الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الصلح بين الزوجين، مفهومه، وكيفيته، والحث عليه
قولُه: (فلا جناح عليهما) أي لا إثم ولا حرج (عليهما) حينئذ (أن يصلحا بينهما صلحاً) بأن تسقط المرأة حقها أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من حقوقها على زوجها، أو تهب له مالاً تستميله وتستعطفه بذلك، فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، على أن يكون ذلك برضاها، وإلا فعلى الزوج أن يوفيها حقها أو يفارقها، فإن المقصد هو التراضي والمعاشرة بالمعروف، أو التسريح بإحسان. فأرشد الله في حال خوف المرأة نشوز زوجها، بترفعه عليها وعدم رغبته فيها، وإعراضه عنها، أرشدها في هذه الحال إلى طريق يستقيم به أمرها مع زوجها، وهو طريق الصلح بينهما، كأن ترضى بالصلح على إسقاط حقها أو بعضه، أو بذل شيء من مالها، على أن تبقى في عصمته، فمتى ما اتفقا على شيء من ذلك تصلح به حالهما، فلا حرج ولا بأس، وهو خير من المقاصاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو الفراق (1) .
يقول الإمام ابن عطية رحمه الله: هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضرراً يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتريد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح
(1) انظر: تفسير السعدي 1/385، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للسعدي أيضاً ص 111.
الله تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو مع وقوعها مباح أيضاً
…
وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر على الأثرة، فهذا كله مباح (1) .
وفي في ظلال القرآن: لقد نظّم - من قبل - حالة النشوز من ناحية الزوجة، والإجراءات التي تتخذ للمحافظة على كيان الأسرة، فالآن ينظم حالة النشوز والإعراض حين يخشى وقوعها من ناحية الزوج، فتهدد أمن المرأة وكرامتها، وأمن الأسرة كلها. إن القلوب تتقلب، وإن المشاعر تتغير، والإسلام منهج حياة يعالج كل جزئية فيها، ويتعرض لكل ما يعرض لها في نطاق مبادئه واتجاهاته
…
فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة، وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هناك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءاً أو كلا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها، هذا كله إذا رأت هي - بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها - أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها (2) .
ولا يكون ما أخذه الزوج من مال امرأته بذلك الصلح الذي اتفقا
(1) المحرر الوجيز 2/119.
(2)
في ظلال القرآن 2/768.
وتراضيا عليه أكلا بالباطل أو أخذاً بالإكراه، وذلك حين يكون نشوز الزوج وإعراضه عن زوجته حقيقة في رغبته عنها وإرادة فراقها، لسبب من الأسباب، لا تحايلاً وذريعة لاجتلاب مال المرأة أو إنقاصها حقها، فإن أخذ المال بهذه الوسيلة أكل له بالباطل، وأخذ له بغير مسوغ شرعي، وقد حرم الله أكل أموال الناس بالباطل، وحرم مشاقة الرجل زوجته لغرض أخذ شيء من مالها، كما قال تعالى:{وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} (1) .
إنما أباح الله تعالى في الآية ذلك الصلح بين الزوجين في حق رجل يرغب حقيقة في فراق زوجته، لسبب ما، وامرأة تريد المقام معه، فإذا تراضيا على شيء من حق المرأة تنزل عنه، في مقابلة أن ينزل الرجل عن شيء من حقه، وهو الطلاق، جاز لهما ذلك، ولا جناح عليهما فيه (2) .
وفي قوله: (أن يصلحا) قراءتان سبعيتان:
فقرأ الكوفيون، عاصم، وحمزة، والكسائي:((يُصْلِحا)) بضم الياء، وتخفيف الصاد، وكسر اللام، من أصلح على وزن أكرم، بمعنى أصلح الزوج والمرأة بينهما، بأن يوقعا بينهما أمراً يرتضيانه، ويصلحان به شأنهما بما يبدو من وجوه المصالحة (3) .
قال الفخر الرازي: من قرأ ((يُصْلِحا)) فوجهه أن الإصلاح عند التنازع
(1) سورة النساء، آية:(19) .
(2)
انظر: تفسير آيات الأحكام، للشيخ محمد علي السايس 2/147.
(3)
انظر: تفسير الطبري 5/310، والمحرر الوجيز لابن عطية 2/119، وزاد المسير 2/218، وتفسير الفخر الرازي 11/66، والبحر المحيط لأبي حيان 4/86؛ وانظر: الحجة للقراء السبعة، لأبي علي الفارسي 3/183-184، والكشف عن وجوه القراءات السبع لمكي بن أبي طالب 1/398، وحجة القراءات، لابن زنجلة ص 213-214.
والتشاجر مستعمل، قال تعالى:{فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ} (1)، وقال:{َوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (2)(3) .
وقرأ الباقون من السبعة: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر:((أن يَصَّالَحا)) بفتح الياء، وتشديد الصاد، وألف بعدها، وفتح اللام، من التصالح، وأصله: يتصالحا، فأدغمت التاء في الصاد، فصارتا صاداً مشددة (4) .
ووجهه - كما قال ابن جرير الطبري - أن التصالح في هذا الموضع أشهر وأوضح معنى، وأفصح وأكثر على ألسن العرب من الإصلاح، والإصلاح في خلاف الإفساد أشهر منه في معنى التصالح (5) .
وقال القرطبي: من قرأ ((يَصَّالَحا)) فوجهه: أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال: تصالح القوم، ولا يقال: أصلح القوم، ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحاً (6) .
وقولُه: (صلحاً) منصوب على أنه اسم مصدر، أو على أنه مصدر حذفت زوائده، أو يكون الصلح اسما للشيء المصالح عليه، كالعطاء من أعطيت، والكرامة من أكرمت، فأصلحت صلحاً مثل أصلحت أمراً، وعلى هذا
(1) سورة البقرة، آية:(182) .
(2)
سورة النساء، آية:(114) .
(3)
تفسير الفخر الرازي 11/66.
(4)
انظر: تفسير الطبري 5/310، والمحرر الوجيز 2/119، وزاد المسير 2/218، والبحر المحيط 4/86، والحجة للقراء السبعة 3/183-184، والكشف عن وجوه القراءات السبع 1/398-399.
(5)
تفسير الطبري 5/310.
(6)
تفسير القرطبي 5/405.
يكون انتصابه على المفعولية، ويحتمل أن يكون انتصابه على إسقاط حرف الجر، أي بصلح، أي بشيء يصطلحان عليه.
وقوله: (بينهما) ظرف للفعل، أو في محل نصب على الحال (1) .
قال الآلوسي: و (صلحاً) على قراءة أهل الكوفة إما مفعول به، على معنى يوقعا الصلح،
…
و (بينهما) ظرف، ذكر تنبيها على أنه ينبغي أن لا يطلع الناس على ما بينهما، بل يسترانه عنهم، أو حال من (صلحاً) أي كائنا بينهما
…
أو يكون (صلحاً) مصدراً محذوف الزوائد
…
و (بينهما) هو المفعول، على أنه اسم بمعنى التباين والتخالف، أو على التوسع في الظرف، لا على تقدير ما بينهما كما قيل، ويجوز أن يكون (بينهما) ظرفاً، والمفعول محذوف أي حالهما ونحوه، وعلى قراءة غيرهم [أي غير الكوفيين] يجوز أن يكون واقعاً موقع تصالحاً واصطلاحاً، وأن يكون منصوبا بفعل مترتب على المذكور، أي فيصلح حالهما صلحاً، واحتمال هذا في القراءة الأولى بعيد، ويجوز أن يكون منصوباً على إسقاط حرف الجر، أي يصالحا أو يصلحا بصلح، أي بشيء تقع بسببه المصالحة (2) .
قوله: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} أي الصلح الذي يتوصل به إلى التوفيق بين المتنازعين - وفق ما شرع الله - خير كله، وهو أصل عظيم في جميع الأشياء، وخصوصاً في الحقوق المتنازع فيها، فإن المصالحة فيها خير من المقاصاة، لما في الصلح من بقاء الألفة والتسامح، فقوله:(والصلح خير) لفظ عام مطلق، يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على
(1) انظر: تفسير القرطبي 5/405، والبحر المحيط 4/86، وتفسير الآلوسي 5/162، وتفسير أبي السعود 2/239، وحاشية محي الدين شيخ زاده على تفسير البيضاوي 2/74.
(2)
تفسير الآلوسي 5/162.
الإطلاق، ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك. فالصلح على ترك بعض الحق استدامة لحرمة النكاح وتمسكاً بعقد الزوجية خير من طلب الفرقة والطلاق، فإن رابطة الزوجية من أعظم الروابط وأحقها بالحفظ والوفاء (1) .
والمراد هنا أنه إذا تصالح الزوجان على شيء فذلك خير من أن يتفرقا أو يقيما على النشوز والإعراض وسوء العشرة، أو هو خير من الخصومة، فالألف واللام في الصلح للعهد، ويعني به ((صلحاً)) السابق في قوله:{أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} . وإثبات الخيرية للمفضل عليه على سبيل الفرض والتقدير، أي إن يكن فيه خير فهذا أخير منه، وإلا فلا خيرية فيما ذكر، ويجوز أن لا يراد بـ ((خير)) التفضيل، بل يراد به المصدر أو الصفة، أي أنه خير من الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور، فاللام للجنس، وقيل: إن اللام على التقدير تحتمل العهدية والجنسية، وجملة ((والصلح خير)) اعتراضية مؤكدة ومقررة لما قبلها، وفائدتها الترغيب في المصالحة (2) .
ويرجح الإمام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: أن التعريف في قوله:
(والصلح خير) تعريف الجنس، وليس تعريف العهد، قال: لأن المقصود إثبات أن ماهية الصلح خير للناس، فهو تذييل للأمر بالصلح والترغيب فيه
…
، ولأن فيه التفادي عن إشكال تفضيل الصلح على النّزاع في الخيرية، مع أن النّزاع لا خير فيه أصلاً
…
وقولُه: ((خير)) ليس هو تفضيلاً ولكنه صفة مشبهة، وزنه
(1) انظر: تفسير الطبري 5/306، والمحرر الوجيز لابن عطية 2/120، وتفسير القرطبي
5/406، وتفسير السعدي 1/386.
(2)
انظر: تفسير الفخر الرازي 11/68، والبحر المحيط، لأبي حيان 4/86-87، وتفسير الآلوسي 5/162.
((فَعْل)) ، كقولهم: سَمْح وسَهْل، ويجمع على خيور، أو هو مصدر مقابل الشر، فتكون إخباراً بالمصدر
…
أي والصلح في ذاته خير عظيم، كما أن الحمل على كونه تفضيلاً يستدعي أن يكون المفضل عليه هو النشوز والإعراض، وليس فيه كبير معنىً. وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة، وهي المصدر المؤكد في قوله:((صلحاً)) ، والإظهار في مقام الإضمار في قوله:((والصلح خير)) ، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة، فإنها تدل على فعل سجية (1) .
وبالجملة فالصلح خير من الفرقة وما يفضي إلى التدابر والتباغض والتمادي في التنازع والاختلاف، فكم به ألفت قلوب وسويت خلافات وأزيلت نزاعات، ويندرج في ذلك عامة ضروب الصلح فيما بين الناس أفراداً وجماعات، ذكوراً وإناثاً، وفي الآية الكريمة يحث تبارك وتعالى الزوجين على التصالح فيما بينهم بما يرتضونه ويرونه خيراً لهم ويؤكد ذلك سبحانه ويرغب فيه، مراعيا بذلك - وهو العليم الخبير - أحوال كل من الزوجين وظروفه وما جبلت عليه نفسه وفطرته، فللنفس إقبال وإدبار، وغريزة وميول، ومشاعر وأحاسيس. ومادام الصلح يراعي تلك الأحوال وتلك الظروف والمشاعر، يحصل به التسامح والائتلاف بين الزوجين، في ظل حياة زوجية متماسكة، متفاهمة، قد عرف كل من الزوجين ظرف صاحبه فقدره، وتلمس أحاسيسه ومشاعره فعذره، فهو بلا شك خير عظيم ومسلك كريم، وإن استلزم ذلك بذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق، فإن ذلك يسير بالنظر إلى ما يقابله من الحفاظ على عقد الزوجية متماسكاً، وكيان الأسرة قائماً.
(1) التحرير والتنوير 5/216-217.
وعلى كل حال فالأمر في ذلك متروك للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} : والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة رضي الله عنها ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه عليه الصلاة والسلام، ولما كان الوفاق أحب إلى الله عز وجل من الفراق قال:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} ، بل الطلاق بغيض إليه سبحانه وتعالى، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، وابن ماجة عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق" 1) .
(1) تفسير ابن كثير 2/429-430.
وانظر الحديث في سنن أبي داود، برقم:(2178) ، وسنن ابن ماجة، برقم:(2018) .
معنى إحضار الأنفس الشح، وما في ذلك من الحث على الصلح
قوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ}
هذا تأكيد لأمر الصلح والحث عليه باتقاء ما قد يحول دونه مما جبلت عليه النفوس من الشح بحظوظها، ومعنى إحضار النفس أي أنها عرضة له، فإذا استدعى أمر الصلح بذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق ألَمّ بها ذلك الشح، ونهاها أن تبذل ما يقتضي الأمر بذله أو التنازل عنه والتسامح فيه. وليتذكر كل منهما أن هذا من ضعف النفس ودناءة الهمة المؤدي إلى المشاحة والجفاء، بل - وربما - التدابر والتنافر والافتراق، مما لا يليق فعله بمن بينهما نزاع من آحاد الناس، فكيف بزوجين قد أفضى بعضهما إلى بعض، وارتبطا بعقد الزوجية - المبني على المودة والرحمة والتسامح - ارتباطاً وثيقاً.
فقوله: (وأحضرت الأنفس الشح) بيان لما جبل عليه الإنسان وفطرت عليه نفسه من الشح، وهو الإفراط في الحرص على الشيء، فشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله بوجه من الوجوه، والمراد هنا: شح كل من الزوجين بحقه قبل صاحبه، فلا الرجل يكاد يجود بإبقاء المرأة في عصمته مع القيام بحقوقها وحسن عشرتها، وهو راغب عنها، لدمامة أو ملال أو طعن في سن أو إيثار أخرى عليها أو غير ذلك. ولا المرأة تكاد تطيب نفسها ببذل شيء من مالها لزوجها أو التنازل له عن بعض حقوقها لتستميله بذلك وتتعطفه عليها (1) .
قال العلامة أبو السعود رحمه الله: قوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} أي
(1) انظر: زاد المسير 2/219، وتفسير الخازن 2/173، وتفسير الآلوسي 5/162، وتفسير القاسمي 5/1595.
جعلت حاضرة له، مطبوعة عليه لا تنفك عنه أبداً، فلا المرأة تسمح بحقوقها من الرجل، ولا الرجل يجود بحسن المعاشرة مع دمامتها، فإن فيه تحقيقاً للصلح وتقريراً له، بحث كل منهما عليه، لكن لا بالنظر إلى حال نفسه، فإن ذلك يستدعي التمادي في المماكسة والشقاق، بل بالنظر إلى حال صاحبه، فإن شح نفس الرجل وعدم ميلها عن حالتها الجبلية بغير استمالة، مما يحمل المرأة على بذل بعض حقوقها إليه لاستمالته، وكذا شح نفسها بحقوقها، مما يحمل الرجل على أن يقتنع من قبلها بشيء يسير لا يكلفها بذل الكثير، فيتحقق بذلك الصلح (1) .
وفي هذا المعنى يقول الشيخ السعدي رحمه الله: واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصلح، فذكر تعالى المقتضي لذلك، فقال:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} ، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان مع ذلك قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلباً له ورغبة فيه، وذكر المانع بقوله:{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} أي جبلت النفوس على الشح، وهو الاستئثار والتفرد في الحقوق، وعدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعاً، أي فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم وتقليله وتلطيفه، وتستبدلوا به ضده، وهو السماحة ببذل جميع الحقوق التي عليك، والاقتناع ببعض الحق الذي لك والإغضاء عن التقصير، فمتى وفق العبد لهذا الخلق الطيب سهل عليه الصلح بينه وبين كل من بينه وبينه منازعة ومعاملة، وتسهلت الطريق الموصلة إلى المطلوب، ومن لم يكن
(1) تفسير أبي السعود 2/239.
بهذا الوصف تعسر عليه الصلح أو تعذر، لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله كاملاً، ولا يهون عليه أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (1) .
وعلى هذا فالمراد بالأنفس الشح هنا: أنفس كل من الزوجين، وشحها بحقها تجاه الآخر؛ وهذا وجه في تفسير الآية (2) .
وثمت وجه آخر في تفسيرها، وهو أن الأنفس الشح هنا مراد بها أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أزواجهن في المبيت والقسم والنفقة (3) . وهو ما اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله.
والوجه الأول أظهر - والله أعلم - لما فيه من حمل اللفظ على عمومه، وهو الأولى، وإن كانت المرأة أظن وأشح بنصيبها من زوجها في القسم والفراش، بيد أن الشح ملازم للنفس البشرية، فهو في كل أحد، فطرة جبلة، لذا فإن كبح جماح شح تلك النفوس، ببذل شيء من المال، أو التنازل عن بعض الحقوق - سعياً في الخير، وطلباً للصلح والوفاق - يعد كرماً وسماحة ونبلاً، كما أن المشاحة والمقاصاة في ذلك بخل وشح وضعف في النفوس والهمم. ولكي يتحقق للزوجين الوفاق المأمول والصلح الذي هو خير فلابد لهما من مراعاة ما يتطلبه أمر الصلح من تسامح وكرم نفس وتضحية.
وعليه فحمل معنى الآية على احتمال عود ذلك الشح إلى نفس كل من
(1) تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ص 111-112.
(2)
انظر: تفسير الطبري 5/311، وزاد المسير 2/219، وتفسير البغوي مع الخازن 2/173، والكشاف للزمخشري 1/568، وأحكام القرآن لأبي بكر الجصاص 2/283، وتفسير أبي السعود 2/239، وفتح القدير للشوكاني 1/787.
(3)
انظر: المواضع السابقة من تفسير الطبري، وأحكام القرآن للجصاص، وانظر: المحرر الوجيز، لابن عطية 2/120.
الزوجين وشحها بحقها قبل الآخر هو الأظهر، والله أعلم.
يقول الفخر الرازي: يحتمل أن يكون المراد منه أن المرأة تشح ببذل نصيبها وحقها، ويحتمل أن يكون المراد أن الزوج يشح بأن يقضي عمره معها، مع دمامة وجهها، وكبر سنها، وعدم حصول اللذة بمجانستها (1) .
وقد ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله الوجهين السابقين في تفسير قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} مرجحاً ما اختاره منهما، حيث يقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: وأحضرت أنفس النساء الشح على أنصبائهن من أنفس أزواجهن وأموالهن. ثم أخرج هذا المعنى مسنداً عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطاء، والسدي، ثم قال: وقال أخرون: معنى ذلك: وأحضرت نفس كل واحد من الرجل والمرأة الشح بحقه قبل صاحبه، وأخرج هذا المعنى بسنده عن ابن زيد، قال: لا تطيب نفسه أن يعطيها شيئا فتحلله، ولا تطيب نفسها أن تعطيه شيئاً من مالها فتعطفه عليها.
ثم يقول ابن جرير بعد ذلك: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك: أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة. والشح: الإفراط في الحرص على الشيء، وهو في هذا الموضع: إفراط حرص المرأة على نصيبها من أيامها من زوجها ونفقتها؛ فتأويل الكلام: وأحضرت أنفس النساء أهوائهن من فرط الحرص على حقوقهن من أزواجهن، والشح بذلك على ضرائرهن (2) .
وفي في ظلال القرآن: قوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} : أي أن الشح
(1) تفسير الفخر الرازي 11/68.
(2)
تفسير الطبري 5/310-312.
حاضر دائماً في الأنفس، وهو دائماً قائم فيها، الشح بأنواعه، الشح بالمال، والشح بالمشاعر، وقد تترسب في حياة الزوجين، أو تعرض أسباب تستثير هذا الشح في نفس الزوج تجاه زوجته، فيكون تنازلها له عن شي من مؤخر صداقها أو من نفقتها، إرضاءً لهذا الشح بالمال، تستبقي معه عقدة النكاح، وقد يكون تنازلها عن ليلتها، إن كانت له زوجة أخرى أثيرة لديه، والأولى لم تعد فيها حيوية أو جاذبية، إرضاءً لهذا الشح بالمشاعر، تستبقي معه عقدة النكاح، والأمر على كل حال متروك في هذا للزوجة وتقديرها لما تراه مصلحة لها
…
(1) .
أما من جهة اللغة والإعراب:
فقد جاء في اللسان: تعريف الشح، بأنه: حرص النفس على ما ملكت، وبخلها به. قال ابن منظور: وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه، كقوله تعالى:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (2)، وقوله:{وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} (3) .
وأصل الشح في كلام العرب: البخل بالمال، أو هو البخل مع حرص، فهو أبلغ في المنع من البخل، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف (4) . وجاء في البحر المحيط لأبي حيان: وقال الماتريدي: ويحتمل أن يراد بالشح الحرص، وهو أن يحرص كل على حقه، يقال: هو شحيح بمودتك، أي حريص على بقائها، ولا يقال في هذا
(1) في ظلال القرآن 2/769.
(2)
سورة الحشر، آية:(9) .
(3)
اللسان، مادة:((شحح)) .
(4)
انظر: المصدر السابق.
بخيل، فكأن الشح والحرص واحد في المعنى، وإن كان في أصل الوضع الشح للمنع، والحرص للطلب، فأطلق على الحرص الشح، لأن كل واحد منهما سبب لكون الآخر، ولأن البخل يحمل على الحرص، والحرص يحمل على البخل (1) .
والحاصل: أن الشح يطلق على حرص النفس على حقوقها وقلة التسامح فيها، فالمقصود التنبيه والتحذير من التلبس بتلك المشاحة والعوارض الحائلة دون الصلح.
وفي إعراب قوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} يقول أبو حيان: التركيب القرآني يقتضي أن الأنفس جعلت حاضرة للشح لا تغيب عنه، لأن الأنفس هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي التي كانت فاعلة قبل دخول همزة النقل، إذ الأصل: حضرت الأنفس الشح على أنه يجوز عند الجمهور في هذا الباب إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل، على تفصيل في ذلك، وإن كان الأجود عندهم إقامة الأول، فيحتمل أن تكون الأنفس هي المفعول الثاني، والشح هو المفعول الأول، وقام الثاني مقام الفاعل، والأولى حمل القرآن على الأفصح المتفق عليه (2) .
ويقول الآلوسي: قولُه: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} جملة اعتراضية، وفائدتها تمهيد العذر في المماكسة والمشاقة
…
وحضر متعد لواحد، وأحضر لاثنين، والأول هو (الأنفس) القائم مقام الفاعل، والثاني (الشح)، والمراد: أحضر الله تعالى الأنفس الشح، وهو البخل مع الحرص، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل هو الثاني، أي أن الشح جعل حاضراً لها لا يغيب عنها أبداً، أو أنها جعلت حاضرة له مطبوعة عليه
…
(3) .
(1) البحر المحيط 4/87.
(2)
البحر المحيط 4/87-88.
(3)
تفسير الآلوسي 5/162.
قوله: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}
أي وإن تحسنوا العشرة فيما بينكم، فتتراحموا وتتعاطفوا، ويعذر بعضكم بعضاً، وتتقوا النشوز والإعراض وما يترتب عليهما من سوء المعاملة ومنع الحقوق، (فإن الله كان بما تعملون) من الإحسان والتقوى، والعفو والمسامحة، مراعاةً لحقوق الزوجية واستدامة للصحبة وحسن العشرة (خبيراً) فيجازيكم ويثيبكم على ذلك (1) .
وقيل: هذا خطاب للأزواج، قصد به استمالتهم وترغيبهم في حسن المعاملة والصبر على ما يكرهون، أي وإن تحسنوا العشرة مع النساء، وتتقوا النشوز والإعراض، وإن تظافرت الأسباب الداعية إليهما، وتتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن، ولم تضطروهن على فوت شيء من حقوقهن، أو بذل ما يعز عليهن، فإن الله عليم بذلك مطلع عليه، فيثيبكم عليه خيراً، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (2) .
وقد أورد الشيخ محمد علي السايس في كتابه تفسير آيات الأحكام تساؤلاً ثم أجاب عنه، وذلك ضمن فوائد ولطائف أوردها حول قوله تعالى:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً
…
} الآية، ولا بأس بنقل ذلك التساؤل وجوابه: يقول: قال الله تعالى في نشوز المرأة: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} ، وقال في نشوز الرجل:{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً} ، فجعل لنشوز
(1) انظر: تفسير المنار 5/448.
(2)
انظر: تفسير الآلوسي 5/162، وتفسير آيات الأحكام، للشيخ محمد علي السايس
2/146.
المرأة عقوبة من زوجها، يعظها ويهجرها في المضجع ويضربها، ولم يجعل لنشوز الرجل عقوبة من زوجته، بل جعل له ترضية وتلطفاً، فما معنى ذلك؟.
الجواب عن ذلك من وجوه:
1-
قد علمت أن الله جعل الرجال قوامين على النساء، فالرجل راعي المرأة ورئيسها المهيمن عليها، ومن قضية ذلك ألا يكون للمرؤوس معاقبة رئيسه، وإلا انقلب الأمر وضاعت هيمنة الرئيس.
2-
أن الله فضل الرجال على النساء في العقل والدين، ومن قضية ذلك ألا يكون نشوز من الرجل إلا لسبب قاهر، ولكن المرأة لنقصان عقلها ودينها يكثر منها النشوز لأقل شيء تتوهمه سبباً، فلا جرم أن جعل لنشوزهن عقوبة، حتى يرتدعن ويحسن حالهن، وإن في مساق الآيتين ما يرشد إلى أن النشوز في النساء كثير وفي الرجال قليل، ففي نشوز المرأة عبر باسم الموصول المجموع، إشارة إلى أن النشوز محقق في جماعتهن، وفي نشوز الرجل عبر بـ ((إن)) التي للشك وبصيغة الإفراد، وجعل الناشز بعلاً وسيداً مهما كان، كل ذلك يشير إلى أن النشوز في الرجال غير محقق، وأنه مبني على الفرض والتقدير..
3-
أن نشوز الرجل أمارة من أمارات الكراهة وإرادة الفرقة، وإذا كان الله قد جعل له حق الفرقة، ولم يجعل للمرأة عليه سبيلاً إذا هو أراد فرقتها، فأولى ألا يجعل لها عليه سبيلاً إذا بدت منه أمارات هذه الفرقة (1) .
قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} النساء: 129.
بعد أن أرشد جل وعلا كلا من الزوجين إلى سلوك سبيل المصالحة
(1) تفسير آيات الأحكام للسايس 2/148.
والوفاق فيما بينهما حسبما يرتضيانه، وحث على ذلك ورغب فيه، وذلك في معالجة ما قد يحدث بينهما من نشوز أو إعراض، وما يترتب عليه من سوء العشرة والمعاملة. وكان من لوازم ذلك الصلح العدل والتراضي، والتعايش بكرامة واحترام، بعيدا عن حياة الظلم والجور، والذل والإهانة.
ثم هنا يبين تبارك وتعالى أن ذلك العدل الذي أمر به الأزواج تجاه زوجاتهم، والتسوية بينهن، إنما هو في حدود وسعهم واستطاعتهم، وما يكون في مقدورهم واختيارهم، من الأفعال والأقوال، كالتسوية بينهن في القسم والنفقة والكسوة والسكنى، ونحو ذلك من كل ما يملكه الزوج ويكون في مقدوره. أما ما لا يملكه الزوج، ولا يدخل تحت اختياره واستطاعته، من المودة والمحبة وميل القلب، وما يتبع ذلك من لوازم الحب الطبيعية كالجماع وزيادة الإقبال ونحو ذلك، فهذا قد عفا الله عنه، وعذر الأزواج فيه (1) .
قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسيرها: أي لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل القسم الصوري: ليلة ليلة، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قال ابن عباس، وعبيدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم (2) .
ثم ذكر ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} في عائشة، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم
(1) انظر: تفسير الطبري 5/313، والمحرر الوجيز لابن عطية 2/120، وتفسير القرطبي
5/407، وتفسير ابن كثير 2/430.
(2)
تفسير ابن كثير 2/430.
كان يحبها أكثر من غيرها (1) .
وكذا أخرجه ابن جرير الطبري بسنده عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية في عائشة (2) .
وأخرج الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:" اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك "(3) ، يغني القلب.
وقال القرطبي: قولُه تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض (4) .
وقولُه: {وَلَوْ حَرَصْتُمْ} أي على إقامة العدل، وبالغتم في ذلك، فإن الميل يقع في القلب بلا اختيار.
قولُه: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} أي لا تميلوا بدافع تلك المودة والميل القلبي إلى إحداهن عن الأخرى ميلا كثيراً، فتعرضوا بذلك عن الأخرى، ولا تؤدون ما يجب لها من حق وحسن معاشرة، بل يجب عليكم أن تتقوا الله في هذا الأمر، وتفعلوا ما في وسعكم واستطاعتكم من القيام بالعدل بينهن في النفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش ونحو ذلك مما هو في مقدوركم واختياركم.
(1) المصدر السابق.
(2)
تفسير الطبري 5/314.
(3)
مسند الإمام أحمد 6/144، وسنن أبي داود، برقم:(2134) ، والترمذي، برقم:
(1140)
، والنسائي 7/64، وابن ماجة، برقم:(1971) .
(4)
تفسير القرطبي 5/407.
فإن عجزتم عن حقيقة العدل والمساواة بينهن فيما لا تملكون أمره من المحبة القلبية والميول الطبيعية لا يعفيكم من تكليفكم العدل فيما دون ذلك من المراتب التي تستطيعونها. ولا يسوغ لكم اتخاذ ذلك ذريعة للتفضيل في المعاملات الاختيارية، أو الإهمال والتقصير في الحقوق الزوجية؛ ذلك أن لهذا الحب، وهذا الميول نتائج تظهر في الأقوال والأفعال التي تملكونها، وتختارونها، وتقدرون عليها، فما أظهرتم من تلك الأقوال والأفعال موافقين به ميل القلب إلى إحداهن دون الأخرى، فهو الذي فيه الإثم والمؤاخذة، بخلاف ما أكننتم في قلوبكم من محبة وميل نفسي، وما يتبع ذلك ويجري مجراه، مما لا تملكون جلبه أو دفعه أو اختياره، كزيادة الإقبال والأنس والجماع ونحو ذلك، فهذا مما عذركم الله فيه، وعفا عنه وتجاوز (1) ؛ رحمة منه ولطفاً وعدلا وإحساناً.
قال ابن عطية رحمه الله: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} : وهو أن يفعل فعلاً يقصده من التفضيل، وهو يقدر أن لا يفعله (2) .
قوله: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}
أي تعرضوا عنها {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي لا هي ذات زوج ولا مطلقة، تشبيه بالشيء المعلق من شيء، فلا هو على الأرض استقر، ولا على ما علق عليه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل:((أرض من المركب بالتعليق)) (3) .
وقيل: معناه: كالمحبوسة أو المسجونة (4) ، لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي
(1) وانظر: تفسير الطبري 5/316-317، وتفسير الخازن 2/173، وتفسير آيات الأحكام للسايس 2/150.
(2)
المحرر الوجيز 2/120.
(3)
انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 2/121، وتفسير القرطبي 5/407.
(4)
أخرجه الطبري في تفسيره 5/316، عن قتادة.
ذات بعل فيحسن إليها.
والمراد أن هذا نهي وتوبيخ للأزواج، أي لا ينبغي لكم ولا يليق بكم أن تجوروا على الضرائر، فتدعوا التي أعرضتم ورغبتم عنها إلى غيرها كالمعلقة، فلا هي تتمتع بحقوقها الزوجية، كسائر الزوجات، ولا هي مطلقة يمكنها أن تتزوج من رجل آخر تسعد بحقوقها معه. فاتقوا الله في أمرهن، فإما أن تقوموا بما يجب لهن من العدل والمساواة، كما أمركم الله، وإلا فالفرقة أولى، كما قال تعالى:
{فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (1) .
يقول الشيخ السعدي رحمه الله: قوله: {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته وزهد فيها، ولم يقم بحقوقها الواجبة، وهي في حباله، أسيرة عنده، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها (2) .
وقد جاء الوعيد الشديد لمن تعمد ذلك الميل والجور بين امرأتيه أو نسائه الضرائر، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط"(3) .
وفي معنى ما تقدم من الآية يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: قد عذر الله الناس في شأن النساء، فقال:{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ} أي تمام العدل، وجاء بـ ((من)) للمبالغة في النفي، لأن أمر النساء يغالب النفس،
(1) سورة البقرة، آية:(229) .
(2)
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ص 113.
(3)
مسند الإمام أحمد، برقم:(8568) ، وسنن أبي داود، برقم:(2133) ، وسنن الترمذي، برقم (1141) ، وسنن النسائي 7/63، وسنن ابن ماجة، برقم:(1969) .
لأن الله جعل حسن المرأة وخلقها مؤثرا أشد التأثير
…
فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال:{وَلَوْ حَرَصْتُمْ} ، وأقام ميزان العدل بقولِه:{فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} أي لا يفرط أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن أشد الميل حتى يسوء الأخرى، بحيث تصير الأخرى كالمعلقة،
…
والمعلقة: هي المرأة التي يهجرها زوجها هجراً طويلاً، فلا هي مطلقة ولا هي زوجة
…
، وقد دل قوله:((ولن تستطيعوا)) إلى قوله: ((فلا تميلوا كل الميل)) على أن المحبة أمر قهري، وأن للتعلق بالمرأة أسبابا توجبه، قد لا تتوفر في بعض النساء، فلا يكلف الزوج بما ليس في وسعه من الحب والاستحسان
…
(1) .
وفي في ظلال القرآن: إن الله الذي فطر النفس البشرية، يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها، ومن ثم أعطاها لهذه الميول خطاماً لينظم حركتها، من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات، ويؤثرها على الأخريات، فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى، والأخريات، وهذا ميل لا حيلة له فيه، ولا يملك محوه، والإسلام لا يحاسبه على أمر لا يملكه، ولا يجعل هذا إثماً يعاقبه عليه، فيدعه موزعاً بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه، بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء ولو حرصوا، لأن الأمر خارج عن إرادتهم، ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم، هناك العدل في المعاملة، العدل في القسمة، العدل في النفقة، العدل في الحقوق الزوجية كلها، حتى الابتسامة في الوجه، والكلمة الطيبة باللسان، وهذا ما هم مطالبون به.
{فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} فهذا هو المنهي عنه، الميل في المعاملة
(1) التحرير والتنوير 5/318.
الظاهرة، والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها، فلا تكون زوجة ولا مطلقة (1) .
قوله تعالى: {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً}
أي وإن تصلحوا فيما بينكم وبين أزواجكم بوجه من وجوه الصلح، وتقوموا بما يلزم من العدل والتسوية بينهن فيما يملكون، وتتقوا ظلمهن وتفضيل بعضهن على بعض فيما يدخل تحت إرادتهم من المعاملات الاختيارية، كالقسم والنفقة ونحوها، فلا تميلوا كل الميل، ولا تجوروا فيما تطيقون العدل فيه.
{فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} يغفر لكم ما دون ذلك، مما لا يدل في اختياركم، وعجزتم عن القيام به لضعفكم، ويرحمكم في دنياكم وأخراكم، فإنه تعالى كان وما زال غفوراً للتائبين، رحيما بالمؤمنين، فشأنه سبحانه المغفرة والرحمة لعباده (2) .
يقول ابن جرير الطبري رحمه الله: قوله: {وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} يعني بذلك جل ثناؤه: وإن تصلحوا أعمالكم أيها الناس، فتعدلوا في قسمكم بين أزواجكم، وما فرض الله لهن عليكم من النفقة والعشرة بالمعروف، فلا تجوروا في ذلك، {وَتَتَّقُوا} يقول: وتتقوا الله في الميل الذي نهاكم عنه، بأن تميلوا لإحداهن على الأخرى، فتظلموها في حقها، فما أوجبه الله لها عليكم؛ {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً} يقول: فإن الله يستر عليكم ما سلف منكم من ميلكم وجوركم عليهن قبل ذلك، بتركه عقوبتكم عليه، ويغطي ذلك عليكم
(1) في ظلال القرآن 2/770.
(2)
وانظر: تفسير ابن كثير 2/431، وتيسير اللطيف المنان للسعدي ص 113، وتفسير المنار 5/449، وأيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للشيخ أبي بكر الجزائري 1/464.
بعفوه عنكم ما مضى منكم في ذلك قبل، {رَحِيماً} يقول: وكان رحيماً بكم، إذ تاب عليكم، فقبل توبتكم من الذي سلف منكم من جوركم في ذلك عليهن، وفي ترخيصه لكم الصلح بينكم وبينهن، بصحفهن عن حقوقهن لكم من القسم على أن لا يطلقن (1) .
قولُه تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} النساء: 130.
بعد أن رغب تعالى في الصلح بين الزوجين حث عليه، ذكر جواز الفرقة بينهما، إذا لم يكن منها بد، بأن لم يوفقا للإصلاح بينهما، لشح كل منهما بحقه، وعدم التنازل عن شيء منه، ووعد كلاً منهما بأنه سيغنيه عن الآخر، إن هما تفرقا بالمعروف، وقصدا من تلك الفرقة التخوف من ترك حقوق الله التي أوجبها على كل منهما للآخر، فليحسنا الظن بالله، فقد يقيض للرجل امرأة تقربها عينه، وللمرأة من يوسع عليها (2) .
والمراد أنه إذا تعذر الصلح والوفاق بين الزوجين، ورأيا الفراق فلهما ذلك، وقد وعد كلا منهما أن يغنيه عن صاحبه بواسع فضله، ووافر إحسانه وجوده، فقال:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} أي بطلاق أو فسخ أو خلع {يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً} من الزوجين من {سَعَتِهِ} أي من رزقه وفضله وغناه، فيجعله مستغنياً عن الآخر، ويكفه ما أهمه، أو يكون المعنى: يغني كل واحد منهما بزوج خير من زوجه الأول، وبعيش أهنأ من عيشه الأول (3) . {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} : أي واسع
(1) تفسير الطبري 5/317.
(2)
انظر: تفسير الطبري 5/408، وتفسير آيات الأحكام للسايس 2/151، وأيسر التفاسير للشيخ أبي بكر الجزائري 1/464، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي 5/303.
(3)
انظر: تفسير الفخر الرازي 11/69، وتفسير الآلوسي 5/163.
الفضل، عظيم المن، حكيماً في جميع أفعاله وأقداره وشرعه (1) ؛ وفي ختم الآية بهذين الوصفين العظيمين تنبيه على تمام غناه سبحانه وكمال حكمته، وتأنيس وتسلية للزوجين المفترقين، فإنه تعالى كان وما زال غنياً كافيا للخلق، متكفلا بأرزاق العباد، هو الغني وحده، ذو الطول والسعة، وله الحكمة البالغة، التي وسعت كل شيء خلقاً وتقديراً وحكماً وتشريعاً.
وجاء في البحر المحيط لأبي حيان: قوله: {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً} ناسب ذلك ذكر السعة، لأنه تقدم ((من سعته)) ، والواسع عام في الغنى والقدرة والعلم وسائر الكمالات، وناسب ذكر وصف الحكمة، وهو وضع الشيء موضع ما يناسب، لأن السعة ما لم تكن معها الحكمة كانت إلى فساد أقرب منها للصلاح، قاله الراغب (2) .
وللشيخ السعدي رحمه الله جملة لطيفة حول الآية، لا بأس بنقلها لنفاستها، يقول رحمه الله: قوله: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا
…
} الآية: يعني إذا تعذر الإنفاق والالتئام فلا بأس بالفراق، فقال:{وَإِنْ يَتَفَرَّقَا} أي بفسخ أو طلاق أو خلع أو غير ذلك {يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً} من الزوجين {مِنْ سَعَتِهِ} أي من فضله وإحسانه العام الشامل، فيغني الزوج بزوجة خير له منها، ويغنيها من فضله برزق من غير طريقه، فإنها وإن توهمت أنه إذا فارقها زوجها المنفق عليها، القائم بمؤنتها ينقطع عنها الرزق، فسوف يغنيها الله من فضله، فإن رزقها ليس على الزوج ولا على غيره، بل على المتكفل القائم بأرزاق الخليقة كلها، وخصوصا من تعلق قلبه به ورجاه، رجاء قلبيا، طامعا في فضله كل وقت، فإن الله عند ظن عبده به، ولعل الله يرزقها زوجاً خيراً لها منه وأنفع {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً} أي واسع الرحمة كثير
(1) تفسير ابن كثير 2/431.
(2)
انظر: البحر المحيط 4/90.
الإحسان {حَكِيماً} في وضعه الأمور مواضعها.
وفي الآية تنبيه على أنه ينبغي للعبد أن يعلق رجاءه بالله وحده، وأن الله إذا قدر له سببا من أسباب الرزق والراحة أن يحمده على ذلك، ويسأله أن يبارك فيه له، فإن انقطع أو تعذر ذلك السبب، فلا يتشوش قلبه، فإن هذا السبب من جملة أسباب لا تحصى، لا يتوقف رزق العبد على ذلك السبب المعين، بل يفتح له سببا غيره أحسن منه وأنفع، وربما فتح له عدة أسباب، فعليه في أحواله كلها أن يجعل فضل ربه والطمع في بره نصب عينيه وقبلة قلبه، ويكثر من الدعاء المقرون بالرجاء، فإن الله يقول على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيراً فله، وإن ظن بي شراً فله "(1)، وقال:"إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي"(2)(3) .
(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، برقم:(9076) ، من حديث أبي هريرة.
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده، برقم:(21472) ، من حديث أبي ذر، والترمذي، برقم:(3540) ، من حديث أنس بن مالك.
(3)
تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن ص 113.