية وسبب نزولها:

أخرج أبو داود بسنده عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: قالت عائشة: يا ابن أختي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه

(1) انظر: تفسير الطبري 5/77، وتفسير السعدي 1/320.

(2)

تفسير المنار 5/79.

ص: 57

عندنا، وكان قلَّ يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت (1) أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، قالت: نقول في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها، أراه قال:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً} (2) .

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك (3) .

وأخرجه البخاري أيضا في موضع آخر من صحيحه بسياق أتم، ولفظه: عن عائشة رضي الله عنها: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً

} قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة عليَّ والقسمة لي، فذلك قولُه تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (4) .

وأخرج سعيد بن منصور في سننه، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله تعالى في سودة وأشباهها: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففزعت

(1) الفَرَق، بالتحريك: الخوف. انظر: لسان العرب، مادة ((فرق)) .

(2)

سنن أبي داود، كتاب النكاح، برقم:(2135) .

(3)

صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، كتاب التفسير، برقم:(4601) .

(4)

صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري، كتاب النكاح، برقم:(5206) .

ص: 58

أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنْزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة، فقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (1) .

وذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسأله عن قول الله عز وجل:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا} قال علي: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها، فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج (2) .

قال ابن كثير: وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن حماد بن سلمة، وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل عن سماك به، وكذا فسرها ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد بن جبر، والشعبي، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية العوفي، ومكحول، والحكم بن عتبة، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم خلافا في أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم. انتهى (3) .

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي بسنده عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قولِه: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} إلى تمام الآيتين، أن

(1) سنن سعيد بن منصور، برقم:(702) ، والسنن الكبرى للبيهقي 7/297.

(2)

تفسير ابن كثير 2/428.

(3)

المصدر السابق.

ص: 59

المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، فإن استقرت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثرة في القسم من ماله ونفسه، صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه، كذلك ذكر سعيد بن المسيب، وسليمان الصلح الذي قال الله عز وجل:{فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (1) .

وبعد ذكر تلك الروايات والآثار حول المراد بالآية وسبب نزولها، هذا شروع في تحليل مفرداتها وتفصيل معناها ودلالاتها:

نشوز الزوج، وإعراضه، مفهومه، وأسبابه، وكيفية معالجته

قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً}

الخوف هنا مستعمل في حقيقته، بظهور إمارات تدل عليه، كأن ترى المرأة من زوجها تجافياً عنها وترفعا عن صحبتها، بترك مضاجعتها، أو التقصير في بعض حقوقها؛ وقيل: هو التوقع لما يكره، بوقوع بعض أسبابه؛ وقيل: معنى خافت: علمت، وقيل: ظنت (2) . والأول هو المتبادر من ظاهر اللفظ ودلالة السياق؛ والله أعلم.

(1) السنن الكبرى للبيهقي 7/296.

(2)

انظر: تفسير الطبري 5/305، والكشاف للزمخشري 1/568، وتفسير الفخر الرازي 11/65-66، والبحر المحيط لأبي حيان 4/86، وتفسير الآلوسي 5/161، وتفسير المنار 5/445.

ص: 60

قال أبو حيان: والخوف هنا على بابه، لكنه لا يحصل إلا بظهور أمارات ما تدل على وقوع الخوف، ولا ينبغي أن يخرج عن الظاهر، إذ المعنى معه يصح (1) .

والبعل: هو الزوج، وجمعه بعولة، قال تعالى:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (2) ، والأصل في البعل أنه السيد، وسمي الزوج بعلاً لكونه كالسيد لزوجته (3) .

قولُه: (نشوزاً) : النشوز بين الزوجين هو كراهة أحدهما صاحبه وترفعه عن رتبة حسن العشرة معه، لعدم رضاه، فالنشوز الترفع والكبر وما يترتب عليهما من سوء المعاملة، مشتق من النشز، وهو ما ارتفع من الأرض، وقد تقدم بيانه. وهو كما يكون من المرأة في حق زوجها - كما سبق إيضاحه عند تفسير قوله تعالى:{وَاللَّاتِيتَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} - يكون من الرجل في حق امرأته، كما هنا. والمراد به هنا: استعلاء الرجل بنفسه عن امرأته وترفعه وتجافيه عنها، بأن يمنعها نفسه ومودته، فيسيء معاشرتها، ويترك مضاجعتها، ويقصر في حقوقها، إما كراهة لها، أو رغبة عنها إلى غيرها، أو لغير ذلك من الأسباب (4) .

قولُه: (أو إعراضاً) الإعراض: الميل والانحراف عن الشيء، والمراد هنا: انصراف الرجل عن امرأته بوجهه أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، مثل أن

(1) البحر المحيط 4/86.

(2)

سورة البقرة، آية:(228) .

(3)

انظر: اللسان، مادة (بعل)، وانظر: تفسير الفخر الرازي 11/66.

(4)

انظر: تفسير الطبري 5/305، والمحرر الوجيز لابن عطية 2/119، والكشاف للزمخشري 1/568، والبحر المحيط 4/86، وتفسير الفخر الرازي 11/66، وتفسير المنار 5/445، وتفسير القاسمي 5/1593.

ص: 61

يقلل محادثتها، أو مجالستها ومؤانستها، لسبب من الأسباب، كطعن في سن، أو دمامة، أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال، أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك. والإعراض أخف من النشوز (1) .

قال محي الدين شيخ زاده في حاشيته على تفسير البيضاوي: والنشوز لاستلزامه الترفع والتعدي والإطالة يستلزم الإعراض، من غير عكس، لأن الإعراض يتحقق بمجرد تقليل المحادثة والمؤانسة، لبعض الأسباب، كطعن سن، ودمامة، وتعلق القلب بأخرى (2) .

وقيل: (أو إعراضاً) أي تطليقاً (3) .

وللنشوز والإعراض أحوال كثيرة، تقوى وتضعف، وتختلف عواقبها باختلاف أحوال الأنفس، لكن على الزوجة أن تتحرى معرفة الدافع لنشوز زوجها وإعراضه عنها، والسبب فيما طرأ عليه نحوها من تغير وتحول، وعليها أن تتثبت فيما تراه من إمارات النشوز والإعراض، فربما كان ذلك لسبب خارجي، لا تعلق له بكراهتها، والجفوة عنها وعن مسامرتها ومعاشرتها بالمعروف. فحينئذ عليها أن تعذره، وأن تصبر على ما لا تحب من ذلك. أما إن لمست ما يدل على كراهته إياها ورغبته عنها، مما ظهر لها من مبادئ الفتور والنفور، ودلائل الكراهية والابتعاد، مما يبعث في نفسها القلق على استمرار الحياة الزوجية، فقد أباح الله تعالى لهما أن يتفاهما ويتصالحا صلحاً يتفقان عليه بينهما، كأن تسمح لزوجها ببعض حقها عليه في النفقة أو القسمة، أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما،

(1) انظر: المصادر السابقة.

(2)

حاشية زاده على البيضاوي 2/73.

(3)

تفسير القاسمي 5/1593.

ص: 62

أو تهبه شيئاً من مهرها، أو تعطيه مالاً لتستعطفه وتستديم المقام معه والبقاء في عصمته، وذلك معنى قوله تعالى:{فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} (1) .

وإنما يحل له ذلك منها إذا كان برضاها، لاعتقادها أن في ذلك الخير لها، من غير أن يكون ملجئا إياها إليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها (2) .

(1) انظر: تفسير المنار 5/445-446، وكتاب (سمو التشريع الإسلامي في معالجة النشوز والشقاق بين الزوجين) د. كوثر كامل علي ص 112-113.

(2)

انظر: تفسير المنار 5/446.

ص: 63