المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الفصل الثالث ت. س. إليوت والنقد الإتباعي إن أهم ما أسنده ت. - النقد الأدبي ومدارسه الحديثة - جـ ١

[ستانلي هايمن]

الفصل: ‌ ‌الفصل الثالث ت. س. إليوت والنقد الإتباعي إن أهم ما أسنده ت.

‌الفصل الثالث

ت. س. إليوت والنقد الإتباعي

إن أهم ما أسنده ت. س. اليوت للنقد الحديث هو فيما عبر عنه جون كرو رانسوم " استنقاذ النقد القديم ". وقد كان تأثيره في هذه الناحية بعيداً. لكن أيعزى تأثيره هذا إلى النقد نفسه أو إلى مكانة اليوت في أنه من أبرز الشعراء الأحياء؛ ذلك الشيء لا يمكن الجزم به، ومع ذلك فلا ريب في أن اليوت هو اللسان المعبر عن اتجاه في النقد يمكن أن نسميه بشيء من التجوز " اتباعياً "؛ فهو ناقد على طريقة الشعراء النقاد في القرون الأولى لكنه ليس محللاً محترفاً للأدب بمقدار ما هو شاعر محترف، ذو رسالة عامة يؤديها. وكل كتب النقد التي أصدرها ليست إلا ترتيباً وإعادة ترتيب لنيف وسبعين مقالة ومراجعة ومقدمة ومحاضرة وجدها تستحق الصون من بين المئات العديدة التي كتبها. ويكاد كل نقد كتبه أن يكون قد ظهر أولاً في مجلة أو مقدمة لكتاب آخر أو ألقي على منبر من منابر المحاضرات.

ويعتقد اليوت أن النقد يخدم قارئ الشعر، وقد مر بنا حديثه عن خطأ الاعتقاد بأن النقد فعالية غاية في ذاتها. وهو يرى أن مهمة النقد هذه مزدوجة: أحد طرفيها " توضيح الفن وتصحيح الذوق " وطرفها الثاني " إعادة الشاعر إلى الحياة ". أما " أدوات الناقد التي يحقق بها هاتين الغايتين

ص: 132

فهي " المقارنة والتحليل ". وغاية النقد إنشاء " موروث "؟ أو اتباعية؟ وصلة مستمرة بين أدب الماضي وذوقه وأدب الحاضر وذوقه.

وسر كتابات اليوت النقدية كامن في هذه اللفظة أعني لفظة " موروث "؟ أو اتباعية؟ أما ماذا يعني بها فشيء يشبه ما يعنيه ونترز حين يستعمل اصطلاح " أخلاقي " تقلباً وتعقيداً، أو يشبه ما يعنيه امبسون باصطلاح " غنوض "(وإن كان امبسون؟ على خلاف اليوت وونترز؟ يعرف الغموض في مصطلحه " غموض ") . فأحياناً لا تعني كلمة " اتباعي " هذه إلا ما تعنيه كلمة " جيد "، وأن اليوت يحب الأثر الذي يمنحه ذلك الوصف، وحالها في ذلك كحال مصطلح " أخلاقي " عند ونترز. وأحياناً تصبح؟ كما وضح رانسوم؟ طريقة مجازية من ضروب تنبيه الأديب إلى أن لا " يفرط في الجدة ". والحق أن " اتباعية " اليوت فكرة نفعية، وهو دائماً ينص على استغلال الموروث كأن يقول في بن جونسون:" بل نستطيع أن نتخذه، ونعي وجوده، كجزء من موروثنا الأدبي، يتطلب توضيحاً جديداً ". وخير طريقة نكشف بها عما يعنيه اليوت بهذه " الاتباعية " أن نراقب أثرها في إنتاجه.

ولعل اليوت لم يسهب في استعمال الموروث بالمعنى الأدبي المجرد؟ نسبياً؟ كما أسهب في النصف الثاني من مقال عن هنري جيمس كتبه في " المجلة الصغيرة " Little Review (1918) في العدد الخاص بجيمس ثم لم يعد طبعه في كتابه " مقالات مختارة " Selected Essays سنة 1932، وذلك النصف الثاني من المقال بعنوان " المظهر الهوثورني من جيمس " The Hawthorne Aspect، فقد فسر جيمس بعرضه على هوثورن، ووضح النزعة القصصية عند كليهما بالمقارنة، مؤكداً " أميركية " جيمس في الأساس، وأبدى بإسهاب ما الذي يصيب الموروث الأدبي من تعديلات وما الذي يحتفظ به إذا استمر مريره طوال فترة من الزمن.

ص: 133

وثمة وجه آخر لاستعمال " الاتباعية " يخالف ماتقدم ويتميز عنه، وهو موجه إلى غاية أدبية في أساسها، ويوجد في بعض مقالات اليوت كمقاله عن الأسقف أندروز وعن برامهول Bramjall رئيس الأساقفة فيما أسماه " من اجل لانسلوت أندروز "(1928) For Lancelot Andrews حيث يحاول أن يصقل ويوسع، بل أن يصطنع، موروثاً أدبياً أنجليكانياص، إذ يزعم أن مواعظ أندروز " تقف في صف مع أجمل نثر إنجليزي معاصر لها بل مع أي نثر في أي عصر " وأنها تفوق مواعظ دن لأن دوافع دن كانت " غير خالصة " وكان يعوزها " النظام الروحي "؟ وهي نقيصة كسبت لمواعظ دن شهرة ذائعة بعيدة. وهذا نرى اليوت يقيم، بضربة واحدة، موروثاً أدبياً على قاعدة من مقاييس أخلاقية، كلياً، ويهاجم أديباً، من حيث هو أديب، فيغمز بالتلميح المهموس ميله إلى الشك، أو على الأقل؟ يلمز فيه أنانيته الطامحة التي لم تتخل عنه وهو يؤدي واجبه الكنسي. ويمجد الاستقامة في ظل الكنيسة الإنجليزية ويعدها منبعاً، لا للخلاص في الحياة الأخرى حسب، بل لأحسن أنواع النثر، في كل زمان ومكان. ويقف اليوت مثل هذا الموقف من برامهول بادئاً بالنص على فائدته الفلسفية حين ينصب سوط عذاب على مادية هوبز (التي تشبه مادية روسية المعاصرة) منتهياً باجلاسه مطمئناً عل قمة الإجادة في النثر.

بل إن مصطلح " الاتباعية " هذا في أوسع دلالاته (أعني في المقالات الأولى) ضيق العطن، فهو يتقبل الكلاسيكي ويستبعد الرومانتيكي، ومعنى " الرومانتيكي " آثار كثيرة لا يحبها اليوت أما الكلاسيكي فإنه " كامل "" ناضج "" مرتب "، وأما الرومانتيكي فهو " شذري "" فج "" مضطرب ". وليس هذا تماماً مثل أن ننحي أدب القرن التاسع عشر برمته كما فعل بوند (1) (ينزع اليوت إلى أن يطري شعر ملتن وبليك

(1) مرت الإشارة إلى موقف بوند من أدب القرن التاسع عشر وإنه يستبعده جملة في الفقرة الرابعة من الفصل السابق وهذا فرق بينه وبين اليوت الذي لا يستبعد أدب ذلك القرن وإنما يحاول أن يقلب فيه أسس التقديم والتأخير. وهناك فرق آخر بينهما هو أن اليوت لا يتنكر لكل رومانتيكي. ويكره أحياناً ما هو كلاسيكي. من ذلك مقته لشعر بوب، وهو النموذج الأعلى الكلاسيكية الإنجليزية، وفي هذه الكراهية خروج على منهجه العام في تفضيل ما هو كلاسيكي.

ص: 134

وكيتس وتنيسون ويمقت شعر بوب، وفي هذا يناقض المشهور المتعارف، ويخالف فيه بوند الكلاسيكي الأكثر منه ثباتاً في مبدأه) . غير أن اليوت بعامة يرى أن مهمته هي أن يحل " اتباعيته " محل اتباعية أدباء ذلك القرن، فينقذ الروائيين الاليزابيثيين من لام وسوينبرن ويناهض حكم هازلت وباتر على دريدن، ويقلب بعامة أسس التقديم والتأخير بين أدباء القرن التاسع عشر.

ويحمل اليوت قسطاً من عبء الاتباعية في النقد بأسلوبه النثري نفسه، فهو أسلوب شكلي محافظ فصيح دون أن يصبح حاداً. وهو يجمع بين الصنعة الأسلوبية والوضوح الشفاف، فهو أسلوب القرن الثامن عشر مرصعاً بمصطلح القرن العشرين، وكثيراً ما يخيل للقارئ؟ تخييلاً مضللاً في الغالب؟ أنه بنجوةٍ عن مهمات الحاضر الرخيصة، بتشبثه بما يجاوز حدود الزمان؛ وسر هذا التخييل يعزى من ناحية إلى رفض اليوت؟ ألبتة؟ أن يطبع نقده للمعاصرين في كتاب (باستثناء عدد قليل) . فمثلاً ما تزال محاضراته (1933) عن جينس وبوند وجويس ولورنس تتشوف المطبعة دون أن تبلغها، كما أنه لم يجمع النبذ الست عن بوند، ومقالاته عن الأدباء المعاصرين أو المقدمات المختلفة التي صدر بها مؤلفات معاصرة (1)

(1) بعض القطع التي كتبها عن معاصريه البارزين ونشرها تستدعي التقييد هنا لمن يرغب في مراجعتها. فقد كتب ست قطع - على الأقل - عن بوند وهي: (أ) عزرا بوند: أوزانه وشعره، في كراسة نشرت سنة 1917 (ب) ملحوظة عن عزرا بوند نشرت في مجلة اليوم Today سبتمبر (أيلول) 1918 (ج؟) طريقة عزرا بوند في Athenaeum 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1919 (د) مقدمة لأشعار مختارة من بوند 1928 وقد نشرها (هـ؟) مقال في مجلة Dial يناير (كانون الثاني) 1928 عنوانه " التفوق المتفرد "(ز) عزرا بوند، في مجلة شعر سبتمبر (أيلول) 1946. وكتب عن جويس في مجلة Dial نوفمبر (تشرين الثاني 1923) مقالاً بعنوان " عولس: نظامه وأسطورته " ومقدمة لمختارات من نثر جويس " تقديم جيمس جويس " 1942. وكتب عن بروست في Criterion 1926 وعن ييتس في Southern Review شتاء 1942 (وهي محاضرة منشورة) وعن فاليري في مقدمة الطبعة الإنجليزية من " الأفعى Le Serpent " 1924 وفي العدد الثالث من المجلد الثالث من مجلة Quarterly Rev. of Lit وهي نبذة تأبينية أعيد طبعها نقلاً عن Cahiers du Sud.

ص: 135

وأما ما يوحي به نثر اليوت من شعور بأنه نثر يعلو على حدود الحاضر فإنه في الحق حاد إلى درجة أن القارئ يحس دائماً بصدمة حين يقع على ملاحظة هامشية تشير إلى المجادلات الأدبية المعاصرة في مؤلفاته (1) . غير أن هذه الصفة الركينة الوقور لم تتطور مع الزمن، فالمقالات الأولى التي نشرها اليوت في العقد الثالث من عمره كان لها ما للشيخ الوقور من أثر حتى إن نتاج السنوات القلائل الأخيرة ليبدو؟ في الحق؟ إذا ما قورن بها ناعماً متحالاً من القيود نسبياً.

وأكبر خطأ في " اتباعية " اليوت إنما يكمن فيما تنحيه وتحذفه، فلم يكتف هذا الناقد بما يبديه من قلة مبالاة بالمعاصرين (وهذا قد يغتفر في ناقد مثل سنت بيف، لأن سيرة الأديب لا تستدير كاملة إلا بالموت، غير أنه لا يغتفر في طريقة نقدية ترى أن تحكم على الجديد الطريف بعرضه دائماً علىالموروث الأدبي التليد) . بل إنه لم يمارس نقد الأدباء الأميركيين، إلا قلة منهم، في مختلف العصور (ولعل بو هو الوحيد الذي يتردد ذكره عنده) وفيما عدا مقدمات كتبها لكتب أمثال بوند وماريان مور وجونا بارنس (وبعضها فيما أعتقد مراجعات نشرتها مجلة " المحك " Criterion وأعيد طبعها) يبدو أنه لم يخصص مقالاً لأي أديب أميركي مبتكر خلا هنري جيمس، ثم لم يطبع ذلك المقال ثانية من بعد الطبعة الأولى. وعلى الرغم من المحاولة المخلصة التي بذلها ف. أ. ماثيسون في

(1) يتأتى هذا الشعور من أن إشارات اليوت للمجادلات الأدبية المعاصرة مطمئنة الأحكام في ظاهرها توحي بأنها القول الفصل في كل مسألة، مع أنها في حقيقتها ليست كذلك.

ص: 136

كتابه " ماذا حقق ت. س. اليوت " The Achivement of T. S. Eliot ليضعه في صف الموروث الأميركي متحدثاً عن بيورتانيته؟ دراسته دانتي في هارفارد؟ مشابهته في المادة والطريقة لهوثورن وأملي ديكنسون وجيمس؟ فإن اليوت يبدو في غفلة تامة عن الموروث الأميركي، إن لم نقل يبدو هارباً منه.

ومثل إغفاله الأميركيين، إغفاله لأدباء بارزين لا يدخلون في موروثهن لو شئنا لكتبنا بأسمائهم جريدة كبيرةز فهو لا يعلق في نقده على " شوسر " كما بين ماثيسون؟ أو على سكلتون والشعراء الإنجليز قبل عصر اليزابث، ولم يكتب عن أحد من الإيطاليين خلا دانتي ومكيافللي ولا عن أحد من الرومانيين إلا سنيكا، ولا عن إغريقي إلا يوربيدس، ولا عن أحد من الأدباء الفرنسيين (وهذا شيء غريب لأن شعره متأثر إلى حد بعيد بالشعر الفرنسي) إلا عن بودلير وبسكال، وكتب عن قليل من آثار الأدب النثري الخيالي. ويبدو أنه ليس هناك إلا مكان صغير في موروث اليوت لكل من هوميرس وفيون وغوته وسرفانتس وأفذاذ القصصيين باستثناء جيمس.

وثمة خطآن شخصيان يحددان نقد اليوت وهما: تفكير غائم متناقض ينتهي به إلى مصطلحات عارية من المعنى أو سديمية (أو مصطلحات سديمية تنتهي به إلى كتابة غائمة متناقضة تعتمد على كيفية تناولك لها) ، وتبرم بالموضوعات التي ينتقدها، وهو تبرك زاد لديه في أخريات أيامه، ولا صلة له بالقيم الأدبية نفسها. أما الخطأ الأول فإنه أساسي في تفكيره، ومن المستحيل أن تقرأ نقد اليوت، وتطيل في قراءته دون أن تحس بأنه يرسل مقررات في لغة يستحيل عليك أن تناقشه الرأي فيها. وفي مقال له من أجمل مقالاته بعنوان " اختبار النقد "؟ ظهر في Bookman (1)

(1) Bookman اسم لمجلة أدبية نقدية إنجليزية وأخرى أميركية وقد صدرت الثانية 1895 - 1939 وكانت محافظة في طابعها العام.

ص: 137

لعدد نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1929 ثم لم يعد نشره من بعد (1) - يقول اليوت " هناك حاجة ماسة بالنقد إلى اختيار جديد يشمل دراسة منطقية جدلية للمصطلحات التي يستعملها ". وعلى الرغم من هذا التصريح الممتاز الذي لم يكن يعني به اليوت نفسه، فيما يبدو، فإنه ظل دائماً يرفض أن يدرس، أو حتى أن يحدد، المصطلحات التي يستعملها، متهرباً من ذلك إلى مقل قوله:" في إصدار هذا الحكم، أرفض أن أساق إلى البحث في تعريفات " الشخصانية " و " الشخصية " (2) " أو إلى مثل قوله " وإذا أبدى امرؤ تذمره من أني لم أعرف الصدق أو الحقيقة أو الحق فإني أستطيع أن أقول معتذراً إن ذلك لم يكن جزءاً من هدفي لأن كل ما أقصد إليه هو أن أجد منهجاً تندرج فيه هذه المصطلحات، مهما يكن شأنها، إن كان لها وجود ". وأحياناً يكتب اليوت عبارات تبدو وكأنها ليست إلا سفسطات فارغة مركبة من مصطلحات غائمة تخيل إلى سامعها أنها تنقل أحكاماً نقدية كهذه العبارة الآتية التي يتحدث فيها عن روستان: " هو متفوق على مايترلنك الذي يعجز عن أن يكون شعرياً حين يعجز عن أن يكون روائياً؟ هو متفوق عليه لا من حيث هو روائي فحسب بل من حيث هو شاعر أيضاً. نعم إن لدى مايترلنك بصراً أدبياً بما هو روائي كما أن لديه بصراً أدبياً بما هو شعري وفيه يجتمع الاثنان معاً، غير أنهما غير ممتزجين لديه كما هي الحال في آثار روستان، فشخصياته ليست ترغب رغبة واعية في أدوارها بل هي شخصيات عاطفية. أما في حال روستان فإن جهده منصب على التعبير عن العاطفة، ولا كذلك مايترلنك الذي

(1)(هي في الأصل محاضرة ألقاها في " معهد المدنية الأدبي " بلندن وقد نشرت ومعها محاضرات لآخرين تتصل بالموضوع في كتاب " الاتباعية " والتجربة في الأدب المعاصر " سنة 1929) .

(2)

هذان من اصطلاحات اليوت فالشخصانية " Personality " والشخصية " Character " وربما كان الفرق بينهما هو الفرق بين " الذات " و " مقومات الذات "، وينص اليوت على أن الإبداع الفني يحقق اللاشخصانية أي هو عملية إفناء للذات مستمرة.

ص: 138

ينصب جهده على عاطفة لا يمكن التعبير عنها ".

ونتج عن استعمال اليوت لمثل هذه المصطلحات أن " قبض " عليه كل من تحدث عنه متلبساً بالتناقض. فمثلاً وجده ليونل ترلنج يقيم فرقاً بين " الشعر " و " المنظوم "(1) من أجل كبلنج كان قد حطم هذه التفرقة، قبل سنوات عديدة، حين رآى آرنولد يستغلها في نقد دريدن. وقد لحظ ونترز في فصل من كتاب " تشريح الهراء " اتهم في اليوت بتناقض إثر تناقض في تفكيره النقدي (ويجب أن نسلم بأن كثيراً من تلك التناقضات ليس له أساس إلا رفض ونترز أن يقرأ بوضوح حسب دلالة القرينة) ؟ لحظ ونترز خطأ واحداً مضحكاً؟ على الأقل؟ وذلك هو قولة لهربرت ريد جاء فيها أن الشعر فيض عن الشخصية وفينا وعلينا ألا تحاول فيه تنقيحاً أو تحسيناً فوسم اليوت هذه العبارة بأنها " زنديقية " في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة "(1934) After Strange Gods. غير أنه في الكتاب نفسه، دافع عن نفسه ضد من يتهمونه بعدم التوافق بين شعره ونثره بقولة ريد هذه، مقولة في سياق جديد.

وأحد أسباب هذا التناقض حيلة لقنها اليوت من بوند؟ دون ريب؟ وهي التقدم بآراء لا يؤمن من أجل أن يسمع من حولها ضجيجاً. وفي موطن واحد؟ على الأقل؟ كان اليوت صريحاً غير متستر في هذه الأمر، وذلك حين كتب في مقاله " شكسبير ورواقية سنيكا " يقول:

" هاهنا أقدم أديباً يسمى شكسبير تحت تأثير من رواقية سنيكا، ولكن لا أعتقد في أن شكسبير وقع تحت تأثير سنيكا، وإنما اقترح

(1) هناك فرق في العربية بين اللفظتين في الصعيد الفني، ولكن الاستعمال القديم لم يكن يفرق بينهما فإذا تذكرنا قسمة الكلام عامة إلى " نثر ونظم " عرفنا أن النظم والشعر لفظتان مترادفتان، أو كانتا كذلك. أما تبين الفرق بين لفظتي Poetry و Verse في الإنجليزية فإنه مبالغة في التدقيق.

ص: 139

ذلك لأني أومن أنه بعد شكسبير المتأثر بمونتين (لا أن مونتين كان ذا فلسفة ما) وبعد شكسبير المتأثر بمكيافللي لابد أن يجيء شكسبير سنيكائي أو رواقي. وإني لأريد فحسب أن أطهر هذا الشكسبير السنيكائي قبل أن يظهر ولقد يتحقق لي طموحي لو أنني بذلك حلت بينه وبين الظهور. "

وبعد ذلك كله نجده يبرز أثر رواقية سنيكا في شكسبير، ويعود إلى هذه النقطة في كتابه مرة إثر أخرى.

وثمة سبب آخر لهذا التناقض وضحه اليوت نفسه في مقال " موسيقى الشعر "، بقوله:" أنا لا أستطيع أن أعيد قراءة ما أكتبه من نثر دون حرج حاد، وإني لأتهرب من هذا الواجب فأغفل بالتالي أمر التصريحات التي دمغت بها نفسي ذات يوم، وكثيراً ما أكرر ما كنت قلته، وليس ببعيد أن أقع في تناقض ". وقد تكون هذه دعابة، لو لم تكن دعابة غريبة على اليوت (لأنه قد تعود أن يقف موقف المعتذر في آثاره، لا موقف الساخر) وقد تحسبها دعابة أيضاً، لولا أن اليوت أعادها مرات، ومن بين تلك المرات موقف متميز بالوقار، وهو محاضرته التذكارية عن ييتس. ومن المؤكد أن اليوت يستعملها معتذراً اعتذاراً جاداً عن تناقضه، غافلاً عما قد تحمله من جفاء وجسو خين تقارن بقولة وتمان السخيفة العظيمة في آن " أأنا أناقض نفسي؟ حسناً إذن، أنا أناقض نفسي "(أنا رحيب الذات أتسع لمكثرات متعددة) .

أما تبرمه بموضوعاته التي ينتقدها فينتهي به إلى حيلة أخرى ابتكرها بنفسه، وتلك هي دعواه أنه لا يفهم الشعر البسيط. فقد زعم أنه لا يستطيع أن يقيم معنى للمقطوعة الخامسة من قصيدة شللي " إلى قبرة "، وهي مقطوعة محيرة ولكنها قطعاً مفهومة (1) .

(1) نظم شللي هذه القصيدة قبل وفاته بسنتين، يخاطب فيها " القبرة " وهي طائر يرتفع في الجو مغرداً حتى يختفي عن الأنظار. وقد تناول الشاعر هذا المعنى فأداره في صور كثيرة، فشبه القبرة بالشاعر تستمتع بقراءة شعره دون أن نراه، وبفتاة في قصر تغني أناشيد الحب وهي محتجبة، وبالوردة المختفية بين الأوراق يفوح شذاها دون أن ترى.. الخ. أما هذه المقطوعة فقد شبه القبرة بالقمر " الكرة البيضاء " فإنه حين ينجلي الفجر يتضاءل نوره حتى لا يرى، ولكننا نحس أنه موجود.

ص: 140

[أنت محتجبة، ولكني ما أزال اسمع سرورك يسترسل في صوت نفاذ]

نفاذ المضاء، كسهام تلك الكرة البيضاء

التي يتضاءل مصباحها الوضاء

عندما يتجلى الفجر الناصع

حتى يكاد ينبهم أمام الأنظار

غير أننا ما نزال نحس بوجوده

وقد قرر أن بيت كيتس " الجمال هو الحق والحق هو الجمال " لا يعني شيئاً لديه وهكذا. ومن البين أن هذا الاصطناع المفاجئ لموقف من الذكاء المتبلد إنما يقصد به نحواً من السخرية السقراطية؛ ودليل هذا أولاً تلك الأمثلة التي يختارها (وهي دائماً أمثلة من العواطف الغائمة عند الشعراء الرومانتيكيين) وثانياً: أنه امتدح ف. هـ؟؟؟؟. برادلي " بأنه يحرج خصمه بإقراره فجأة على نفسه بالجهل ". ومن المفارقات الساخرة أن واحداً من أشد منتقديه مرارة؟ أعني ايفور ونترز؟ قد هاجمه على هذا النحو نفسه أيضاً.

وأما الشكل الآخر الذي يظهر فيه تبرمه المتزايد بالأدباء فهو عادة تفنيدهم لأنهم لم يكونوا شيئاً غير الذي كانوا: كان من الواجب أن يكون لكل من بليك وشكسبير فلسفة خير مما لهما، وما كان من حق أدباء العصر الكتوري أن يكتبوا هذا المقدار، وما كان لغوته أن يقرض شعراً أبداً (فإن دوره الطبيعي هو دور الإنسان الدنيوي الحكيم وفي مقدوره أن

ص: 141

يكون لاروشفقو ثانياً أو قل لابيرويير أو لافوفنارج ثانياً) وكان على شكسبير أن يكتب عطيل بطريقة لا تثير اعتراض رايمر، وكان على شللي أن يكون امرءاً خيراً مما كان، وهلم جرا.

2

- ثمة طريقة مثمرة لدراسة نقد اليوت بإسهاب وهي شرح مقالته " الاتباعية والموهبة الفردية "(1) Tradition and the Individual Talent التي طبعت أول مرة سنة 1917، ولا تزال بعد ربع قرن من الزمان أهم مقالاته، ومفتاحاص لما بعدها من آثار. وهي تتضمن في ذاتها كل التطورات الأخيرة، وسأحاول في هذه الفقرة أن أقيد بعض مشمولاتها:

(1)

لو كان الشكل الوحيد للاتباعية، أي توريث السالف للخالف، إنما يشمل انتهاجنا منهج الجيل السالف لنا مباشرة فيما وفق فيه، في تبعية عشواء أو خرقاء لكان الحق أن نخذل الناس عن " الاتباعية " تخذيلاً إيجابياً.

يبد أن اليوت يحمل هنا فكرة غريبة، وهي أن الاتباعية دائماً تتخطى السلف المباشر إلى ما قبله. وفي مقاله " بودلير في عصرنا " في كتابه " من أجل لانسلوت أندروز " كتب وثيقة هذه الفكرة حين قيد بتحكم وحماقة جريدة لآخر خمسة أجيال أدبية سالفة وهي:(1) بودلير (2) هكسلي وتندال وجورج اليوت وغلادستون (3) سيمونز ودوسن ووايلد (4) شوٍ وويلز وليتون ستراشي (5) اليوت ومدرسته. ويزعم اليوت أنه استمر بالموروث الذي يمثله الفريق الأول والثالث والخامس أما الثاني والرابع فيلتقيان ويعتنقان.

(1) هي المقالة الأولى في كتابه " مقالات مختارة ": ص 13 - 22.

ص: 142

(2)

غير أن الاتباعية تشمل في المقام الأول الحس التاريخي الذي قد نقول فيه إنه لا ستغني عنه واحد يريد أن يستمر شاعراً بعد عامه الخامس والعشرين. ويتضمن الحس التاريخي إدراكاً لا لمضي الماضي فحسب، بل لشهوده أيضاً. فالحس التاريخي يضطر المرء إلى أن يكتب، لا لمجرد أنه يحس بجيله وحده في دمه، بل بإحساسه أن كل الأدب الأوروبي منذ هوميرس، بما في ذلك أدب وطنه كلهن له وجود في زمان، وأنه يشكل نظاماً في زمان أيضاً. وهذا الحس التاريخي؟ وهو حس بما وراء الزمن وبالزماني، وبهما معاً متحدين؟ هو الذي يجعل الأديب اتباعياً.

يستعمل اليوت لفظة " تاريخي " استعمالاً غريباً، ومن غموض اللفظة ثار ما يشبه الجدل النقدي حول طريقة اليوت النقدية: أهي تاريخية أم لا. فقد تحدث ادموند ولسن عن اليوت في كتابه " قلعة أكسل " وفي مقال له بعنوان " التفسير التاريخي في الأدب " فعده الأنموذج الحق للناقد غير التاريخي الذي يعالج الأدب كأنما تصادف وجوده كله معاً؟ في زمان؟ مقارناً بين صوره، معطياً حكمه عليه، حسب مقاييس مطلقة؟ في فراغ؟ بينما اختاره كرو رانسوم؟ من الناحية الأخرى؟ في كتابه " النقد الجديد " مثلاً على الناقد التاريخي، مبيناً أن اليوت " يستغل دراسته التاريخية من أجل الفهم الأدبي ". ومن الواضح أن الفريقين المتنازعين يستعملان لفظة " تاريخي " بمعنيين مختلفين. أما ولسن فيعني بها استعمال مقاييس قرائنية أو نسبية وأما رانسوم (واليوت نفسه فيما يبدو) فيعنيان بها الإطلاع على التاريخي والوعي بما كان عليه الماضي. ويبدو اليوت أحياناً ناقداً تاريخياً على طريقة اشبنجلرية، حتى حسب مفهوم ولسن نفسه، كما هي الحال في مقاله " شكسبير ورواقية سنيكا " فهناك وجد عاملاً مشتركاً للانحلال الاجتماعي يربط بين انجلترة في عصر اليزابث ورومة

ص: 143

الاستعمارية، ثم أخذ يظهر أثر ذلك كله في أدبيهما. ولكنه بعامة غير تاريخي بهذا المعنى إلى درجة تثير الضحك. وحين يقول " أترى الفنون تزدهر أحسن ازدهار في فترة النمو والتوسع أو في حال الانحطاط، مسالة لا أستطيع الإجابة عنها "، فإن كلمة " أحسن ازدهار " هنا مثل على أنه بلغ الغاية في انعدام الحس التاريخي. وإذا وقفنا عند كلمة أضافها اليوت إلى ما تقدم وهي أنه يعجز عن أن يفهم لم يبدو أن المسرحية الشعرية قد ماتت، فقد نقترح أن نتلمس حكماص حاسماً بين الفريقين المتنازعين ونقول إن اليوت لا يعرف من التاريخ في رأي رانسوم ما يكفيه ليكون ناقداً تاريخياً ثابتاً في رأي ولسن.

(3)

وكل من قبل هذه الفكرة عن نظام الشعر الأوروبي (1) ، والشعر الإنجليزي وشكلهما فإنه لن يرى أن من قلب الأوضاع أن يعمل الأدب الحاضر في الأدب الماضي أنه ليس من قلب الأوضاع أن يعمل الماضي في الحاضر.

هاهنا عدد من الأفكار الكاشفة عند اليوت فكلمة " النظام " أصبحت " اتباع السنة " وكلمة " الفوضى " أصبحت " محاربة السنة " أو " البدعة "، وفكرة " تغيير " الأدب الماضي أصبحت عملاً نقدياً كاملاً يهدف لمراجعة تاريخ الأدب، لكي ينص على " اتباعيته " وأما مبدأ توجيه الحاضر بالماضي فقد تبلور في صورة رجعيته الدينية والاجتماعية والسياسية.

(4)

دعنا نتقدم إلى تبيان أكثر وضوحاً، يجلو علاقة الشاعر بالماضي،

(1) كان اليوت يقول في مقاله هذا، قبل هذه العبارة، إن التراث الأدبي موجود على نظام معين فإذا أراد أحد أن يضيف إليه شيئاً فلابد من تغيير ولو طفيفاً، وبذلك تتغير العلاقات والنسب والقيم وتتعدل، وهذا هو معنى الانسجام بين القديم والحديث، فمن هذا النظام لا يرى في تبادل التأثير بين الماضي والحاضر أو نقصاً في الذوق أو مجاوزة للمعقول.

ص: 144

فهو لا يستطيع أن يرى الماضي كتلة أي قطعة صماء، ولا يستطيع أن يعود نفسه الاكتفاء من هذا الماضي بشيء أو شيئين يعجبانه، ولا أن يعود نفسه إيثار فترةٍ ما

بل على الشاعر أن يكون واعياً على التيار الكبير الذي لا يغير مجراه أبداً خلال أفذاذ المشهورين.

مهما يصدق هذا القول على شعره (الذي كان أميل إلى الشمول والرحب دائماً) فهو في الحق لا يصدق على الاتباعية التي خلقها اليوت في نقده، فقد كانت اتباعيته هذه أحياناً كتلة صماء؟ هي الأدباء الأموات جملة؟ وقد كنت دائماص تفضيل فترة أو اثنتين؟ وفي المقام الأول روائيو عصر اليزابث والشعراء المتافيزيقيون؟ مع أنها لم تكن تجمع أفذاذ المشهورين وروائع الشهرة، فإنها لم تكن أيضاً التيار الكبير أو أجزاء من التيار الكبير؟ في الأقل -.

(5)

وأنا على وعيٍ باعتراض مألوف يوجه لجزء من منهاجي هذا، متصلٍ بمادة الشعر، وذلك الاعتراض هو أن هذا المبدأ يحتاج قدراً مضحكاً من الاطلاع أو (الحذلقة) وهو زعم يمكن رده جملة بالكشف عن سير الشعراء في أي " مقام ".... إن شكسبير قد حصل على مادة تاريخية هامة من فلوطارخس أكثر مما يستطيع تحصيله كثير من الناس من المتحف البريطاني جميعه.

يحلو لاليوت أحياناً أن يدعي بأنه شاعر أو ناقد بسيط غير مثقف ترهبه الدراسات المتعمقة، فيتقدم بمثل هذه " المرافعة " المتواضعة:" ليس من اللياقة أن يتتبع الناقد الأدبي أثر هذه الدراسة عوداً، حيث تبدو موافقته لها أو خلافه معها نوعاً من الوقاحة ". مع ذلك فإن المثل الأعلى

ص: 145

لديه هو الذي ورثه عن بوند (الذي وصف نفسه ذات مرة بأنه آلة فيلولوجية بلغت حد الإرهاف) أعني الناقد الدارس. وعلى حسب مقاييس النقد المعاصر وبخاصة في أميركة يعد علم اليوت شيئاً متميزاً، وإن لم يكن له مثل إحاطة نقاد كجورج سينتسبري، هم علماء دارسون، في المقام الأول: فقد درس اليوت على بابت وسنتيانا في فارفارد، وأجيز في الفسلفة، وقرأ الأدب الفرنسي والفلسفة في السوربون، ودرس الفلسفة الإغريقية في اكسفورد، وقضى سنتين يدرس فقه اللغة السنسكريتية والهندية وسنة يدرس المتافيزيقيا الهندية. ومع أنه لا يحسن لغات بعدة ما يحسنه بوند، فإنه يقرأ في خمس لغات إلى جانب الإنجليزية وهي الإغريقية واللاتينية والإطيالية والفرنسية والسنسكريتية مع تفاوت في القراءة بين اليسر والعسر. وقراءته في هذه اللغات أوسع وأعمق حظاً من بوند، كما أن محصوله الفلسفي والعلمي يفوق محصول بوند دون ريب.

(6)

أما الذي يحدث للشاعر (من تمثله للماضي وتطوير وعيه به خلال الأيام) فهو إسلامه نفسه، على حاله هذه، لشيء أقيم وأكثر جدوى. ذلك أن تقدم الفنان إنما هو تضحية نفسية مستمرة، هو إفناء مستمر للذات.

وهذه أيضاً من الأفكار الكاشفة عند اليوت، وهي نظريته عن الطبيعة اللاشخصانية في الفن، فهو يقول في موضع آخر من هذا المقال:" ليس الشعر إطلاقاً لسراح العاطفة وإنما هو هرب من العاطفة وليس هو تعبيراً عن الذات بل هرب منها ". فيجهد الشاعر جهده " ليحول آلامه الذاتية الخاصة إلى شيء خصب غريب، شيء كوني عام لا ذاتي ". وكل جهد الروائي هو " عملية سكب الذات أو بمعنى أعمق سكب حياة الأديب في الشخصية التي يخلقها ". ومع أن لهذا الكلام حظاً من الصدق المجازي

ص: 146

فإنه في المستوى الحرفي يمثل المقياس الجمالي عند رجل معذب، ذلك لأن لدى اليوت خوفاً يقينياً من الذات، بما في ذلك ذاته هو نفسه، وما هذا النظام المستحكم للإتباعية الأدبية إلا مهرباً منها. وظل عدة سنوات يرى أن إعلاء الذات عند الأدباء الرومانتيكيين مصدر لخطرٍ قد أطل. وبالتالي تحقق أن العدو الحقيقي هو البروتستانتية. يقول في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة ":

" إن ما كنت أستقرئه متدرجاً هو هذا التصريح التالي: حين تكف الأخلاق عن أن تكون أمراً موروثاً سنياً؟ أي عادات للمجموعة، شكلتها الكنيسة، وصححتها، ورفعت من شأنها، بما لها من تفكير وتوجيه دائمين، وعندما يسير كل إنسان في الوجهة الخلقية التي كونها لنفسه، عندئذٍ تصبح الذات أمراً ذا أهمية مخيفة ". ومن الواضح أن الذي أدركه الرعب هو اليوت لا المجتمع.

(7)

وكلما كان الفنان أكمل، زادت سعة الخلف فيه بين الإنسان الذي يتعذب والعقل الذي يخلق، وأصبح في مقدور العقل أن يهضم العواطف التي هي مادته ويشكلها على وجه أكمل.

يرى اليوت أن ليس الفن " تحويلاً " للألم والعاطفة فحسب، بل كلما كان الفن أحسن، كان التحويل أكمل، وهذا نوع من التطهير لنفس الفنان يوازي ما عند أرسطوطاليس منتطهير لأنفس النظارة (1) . وهذا في واقعه، وإن لم يلحظه اليوت أبداً، هو جوهر الفردية الرومانتيكية والبروتستانتية، هو النفعية التي ترى أن قيمة الفن مقدار الخدمة التي يؤديها لفرد متفرد اسمه الفنان. وهذا كله يقع على النقيض من الاتباعية

(1) إشارة إلى نظرية التطهير Katharsis التي جعلها أرسطوطاليس الغاية الأولى للمأساة.

ص: 147

ومن المقاييس الكاثوليكية " للمشاركة " التي يرمز إليها " العشاء الرباني ".

(8)

وستلحظون أن التجربة أي العناصر التي تدخل في حضرة الوسيط الكيميائي المحول (1) إنما هي نوعان: عواطف ومشاعر.

إن تمييز اليوت بين " العاطفة " و " الشعور " بالغ الأهمية والغموض في آن. ويبدو أن العاطفة كائنة قارة في الشاعر نفسه أما الشعر فإنه مخبوء للشاعر في " كلمات وعيارات وصور خاصة ". ويتصل بهذه النظرية مبدأ " التبادل الموضوعي " الذي وضحه اليوت فيما بعد في مقاله " هملت ومشكلاته " من حيث أن التبادل الموضوعي حال أو موقف تكمن فيه " مشاعر " تعبر عن " عاطفة " الشاعر وتثير " عاطفة " مشابهة في القارئ (2) . وهكذا يجيء هذا الفصل بين العاطفة والشعور لكي يحول دون دخول " العاطفة " إلى الشعر خضوعاً لنظرياته عما هو لا شخصاني واتباعي، ثم يدسها في الشعر باسم آخر (وربما) بشكل آخر.

(9)

وسيخدمه في منحاه هذا العواطف التي لم يجربها، كالتي جربها.

هذه إلماعة إلى مبدأ لا يتزحزح عنه اليوت متصل اتصالاً وثيقاً بمبدأ

(1) تحدث اليوت في مقاله عن تجربة كيميائية وهي وضع قطعة مصقولة من البلاتين في وعاء يحتوي الاكسجين وثاني أكسيد الكبريت، فإذا مزجت الغازين نجم عنهما حامض الكبريت ولا يتم لهما ذلك لولا وجود قطعة البلاتين، ومع ذلك فليس في الحامض الناتج أثر من البلاتين ولا في قطعة البلاتين أثر منه. فعقل الأديب هو البلاتين والتجارب هي الغاز المتفاعل مع الاكسجين، وهو يشير بهذا إلى التجاور والانفصال بين العقل الخالق والإنسان الذي يتعذب.

(2)

لتوضح هذا " التبادل الموضوعي " بمثل سلبي تصدى له اليوت (ص 145 من كتابه مقالات مختارة) وهو موقف هملت: ثار عملت (الإنسان) لأن أمه تزوجت من عمه بعد " مقتل " أبيه، يستطيع نقلها موضوعياً ليقنع الآخرين بصواب موقفه، ولذلك بقيت هذه العاطفة تسمم حياته وتعرقل إرادته؛ فهنا فقدت " الحتمية " الفنية التي تفرض التساوي بين هذه العاطفة الداخلية وبين ما هو في الخارج، ومن ثم لم يقع التأثير من حالة في أخرى " موضوعياً ".

ص: 148

" اللاشخصانية " وهو اعتقاد بأن الفن في أساسه نظام محكم الغلق، وأن مقاييس العقيدة أو مضاهاة الحقيقة لا علاقة لها به، وإذا كان دانتي يستند إلى نظام فكري مترابط بينا لا يستند شكسبير إلى ذلك فما ذلك (فيما يعتقد اليوت) إلا " مصادقة لا يقاس عليها ". إن الشاعر " ليصنع " الشعر عضوياً، ودون عقيدة، بالطريقة التي تصنع النحلة بها العسل أو تفرز العنكبوت بها خيوطها " والشعر الأصيل يستطيع أن ينتقل للمتلقي قبل أن يفهم " أو إنه في الواقع لا يفهم أبداً. وقد يعبر الشاعر عن حال جيله " مصادفة؟ وإن كانت مصادفة غريبة؟ بينا هو في الوقت نفسه يعبر عن حالة من أحواله مغايرة تماماً " (هنا يتحدث اليوت ضمناً عن تجربته هو في قصيدة " اليباب ") وهكذا. وقد صاغ اليوت هذه المبادئ في نظرية قريبة الشبه بنظرية رتشاردز عن أن " التوافق " الشعري لحظة قراءة القصيدة منفصل عن مسائل " العقيدة ". وقد تفوق اليوت على رتشاردز حين أضاف إلى نظريته: أن كل ما يختار الشاعر أن يعتقده فإنما يتقرر آلياً " وحينئذ لا يبقى لصحته أو كذبه؟ من إحدى النواحي؟ أثر في شيء، كما أن صحته من الناحية الأخرى تجد لها برهاناً ". وعلى هذا فقد يكون من المقنع المرضي ألا يكون للشاعر اعتقاد في أي شيء بل " يستعمل " أي معتقد يقع في متناول يده (1) .

هذه هي إذن كل الموضوعات التي تطورت وأصبحت تكون نقد اليوت نظراً وتطبيقاً: (1)" الاتباعية " التي أصبحت تسمى " اتباع السنة " أو " الارثوذكسية ". (2)" والنظام " الذي أصبح فيما بعد " فكرة المجتمع المسيحي "(3) والنص على أنواع مفضلة من أدب

(1) لم يتوه المؤلف هنا بهذا الازدواج في شخصية اليوت، فإن اليوت الفنان يرى أن يكون الفنان شخصاً " غير مسؤول " يلبس لكل حالة لبوسها من عقيدة وما أشبه بينما اليوت الناقد يخدم بنقده غايات سياسة ومذهبية رجعية.

ص: 149

الماضي (والحاجة إلى التفسير والمعرفة التاريخية (5) والمبادئ الأربعة وهي: اللاشخصانية، واللاتناسب بين الفن والعقيدة، التفرقة بين العاطفة والشعور، التادل الموضوعي. وقد تكونت هذه الماتيح الأربعة؟ ظاهرياً؟ عن الحاجة إلى تجريد موروث من قرائنه التاريخية وإلقائه إلينا ليفهم على ضوء قرائننا الحاضرة، أما في الحقيقة فقد ينعكس السياق ونقول إن مبدأ " الاتباعية " نفسه لم يطور إلا ليمنح صبغة شرعية لحاجة اليوت الذاتية إلى فن " يطفئ " الشخصانية ز " يحول " الألم و " ويستعمل " العقائد دون أن يؤمن بها. إن الحاجة الملحة في نقد اليوت ليبدو أنها هي حاجته هو نفسه ليقيم من هذه العناصر الموضوعية؟ الاتباعية؟ اللاعاطفية؟ الشكلية، أربع دعائم " لطوار " يريح عليه جسمه، مثله في ذلك مثل هوبكنز عندما اعترف أنه في المرحلة الأخيرة من حياة إبداعه الفني لم يجد ما يتيح له قرض الشعر أبداً إلا الشكل الجافي للسوناتة Sonnet.

ويمكن اعتبار كل مقالات اليوت توضيحعات للأفكار والطريقة الاتباعية التي رسم هيكلها العام في مقاله " الاتباعية والموهبة الفردية "، ويمكن اعتبارها فهرسناً واسعاً من التطبيقات والأمثلة. ونستطيع أن نرى اتباعية اليوت في دور التطبيق منذ أن أصدر كتابه " الغابة المقدسة " سنة 1920، وهو أول مجموعة من المقالات النقدية، وفيه ظهر مقال " الاتباعية والموهبة الفردية ". ويقول ف. أ. ماثيسون في كتابه " ماذا حقق ت. س. اليوت "" بهذا الكتاب؟ الغابة المقدسة؟ يبدأ، عوداً، الفحس الحديث المسهب المكبر عن صفة الشعر ومهمته ". وللكتاب تأثير تاريخي أعظم من التأثير الذي يحدثه في قراء هذه الأيام. ومن حسنات ذلك الكتاب، الاقتباس المستمر من النصوص الشعرية، حتى إن مقالاته ليست عملياً إلا اقتباسات مستفيضة من الأدباء ممتلئة بالمقارنات والشروح والتقويمات. وكان اليوت حينئذ يؤمن أن الشعر " متعة رفيعة " وغايته الكبرى " أن يمنح نوعاً خاصاً

ص: 150

من المتعة "، وأن المهمة للنقد هي زيادة المتعة الصادرة عن الشعر؛ وقد وصف نقد ذلك العهد وصفاً جافياً لكنه صحيح حين قال " إننا حين لا نتطلب المعرفة التي تحشى بها كراسات الطلبة بل نتطلب متعة الشعر ونبحث عن قصيدة فإننا قلما نعثر على واحدة ". وعندما نظر اليوت وراءه نحو كتاب " الغابة المقدسة " في مقدمة كتبها عام 1928 قيد هذه الملاحظة:

إنه لتبسيط مصطنع يجب أن يتلقى بحذر، أن أقول: إن المشكلة التي تتحدث عنها هذه المقالات والتي تكفل لها حظها من التلاؤم لهي مشكلة تكامل الشعر، مؤيدة بالتأكيد المكرور على أننا حين ننظر إلى الشعر فلابد من أن ننظر إليه من حيث هو شعر لا أي شيء آخر. في ذلك العهد أثارتني وأسعفتني كتابات ريميه دي غورمونت النقدية، وأنا أعترف بهذا التأثير وأحس نحوه بالجميل ولست أنكره مطلقاً وإن كنت قد تجاوزته إلى مشكلة أخرى لم يمسها هذا الكتاب ألا وهي مشكلة العلاقة بين الشعر والحياة الروحية والاجتماعية في عصره وفي سائر العصور.

وليس هذا القول دقيقاً لأن " الغابة المقدسة " يحدد بوضوح الموروث المبرعم الذي تفتح عن أفكاره الدينية والاجتماعية، ولكن هذه العبارة المقتبسة تلمح حقاً إلى تغيير واحد ذي بال وذلك هو أنه بالانتقال من الاهتمام بأمر " الشعر من حيث هو شعر " قل لديه الاقتباس من النصوص بل ربما اختفى، حتى إن آخر كتاب لاليوت متصل بالأدب وعنوانه " فائدة الشعر وفائدة النقد " يحوي أقل من مائة بيت من المقتبس أو أقل مما كان يقتبسه في مقال واحد من كتابه " الغابة المقدسة ".

وقد كتب اليوت في مقدمة الكتاب الأصلي يقول: " إن من واجب الناقد أن يحفظ الموروث، حيث يكون هنالك موروث جيد ". وفي الفصول

ص: 151

الأخيرة من الكتاب بين أن الموروث الجيد موجود وأنه " أدب العصور العظيمة، أي أدب القرنين: السادس عشر والسابع عشر ". وكل خيوط الاتباعية تظهر في كتابه " الغابة المقدسة " بتفصيل، إلا شعر المتافيزيقيين الذين ظهروا لديه بعد الكتاب بعام (1921) في مراجعة كتبها عن مختارات انتقاها غريرسون من الشعر المتافيزيقي، وإلا دريدن الذي كتب عنه اليوت أول مرة سنة 1922. وخصص مقالة لدانتي، ولأربعة من روائي عصر اليزابث (وهم مارلو وشكسبير وجونسون وماسنغر) ، ولنقادٍ حاولوا أن يستعملوا اتباعية شبيهة باتاعية اليوت (ومنهم تشارلس وبلي وايرفنج بابت وبول إلمر مور وجوليان بندا) ، وخصص مقالة أخرى عن المظاهر المتنوعة للمسرحية الشعرية، وهي شغله الشاغل وعنصر كبير في اتباعيته. وهناك مقالان وقسم من ثالث في الكتاب ترسم ما يعتبره اليوت الموروث المناهض، ممثلاً في سوينبرن وبليك (1) ، فهو يعالج بليك باعتدال وبقسط وافر من الاعجاب ويعده " شاعراً ذا عبقرية " أخطأ طريقه ليكون " كلاسيكياً " مثل دانتي لأنه ولد في بيئة لا تناسبه، أما سوينبرن فإنه يضحي به شاعراً وناقداً وبذلك يقاوم الموروث " الرومانتيكي " ويصرعه أرضاً. أضف إلى كل هذه المقالات، مثاله " الاتباعية والموهبة الفردية " الذي يعد بحثاً عاماً، وقد يتعرض فيه لهذا أو ذاك من الأدباء الذين أفرد كلاً منهم بمقال على حدة.

3

- قد يكون مصدر اتباعية اليوت حاجة أدبية ولكن غاياتها اجتماعية ودينية، فعمله على تطبيقها وتوسيعها كي تشمل النواحي الاجتماعية والأدبية أمر يستحق الفحص. ومن الأسباب الرئيسية في ذلك أنه تحول إلى المذهب

(1) أكثر هذه المقالات مضمن في كتابه " مقالات مختارة ".

ص: 152

الأنجلو كاثوليكي. ويزعم هاري م. كمبل في دراسة عن اليوت نشرها بمجلة جبال روكي، صيف 1944، أن تحول اليوت تم مبكراً في سنة 1922 أي السنة التي نشر فيها قصيدة " اليباب "، وأصبح رئيس تحرير لمجلة " المحك ". أما على أي شيء اعتمد كمبل في هذا القول، فذلك ما لا أدريه، غير أني أعلم أن أول إشارة عامة أعرفها عن تحوله جرت سنة 1928، حين كتب اليوت مقدمة جديدة لكتابه " الغابة المقدسة " متخلياً عن " الشعر من حيث هو شعر " ونشر " من أجل لانسلوت أندروز " وفي مقدمته هذه العبارة الصارخة: إنه كلاسيكي في الأدب، أنجلو كاثوليكي في المذهب، ملكي في السياسة. أما الملكية فقلما تحدث عنها من بعد، وأما الكلاسيكية، إن كانت تعني شيئاً، فإنها ليست خبراً من الأخبار، غير أن تمذهبه بالأنجلو كاثوليكية هو الذي تملك عليه أمره، واصبح شغله الشاغل، وتمخض له عن جاه اجتماعي عريض.

ولما أعاد اليوت نشر كتابه " من أجل لانسلوت أندروز " باسم " مقالات قديمة ومحدثة " سنة 1936 أسقط المقدمة: " التي أدت أكثر مما قدر لها ". ولم يكن عمله هذا نوعاً من التنكر للعقائد، فقد وضح من بعد في كتابه " بحثاً عن آلهة غريبة " أن اعتراضه عليها إنما كان للتركيب الجائر الذي سكبت فيه عبارتها، وهو تركيب أتاح للناس أن يستنتجوا أن الموضوعات الثلاثة متساوية لديه في الأهمية، وأنه يقبلها جميعاً على أسس واحدة، أو أنها إما أن تبقى معاً أو تذهب معاً. غير أنه عندما أمعن فيها النظر وجد واحداً منها يعني " الإيمان " أما الثاني والثالث فليسا إلا " المبدأ السياسي " و " الطريقة الأدبية "، فوضع الثلاثة معاً كأنهما في " موقف مسرحي " خطر أي خطر.

إن العبارة الأخيرة لتلمح إلى الصعوبات التي واجهها اليوت؟ فيما يبدو؟ في تحوله المذهبي؛ فالعقائد الدينية للمرء وعلاقاته بخالقه (إن

ص: 153

كان يعتقد أن له خالقاً) إنما هي مما يهمه هو نفسه، ولكن عندما تصبح مثل هذه الأمور وجهة نظر ومصدراً للدعاوة في النقد الأدبي فإنها تستدعي المناقشة. حقاً إن اليوت لم يشأ أن يتحدث عن تحوله كتابةً ولكن هناك ملمحاً من العسر، لا يخفى في شعره الأخير، بل يتضح في تصريحات محنقة متبرمة تشير بكل وضوح إلى الذات، كذلك الذي قاله في تحول هوبكنز:" إذا حول المرء مذهبه، في أي حال، فقد يمكنه ذلك التحول من أن يستمتع بأماني الخلاص الذاتي، ولكنه لن يمنحه، إن كان أديباً، ما عجزت عن منحه له أرومته ووطنه طوال عدة أجيال ". ومنذ عهد مبكر (1927) أظهر فرنسيس فرغسون في " مجلة القافلة الأميركية " The American Caravan بعض المتناقضات في طبيعة اليوت، وهي:" فردية رومانتيكية في الأخلاق، ونظام صارم في الفن؟ إيمان عاطفي يساويه غنوصية (1) عاطفية؟ فهم عميق للخلق الفني، وعجز عن الهرب من الذاتي في شعره ":

كذلك وصف ر. ب. بلاكمور المتناقضات بين طبيعة اليوت وتحوله المذهبي، وعندما تحدث عن عقل اليوت قال:" إنه آخر عقل كان يتوقع له المرء في هذا القرن أن يدخل الكنيسة، في زي غير كهنوتي، ذلك لأن دنيوية أدواته النثرية، واطمئنان موقفه، وألمعيته ولماحيته للحقيقة الأخاذة، وموهبته على أن " يستنزلها وهي طائرة "، تكاد لا تتمشى أبداً مع ما نسميه اليوم " الشعور الديني الإنجليزي الأميركي ".

ولقد قاده تحوله إلى موقف غريب. فليس هو مثل رانسوم الذي يقر بأن ما اجتذبه إنما هو الشعائر في الدين بل إنه مثل هيوم Hulmo من قبله منجذب إلى العقيدة، أي إلى الرغبة في صلواتها، وهو يراها

(1) الغنوصية توقف عن الجزم بأن هناك إلهاً أو بعثاً.

ص: 154

هامة لأنها في نظره أصل المسرحية وقاعدتها (درجات من القيم فيها شيء من روح " أليس في بلاد العجائب ") . وهو؟ من ناحية؟ منجذب إلى رومة بشدة، وكثيراً ما تبدو كنيسته سامقة، حتى إنك لا تستطيع أن تصعدها. مثال ذلك أنه مقاله " أفكار على طريقة لامبث "(1)" يأسف " لأن الأساقفة الانجليكانيين " قد اتكأوا كثيراً على الضمير الفردي " في موقفهم من مشكلة تحديد النسل. وهو من الناحية الأخرى لا يزال يحتفظ ببقايا قوية من البروتستانتية المتبررة التي كان يدين بها ف عهده الأول؛ وآية ذلك أنه دائماً يقاوم السلطة دفاعاً عن وحيه الذاتي، بل إنه صرح بمبدأ " كل امرئ ناقد نفسه " (ومن الطريف أنه صرح به في خطابه عن الدين والأدب) وهو مبدأ يمكن أن يعد جوهر البروتستانتية (ومما قاله: يجب علينا جميعاً أن نحاول لنصبح نقاداً، ولا نترك النقد في أيدي الذين يكتبون مراجعات في الصحف) .

وفي مذهب اليوت مضامين اجتماعية تتراوح بين الإقطاعية والفاشية المباشرة (2) . فقد رسم هيكلاً لدولة كنسية، تشرف على التعليم فيها منظمات رهبانية، ويكون أمر تحديد النسل فيها مسلماً للكنيسة، وتقام الرقابة فيها في قصر لامبث (3) وهلم جرا. وهو أنموذج من الحكومة

(1) راجع هذا المقال في " مقالات مختارة ": ص: 353 وما بعدها.

(2)

لابد لنا من أن نقر بأن اليوت إذا اضطر للاختيار فإنه أحياناً يختار المضامين الاجتماعية لا الدين، وفي العقد الثالث من القرن ظل لعدة سنوات يساند تشارلس موراس C. Maurras وصحيفته المسماة " العمل الفرنسي " Actuon Francaise في مجلة " المحك " Criterion فنشر لموراس نفسه مقالاً في عدد يناير (كانون الثاني) 1928 وأثنى عليه لأنه في رأيه مثل خير من موسوليني يحتذيه الفاشيون البريطانيون. ولما أدانت الكاثوليكية موراس وصحيفته لأنه تقدم بمبدأ ينادي بأن الكاوليكية " مفيدة " للدولة الملكية أو الدكتاتورية، دافع عنه اليوت بقوله أن موراس " مهتم بمظهر ليس من الضروري أن يكون مسيحياً، من مظاهر الكنيسة الرومانية، لأن وجهة نظره هي وجهة نظر الفيلسوف الغنوصي ". وقد أوضح دلمور شفارتز أن كون الإنسان كاثوليكياً، وليس من الضروري أن يكون مسيحياً (بل يكفيه أن يكون ملكياً) أمر ممتع حقاً.

(3)

هو المقر الرسمي لرؤساء أساقفة كانتربري منذ عام 1197.

ص: 155

يشبه حكومة إسبانية وحكومة فيشي الفرنسية. ولعل من الطريف أن اليوت وجد لذة عظمى حين أشاع في رسالة بعثها إلى محرري مجلة البارتزان عدد مارس؟ أبريل (آذار؟ نيسان) 1942 أن حكومة فيشي قد حرمت تداول مؤلفاته، وهي إشاعة لم تجد ما يؤيدها من عهدئذٍ. والحق أن الدولة المثالية في نظره هي؟ بصراحة؟ دولة إقطاعية. وترسم محاضراته عن " مثال المجتمع المسيحي " وغيرها من المقالات الحديثة مجتمعاً إقطاعياً مطبوعة بالمثالية (إن كلمة " مثالي " و " مطبوعاً بالمثالية " أساسيتان هنا لأن اليوت يعترف بأن كلمة " مثال " في عنوان مقاله، واردة بالمعنى الأفلاطوني) ؟ " أي مجموع مستغنية بنفسها، مرتبطة بالأرض، وحاجاتها مرتكزة في مكان واحد ".

وللأرستقراطية في كل هذا دور محدد، ذلك أن اليوت يؤمن؟ حرفياً؟ بما يسمى " دم الملوك " الذي ينتج " سلوكاً ملكياً راسخاً " كما يؤمن " بأرستقراطية النسب " و " الصفوة المختارة " وما إلى ذلك. ولا ريب في أنه يؤمن بالاستعمار بل يؤمن بالمبدأ الفاضح الذي نادى به كبلنج (1) ، وهو " يعطف سليقة " على العلاجات الرجعية في الاقتصاد من مثل " نظام التوزيع " و " إصلاح القروض " و " الدعوة إلى التسوية في توزيع الأرض في الجنوب الأميركي ". بل هناك ما هو أردأ من ذلك، " لأنه ليست لدي موهبة التفكير المغلق "، فإنه لا يتردد عن أن يمزج مبادئ تشسترتون وماجور دوغلاس ودونالد ديفدسون و " غيرهم من القوميين الإسكتلنديين " في رفد " ضخم " ويقلبها ويذوقها. ويؤمن اليوت على وجه التحقيق بأنواع من عصبية العرق، ومجتمعه المسيحي لن يسمح " بهجرة الغرباء " و " الأجناس الغريبة " التي خربت أقساماً من الولايات المتحدة، وبخاصة

(1) أي مبدأ كبلنج بأن هناك " Losser Breeds without the law " وهي الدعوى الاستعمارية الفاضحة بأن من واجب الدول الراقية أن ترعى " القطعان " التي لم تنل حظاً من الرقي.

ص: 156

نيويورك، وقد يجد مجتمعه " أن كثرة من المفكرين اليهود الأحرار غير مرغوب فيهم " وهلم جرا.

وكل هذا يضاف، لا إلى الفاشية تماماً، بل إلى نوع من العبث بها عبثاً متفحصاً عابراً قلقاً. وهو يقول في وصف خلقية الفاشية:" إنها قادرة على كثير من الخير في حدود "، وإن المغالطة متعينة الوجود في الديموقراطية ولكنها في الدكتاتورية محتملة الوجود، وإن الفاشية لتهيئ خلاصاً عاجلاً ولكنه ربما كان خادعاً، وإن للجنرال ج. ف. ك. فلر 0 وهو فاشي بريطاني باعترافه؟ ملء الحق في أن يدعو نفسه " مؤمناً بالديموقراطية " كأي فرد آخر، وإن النازيين أصابوا حين أعادوا النساء إلى المطابخ وتربية الأطفال والكنائس. ويميل اليوت إلى " الدولة النقابية "(1) إذا لم تكن " وثنية "(أي ظناً، يميل إلى حكومة فرانكو وسلازار وموسوليني وبيتان ويرفض حكومة هتلر) وعلى أية حال " فما الفاشية إلا ديموقراطية بلغت أقصى الحد في الانحدار ".

ويبدو أن مبدأ الاتباعية عند اليوت ليس أساسه إلا سلاحاً لتحقيق هذا المجتمع المنفر البغيض، فمهمة النقد الاتباعي فيما يقول، هي " تحقيق النظام " أما عدوه فهو الفوضى، ومعنى هذا في لغة أدبية خالصة أن نجعل الناقد سوط عذاب ينصب على " الرومانتيكي " و " الهستيري " وما إلى ذلك، وبهذا الأخير يصبح ناقد مثل اليوت " متعقباً للزندقة " " متربصاً للسحرة " فيطلع على الناس بهذه المرثية العامة:" لقد أفسد الأدب الحديث كله ما أسميه النزعة الدنيوية "؟ و " أنا في شك من أن يصبح قارئ الأدب الحديث رجلاً صالحاً "؟ ويعلن أن دوره بصراحه هو دور " المصلح الأخلاقي ". ويتعقب اليوت بدعاً معينة بل الحق أن سلسلة

(1) Corporative State وهي نظرياً مثال الدولة الفاشية بإيطالية (1924 - 1943) وتكون السلطة فيها في أيدي مجموعات، تضم كل مجموعة أصحاب رءوس الأموال والعمال في ناحية.

ص: 157

المحاضرات التي سماها " بحثاً عن آلهة غريبة " ليست إلا حديثاً في الزندقة الأدبية الحديثة مذيلة بفهرست ممتع يضم أربع عبارات زنديقية استمدها من مصادر شيطانية مثل هربرت ريد والتايمس اللندنية، ويصرح أن غاية الأدب هي محاربة مذهب حرية الرأي. وعندما سلط اليوت نقده السديمي المستطيل على جرارد مانلي هوبكنز، وهو أسقف يسوعي، فهو نظرياً إذن يستحق التبجيل، وحين أجمل هذا النقد كله بكلمة ختامية قال فيها:" إن هوبكنز في هذا الصراع كله لم يقدم لنا إلا عونا ضئيلا "؟ عندئذ كان اليوت يصرخ بأنه لا يكترث بالقيم الجمالية وحدها في تقدير العمل الفني.

ترى كم من اهتمام اليوت بالشعر الذي يلقى قبولا عند الجماهير، دعاوي محض؟ أي إلى أي حد ليس يعنيه إلا أن يجد عددا كبيرا من المستمعين لمبادئه الدينية والاجتماعية؟ إن الحدس في هذه الناحية ليبدو طريفا ممتعا. غير أنه لا ريب في أن اليوت مشغول البال بمسألة جمهور كبير يستمع للشعر، وفي ذلك يقول:" أعتقد أن الشاعر يفضل؟ طبيعيا؟ أن يكتب لأكبر جمهور ممكن، وأكثره تنوعا. وأكثر من يقف في طريقه إنما هم أنصاف المتعلمين أو حثالة المتعلمين لا الأميون، وإني لأفضل أن يكون جمهوري ممن لا يقرأون ولا يكتبون ". ثم وسع في هذا الرأي ونماه على شكل نظرية تقول: " إن الأديب في حاجة إلى ثلاثة جماهير تشترك في مركز واحد، جمهور صغير له مثل حظ الشاعر من الثقافة والذوق، وجمهور كبير بينه وبين الشاعر متكأ مشترك وأخيرا لا بد من أن يكون ثمة شيء مشترك بينه وبين كل ذي ذكاء وإحساس يستطيع قراءة لغته ".

ويتخذ هذا الاهتمام بجمهور كبير للشعر شكلا رئيسيا آخر يتمثل في اهتمام اليوت بالمسرحية الشعرية، فمسرحياته المنظومة تؤدي مهمات متشابكة. وقد أقر اليوت أن الشخصيات في المسرحية " إنما تمثل بوجه

ص: 158

ما، عملا أو صراعا في روح الشاعر لبلوغ الانسجام، دون أن تتخذ ذلك شكلا واضحا ". فالأدباء الذين يمزق الصراع نفوسهم ينزعون إلى نسجه في الشكل الحواري من المسرحية. ومسرحيات اليوت تحقق هذا الذي يقوله، ومن أمثلتها الجلية مسرحية " جريمة قتل في الكاتدرائية " Murder in the cathedrol. وقد أبان ماثيسون أيضاً بمراجعته " للمقامات الرباعية الأربع " Four Quartet أن اليوت قد جعل شعره الأخير، وبخاصة القصائد المذكورة، أقل روحا مسرحيا وأكثر تأملا (أي " أثبت وأدق غاية ") من شعره الأول وذلك بأن جعل دوافعه المسرحية وقفا على قصائده المسرحية الخالصة.

وأهم من هذه الوظائف الخاصة التي تؤيدها المسرحية، وظيفتها العامة عند اليوت، وتلك هي مقدرتها على أن تجمع بين الشعر والدعاوة متنكرة في لبوس المتعة العامة. وهو يريد للمسرح تعبيرا شعريا " نستطيع أن نسمع فيه كلام الأحياء المعاصرين، وبه تعبر الشخصيات المسرحية عن أخلص الشعر دون حذلقة، وبه تستطيع أن تنقل أبسط رسالة شعبية دون تفاهة ". وفي قاعدة هذا الأمل عند اليوت نظرية متصلة بنظرية في جماهير الشاعر ذات المركز المشترك، وهي أن المسرحية الناضجة، ولنقل إنها واحدة من مسرحيات شيكسبير، إنما تكون ذات عدة " مناسيب من الأهمية " - فهناك العقدة لأبسط المشاهدين، والشخصية لمن هم أكثر فكرا، والتعبيرات والكلمات لمن هم أميل إلى الناحية الأدبية، والإيقاع لمن هم أشد سواهم حسا موسيقيا، أما الجماهير المعرقة في الإحساس والفهم فنصيبها من المسرحية معنى ينكشف لها خطوة إثر خطوة ". ومما يجري في سياق هذا، قوله في موضع آخر إن لهاملت ومكبث وعطيل دع عنك أوديب (ملكا) (1) " متعة الهزة في الشعور " كالتي في الروايات البوليسية.

(1) Oedipus Tyrannus إحدى المآسي التي كتبها سوفوكليس وقد أثنى عليها أرسطو طاليس في كتاب الشعر وعدها المثل للمأساة. وهي تصور جانبا من قصة أوديب وترمز إلى عجز الإنسان أمام القدر الذي يقذف به من حالق عزه إلى الحضيض دون علة واضحة.

ص: 159

ومن أبرز مقالات اليوت مقالته " ماري لويد "، وفيها يحدد وهو ينتحل العلاقة المثالية التي يراها بين الفنان والجمهور: أما الجمهور فهو طبقة اجتماعية متلاحمة، يتحدث الفنان عن حياتها وآمالها ويعلو بها إلى مرتبة الفن، ويمنحها رفعة؛ وأما الفنان فإنه مستساغ محبوب ودائما مفهوم؛ وهما معا؟ أي الجمهور والفنان؟ متساندان في خلق الفن. ويكاد هذا كله ينم عن حرقة أديب ينظم شعرا معقدا غامضا إلى أن يجد كثيرا من القراء، وأن يقبل عليه الناس في مجالات كبيرة من المجتمع، تنزع إلى أن لا تسمع باسمه. وفي هذا أيضاً عنصر من خطة دعاوية واعية. وقبل ذلك بسنوات كتب اليوت في " الغابة المقدسة " يقول:

كانت مسرحيات عصر اليزابث موجهة إلى جمهور يتطلب تسلية من نوع جافٍ، ولكنه يتقبل قسطاً كبيراً من الشعر. أما مشكلتنا نحن فيجب أن تكون تناول شكل من التسلية وإخضاعه لإجراء يجعل منه فناً. ولعل كوميدي القاعة الموسيقية هو خير ما هنالك في هذا المقام (1) .

(1) هناك وثيقة أهم من هذه، وهي قطعة من رسالة إلى عزرا بوند نشرت في Townsman يوليه (تموز) 1938، وصراحتها العظيمة في الموضوع، مجتمعة إلى أسلوبها غير المألوف تجعل منها أنموذجاً خلاباً لما نستطيع أن نحصله من المراسلات المنشورة التي تبودلت بين اليوت وبوند. وهذه هي:

رأيي في كتابة لك مسرحية لا يزيد عن:

1.

- أنه لابد لك من أن تملك انتباه الشهود طوال الوقت.

2.

- فإذا فقدته فعليك أن تستعيده - أسرع!

3.

- كل شيء عن العقدة والتشخيصات وكل ما قاله أرسطوطاليس وغيره أمور ثانوية بالنسبة لما تقدم.

4.

- ولكن إن كنت تستطيع أن تمتلك انتباه الجمهور الأحمق، فإنك تستطيع أن تمثل أي العبانيات حين تنصرف عنك أبصارهم، وما تعمله من حيث لا يشعرون هو الذي يجعل مسرحتيك " خالدة " مدة من الزمن.

فإذا حصل الجمهور على المنظر الذي يمسك عليه انتباهه، منظر امرأة تتجرد من ثيابها قطعة إثر قطعة، على نغمات الموسيقى، فقد ينساغ له الشعر.

5.

- فإذا كتبت مسرحية منظومة فلابد من أن يكون الشعر وسيطاً تنظر من خلاله، لا زينة جميلة تحدق فيها.

ص: 160

لقلما تجد نقاداً واعين، مثل اليوت، على أنهم يخلقون موروثاً ويستعملونه إلا أن ناقد يجرد، وهو يجرب مجالات الماضي، أولئك الأدباء وتلك الآداب التي تعن شيئاً ما عنده في الحاضر، فيخلق موروثاً فعالاً أو جزءاً من موروث لنفسه ولغيره من الأدباء وهناك عدد من النقاد في أيامنا هذه وبعضهم يدرك، مثل اليوت، أنه يخلق موروثاً، قد أعادوا تفسير ماضينا الأدبي، وتوصلوا إلى نتائج متباينة، وتباينها يوضح أن اليوت قد قدم لنا " اتباعية " ما ولكنه لم يقدم " الاتباعية "(وقد حاول هربرت ريد مساعد اليوت في تحرير مجلة " المحك " أن يوازن اتجاه اليوت بخلق اتباعية " رومانتيكية " مناقضة، مغفلاً كل من وقع بين شكسبير ووردزورث في كتابه " أطوار الشعر الإنجليزي " وفي غيره من كتب) . ويبدو أن التكتل وراء هذا الموروث أو ذاك إنما يكمن فيه دافع سياسي فهناك عدد من النقاد بنوا ماضياً يستعمله أصحاب اليمين وآخرون نظموا ماضياً آخر يستعمله أصحاب اليسار. غير أن هناك مجموعة ثالثة من أصحاب التفسير الاتباعي ليست سياسية؟ فيما يبدو؟ أو لعلها سياسية من بعيد، همها الأول أن تخلق ماضياً حيادياً في السياسة يستغله الفنان.

وأهم نقد اتباعي معاصر يتجه نحو اليمين بالإضافة إلى نقد اليوت هو أعمال مدرسة الجنوب، مدرسة جون كرو رانسوم وألان تيت

ص: 161

وهي مجموعة غير وثيقة الترابط، تضم كلينث بروكس وروبرت بن ورن كما تضم عدداً من نقاد الشباب البارزين. ومر على هذه المجموعة عهد كان لها فيه برنامج سياسي محسوس يشمل الإقليمية الجنوبية، ومبدأ المساواة في توزيع الأرض بالجنوب. وفي ذلك العهد كانت الجماعة ترى في دونالد ديفدسون قائداً لها. ومزايا هذه المجموعة على الاتباعين الرجعيين المتفرقين أمثال ونترزوبوند ووندهام لويس واليوت نفسه، أن فيها مواهب متعاونة وأن لها مركزاً تصدر عنه في جامعتين أو ثلاث بالجنوب ومراكز ترقى إلى درجة " المعسكرات " في الجامعات الشمالية، وأنه كان لها دائماً صحيفة أدبية ممتازة أو اثنان، فكان لها أولاً " المجلة الجنوبية " The Southern Review تحت إشراف بروكس وورن من 1935؟ 1942 ثم مجلة كينيون Kenyon Review بإدارة رانسوم بدئت سنة 1939 ولا تزال تصدر ثم مجلة سيواني Sewanee Review التي تولى الإشراف عليها تيت منذ 1944 واستمر بها آخرون. وكل هذه المجلات قد أفسحت صدرها (كما فعلت Criterion التي رأس تحريرها اليوت) لأشد الآراء. تبايناً، وأكثر وجهات النظر اختلافاً، جنباً إلى جنب مع آراء أصحابها.

وربما كان قائد هذه الجماعة حالياً هو جون كرو رانسوم الذي درس تيت بكلية فندربلت، وكان بحكم مرانه العلمي وميله الفلسفي وسعة اطلاعه، وذكائه الوقاد، المفلسف النظري للجماعة. وقد كتب رانسوم كتاباً في الدفاع عن " الأرثوذكسية " بعنوان " الله دون رعد " God Without thunder (1930) وفيه ثغرات غريبة في معرفته الدينية (فهو أول كاتب في اللاهوت يمزج بين فكرة الولادة من غير دنس، والولادة من غير أب) وعلى هذه الهنات، فالكتاب هجوم ممنطق حيوي على العدو الذي يمثله الرأي، والطبيعة والعلم (وبخاصة الأنثروبولوجيا) ومذهب حرية الرأي. وغرضه في الكتاب محدد بقوله: " إنه يريد

ص: 162

أن يكسب الناس بخطة جديدة ". وهذا المبدأ اليسوعي قد استمر فيما يبدو، في كتابيه التاليين وهما " جسم الكون " The World " s Body (1938)" والنقد الجديد " The New Criticism (1941) . واتباعية رانسوم تشارك اتباعية اليوت في التبجيل الذي تغدقه على دن، وتفترق عنها في أداء احترام؟ بقدره؟ لملتن واحتقار شاذ لشكسبير (الذي لم يكن؟ من جراء افتقاره إلى " النظام الجامعي " وإلى اطلاع ملتن ودن إلا " هاوياً "، وأديباً ينظم مقطوعات Sonnets " سيئة التركيب "، وشاعراً متخلفاً ضئيل المكانة) أما مفتاح النقد عند رانسوم فهو المصطلح " أنطولوجي "(1) Ontological، ويبدو أنه يعني به الدراسة النقدية للمبنى الشعري أو منطق القصيدة وعلاقاته بما يسميه " السياق الشعري " أو جزئيات القصيدة. ونتيجة لهذا الاهتمام بالمبنى وبعلاقات السياق البنائي كان رانسوم الموجه الأول لقراءة النصوص الشعرية ودرسها بدقة. (وهو موقف يشبه موقف ف. ر. ليفز بانجلترة) مع أنه لم يصدر بما يناسب هذا الاهتمام إلا قليلاً من النصوص المدروسة، إذ كرس همه إلى البويطيقا والمشاكل الفلسفية في العقيدة والمعرفة في الشعر، فإن أثره كان شاملاً، كما كانت القراءات التي أصدرها بنفسه ممتازة بعامة. وعلى أن اتباعيته تتضمن توجيهاً دينياً وسياسياً، فقد نص؟ مناقضاً لاليوت؟ على أن المقاييس الخلقية في النقد دخيل (وكذلك هي المقاييس الدراسية

(1) أي يتعلق بذلك الفرع من المتافيزيقا الذي يعنى بطبيعة الحدوث أو الحقيقة. يقول رانسوم في كتابه " جسم الكون ": " يميز شعر من شعر بموضوعه ويميز الموضوع " بانطولوجيته " أو " حقيقة وجوده

ولذلك ربما كان النقد متكئ على التحليل الانطولوجي كالذي عناه كانت ". ولابد للقارئ من أن يتذكر أن أرفع أشكال الشعر عند رانسوم هو الشعر المتافيزيقي مثل قصيدة " تقديس " لدن وقصيدة ليسداس Lycidas لملتن. وهو الشعر الذي يستطيع أن يوقظ الانتباه على وضع جديد لحقيقة مألوفة، بما يتكئ عليه من طريقة مجازية أو إبهام، هو الشعر الذي يعتمد مما يسميه رانسوم " Miraculism " أي ما له خصائص المعجز العجيب ".

ص: 163

واللغوية والتاريخية والانطباعية وغيرها) وأن اهتمام الناقد يجب أن يكون جمالياً فنياً. (من الطريف أن نلحظ في هذا المقام كيف أن الأثيرين لديه من الشعراء وهما دن وملتن كانا داعيتين دينيين وسياسيين وأن الشاعر الذي يحط رانسوم من قدره؟ أعني شكسبير؟ كان أقرب شيء إلى ما نسميه نحن اليوم " الأديب الجمالي ") .

وأكمل ألان تيت عدداً من اتجاهات رانسوم (وبعضها كان هو الذي وضع أصوله باعتراف رانسوم نفسه) وطور لنفسه نزعات جديدة. فتناول؟ مثلاً؟ مبدأ رانسوم " علم جمال الأقليمية " فحاول أن يوجد نقداً إقليمياً مائزاً، كأن يفسر؟ مثلاً آثار أملي ديكنسون على أنها نتاج نيوانجلند. ومع ذلك فإنه لم يطور الاتباعية في اتجاه أدبي واضح. وفي المجموعتين من المالات والمرجعات اللتين نشرهما باسم " مقالات رجعية في الشعر والفكر " Reactionary Essays on Poetry and Ideas (1936) و " العقل في جنون " Reason in Madness (1941) قسط كبير مخصص للمشكلات الاجتماعية والسياسية والتعليمية. بل لقد طور برنامجاً يدعو إلى " الرجعية " و " العنف ". (ومن الإنصاف أن نقول إن العنف الذي يريده ليس هو استعمال البنادق في الشوارع بقدر ما هو عنف كلامي.) وصرح بمقاومته للعلم والفلسفة التجريبية وانقد العلمي في مصطلح أعنف من الذي استعمله رانسوم، ثم إن القدر الضئيل الذي حققه من القراءات الفنية للشعر قد حققه؟ مثل رانسوم؟ على مستوى عال.

أما الذي ثبت على تطبيق مبادئ هذه الجماعة على الأدب فهو كلينث بروكس الذي يظهر فيه تأثير اليوت بأكثر من أي فرد آخر من أقرانه. وفي كتابه النقدي الأول " الشعر الحديث والاتباعية "(1939) Modern Poetry and Tradition حاول مثلما فعل ونترز أن " يراجع " تاريخ

ص: 164

الشعر الإنجليزي على منهج مشابه لمحاولة أخرى أقل وضوحاً، بدلها اليوت، وحاولها ليفز في كتابه " تقويم جديد " Revaluation. ولابد من أن نعترف بأن بروكس ناقد انتقائي ذو حدة حقيقة وقد أقام، مستعيناً بكل ناقد محدث نقريباً، اتباعية عمادها " قوة اللمح الساخر "(1) وهي تضم؟ في المقام الأول؟ أدب القرن السابع عشر اد والمتافيزيقيين وجونسون وهريك وغيرهم، وأدب القرن العشرين أي هاردي وييتس واليوت وعدداً من المعاصرين الآخرين. وفي هذا الكتاب الأول تبدو اتباعية بروكس على خلاف اتباعية اليوت، فهي قد تغفل أواخر القرن السابع عشر وكل القرن الثامن عشر والتاسع عشر (باستثناء أفراد متفرقين مثل سويفت وغاي وبليك وأملي ديكنسون وهوبكنز) وقد تستهين بكل من دريدن وبوب ولا تقبل إلا قطعاً متافيزيقية أو لماحة السخرية لشعراء من طراز ملتن. ويصور هذا الكتاب، أثناء تكوينه لهذه الاتباعية، طبيعتها، بدراسته المتمعنة للنصوص، وبمقتبسات مختارة من خير ما أنتجه عدد من النقاد، وبنصوص شعرية، وبخاصة من مثل " اليباب " لاليوت، وبعض شعر ييتس الغنائي. وفي سنة 1943 أصدر بروكس كتاباً ثانياً سماه " الزهرية المحكمة الصنع " فأكمل به هذين الاتجاهين وجعل لكتابه عنواناً فرعياً هو " دراسات في مبنى الشعر " وضمنه قراءات

(1) هذا تعبير غير دقيق لكلمة " Wit " تلك اللفظة التي احتشدت حولها معان كثيرة وفهمها كل ناقد حسب هواه، ولكنها على وجه الإجمال تعنى " القدرة على اللمح لأمور غير متكاملة أو غير متناسبة ثم ثم صياغة المعنى في شكل مفاجئ مدهش، ولا يخلو أن يكون ذلك مصحوباً بشيء من الحذاقة أو التهكم أو السخرية أو الجدة إطلاقاً ". وقد قال الدكتور جونسون في تعريفها: إنها شيء مألوف طريف في آن، شيء غير واضح فإذا عبرت عنه أقر من سمع التعبير بصحته وعدالته.

وقد أنكر جونسون أن تكون هذه العقبة في أساس الشعر المتافيزيقي في القرن السابع عشر، ولكن إذا نظرنا إلى مفهومها عند النقاد المحدثين وجدنا أنها تلتبس بهذا النوع من الشعر (انظر التعليق السابق عن هذا الشعر وطبقه على هذا المصطلح " Wit ") . على أن النقاد بعد ذلك يتفاوتون في لمحها عند هذا الشاعر أو ذاك.

ص: 165

لعشر قصائد هامة تتراوح بين قصيدة دن " تقديس " Canonization وقصيدة ييتس " بين أطفال المدرسة "، مبرزاً درجات متفاوتة من الإحكام. وهذا الكتاب في الوقت نفسه يوسع من اتباعية بروكس الأولى ويعدل بها إلى وجهة أكثر رحباً، فإذا قصيدة بوب " اغتصاب خصلة الشعر " The Rape of the Lock ومرثية غراي، وقصيدة وردزورث عن ذكريات الطفولة، وقصيدة كيتس عن الزهرية الإغريقية بل حتى قصيدة تنيسون " أيتها الدموع، أيتها الدموع المتثاقلة "؟ إذ هذه كلها: " قصائد يحس كثير منا أنها قريبة إلى النهر المركزي للموروث ". ولقد اتسع لديه المفهوم الأول الذي استوحاه من اليوت أعني مبدأ " قوة اللمح الساخر " فأصبح يشمل " التهكم " و " إيهام التضاد " و " الرمزية " و " الغموض " و " المبنى الروائي "، حتى أصبح في الإمكان أن تعالج أي قصيدة على أنها نوع من الشعر المتافيزيقي.. ومن الطبيعي المتوقع؟ مع ذلك؟ أن تكون دراسة شعراء مثل دن وشكسبير وبوب أمثلة من الدراسة الدقيقة، أحفل وأحسن من دراسة شاعر مثل تنيسون أو ملتن (الذي كتب عنه مقالة بليدة جوفاء) . وهذا الكتاب؟ حسب تعريفه؟ تطبيق لأفكار رانسوم، في كشفها الفني عن المبنى الشعري، وتركيزها على الدراسة المستفيضة للنصوص، ونصها على أهمية دن والمتافيزيقيين، حتى إنه لمن الطريق، بعد هذا كله، أن نراه يهاجم رانسوم في بعض ملحقات الكتاب المخصصة لمسائل نقدية عامة، بأنه غير مرت في أفكاره، وأنه يبالغ في إعجابه بدن، وإن كان ذلك هجوماً معتدلاً.

وفي سنة 1938 جمع بروكس وروبرت بن ورن مختارات من الشعر لطلبة الكليات عنوانها " فهم الشعر " Understanding Poetry وهي ترعى قدراً معيناً من الدراسة الدقيقة والتحليل للمبنى و " اتباعية بروكس " (والغالب عليها تفضيل الناحية الأخيرة، وذلك باختيار الأمثلة وحشد

ص: 166

الأسئلة " وترتيب الأوراق " بطريقة تكفل الفوز لدن والمتافيزيقيين على شللي والشعر الرومانتيكي) . أما نقد ورن نفسه، وهو غير كبير في الحجم، ولما يجمع في كتاب، فإنه أقل احتفالاً بالموروث الأدبي، وأميل إلى الموروث الأخلاقي، وقد ظل هذا الأمر كذلك منذ أن نشر مقالته The Briar Patch ضمن مجموعة مقالات عن ملكية الأرض عنوانها " سأحدد موقفي " I " ll take my Stand سنة 1930. وفيها احتج مستنداً على مبادئ خلقية لا يأتيها الباطل (1) ، بأن من الخطأ منح المساواة والتعليم العالي وأمثال هذين من ضروب الترف للزنوج؟ ظل هذا شأنه إلى أن نشر مقدمة لطبعة مصورة من قصيدة كولردج " أغنية الملاح القديم " في سنة 1946 قال فيها: إن القصيدة ليست إلا رمزاً أخلاقياً معقداً، وأدخل مقياس " الصدق " على فكرة كولردج " الخيال الخالص ".

ولا ريب في أن أكبر ناقد معاصر خلق اتباعية تتجه نحو اليسار هو فرنون لويس بارنغتون. ويعد كتابه الضخم ذو الأجزاء الثلاثة " التيارات الرئيسية في الفكر الأميركي " والذي أبقاه موته المفاجئ ناقصاً، - يعد من الآثار الشامخة في الموروث الأميركي. والعنوان الفرعي لهذا الكتاب هو " تفسير الأدب الأميركي من أقدم عهوده حتى سنة 1920، " إلا أن كلمة " أدب " فيه مستعملة بأوسع معانيها، لأنه في حقيقته دراسة لتاريخ الاجتماع والأفكار الاقتصادية بأميركة، منعكسة في أدبها. وقد استنقذ بارنغتون الموروث الأميركي الحيوي المتمثل في الراديكالية والديموقراطية، المتنقل من روجر وليمز وفرنكلين وسام آدمز وتوم بين وجفرسون (عبر) وتمان والداعين لإلغاء الرق بأميركية إلى الأدباء الراديكاليين في هذا لقرن. وقد كتب بارنغتون كتابة رجل حر الرأي صادق اللهجة، كتابة تلميذ

(1) لا يخفى على القارئ أن هذا ضرب من التهكم.

ص: 167

من تلامذة جفرسون، يدافع عن " إعلان الاستقلال " وعن وثيقة الحقوق ضد الدستور، وأساس نظرته " حتمية اقتصادية "، اقتبسها من تين ومن أستاذ مغمور اسمه ج. ألان سمث (وهذا الثاني موؤلف كتاب عنوانه " روح الحكومة الأميركية "، The Spirit of American Government ظهر سنة 1907) أكثر من أن يكون استمدها من " المادية التاريخية " أعني نظرية ماركس، الشبه حتمية.

وكتابه ناقص ضعيف في الناحية الجمالية، فهو يغفل بو (ويحوله للمحلل النفسي والأديب) ويشوه ملفل معتمداً على السيرة السخيفة التي كتبها ويفر، ويقصر أهمية ثورو على أنه ذو تجارب اقتصادية، ويعجز عن أن ينصف هوثورن، ويضحي بهنري جيمس. وقد يكون كل هذا وفق منهج مرسوم لأن بارنغتون مهتم بالأفكار، وهو يقر قائلاً " أما الأحكام الجمالية فلم أكن كثير الاهتمام بها ". غير أنه في كتابه نفسه خصص خمساً وعشرين صفحة لجيمس برنش كابل " ذلك الروح الساخر الرفيع الذي منحناه حتى اليوم "" غريب الأطوار مثل شو، مثير مثل تشسترتون "، إنه لرجل يمكن أن نقارنه بكارليل وتوين.

ثم إن كتاب بارنغتون، حتى حين نحاسبه في حدود منهجه، مليء بالأخطاء. فهو يغفل ما أسداه الزنوج للتاريخ والأدب الأميركي، ويستخف بجون براون، ويتخلى عن الحتمية الاقتصادية من أجل أن يمدح كوبر (مع أن هذا كان المدافع الجهير عن حقوق الملاك المحافظين المتطرفين) لأنه اتفق له أن أعجب بعمله: وهو قادر على أن يقول في بريانت " ربما لم يكن شاعراً عظيماً، ولكنه كان أميركياً عظيماً ". وهو يرى في بنكروفت مؤرخاً أعظم من برسكوت وموتلي وباركمان لأن هؤلاء جميعاً كانوا " مثقفين من محتدٍ رفيع "" انعزاليين " وكان بنكروفت " الديموقراطي المكافح الوحيد بينهم جميعاً ". ومع كل ذلك فإن كتاب بارنغتون عمل جميل هام

ص: 168

ذو أثر واسع في جيله والأجيال الخالفة من نقاد الأدب، ولعله أول كتاب خلق موروثاص كاملاً راديكالياً ديموقراطياً اجتماعياً لدى الأدباء الأميركيين، لينافس الموروث الرجعي الارستقراطي الديني الذي أوجده إليوت ورانسوم وونترز وغيرهم.

وهناك فريق ثالث من موجودي الاتباعية يتفاوت فراده في مدى إغفالهم الأهداف السياسية، وقد كان جل اهتمام هذا الفريق موجهاً إلى إقامة ماضٍ يفيد منه الفنان الخالق، وأحياناً يفيدون منه هم أنفسهم. ويندرج تحت هذه المقولة كتابان من أحسن الكتب أولهما " دراسات في الأدب الأميركي الكلاسيكي " Studies in Classic American Literature للورنس، وهو تفسير مغرق في النظرة الذاتية، مؤسس على الفكرة الأسطورية التي يؤمن بها لورنس وهي " التعرف الغريزي ". والثاني كتاب متأثر كثيراً بالأول وهو " في الخلق الأميركي " لوليم كارلوس وليمز، وهو إلى تفسير التاريخ الأميركي؟ من جديد؟ أشبه منه بتفسير الأدب. وليس فيه حديث عن أديب محترف إلا عن واحد هو بو، ولكن الكتاب مخطط؟ بصراحة؟ ليقيم موروثاً للأديب الأميركي. ويقول وليمز " وما ذلك إلا لأن الحمقى لا يؤمنون بأن لهم أصولاً صدروا عنها ". ومع أن أحكامه؟ بعامةٍ؟ غير تقليدية، إذ يعلي من شأن أشخاص مثل مورتون أف مريمونت وهارون بر (1) ، فإن كتابه كان ذا أثر في الأدباء لا ينكر، وأبرز من تأثر به هارت كرين وقصصي مؤثر اسمه جون سانفورد. ويجمع وليمز التاريخ الأميركي

(1) اختار هذين المثلين ليبرهن على أن وليمز لا يعبأ بمقاييس العرف التقليدية، لأن مورتون التاجر الإنجليزي لم يكن مرضياً عنه فقد اتهم ببيع الأسلحة للهنود، وفي سنة 1630 صودرت ممتلكاته، وتقلبت به الحياة كثيراً بين سجن واطلاق، وأما بر (1756 - 1836) فقد اتهم بالخيانة ثم برئ فرحل إلى انجلترة وفرنسة ثم عاد إلى وطنه.

ص: 169

حول قطبين، فيقع في حيز الأول: الهنود؟ الفرنسيون؟ الكاثوليك ويقع في حيز الثاني: البيض؟ الإنجليز؟ البروتستانت، وتتمشى مع الأول الحرية والمرح والخلق الفني، وتلزم الثاني الخشونة البيورتانية والكبت واصطناع الحشمة. أما رأيه في البيورتانية فإنه مبسط جداً معدول عن الصواب. وهو رأي يتميز به العقد الثالث من هذه القرن حين كانت البيورتانية خصماً للفنان، وإذا ذكرت انصرف الذهن إلى أنتوني كومستك (1) أكثر من انصرافه إلى جون براون. إلا أن الكتاب ليس فحسب من أجمل الآثار النثرية في عصرنا بل هو نظرة جديدة في القيم، مثيرة باعثة على الحيوية.

وثمة مجموعة أخيرة؟ محدودة إلى حد ما؟ من هؤلاء النقاد الاتباعيين، يمكن أن نسميها بغير تأنق " النسابين الأدبيين " وهم النقاد الذين يحرصون على أن يذكروا " أنباء " هذا الأديب أو ذاك. وقد كانت هذه الطريقة دائماً إحدى الطرق التي يشغل بها النقاد وقتهم؟ منذ دريدن في أقل تقدير؟ وليس يكفيهم أنهم وجدوا سبنسر، ولكنهم وفقوا أعظم توفيق حين استطاعوا أن يردوا ولر إلى إدورد فيرفاكس. ولعل أكثر المعاصرين شغفاً بتتبع الأنساب الأدبية هو الناقد الفرنسي فردنند برونتيير الذي حاول أن يطبق في هذا المجال نظرية تطور حرفية مستمدة من علم الأحياء الداروني. ويظهر مؤلفه كيف أن الأشكال والمؤثرات تنمو وتتكاثر وتطور ثم تتلاشى كأنها فصائل حيوانية. وقد نمى بعض النقاد الإنجليز والأميركيين هذا التتبع للأنساب، وجعلوا منه طريقة، دون أن يغرقوا فيه إغراق برونتيير فمثلاً: قد يصرف هوراس غرغوري صفحتين وهو يتتبع أثر

(1) ذلك لأن كومستك هذا (1844 - 1915) شن حرباً " بيورتانية " على الأدب الشهواني المبتذل وألف جمعية " قمع الرذيلة "، وتسبب في القبض على 3000 شخص وحرق 50 طناً من الكتب.

ص: 170

" دون جوان " لبيرون في " جوليان سورل " لبيل وفي " جريجرز فيرل " أحد شخصيات ابن، و " جوان " عند شو، و " منيفر شيفي " لروبنصون، و " بروفروك " لاليوت. وليست مقالة سسل داي لويس " أمل للشعر " A Hope for Poetry إلا دراسة مستقصاة في الأنساب الأدبية، استعمل فيها المؤلف مبدأ أودن " عمي؟ جدي "، ووجد جذور الحركة الشعرية التي تنتظم أودن وسبنسر ولويس نفسه عند " أجداد " مختلفين مثل جرارد مانلي هوبكنز وولفرد أون واليوت. وما " الجد " عند داي لويس إلا " النسبة الوطنية الممكنة أي الرابطة الضرورية بالماضي أي معنى الموروث ". وهناك شاعر ناقد إنجليزي شاب اسمه فرنسيس سكارف وهو " نسابة " دائماً، يرد ديلان توماس إلى جويس وفرويد والتوراة، ويرد السريالية إلى رامبو ونرفال ولوترمونت وهكذا. أما المتخصصون في الأدب المقارن مثل ماريو براز فهم نسابون دائماً، ذهاباً مع ميلهم الدراسي لا النقد.

5

- هضم اليوت المؤثرات الخارجية في يسر، وبجهد ظاهره ضئيل، حتى ليبدو وكأنه أبو عذرة كل ما صدر عنه. غير أن آثاره تعتمد الاستمداد من غيرها كثيراً. وقد أثر في نقده عدد من معاصريه تأثيراً كبيراً. وفي أول القائمة من هؤلاء يجيء طبعاً عزرا بوند، فمنه ورث اليوت طريقته التفسيرية، وطريقته في الدراسة المقارنة، وفكرة الناقد العالم. ومما يستحق التنويه أن دعوة اليوت في إحدى مقالاته الأولى " يوربيدس والبروفسور مري " إلى دراسة تتخطى حدود الزمان " فتربط بين هوميرس وفلوبير "؟ إن هذه الدعوة ليست إلا شرحاً لقول بوند من قبل إنه يتطلب " دراسة أدبية تضع ثيوقريطس والمستر ييتس في ميزان واحد ". أضف إلى هذا أن اليوت مدين لبوند بعدد من مبادئه 0 على التعيين؟ ومن ذلك فكرة

ص: 171

اللاشخصانية، وفكرة التبادل الموضوعي؟ في رأي ماريو براز؟ فقد ذهب هذا الدارس إلى أن أصل الفكرة الثانية موجود بوند في مقاله " روح الرومانس " حيث يقول: إن الشعر " نوع من الرياضيات المتلقاة إلهاماً، ويعطينا معادلات، لا للأرقام المجرد والمثلثات والكرويات وما أشبه، بل للعواطف الإنسانية ".

وفي نفس اليوت نحو بوند احترام يبلغ حد التقديس على الرغم من خلاف أساسي في الدين ومشاجرات أخرى. وهو لا يعده أحد عظماء النقاد المعاصرين فحسب بل " لعله أعظم شاعر حي في لغتنا "(1) . ومع ذلك فمما يثير السخرية أن يسيء الناس فهم إهدائه قصيدة " اليباب " لبوند " الصانع الأحسن "، عرفاناً منه بالجميل. فهذه القولة " الصانع الأحسن " استعملها دانتي في وصف آرنو دانيال في " المطهر "(على لسان غويدو غوينشللي) ولكنها اليوم تحمل معنى التقريظ الساخر المتخفي (وإن لم تكن كذلك حينئذ) إذ هب أن دانتي لم يكن يعلم أنه صانع خير من آرنو وأعظم فنحن اليوم نعرف ذلك، فإذا استعملها اليوت في حديثه عن بوند ففيها يقترن العرفان المهذب بالجميل مع ما توحيه من شعور الزهو بمقدرة فائقة.

وثاني انين من المؤتمرات في اليوت؟ بعد أثر بوند، مستمد من ت. إ. هيوم الذي قتل في الحرب العظمى عام 1917 وعمره أربعة وثلاثون

(1) كشف اليوت عن أحد العوامل في هذا الاحترام الذي يبدو مغرقاً في مقال له عنوانه " عزرا بوند " نشر بمجلة شعر، سبتمبر (أيلول) 1946 حيث قال:" في سنة 1922 قدمت إليه في باريس مخطوطتي من قصيدة مبددة متراخية فوضوية تسمى " اليباب " فغادرت يديه وقد ارتدت إلى نصف حجمها في الشكل الذي ظهرت فيه مطبوعة ". وحين يقول في نهاية المقال نفسه عن الأناشيد Cantos " ليس في الأحياء من يستطيع أن يكتب مثل هذا. كم في الناس من يستطيع أن يكتب ما يشبه نصف هذا جودة؟ فإن هذه العبارة لا تثير معنى موضوعياً أكثر مما أثارته أشباه لها من قبل أما اليوم فإنها قسطاً صالحاً من المعنى الذاتي.

ص: 172

عاماً، ولم ننشر آثاره إلا في سنة 1924 عندما نشر هربرت ريد مجموعة من أوراقه بعنوان " تأملات " Speculations. وقد كان هيوم مترجماً عن برغسون وسورل، كاثوليكياً، عقلانياً كلاسيكياً، عسكرياً، فاشياً قبل الأوان. وكانت أيدي أصحابه تتداول تعليقاته في نسخها الخطية، ومن المؤكد أن اليوت وبوند وعدداً من النقاد الآخرين كانوا يعرفونها قبل أن تطبع. وقد استمد اليوت من هيوم؟ إلى حد ما؟ اتباعيته الكلاسيكية وأن العقيدة هي العنصر الحيوي في الدين، وفي سبيلها يستطيع المرء أن " يزدرد " العاطفة والشعائر، كما استمد منه مثله الأعلى في أن الفن والنقد إنما هما في خدمة السنة الدينية والرجعية السياسية. ولعل هيوم هو الناقد المعاصر الوحيد الذي كان في مقدوره أن يوافق اليوت تماماً على فكرته المنحرفة في أن الصلة الفردية بالله تميت، وأن الحرف المكتوب يمنح الحياة. وقد نال هيوم في ربع القرن التالي لوفاته صيت الرجل الذي حمل لواء النقد الاتباعي. وبالإضافة إلى أثره في اليوت، فإن أثره منطبع في بوند (الذي سجل محادثة مسيئة بينه وبين هيوم وقف فيها موقف الأستاذ ووقف هيوم تلميذاً تملؤه الرهبة) وفي ألان تيت وغيره من أفراد مدرسة الجنوب، وفي الإنسانيين المحدثين وت. ستيرج مور وفي المعسكر الثاني: معسكر رتشاردز وهربرت ريد.

وعلى الرغم من الخلاف الأساسي بين رتشاردز واليوت، فإن الأول كان ذا أثر كبير في الفكر النقدي عند الثاني. وكثيراً ما اعترف اليوت بأنه مدين لرنشاردز، وبأن أفكارهما تتشابه، وأن مؤلفات رتشاردز مبدأ من مبادئه الأساسية الأولى أعني نظرية عدم التناسب بين المعتقد والتذوق الشعري في القارئ مطلقاً، وفي الشاعر مع بعض التقييد. وقد قاوم اليوت التوجيه العلمي الأساسي عند رتشاردز، وكثيراً ما كانت مقاومته هجوماً

ص: 173

حاداً، بينا استعار في نفس الوقت كثيراً من مبادئ ذلك التوجيه وقسطاً وافراً من مصطلحاته.

ومن أكبر المشكلات التي يثيرها نقد اليوت مشكلة الناقد الذي يتفق له أن يكون أديباً خالقاً ذا شأن. فمن بين النقاد الذين نعرض لهم في هذا الكتاب نجد عدداً لا يكتبون إلا نقداً أو دراسات ومن هؤلاء بروكس ورتشاردز وكارولاين سبيرجن ومود بودكين. أما أمثال ونترز وبلاكمور وامبسون وبيرك فهم شعراء أو قصصيون يتفاوتون درجات في الأهمية والبراعة الأدبية، إلا اليوت فإنه شاعر خالق من الطراز الأول، وذو شأن كبير. وقد أصاب ماثيسون حين ذكرنا بأن اليوت " يقف في سلسلة الشعراء النقاد، وهي السلسلة التي تبدأ بالشاعرين جونسون ودريدن وتضم صمويل جونسون وكولردج وآرنولد ". ولقد أحرز ما أحرزه من بسطة في التأثير، لأنه كان كذلك؟ ذا صنعة يتحدث عما يعرفه حديث دراية، لا بالواسطة.

وأكبر ممجد للشاعر الناقد في عصرنا؟ على وجه متميز؟ هو بوند الذي يقول في بعض المواطن " لا تلقوا انتباهاً لذلك النقد الذي يصدر عن ناس لم يكتبوا كتاباً معروفاً "، ويقول في موطن آخر " إذا أردت أن تعرف شيئاً عن السيارة فهل تذهب إلى من يعرف عنها وعن قيادتها شيئاً أو تذهب إلى من سمع بها فحسب؟ وإذا خيرت بين اثنين من صانعي السيارات فهل تذهب إلى من أجاد صنع واحدة أو إلى من صنع سيارة رديئة "؟. ومع هذا كله، فكل هذا الحجاج ليس في جانب الشاعر الناقد، وحتى اليوم لم يحقق أحد حجة فنكلمان بأن الفنان الذي ينقد الفن يميل إلى أن يحكم عليه من زاوية الجهد الفني، لا من حيث معناه أو جماله (1) .

(1) أي يعلق اهتمام الناقد إن كان فناناً بطبيعة الجهد المبذول لا بنتيجته، وهذا على أنه لا يحقق الغاية المطلوبة من النقد فإنه يتطلب قدراً موضوعياً كبيراً من روح الإنصاف.

ص: 174

وهذا الذي جرت عليه المجلات الأدبية، وبخاصة الحرة منها، من تحويل الشعر تواً للشعراء كي يراجعوه قد كشف عن أن اعتراض فنكلمان ينطبق على أحسن الأمثلة. أما في أردأ الأمثلة، فإن الشاعر الناقد ينصرف إلى أمور من الشحناء الخاصة، وتقارض الثناء والبذاء، ونثل الأحقاد والانتقام.

ونظرة إلى بضعة نماذج من النقد الذي ينهمك فيه الأدباء الخالقون ذوو الشأن قد تلقي ضوءاً على هذا الأمر. وأبرز مثل على هذا النوع من انقد في عصرنا؟ باتفاق إجماعي؟ هي المقدمات النقدية التي يكتبها هنري جيمس. فهذا القاص كان يجمع بين بصيرة نافذة في عملية الإبداع والكشف الذاتي المسهب، وبين القدرة التعميمية الفذة على أن يزودنا بأقيم وثائق خطها قلم عن عملية الخلق الفني. غير أنه كان يعوزه نفاذ البصيرة في عملية الخلق عن الآخرين، وعلى ما كان يتمتع به من حس مرهف في صنعته، لعله أعظم حس في عصرنا، فإنه لم يحقق عندما كان يتحدث عن أديب آخر مثل النتائج التي حققها وهو يحلل ذاته.

وهذا المورو من الكشف الذاتي؟ كما بدأه جيمس؟ استمر عند عدد من الشعراء النقاد في عصرنا، ومن أبرزهم ألان تيت وجون كرو رانسوم (أما اليوت فلم يسجل إلا شيئاً قليلاً من هذا ويكاد لا يتحدث عن شعره صراحة، مفضلاً أن يحدث عن " الشاعر " عموماً، وهذا غريب حقاً لأنه هو الذي يقول " إنني لأعتقد أن النقد الذي يجريه أديب ماهر ذو مران على نتاجه لهو أشد أنواع النقد حيوية وأعلاها درجة ") . أما تيت فإنه في مقال بارز عنوانه " نرجس في نظر نفسه " Narcissus Narcissus من كتابه " العقل في جنون " حلل قصيدته " أغنية إلى الأموات المتحالفين " في عشرين صفحة من التعليق المسهب، وهو تحليل جليل الفائدة، يستحق أن يقف في صف مع رسالة كتبها هارت كرين يفسر بها قصيدته " عند قبر ملفل "، ويصلح اتخاذهما دراسة

ص: 175

للعقل الشعري المعاصر. إلا أنه يكاد يكون ن المستحيل أن نعدهما نقداً لأمور كثيرة ليس أقلها شأناً أن الشاعر حين يتحدث عن نتاجه، يستطيع أن يحتكر أية حقائق تزويدنا بها.

وأما جون كرو رانسوم، وهو يمثل موقفاً مخالفاً، فإنه يعالج هذا النوع من النقد الذاتي الكاشف بطريقة أحذق؟ بعض الشيء؟ فقد خلق من حيث هو ناقد " بوطيقا " تبدو مؤسسة في المقام الأول على طريقته هو في كتابة الشعر وتتضمن تمييزه بين " المبنى " و " السياق الشعري " ف القصيدة، والتفرقة بين الوزن والمعنى. فالقصيدة لديه توفيق بين المبنى والسياق الشعري ثم يتحقق فيها توفيق آخر عندما يغير المعنى المقصود ليندرج في الوزن، أو يغير الوزن ليلائم المعنى. وهذه التفرقة؟ بكل أجزائها؟ صحيحة، ولا ريب، في حال رانسوم أو في نتاج رجل مثل ييتس (الذي كان يكتب نثراً أولاً ثم يطرقه في سموط الوزن) أما في حال شاعر ينبثق عنه النظم حراً مثل شكسبير أو كيتس في أوائل عهده، فإن هذه التفرقة نابية لا محل لها. وحين خلق رانسوم بوطيقيا على مثاله، كان ذلك ضربة لازب بالنسبة له، كما هي الحال عند كل شاعر ناقد، غير أن هذا الأنموذج الذي خلقه كان محدوداً لا يمكن تعميمه فقلت منه الفائدة.

ومن هذه الأمثلة القليلة عن الشاعر الناقد؟ وهي أمثلة من خير ما قدمه عصرنا؟ تظهر بعض المشكلات المشتملة ثمة. فالأديب الخالق خير الناس استعداداً (تحت ظروف معينة) ليتحدث عن نتاجه. غير أنه ليس في طوق أحد؟ حينئذ؟ أن يناقشه الرأي فيه، ومن ثم يصبح النقد فناص منعزلاً، مثله في ذلك مثل السيرة الذاتية. ولو أن هذا الأديب بدلاً من التحدث عن نتاجه أقام نظرية إنشائية عنه فإن هذه النظرية قد تعاني لاقياسيته وشذوذه لأن كل الأدباء إلى حد ما، ومن وجه وآخر

ص: 176

لا قياسيون شذوذاً وتفرداً. وإذا ناقش نتاج الآخرين موجهاً ضرورةً بنتاجه المتخصص، فمن المحتمل أن يفتقر إلى المعرفة والأساس النظري اللذين يحتاجهما الناقد المترف كما يفعل إ. م. فورستر في قطعه الأدبية. ومن المحتمل أن يعجز عن أن يكون قارئاً عادياً لشدة وعيه بطريقته، بينا هو لا يستطيع أن يكون ناقداً خالصاً أو صانعاً خالصاً، كما كانت حال فرجينيا ولف في كتابها " القارئ العادي " The Common Reader. وقد تحول محرمات ذاتية دون الحديث عن نتاجه؟ صراحة؟ كما هي حال اليوت أو يكون عاجزاً عن أن يسلط بصيرته على نتاج غيره مثلما يسلطها على نتاجه كحال جيمسن وأخيراً قد يكون مشغول الذهن بقواعده التي يضعها أو يكون شديد التشبث بنتاجه حسوداً أو مصاباً بإحدى الرذائل التي تصيب الشاعر الناقد، مما سبق ذكره. وقد يقال، في وجه هذه الاعتراضات، إن نقداً موضوعياً من الطراز الأول قد ينشأ على يدي أديب خالق من الطراز الأول، وذلك هو حال اليوت. ولكن أحسن النقد كالأحسن من كل شيء آخر، سيكون حسب قانون عام؟ في هذه الحياة؟ نتاج قوم محترفين. (ولسنا ننكر بهذا قاعدة من أصول القواعد النقدية وهي أن الناقد بحاجة إلى أن يحسن شيئاً من تجربة الأديب الخالق، وإلا عجز عن أن يفهم مشكلات الخلق الفني، كما أننا لسنا نقلل من الأهمية العظيمة التي تتمتع بها وثقائق أدبية مثل مقدمات جيمس ومقالة تيت) .

ولقد كتب اليوت يقول في دريدن: " إن مقالاته هي أفكاره الواعية عن أنواع الإنتاج الذي كان يزاوله " وفي هذه الفكرة التي يقدمها عن شاعر يكتب نقداً ويصفه بأنه " واعٍ " اقترح اليوت الزاوية التي يريدنا أن ننظر إليه منها. ويقرر اليوت، بوضوح، صفة نقدية يسميها أحياناً

ص: 177

الحس التاريخي، ويعدها ضرورة لازمة لكي تكفل بقاء الشاعر شاعراً " بعد عامه الخامس والعشرين "، وبما أنه ظل يكتب شعراً بعد أن تجاوز هذه السنة الحاسمة (قال قولته تلك وهو في التاسعة والعشرين) فليس مما يجافي الصواب أن نزعم بأنه وجد تلك الصفة النقدية في نفسه. ومع كتب يقول:" لقد أقول إن المرء قد يكون من حقه، في نتاجه النثري، أن يشغل نفسه بالمثاليات أما عندما يكتب شعراً فإنه لا يستطيع إلا معالجة الحقيقة ". وهذا القول حسبما ترقى إليه معرفتي أول رد من اليوت على تهمة التباين بين شعره ونثره؟ تهمة طالما لاحقته في صور مختلفة؛ فهي تتدرج من الهجوم العنيد الذي واجهه به إرنست بويد في قوله " ليس بين نظريته الجمالية وتطبيقه اعملي أدنى علاقة " إلى هجوم متعاطف معه يمثله رانسوم في قوله:

وتصادم الشاعر والناقد فكان اليوت الناقد هو المستر جيكل، واليوت الشاعر هايد. وكان عجيباً أن نتصور في حكمة جيكل الشاملة وجود الكلمة التي تبرر هايد. وقد درست هذين كليهما بإمعان رجاء التوفيق بينهما غير أني أظن أن هذا التوفيق لن يتحقق، وأن الكلمة التي بحثنا عنها في الحكمة الشاملة غير موجودة؛ لقد سار تيار النقد بقوة في وجه تيار الشعر.

ويكاد ماثيسون أن يكون الوحيد تقدم للدفاع عن تماسك اليوت فأقر أولاً أن اليوت " يفضل نوعاً من الشعر مغايراً كثيراً للذي يستطيع نظمه " ثم ذهب إلى أن " نقده ينير أهداف شعره، وشعره يصور مظاهر كثيرة من نظريته النقدية ". حين ظهرت " المقامات الرباعية الأربع " كان ماثيسون قد أصبح يعتقد أنه خير ما يساعد على فهم شعر اليوت هو

ص: 178

النظر في نقده. وأشار إلى أن مقال اليوت " موسيقى الشعر " يلقي أنسب الأضواء على أهدافه الشعرية، وهو حجة جديدة تنقض حجة الذين لا يزالون يوضعون في الخطأ المغالط بقولهم إنه لا انسجام بين نتاجه الخالق " الثوري " ونقده " الاتباعي "(1) .

وعلى الرغم مما تورط فيه الفريقان من هذر، فهناك نقطة هامة في مضمون هذا اجدل وهي الوحدة العضوية في الشخصية الإنسانية. أما النقاد الذين يرون تبايناً في نتاجي اليوت فهم لا محالة يجردون المرء من كل مظاهر المعنى إن لم يكن من الحياة نفسها. وكذلك فإن ماثيسون يخطئ؟ من الناحية الأخرى، حين يتصور أن العلاقة بين الإنتاجين بسيطة جداً وأن النقد ليس إلا " المرشد الميسور " أو " الترجمة الحرفية " للشعر. وأسلم من هذين الموقفين موقف اليوت نفسه في أن نقد الشاعر قد يكمل شعره من بعض النواحي، وقد كتب يقول في إحدى مقالاته الأولى:" إن الشاعر الناقد ينقد الشعر من أجل أن يخلق شعراً، وفي هذا يلحظ أوضح العلاقات بين الاثنين. وقد لحظ أيضاً أن الشاعر يتخذ من نفسه الناقدة أداة عاكسة أو مدافعة حين قال: " ربما بم يكن آرنولد أبداً موضوعياً حين كتب هذا السطر بل ربما أثير إلى ذلك دفاعاً عن شعره ". وفي سنة 1942 توقف اليوت عن الإيماء إلى استقلال نقده، وكتب يقول: " غير أني أعتقد أن الكتابات النقدية للشعراء، وقد كان منها في الماضي أمثلة متميزة، إنما يرجع قسط كبير مما فيها من متعة إلى أن الشاعر يجرب؟ غير واعٍ أحياناً إن لم نقل عامداً، أن يدافع عن نوع الشعر الذي يقرضه، أو

(1) كسبت " المقامات الرباعية " - فيما يبدو - أناساً كثيرين إلى صف ماثيسون، ومنذ أن كتب هذا الرأي اقتبسه كثيرون، منهم الآنسة م. ك. برادبروكس في كتاب " ت. س. اليوت - دراسة لأدبه على أيدي كتاب متعددين " (1947) وهي تقول:" إن نقده خير تعليق على شعره في الغالب "، وشفعت ذلك بنقول مؤيدة. ومنهم وليم يورك تندال في مجلة The American Scholar خريف 1947 في مقال له ألح فيه على أن نقد اليوت، مهما يكن موضوعه الظاهر، فإنه نقد لإنتاجه.

ص: 179

ليضع قاعدة للشعر الذي يريد أن يقرضه ". ومعنى هذا أن النقد يؤدي لصاحبه مهمات متعددة، مثلما يفعل الشعر، وأنه في الحقيقة نوع آخر من الشعر، وأن هذين النوعين قد يداخلان بدرجات متفاوتة، دون أن يتلاحما، كلياً، أو ينفصلا تماماً.

ويبدو أنهما في السنوات الأخيرة أخذا يميلان إلى التباعد، كل عن الآخر، ذلك لأن مقالات اليوت التي صدرت في العقد الخامس من هذا القرن قد نزعت إلى مواجهة الاتباعية في نظاهرها الدينية والتعليمية والاجتماعية بصراحة أكثر من رؤية الاتباعية من خلال النصوص الشعرية:(وهذه هي مرتبة حسب ظهورها)(1) :

1: - يتركز خطابه الذي ألقاه حين رأس الجمعية الكلاسيكية، ونشر في كراسة عام 1942 بعنوان " الكلاسيكيات والأديب " حول مشكلات الثقافة المسيحية.

2: - ومقدمته التي كتبها لكتاب " مختارات من منظوم كبلنج " ونشرت في العام نفسه، " ليست إلا دفاعاً سياسياً عن وطنية كبلنج الاستعمارية وعنصريته العرقية (لا يصدق اليوت أن كبلنج يؤمن بمبدأ تفوق عنصر جنسي على آخر) "(2)

3: - أما مقاله " ملاحظ من أجل تعريف الثقافة " الذي نشره في New English Weekly سنة 1943 وأعاد نشره في مجلة البارتزان ربيع 1944 فإنه صلة للنزعات التي ظهرت

(1) ترقيم هذه الكتب غير موجود بالأصل، وإنما وضعناه لتيسير تتبعه على القارئ.

(2)

تحت ضغط من مراجعة كتبها ليونل ترلنج، بعث اليوت بتوضيح إلى مجلة " الأمة " The Nation يناير (كانون الثاني) 1944 قال فيه:" لست أعلم أنه (أي كبلنج) كان يبطن مشاعر لاسامية، بوجه خاص ".

ص: 180

في " مثال المجتمع المسيحي " مع نص أوكد على المظاهر الثقافية والتعليمية في مبدأه المثالي الديني القائم على حصر السلطة في يد هيئة واحدة.

4: - ومقالة " الأديب ومستقبل أوروبة " الذي أعيد طبعه في مجلة سيواني صيف 1945 بعد طبعه أولاً في مجلة " ابن الشمال " Norseman النرويجية فهو اقتراح للأدباء كي يتفقوا؟ كطبقة؟ على الأمور العامة مثل الثقافة والتعليم.

5: - وأما خطابه الذي ألقاه في جمعية أصحاب الكتب الويلزيين ونشرته مجلة سيواني شتاء 1946 وعنوانه " وما هو الشعر الذي لا يعد من الطراز الأول " فمنهجه تعليمي أكثر منه نقدياً ونغمته توجيهية مستعلية، وقسط كبير منه مخصص لتبويب المهمات التي تؤديها المختارات الشعرية والمجلات الصغيرة.

6: - وأما مقاله الحديث عن بوند وكلمته التأبينية في فاليري فكلاهما يتصل بأوروبة التي شهدها كل منهما، وما يفنى منها وما يبقى (لقد قال فاليري: إن أوروبة بلغت النهاية) وقد نتصور في هذا كله قسطاً من انعكاس النظرة الذاتية.

7: - وأخيراً نجد أن عدداً من كتاباته الحديثة ديني أو سياسي مباشر ومنها " كتيبة " عند وحدة الكنيسة، ومقدمة كتاب عنوانه " ظلام القمر " لمؤلف مجهول عن سوء معاملة الروس لبولندة، وهكذا. ومنذ أن صدر مقاله " موسيقى الشعر " سنة 1942 لا أعرف له نقداً يدور حول الأدب؟ من حيث هو أدب؟ (ربما باستثناء

ص: 181

محاضرة حديثة ألقاها في نيويورك عن ملتن راجع فيها تقديره القديم لهذا الشاعر) . بل إن أنموذج نتاجه الحديث؟ فيما يبدو؟ يتمثل في الموروث الذي قهر الاهتمام الأدبي، مع أنه انبثق منه، مثلما أن الرجعية السياسية (في حالات كحال موراس) تقهر أحياناً النظرة الدينية التي كان يراد لها أن تسندها.

ولا ريب في أن فهمنا اليوت الإنسان هو الذي يفتح الطريق إلى شعره ونقده، وإن أنكر ذلك بشدة، مثلما اتضح لنا؟ على وجه الجملة 0 أن " الاتباعية " عنده تستمد وجودها من حاجة ذاتية. وهناك نقاش أدبي آخر لا يقل مرارة وقلة جدوى عن النقاش الذي دار حول الصلة بين شعره ونقده وذلك هو: إلى أي حد يمكن أن نرى في شعر اليوت خيوط سيرة ذاتية؟ وقد صفع ماثيسون، محقاً، نقاداً مثل غرانفيل هكس وس. داي لويس ذهبوا إلى أن اليوت كتب سيرته الاجتماعية في قصيدته " جرونشن " و " بروفروك "؟ بهذا الترتيب؟ ومن الواضح أن اليوت مثل نسر معمر في أوائل عقده الخامس ليبدو مضحكاً بعض الشيء (1) . ومع ذلك فمن المحال أن نعد بعض تعابيره حين نطلع عليها وبخاصة في " المقامات الرباعية " إلا تقريرات ذاتية مباشرة من الشاعر، كتبت في نغمة تشبه نثر لغة التخاطب. فهو يقول في East Coker:

كانت تلك طريقة من التعبير عنها؟ طريقة غير كثيراً، دراسة متكلفة معقدة على نحو شعري قد أخنى عليه الدهر تترك المرء في صراع لا قبل له به، مع الألفاظ والمعاني،

(1) أي فيه شيء من صفات بروفروك المتردد المنخوب القلب في مجتمع متحضر " وفي وسط رأسه بقعة صلعاء "، والنساء ينظرن إليه ويقلن " يا لشعره كيف يبدو رقيقاً سخيفاً " وياقته قد صعدت نحو ذقنه، ودبوس رخيص يمسك ربطة عنقه، والنساء يقلن " يا لله ما أتحف ذراعيه وساقيه ".

ص: 182

أما الشعر نفسه فأمره ثانوي.

أقول مرة أخرى: لم تكن هذه الطريقة هي الشيء المرجو فماذا كانت تصبح قيمة ذلك الذي طال ترقبه.

ذلك الهدوء الذي طال ترجيه، ذلك الوقار الخريفي وحكمة العمر؟

وبعد بضع صفحات:

وهكذا تراني هنا على الجادة، بعد عشرين سنة

عشرين سنة بددتها بسخاء، سنوات ما بين حربين، محاولاً أن أتعلم استعمال الألفاظ، وكل محاولةٍ، بدء جديد، ونوع جديد من الإخفاق

لأني لم أتعلم إلا التحكم بالألفاظ

المتصلة بشيء لم أعد أريد التحدث عنه

أو بالطريقة التي أصبحت لا أميل إلى التعبير بها

وكل محاولة بدء جديد، هجوم على مبهم يمتنع على الإبانة،

بمعدات متهرئة لا يزال يدركها الفساد،

في حومة الشعور الطاغي،

وأمام كتائب من العاطفة جامحة على النظام (1)

فهذه الأبيات تنص حقاً؟ حتى حين يتردد فيها ذكر " الشعور " و " العاطفة " التي أسقطت من الشعر قبل ربع قرن مضى؟ على الألم؛ ذلك الألم الذي أعلنه اليوت في كتابه عن دانتي وقال إنه ليس مصدر الشعر وحسب بل هو مادته الوحيدة. لقد اعترف أنه يشعر بعد نظم الشعر " براحة مفاجئة من عبء فادح " وقال في موضع آخر: " وعلينا

(1) نقلاً عن East Coker في قصيدة " المقامات الرباعية الاربع " لاليوت. حقوق الطبع محفوظة (1943) لاليوت. اقتبست بإذن من شركة هاركورت وبريس

ص: 183

جميعاً أن نختار أي موضوع يهيئ لنا أعمق الراحة وأخفاها ". ومن السهل أن نرى الإنسان المتألم في قولته المشهور " إننا لنكافح لنحتفظ بالحياة لشيء ما أكثر من رجائنا أن ينتصر شيء ما " أو في كلمته " كلمات أخيرة "، التي بعث بها إلى مجلة " المحك " سنة 1939 متخلياً عن رئاسة تحريرها بعد ستة عشر عاماً:

في مثل هذه الحال الراهنة من أحداث العالم، التي بعثت في نفسي تخاذلاً في الروح يختلف عن كل تجربة واجهتها خلال خمسين عاماً، تجربة لا يمكن أن تتحول إلى عاطفة جديدة، أراني لم أعد أحس بالحماسة التي لابد منها لكي أجعل من مجلة أدبية ما ينبغي أن تكون.

إن الشخصية التي تنبثق أخيراً من هذا كله، ليست، كما قد يتوقع المرء، شخصية فنان عظيم منتصر، حقق في قصيدته " المقامات الرباعية " قطعة من أصل ما صدر في عصرنا من شعر، بل شخصية رجل مريض مقهور معذب يتحلل متوكئاً على النظام واللاشخصانية في الشعر، والاتباعية في النقد. وقد يمكن للنقد " الاتباعي " أن يتوجه بأمل تحو المستقبل؟ على خلاف نقد اليوت؟ ولكنه يحتاج حينئذٍ أشياء أدبية أخرى، ولابد له من أن يختار موروثاً آخر.

ص: 184